بين التقليد الألماني عند كارل يسبرس ومارتن هيدغر والتقليد الفرنسي عند ميشيل فوكو وجيل دولوز
مقدمة: يظل سؤال ماهية الفلسفة من أكثر الأسئلة إلحاحاً وإشكالية في الفكر المعاصر، لا لأنه يفتقر إلى إجابات، بل لأن كل إجابة تحمل في طياتها تصوراً مختلفاً عن مهمة الفكر وعلاقته بالوجود والتاريخ والذات والمجتمع. يتقابل في هذا السؤال تقليدان كبيران: التقليد الألماني الذي يتمثل هنا في كارل يسبرس ومارتن هيدغر، حيث تُربط الفلسفة بمسألة الوجود والوجود الإنساني الأصيل والتفكير في الكينونة، والتقليد الفرنسي الذي يتمثل في ميشيل فوكو وجيل دولوز، حيث تُعاد صياغة الفلسفة بوصفها نقداً تاريخياً للمعرفة والسلطة أو بوصفها إبداعاً للمفاهيم وممارسة للفكر المحايث. تسعى هذه الدراسة إلى الاشتغال المقارن على تحديد ماهية الفلسفة عند هؤلاء الأربعة، كاشفة عن نقاط التقارب والتباعد، وعن الكيفية التي يعيد بها كل واحد منهم تأسيس الفلسفة بعد أزمة المثالية والميتافيزيقا التقليدية. فماهي الفوارق بين التقليد الألماني والتقليد الفرنسي في مستوى الاشتغال على تحديد ماهية الفلسفة؟
التقليد الألماني: الفلسفة بما هي تفكير في الوجود والوجود الأصيل
ينطلق كارل يسبرس من تمييز حاسم بين المعرفة العلمية الموضوعية والتفلسف بوصفه فعلاً وجودياً. الفلسفة عنده ليست علماً يراكم نتائج قابلة للتحقق العام، بل هي فعالية وعي بالوجود تتحقق في مقامات الوجود الإنساني الأصيل. يميز يسبرس بين الوجود اليومي والوجود الأصيل، ويرى أن الفلسفة تستيقظ في المواقف الحدية كالموت والمعاناة والصراع والخطيئة، حيث ينكشف الإنسان على تناهيها وعلى تعاليه الممكن في آن واحد. ماهية الفلسفة عند يسبرس تكمن في الإنارة الوجودية وفي التواصل الأصيل الذي يتجاوز مجرد تبادل المعلومات إلى لقاء حر بين ذوات. الفلسفة أيضاً هي البحث عن الشامل الذي لا يُدرك كموضوع بل يُشار إليه بوصفه الأفق الذي يجعل كل ظهور ممكناً. بهذا تكون الفلسفة عند يسبرس ممارسة تحرر وانفتاح ومسؤولية، لا بناء لنسق مغلق.
أما مارتن هيدغر فيدفع السؤال إلى مستوى أنطولوجي أعمق. الفلسفة في صورتها التقليدية هي الميتافيزيقا التي نسيت سؤال الوجود وانشغلت بالموجودات. ماهية التفكير الأصيل عند هيدغر ليست الاستدلال أو بناء الأنساق، بل الإصغاء إلى نداء الوجود والتفكير في الاختلاف الأنطولوجي بين الوجود والموجود. في مرحلته المتأخرة يعلن نهاية الفلسفة بوصفها ميتافيزيقا، ويدعو إلى بداية أخرى للتفكير تتجاوز الذاتية والحسابية والتقنية. الفلسفة الحقة أو ما يخلفها هو التفكير الذي يقيم في القرب من الوجود، تفكير شعري وتأملي يحفظ السر ولا يسعى إلى السيطرة. بهذا يحدد هيدغر ماهية الفلسفة لا بما تنتجه من معارف، بل بما تفتحه من علاقة أصيلة بالكينونة وبما تكشفه من خطر النسيان الذي يهدد العصر التقني.يتفق يسبرس وهيدغر على ربط الفلسفة بمسألة الوجود الإنساني الأصيل وعلى نقد الاختزال العلمي والموضوعي، لكنهما يختلفان في النبرة والأفق. يسبرس يبقي الفلسفة في دائرة التواصل والحرية والمواقف الحدية الإنسانية، بينما يوجه هيدغر الفلسفة نحو سؤال الوجود نفسه ويبلغ حد الإعلان عن نهايتها التاريخية كمطلب للانتقال إلى تفكير آخر.
التقليد الفرنسي: الفلسفة بما هي نقد وإبداع وممارسة ينتقل ميشيل فوكو بالسؤال عن ماهية الفلسفة إلى مستوى تاريخي ونقدي جذري. الفلسفة عنده ليست تأملاً في الوجود الكلي ولا إنارة للوجود الفردي الأصيل بمعزل عن الشروط التاريخية. هي بالأحرى موقف نقدي وممارسة تحليلية تكشف كيف تتشكل المعارف والذوات والسلطات داخل أنظمة خطاب وممارسات. عبر الأركيولوجيا والجينالوجيا يحول فوكو الفلسفة إلى أداة لفضح البداهات ولكشف العلاقات بين المعرفة والسلطة. في مرحلته المتأخرة يربط الفلسفة بـ«الاهتمام بالذات» وبفنون الوجود، مستعيداً تقاليد قديمة ليجعل من الفلسفة ممارسة تحويلية للذات لا مجرد خطاب نظري. ماهية الفلسفة عند فوكو تكمن إذن في قدرتها على النقد التاريخي للحاضر، وفي فتح إمكانات جديدة للتفكير والوجود عبر تفكيك ما يبدو ضرورياً أو طبيعياً.أما جيل دولوز فيقدم تحديداً مختلفاً جذرياً لماهية الفلسفة. الفلسفة ليست تأملاً ولا تواصلاً ولا تساؤلاً عن الوجود بالمعنى الهيدغري، بل هي إبداع للمفاهيم. الفيلسوف هو خالق مفاهيم، والمفهوم ليس تمثيلاً لواقع سابق بل أداة لرسم مسارات جديدة في الفكر والحياة. يرفض دولوز صورة الفكر التقليدية القائمة على التعرف والحس السليم والتمثيل، ويدعو إلى فكر الاختلاف والصيرورة والمحايثة. الفلسفة تقيم على مستوى المحايثة الخالصة، وتشتبك مع العلم والفن دون أن تختزل فيهما، وتنتج مفاهيم تسمح بمقاومة ما هو قائم وباختراع إمكانات حياة جديدة. بهذا تصبح ماهية الفلسفة عند دولوز إبداعية ومقاومة ومحايثة، لا تأسيسية ولا تأويلية بالمعنى التقليدي.يتقارب فوكو ودولوز في رفض التعالي الميتافيزيقي وفي ربط الفلسفة بالممارسة والتحويل، لكنهما يختلفان في الأسلوب والأولوية. فوكو يركز على التحليل التاريخي النقدي لأنظمة السلطة والمعرفة، بينما يركز دولوز على الإبداع المفهومي وعلى أنطولوجيا الصيرورة والاختلاف.
المقارنة: نقاط التقارب والتباعد
تكشف المقارنة بين التقليدين عن تقاربات عميقة رغم الاختلاف الظاهري. يشترك الأربعة في رفض اختزال الفلسفة إلى علم وضعي أو إلى نسق مغلق مكتمل، وفي التأكيد على أن الفلسفة ممارسة أكثر مما هي مذهب. كما يشتركون في نقد الذاتية الحديثة والحسابية التقنية، وإن اختلفت أدوات النقد. يسبرس وهيدغر وفوكو ودولوز جميعاً يرون أن الفلسفة الحقيقية توقظ أو تحرر أو تقاوم، لا أنها تبني معرفة محايدة.غير أن التباعدات حاسمة. التقليد الألماني عند يسبرس وهيدغر يظل مشدوداً إلى أفق أنطولوجي أو وجودي: سؤال الوجود، الشامل، الوجود الأصيل، نسيان الكينونة. حتى حين ينتقد هيدغر الميتافيزيقا فإنه يظل يفكر من داخل تاريخ الوجود. أما التقليد الفرنسي عند فوكو ودولوز فينتقل إلى أفق تاريخي–نقدي أو إبداعي–محايث: أنظمة الخطاب والسلطة، إبداع المفاهيم، الصيرورة، مقاومة الحاضر. الفلسفة عند الألمانيين أقرب إلى التفكير فيما يجعل الظهور ممكناً أو في ما يُنسى، بينما هي عند الفرنسيين أقرب إلى تحليل كيف تتشكل الذوات والمعارف أو إلى اختراع أدوات فكرية جديدة للحياة. كما يظهر تباين آخر في العلاقة بالموروث. يسبرس وهيدغر يعيدان قراءة التراث الفلسفي الكبير بحثاً عن إمكانات أصيلة أو عن تاريخ للنسيان. فوكو ودولوز يعيدان قراءة التراث أيضاً لكن بروح جينالوجية أو بروح انتقائية خلاقة تنتزع منه ما يصلح لإبداع حاضر مختلف. كما يختلفون في تصور الذات: عند يسبرس ذات وجودية تتحقق في التواصل، وعند هيدغر دازاين منفتح على الوجود، وعند فوكو ذات تتشكل تاريخياً عبر السلطة والمعرفة ويمكن إعادة تشكيلها، وعند دولوز ذات تذوب في خطوط الصيرورة والتفردات.
خاتمة
إن الاشتغال على تحديد ماهية الفلسفة بين يسبرس وهيدغر من جهة وفوكو ودولوز من جهة أخرى يكشف أن السؤال عن الفلسفة هو في جوهره سؤال عن كيفية علاقة الفكر بالوجود والتاريخ والحياة. التقليد الألماني يحفظ للفلسفة أفقها الأنطولوجي والوجودي ويمنعها من التحول إلى مجرد تقنية نقدية أو إبداعية بلا جذور. والتقليد الفرنسي يدفعها إلى الواجهة التاريخية والنقدية والإبداعية ويمنعها من الانغلاق في تأمل متعالٍ أو في حنين أنطولوجي. يسمح هذا الاشتغال المقارن برؤية أن ماهية الفلسفة ليست جوهراً ثابتاً يُكتشف مرة واحدة، بل هي موضع نزاع خلاق يتجدد مع كل حقبة. التقليد الألماني يذكر بأن الفلسفة تفقد روحها إذا نسيت سؤال الوجود والتناهي والأصالة. والتقليد الفرنسي يذكر بأنها تفقد فعاليتها إذا انفصلت عن نقد الحاضر وإبداع أدوات جديدة للتفكير والحياة. الجمع بين الإرثين لا يعني التلفيق، بل يعني الإقرار بأن الفلسفة اليوم مطالبة بأن تكون في آن واحد تفكيراً في شروط الوجود ونقداً تاريخياً للسلطات وإبداعاً لمفاهيم تسمح بمقاومة الاختزال وفتح ممكنات أخرى. بهذا تظل ماهية الفلسفة مفتوحة: هي الإنارة الوجودية والتواصل الأصيل عند يسبرس، والتفكير في الوجود ونهاية الميتافيزيقا عند هيدغر، والنقد الجينالوجي والاهتمام بالذات عند فوكو، وإبداع المفاهيم والمحايثة المقاومة عند دولوز. المقارنة لا تحسم النزاع لصالح طرف، بل تكشف أن خصوبة الفلسفة تكمن تحديداً في تعدد الطرق التي تحدد بها ماهيتها وتعيد بها ابتكار مهمتها أمام تحديات كل عصر. الدراسة المقارنة تبين أن الفلسفة الحية هي التي تتحمل هذا التوتر ولا تختزله، فتظل قادرة على التفكير في الوجود وعلى نقد الحاضر وعلى إبداع مفاهيم تفتح دروباً جديدة للوجود الإنساني. بهذا يبقى تحديد ماهية الفلسفة مهمة لا تنتهي، لأن كل تحديد أصيل يعيد فتح السؤال بدل أن يغلقه. فماهي آفاق التحديد المعاصر لماهية الفلسفة؟ وفيما تتمثل قراءة الهيدجريين لفوكو ودولوز؟
***
د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي








