عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءة في كتاب

عامر عبد زيد: اللغة لا تقول العالم فقط

قراءة في كتاب «الوجود والوعي: كيف تعيد اللغة تشكيل العالم»(1)

ليست المشكلة الفلسفية في اللغة أنها عاجزة عن الوصول إلى العالم، ولا أنها قادرة على أن تمنحه وصفًا نهائيًا يستنفد وجوده، بل إن السؤال الأعمق يبدأ من منطقة أكثر التباسًا: ماذا يبقى من «العالم» حين ننزع عنه الأسماء والمفاهيم والصور والعلاقات والقيم التي بواسطتها يظهر لنا ويصبح قابلًا للفهم؟ هل نحن أمام عالم نكتشفه، أم أمام عالم يتشكل جزئيًا بالطريقة التي نتكلم ونفكر ونؤول بها وجودنا؟ من هنا تتخذ اللغة موقعًا يتجاوز وظيفتها التواصلية، لتغدو مجالًا تتقاطع فيه الأنطولوجيا مع الوعي، والمعرفة مع التأويل، والواقع مع الرمز. وفي هذا الأفق يأتي كتاب الأستاذ الدكتور منذر جلوب، الوجود والوعي: كيف تعيد اللغة تشكيل العالم، بوصفه محاولة لفتح هذا السؤال من جهة العلاقة شبين الوجود والوعي واللغة. غير أن أهمية هذه المحاولة لا تكمن في التسليم بأن اللغة «تنتج» العالم، بل في اختبار الحدود الدقيقة بين أن نمنح الموجود معنى، وأن نعيد تشكيل صورته في وعينا، وأن ندّعي أننا أعدنا تشكيل وجوده ذاته. اذ يقول: « فالعالم لا يخلَق من العدم، ولا يكتشَف جاهزاً. إنه يبنى من الخام، عبر الرمز، بمشاركة الإنسان. هو تجربة مستمرة: نشعر بالوجود، فنسميه، فنبنيه، ثم نعيد الشعور. والدائرة لا تنتهي، لكنها ليست فارغة. فيها غياب يدفع إلى القول، وقول يعيد تشكيل الغياب». ص14

فحين نقول «جسد» لا نكون قد أشرنا فقط إلى كتلة مادية قائمة أمامنا، وحين نقول «وطن» لا نكون قد أشرنا إلى مساحة جغرافية فحسب، وحين نقول «عدالة» أو «حرية» أو «مقدس» فإننا لا نضع أسماء على أشياء جاهزة تنتظر قاموسًا كي يكشفها؛ نحن ندخل في عملية أكثر تعقيدًا، تتحول فيها الخبرة إلى معنى، والمعنى إلى رمز، والرمز إلى عالم قابل للفهم والمشاركة والتداول، وربما إلى مؤسسة وقانون وسلطة وسلوك.

من هذه المنطقة الإشكالية يتحرك كتاب «الوجود والوعي: كيف تعيد اللغة تشكيل العالم»، وهو لا يتعامل مع اللغة بوصفها أداة تقنية للتواصل فحسب، وإنما يضعها في قلب السؤال الأنطولوجي نفسه: ماذا يحدث للوجود عندما يصبح موضوعًا للوعي؟ وماذا يحدث للوعي عندما لا يستطيع أن يتعامل مع العالم إلا عبر أنظمة من الرموز والدلالات؟ وهل نحن نتكلم عن عالم موجود قبل اللغة ثم نصفه، أم أننا لا نمتلك «عالمًا إنسانيًا» بالمعنى الكامل إلا عندما يدخل الوجود في شبكة التسمية والتفسير والتصنيف والتأويل؟ هنا تكمن قوة الكتاب، وهنا أيضًا تبدأ مخاطرة. عندما يقول « فإن اللغة تتجاوز وصف العالم إلى المشاركة في تشكيله. واللغة لا تنقل الحقيقة بقدر ما تحدد معاييرها. »ص23. على الرغم من ان الكتاب لا يريد، فيما يبدو، أن يقع في واقعية ساذجة تجعل اللغة مرآة شفافة لعالم مكتمل، لكنه في الوقت نفسه لا يريد أن ينتهي إلى القول بأن اللغة تخلق الوجود من العدم وبين هذين الطرفين يقيم أطروحته الأساسية: اللغة لا تخلق الوجود، لكنها تشارك في تشكيل العالم الذي يظهر للإنسان بوصفه عالمًا مفهومًا، قابلًا للتسمية والتفسير والتنظيم والفعل. وهذا التمييز، إذا حافظ الكتاب عليه، هو أحد أكثر عناصره قوة.

1. من سؤال اللغة إلى سؤال العالم

السؤال الظاهر في الكتاب هو سؤال عن اللغة، لكن السؤال الخفي الذي يحركه أعمق من ذلك بكثير: كيف يتحول الوجود إلى عالم؟

فالوجود في ذاته شيء، والعالم الذي يعيش فيه الإنسان شيء آخر. الإنسان لا يعيش فيزيائيا فقط وسط المادة والطاقة والأجسام والأحداث، وإنما يعيش في عالم من الأسماء والرموز والذكريات والقيم والتوقعات؛ اذ يقول ان « العالم هو النطاق الذي يتحول فيه الوجود إلى أنظمة رمزية تسهل الفهم والتفاعل. وهنالك أنظمة رمزية متنوعة تعيد صياغة تجاربنا في إطار يمكن التعامل معه عقلياً واجتماعياً. وتقيد الرموز إدراك الإنسان بجزء صغير من الوجود»ص26 مثال  الشجرة ليست مجرد كتلة بيولوجية؛ إنها قد تكون شجرة مثمرة، أو رمزًا دينيًا، أو علامة على المكان، أو جزءًا من ذاكرة الطفولة، أو مادة للعلم، أو صورة في قصيدة. والجسد ليس مجرد بنية عضوية؛ إنه يدخل في اللغة الطبية، وفي الأخلاق، وفي الدين، وفي القانون، وفي الجمال، وفي الهوية الاجتماعية.

وهنا يفتح الكتاب مسافة مهمة بين الوجود والعالم. فاللغة لا تبدو مسؤولة عن وجود الشجرة، لكنها مسؤولة، بدرجة ما، عن الطريقة التي تصبح بها الشجرة جزءًا من عالمنا الإنساني. وهذا هو الفرق الذي يمنع الأطروحة من الانزلاق إلى المثالية اللغوية المطلقة.

لكن السؤال الذي يظل مفتوحًا هو: أين يبدأ تأثير اللغة بالضبط؟ هل يبدأ عند التسمية؟ أم عند الإدراك؟ أم عند التصنيف؟ أم عند إنتاج المفهوم؟ أم عند تحويل التجربة إلى ذاكرة قابلة للتداول؟ أم أن اللغة لا تدخل في هذه العملية إلا بعد حدوث الإدراك الأول؟ وهذه ليست أسئلة تفصيلية، لأنها تحدد طبيعة الأطروحة كلها.

2. «الخام الوجودي» ومشكلة ما قبل اللغة

من أكثر الأفكار أهمية في البناء النظري للكتاب افتراض وجود مستوى سابق على التشكيل الرمزي، يمكن التعبير عنه بمفهوم «الخام الوجودي». هذه الفكرة تؤدي وظيفة فلسفية شديدة الأهمية؛ لأنها تمنع القول بأن كل شيء لغة. اذ يقول ان « الرمزية التكوينية لا تبني جداراً، وإنما تبني جسراً. والخام الوجودي ليس وراء الجدار، لكنه تحت الأقدام. نمشي عليه، ولا نراه»ص13 ولكن هنا يظهر سؤال: إذا كانت اللغة هي التي تنتج كل شيء، فكيف يمكن تفسير ظهور اللغة نفسها؟ وإذا كان الإنسان لا يستطيع الوصول إلى أي شيء خارج اللغة، فكيف أمكن أصلًا أن تبدأ عملية التسمية؟ هنا تظهر ضرورة افتراض شيء لا يكون بالضرورة «واقعًا مكتملًا» في ذاته، لكنه يمثل مادة أولية أو حضورًا سابقًا على التنظيم الرمزي.

غير أن هذه الفكرة تواجه مأزقًا فلسفيًا واضحًا: بمجرد أن نتحدث عن هذا «الخام الوجودي»، نكون قد منحناه اسمًا ومفهومًا، أي أدخلناه بالفعل في اللغة. فنحن لا نستطيع أن نعرض الخام الوجودي كما هو؛ لأن كل عرض له يمر عبر جهاز مفهومي.

وهنا تظهر المفارقة: نحتاج إلى افتراض ما قبل اللغة لكي نفسر اللغة، لكننا لا نستطيع الحديث عن هذا السابق إلا باللغة.

هذه ليست ثغرة بسيطة ينبغي التخلص منها، بل يمكن أن تكون من أكثر مناطق الكتاب خصوبة، إذا تعامل معها بوصفها مفارقة فلسفية لا بوصفها مشكلة يجب إخفاؤها.

3. من «أنا موجود» إلى الوعي

تكتسب عبارة «أنا موجود» في البناء الفلسفي للكتاب أهمية خاصة؛ لأنها تمثل لحظة انتقال من مجرد الحضور إلى الوعي بالحضور. « فالإنسان لا يكتفي بشعوره بالوجود، وإنما يتجاوز ذلك إذ يسعى لفهم العالم وإعادة تفسيره عبر اللغة » ص36 ومن ثم فالوجود لا يحتاج إلى أن يقول عن نفسه «أنا موجود» لكي يكون موجودًا، لكن الإنسان عندما يقول «أنا موجود» يكون قد أحدث تحولًا نوعيًا: لم يعد الوجود مجرد حالة، بل أصبح موضوعًا للوعي. وهنا يمكن التمييز بين ثلاث لحظات: (الوجود، ثم الوعي بالوجود، ثم التعبير عن هذا الوعي).

وهذا التمييز مهم؛ لأن الخلط بينها قد يؤدي إلى الاعتقاد بأن اللغة هي التي تمنح الإنسان وجوده، بينما الأرجح أن اللغة تمنحه القدرة على تثبيت وجوده في الوعي وصياغته والتفكير فيه والتواصل بشأنه.، من هنا تبدو اللغة وسيطًا بين التجربة والتأمل، وبين الحضور والمعنى. لكن الكتاب يذهب أبعد من ذلك عندما يحاول أن يجعل «أنا موجود» نقطة انطلاق نحو أسئلة القيمة والأخلاق والميتافيزيقا. وهنا تبدأ الحاجة إلى مزيد من الحذر. فكون الإنسان واعيًا بوجوده لا يعني، في ذاته، أنه اكتشف مباشرةً أساسًا أخلاقيًا ملزمًا. الانتقال من: «أنا موجود» إلى: «وجودي ذو قيمة» ثم إلى: «وجود الآخر ذو قيمة» ثم إلى: «ينبغي ألا أقتل الآخر» هو انتقال فلسفي يحتاج إلى مقدمات إضافية. وهذه واحدة من النقاط التي ينبغي أن تخضع للمناقشة النقدية داخل الكتاب.

4. هل اللغة تصنع الفكر أم تنظمه؟

يبدو أن الكتاب يميل إلى منح اللغة وظيفة تكوينية، لا وصفية فقط. وهذه فكرة لها جذور فلسفية متعددة، لكنها لا تعني بالضرورة أن كل تفكير هو تفكير لغوي.

فهناك التفكير البصري، والموسيقي، والحركي، والحدسي، وبعض القرارات التي يبدو أنها تتشكل قبل أن تجد طريقها إلى التعبير اللغوي. كما أن الطفل قد يتعامل مع الأشياء ويستجيب لها قبل امتلاكه اللغة التي يستطيع بها وصف استجابته. ولهذا فإن العبارة الأقوى ليست: «لا تفكير خارج اللغة» بل «اللغة أحد أهم الأطر التي تجعل التفكير الإنساني قابلًا للتنظيم والتثبيت والتراكم والتداول.» والفرق بين العبارتين كبير.

فإذا جعلنا اللغة شرطًا مطلقًا لكل تفكير، وقعنا في حتمية لغوية يصعب الدفاع عنها. أما إذا رأيناها بوصفها بنية مركزية من بنيات الوعي الإنساني، فإننا نستطيع تفسير قوتها دون تحويلها إلى قوة شاملة تبتلع كل ما عداها.

5. اللغة لا تعكس العالم فقط، لكنها لا تخلقه من العدم

ربما تكون هذه هي النقطة المركزية التي ينبغي أن يُقرأ الكتاب كله من خلالها. فاللغة تفعل أكثر من الإشارة. إنها تصنف، وتفرق، وتربط، وتمنح أسماء، وتبني مفاهيم، وتنتج ذاكرة، وتحدد ما يمكن قوله وما يصعب قوله، وتشارك في بناء المؤسسات والهويات والسلطات. لكن هذا كله لا يعني أن اللغة حرة في تشكيل العالم بلا مقاومة. لان «العالم،.. ليس ما هو، وإنما  ما نصنعه من الوجود.هو نتاج بناء مشترك: الحدس يشير، واللغة تصوغ » ص37. لكن هناك مقاومة فالجسد يقاوم اللغة بالمرض والألم والموت. والطبيعة تقاومها بالكوارث والمناخ والمادة. والواقع الفيزيائي لا يتغير لمجرد أننا غيرنا اسمه. وقد نستعمل كلمة «حجر» أو «ماء» بطرق مختلفة ثقافيًا، لكن خصائص المادة لا تصبح اعتباطية بسبب اختلاف القواميس. لذلك تبدو الصيغة الأكثر تماسكًا هي: (اللغة لا تنتج الوجود، وإنما تشارك في إنتاج العالم الإنساني بوصفه عالمًا دالًا ومفهومًا وقابلًا للفعل). وبهذا يصبح العالم نتيجة علاقة بين ما هو موجود وما نفعله رمزيًا بهذا الموجود.

6. من اللغة إلى المنطق والرياضيات: القفزة الأصعب

هنا يدخل الكتاب منطقة أكثر حساسية. إذا كانت اللغة نظامًا رمزيًا، فهل يعني ذلك أن المنطق نتيجة طبيعية لها؟ وهل الرياضيات امتداد متطور للقدرة اللغوية؟ يمكن الدفاع عن وجود علاقة عميقة بين الرمز والرياضيات، لكن الانتقال من العلاقة إلى السببية يحتاج إلى برهان. اذ ينظر الى ان « الرياضية ليست لغة الكون، وإنما هي للغتنا،هي لغة صمت لتنتج نماذج، لا وصفا، فتعيد ترتيب الواقع وفق منطق داخلي » ص157 فالرياضيات ليست مجرد لغة بالمعنى الذي تكون فيه العربية أو الصينية أو الإنجليزية لغات طبيعية. إنها نظام صوري له قواعده وعلاقاته ومستويات تجريده الخاصة. ولهذا ينبغي التمييز بين القولين:

الاول الرياضيات لغة. والقدرة الرمزية التي تظهر في اللغة تشكل أحد شروط إمكان الرياضيات الإنسانية. "

الثاني أكثر احتياطًا من الأول. كما أن السؤال الأهم ليس فقط: هل الرياضيات من إنتاج اللغة؟ بل: لماذا تستطيع البنية الرياضية أن تصف جوانب من العالم الطبيعي بهذه القوة؟ " ص199

وهنا يدخل الكتاب في واحدة من أقدم مشكلات فلسفة الرياضيات والعلم: هل الرياضيات مكتشفة أم مخترعة؟ وهل البنية الرياضية موجودة في العالم أم في العقل أم في اللغة أم في علاقة مركبة بين هذه المستويات؟ إذا لم يحسم الكتاب هذه الأسئلة، فالأفضل ألا يقدم الرياضيات بوصفها مجرد طبقة متقدمة من اللغة، لأن ذلك يختزل مشكلة فلسفية كاملة.

7. حين تتحول اللغة إلى مؤسسة وسلطة

يصبح الكتاب أكثر إقناعًا حين ينتقل من اللغة المجردة إلى اللغة الاجتماعية. فاللغة لا توجد في فراغ؛ إنها تعمل داخل مؤسسات ومجتمعات وقوانين وذاكرات جماعية. كلمة واحدة قد تبدو محايدة في قاموس، لكنها تصبح مختلفة جذريًا عندما تدخل مؤسسة قانونية أو دينية أو سياسية.

«مواطن»، «مجرم»، «لاجئ»، «عدو»، «شهيد»، «خائن»، «مقدس»، «استثناء»؛ ليست مجرد ألفاظ وصفية، بل يمكن أن تتحول إلى أوضاع اجتماعية وقانونية وأخلاقية. وهنا يصبح السؤال: متى تتحول الكلمة من وصف الواقع إلى تنظيم الواقع؟

هذه النقطة تفتح الكتاب على تقاليد فلسفية وسوسيولوجية واسعة، من الهرمنيوطيقا إلى البنائية الاجتماعية وفلسفات الخطاب والسلطة.

لكن ينبغي الحذر مرة أخرى من رد كل السلطة إلى اللغة؛ فاللغة لا تعمل وحدها. إنها تعمل داخل مؤسسات، وأجهزة، وعلاقات قوة، ومصالح مادية، وممارسات يومية. ومن ثم الكلمة قد تشرعن المؤسسة، لكن المؤسسة بدورها تمنح الكلمة قوتها. وبذلك لا تعود العلاقة: اللغة، الواقع، بل تصبح علاقة دائرية أكثر تعقيدًا: اللغة تشكل الممارسة، والممارسة تعيد إنتاج اللغة، والمؤسسة تثبت المعنى، والمعنى يعيد إنتاج المؤسسة.

8. الأخلاق: حين تصبح اللغة أداة للتبرير

من أكثر الانتقالات طموحًا في الكتاب انتقاله من فلسفة اللغة إلى الأخلاق. وهنا تظهر فكرة شديدة الأهمية: ليست الأفعال وحدها التي تحتاج إلى تحليل أخلاقي، بل أيضًا اللغة التي تجعل بعض الأفعال قابلة للتبرير.

فالفعل العنيف قد يعاد تقديمه بوصفه «ضرورة»، والقتل قد يصبح «ضررًا جانبيًا»، والاستثناء قد يصبح «حماية»، والإقصاء قد يتحول إلى «تنظيم»، والتدمير إلى «عملية جراحية». المشكلة هنا ليست في الكلمات وحدها، وإنما في قدرتها على إعادة صياغة الفعل بحيث يبدو مختلفًا أخلاقيًا.

وهذا يجعل اللغة جزءًا من البنية الأخلاقية للفعل. لكن ينبغي ألا نستنتج من ذلك أن تغيير اللغة يغير طبيعة الفعل بالضرورة. فإعادة تسمية القتل لا تلغي الموت، وإعادة تسمية الإقصاء لا تلغي أثره، وأن التبرير اللغوي لا يساوي التبرير الأخلاقي.

وهنا تظهر المسافة النقدية الضرورية بين: لغة تصف الفعل، ولغة تبرر الفعل، ولغة تكشف ما يحاول التبرير إخفاءه. وهي مسافة تمنح المشروع الأخلاقي للكتاب أهمية خاصة.

9. من «كن» إلى «أنا موجود»: بين اللاهوت والأنطولوجيا

هنا نلمس تحديد اولي بالقول: « فالإنسان لا يقول «كن» للعالم بالمعنى الذي يُنسب فيه الخلق إلى الإرادة الإلهية؛ إنه يقول «هذا» و«ذاك»، ويسمي ويصنف ويؤوّل ويعيد بناء العالم الرمزي الذي يعيش فيه. وهنا تظهر الحدود الضرورية بين خلق الوجود وتشكيل العالم الإنساني». ص١٩١

اذ يضع تقابل « الحدث الإلهى (كن) مقابل الحدس الإنساني «أنا موجود) (كن) الإلهي هو الحدث الأصلي وهو الوجود ذاته، كما في القرآن الكريم: لبديع السماوات والارض وإذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون» (سورة (البغرة: ١١٧)، بما يجعل الكلمة الإلهية حدثاً أنطولوجياً خارج الزمن والمكان» ص١٩١.

هنا نلمس كيف تكتسب ثنائية «كن» و«أنا موجود» موقعًا رمزيًا مركزيًا في هذا البناء. «كن» تشير إلى حدث الوجود من جهة الأمر الإلهي، بينما «أنا موجود» تشير إلى لحظة الوعي الإنساني بهذا الوجود ؛ لكن يجب ألا يُعامل الاثنان وكأنهما متطابقان من حيث المستوى الفلسفي. وهذا يظهر مما سبق ويمكن القول ان «كن» تنتمي إلى تصور لاهوتي للخلق، في حين «أنا موجود» تنتمي إلى خبرة أنطولوجية أو تأمل ذاتي في الوجود. ومن ثم فان الجمع بينهما يمكن أن يكون خصبًا إذا ظل بوصفه مقارنة بين مستويين من السؤال عن الوجود، لكنه يصبح إشكاليًا إذا استُخدم كبرهان مباشر على أن الوعي الإنساني يعيد إنتاج فعل الخلق. وهذا يظهر من خلال قوله: « أما (أنا موجود) الحدسي فهو هذا الحدث الإلهي نفسه داخل الذات البشرية، وبالتالي، فالحدس الإنساني ليس منفصلاً عن (كن) الإلهي، بل وجه منه داخل الذات الواعية، مما يحفظ الوحدة البنائية بين الإنساني والإلهي. بمعنى أن (كن) هي نفسها (أنا موجود) وهي البداية الأزلية للوجود، أو ما أسميناه بالانفجار الأنطولوجي» ص١٩١.

تكشف الفقرة انتقالًا غير محسوب من المقارنة إلى المطابقة الأنطولوجية؛ فـ«كن» في الخطاب اللاهوتي فعل خلق، بينما «أنا موجود» خبرة وعي بالوجود، ولا يترتب على الثانية أنها امتداد للأولى إلا بافتراض ميتافيزيقي سابق. والأكثر إشكالًا هو تحويل اللغة من وسيط لإنتاج المعنى إلى حدث أنطولوجي ينتج الواقع ذاته؛ فقول الإنسان «هذا» لا يخلق الموجود، بل يخلق طريقة ظهوره داخل عالمه الرمزي. كذلك فإن ترتيب «اللغة، المنطق، الرياضيات» يبدو خطيًا ومغلقًا، بينما تتداخل هذه المستويات تاريخيًا ومعرفيًا وتتبادل التأثير. لذلك يبدو التعالي الميتافيزيقي في افتراض وحدة بنيوية بين «كن» و«أنا موجود»، وفي نقل قدرة الخلق من الإله إلى اللغة والوعي دون تمييز صارم بين الوجود، وإدراك الوجود، وتمثيله رمزيًا.

10. ماذا يضيف الكتاب إلى سؤال الوعي؟

أهم ما يمكن استخلاصه من الكتاب أن الوعي لا ينبغي أن يفهم بوصفه غرفة مغلقة يوجد فيها «أنا» ثم ينظر منها إلى العالم. الوعي نفسه منخرط في شبكة من الرموز. ومن ثم نحن لا نكتفي بأن نعي الأشياء؛ نحن نعيها بوصفها أشياء معينة.

نحن لا نرى الحدث فقط؛ نراه بوصفه انتصارًا أو هزيمة، جريمة أو ضرورة، تضحية أو عبثًا، بداية أو نهاية. وهذا يعني أن الوعي ليس مجرد استقبال للمعلومات، بل عملية تنظيم للخبرة. لكن هنا أيضًا يجب ألا تتحول اللغة إلى تفسير شامل للوعي. ولعل مفهوم (اللغة الشاملة» فهي تشمل كل نظام رمزي ينتج المعنى، سواء كان ذلك كلمات، أو رموزاً رياضية، أو نماذج علمية، أو طقوساً دينية، أو حتى سياقات رقمية. ص١٩١وعلى الرغم من هذا فان الوعي يتصل بالجسد والجهاز العصبي والذاكرة والانفعال والانتباه والإدراك والتجربة السابقة، واللغة أحد مكوناته الكبرى، وليست بالضرورة مصدره الوحيد.

ومن هنا فإن المشروع يصبح أكثر قوة عندما ينظر إلى اللغة بوصفها وسيطًا بين مستويات متعددة من الوجود الإنساني بدل جعلها الأصل الوحيد لكل شيء.

11. القوة الحقيقية للكتاب ومشكلته الأساسية

إذا أردنا أن نقرأ الكتاب نقديًا بعيدًا عن الإعجاب أو الرفض، فإن قوته الأساسية تكمن في أنه يرفض التصور البسيط للغة بوصفها قاموسًا محايدًا، ويدفعنا إلى رؤية العالم الإنساني بوصفه عالمًا يتشكل من خلال: (التسمية والتصنيف والتفسير والرمز).

أما مشكلته الأساسية المحتملة فهي اتساع الطموح النظري. فحين تنتقل الأطروحة من اللغة إلى الوجود، ومن الوجود إلى الوعي، ومن الوعي إلى المنطق، ومن المنطق إلى الرياضيات، ومن الرياضيات إلى الأخلاق والسياسة والتقنية، يصبح كل انتقال بحاجة إلى برهنة مستقلة. وهنا ينبغي أن نفرق بين التشابه البنيوي والعلاقة السببية:

1. كون اللغة والرياضيات نظامين رمزيين لا يثبت أن الرياضيات نتاج اللغة.

2. وكون اللغة تؤثر في الوعي لا يثبت أن الوعي نتاج اللغة وحدها.

3. وكون اللغة تستطيع تبرير العنف لا يثبت أن العنف نتاج اللغة.

4. وكون الإنسان لا يستطيع التعبير عن العالم إلا رمزيًا لا يثبت أن العالم نفسه رمزي في وجوده. ص190

هذه الفروق ليست اعتراضات خارجية على المشروع، بل هي الاختبارات التي ينبغي أن يمر بها لكي يتحول من رؤية فلسفية واعدة إلى نظرية متماسكة.

12. ما الذي يبقى بعد اللغة؟

وربما هنا يكمن السؤال الأكثر إثارة الذي يتركه الكتاب وراءه:

1. إذا كانت اللغة تعيد تشكيل العالم، فهل يوجد عالم يمكن أن يقاوم هذا التشكيل؟

2. إذا كان الرمز يمنح الأشياء معناها، فماذا يحدث عندما لا يعود الرمز قادرًا على احتواء التجربة؟

3. إذا كان الوعي يمر عبر اللغة، فماذا نفعل بالصمت، وبالألم، وبالحضور الجسدي، وبالتجارب التي تسبق القدرة على التعبير؟

وهنا يعود الكتاب، من حيث لا يريد ربما، إلى السؤال الذي بدأ منه: هل اللغة هي بداية العالم الإنساني، أم أنها مرحلة في علاقة أوسع بين الوجود والوعي والرمز؟ إذا كانت اللغة هي كل شيء، فلن نستطيع تفسير ظهورها. وإذا كانت اللغة لا شيء سوى أداة، فلن نستطيع تفسير قوتها في تشكيل التجربة.

وبين هذين الطرفين يمكن أن يظهر التصور الأكثر اتزانًا: الإنسان لا يخترع الوجود باللغة، لكنه لا يعيش وجوده الإنساني خارج عمليات: (التسمية والتفسير والرمز). وبذلك لا يكون العالم مجرد مادة صامتة، ولا يكون مجرد نص لغوي؛ إنه ينشأ، بالنسبة إلى الإنسان، في منطقة التفاعل بين ما هو موجود، وما يُدرَك، وما يُسمّى، وما يُفسَّر، وما يُفعل.

وهذه هي النقطة التي تجعل كتاب «الوجود والوعي: كيف تعيد اللغة تشكيل العالم» أكثر من كتاب في فلسفة اللغة؛ إنه محاولة لإعادة ترتيب العلاقة بين الوجود والوعي والرمز، ومحاولة للإجابة عن سؤال يبدو بسيطًا في بدايته لكنه شديد العمق في نتائجه: حين نقول إننا نرى العالم، فهل نحن نراه كما هو، أم نراه كما أصبح ممكنًا لنا أن نراه؟

غير أن قيمة هذا السؤال لا تتوقف على الإجابة بأن اللغة تصنع العالم، بل ربما تبدأ من رفض هذه الإجابة إذا صيغت بإطلاق. فاللغة لا تستطيع أن تلغي المادة، ولا أن توقف الموت، ولا أن تغير قوانين الطبيعة بمجرد تسميتها، لكنها تستطيع أن تجعل الموت مأساة أو قدرًا أو عبورًا، وأن تجعل الجسد موضوعًا طبيًا أو دينيًا أو قانونيًا أو جماليًا، وأن تحول الأرض إلى وطن، والحدود إلى قانون، والذاكرة إلى هوية، والاختلاف إلى صراع أو إلى معرفة.

لذلك فإن السؤال الفلسفي الأكثر دقة ليس: هل اللغة تصنع العالم؟ بل: أي عالم تصنعه اللغة، وفي أي حدود، وبأي شروط، وتحت أي علاقات من القوة والمعرفة والتجربة؟

عند هذه النقطة تحديدًا ينتقل الكتاب من أطروحة عن اللغة إلى سؤال عن الإنسان نفسه؛ فالإنسان ليس مجرد كائن يتكلم، وإنما كائن يعيش في عالم صار قابلًا للمعنى لأنه دخل في شبكة من الرموز، ثم عاد هذا العالم الرمزي ليؤثر في طريقته في الرؤية والرغبة والحكم والفعل.

ومن هنا تظل المسألة مفتوحة، وربما ينبغي أن تبقى مفتوحة: فاللغة لا تقف خارج العالم لكي تصفه، ولا تقف وحدها داخله لكي تخلقه؛ إنها إحدى القوى التي يتوسط بها الإنسان بين وجود يسبقه ووعي يحاول فهمه وعالم يريد أن يسكنه ويعيد تنظيمه.

وهنا بالضبط تكمن القيمة الفلسفية الحقيقية للكتاب: ليس في إثبات أن اللغة تخلق العالم، وإنما في جعلنا نشك في بساطة العبارة التي نقول بها إننا «نعيش في العالم»؛ إذ ربما نعيش دائمًا في عالم مزدوج: عالم يوجد قبل أن نسميه، وعالم آخر يتشكل عندما نسميه، وبين العالمين تتحرك التجربة الإنسانية كلها.

13. ممكنات الحوار مع اطروحة الكتاب

يمكن أن يكون الكتاب عتبة نظرية مهمة في مشروع «فلسفة العبور»(2)، لا بوصفه نظرية جاهزة للتبني، بل بوصفه مدخلًا ينقل سؤال العبور من التحول والحدود والسيولة إلى اللغة بوصفها إحدى الآليات التي تجعل العبور ممكنًا ومقروءًا، وفي الوقت نفسه إحدى الآليات التي تعيد إنتاج الحدود وتثبيتها.

تلتقي فلسفة العبور مع الكتاب أولًا في رفض النظر إلى العالم الإنساني بوصفه معطًى خامًا مكتملًا. فالإنسان لا يقف أمام عالم جاهز ثم يضع عليه الأسماء، بل يدخل في علاقة مع الموجود، فيدركه ويسميه ويصنفه ويؤوله ويمنحه قيمة، ثم تتحول هذه المعاني إلى ممارسات وذاكرة وهوية ومؤسسات وسلطة. ومن هنا يمكن توسيع معادلة فلسفة العبور:  (الوجود، التحول، الحركة، الحد، العبور، المعنى، التعدد، العلاقة)، بحيث تصبح اللغة إحدى البنى التي تنتقل عبرها التجربة من الوجود إلى العالم الإنساني.

لكن فلسفة العبور تنقل السؤال من: كيف تعيد اللغة تشكيل العالم؟ إلى سؤال أكثر تحديدًا: كيف تعيد اللغة تشكيل الحدود التي يتحرك داخلها العالم الإنساني؟ فاللغة لا تقول فقط «هذا إنسان»، بل تستطيع أن تقول: (مواطن، أجنبي، لاجئ، عدو، صديق، مؤمن، كافر، أصيل، دخيل، مقدس، مدنس). وهنا لا تعود التسمية مجرد وصف، بل تصبح فعلًا يرسم حدودًا اجتماعية وقانونية وثقافية. غير أن الحدود، في فلسفة العبور، ليست جدرانًا نهائية، بل هي أيضًا معابر محتملة. لذلك يمكن أن تعمل اللغة في اتجاهين: لغة تثبت الحد، ولغة تعيد فتحه. ومن هنا يظهر مفهوم «اللغة العابرة»: اللغة التي لا تكتفي بتثبيت الأشياء داخل هويات مغلقة، بل تكشف قابليتها للتحول وإعادة التسمية.

غير أن الاختلاف الأعمق مع أي تصور يجعل اللغة منشئة للعالم يكمن في رفض اختزال الوجود فيها. فاللغة لا تخلق الوجود، وإن كانت تشارك في تشكيل العالم الإنساني الذي نفهمه ونعيش داخله. الألم يحدث قبل أن نسميه، والموت يقع قبل أن نمنحه اسمًا، والماء موجود قبل أن نقول «ماء»، والجسد يتألم ويتحرك قبل اكتمال التعبير اللغوي عنه. لذلك يمكن القول: اللغة لا تخلق الوجود، لكنها تدخل في عبور الوجود من الحضور إلى العالم الإنساني. وما قبل اللغة ليس عالمًا مكتملًا يمكن الوصول إليه من الخارج، بل عتبة تشير إلى أن الموجود لا يختزل في الطريقة التي نصفه بها. ومن هنا قاعدة مهمة: كل تسمية تكشف شيئًا من الموجود، لكنها لا تستنفده.

وتصبح اللغة، وفق ذلك، حدًا ومعبرًا في آن واحد. فهي تحدد المعنى، لكنها تفتح إمكانات جديدة له؛ تصنف الأشياء، لكنها تسمح بإعادة تصنيفها؛ تثبت الهوية، لكنها تستطيع تفكيكها؛ تحفظ الذاكرة، لكنها تستطيع إعادة تأويلها؛ تنتج السلطة، لكنها تستطيع مساءلتها. لذلك يمكن صياغة مبدأ مركزي: اللغة حدّ حين تثبت المعنى، ومعبر حين تفتحه على إمكان آخر.

وتتضح أهمية ذلك في مفهوم الهوية العابرة. فالهوية لا تتكون من الانتماء الواقعي وحده، بل من أسماء وتصنيفات تمنح الإنسان موقعًا وحقوقًا وحدودًا. حين تقول المؤسسة «هذا مواطن» فهي لا تصف فقط، بل تنتج وضعًا قانونيًا؛ وحين تقول «هذا أجنبي» ترسم حدًا سياسيًا؛ وحين تقول «هذا عدو» تعيد بناء العلاقة معه. لذلك التسمية لا تصف الهوية فقط؛ إنها تشارك في إنتاج حدودها الاجتماعية والسياسية. وبما أن الهوية قابلة لإعادة التسمية وإعادة التفاوض، فإنها لا تكون جوهرًا نهائيًا، بل تثبيتًا مؤقتًا قابلًا للعبور.

ومن هنا تتصل اللغة بالسلطة والذاكرة: اللغة تنتج المعنى، والمعنى ينتج التصنيف، والتصنيف ينتج الحدود، والحدود تدخل المؤسسة، والمؤسسة تثبت المعنى، والمعنى يعيد إنتاج السلطة. غير أن السلطة لا تختزل في اللغة؛ فاللغة والممارسة والمؤسسة والذاكرة والسلطة تدخل في علاقة متبادلة. وبذلك تضاف اللغة إلى قانون فلسفة العبور: العبور ينتج الحدود، والحدود تنتج الثبات، والثبات ينتج الهوية، والهوية تنتج السلطة، والسلطة تحاول إعادة إنتاج الحدود؛ في حين تسمي اللغة هذه الحدود وتمنحها قابلية التداول، ويعيد الفكر مساءلة الأسماء وفتح الحدود من جديد. ففلسفة العبور لا تحتاج إلى القول إن اللغة تصنع العالم، بل إلى القول إن الوجود حين يعبر إلى العالم الإنساني يدخل شبكة التسمية والتفسير والتصنيف والرمز، ومنها تتشكل المعاني والهويات والمؤسسات، لكن هذا العالم اللغوي يظل قابلًا للعبور لأن ما تسميه اللغة لا تستنفده، وما تثبته الحدود لا يغلق إمكان تجاوزها.

***

د. عامر عبد زيد الوائلي

....................

الهوامش

1. منذر جلوب، الوجود والوعي  كيف تعيد اللغة تشكيل العالم؟ دار نابو، ط1، بغداد 2026.

2. فلسفة العبور هي مقاربة فلسفية تتشكل عبر مجموعة من الدراسات التي لا تنطلق من افتراض اكتمال نظرية مسبقة، بقدر ما تنخرط في اختبار مستمر لأدواتها ومفاهيمها وقدرتها على محاورة أنماط متعددة من التفكير الفلسفي والمعرفي والإنساني. وهي، بهذا المعنى، ليست مجرد منهج لقراءة الفلسفات الأخرى، ولا إطارًا تأويليًا يُسقط على موضوعات متباينة، وإنما محاولة لبناء مبانٍ فلسفية مستقلة تتكشف ملامحها تدريجيًا عبر الاشتباك مع أسئلة الوجود والتحول والحدود والهوية واللغة والإنسان والممكن. لذلك فإن علاقتها بالفلسفات الأخرى تقوم على العبور بينها لا على الذوبان فيها؛ تستعير السؤال، وتفحص المفهوم، وتختبر الحد، ثم تعيد تركيب ما تعبره ضمن أفقها الخاص. ومن هنا تأتي قيمة هذه المقاربة: إنها لا تدّعي امتلاك نسق مغلق، بل تختبر إمكان تأسيس فلسفة مفتوحة، تتعدد تطبيقاتها وحقولها، بينما يحتفظ كل حقل بمبناه الفلسفي الخاص، وتظل بينها وحدة عميقة قوامها مفهوم العبور بوصفه بنية للتحول وإعادة إنتاج الممكن.

في المثقف اليوم