عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام فكرية

غالب المسعودي: انزلاق اللوغوس وسيلان الفعل

تهافت العقلانية الجيوسياسية للشرق الأوسط

الشخصيات المفاهيمية: يوضح ألان دونو أن الهيمنة الشاملة لنظام التفاهة يستدعي تصنيف شخصيات مفاهيمية محددة تجسد ردود الفعل المختلفة تجاه هذا النسق الشمولي، وتكشف في الوقت ذاته كيف يعيد النظام إنتاج أدواته بفاعلية. تعكس هذه الشخصيات (نماذج رمزية مجردة وبروفايلات سلوكية) أنماط التكيف الذاتي مع المنظومة الرأسمالية على النحو الآتي:

الرافض المنسحب: وهو الذي يرفض النظام القائم كلياً ويختار الانسحاب المنعزل من دائرته، فيظل معزولاً ومفتقراً للفعالية السياسية والتغييرية الميدانية.

التافه بالطبيعة: وهو الكائن الذي يصدق أكاذيب النظام، ويعتنق أيديولوجياته بلا مسألة، ويرى ممارسات العصر النفعية أمراً طبيعياً، مشكلاً بذلك القاعدة الشعبية الصلبة والمستهلكة والداعمة لاستقرار المنظومة.

أستاذ المكائد: الانتهازي الشغوف بالسلطة، والذي يتصف بعدم الاقتناع العميق بأي مبدأ، ويكون متاحاً باستمرار لكل الاصطفافات المصلحية؛ وهو ما يمثل النخب السياسية والإدارية الصاعدة التي تدير آليات الفساد.

التافه رغماً عنه: وهو الذي يعي رداءة النظام وهشاشته لكنه يضطر للامتثال لمتطلبات الوظيفة والبقاء المادي، فيغذي عجلة الاقتصاد اليومي تحت وطأة الحاجة والإكراه البنيوي.

إن هذه الشخصيات المفاهيمية تجد ترجمتها المادية في الشرق الأوسط من خلال صعود "الأشباه" إلى سدة النفوذ وصناعة القرار. فالأنظمة التبعية وبُنى الفساد لا تعتمد فقط على القمع المباشر، بل تعتمد بشكل حيوي على "أشباه السياسيين"، و"أشباه المثقفين"، و"أشباه الإعلاميين"، و"أشباه رجال الأعمال"، ليكونوا بمثابة الدورة الدموية الفاسدة التي تضمن بقاء التبعية وتمرير سياسات الليبرالية الجديدة المهلكة للشعوب.

من سيولة المقاومة إلى شلل الانتباهة

تتبدى القوة التدميرية الكبرى لنظام التفاهة في قدرته البالغة على دمج حركات الرفض وردود الفعل المقاومة، وإعادة إنتاجها داخل أطر التفاهة والاستهلاك ذاتها. إن هذا الاحتواء الممنهج يمكن تفسيره فلسفياً من خلال التقاطع الحرج بين "مجتمع الاستعراض" لغي ديبور و"الحداثة السائلة" لزيجمونت باومان.

يطرح ديبور أن الاستعراض ليس مجرد تراكم للصور، بل هو علاقة اجتماعية بين الأفراد تتوسطها الصور، حيث يغدو حضور الفرد مشروطاً بظهوره ضمن منطق الصورة والسلعة. وهنا يبرز الدور الوظيفي للكذب السياسي الإعلامي؛ إذ لا يكتفي الإعلام المعاصر بنقل الخبر، بل يمارس هندسة مأجورة للوعي تتمأسس على التزييف وتفريغ المفاهيم. عبر الضخ الإعلامي المكثف والمحترف، يتم نزع السياق التاريخي والعمق الدلالي للمأساة الإنسانية، لتتحول المقاومة ودماء الضحايا إلى ما يشبه "الاستعراض الشاشاتي الحي".

إن هذا الكذب السياسي المتواصل عبر وسائل الإعلام يخلق حالة مرضية من الموت الشعوري؛ إذ يُغمر المواطن بسيل لا ينقطع من المشاهد المتناقضة والصدمات المتتالية، مما يؤدي تدريجياً إلى تخدير الوعي العام، وغياب "الانتباهة النقدية"، وتلاشي "الدهشة " الفلسفية التي تتولد عادةً عند مواجهة الظلم والقهر.اذ يتحول المواطن بفعل هذا التسطيح الإعلامي من ذائقة متأملة وفاعلة إلى حالة متقدمة من "اللااهتمام" والحياد السلبي تجاه ما يدور حوله.

في هذا الفضاء، سيقع الفعل المقاوم في فخ التسييل والاستهلاك الرقمي؛ إذ يتسمر المشاهد المعاصر أمام شاشته مستهلكاً لصور القتل والدمار كأنه منتج (فرجوي) يومي. ويتحول التضامن مع القضايا العادلة إلى تضامن مشروط بحجم المشاهدات والتفاعلات على المنصات الرقمية، مما يحول الفعل الأخلاقي الصلب إلى "تضامن استهلاكي" مؤقت وهش. إن الرغبة في التعبير واستعراض التضامن تفضي بالذات الرقمية إلى إنتاج وهم "السعادة الافتراضية"، بينما تظل القوى الحقيقية على الأرض محكومة بصراعات دموية وتوازنات قوة مادية غاشمة لا تؤثر في مجرياتها الفضاءات الافتراضية.

تتعزز هذه السيولة بفعل بنية الحداثة السائلة، حيث تذوب الروابط الاجتماعية المستقرة والهويات الصلبة لتستبدل بعلاقات افتراضية عاجلة تهيمن عليها نزعة الاستهلاك الفوري. إن الفرد الذي يسعى للمقاومة يضطر لاستخدام أدواته ومنصاته ولغته الرقمية لكي يُسمع صوته خارج الدوائر الضيقة. هذا الاستخدام الاضطراري يفرض على المقاوم صياغة خطابه بلغة النظام وصوره المبتورة، مما يؤدي فلسفياً إلى ابتلاع المقاومة داخل قيم المنظومة التي يسعى لتفكيكها.

تناول الفيلسوف بيونغ تشول هان هذه الظاهرة في نقد "مجتمع الشفافية"، مبيناً أن طغيان المرئي يمثل نوعاً من الفحش البصري الذي ينفي جلال الحضور الحقيقي والقداسة. فالصورة المستمرة من دون مسافة حجاب تحول التفكير النقدي الكثيف إلى مجرد عمليات حسابية خوارزمية سريعة. وعلى النحو ذاته، يرى تيودور أدورنو في نظريته الجمالية أن السوق الرأسمالية تهدد الفن وفاعلية الموقف النقدي حين تحول العمل الإبداعي والمقاوم إلى مجرد مروج إعلاني وتجاري، مما يستوجب الحفاظ على مسافة نقدية جمالية صلبة لمواجهة الهيمنة الرأسمالية التي تسعى لتسليع كل أشكال التمرد.

السياسة بين سلطة القوة وسيولة الرد

تتجلى الهزيمة الفلسفية الكبرى للعقلانية المعاصرة في صعود "العقلانية الأداتية" التي انتقدتها مدرسة فرانكفورت بقوة؛ حيث أُحيل العقل من أداة لتحقيق التحرر والانعتاق الإنساني إلى محض تقنية رياضية وحسابية تهدف إلى السيطرة على الطبيعة والإنسان لإعادة إنتاج علاقات الهيمنة. في ظل هذا النسق الأداتي، تُقصى الأحكام القيمية والأخلاقية والتأويلية بوصفها خارجة عن نطاق العلم الوضعي الضيق، وتُوظف التقنية الحديثة كأيديولوجيا تبرر السيطرة والقهر وتزاوج على نحو مقيت بين التقدم الصناعي والخرافات السياسية والاجتماعية لتثبيت الواقع القائم.

يترافق هذا الانهزام مع ما شخصه (باومان) من انفصال مأساوي بين "السلطة" و"السياسة". فبينما تحررت السلطة من الحدود والقيود القومية والترابية لتستقر في الفضاءات السائلة لرأس المال المعولم، بقيت السياسة محلية وعاجزة ومقيدة بالحدود الجغرافية. هذا الانفصال أفرغ السياسة من محتواها وصنع القرار الفعلي، تاركاً الساحة الدولية والمحلية لـ "سلطة القوة" العارية التي تفرض إرادتها من دون سند قيمي أو تواصل عقلاني. ضمن هذا الإطار الجيوسياسي، تبرز ظاهرة "سيولة الرد" كأثر مباشر لغياب الأطر المؤسسية الصلبة وتفكك الدولة الوطنية المستقلة؛ إذ يصبح الفعل المقاوم أو المعترض متغيراً ومؤقتاً وخاضعاً للظروف اللحظية، مما يمنع تشكيل مشروع تحرري دائم ومتماسك.

البعد الفلسفي للاستسلام وتفكيك السيادة من الداخل

يتخذ الاستسلام الممنهج لمجتمعات التفاهة في الشرق الأوسط بعداً فلسفياً عميقاً ينبع من فقدان السيادة التاريخية وتعميق التبعية البنيوية للمراكز الرأسمالية. فالرأسمالية النفعية في سياق حروب المنطقة لا تكتفي بوضع اليد على الموارد الطبيعية كالنفط، بل تعمل بنشاط على إعادة صياغة الوعي الجمعي المحلي لتقبل الهزيمة والاستسلام بوصفهما خياراً "عقلانياً" وحيداً. يتحقق هذا من خلال آليات ممنهجة تقودها السلطة المحلية الموالية للرأسمالية، والتي تقتضي قوانينها تركيز الثروات في يد أقلية طفيلية والاعتماد على الأنشطة المالية الموازية لتبييض الأموال.

يتجلى هذا الاستسلام الممنهج من خلال خطوات بنيوية متكاملة، تجريف الوعي النقدي الجماهيري واستبدال السياسة الحقيقية بثقافة استهلاكية متوحشة، ومحتويات ترفيهية مسطحة، ورياضات جماهيرية لتبديد طاقات الجماهير.

مأسسة التدليس الثقافي والأكاديمي

ان خضوع الجامعات ومراكز البحث والتعليم لإملاءات التمويل، تحولها إلى مصانع تنتج خبراء وظيفيين فاقدي القدرة على التفكير التأملي والنقد الاجتماعي، ومستعدين لتبرير السياسات الاقتصادية والاجتماعية الكارثية بذريعة السلطوية الإدارية والتقنية.لذا تكشف القراءة التفكيكية الفلسفية لتاريخ الصراعات الطويلة في الشرق الأوسط عن قانون صارم يحكم حركتها الجيوسياسية.

اذ لا يمكن بناء دولة مستقلة أو صيانة كرامة مجتمعية عبر تجريد الذات طوعاً من عناصر القوة المادية مقابل وعود خطية وضمانات دولية وهمية. إن الاستسلام الطوعي يمثل شكلاً من أشكال التفكيك الأحادي للسيادة من الداخل، وهو ما يتضح بجلاء عند تحليل المحطات التاريخية الكبرى في المنطقة.

أثبتت التجارب أن الدولة لا تُبنى بالتجريد النظري بل بخاصية الاستبدال والاستعاضة؛ أي عدم نزع الدرع أو كسر الأداة الحامية قبل بناء مؤسسة وطنية بديلة مكافئة وقادرة على صد سيف العدو. غير أن لغة الإدارة الجوفاء والوعود الدولية المدعومة لا تتبنى هذا الموقف المقاوم، بل تسهم في إدامة الارتهان.

استنتاجات فلسفية ونقدية

يكشف التفكيك الفلسفي المقارن أن تمكّن منظومة التفاهة من المشهد الصراعي في الشرق الأوسط يُحدث قطيعة مع القراءات التبسيطية السائدة، مُفضياً إلى رؤية نقدية تُعيد قراءة الصراع بوصفه أزمة وعي وهشاشة بنيوية، لا مجرد تجاذبات سياسية عابرة من خلال:

نزع الفاعلية الرقمية

إن حصر حركات التضامن والمقاومة في المساحات الافتراضية والشبكات الرقمية يسلبها قدرتها التغييرية الفعلية، ويحولها إلى سلع وصور قابلة للاستهلاك اليومي، مما يخدم البنية التحتية للرأسمالية والشركات المالكة للمنصات.

تحرير اللسان الفلسفي

لا يمكن مواجهة نظام التفاهة باستخدام قاموسه اللغوي الأجوف، بل يجب استعادة شحنة المعنى للمفاهيم التاريخية الكبرى كالمواطنة، والصراع البنيوي، والسيادة المادية، والحقوق الجمعية للشعوب.

تفكيك نخب التبعية

تتطلب مجابهة الاستسلام الممنهج تعرية "أشباه النخب" والمثقفين التابعين لتمويل الشركات والمؤسسات العابرة للحدود، وإعادة الاعتبار للمثقف العضوي والوعي النقدي والجامعات بوصفها حصوناً لإنتاج المعرفة الحرة الملتزمة بقضايا التحرر والإنسان.

***

غالب المسعودي

في المثقف اليوم