عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام فكرية

زكريا نمر: إلغاء الفلسفة بداية عصر الطاعة الفكرية

الدعوة الى الغاء الفلسفة من المناهج التعليمية ليست مجرد راي عابر او انفعال تجاه مادة دراسية، بل هي في العمق تعبير عن ازمة اوسع تتعلق بطريقة فهمنا للمعرفة نفسها، ولحدود العقل، ولعلاقة الانسان العربي بالتفكير النقدي. حين يطرح سؤال مثل: لماذا نحتاج الفلسفة؟ فان الاجابة ليست تقنية او وظيفية فقط، بل وجودية وثقافية وحضارية في ان واحد. في كثير من السياقات التعليمية العربية، تظهر الفلسفة وكأنها مادة غريبة عن الواقع، معزولة عن الحياة اليومية، وكأنها خطاب قديم لا صلة له باسئلة الانسان المعاصر. هذا التصور هو الذي يغذي الدعوات الى الغائها. لكن المشكلة ليست في الفلسفة ذاتها، بل في طريقة تقديمها، وفي البنية العامة للتعليم التي حولت المعرفة الى حفظ، والفكر الى استظهار، والسؤال الى اجابة جاهزة.

الفلسفة في اصلها ليست مجموعة من النصوص او اسماء الفلاسفة او المذاهب الفكرية، بل هي ممارسة عقلية تقوم على الشك المنظم، وعلى تفكيك البدهيات، وعلى اعادة النظر في ما يبدو بديهيا. حين نفقد هذه الوظيفة، تتحول الفلسفة الى تاريخ جامد للافكار، وهذا ما يجعلها تبدو بلا قيمة عملية في نظر كثير من الطلاب. لكن السؤال الاعمق هو: ماذا يحدث لمجتمع يتخلى عن الفلسفة او يهمشها؟ الجواب لا يتعلق بمادة دراسية فقط، بل بنمط التفكير العام. المجتمع الذي لا يدرب افراده على السؤال، سيتحول تدريجيا الى مجتمع يعتمد على التلقين، ويخشى النقد، ويتعامل مع المعرفة باعتبارها سلطة لا مجال لمناقشتها. هنا تصبح الفلسفة ليست ترفا، بل ضرورة لحماية العقل من الانغلاق.

يجب الاعتراف بان جزءا من النقد الموجه للفلسفة في مناهجنا ليس بلا اساس. هناك بالفعل فجوة بين ما تطرحه الفلسفة في صورتها الاكاديمية وبين ما يحتاجه الطالب في حياته اليومية. كثير من الدروس الفلسفية تقدم بطريقة تجريدية مفرطة، منفصلة عن الواقع الاجتماعي والسياسي والثقافي، مما يجعل الطالب يشعر بانها خطاب نظري لا يضيف شيئا الى فهمه للعالم. هذه الفجوة خلقت سوء فهم مزدوج: البعض يرى الفلسفة مادة معقدة بلا فائدة، والبعض الاخر يدافع عنها بشكل مثالي يجعلها تبدو وكأنها حل سحري لكل مشاكل التعليم. الحقيقة اكثر تعقيدا من ذلك، فهي تقع بين الطرفين: الفلسفة مهمة، لكن طريقة تدريسها هي المشكلة.

عندما نتحدث عن اهمية الفلسفة، لا ينبغي ان نختزلها في كونها مادة اكاديمية، بل يجب ان ننظر اليها كالية لبناء العقل النقدي. العقل النقدي لا يعني الرفض الدائم، بل يعني القدرة على التمييز بين الحجة القوية والضعيفة، بين الفكرة المبنية على دليل وتلك المبنية على الانطباع. هذا النوع من التفكير هو اساس اي تطور علمي او اجتماعي. لا يمكن لاي مجتمع ان يحقق تقدما علميا حقيقيا دون بيئة فكرية تسمح بالسؤال والجدل. العلوم نفسها، من الفيزياء الى الاقتصاد، نشأت تاريخيا داخل فضاء فلسفي كان يسمح باعادة التفكير في المسلمات. بمعنى اخر، الفلسفة ليست منافسة للعلوم، بل هي الارضية التي سمحت للعلوم بالظهور والتطور.

لكن في الواقع العربي، غالبا ما يتم التعامل مع الفلسفة كأنها نقيض للدين او كأنها خطاب غريب عن الثقافة. هذا التصور التاريخي ساهم في خلق حالة من الحذر تجاهها. غير ان هذا الحذر في كثير من الاحيان تحول الى رفض، والرفض تحول الى دعوات للالغاء. وهنا يحدث الخلط: بين نقد بعض الاستخدامات التاريخية للفلسفة وبين رفضها ككل. المجتمعات التي تتقدم لا تلغي ادوات التفكير، بل تعيد توظيفها. المشكلة ليست في وجود الفلسفة، بل في مدى قدرتها على الاندماج في مشروع ثقافي وتعليمي شامل. حين تكون الفلسفة منفصلة عن بقية المواد، تبدو وكأنها نشاط ذهني منعزل. لكن حين ترتبط بالعلوم واللغة والتاريخ، تتحول الى طريقة في التفكير لا الى مادة فقط.

هناك ايضا بعد نفسي مهم في رفض الفلسفة. الفلسفة تزعج لانها لا تترك الانسان في راحته الفكرية. هي تطرح اسئلة قد لا تكون لها اجابات سهلة، وتضع المسلمات موضع شك. كثير من الناس يفضلون المعرفة التي تعطي اجابات واضحة ونهائية، لان هذا يمنحهم شعورا بالاستقرار. لكن الفلسفة لا تعمل بهذه الطريقة، فهي تفتح الاسئلة اكثر مما تغلقها. هذا الازعاج المعرفي هو في الحقيقة وظيفتها الاساسية. فالعقل الذي لا يزعج لا يتطور. واليقين الكامل في كل شيء غالبا ما يكون علامة على توقف التفكير لا على اكتماله. لذلك فان رفض الفلسفة لانها معقدة او غير مفيدة يعكس احيانا رغبة في تجنب هذا الازعاج الفكري. لا يمكن تجاهل ان الفلسفة حين تدرس بشكل سيئ تتحول فعلا الى عبء. الطالب الذي يطلب منه حفظ نظريات دون فهم سياقها، او تكرار اسماء فلاسفة دون ادراك اسئلتهم، لن يرى في الفلسفة اي معنى. وهنا تتحمل المؤسسات التعليمية مسؤولية كبيرة، لانها هي التي تحدد ما اذا كانت الفلسفة ستبقى حية او تتحول الى مادة ميتة.

اصلاح تدريس الفلسفة لا يعني تقليل اهميتها، بل يعني تحريرها من الشكل المدرسي الجامد. يمكن مثلا ربطها باسئلة معاصرة: العدالة، الحرية، التكنولوجيا، الهوية، السلطة، الاخلاق في العالم الرقمي. حينها تصبح الفلسفة قريبة من حياة الطالب، لا مجرد تاريخ بعيد للافكار.كما يمكن ادخال الفلسفة في اسلوب تدريس المواد الاخرى، بحيث لا تبقى محصورة في فصل واحد. التفكير النقدي يمكن ان يكون جزءا من تعليم التاريخ، والعلوم، واللغة. بهذا المعنى تصبح الفلسفة ممارسة عامة داخل النظام التعليمي، لا مادة منفصلة فقط.

الخطير في دعوات الغاء الفلسفة انها غالبا ما تأتي في سياقات تعاني اصلا من ضعف في التفكير النقدي. بمعنى اخر، نحن لا نواجه رفاهية معرفية يمكن الاستغناء عنها، بل نواجه نقصا في ادوات التفكير. الغاء الفلسفة في هذا السياق لا يحل المشكلة، بل يعمقها.قد يقال ان المجتمعات تحتاج الى مهارات عملية اكثر من الفلسفة. هذا صحيح جزئيا، لكن المهارات العملية نفسها تحتاج الى عقل قادر على الفهم والتحليل وحل المشكلات. الفلسفة لا تعطي مهارة مهنية مباشرة، لكنها تبني الاساس الذي يجعل اكتساب المهارات ممكنا وفعالا.كما ان اختزال التعليم في الجانب الوظيفي فقط يؤدي الى خلق جيل يعرف كيف يعمل، لكنه لا يعرف لماذا يعمل، ولا كيف يقيم ما يفعله. هذا النوع من التعليم ينتج كفاءات تقنية، لكنه لا ينتج مواطنين قادرين على التفكير في مستقبل مجتمعهم او مساءلة واقعه.

 ان الفلسفة ليست مادة يجب الدفاع عنها فقط، بل هي شكل من اشكال الحرية الفكرية. الغاؤها يعني تقليص هذه الحرية، واضعاف القدرة على النقد، واعادة انتاج انماط التفكير التقليدي دون مساءلة.لكن الدفاع عنها لا يعني تركها كما هي، بل يعني اعادة بناء علاقتها بالواقع. الفلسفة التي تبقى في الكتب دون ان تلامس اسئلة الانسان المعاصر تفقد جزءا كبيرا من معناها. اما الفلسفة التي تتحول الى ممارسة حية داخل التعليم والمجتمع، فهي التي يمكن ان تساهم فعلا في اي مشروع نهضوي.ان المجتمعات لا تنهض حين تكتفي بالمعرفة، بل حين تتعلم كيف تفكر في المعرفة نفسها. وهذا بالضبط هو المجال الذي تتحرك فيه الفلسفة. ولذلك فان الغاءها ليس مجرد قرار تعليمي، بل هو خيار حضاري يمس طريقة فهمنا للعقل، وللانسان، ولمستقبلنا ككل.

***

زكريا - نمر