عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام فكرية

غالب المسعودي: انحلال الجمال الفلسفي في عصر التفاهة

تحولات علم الجمال والتسليع الثقافي في المجتمعات الشرق أوسطية

تُشكّل الاستراتيجية التفكيكية، كما بلورها الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا، تحولًا جذريًا في مساءلة الخطاب الفلسفي الغربي عبر تقويض الميتافيزيقا المؤسَّسة على مركزية العقل والماهيات الثابتة. ولم تكن فلسفة الجمال بمعزل عن هذا التشريح النقدي؛ إذ قامت النظريات الجمالية الكلاسيكية، الممتدة من أفلاطون وأرسطو وصولًا إلى إيمانويل كانط وفريدريش هيغل، على افتراض ماهية أزلية للجمال تتجلى في التناسب والانسجام والاتساق الهارموني. واعتمدت هذه البنية على ثنائيات ضدية حاسمة ترسم الحدود الصارمة: الجميل مقابل القبيح، الذاتي مقابل الموضوعي، الأصلي مقابل الزائف، والشكل مقابل المضمون. يعمل التفكيك على كشف التوترات الداخلية والشقوق في صُلْب هذا الخطاب، معريًا عجز النص الجمالي عن الحفاظ على نقائه المفهومي، ومبينًا أن ما دُعي "مركزًا ثابتًا" للجمال ليس إلا بناءً اصطناعيًا شُيّد في سياق تاريخي ومؤسسي محدد.

إذ أتاح تقويض المركزية الجمالية تحرير العمل الفني والبصري من هيمنة القصد المباشر للمؤلف، وفتح الفضاء أمام تعددية التأويل وتفكيك الحدود الفاصلة بين الفنون. غير أن هذا التفكيك الشامل لميتافيزيقيا الجمال واجه مسارًا ملتويًا حين تلاقى مع البِنَى الهيكلية للرأسمالية المتأخرة؛ فمع انهيار المعايير النخبوية الصارمة، امتص اقتصاد السوق هذه السيولة المفهومية، لتتحول فلسفة الجمال من ميدان للبحث عن التسامي والحقيقة الوجودية إلى صناعة نمطية تُسلّع الرغبة وتُسطّح الذائقة البشرية في دورات الاستهلاك السريع.

من نظام التفاهة إلى هيمنة "الأملس" الرقمي

تتقاطع أطروحات التفكيك النقدية مع التحليلات المعاصرة لما يُعرف بـ "نظام التفاهة"، كما يُفككه الفيلسوف الكندي آلان دونو، حيث يرى أن النموذج الاقتصادي لليبرالية الحديثة لم يعد يطلب التميز الفكري أو العمق التأملي، بل فرض سلطة التقنيين والخبراء المحكومين بمتطلبات الإدارة والسوق، مما أفضى إلى تسطيح المؤسسات الثقافية وتهميش العلوم الإنسانية. وفي هذا المناخ، غدت الكفاءة رهن التكيف مع السائد وخدمة الشركات الكبرى، وتطويع الوعي ليناسب الاستهلاك اللحظي دون إثارة أسئلة نقدية تمس بنية النظام القائم.

ينتقل هذا التحول إلى أفق أكثر عمقًا مع الفيلسوف الناقد بيونغ-شول هان في مؤلفه "خلاص الجمال"، إذ يرصد الانتقال من الجمال التقليدي القائم على التناقض وصدمة السلب، إلى هيمنة "الجمال الأملس" أو "الناعم". يحلل هان السطح الأملس اللامع، المتجسد في واجهات الهواتف الذكية، وأعمال جيف كونز التزويقية، والأجساد المصقولة اصطناعيًا، بوصفه التعبير البصري المباشر عن ثقافة الليبرالية الاستهلاكية المفرطة في الإيجابية. فالسطح الأملس يمحو كل مقاومة، ويستبعد الخدوش والزوايا الحادة، ليؤسس ثقافة خالية من الألم أو المباغتة الفكرية، مكرسًا مقولة الإعجاب الفوري والامتلاك العابر.

يُفضي طغيان الجمال الأملس إلى نسف "المسافة التأملية" الضرورية لنشوء الحكم الجمالي والارتقاء الروحي. فبينما كان التلقي الجمالي الأصيل يعتمد على حاسة البصر التي تحفظ المسافة وتولد الدهشة والرهبة أمام السامي والمهيب، يعتمد الجمال الأملس على اللمس الفوري عبر الشاشات وإشارات التفاعل السريع. يلغي هذا اللمس الآني المسافة الفاصلة، محولًا الفن إلى سلعة سهلة الهضم والامتصاص. ويلتقي هذه المنحى مع رؤية آرثر دانتو حول "نهاية الفن" و"إساءة استخدام الجمال"، إذ تراجع الفن عن مهمة التسامي وهز الوعي الوجودي ليغدو ممارسات شكلية استعراضية تابعة لتجارة الصور وإعلانات الشركات.

التحولات البنيوية في الفكر الجمالي

تُظهر القراءة النقدية للفكر الجمالي تحولًا جذريًا عبر ثلاث أطوار رئيسية:

الجماليات الكلاسيكية والمثالية: تأسست على الميتافيزيقا المتسامية؛ حيث الجمال جوهر أزلي وانسجام تام يجسد قيم الحق والخير، ويُدرك عبر بصر تأملي يحفظ المسافة ويثير الرهبة والارتقاء، مع احتواء القبح وتوظيفه لخدمة التناغم الكلي للعمل.

الجماليات الحداثية والتفكيكية: قامت على نقد مركزية العقل وتفكيك المسلمات، وتعرية الشقوق والتوترات النصية؛ حيث أُعيد تعريف الجمال كأثر مفتوح متجدد الدلالات، ووُظفت الانكسارات لتفكيك اليقين المطلق والشفافية المصطنعة.

جماليات السلعة الاستهلاكية: في ظل الليبرالية المتأخرة وسيادة منطق السوق، تحول الجمال إلى سطح أملس مفرط الإيجابية وخالٍ من أي تعقيد أو صدام. تحول وسيط الإدراك إلى اللمس الرقمي العابر، واختُزلت الوظيفة الوجودية في الترفيه السريع وإشباع الذات، عبر إقصاء المعاناة وأثر الزمان والتجربة الحية.

التحولات الجمالية والاجتماعية في المجتمعات الشرق أوسطية

تتخذ أزمة انحلال الجمال بعدًا أشد تعقيدًا في المجتمعات الشرق أوسطية والعربية، تحت وطأة التحديث القسري، وضغوط الاستتباع الثقافي، وغياب الحواضن النقدية المستقلة. أدّى هذا التراكم إلى تجريد الإنسان من أبعاده الروحية والتاريخية، وإعادة صياغته بوصفه كائنًا استهلاكيًا محصورًا في تحصيل الملذات المادية السريعة.

تجلت هيمنة النمط الاستهلاكي في تشويه النسيج القيمي والجمالي؛ إذ تراجعت الخصوصيات الثقافية لمصلحة المعايير البصرية المستوردة. وبرز هذا التسطيح في الهوس المتزايد بجراحات التجميل وتنميط الجسد والوجه وفق قوالب مصنعة مسبقًا، حيث تجاوزت الجراحة حدود العلاج والترميم لتغدو واجبًا اجتماعيًا مفروضًا رقميًا للوصول إلى "الجسد الأملس" الخالي من آثار العمر والملامح الفردية.

يتزامن هذا التنميط مع تراجع دور المثقف النقدي لمصلحة منظومات الدعاية وصناع المحتوى السطحي الذين يكرسون الابتذال. أسفرت هذه البيئة عن تعويم المعرفة، واستبدال التحليل الرصين بالمقولات الرخوة، واختزال الفكر إلى ومضات سريعة ومبتورة تناسب حركة التداول اليومي دون معالجة الإشكالات البنيوية. ويتعمق الاغتراب عبر تسليع التراث والفنون المحلية وإفراغها من شحنتها الرمزية والروحية لتتحول إلى مجرد زينة فلكلورية مجردة من طاقتها التحررية، مما أوقع الإنسان في اغتراب مزدوج: ابتعاد عن موروثه الحي، واستلاب داخل نموذج استهلاكي يسلبه استقلاله الفكري.

نهاية عصر الجمال أم فرط الجمال السطحي؟

تقتضي المعالجة التفكيكية فحص مقولة "نهاية الجمال"؛ فالواقع الراهن لا يشهد غيابًا للمظهر الجمالي، بل يظهر تضخمًا واستنفادًا كاسحًا له في كل مفاصل الحياة، حيث تخضع المنتجات والأجساد والواجهات العمرانية لتصميم بصري برّاق يهدف إلى الاستدراج التسويقي. إن هذا الاستغراق في السطحية هو ما أجهز على "الجمال النقدي المتسامي"؛ فحين يغدو كل شيء أملس ومعدًا للاستهلاك العاجل، يفقد الجمال قدرته على صدم الوعي أو بعث الأسئلة الوجودية، متماهياً مع منطق الربح المادي.

إن استعادة المعنى الجمالي وتجاوز هذا الانحلال يظلان رهن مسارين نقديين:

استعادة صدمة القبح وسلبية المعنى: الخروج من أسر "الجمال الأملس" عبر رد الاعتبار للفن الذي يواجه المتلقي بالكسور والتجاعيد والتوترات الوجودية. فالفن الحقيقي هو ما يخدش السطح المصقول، ويفرض المسافة التأملية، ويضع الذات أمام قضايا الألم والزمن والقرادة الإنسانية التي تطمسها ثقافة السطحية.

تفكيك آليات التسليع والهيمنة: توظيف التفكيك كمنهج نقدي لمساءلة المسلمات التي تقوم عليها خطابات السوق ووسائط الاتصال الحديثة، بما يحرر الوعي من قوالب الاستهلاك الجاهزة، ويفتح أفق التفكير في الوجود خارج إطار المنفعة المادية المحدودة.

الشرق الأوسط وتنميط الأجساد

تُظهر القراءة النقدية أن مفهوم الجمال شهد تحولًا بنيويًا انتقل فيه من التسامي الميتافيزيقي القائم على الاتساق والماهية الثابتة، مرورًا بالتشريح التفكيكي الذي زعزع المركزيات والحدود الصارمة، وصولًا إلى التسطيح والتسليع في عصر الليبرالية الحديثة ونظام التفاهة. لقد أنتجت هذه الصيرورة واقعًا بصريًا محكومًا بثقافة "السطح الأملس" والاستهلاك الفوري، حيث تلاشت المسافة التأملية وتجرد الجمال من طاقته النقدية.وفي السياق الشرق أوسطي، تضافر هذا التحول مع التحديث المشوه، مما أسهم في تراجع الوعي النقدي، وتنميط الأجساد والمفاهيم، واختزال التراث في بضائع تزيينية. إن المجتمعات المعاصرة لا تشهد غيابًا للجمال، بل تعيش موت أبعاده النقدية والمتسامية لحساب إفراط استهلاكي شكلي. ولا سبيل إلى استرداد القيمة الأصيلة للجمال إلا بتفكيك ثقافة التفاهة، وتجاوز الاختزال المادي للإنسان، وإعادة تأسيس التجربة الجمالية بوصفها فضاءً للحرية والوعي المقاوم والتأمل الفلسفي العميق.

***

غالب المسعودي

في المثقف اليوم