عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام فكرية

العيد معروفي: مفهوم الدازين عند هايدغر.. مقاربة تأويلية

ليس الدازين عند مارتن هايدغر مجرد كلمة ألمانية عصية على الترجمة، ولا هو اسمٌ آخر للإنسان كما اعتادت الفلسفة أن تتحدث عنه منذ أفلاطون وأرسطو. إن الدازين، في العمق، هو محاولة لإعادة صياغة السؤال عن الإنسان قبل أن يتحول الإنسان إلى «موضوع» بين موضوعات العالم. ولذلك فإن ترجمة Dasein بـ«الوجود-هنا» أو «الكائن-هنا» تظل ترجمة تقريبية، لأن الكلمة عند هايدغر لا تشير إلى إنسان موجود في مكان ما، بقدر ما تشير إلى ذلك الكائن الذي تكون مسألة وجوده مفتوحة أمامه.

ومن هنا تبدأ المسافة بين هايدغر والفلسفة التقليدية. فالإنسان لم يعد، في الوجود والزمان، «حيوانًا عاقلًا»، ولا «ذاتًا» تقف في مواجهة العالم، ولا «وعيًا» يتأمل الأشياء من الخارج. إنه كائنٌ ملقى في عالم لم يختره، يعيش داخله، ويتعامل مع أشيائه، ويتقاسم لغته وعاداته ومخاوفه مع الآخرين. إن الدازين لا يقف أمام العالم كمتفرج؛ إنه متورط فيه منذ البداية.

والسؤال الذي يفتح به هايدغر أفقه ليس: ما الإنسان؟ بل: كيف يوجد هذا الكائن الذي يستطيع أن يسأل عن الوجود؟ هنا يتحول الإنسان من جواب إلى سؤال، ومن تعريف جاهز إلى إمكانية مفتوحة.

الدازين ليس «الإنسان» بالمعنى المألوف

حين نقول «الإنسان»، فإننا غالبًا نستدعي مفهومًا عامًا يمكن تعريفه بخصائص معينة. أما الدازين فلا يسمح بسهولة بهذا الاختزال؛ لأنه ليس جوهرًا ثابتًا نكتشفه وراء مظاهر الحياة، بل هو نمط من الوجود. الدازين هو الكائن الذي لا تكون ماهيته منفصلة عن طريقة وجوده.

ولهذا يمكن القول إن هايدغر يقلب العبارة الميتافيزيقية القديمة: الإنسان ليس شيئًا يمتلك الوجود، بل هو الكائن الذي يُسأل وجوده من خلال وجوده.

وهنا تكمن أهمية الدازين: إنه ليس إجابة عن سؤال الإنسان، وإنما هو الطريق الذي ينبغي أن نسلكه لكي يصبح سؤال الوجود ممكنًا من جديد.

فالفلسفة، في نظر هايدغر، أخطأت حين انشغلت طويلًا بالكائنات ونسيت السؤال عن «الوجود» الذي يجعل ظهور الكائنات ممكنًا. وقد كان الإنسان نفسه، paradoxically، أحد ضحايا هذا النسيان؛ إذ جرى اختزاله إلى نفس، أو عقل، أو وعي، أو ذات، أو كائن بيولوجي.

أما الدازين فيعيد الإنسان إلى انفتاحه الأصلي: إلى كونه إمكانية قبل أن يكون هوية مكتملة.

الدازين: وجود في العالم

من أكثر المفاهيم التصاقًا بالدازين مفهوم الوجود-في-العالم (In-der-Welt-sein). وليس المقصود أن الإنسان موجود «داخل» العالم كما يوجد كتاب داخل غرفة. فهذه الصورة تفترض إنسانًا مستقلًا عن العالم ثم تضعه داخله.

هايدغر يريد شيئًا أعمق: العالم ليس مسرحًا خارجيًا تحدث فيه حياة الدازين؛ العالم جزء من البنية الأصلية لوجوده.

أنا لا أستيقظ صباحًا فأجد أمامي أولًا «عالمًا محايدًا»، ثم أقرر كيف أتعامل معه. أستيقظ وسط شبكة من المعاني: بيت، عمل، لغة، عائلة، أدوات، مواعيد، ذكريات، توقعات. العالم لا يظهر لي ككومة أشياء، بل كنسيج من الدلالات.

وهنا تصبح المطرقة، مثلًا، أكثر من جسم ذي كتلة وشكل. إنها «شيء للاستعمال» داخل سياق من العلاقات. حين أطرق مسمارًا، لا أتوقف عادة لأتأمل المطرقة بوصفها موضوعًا فيزيائيًا؛ إنها تندمج في الفعل نفسه.

وهذا ما يجعل هايدغر يتجاوز التصور النظري للوعي. فنحن لا نبدأ دائمًا من التأمل، بل من الانخراط. نحن نسكن العالم قبل أن نفسره، ونستعمله قبل أن نحوّله إلى موضوع معرفة.

الإلقاء: أن نجد أنفسنا في عالم لم نختره.

الدازين ليس سيد بدايته. إنه ملقى في العالم

نحن لم نختر تاريخ ميلادنا، ولا لغتنا الأولى، ولا عائلتنا، ولا العصر الذي ولدنا فيه، ولا كثيرًا من الشروط التي شكلت بدايات وجودنا. ومع ذلك نجد أنفسنا داخلها، مطالبين بأن نصنع منها شيئًا.

يسمي هايدغر هذا البعد الإلقاء (Geworfenheit).

والإلقاء ليس مجرد حادثة بيولوجية؛ إنه بنية وجودية. أن تكون موجودًا يعني أن تجد نفسك دائمًا وقد سبقتك أشياء كثيرة. أنت تأتي متأخرًا إلى عالم كان موجودًا قبلك، ثم يُطلب منك أن تمنحه معنى.

ومن هنا تنشأ المفارقة الجميلة في الوجود الإنساني: نحن لا نختار نقطة انطلاقنا، لكننا مسؤولون عن الطريقة التي نواصل بها الطريق.

الدازين و«الناس»

لكن الدازين لا يعيش في عزلة رومانسية. إنه يوجد دائمًا مع الآخرين. ولذلك يتحدث هايدغر عن الوجود-مع (Mitsein).

غير أن وجودنا مع الآخرين قد يتحول إلى فقدان للذات. فالإنسان كثيرًا ما يعيش وفق ما «يُقال»، وما «يفعل الناس»، وما «يراه الجميع مناسبًا».

هنا يظهر مفهوم الـ«هم» (das Man).

الـ«هم» ليس مجموعة أشخاص محددين، بل ذلك المجهول الاجتماعي الذي يقول لنا بصورة غير مباشرة: هكذا يفكر الناس، هكذا يتصرف الناس، هكذا ينجح الإنسان، هكذا ينبغي أن يعيش.

في الـ«هم» لا أقول: «أنا اخترت». بل تقول اللغة الاجتماعية من خلالي: «هكذا يفعلون».

وهنا يصبح الدازين مهددًا بأن يعيش حياة مستعارة؛ حياة لا يختارها بقدر ما يرثها من التداول اليومي.

السقوط في اليومي

يسمي هايدغر هذا الانغماس في أنماط الحياة المألوفة السقوط (Verfallen).

والسقوط لا يعني ارتكاب خطيئة أخلاقية، كما قد توحي الكلمة لأول وهلة. إنه يعني أن الدازين قد يفقد علاقته الأصيلة بإمكاناته حين يذوب في ضجيج اليومي.

الثرثرة، والفضول، والالتباس، والانشغال بما يقوله الجميع، كلها مظاهر تجعل الإنسان يبتعد عن سؤال وجوده.

فالثرثرة، مثلًا، لا تحتاج إلى أن تكون كذبًا. قد تكون صحيحة من الناحية المعلوماتية، لكنها تظل سطحية وجوديًا لأنها تجعل الكلام يدور حول الأشياء دون أن يلامس تجربة الوجود نفسها.

وهنا يمكن أن نقول: ليست المشكلة أن الإنسان يتكلم كثيرًا، بل أن الكلام قد يتكلم فيه بدلًا منه.

القلق: حين يتراجع العالم المعتاد

إذا كان السقوط يجعل الدازين مألوفًا لنفسه داخل العالم اليومي، فإن القلق (Angst) يحدث شرخًا في هذا الاطمئنان.

في الخوف أعرف عادة ما أخاف منه: مرض، حادث، فقدان، خطر. أما في القلق، فإن الأمر أكثر جذرية؛ إذ يتزعزع معنى الأشياء نفسها.

لا يعود العالم مجرد مجموعة من الأدوات والمشاغل اليومية. ينسحب ذلك الأمان المألوف، ويجد الدازين نفسه أمام إمكان وجوده ذاته.

ولهذا فالقلق عند هايدغر ليس مرضًا نفسيًا بالمعنى السريري، وإنما تجربة وجودية تكشف للدازين شيئًا عن بنيته العميقة.

إن القلق يقول للإنسان، بطريقة لا تحتاج إلى خطاب: أنت لست ما اعتدت أن تكونه فقط.

الموت: الإمكانية القصوى

لكن الدازين يبلغ أقصى انكشافه على نفسه أمام الموت.

الموت عند هايدغر ليس مجرد حدث يقع في نهاية الحياة، بل هو إمكانية الوجود القصوى. إنه الإمكانية التي لا يستطيع أحد أن ينتزعها من الدازين أو يعيشها بدلًا منه.

يمكن للآخر أن يساعدني، أن يحبني، أن يواسيني، لكنه لا يستطيع أن يموت موتي.

ولهذا فإن الموت يكشف فردانية الدازين كشفًا جذريًا.

ومن هنا يظهر مفهوم الوجود-نحو-الموت (Sein-zum-Tode). إن الإنسان الأصيل ليس من يهوى التفكير في الموت، وإنما من يدرك أن موته ليس حادثًا خارجيًا فحسب، بل إمكانية ترافق وجوده منذ البداية.

الموت ليس مجرد «آخر صفحة» في الكتاب؛ إنه ظلّ الكتاب الذي يجعل كل صفحة منه ذات وزن.

الأصالة ليست حياة خارج المجتمع

قد يُفهم من ذلك أن هايدغر يدعو إلى الهروب من المجتمع والعيش في عزلة. وهذا فهم غير دقيق.

الأصالة (Eigentlichkeit) لا تعني أن يصبح الإنسان كائنًا بلا الآخرين، وإنما أن يتوقف عن تسليم وجوده بالكامل إلى الـ«هم».

فالدازين الأصيل لا يخرج من العالم، بل يعود إليه بطريقة مختلفة. إنه لا يتخلص من اللغة والعادات والمؤسسات، لكنه يبدأ في امتلاك علاقته بها بدل أن تكون هي التي تمتلكه.

الأصالة، إذن، ليست قناعًا جديدًا نرتديه، وإنما هي استعادة لعلاقة أكثر مسؤولية مع إمكانات وجودنا.

الضمير والقرار

في هذا السياق يظهر نداء الضمير. والضمير عند هايدغر ليس محكمة أخلاقية داخلية تصدر الأحكام، وإنما نداء يعيد الدازين إلى نفسه.

إنه نداء لا يخبرني بالتفصيل ماذا أفعل، بل يوقظني من سباتي داخل الـ«هم».

ومن هنا يأتي مفهوم القرار (Entschlossenheit): أن يصبح الدازين قادرًا على اتخاذ وجوده على عاتقه، لا بوصفه مشروعًا مغلقًا، بل بوصفه إمكانية.

فالقرار لا يعني أنني أصبحت متأكدًا من كل شيء؛ بل يعني أنني قبلت أن أعيش داخل عدم اليقين دون أن أختبئ وراء يقين الجماعة.

الدازين والزمن

لا يمكن فهم الدازين من دون الزمن. فالإنسان ليس نقطة حاضرة مكتفية بذاتها. إنه يحمل ماضيه، ويتجه نحو إمكاناته، ويعيش الحاضر بين الاثنين.

الدازين هو، بهذا المعنى، كائن زمني.

الماضي ليس شيئًا انتهى تمامًا، والمستقبل ليس شيئًا لم يأتِ بعد فحسب. كلاهما يعمل داخل الحاضر. نحن نعيش من خلال ما كنا، ومن خلال ما يمكن أن نصير إليه.

وهنا تصبح الوجودية الهايدغرية أكثر تعقيدًا من مجرد فلسفة عن «الإنسان». إنها تحليل للبنية الزمنية التي تجعل الإنسان قادرًا على أن يكون مشروعًا مفتوحًا.

التأويل: الدازين بوصفه كائنًا يفهم

ومن هنا تبرز أهمية المقاربة التأويلية.

الدازين ليس كائنًا يوجد أولًا ثم يبدأ بعد ذلك في فهم العالم. الفهم نفسه نمط من وجوده.

إنني لا أواجه العالم بعين محايدة تمامًا؛ أدخله وفي داخلي تاريخ، ولغة، وتجارب، وانتظارات. لذلك فإن فهمنا للعالم مشروط دائمًا بأفق سابق.

وهنا يقترب هايدغر من قلب الهرمينوطيقا: الإنسان ليس مجرد مفسر للنصوص، بل هو في ذاته كائن تأويلي.

إنه يعيش بالتأويل حتى قبل أن يجلس أمام كتاب ليفسره.

نحن نؤول الآخر، والحدث، والذاكرة، والمستقبل، وحتى أنفسنا. ولذلك فإن سؤال «من أنا؟» لا يقود إلى جوهر ثابت مختبئ خلف التجربة، وإنما إلى مسار تأويلي لا ينتهي بسهولة.

خاتمة: الدازين كإمكان مفتوح

إن أهمية مفهوم الدازين عند هايدغر تكمن في أنه حرر التفكير في الإنسان من كثير من التعريفات الجاهزة. لم يعد الإنسان جوهرًا مكتملًا، ولا ذاتًا منعزلة، ولا عقلًا يطل من الخارج على العالم. إنه كائن ملقى، يعيش مع الآخرين، يسقط في اليومي، يقلقه وجوده، يتجه نحو الموت، ويفهم ذاته والعالم من داخل أفق لغوي وزمني وتأويلي.

ولهذا فإن الدازين ليس «من نحن؟» بقدر ما هو «كيف نوجد؟»

وهذا التحول الصغير في صياغة السؤال يفتح هاوية فلسفية كاملة.

فالإنسان، عند هايدغر، لا يُعثر عليه في تعريف نهائي، لأنه ليس شيئًا جاهزًا كي نعثر عليه. إنه مشروع وجود، وإمكان، وانفتاح، وسؤال يمشي على قدمين.

وربما لهذا كان الدازين أكثر من مفهوم فلسفي: إنه اسمٌ للإنسان حين يتوقف عن النظر إلى وجوده بوصفه أمرًا عاديا.

***

بقلم: د. معروفي العيد

في المثقف اليوم