عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام فكرية

في فلسفة كارل بوبر للمعرفة العلمية

ظل العلم منذ أن أصبح النموذج الأبرز للمعرفة التي يطمح الإنسان من خلالها إلى فهم العالم محاطا بمفارقة لم يفقد التفكير الفلسفي انشغاله بها، كيف يمكن لمعرفة لا تستند إلى يقين نهائي أن تنتج قوانين قادرة على تفسير الظواهر والتنبؤ بها وأن تؤسس في الوقت نفسه لتدخل تقني بالغ الدقة في الطبيعة؟ فالعلم لا يتعامل مع وقائع منفردة فحسب، وإنما يتجاوزها إلى صياغة قوانين عامة تتحدث عن ما لم يلاحظ بعد، الأمر الذي يجعل الانتقال من التجربة المحدودة إلى الحكم الكلي أحد أكثر مواطن الإحراج في نظرية المعرفة العلمية.

وقد بلغ هذا الإحراج ذروته مع ديفيد هيوم حين وضع الاستقراء أمام حدوده المنطقية حيث لا يمكن لعدد لا نهائي من الوقائع الجزئية أن يمنحنا بصورة استنباطية يقينا بقانون كلي. فكون الطبيعة قد تصرفت على نحو معين في الماضي لا يتضمن من الناحية المنطقية أنها ملزمة بأن تكرر السلوك نفسه في المستقبل. ومنذ ذلك الحين لم تعد مشكلة الاستقراء مجرد مسألة تقنية في المنهج العلمي بل أصبحت سؤالا يتعلق بمشروعية المعرفة العلمية نفسها، أي بأي معنى نستطيع أن نعد القوانين العلمية معرفة إذا كان المبدأ الذي يسمح بالانتقال من المشاهد إلى غير المشاهد لا يمكن تبريره تبريرا نهائيا؟

يظهر كارل بوبر في هذا السياق بوصفه أحد أبرز الفلاسفة الذين حاولوا إعادة صياغة المشكلة بدل البحث عن حل تقليدي لها، فهو لا يسعى إلى إنقاذ الاستقراء بإضافة مزيد من الأدلة أو بتحويل اليقين إلى مجرد احتمال، وإنما يرفض أن تكون مهمة المنهج العلمي هي إثبات صدق النظريات أصلا. فالنظرية العلمية في نظره لا تكتسب قيمتها من عدد الوقائع التي تؤيدها وإنما من قدرتها على الدخول في مواجهة حقيقية مع التجربة؛ أي من استعدادها لأن تحدد بصورة واضحة ما الذي يمكن أن يكشف خطأها. ومن هنا تتبلور فكرة القابلية للدحض باعتبارها محاولة لإقامة حد فاصل بين المعرفة العلمية وأشكال القول التي لا تسمح من حيث المبدأ بأي اختبار يمكن أن يعارضها.

غير أن هذه الفكرة على ما تنطوي عليه من قوة فلسفية ومنهجية لا تخلو من مشكلات عميقة، فهل يكفي أن تكون النظرية قابلة للدحض حتى تكون علمية؟ وهل يحدث الدحض فعلا بين نظرية منفردة وواقعة تجريبية مستقلة عنها أم أن الملاحظة نفسها مشروطة بجملة من الافتراضات والنظريات المساعدة؟ ثم ماذا يحدث لمعيار القابلية للدحض أمام تاريخ العلم الفعلي حيث لم يكن العلماء يتخلون دائما عن النظرية عند أول نتيجة مخالفة وحيث أسهمت تعديلات الفروض المساعدة أحيانا في إنقاذ نظريات كبرى وقادت في حالات أخرى إلى طرق مسدودة؟ وإذا كان بوبر قد جعل النقد أساسا للعقلانية فهل استطاع أن يمنح هذه العقلانية أساسا لا يقع بدوره في المشكلة التي حاول تجاوزها؟

تنبع أهمية هذه الأسئلة من أن مشروع بوبر لا يقتصر على اقتراح معيار تقني للتمييز بين العلم واللاعلم، بل يعكس تصورا أوسع لطبيعة العقلانية والمعرفة. فالعقل وفق هذا التصور لا يكون عقلانيا لأنه يمتلك حقيقة نهائية أو أساسا يستحيل الشك فيه، وإنما لأنه يقبل بإمكان الخطأ ويجعل من النقد عنصرا بنيويا في إنتاج المعرفة. ولذلك فإن فحص معيار القابلية للدحض لا ينبغي أن ينتهي بمجرد إثبات قصوره بل يقتضي التساؤل عما إذا كان هذا القصور يهدم العقلانية النقدية أم يكشف على العكس عن عمقها الحقيقي.

وعليه، يسعى هذا المقال إلى قراءة مشروع بوبر قراءة نقدية تتجاوز اختزال فلسفته في شعار «القابلية للدحض»، من خلال تتبع الجذور الإبستمولوجية للمشكلة والوقوف عند محاولة بوبر تجاوز معضلة الاستقراء ثم فحص المعيار في ضوء الاعتراضات التي أثارتها فلسفة العلم المعاصرة ولا سيما مشكلات القضايا القاعدية وشبكة الفروض المساعدة وتاريخية الممارسة العلمية. والغاية من ذلك ليست إصدار حكم متسرع على مشروع بوبر، وإنما التمييز بين ما لم يصمد في بنائه المنطقي وما ظل محتفظا بقيمته الفلسفية، أي ذلك الإصرار على أن المعرفة لا تتقدم بحماية معتقداتها من النقد وإنما بإبقائها مفتوحة على احتمال الخطأ والتصحيح.

ولم تأتِ مشكلة الاستقراء إلى بوبر من كتب المنطق وحدها، فقد جاءته من حادثة في تاريخ العلم هزت ما كان يُظن راسخا. إذ ظلت فيزياء نيوتن قرابة قرنين ونصف تبدو أنجح ما بلغه العقل البشري حتى توهم كثيرون أنها لم تعد نظرية تقبل المراجعة وأنها صارت وصفا نهائيا للعالم. وبلغ هذا الوهم من الرسوخ أن كانط وهو الفيلسوف الذي أخذ كلام هيوم مأخذ الجد كما لم يأخذه أحد، ذهب إلى أن المبادئ التي تقوم عليها هذه الفيزياء ليست مستخلصة من التجربة بل هي بنى قبلية في الذهن تجعل التجربة ممكنة قبل أن نتلقاها ومن ثم فهي ضرورية وكلية. فلما أُعلن في خريف عام 1919 أن بعثة إدنغتون التي رصدت كسوف الشمس في مايو من تلك السنة وجدت الضوء القادم من النجوم يميل قرب قرص الشمس على نحو يوافق النسبية العامة ويخالف حساب نيوتن، لم يسقط بذلك قانون من قوانين الفيزياء وحده وإنما اهتزت معه صورة كاملة للمعرفة اليقينية. فإن كان أقوى ما صاغه العقل من قوانين قد تبين أنه قابل للخطأ فبأي حق نسمي ما بقي بعده معرفة؟

وقد تعددت الأجوبة عن هذا الموقف الجديد، لكنها تقاربت في افتراض واحد. فالوضعيون المناطقة في حلقة فيينا وكان بوبر قد عاصرهم وخالفهم، جعلوا معنى القضية رهنا بإمكان التحقق منها بالخبرة، فلما تبين لهم أن القوانين الكلية لا تتحقق تحققا تاما خففوا المطلب، وتحدثوا عن درجات التثبيت والاحتمال، وهي الوجهة التي سار فيها كارناب. وظل الفريقان على ما بينهما من تباعد يعتقدان أن مهمة المنهج العلمي أن يمنح النظرية سندا يبرر قبولها يقينا كان ذلك السند أو احتمالا. وهذا الافتراض الصامت هو الذي سيتجه إليه بوبر.

وفي تراثنا موضع يشبه هذا السؤال شبها يغري بالمقارنة ويستحق أن يقابَل بالحذر. فالغزالي في المسألة السابعة عشرة من «تهافت الفلاسفة» يعرض احتراق القطن عند ملاقاة النار ويقرر أن الاقتران بين ما يُظن سببا وما يظن مسببا ليس لازما عقلا وأن ما نشاهده لا يدل إلا على الاقتران، أما كونه منه فلا دليل عليه وهو بذلك يفتح الباب لجواز خرق العادة. ويرد ابن رشد في «تهافت التهافت» بأن إنكار الأسباب الفاعلة إبطال للعلم نفسه إذ لا تحصل المعرفة بالشيء إلا بمعرفة سببه. غير أن المقصد عند الغزالي كلامي في الأصل يصون به القدرة الإلهية المطلقة ولا يمتحن الاستدلال التجريبي والمنزع عند ابن رشد أرسطي يجعل السببية شرطا للمعرفة فلا يصح أن نسمي هذا الجدل سلفا مباشرا لمشكلة هيوم. ما يستفاد منه أن الحيرة بين الانتظام المشاهد وضمانه سؤال قديم لم يبتكره هيوم وإنما غيّر موضعه في الفلسفة وأن بوبر لا يقف في هذا الجدل مع أحد الطرفين: فهو لا يقبل من ابن رشد أن العلم معرفة بالضرورات ولا ينتهي مع الغزالي إلى العادة وإنما يغير ما نطلبه من العلم أصلا.

وقد بدأ هذا التحول من ملاحظة منطقية بسيطة في ظاهرها. فالقضية الكلية مثل «كل البجع أبيض»، لا تنتج من أي عدد من الحالات المؤيدة، لأن ما لم نفحصه يظل أكثر مما فحصناه مهما بلغ الأخير، لكنها تسقط بحالة واحدة مناقضة. وهذا التفاوت بين عجز الإثبات وقدرة النقض ليس عادة نفسية ولا عرفا من أعراف الباحثين بل علاقة استنباطية صرفة. فرأى بوبر أن العلم يستطيع أن يسير على هذا الجانب الوحيد المأمون من المنطق فيقترح القانون اقتراحا جريئا ثم يبحث عما يسقطه فلا يحتاج إلى مبدأ استقرائي يفتقر بدوره إلى تبرير. فالنظرية في تصوره تخمين والتجربة ليست مصدرها وإنما محكمة تُعرض عليها بعد نشأتها. أما التعود على التكرار الذي يسميه علماء النفس استقراء فشأن من شؤون النفس لا يمس مسألة المنطق.

ومن هذه النقطة صاغ بوبر معيار التمييز وقد كان أول ما أقلقه في شبابه أن بعض المذاهب التي افتُتن بها معاصروه كماركس وفرويد وأدلر لا تعجز عن تفسير واقعة، فإن أحسن الرجل إلى جاره فسرها الفرويدي بوجه وإن أساء إليه فسرها بوجه آخر وفي الحالين تبدو النظرية مؤيدة. وفي مقابل ذلك وضع آينشتاين نظريته على حافة الخطر، فكان يكفي أن تأتي ملاحظة واحدة بخلاف تنبؤه لتسقط. فما بدا ميزة في المذاهب الأولى وهو أنها تفسر كل شيء رآه بوبر عيبا قاتلا لأن ما لا يحظر شيئا لا يخبر بشيء. وكلما حظرت النظرية عددا أكبر من الوقائع الممكنة زاد مضمونها التجريبي وزادت مخاطرتها، وتلازمت عنده الجرأة والقيمة المعرفية. وإذا نجت النظرية الجريئة من محاولات صادقة لإسقاطها فلا يقول إنها ثبتت بل يقول إنها تعززت أي إنها صمدت حتى الآن حيث ربما لم تصمد منافساتها. فهو لم يستبدل يقين الاستقراء بيقين الدحض لأن غاية ما يفيدنا الدحض أن ما ظنناه صحيحا لم يعد صالحا للاعتماد عليه.

وقد جاوز بوبر بهذا المعيار الغاية المنهجية إلى ما هو أعمق، فالفلسفة التقليدية كما نبه كانت تبحث عن نقطة تتوقف عندها سلسلة التبريرات، فإن طُلب الدليل على اعتقاد وقعنا بين ثلاث: تراجع لا ينتهي في الأسباب أو دور في حلقة مغلقة أو وقوف عند نقطة تُفرض فرضا وتُمنح حصانة لا تستحقها وهي المعضلة التي سماها هانز ألبرت لاحقا ثلاثية مونخهاوزن وكان بوبر قد ناقش صورتها عند فريس. فكان الجواب القديم يختار المخرج الثالث متنكرا في ثوب اليقين الحسي أو الحدس العقلي. أما بوبر فرفض أن تكون العقلانية رهن أساس أخير وجعلها استعدادا دائما لعرض كل موقف على النقد فلا يكون العقل عقلانيا لأنه يملك حقيقة لا تقبل الشك بل لأنه يقبل إمكان الخطأ ويجعل النقد جزءا من بنيانه.

لكن المعيار ما إن يغادر أمثلة المنطق إلى المختبر حتى يفقد بساطته وأول ما يعترضه ما يتعلق بالقضايا القاعدية، وهي الأقوال الجزئية التي نقر بها لنقول إن نظرية قد خولفت كقولنا إن هذا الطائر الذي أمامنا بجعة وإنه أسود. فبوبر يقيم الدحض على هذه القضايا لكنه يعترف بأنها لا تثبت ثبوتا مطلقا لأن كل ملاحظة تجري في ضوء نظرية ولأن فهم القول الجزئي يستدعي لغة كلية وافتراضات في الأجهزة وظروف القياس. فهو يقبلها بقرار يتخذه الباحثون بعد نظر في قابليتها للفحص ويبقى هذا القرار مفتوحا لمراجعة لاحقة إن طُعن فيه. وقد شبه بنيان العلم بعمارة تقوم فوق مستنقع تُدق أعمدتها في الأرض حتى تصلح لحمل البناء لا حتى تبلغ صخرا يستند إليه. والتشبيه بليغ غير أنه يكشف عما يترتب عليه، فالدحض الذي أريد له أن يكون ضربة منطقية حاسمة ينتهي إلى أن يتوقف على اتفاق بشري لا يستطيع المنطق وحده أن يفرضه وبذلك يعود عدم اليقين الذي طُرد من باب النظرية من باب الملاحظة.

ويتضاعف الإشكال حين نذكر ما نبه إليه دوهيم في مطلع القرن العشرين وعممه كواين بعد منتصفه، وهو أن التجربة لا تواجه نظرية منفردة وإنما تواجه شبكة تتصل فيها النظرية بفروض مساعدة تتعلق بالأجهزة والشروط الأولية والنظريات المجاورة. فإن جاءت النتيجة بخلاف المتوقع فلا يدلنا المنطق على الحلقة التي ينبغي أن تُكسر. وقد عرض تاريخ الفلك هذا الغموض في مثالين متقابلين. فحين اضطرب مدار أورانوس لم يتخلَّ الفلكيون عن ميكانيكا نيوتن، بل افترضوا جرما مجهولا يجذبه فأفضى الحساب إلى اكتشاف نبتون عام 1846 وكان الفرض المساعد هنا ثمرة لقدرة النظرية على التنبؤ. وحين ظهر شذوذ في حركة عطارد سلك لوفريي الطريق نفسه وافترض كوكبا سمي فولكان فلم يُعثر عليه وبقي الشذوذ حتى فسرته النسبية العامة تفسيرا مغايرا. فلم يكن السؤال إذن هل تُعدَّل النظرية عند اصطدامها بالواقع فهي تُعدَّل قطعا وإنما كيف يكون التعديل مقبولا.

وقد أدرك بوبر هذه العقبة فحذر مما سماه الحيل التواضعية أي التعديلات التي لا غرض لها إلا أن تصرف الدحض عن النظرية واشترط في الفرض المساعد أن يزيد النظرية قابلية للاختبار لا أن ينقصها. وهو شرط وجيه لكنه يحيلنا إلى حكم لا تحسمه القاعدة الصورية، متى يكون التعديل قد فتح للنظرية مجالا جديدا ومتى اكتفى بترميمها؟ إن الجواب يقتضي معرفة بالنظرية وسياقها وما أنتجته من تنبؤات أي نظرا علميا وتاريخيا يقوم فيه الاجتهاد مقام ما أراد المنطق أن يقوم به، وبذلك ينتقل المعيار من ميزان آلي إلى مبدأ يهدي الحكم.

ومن هذا الانتقال تتفرع المشكلة الثالثة وهي علاقة المعيار بالممارسة العلمية كما جرت في التاريخ، فتوماس كون رأى أن العلماء في أغلب أيامهم يعملون داخل نموذج إرشادي مستقر ويحلون ألغازا يعترف بها مجتمعهم العلمي ولا يعدون كل شذوذ إسقاطا للأصول التي يعملون بها بل يعالجونه ويؤجلونه ولا يتزعزع النموذج إلا حين تتراكم الشذوذات وتتوافر بدائل مقنعة. وقد ردّ بوبر بأن العالم الذي يقيم في نموذج لا ينقده يخون روح العلم وبأن العلم الذي يتحول إلى مؤسسة يطمئن فيها الباحثون إلى المسلّمات يفقد ما يميزه. وبين الرجلين خلاف في الغاية قبل أن يكون خلافا في الوقائع، فبوبر يريد معيارا لما ينبغي أن يكون عليه العقل العلمي وكون يصف ما يجري فعلا. وجاء لاكاتوش فحاول أن يحفظ جوهر الفكرة البوبرية ويستوعب درس التاريخ فجعل وحدة التقويم برنامج بحث له نواة صلبة وحزام من الفروض القابلة للتعديل وحكم على البرنامج بأنه تقدمي إن أفضت تعديلاته إلى تنبؤات جديدة تأيدت وبأنه متراجع إن اقتصرت على تدارك ما انهار فلم يعد العالم محاسبا عند لحظة الاختبار وصار المسار كله هو الذي يُحاسَب على مدى زمني. وأما فيرابند فتجاوز الجميع حين أنكر أن في العلم منهجا يصلح لكل مقام. ويمكن أن يُقرأ هذا المسار على أنه تضييق متوالٍ على ثقة العقل بقواعده ويمكن أن يُقرأ على أنه امتداد لبوبر نفسه إذ طُبّق فيه النقد على معيار النقد.

وإذا عدنا إلى السؤال الذي بدأنا به هل يكفي أن تكون النظرية قابلة للدحض حتى تكون علمية تبين أنه لا يتحمل جوابا واحدا. فالقابلية للدحض شرط لازم لكنها غير كافية. إذ يقدم التنجيم أحيانا تنبؤات محددة، فهو قابل للدحض وقد دُحض فعلا ومع ذلك لا يُعد علما لأن أصحابه لم يتخلوا عنه حين دُحض. فالمعيار لا يسأل عن شكل النظرية وحدها وإنما عن موقف أصحابها منها أيضا. ومن جهة أخرى لا يصلح المعيار حدا مانعا من غير حرج فالقضية الوجودية مثل «يوجد كوكب لم نكتشفه»، لا تُدحض بإخفاق بحث محدود وهي مع ذلك عمدة في اكتشافات عدة. وقد دل بوبر نفسه على هذا الحرج حين وصف الداروينية في إحدى مراحل تفكيره بأنها برنامج بحث ميتافيزيقي لعسر تحديد ما يكذبها ثم عدل عن ذلك وأقر بأن الانتخاب الطبيعي قابل للاختبار وإن كان اختباره أدق من الأمثلة المدرسية. وهو رجوع لا يضعف موقفه بقدر ما يبين أن الاحتكام إلى المعيار عمل يحتاج إلى فقه بالنظرية المفحوصة لا خوارزمية تعطي جوابا آليا.

ويبقى إشكال أخير هو الأكثر خفاء، فإذا كان العلم لا يثبت صدق نظرياته فبأي حق نقول إنه يتقدم؟ أراد بوبر أن يتجنب القول بأن تاريخ العلم مجرد تعاقب أخطاء، فاقترح مفهوم الاقتراب من الحقيقة ليقول إن نظرية آينشتاين أقرب إليها من نظرية نيوتن، ثم بيّن ديفيد ميلر وبافل تيشي عام 1974 أن الصياغة المنطقية التي قدمها لهذا المفهوم لا تصح إذا كانت النظريتان المقارنتان خاطئتين معا وهي الحالة التي تهمنا. فبقيت فكرة التقدم وهي ضرورية لفهم العلم بلا تحديد صوري يطمئن إليه وإن بقيت لدينا أسباب تاريخية وعلمية قوية للاعتقاد بأن نظرية لاحقة أفضل من سابقتها.

فهل يعني هذا كله أن العقلانية النقدية قد هُدمت؟ لا أحسب ذلك. فقد رأى وليم بارتلي أن العقلانية النقدية إن اختيرت بقرار لا يسنده نقد ثبّتت في العقل موضعا محصنا يناقض مبدأها وكان جوابه أن يُوسَّع النقد حتى يشمل العقلانية ذاتها فلا يبقى شيء محصنا حتى هذا المبدأ، وهكذا لا تضمن العقلانية نفسها من خارجها وإنما تقوم على استعداد لاحتمال الخطأ وتأمل الاعتراضات التي مرت بنا يبين أن كلا منها نقد أي مثال حي على ما أراده بوبر وأن مشروعه انتُقد بالطريقة التي رسمها لنفسه فلم تنقضه الاعتراضات وإنما أثبتته. وربما كان في الخلق العلمي الذي وصفه ابن الهيثم في «الشكوك على بطلميوس» ما يشبه هذه الروح حين قرر أن طالب الحق لا يحسن الظن بكتب المتقدمين بل يجعل نفسه خصما لما ينظر فيه ويتهم ظنه عند الفحص ويحتكم إلى الحجة والتجربة. وليس هذا قولا بالقابلية للدحض فلا نجد عند ابن الهيثم تمييزا للعلم بهذا الشرط لكن الصرامة مع ما يحب الباحث من أفكار هي الأساس الأخلاقي الذي تقوم عليه العقلانية النقدية ولا تستغني عنه.

ولم يبق بوبر حبيس نظرية المعرفة ففي «المجتمع المفتوح وأعداؤه» نقل المبدأ نفسه إلى السياسة، إذا كان البشر عرضة للخطأ فخير المؤسسات ما أتاح تصحيح الأخطاء دون إراقة دماء ومكن من إزاحة الحاكم السيئ بغير ثورة. والصلة بين الميدانين ليست تشبيها بل وحدة في الرؤية، أي أن الحقيقة لا يملكها فرد ولا جماعة وأن ما يقبل الاختبار والمراجعة أحق بالثقة مما يحتمي بالسلطة.

فماذا بقي إذن؟ بقي أن المعيار بوصفه قانونا منطقيا مكتفيا بذاته يفصل العلم عن غيره فصلا حادا لم يصمد، فالقضايا القاعدية قرارية والدحض لا يصيب نظرية بمفردها والتقدم لا يقبل التعريف الذي أراده له. لكن ما عاش من مشروع بوبر ليس من جنس ما سقط، فالأول يدعي صرامة صورية والثاني موقف من المعرفة فحواه أن العلم ينمو بما يتيحه من اعتراض الواقع عليه وأن اليقين ليس شرط العقلانية وأن الخطأ إذا اكتُشف لا يهدم المعرفة بل يغذيها. ومن بوبر يمكن أن نأخذ درسا لا يتخذ صورة القاعدة بل صورة العادة الذهنية، وهي أن نسأل أنفسنا كلما اطمأننا إلى رأي عن الواقعة التي كان يمكن أن تقنعنا بخلافه وأن نرتاب في كل فكرة بلغ من إحكامها أنها لا تترك للتجربة مدخلا. وقد أخفق بوبر في أن يجعل هذه العادة قانونا لكنه نجح في أن يجعلها معيارا للأمانة العقلية. وفي ذلك ما يكفي لأن يبقى في قلب فلسفة العلم لا لأنه حسم المسألة بل لأنه جعل عدم حسمها جزءا من المعرفة.

***

د. حمزة مولخنيف

(مُقاربة فلسفيّة جديدة لمنهجيّة القراءة على القراءة)

- التحقق الوجودي: توقفنا في اللقاء السابق عند معنى "التحقق الوجودي"، إذْ قلنا إنّ مصطلح "التحقق الوجودي"Existential Realization يأتي فى سياق الفلسفة العرفانيّة، قصداً بمعنى انتقال المعرفة من كونها فكرةً يدركها العقل إلى اعتبارها حقيقةٍ وجوديّة يعيشها الإنسان في وجوده ووعيه، بحيث تتحوّل المعرفة من التجريد النظري إلى تحقّقٍ وكشفٍ وتجربةٍ وجوديّة عامرة بالحياة، غزيرة بالمعاني والدلالات.

أي أن العارف إذ ذاك لا يكتفي بأن يعرف الحقيقة، بل يتحقق بها وجوداً وذوقاً وكشفاً وشهوداً، يُعايشها من الداخل كما تُعاش الحياة وتُذاق. ولم يكن مصطلح التحقق الوجودي بمعزل عن تلك المقاربة الفلسفية لمنهجيّة القراءة على القراءة.

ولم نكن نقصد بالمصطلح استعمالاً فلسفياً غامضاً بعيداً عن فحوى التجريب الذي قصدناه، وهو أن المعرفة التي ولّدها العقل ينبغي أن تختبر قدرتها على إعادة تشكيل صاحبها.

فإذا ولّدت القراءة معرفة جديدة، ثم ولّدت المعرفة الجديدة رؤية جديدة للإنسان والعالم والله، فلا يكفي أن أقول: " حقاً ! لقد وصلت إلى مفهوم جديد"، بل السؤال التالي هو: ماذا فعل هذا المعنى بي؟ هل غيّر طريقة تفكيري؟ هل غيّر رؤيتي؟ هل غيّر علاقتي بنفسي؟ هل غيّر علاقتي بالآخر؟ هل أعاد ترتيب القيم في داخلي؟ هل انتقل من كونه فكرة أمتلكها إلى كونه معنى أعيش به؟

إذ ذاك تبدأ المعرفة المقصودة عندنا في الخروج من مجال الامتلاك المعرفي إلى مجال التحقق الوجودي. وهنا بالضبط يظهر الفرق بين الحكمة والعرفان، حتى إذا وصلت المعرفة المولّدة إلى مستوى من إعادة ترتيب رؤية الإنسان للوجود، فإنها تقترب من الحكمة. لكن الحكمة، حتى في أرقى صورها، يمكن أن تظل رؤية للوجود، والرؤية غير التجربة.

أمّا العرفان - في التصور الذي يناسبنا هنا في هذا السياق المعرفي - فهو أبعد من مجرد امتلاك رؤية صحيحة أو عميقة؛ إنه تحوّل في علاقة الإنسان بالمعنى الذي عرفه.

فقد سبقت الإشارة إلى لب هذا الموضوع في إيجاز تقرّر عندنا من حيث إن التراكم يصنع مادة المعرفة، والقراءة تصنع الفهم، والقراءة على القراءة تصنع العلاقة بين المعارف، ومن هذه العلاقة يتولّد فائض معرفي، ثم تنشأ المعرفة الثالثة، ويتحوّل التوليد إلى قدرة معرفيّة، ثم تبدأ المعرفة المولدة في اختبار نفسها في الوجود، فإذا تحولت المعرفة إلى رؤية، اقتربنا من الحكمة، وإذا تحولت الرؤية إلى تحقق وتجربة، انفتح المجال على العرفان.

وإذا شئنا إعادة بناء الهرم المعرفي كله بالتركيز على البناء المفهومي في أبستمولوجيا المعرفة التوليديّة، ينبغي أن تكون المصطلحات المركزية الممّاسة لها هكذا:

التراكم يقود إلى الفهم، والفهم يُعمل في منهجيّة القراءة على القراءة، ومنهجيّة القراءة على القراءة تقود إلى فائض المعرفة، وفائض المعرفة يؤدي الى المعرفة الثالثة، والمعرفة الثالثة تسفر عن التوليد، والتوليد يتصل بالتحقق الوجودي، والتحقق الوجودي يثمر الحكمة، والحكمة تثمر العرفان. وبعبارة أخرى يمكن القول:

لا يقوم نظام المعرفة التوليديّة على الانتقال الآلي من مرحلة إلى أخرى، وإنما على تحول تدريجي في طبيعة الفعل المعرفي. يبدأ هذا الفعل من تراكم المعرفة، ثم يتجاوز التراكم إلى القراءة، ومن القراءة إلى منهجيّة القراءة على القراءة، حيث تدخل المعارف في علاقات جديدة ينتج عنها فائض معرفي يتجاوز ما كان موجوداً في مصادره الأولى.

ومن هذا الفائض تتشكل "المعرفة الثالثة"، ثم تتحوّل القدرة على إنتاج هذه المعرفة إلى معرفة مولّدة.

غير أن التوليد المعرفي لا يبلغ غايته بمجرد إنتاج معنى جديد؛ إذ ينبغي أن يدخل هذا المعنى في امتحان وجودي، بحيث لا يظل فكرة مضافة إلى رصيد الإنسان، بل يتحول إلى رؤية تعيد تشكيل وعيه ووجوده.

وعند هذه النقطة تنتقل المعرفة من مجرد الإنتاج إلى الحكمة، ومن الحكمة، حين تصبح معرفةً متحققةً في الوجود، ينفتح أفقها على العرفان. وبانفتاح الأفق على العرفان بتحقق السلام الداخلي والطمأنينة القلبية، وتصبح المعرفة إذ ذاك حياة معاشة بالفعل لا مجرد نظرية يسوقها العقل بترديد المقال تلو المقال.

وهنالك أيضاً يظهر بوضوح أن "التحقق الوجودي" ليس مرحلة إضافيّة اعتباطية، بل هو الحلقة التي تمنع مفهوم أبستمولوجيا المعرفة التوليديّة أن يتحول إلى مجرد نظريّة في توليد المعلومات والمعاني.

بل هو الذي يحفظ لنا فكرتنا المركزية: أن فائض المعرفة لا تكون قيمته الحقيقية في أنه أضاف شيئاً إلى ما نعرف، وإنّما في أنه أحدث شيئاً فيمن يُعرف.

وهذه العبارة الأخيرة، يمكن أن تكون مفتاحاً مركزيّاً في نظريّة "أبستمولوجيا المعرفة التوليديّة". نعم يمكن للإنسان أن يكون شديد الذكاء، كثير الإنتاج المعرفي، ولا يكون عارفاً على التحقيق. فالجدة ليست معيار العرفان. المعيار هو: ماذا صنعت المعرفة المولدة بالعارف؟

إذا هي جعلته أكثر قدرة على إدراك المعنى، وأكثر وعياً بحدود نفسه، وأكثر اتصالاً بالحقيقة، وأكثر تحققاً بالقيم التي تكشفها آفاق المعرفة؛ انتقلت المعرفة من المجال الأبستمولوجي إلى المجال العرفاني. وهنا يصبح "سر النبوغ" الذي تحدثنا عنه فيما سبق أكثر عمقاً وأشمل وعياً، وذاك حين قلنا إن التوليد يعدّ سر الإبداع وسر النبوغ الأدبي بإطلاق.

ويمكننا توْسعة الفكرة بنحو آخر، فالنابغ ليس بالضرورة من يملك أكبر قدر من المعلومات، وإنما من يمتلك قدرة استثنائية على توليد العلاقات والمعاني الجديدة من المعارف الموجودة. وهذا يفسر لنا طبيعة الإبداع الأدبي والفلسفي والعلمي.

لكن العارف يضيف شيئاً آخر: ليس فقط أنه يولد علاقة جديدة بين المعاني، بل يستطيع أن يكشف من العلاقات القائمة في الوجود معنى لم يكن ظاهراً له من قبل، فالنبوغ قدرة على توليد المعنى، والحكمة قدرة على تمييز المعنى، والعرفان قدرة على التحقق بالمعنى، بشرط أن تكون "القيمة" النهائيّة للمعرفة هي التغيير لا الزيادة. وهنا يعود مفهوم «فائض المعرفة» إلى جذره الأول. إذْ يمكن أن يكون السؤال في الاقتصاد هو: كيف ينتج رأس المال فائض القيمة؟

وفي المعرفة، السؤال هو: كيف تنتج المعرفة فائض المعرفة؟

أمّا في العرفان، فالسؤال الأشد عمقاً هو كيف تتحول الزيادة المعرفيّة إلى زيادة في الإنسانيّة أو إن شئت قلت: زيادة في فائض الإنسان؟ بمعنى أن المعرفة لا تكون قد أدت وظيفتها القصوى عندما يصبح لدينا "شيء جديد نعرفه"، وإنما عندما يصبح لدينا إنسان جديد في قدرته على الفهم والتذوق والعمل والتحقق. ويلاحظ أن المسار يصبح بالتدريج: من فائض القيمة إلى فائض المعرفة، ومن فائض المعرفة إلى فائض المعنى، ومن فائض المعنى إلى فائض الإنسان. وإذ ذاك تكون للمعرفة التوليدية غايتها الإنسانية والعرفانية، هذه الغاية تمنعها من أن تتحول إلى مجرد نظريّة تقنية في إنتاج الأفكار.

وإذا كنّا نؤمن بالقيم العرفانية، فلن يجيء العرفان مجردأ من موضوعات المعرفة التوليدية، ولكنه يصبح معياراً نقدياً لها، يقيم كل معرفة ناشئة ومولدة، ويسأل: هل زادت بصيرة الإنسان أم زاد غروره؟ هل كشفت له حدود ذاته أم ضخمت وهم امتلاكه للحقيقة؟ هل قربته من المعنى أم أغرقته في المعلومات والتقنيات؟ هل أنتجت حكمة أم مجرد جدة؟ هل جعلته أكثر قدرة على قراءة آيات الله في الكتاب والكون والنفس؟

بمثل هذه الأسئلة التي تغوص في عمق الإنسان تصبح النظرية ذات بعد قيمي لا أبستمولوجي فقط. وعند هذه النقطة تحديداً يمكن أن نقول ليست كل معرفة مولدة معرفةً عرفانيّة؛ فالمعرفة لا تبلغ أفق العرفان بمجرد أن تكون جديدة، وإنما تبلغ ذلك حين تتحول الجدة المعرفيّة إلى كشف دلالي، وحين يتحول الكشف الدلالي إلى حكمة، وحين تتحول الحكمة إلى تحقق إنساني.

- فرق بين الحكمة والعرفان:

يختلف مفهوم الحكمة بالمعنى الفلسفي عن مفهوم العرفان بالمعنى الصوفي، ولا سيما إذا كنا نبني فكرتنا داخل أفق العرفان الصوفي لا داخل أفق فلسفة الحكمة. لكن عذرنا إننا استخدمنا الحكمة استعمالاً عاماً باعتبارها مرحلة وسطى بين المعرفة والعرفان، مع أن الحكمة والعرفان ليسا درجتين متتاليتين بالضرورة، ولا ينتميان إلى الحقل الاصطلاحي نفسه. والأدق والأصوب أن نفصل بينهما تماماً. الحكمة، في السياق الفلسفي، تتصل بتحصيل النظر الصحيح في الوجود ومبادئه وعلله، وبناء المعرفة على مقتضى العقل والبرهان، مع اختلاف مدلولها بين مدارس الفلسفة والفلاسفة.

أمّا العرفان في السياق الصوفي، فليس مجرد معرفة نظريّة صحيحة، ولا نتيجة لاستكمال البناء البرهاني؛ إنه نمط من المعرفة يتصل بـالكشف والذوق والحضور والتحقق، مع اختلاف الصياغات الصوفية في تفسير مصدره وشروطه ومراتبه.

ولذلك؛ لا يصح أن نضع المعرفة المولدة مقدمة للحكمة، والحكمة مقدمة للعرفان، وكأن الحكمة مرحلة ضرورية تفضي بالضرورة إلى العرفان. هذا إقحام فلسفي - مجرد وبعيد - في بنية نحن نريد أن نجعل غايتها عرفانيّة لا برهانية.

الأقوى عندنا هو أن نحذف الحكمة من هذا المسار كلية، ونبحث عن علاقة مباشرة بين التوليد المعرفي والمعرفة العرفانيّة. لكن هنا تظهر المسألة الأكثر تعقيداً: هل يمكن أن يكون "التوليد" نفسه جسراً إلى العرفان؟

وأظن أن الجواب يحتاج إلى تفريق دقيق من حيث إن التوليد الذي نتحدّث عنه يقع في فعل الإنسان المعرفي؛ بمعنى أن الإنسان يقرأ معرفة، ثم يعيد قراءتها، ثم يضعها في علاقة جديدة بمعرفة أخرى، فيتولد معنى لم يكن حاضراً له من قبل.

أمّا العرفان الصوفي؛ فلا يجوز أن نقول عنه ببساطة إنه حاصل العملية نفسها؛ لأن ذلك سيجعل الكشف العرفاني نتاجاً صناعيّاً للعقل النظري الاستدلالي. غير أن التوليد في الحقيقة لا يُنتج العرفان، وإنما يفتح في المعرفة الإنسانية مجالاً قابلاً للعبور إلى العرفان. وهذه مسافة فلسفية ضرورية جداً. فلو قلنا إنّ المعرفة الأولى بالإضافة إلى المعرفة الثانية تنتج معرفة عرفانية فقد اختزلنا العرفان إلى عملية تركيب معرفي ليس إلا، وهذا لا يقبله التصوف.

أما إذا نحن قلنا: المعرفة الأولى بالإضافة إلى القراءة عليها مع إعادة بناء العلاقة بينها وبين معرفة ثانية تنتج معرفة مولدة. ثم سألنا: ماذا تفعل هذه المعرفة المولدة في وعي الإنسان؟ فهنا يبدأ السؤال العرفاني؛ لأن المعرفة المولدة قد تكشف للإنسان قصور معرفته السابقة، أو تغيّر نظرته إلى نفسه، أو تعيد بناء علاقته بالنّص والوجود، لكنها لا تصبح بذلك عرفاناً بالضرورة. ويمكن أن نضع الحد الفاصل هنا، وهو أن التوليد فعل معرفي. والعرفان نمط من المعرفة. والأهم: التوليد من فعل العارف، أما العرفان فليس بالضرورة أن يجيء من فعل العارف وحده. وهذه النقطة بالذات يمكن أن تصبح من أقوى الأسس النظريّة للمعرفة التوليدية وعلاقتها بالعرفان الصوفي.

ولأننا بذلك لسنا نجعل العرفان مجرد "منتج" من منتجات أبستمولوجيا التوليد، وإنما نجعل أبستمولوجيا المعرفة التوليديّة قادرة على تفسير كيف ينتقل الإنسان من الاشتغال على المعرفة إلى قابلية التحقق بمعرفة ذات طبيعة عرفانيّة، دون أن تدعي أنها تصنع الكشف. ومعنى أن يكون هنالك قابلية للتحقق من المعرفة العرفانيّة أن يكون هناك تجربة روحيّة وصوفية بالأساس.

وبذلك يصبح المسار المعرفي، أكثر نقاءً ووضوحاً حين نرتب المصطلحات المركزية كالآتي:

التراكم المعرفي ثم القراءة ثم منهجيّة القراءة على القراءة، ثم فائض المعرفة، ثم المعرفة الثالثة، ثم المعرفة المولّدة ثم انفتاح المعرفة على العرفان. وبالتالي يستبعد مسار التوليد فالحكمة فالعرفان، لأننا في هذه الحالة سوف ننتقل إلى عمل فلسفي برهاني لا إلى عمل ذوقي وجداني كما هو الحال في العرفان. بل يمكن أن يكون السؤال الفلسفي الكبير هنا أنه إذا كانت المعرفة المولدة تتجاوز المعارف التي أنتجتها، فهل يمكن أن يكون هذا التجاوز المعرفي مقدمةً لإمكان التجاوز العرفاني؟ هل بالإمكان تجاوز المرحلة العرفانيّة؟

هنا يصبح لدينا سؤال فلسفي حقيقي، لا مجرد ترتيب اصطلاحي.

وأظن أن "التجاوز" هو المفهوم الذي ينبغي أن نشتغل عليه الآن، لا "الحكمة". لأن مفهوم التوليد عندنا في جوهره هو تجاوز للمعرفة السابقة دون إلغائها، والعرفان في التصوف يتضمّن بدوره تجاوزاً لنمط من المعارف إلى نمط آخر من الحضور والكشف. لكن علينا أن نثبت بدقة: ما هو نوع التجاوز في كل منهما؟ وأين يتشابهان وأين يستحيل اختزال أحدهما في الآخر؟

هذه، في الحقيقة، هي العقدة الفلسفية الحقيقية التي يمكن أن تجعل مشروع "المعرفة التوليدية" يتجه إلى العرفان دون أن يفسد مفهوم العرفان بإدخاله قسراً في نموذج أبستمولوجي. مع علمنا مسبقاً أن المعرفة في الميدان الصوفي هي نفسها العرفان، ويطلق على أكثر المتصوفة العرفاء، أو العارفين، فليس من معنى عندنا إذا قصرنا القول على تكرار النقلة من المعرفة إلى العرفان، حتى كنا نفترض تمييزاً اصطلاحياً بين "المعرفة" و"العرفان" لا ينبغي افتراضه في السياق الصوفي الذي نتحدث فيه. والمعرفة بالله هى أعلى مراتب الوصول إلى الله، وهي إن صدقت فأكمل كرامات الإنسان.

في اصطلاح التصوف، المعرفة هي العرفان، والعارف هو صاحب المعرفة العرفانيّة؛ ولذلك فإن الحديث عن "انتقال المعرفة إلى العرفان"، يكرر الشيء نفسه باسمين، ويشوّش البناء النظري بدلاً من أن يطوّره.

المسألة إذن ليست المعرفة مثلاً تقود العرفان. وإنما المعرفة التوليديّة هل هى توليد المعرفة العرفانيّة؟ بمعنى هل يمكن أن يكون في العرفان توليد هو نفس ما يجرى في المعرفة النظريّة؟ أم أن المعرفة العرفانيّة نتيجة تجربة وتذوق وعطايا حال لا عطايا نظر أو استدلال؟! وهنا يصبح السؤال الحقيقي:

كيف يمكن لمنهج "القراءة على القراءة" أن ينتج معرفة جديدة داخل المجال الصوفي، بحيث تكون هذه المعرفة معرفة عرفانية؟

وهذا سؤال مختلف تماماً، حتى إذا أخذنا المفهوم الأساسي وهو: أن المعرفة الأولى إذا تمّ إعادة قراءتها في ضوء معرفة ثانية أنتجت معرفة ثالثة. فإننا نستطيع أن نسأل: ماذا يحدث عندما تكون المعارف الداخلة في عملية التوليد معارف صوفية عرفانية؟

في هذه الحالة لا نكون أمام انتقال من المعرفة إلى العرفان، وإنما أمام توليد داخل المعرفة العرفانيّة نفسها. وهذه نقطة بالغة الأهميّة؛ لأنها تسمح لنا بأن تقول: العرفان ليس نهاية المعرفة التوليدية، بل أحد ميادين فاعليتها العليا. ومن ثمَّ تصبح فكرة «المعرفة الثالثة» عندنا أكثر خصوبة. فنحن إذا كنا مثلاً نبحث مفهوم الخيال عند ابن عربي، ونبحث عند الغزالي مفهوم القلب، ثم أعدنا قراءة مفهوم الخيال في ضوء مفهوم القلب، لا نكون قد أضفنا معلومتين إلى بعضهما فحسب؛ بل نكون قد ولّدنا سؤالاً أو مفهوماً أو دلالة جديدة في فهم المعرفة الصوفية.

 تلك هي المعرفة الثالثة. وإذا كانت المعرفة الأولى والثانية من التراث العرفاني، فالمعرفة الثالثة الناتجة عن القراءة عليهما يمكن أن تكون معرفة عرفانيّة مولدة. ولكن التراث العرفاني نفسه ليس نهاية المعرفة، وإنما مادة قابلة للتوليد. وهذا يُحرّر التصوف من أن يكون مجرد موروث معرفي محفوظ، ويجعله قوة مولدة للمعرفة.

وهذه النقطة شديدة القوة لأننا لا نكرر أقوال العرفاء، بل نقرأ أقوال العرفاء على بعضها، ونقرأ التجارب العرفانيّة في ضوء بعضها، ونضع المفاهيم الصوفية في علاقات جديدة، لكي نستخرج منها معرفة عرفانية لم تكن مصوغة من قبل.

ويظهر من هذا، معنى فائض المعرفة بصورة مختلفة تماماً. فائض المعرفة ليس مجرد زيادة في عدد المعلومات حول التصوف، وإنما المعنى الجديد الذي يتولد من إعادة تشغيل المعرفة العرفانية الموجودة.

وبذلك؛ يمكن أن تصبح المعادلة المركزية الاصطلاحية في إطار فلسفة العرفان الصوفي:

التراكم العرفاني يقود إلى منهجيّة القراءة على القراءة، ومنهجيّة القراءة على القراءة تؤدي الى فائض المعرفة، وفائض المعرفة ينتهي إلى المعرفة الثالثة، والمعرفة الثالثة تسفر عن المعرفة العرفانيّة المُولدة.

- المعرفة: من أحكام العقل إلى أحوال الذات:

وإذا شئنا أن نعود إلى السؤال الفلسفي الأعمق: هل يمكن أن يكون العرفان نفسه معرفةً مولدة، لا مجرد معرفة موروثة؟ بمعنى: هل يستطيع العارف المعاصر أن يكون مولِّداً للمعرفة العرفانيّة كما كان العارفون الأوائل مولدين لها، بدلاً من أن يكون مجرد ناقل لأقوالهم؟ وسيظل السؤال باقياً ما دامت المعرفة غير العرفان في هذا السياق. والسؤال هو: كيف تصبح المعرفة العرفانيّة قابلة للتوليد والتجدد دون أن تفقد طبيعتها العرفانيّة؟ وكيف يحرر التوليد المعرفة الإنسانية المحدودة من صورتها الجامدة، ويجعلها أكثر قدرة على استقبال الدلالة الإلهيّة، فتصبح المعرفة العقلية معرفة قلبية؟

في تصوري، لا تنتقل المعرفة العقليّة إلى المعرفة العرفانيّة بمجرد إضافة البعد الروحي إلى المعرفة العقليّة، ولا بأن نكرر المعرفة حتى تصبح "قلبية". الانتقال أعمق من ذلك؛ إنه انتقال في موضع المعرفة ووظيفتها ونمط حضورها في الذات.

المعرفة العقلية تبدأ عادةً من الشيء بوصفه موضوعاً للإدراك: العقل يطلب تعريفه، ويحلله، ويقيم عليه البرهان، ثم يكوّن منه حكماً. أمّا المعرفة العرفانيّة فلا تكتفي بأن يكون الشيء معلوماً للإنسان، وإنما تريد أن يصير المعلوم حاضراً في الإنسان، أى موجوداً، ولا بُدّ أن نتذكّر هنا اصطلاح "التحقق الوجودي" الذي سلفت الإشارة إليه. ولذلك؛ يمكن القول إن الفارق الجوهري ليس بين "عقل" و "قلب" بقدر ما هو بين معرفة الشيء، والتغيّر بالشيء.

من ذلك ترى؛ أن مفهوم التوليد الذي اشتغلنا عليه يكتسب قيمته الفلسفية. فالمعرفة السابقة لا تُلغى حين تدخل في القلب، بل تُعاد صياغتها من الداخل. العقل يقدم المعنى في صورته المفهوميّة، ثم تأتي عملية التوليد لتفتح بين المعنى وبين الوجود الإنساني علاقة جديدة. فإذا كان العقل يقول: أعرف معنى التوكل، فإن القلب لا يكتفي بهذا الحكم، بل يسأل: ماذا أحدث هذا المعنى في إرادتي، وفي خوفي، وفي علاقتي بالأسباب؟ عندئذ تنتقل المعرفة من كونها قضيةً في الذهن إلى كونها حالًا في الذات.

ويمكننا صياغة الحركة الذهنية مسارها الطبيعي من حيث تبدأ من معلومة عقليّة ثم تأمل واستحضار ثم تفاعل وجودي ثم تحوّل في الوعي ثم حضور قلبي ثم معرفة عرفانيّة. لكن الحلقة الأهم هي التأمل والاستحضار؛ لأن المعلومة العقليّة قد تبقى خارج الإنسان، حتى لو كانت صحيحة تماماً. أما حين يستحضرها الإنسان استحضاراً متكرراً، ويعيد النظر فيها من زوايا متعددة، ويصلها بتجربته الوجوديّة، فإنها تبدأ في مغادرة صورتها المجرّدة. وهذا قريب جدًا من معنى "الذكر" في المجال الصوفي: ليس مجرد تكرار لفظ، وإنمّا إعادة الشيء إلى مجال الحضور.

ولهذا نجد هناك من يتحفظ على عبارة "المعرفة القلبية"، فيما لو فهمناها على أنها معرفة ضد العقل. في التصوف النظري الناضج، القلب ليس جهازاً معرفياً منافسًاً للعقل، وإنما هو مرتبة أعمق لحضور المعنى. العقل يضبط المعنى ويمنع انحرافه، والقلب يجعل المعنى فاعلًا في الوجود الإنساني. ولذلك يمكن أن تكون المعرفة العرفانيّة أرقى من المعرفة العقليّة من جهة التحقق، لا من جهة إلغاء البرهان.

وهنا يظهر الفرق بين أن تعرف أن الله رحيم، وأن تتحول الرحمة الإلهية من قضية عقديّة إلى أفق وجودي يسكن رؤيتك للعالم. في الحالة الأولى أنت تمتلك معرفة عن الرحمة؛ وفي الثانية أصبحت الرحمة مبدأً يعيد تشكيل وعيك بنفسك وبالآخر وبالله. هذه هي النقلة التي أراها سارية من المعرفة العقلية إلى المعرفة العرفانيّة.

والأهم أن هذه النقلة ليست آليّة. ليس كل علم عقلي قابلًا لأن يصبح عرفاناً بمجرد التأمل فيه. لا بد من توسط فعل إنساني وروحي: حضور، ومجاهدة، وصدق، ومراجعة للذات، وربط للمعرفة بالسلوك. فالعرفان إذن ليس كمية أكبر من المعرفة، وإنما تحول في نمط الوجود بالمعرفة.

إننا لا نكرر ما سبق أن قلناه عن تحرير المعرفة الإنسانيّة المحدودة من صورتها الجامدة بل يمكن أن تصبح أكثر دقة فلسفياً: التوليد في مجال التصوف لا يُحرر المعرفة من العقل، بل يحررها من انغلاقها في صورتها العقلية الأولى. إنه يجعل المعرفة قابلة لأن تولّد من داخلها دلالة جديدة، ثم تصبح هذه الدلالة قابلة لأن تتحول من مفهوم إلى حضور، ومن حضور إلى حال، ومن حال إلى كشف أو عرفان.

بهذا المعنى يمكن أن نقول: المعرفة العقلية تقول: عرفتُ المعنى. والتوليد الصوفي يقول: ماذا يمكن أن يولّد هذا المعنى في وعيي؟

والمعرفة العرفانية تقول: لقد صار المعنى معرفةً بي، لا معرفةً عندي. وهذه الأخيرة، في تقديري، هي النقطة الفلسفية الأعمق: العرفان ليس انتقال المعلومة من الرأس إلى القلب، بل انتقال الإنسان نفسه من موقف الناظر إلى موقف المتحقق، أو إن شئت قلت: من النظريّة الى التجربة.

***

بقلم: د. مجدي إبراهيم

 

كثيراً ما يُؤخذ على الناقد أنه يمارس نوعا من "قتل المؤلف"، وكأن فعل القراءة النقدية لا يكتفي بتفكيك النص، وإنما يسعى إلى انتزاعه من صاحبه، وتجريده من نيته الأولى، ومن سلطته على المعنى الذي أراد أن يمنحه لكتابته. غير أن هذه الصورة تختزل المسألة في بعدها الشخصي، بينما يتصل جوهرها بسؤال أعمق يتعلق بطبيعة الخطاب النقدي نفسه، حول من أين يستمد شرعيته؟ وما الجهاز المفاهيمي الذي يتحرك داخله؟ وما المرجعيات الفكرية والإيديولوجية والمعرفية التي تحدد زاوية نظره إلى النص؟

إن نظرية "قتل المؤلف" هي بالأساس أقل ارتباطاً بالرغبة في إقصاء الشخص، وأكثر اتصالا بإعادة توزيع السلطة داخل العملية التأويلية. وهذا هو المعنى الذي جعل رولان بارت في نصه الشهير "موت المؤلف"، ينقل مركز الثقل من المؤلف إلى الكتابة، ومن النية الفردية إلى تعدد الدلالات التي ينتجها النص أثناء القراءة. فالنص في التصور البارتي، لا يبقى سجنا لإرادة صاحبه، لأن اللغة التي كُتب بها تسبقه، وتحمل تاريخا من الاستعمالات والإحالات والرموز والأصداء الثقافية التي لا يستطيع المؤلف امتلاكها بالكامل.

غير أن ميشيل فوكو سيعيد ترتيب السؤال بصورة أكثر تعقيدا حين يستبدل سؤال "من كتب؟" بسؤال "ما الذي يجعل مؤلفاً ما مؤلفاً؟". فـ"وظيفة المؤلف" عنده ليست مجرد اسم يحيل إلى شخص، وإنما مبدأ لتنظيم الخطاب وآلية لتصنيف النصوص وضبط تداولها وإسناد المسؤولية إليها. بالتالي فالمؤلف لا يكون كائنا خارج الخطاب يمارس سيادته المطلقة عليه؛ إنه نفسه جزء من نظام خطابي ينتج موقعه ووظيفته وحدود حضوره.

وفق ذلك يمكن القول إن النقد لا يقتل المؤلف في مستواه الذاتي، وإنما يعيد تفكيك الامتياز الذي مُنح له داخل اقتصاد المعنى. فالناقد لا يواجه شخص المؤلف بقدر ما يواجه تلك السلطة التي تجعل من نية الكاتب مفتاحا وحيدا للنص، وتجعل من سيرته الذاتية أو تصريحاته أو مقاصده النهائية حكما مسبقا على إمكانات القراءة. إن انتقال النقد من سؤال "ماذا أراد المؤلف أن يقول؟" إلى سؤال "كيف ينتج النص معناه؟" هو في جوهره انتقال من سيادة القصد إلى دينامية الدلالة.

وعلى هذا المنوال تتقدم السياقات الدلالية للنصوص إلى واجهة العملية النقدية. فالنص لا يعيش في عزلة عن اللغة التي صاغته، ولا عن التاريخ الذي أفرزه، ولا عن البنية الاجتماعية والثقافية التي منحته شروط إمكانه. إنه يدخل منذ لحظة كتابته في شبكة من الخطابات والرموز والتوترات والقيم والتمثلات التي تتجاوز وعي صاحبه. ولذلك فإن "القتل" الذي يمارسه النقد، إن صح استخدام هذا التعبير، لا يقع على المؤلف كشخص، وإنما على الصورة الميتافيزيقية التي تجعل المؤلف مصدرا نهائيا للحقيقة النصية.

أستحضر هنا رأي لبول ريكور، الذي لم يتعامل مع المسافة بين النص ومؤلفه بوصفها موتا للمعنى، وإنما بوصفها شرطا لتحرير النص من القصد الأولي وإدخاله في إمكانات جديدة للفهم. فحين يتحول الكلام إلى كتابة، ينفصل بدرجة ما عن صاحبه، ويكتسب قدرة على مخاطبة قراء وأزمنة لم تكن حاضرة في لحظة إنتاجه. النص، بعد كتابته، يبدأ حياة أخرى لا يستطيع المؤلف أن يحتكر مسارها.

ولذلك فإن القراءة النقدية لا ينبغي أن تتحول إلى محاكمة نفسية للمؤلف، كما لا ينبغي أن ترتهن إلى مستوى السيرة الذاتية وحدها. حين يقرأ الناقد نصا أدبيا أو فكريا، فإن ما يستحق التفكيك ليس فقط "ذات الكاتب"، وإنما البنية التي يتكلم النص من داخلها (مفرداته، استعاراته، صمته)، ما يقوله وما يستبعده، علاقته بالسلطة، تمثيله للآخر، وتوزيعه للمرئي والمسكوت عنه. فيصبح النقد فعلا معرفيا يتجه إلى البنية الدلالية التي ينتج النص داخلها معناه، وليس إلى النوايا الباطنية لصاحبه.

وهذا ما يجعل المنهج النقدي أقرب إلى ما يسميه فوكو "أركيولوجيا الخطاب"، في البحث عن القواعد التي تسمح لقول ما أن يظهر في لحظة تاريخية محددة، وعن الشروط التي تجعل بعض العبارات قابلة للتداول بينما تجعل عبارات أخرى مستبعدة أو غير مرئية. وبذلك يتحول السؤال النقدي، حول قصدية المؤلف إلى تأويل النص وشبكة العلاقات التي جعلته قابلا للقول.

إن الفرق جوهري بين نقد المؤلف ونقد سلطة المؤلف. الأول قد ينزلق إلى الشخصنة، والثاني يفتح النص على فضاء معرفي أكثر اتساعا. الأول يبحث عن نوايا صاحبه، والثاني يفحص شروط إنتاج الدلالة. الأول قد يحوّل النقد إلى سيرة، والثاني يعيد النقد إلى وظيفته بوصفه تفكيراً في أنظمة المعنى.

ومع ذلك، لا ينبغي أن يتحول "موت المؤلف" إلى عقيدة نقدية مغلقة. فإقصاء المؤلف بصورة مطلقة قد ينتج وهماً معاكساً لوهم سلطته المطلقة. فهناك نصوص لا يمكن فهم بعض بنياتها من دون معرفة سياقات إنتاجها، وهناك كتابات تتأسس على التجربة الشخصية، وهناك أعمال يصبح فيها التاريخ والسيرة والسياسة جزءاً عضويا من بنائها الدلالي. لذلك فإن تجاوز المؤلف لا يعني محوه، كما أن استحضاره لا يعني إخضاع النص لإرادته. المسألة تتعلق بإعادة تحديد موقعه داخل شبكة أكثر اتساعاً من العلاقات.

فالكاتب يكتب، لكن اللغة تكتب معه؛ والوعي يقصد، لكن التاريخ يتدخل في القصد؛ والذات تتكلم، لكن خطابا اجتماعيا وثقافيا سابقا عليها يتكلم من خلالها أيضاً. ومن هنا فإن النص لا يمثل مجرد أثر لذات فردية، وإنما هو نقطة تقاطع بين مؤلف وتاريخ ولغة وذاكرة وسلطة وقارئ.

ولعل المفارقة الأكثر إثارة أن النقد، حين "يقتل المؤلف"، يحرر النص في الوقت نفسه من موت آخر، هو موت المعنى الواحد. فالمؤلف الذي يحتكر الدلالة يحوّل النص إلى شهادة مغلقة على قصده، بينما يسمح انفتاح النص على التأويل بأن يصبح فضاءً تتقاطع داخله قراءات متعددة. ومن ثم فإن موت المؤلف في أقصى صوره النظرية، ليس موتا للكاتب، وإنما موت لفكرة أن المعنى يمكن أن يمتلكه شخص واحد امتلاكا نهائيا

لهذا يفضل الباحثون وأهل الاختصاص تفكيك السلطة التي يمارسها الناقد حين يقرأ عوض فرضية قتله الغامض للمؤلف، بل وأي سلطة يحاول تفكيكها، وأي سلطة جديدة قد ينتجها هو نفسه؟ فالنقد ليس بريئا من السلطة، والناقد ليس خارج اللعبة التي يفكك قواعدها. إنه بدوره يتحرك داخل مرجعية نظرية وإيديولوجية وجمالية، ويختار ما يراه ويستبعد ما لا يراه، ويمنح بعض الدلالات شرعية الظهور ويؤجل دلالات أخرى. ولذلك فإن نقد النص يظل، في عمقه، نقداً لأدوات القراءة نفسها.

إن النقد بهذا المقتضى ممارسة مزدوجة، من حيث تفكيكه لسلطة النص من جهة، ومراجعةً لسلطة الناقد من جهة أخرى. وإذا كان بارت قد دفعنا إلى التفكير في موت المؤلف، فإن السؤال الذي يظل مفتوحا بعده هو من يراقب الناقد حين يعلن موت المؤلف؟ ومن أين يستمد هو نفسه حقه في إعادة توزيع المعنى؟

ربما تكمن قوة النقد في نهاية المطاف، في ألا يقتل أحداً؛ لا المؤلف ولا النص ولا حتى المعنى، وإنما في أن يكشف هشاشة كل سلطة تدّعي امتلاك المعنى النهائي. فالنص بمجرد أن يدخل فضاء القراءة، يغادر حصانة صاحبه، لكنه لا يدخل بالضرورة حصانة الناقد. وبين سلطة المؤلف وسلطة القارئ تتشكل منطقة ثالثة أكثر تعقيدا، إنها منطقة الدلالة نفسها، حيث لا يكون المعنى ملكا لأحد، وإنما حدثا يتجدد كلما دخل النص في مواجهة جديدة مع التاريخ واللغة والذاكرة والآخر.

***

د. مصطفـــى غَلْمـــان

الحداثة: على الرغم من أن مسألة الحداثة برأيي مسألة، سيرورة وصيرورة تاريخيتين، ابتدأت مع بداية وعي الإنسان لذاته تاريخيّا، ومع بدء تطوير وسائل إنتاجه ووعيه واكتشافه لقوانين الطبيعة وتسخيرها لذاته، ولا زالت هذه العمليّة قائمة حتى تاريخه. إلا أن هناك محطات مفصلية في تاريخ الحداثة ابتدأت مع الحركة الإنسيّة، وهي حركة فكريّة وثقافيّة ظهرت خلال عصر النهضة الأوروبيّة في القرنين الخامس عشر والسادس عشر الميلاديين، حيث راحت تركز على الفرد واعتباره محور العالم. والعمل على تمجد عقله وحريته وإرادته وإبداعاته، وتحرره من قيود الفكر اللاهوتي. والاهتمام بدراسة التراث اليوناني العقلاني.

 هذا وقد كان هناك مجموعة عوامل ساعدت على تجسد هذه الحركة الأنسيّة منها:

1- سقوط القسطنطينية (1453م): الذي أدى إلى هجرة العلماء البيزنطيين نحو إيطاليا حاملين معهم المخطوطات والتراث اليوناني.

2- اختراع المطبعة: مما ساهم في إنتاج الكتب ونشر الأفكار بسرعة هائلة.

3- ازدهار التجارة: ممثلة في نشاط المدن الإيطالية التجارية وسعي النخب الجديدة (البرجوازيّة التجاريّة) للثقافة والمعرفة.

وكان من أهم إنجازات وآثار الحركة الأنسيّة:

 1- تطوير التعليم من خلال تشجيع المناهج التعليميّة الحديثة والاهتمام بالعلوم والآداب والفنون.

 2- التركيز على اللغات المحليّة من حيث تطوير اللغات الوطنيّة المحليّة وإثرائها إلى جانب اللاتينيّة واليونانيّة.

 3- الإصلاح الديني وما حقق من انجازات وتحولات جذريّة، مهدت الطريق لحدوث تحولات كبرى في المجالات السياسيّة والاجتماعيّة في أوروبا. كحركة مارتن لوثر وكالفن ..

 ثم راحت المحطة الثانية للحداثة تتجلى كمفهوم واسع الدلالات، وكمشروع ضخم مع انطلاق الثورة الصناعيّة في أوربة، وظهور الطبقة البرجوازيّة كطبقة تقدميّة وعت ذاتها من خلال التعبير عن مصالحها ومصالح الطبقة العماليّة المرتبطة بها، هذه الطبقة – أي البرجوازيّة - التي ظهر معها الكثير من المفكرين الذين راحوا يعبرون عن مصالحها وطموحاتها بفكر عقلاني تنويري مشبع بتفاؤلها ونزعتها المركزيّة. ولكن راح يغلب شيئاً فشيئاً على هذه العقلانيّة روح (العقلانية الأداتيّة)، أي ذلك النمط من التفكير الذي إذا ما تعرف على مشكلة ما، سعى لحلها مباشرة دون التساؤل عن مضمون هذه الحلول والغايات إذا كانت إنسانيّة أو معادية لها. هذا وقد فرضت هذه العقلانيّة الأداتيّة آنذاك آليات (التبادل المجردة) في المجتمع الرأسمالي، بعد وصول الطبقة البرجوازيّة إلى السلطة. فتبَادل السلع في عالم هذه الطبقة بعد أن تحولت إلى طبقة امبرياليّة احتكاريّة، يعني تساوي الأشياء المُتبادَلة، فما يهِم في السلعة إن كانت جهد العامل المنتج، أم المادة المنتجة للتسويق ليس قيمتها الإبداعية وما تتضمنه من قيم إنسانيّة معدّة لتامين حاجات الناس الاستعماليّة المتعينة، وإنما ثمنها المجرد وما تحققه من ربح لمالكها.

 وإذا كانت أفكار (التنوير) قد جاءت مع ظهور الطبقة البرجوازيّة كطبقة تقدميّة في بداية ظهورها حيث راحت تعمل على محاربة الظلم والاستعباد وقيم النبالة والكنيسة والْمَلَكِيَةَ، وتشكل أنموذجاً حيّاً لطموحات هذه الطبقة، وتعبيراً هادئاً عن مشروع الحداثة بكل ما يحمله هذا المشروع من مفردات تعبر عن الحريّة والعدالة والمساواة، وعن المواطنة والحقوق الطبيعيّة والقانونيّة ودولة المؤسسات وحريّة الرأي واحترام الآخر فكراً وعقيدة، إلا ان أفكار التنوير بعد وصول الطبقة البرجوازيّة إلى السلطة وتحولها إلى طبقة برجوازيّة امبرياليّة استعماريّة، راحت تقمع شعوبها وشعوب العالم، ومع هذا القمع أخذت أفكار التنوير ذاتها تتحول (من أفكار تحريضيّة للثورة ضد الظلم والاستغلال، إلى أفكار يغلب عليها الطابع (التبشيري))، بسبب إفراغ الطبقة البرجوازيّة لهذه الأفكار من محتواها وتحويلها برمتها إلى شعارات براقة يتغنى بها الإعلام الغربي ومؤسساته الدستوريّة ودساتيره، بينما الواقع يقول غير ذلك. فالمواطن الذي غنت له شعارات الحداثة مع فكر فلاسفة عصر التنوير، وبيانات حقوق الإنسان، ومضامين دساتير هذه الدول عن الحرية والعدالة والمساوة ودولة القانون والمواطنة وغير ذلك، راح هذا المواطن الذي بدأ يُستلب ويُشيء ويُغرب بفعل آلية عمل السوق القائمة على الربح، يعيش اضطهادا وتهميشا تحجبه غشاوة السعادة التي خرجت من معطف الحرية الفردية والاجتماعية وصناعة التسلية والترفيه وثقافة الاستهلاك والإعلام المنمذج والتركيز على غرائز الإنسان أكثر من عقله. الأمر الذي دفع ماركس للقول عند حديثه عن اغتراب الإنسان واستلابه وتشيئه في النظام الرأسمالي: (إن ما هو إنساني في العالم الرأسمالي يصبح حيوانيّاً وما هو حيواني يصبح إنسانيّاً).

 إن انتصار العقل الأداتي وسلطته السياسيّة والاقتصاديّة للطبقة البرجوازيّة على أفكار التنوير العقلانيّة النقديّة، أسفر عن جملة من المغالطات والتعسفات كانت أساساً لولوج الحداثة مرحلة الأزمة. وبالتالي بدء ظهور فكر وعالم ما بعد الحداثة الذي يعبر خير تعبير عن عالم الطبقة الرأسماليّة الاحتكاريّة وعالم القطب الواحد.

 إذاً مع تحول الطبقة البرجوازيّة إلى طبقة إمبرياليّة احتكاريّة تمارس الظلم على شعوبها وشعوب العالم، تبدأ مسيرة الحداثة بالتراجع، وتبدأ معها قيمها النبيلة بالتراجع أيضاً لتحل بدلاً عنها قيم التذرير والتفكيك والنهايات. أي موت القيم في الفن والأدب والفلسفة والأيديولوجيا وكل ما يمت لحياة الإنسان من قيم نبيلة.

النظام العالمي الجديد وما بعد الحداثة:

 إذاً مثلما للحداثة ما قبلها، لها ما بعدها أيضاً، ثم أن عبارة (ما بعد الحداثة) تفيد التجاوز والبعديّة وتشير إلى تتابع زمني يأتي فيه واقع جديد ووضع جديد خلفا لآخر أصبح مستنفدا ومتجاوزا ومدمراً كما يقر فلاسفة ومفكرو عالم ما بعد الحداثة.

 إن النقد الحاد الذي مورس على قيم الحداثة من قبل مفكري وفلاسفة ما بعد الحداثة، المعبرين عن طموحات الطبقة الرأسماليّة الاحتكاريّة، يقدم نقطة انطلاق هامة للحظة ما بعد الحداثة للمضي أشواطا بعيدة في تجذير هذا النقد وتعميقه، إذ لا يجري نقد الحداثة فقط بل نفيها وتدميرها. وهذا ما يدفع البعض للقول: إن لحظة ما بعد الحداثة تمثل نوعا من الانفجار الذي سوف يؤدي بالحداثة وبعقلانيتها وموضوعاتها إلى التشتت والتفكيك والتذرير، ولهذا يظهر مفهوم ما بعد الحداثة كنبش في الأسس، وكسر للقوالب وخروج على النماذج، وتفجيرا للأشكال، وخروجا عن خط الصيرورة التاريخيّة للحداثة، وتدميراً لأنسقها القيميّة النبيلة على نحو خارق ومدهش. والأهم من كل ذلك تدمير العقل واعتباره سببا لتقييد حريّة الفرد وإجباره على العيش في نظام جماعي يقيد حريته إن كان الأسرة أم المجتمع.

 من هنا ينضبط عالم ما بعد الحداثة داخل خارطة مفاهيميّة تقوم أساسا على النفي والتدمير والتجاوز والافتتان "بأخلاقيات الموت" والتحرر اللامسؤول ودراميّة النهايات. فعلى نفس الوتر تماما يشتغل فلاسفة ومفكرو عالم ما بعد الحداثة، حيث يقومون بحصر ظاهرة ما بعد الحداثة على المستوى الفكري في عدد محدد من المبادئ والأسس وهي: موت الفن، وموت النزعة الإنسانية والعدمية، ونهاية التاريخ. وعلى هذا الأساس جاء طرح "ميشيل فوكو" و"جاك دريدا" على سبيل المثال لا الحصر، وهما من فلاسفة ما بعد الحداثة الجدد، ممثلاً بعدّة مصطلحات تتجلى فيها أوجه التوصيف لعالم ما بعد الحداثة بوضوح مثل: التفكيك، والاختلاف، والتشتيت، واللاستمرارية، والنهايات، وبالتالي الموت.

 وأخير نقول : لقد ساير مصطلح ما بعد الحداثة” عند ظهوره وانتشاره ـ العديد من المفاهيم والمعايير الرؤيويّة الغربيّة ومنها مفاهيم (الما بعديّة)، مثل ما بعد الصناعة، ما بعد العلم، ما بعد الفلسفة.. الخ. إلى حداثة ما بعد الإنسان.

***

د. عدنان عويّد

كاتب وباحث وناقد أدبي من سوريا.

 

L’Âge herméneutique de la raison.

تمهيد: سؤال التأويل ومأزق العقل الحديث

يُشكل مشروع جان غرايش* (Jean Greisch) أحد المسارات اللافتة في الهرمينوطيقا الفلسفية المعاصرة، لا من حيث اشتغاله على تاريخ التأويل فحسب، وإنما من حيث سعيه إلى مساءلة التحول الذي أصاب مفهوم العقل ذاته. فمع غرايش لم تعد الهرمينوطيقا مجرد تقنية لفهم النصوص، بل أصبحت مدخلًا إلى إعادة النظر في شروط الفهم الإنساني وفي العلاقة بين الذات والحقيقة واللغة والتاريخ. ومن ثم فإن السؤال الذي ينتظم مشروعه لا يتمثل في كيف نؤول؟ فقط، وإنما في سؤال أعمق: ماذا يحدث للعقل حين يكتشف أن كل فهم يجري من داخل أفق تأويلي سابق؟

تنبني هذه الدراسة على إشكالية مفادها أن الانتقال من الهرمينوطيقا بوصفها منهجًا إلى الهرمينوطيقا بوصفها أفقًا أنطولوجيًا يقتضي إعادة تعريف الذات والحقيقة والعقل. فهل استطاع غرايش أن يتجاوز التصور الأداتي للتأويل، وأن يؤسس عقلًا تأويليًا لا يسقط في النسبية ولا يعود إلى يقينيات الميتافيزيقا التقليدية؟ سنقارب هذه الإشكالية من خلال تحليل ثلاثة مرتكزات مترابطة في مشروعه: العصر التأويلي للعقل، وأنطولوجيا الفهم، والكوجيتو التأويلي، مع استحضار امتداداتها في فلسفة الدين.

أولًا: العصر التأويلي للعقل وإعادة بناء سؤال الحقيقة

يقوم مشروع غرايش على تشخيص تحوّل عميق في تاريخ العقل الغربي. فالعقل الحديث، الذي سعى منذ ديكارت إلى العثور على أساس يقيني يستطيع أن ينطلق منه في بناء المعرفة، لم يعد قادرًا على تجاهل الشروط التاريخية واللغوية التي يتشكل داخلها كل فعل من أفعال الفهم. ولهذا يتحدث غرايش عن «العصر التأويلي للعقل»، لا بمعنى أن العقل فقد قدرته على بلوغ الحقيقة، وإنما بمعنى أنه أصبح واعيًا بوسائطه وشروطه وحدوده.

فالإنسان لا يدخل العالم بعقل خالٍ من الافتراضات، ولا يواجه الأشياء كما لو كانت معطيات صامتة مستقلة عن كل سياق. إننا نفهم من داخل لغة، ونقرأ من داخل تراث، ونطرح الأسئلة انطلاقًا من تاريخ سابق. ولذلك يصبح التأويل بنية مرافقة للفهم، لا عملية لاحقة عليه. وما يترتب على ذلك هو إعادة صياغة العلاقة بين العقل والحقيقة: فالحقيقة لا تعود موضوعًا جاهزًا يقف في الخارج، وإنما تصبح أفقًا ينكشف تدريجيًا عبر فعل الفهم.

غير أن هذا التصور لا يفضي إلى مساواة جميع التأويلات أو إلى إلغاء معيار الحقيقة. فالهرمينوطيقا عند غرايش لا تستبدل الدوغمائية بيأس معرفي، بل تبحث عن صيغة ثالثة تجعل العقل منفتحًا على الحقيقة من دون أن يدّعي امتلاكها امتلاكًا نهائيًا. ولذلك فإن حدود الفهم لا تعني استحالة الحقيقة، بل تعني أن الحقيقة أكبر من كل صياغة نهائية لها.

ثانيًا: هايدغر والانتقال من هرمينوطيقا النص إلى أنطولوجيا الفهم

يجد هذا التحول أساسه الأعمق في قراءة غرايش لهايدغر. فإذا كانت الهرمينوطيقا التقليدية قد ارتبطت أساسًا بتفسير النصوص، فإن هايدغر نقلها إلى مستوى أكثر جذرية عندما جعل الفهم متعلقًا ببنية وجود الإنسان نفسه. وهذا البعد هو الذي يستثمره غرايش في قراءته لـSein und Zeit، ولا سيما في كتابه Ontologie et temporalité.

فالـDasein ليس ذاتًا معرفية تقف خارج العالم لكي تمثله، وإنما هو «وجود-في-العالم»؛ أي وجود متورط أصلًا في شبكة من العلاقات والإمكانات والدلالات. ومن ثم فإن فهم العالم ليس فعلًا معرفيًا منفصلًا عن الوجود، بل طريقة في الوجود ذاته. إن الإنسان لا يمتلك الفهم كما يمتلك أداة، بل يوجد بطريقة تجعل الفهم أحد أبعاده التكوينية.

وهنا تكتسب الهرمينوطيقا بعدها الأنطولوجي: إنها لا تسأل فقط عن شروط تفسير النص، وإنما عن شروط انكشاف الوجود للإنسان. ومن هذه الزاوية، يصبح الزمن عنصرًا حاسمًا؛ فالإنسان لا يفهم نفسه خارج مسار زمني يتضمن ذاكرة الماضي، وانفتاح المستقبل، وقلق الحاضر. إن معنى الوجود لا يُعطى دفعة واحدة، بل يتشكل في حركة مستمرة بين ما كان وما يمكن أن يكون.

وبذلك يلتقط غرايش أحد أهم التحولات التي أحدثها هايدغر: لم يعد الفهم فعلًا تقوم به الذات تجاه موضوع، بل أصبح بنية من بنيات وجود الذات نفسها. وهذه النقلة هي التي تسمح للهرمينوطيقا بأن تتحول من نظرية في التفسير إلى أنطولوجيا للفهم.

ثالثًا: الكوجيتو التأويلي وإعادة صياغة الذات

تبلغ هذه المسألة مستوى أكثر دقة في كتاب غرايش Le Cogito herméneutique. فالمشكلة لم تعد متعلقة بفهم العالم فقط، وإنما بفهم الذات التي تدّعي أنها تفهم. وإذا كان الكوجيتو الديكارتي قد أسس الذات على يقين الوعي بذاته، فإن غرايش يسائل هذا النموذج من خلال الهرمينوطيقا: هل تستطيع الذات أن تبلغ حقيقتها بصورة مباشرة، أم أنها لا تصل إلى نفسها إلا عبر وسائط التأويل؟

إن الذات التأويلية ليست ذاتًا شفافة لنفسها؛ إنها ذات تمر عبر اللغة والذاكرة والرمز والنص والآخر. لذلك لا تتحدد هويتها باعتبارها جوهرًا ثابتًا، بل باعتبارها مسارًا من الفهم وإعادة الفهم. وهنا تتقاطع فلسفة غرايش مع المشروع الريكوري في نقطة جوهرية: الذات لا تُفهم بالعودة المباشرة إلى داخلها، وإنما عبر العلامات والرموز والسرديات التي تمنح تجربتها قابلية للفهم.

لكن الأهم أن هذا التصور لا يلغي الذات، وإنما يعيد تعريفها. فالذات لا تختفي داخل اللغة أو التاريخ، بل تصبح ذاتًا أكثر تركيبًا؛ ذاتًا تعرف أن علاقتها بنفسها تمر دائمًا عبر شيء آخر. ولذلك يمكن النظر إلى الكوجيتو التأويلي باعتباره تجاوزًا مزدوجًا: تجاوزًا لشفافية الذات الديكارتية، وتجاوزًا في الوقت نفسه للعدمية التي تنكر إمكان معرفة الذات.

إن «أنا» غرايش ليست نقطة بداية مطلقة، وإنما نتيجة لمسار تأويلي. إنها ذات تتعلم أن تفهم نفسها من خلال ما تقرأه وتعيشه وتتذكره وترويه. وهنا يصبح السؤال عن الهوية سؤالًا عن مسار المعنى أكثر منه سؤالًا عن جوهر ثابت.

رابعًا: التأويل بين الحقيقة وعدم اليقين

إذا كان الفهم مشروطًا بالتاريخ واللغة والوجود، فإن التأويل لا يمكن أن ينتج يقينًا مطلقًا. غير أن غرايش لا يحوّل هذا الوضع إلى مأزق معرفي، بل يمنحه قيمة فلسفية. ففي حديثه عن الهرمينوطيقا بوصفها «حكمة لعدم اليقين»، يدافع عن عقل قادر على الاستمرار في البحث من دون الحاجة إلى إغلاق السؤال.

عدم اليقين هنا ليس نقيضًا للحقيقة، بل هو وعي بالطابع غير المكتمل لكل معرفة. فالمعنى لا ينكشف كله في لحظة واحدة، والقراءة الجادة لا تنتهي بمجرد إنتاج تفسير؛ إنها تفتح إمكانات جديدة للفهم. ولذلك فإن التأويل الحقيقي لا يختزل النص في معنى واحد نهائي، كما لا يتركه في فوضى الدلالات، وإنما يتحرك في المسافة الدقيقة بين الانفتاح والانضباط.

من هذه الزاوية، تكتسب الهرمينوطيقا بعدًا أخلاقيًا؛ لأنها تعلم العقل فضيلة الإصغاء، وتدعوه إلى تأجيل الحكم، وإلى مقاومة الرغبة في اختزال المختلف في قوالب جاهزة. فالتأويل ليس مجرد نشاط معرفي، وإنما ممارسة تقتضي الاعتراف بأن الآخر، والنص، والتجربة، يمكن أن يقولوا أكثر مما تسمح به توقعاتنا الأولية.

خامسًا: من العقل التأويلي إلى فلسفة الدين

يتسع أفق غرايش عندما ينتقل إلى فلسفة الدين، خصوصًا في مشروعه الكبير Le Buisson ardent et les lumières de la raison. فالسؤال الديني بالنسبة إليه لا يمكن اختزاله في ثنائية ساذجة بين الإيمان والعقل؛ إذ إن التجربة الدينية نفسها تحمل بنى رمزية ولغوية وتأويلية تجعلها قابلة للدخول في مجال التفكير الفلسفي.

لا يريد غرايش إخضاع الدين للعقل اختزالًا، ولا تحرير الدين من العقل بصورة دوغمائية؛ وإنما يبحث عن إمكان عقل تأويلي يستطيع أن يصغي إلى التجربة الدينية دون أن يتنازل عن وظيفته النقدية. وبذلك تصبح فلسفة الدين اختبارًا لقدرة العقل على التعامل مع ما يتجاوز المفهوم المباشر دون أن يتحول إلى عقل مغلق.

وهذا ما يجعل مشروع غرايش مختلفًا عن بعض أشكال العقلانية الصارمة وعن بعض أشكال الإيمانية المنغلقة في آن واحد. فالتأويل يتيح للعقل أن يبقى عقلًا، لكنه يمنعه من التحول إلى سلطة تختزل كل ما لا ينسجم مع مفاهيمها السابقة.

خاتمة: الهرمينوطيقا بوصفها أفقًا للفلسفة.

تكشف قراءة مشروع جان غرايش أن الهرمينوطيقا عنده ليست مجرد تقنية لقراءة النصوص، وإنما تحول في صورة العقل وفي معنى التفلسف نفسه. فمن «العصر التأويلي للعقل» إلى «الكوجيتو التأويلي»، ومن أنطولوجيا هايدغر إلى فلسفة الدين، يعمل غرايش على تفكيك صورة العقل المكتفي بذاته، من دون أن يتخلى عن مطلب الحقيقة.

إن الرهان الحقيقي لفلسفته هو إعادة بناء علاقة أكثر تواضعًا وأكثر خصوبة بين العقل والحقيقة: عقل لا يدّعي امتلاك المعنى، ولا يتخلى في المقابل عن البحث عنه. ولهذا يصبح التأويل عند غرايش فعلًا مزدوجًا: كشفًا للمعنى، واعترافًا في الوقت نفسه بأن المعنى يظل أوسع من كل كشف.

ومن هنا يمكن فهم راهنية غرايش ففي عالم تتسارع فيه الأحكام وتنتشر فيه القراءات الاختزالية، تستعيد الهرمينوطيقا وظيفتها النقدية باعتبارها دفاعًا عن حق المعنى في التعقيد، وعن حق الحقيقة في ألا تختزل في أول تفسير لها. فالفلسفة لا تكون قوية حين تدّعي أنها قالت الكلمة الأخيرة، وإنما حين تستطيع أن تجعل السؤال أكثر دقة، والفهم أكثر عمقًا، والإنسان أكثر وعيًا بحدود نظرته إلى نفسه وإلى العالم.

***

بقلم: الدكتور معروفي العيد

...............................

الهوامش:

* جون غرايش: ولد في مدينة كوريش (لوكسمبورغ) عام 1942. أستاذ الفلسفة بالمعهد الكاثوليكي بباريس، وأحد أهم المتخصصين في التأويليات والتأويليات المطبَّقة على الفلسفة والدين. من أشهر أعماله «الأنطولوجيا والزمانية: مدخل إلى تأويل كامل للوجود والزمان لهايدغر» (1994م) و«العوسج المتوهج وأنوار العقل: ابتكار فلسفة الدين» في ثلاثة أجزاء (2002-2004م).

1. Jean Greisch, L’Âge herméneutique de la raison, Paris, Éditions du Cerf, 1986.

2. Jean Greisch, Le Cogito herméneutique. L’herméneutique philosophique et l’héritage cartésien, Paris, Vrin, 2000.

.3 جان غرايش، الكوجيتو التأويلي : الهرمينوطيقا الفلسفية والإرث الديكارتي، ترجمة فتحي إنقزو، مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث، الرباط/بيروت،2020.

مقدمة: إن السؤال الفلسفي عن حال الذات الجمعية حين تدخل في أزمة عميقة، وعن الحلم الريادي الذي يتبدد بعد أن كان يمنحها أفقاً ومعنى، وعن المصير الوجودي الذي يبدو مهدداً بالانغلاق أو التلاشي، ليس سؤالاً عارضاً ولا مجرد وصف لواقع متأزم. فهو سؤال يكشف عن تصدع في بنية الوعي الجمعي ذاتها، وعن اهتزاز في القدرة على ربط الماضي بالمستقبل عبر حاضر قابل للتحمل. والمقاربة التشخيصية الإسترجاعية لا تكتفي برصد الأعراض الظاهرة لهذه الأزمة، بل تعود القهقرى لتتتبع مسارات تشكلها، وتكشف عن اللحظات التي بدأ فيها الحلم يفقد طاقته التأسيسية، وعن الآليات التي جعلت الذات الجمعية تفقد تدريجياً ثقتها في قدرتها على صياغة مصيرها. إنها مقاربة ترفض التعامل مع الأزمة بوصفها قدراً مفاجئاً، وترى فيها نتاجاً لتراكمات طويلة من الاختيارات والوعود والإخفاقات والإعاقات البنيوية. فكيف نتعامل مع حال الذات الجمعية المتأزم والحلم الريادي المبدد والمصير الوجودي المهدد؟ وما هو السؤال الفلسفي الدال على هاته الأزمة؟ وماذا تضيف المقاربة التشخيصية الاسترجاعية للذات الجمعية؟

أولاً: الذات الجمعية بوصفها كياناً هشاً قابلاً للتأزم

الذات الجمعية ليست جوهراً ثابتاً ولا هوية مكتملة مرة واحدة وإلى الأبد. هي تشكيل تاريخي ورمزي يتكون عبر سرديات مشتركة، وذاكرة جماعية، ومشاريع مستقبلية، وأنماط اعتراف متبادل بين أفرادها. وهي تستمد تماسكها من قدرتها على الإجابة، ولو بشكل مؤقت ومتوتر، عن أسئلة أساسية: من نحن؟ من أين جئنا؟ إلى أين نمضي؟ وما الذي يجعل استمرارنا ممكناً وذا قيمة؟

حين تدخل هذه الذات في حال متأزم، فإن الإجابات السابقة تفقد قدرتها على الإقناع. تتآكل السرديات المؤسسة، وتصبح الذاكرة الجماعية عبئاً أكثر مما هي مصدر قوة، ويتراجع الشعور بالانتماء الفاعل ليحل محله شعور بالانتماء السلبي أو الدفاعي. الأزمة هنا ليست مجرد صعوبات اقتصادية أو سياسية عابرة، بل هي أزمة في القدرة على إنتاج المعنى المشترك. الذات الجمعية المتأزمة هي ذات لم تعد قادرة على أن تروي لنفسها قصة مقنعة عن ذاتها، ولا على أن تتخيل مستقبلاً يستحق الجهد والتضحية.

وفي العمق، تكشف هذه الأزمة عن هشاشة أصيلة في كل ذات جمعية. فهي دائماً مبنية على تسويات رمزية ومشاريع غير مكتملة، ودائماً مهددة بأن تنكشف محدودية هذه التسويات. غير أن التأزم الحاد يحدث حين تتراكم الإخفاقات دون أن تجد آليات تصحيحية، وحين يتسع الفارق بين الصورة التي تحملها الذات عن نفسها وبين صورتها في مرآة الواقع.

ثانياً: الحلم الريادي المبدد بوصفه فقدان الأفق التأسيسي

الحلم الريادي هو ذلك المشروع الجماعي الذي يتجاوز تدبير اليومي ويعد بقفزة نوعية: نهضة، تحرر، تحديث، ريادة حضارية، أو إعادة تأسيس للعلاقة مع الذات ومع العالم. هو الحلم الذي يحول المعاناة الحاضرة إلى مرحلة انتقالية نحو مستقبل مختلف جذرياً، ويمنح الأفراد والجماعات شعوراً بأن وجودهم يندرج ضمن حركة ذات اتجاه ومعنى. حين يتبدد هذا الحلم، لا يختفي مجرد مشروع سياسي أو تنموي، بل ينهار أحد الأعمدة الأساسية التي كانت تسند الذات الجمعية. التبدد هنا لا يعني بالضرورة الفشل الكامل والمعلن، بل قد يتخذ شكل التآكل التدريجي: الوعود التي تتكرر دون تحقق، والفجوة المتزايدة بين الخطاب والممارسة، وتحول الشعارات الريادية إلى طقوس فارغة أو إلى أدوات للشرعية الشكلية. ومع مرور الوقت، يفقد الحلم قدرته على التعبئة وعلى توليد الأمل الفاعل، ليتحول إما إلى حنين نوستالجي لحظة تأسيسية ماضية، أو إلى سخرية مريرة، أو إلى لامبالاة وجودية.

الإسترجاع التشخيصي يكشف أن تبدد الحلم الريادي نادراً ما يكون مفاجئاً. فهو يسبق عادة بعلامات: تضخم الخطاب على حساب الإنجاز، وازدياد الاعتماد على الخارج في تعريف النجاح، وانفصال النخب الحاملة للحلم عن القواعد الاجتماعية، وتحول المشروع من كونه أفقًا مفتوحًا إلى كونه منظومة مغلقة تدافع عن استمرارها أكثر مما تسعى إلى تحقيق غاياتها الأصلية. وعند نقطة معينة، يصبح الاستمرار في ترديد الحلم نفسه مصدر تأزيم إضافي، لأنه يذكر بالفجوة بدلاً من أن يسدها.

ثالثاً: المصير الوجودي المهدد بوصفه انسداد الأفق

المصير الوجودي للذات الجمعية لا يتعلق فقط بالبقاء المادي أو السياسي، بل يتعلق بإمكانية أن تظل هذه الذات قادرة على أن تكون ذاتاً فاعلة في التاريخ، لا مجرد موضوع لفعل الآخرين أو لسيرورات تتجاوزها. حين يصبح هذا المصير مهدداً، فإن التهديد لا يأتي فقط من أخطار خارجية واضحة، بل من الداخل أيضاً: من فقدان القدرة على المبادرة، ومن تفتت الروابط التي تجعل الفعل الجماعي ممكناً، ومن سيطرة منطق رد الفعل على منطق المشروع. التهديد الوجودي يظهر في صور متعددة: الشعور الجماعي بالعجز أمام قوى تبدو أكبر من أن تُواجه، وتراجع الثقة في إمكانية التأثير في مجرى الأحداث، وتحول المستقبل من كونه فضاء للإمكانيات إلى كونه مصدر قلق أو لامبالاة. وفي الحالات الحادة، قد يصل الأمر إلى تساؤل صامت أو معلن حول جدوى الاستمرار كجماعة متميزة، أو حول إمكانية الذوبان في تشكيلات أوسع أو أضيق تبدو أكثر قدرة على منح الحماية أو المعنى. والمقاربة التشخيصية الإسترجاعية تظهر أن هذا التهديد يتغذى من مصدرين متلازمين: إخفاقات الحلم الريادي من جهة، وأزمة الذات الجمعية في إنتاج بدائل مقنعة من جهة أخرى. فكلما تبدد الحلم دون أن يُستبدل بأفق جديد، تضيق المساحة التي يمكن للذات أن تتخيل فيها مصيراً مختلفاً، فيتحول الحاضر المتأزم إلى أفق شبه نهائي.

رابعاً: التشخيص الإسترجاعي: مسارات التأزم وتراكماته

تعود المقاربة التشخيصية الإسترجاعية إلى الوراء لتتتبع كيف تراكمت عناصر الأزمة. فهي ترفض التفسيرات الاختزالية التي ترد كل شيء إلى لحظة انكسار واحدة أو إلى مؤامرة خارجية خالصة أو إلى عيب جوهري ثابت في الذات الجمعية. بدلاً من ذلك، تبحث عن نقاط التحول التي بدأ فيها الخطاب الريادي ينفصل عن شروط تحققه، وعن اللحظات التي تم فيها تأجيل الأسئلة الحقيقية باسم الوحدة أو الاستقرار أو المرحلة الانتقالية الممتدة. تكشف هذه العودة أن الذات الجمعية غالباً ما تبني أحلامها الريادية على تصورات مفرطة في التفاؤل حول قدرتها على التحكم في شروط الفعل، وحول سرعة التحول، وحول إمكانية تجاوز التناقضات الداخلية دون دفع أثمانها الكاملة. كما تكشف أن التعامل مع الإخفاقات الجزئية تم في كثير من الأحيان عبر آليات إنكار أو تبرير أو إسقاط للمسؤولية، مما منع التعلم الجماعي وراكم الإحباط غير المعالَج. وفي الوقت ذاته، تظهر الإسترجاعة أن لحظات التأزم الحاد ليست فقط لحظات انهيار، بل قد تكون أيضاً لحظات انكشاف. فهي تفضح حدود السرديات السابقة، وتكشف عن التناقضات التي كانت مغطاة بالخطاب الريادي، وتفتح إمكانية — وإن كانت مؤلمة — لإعادة صياغة العلاقة مع الذات ومع التاريخ. غير أن هذه الإمكانية تظل معلقة على قدرة الجماعة على تحويل الألم التشخيصي إلى وعي جديد، لا إلى دورة جديدة من الإنكار أو من البحث عن مخلص خارجي.

خاتمة

إن السؤال الفلسفي عن حال الذات الجمعية المتأزم والحلم الريادي المبدد والمصير الوجودي المهدد هو في جوهره سؤال عن إمكانية المعنى في التاريخ الجمعي. والمقاربة التشخيصية الإسترجاعية تكشف أن هذه الأزمة ليست قدراً مفاجئاً ولا عيباً جوهرياً ثابتاً، بل هي نتاج مسارات طويلة من الوعود والإعاقات والإنكارات والتأجيلات. وهي في الوقت ذاته لحظة انكشاف قد تسمح، إذا ما وُوجهت بصدق فلسفي وأخلاقي، بإعادة تأسيس العلاقة مع الذات ومع الإمكان التاريخي على أسس أقل وهماً وأكثر قدرة على التحمل. لا تعمل أزمة الذات الجمعية وتبدد الحلم الريادي وتهديد المصير الوجودي كمسارات منفصلة. هي أبعاد متداخلة تغذي بعضها بعضاً في دائرة مفرغة. فأزمة الذات تضعف القدرة على توليد أحلام مقنعة أو على إعادة إحياء ما تبقى من الحلم القديم. وتبدد الحلم يعمق أزمة الذات ويجعل المصير يبدو أكثر انغلاقاً. وتهديد المصير يزيد من حدة القلق الجمعي فيدفع إما إلى انكفاء دفاعي يعيق التجديد، أو إلى اندفاعات يائسة تزيد من التفتت. ربما التشخيص الإسترجاعي يظهر أن الخروج من هذه الدائرة لا يكون بالعودة الرومانسية إلى الحلم الأصلي كما لو أنه لم يتبدد، ولا باليأس الذي يرى في التبدد نهاية كل إمكانية. بل يكون بالقدرة على إجراء حداد جماعي حقيقي على ما لم يعد ممكناً، واستخلاص الدروس من مسار التبدد ذاته، وبناء أفق جديد أكثر تواضعاً في وعوده وأكثر صلابة في أسسه وأكثر صدقاً في مواجهة التناقضات الداخلية. فالذات الجمعية لا تموت بالضرورة حين يتبدد حلمها الريادي، بل قد تموت حين تفقد القدرة على طرح السؤال الحقيقي عن سبب التبدد وعن إمكانية البدء من جديد، لا من نقطة الصفر الوهمية، بل من قلب الإخفاق نفسه بوصفه جزءاً من تاريخها الذي لا يمكن محوه ولا تجاهله. فهل يمكن للمقاربة التشخيصية المعمقة أن تساعد على استرجاع الحلم الريادي المبدد؟

***

د زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

مفتتح: في حديثٌ عن الهوية في وعينا العربي والإسلامي المعاصر لابد من العودة إلى ما أثاره الأستاذ عماد خالد رحمة في مقاله بصحيفة «المثقف»، تحت عنوان: «الهوية بين أسر الماضي واستلاب الآخر» (04 تشرين الأول/أكتوبر 2026)1، حيث وضع الأستاذ رحمة يده على مفصلٍ دقيق، مفصل العلاقة بين الذاكرة والسلطة، بين الأصالة والانفتاح، بين ما نرثه وما نبدعه.

ولئن كان مقاله دعوةً إلى اليقظة النقدية، فإنّه كان أيضًا إيماءةً إلى أن الهوية ليست قدرًا يُورَّث، ولا شعارًا يُرفَع، بل مشروعٌ مفتوحٌ يتطلب شجاعة المراجعة، وقدرة على إنتاج المعنى من داخل التجربة التاريخية ومن خلال الحوار مع الآخر.

من هنا، تأتي هذه المقالة امتدادًا لتلك الإشارة، واستكمالًا لذلك السؤال: كيف يمكن للهوية أن تصير إبداعًا للمعنى، لا مجرد امتثالٍ للماضي أو محاكاةٍ للآخر؟ وكيف يمكن للمجتمعات أن تحافظ على استمراريتها التاريخية دون أن تتحوّل ذاكرتها إلى سلطة مغلقة؟

من المسائل التي تفرض نفسها على الوعي العربي والإسلامي المعاصر، مسألةُ الهوية؛ لا لأنها مسألة نظرية تُطرح في دواوين الفكر وتُناقش في الحلقات الأكاديمية فحسب، بل لأنها مسألة وجودية تمسّ علاقة الذات بماضيها، وبالآخر، وبالإمكانات التي يفتحها الحاضر، فالهوية ليست شعارًا يُرفع في المناسبات، ولا ذاكرة تُستدعى عند الحاجة، ولا هوية سياسية تُستنفر عند الأزمات والانتخابات؛ إنها، في جوهرها، قدرة الذات على فهم نفسها، واختيار ماضيها، والمشاركة في إبداع حاضرها ومستقبلها.

غير أنّ هذه المسألة تظل معلّقة بين تيارين متقابلين: تيار يرى في التمسك بالماضي ضمانًا للأصالة، وتيار يرى في الانفتاح على الآخر شرطًا للحداثة. وفي الحالتين، تُختزل الهوية إلى شيء أقل من كونها مشروعًا حيًا: ففي الحالة الأولى تصير ذاكرةً مغلقة، وفي الحالة الثانية تصير نسخةً من غيرها. والمطلوب، إذن، ليس الاختيار بين الماضي والآخر، بل تجاوز الثنائية التي تجعل منهما نقيضين لا يلتقيان.

-1-

كيف نعي الهوية؟

تنبثق الإشكالية من سؤال مركزي: كيف يمكن للمجتمعات أن تحافظ على استمراريتها التاريخية دون أن تتحول ذاكرتها إلى سلطة مغلقة؟ وكيف يمكنها أن تستفيد من المنجز الإنساني دون أن تفقد قدرتها على إنتاج معرفتها وسرديتها الخاصة في ظل صراع السرديات؟

بعبارة أخرى: ما الشروط الفلسفية والثقافية والمؤسسية التي تجعل من الهوية مشروعًا مبدعًا للمعنى، لا مجرد امتثالٍ للماضي أو محاكاةٍ للآخر؟

نفترض عبر هذه الإشكالية فرضيتين مترابطتين:

- الأولى: إنّ أزمة الهوية لا تنبع من الارتباط بالتراث أو الانفتاح على الآخر في ذاتهما، بل من تحوّل التراث إلى سلطة تُغلق باب السؤال، وتحوّل الآخر إلى معيار مطلق يُقاس به نقص الذات.

- الثانية: إنّ تجاوز هذه الأزمة يتطلب الانتقال من الهوية الموروثة إلى الهوية الإبداعية؛ وهي هوية تمارس التأويل النقدي للتراث، وتستوعب التجربة الإنسانية بوعي، وتنتج معرفةً وسياساتٍ وخطابًا ثقافيًا من داخل سياقها التاريخي.

-2-

حول الهوية والتراث

لا تُفهم الهوية بوصفها جوهرًا ثابتًا، بل بوصفها بناءً تاريخيًا متجددًا. وقد قدّم ستيوارت هول إسهامًا حاسمًا حين انتقل من فهم الهوية بوصفها “ذاتًا حقيقية واحدة” إلى فهمها بوصفها موضعًا متحركًا داخل خطابات التاريخ والثقافة والسلطة؛ فالهوية عنده إنتاجٌ لا يكتمل، وتتحدد عبر التمثيل لا خارجَه.

ومن هنا، لا يُسأل فقط: من نحن؟ بل: كيف نتخيل أنفسنا؟ ومن يملك أدوات تسمية هذه التخيّلات؟ فالهوية ليست ما نرثه فقط، بل ما ننتجه من خلال اختياراتنا المعرفية والثقافية والسياسية.

أما التراث، فليس كتلة متجانسة، ولا حكمة جاهزة تُستدعى لإنهاء النقاش. إنه فضاء متعدد الطبقات، تشكّل في ظروف تاريخية محددة، وتداخلت فيه الاجتهادات والتناقضات والصراعات. ولذلك فإنّ إعادة تأويله لا تعني إخضاعه لأهواء الحاضر، بل التعامل معه بوصفه نتاجًا تاريخيًا قابلًا للفهم والحوار وإعادة البناء.

-3-

الماضي بوصفه سلطة

لا تكمن الأزمة في الارتباط بالماضي، بل في تحوّل الماضي إلى سلطة تُغلق باب السؤال. فالتراث، حين يُقدّس بدل أن يُفهم، يتحول من فضاء للجدل إلى مرجعية تُسقط على الحاضر أحكامًا جاهزة.

وهنا يظهر الفرق بين "الاستلهام" و"الاستنساخ"، الأول يستعيد روح التجربة التاريخية ليطوّرها، والثاني يحفظ قشرتها ويجمّدها، فقراءة ابن رشد، مثلًا، لا تعني تحويله إلى أيقونة تُستدعى للاحتفاء، ولا إلى مرجع نهائي يُستشهد به لإنهاء النقاش؛ بل تعني استعادة سؤاله عن العقل والوحي والمجتمع، واختبار شروط إنتاجه التاريخية، ثم سؤال ما يمكن أن ينتجه هذا السؤال في زمننا. بمعنى الوفاء للمفكر ليس تحنيط أفكاره، بل إحياء قدرتها على إزعاج اليقين وإعادة فتح الأسئلة.

-4-

الآخر مرآةً للنقص

أما الطرف الآخر من الأزمة، فهو التعامل مع الآخر بوصفه نموذجًا مكتملًا تُقاس به قيمة الذات، هنا لا يظهر الآخر شريكًا في الحوار، بل مرآةً يرى فيها المجتمع نقصه. وتتحول المعرفة من فعل نقدٍ واختيار إلى استهلاك للنماذج والمصطلحات والأدوات.

لكنّ الانفتاح لا يعني الذوبان. فالهوية، كما يذكر تشارلز تايلور، تتشكل عبر الحوار مع الآخرين؛ فالاعتراف ليس ترفًا أخلاقيًا، بل شرطٌ في بناء الذات واحترامها.  غير أنّ هذا الحوار لا يكون ممكنًا إذا دخل أحد الأطراف بوصفه “نموذجًا” والآخر بوصفه “متلقيًا”.

-5-

الهوية عند الغرب

 1/ أوروبا: هابرماس وهونيث

قدم يورغن هابرماس إطارًا مهمًا لفهم الهوية بوصفها نتاج تواصلٍ حرٍ وقائم على الأدلة، لا نتاج فرضٍ أو تكرار. فالعقل التواصلي عنده ليس أداة للسيطرة أو الإنجاز، بل قدرة على بناء التفاهم المشترك عبر الحوار والجدل العقلاني.

ومن هذا المنظور، لا تُبنى الهوية الجمعية بالخطابة العاطفية أو فرض السردية الرسمية، بل عبر فضاء عام يسمح بتعدد الآراء، وبتقاضي الحجج، وبتصحيح الذات. كما أن فكرة "الوطنية الدستورية" عند هابرماس تفتح إمكانية لهوية مدنية قائمة على المشاركة والحقوق، لا على العرق أو الأصل أو الأسطورة التاريخية.

أما أكسل هونيث فيعيد الاعتراف إلى مركز نظريات الهوية والعدالة. فالذات، في نظره، لا تتشكل في عزلة، بل عبر علاقات متبادلة من الاعتراف: الحب في الفضاء الخاص، والحق في الفضاء القانوني، والتقدير الاجتماعي في فضاء التضامن.

ولهذا فإنّ الإقصاء الثقافي أو التهميش الرمزي ليس مجرد ظلم سياسي، بل اعتداء على قدرة الذات على فهم نفسها وتقدير ذاتها. ومن هنا، فإنّ الهوية المنتجة تتطلب مجتمعًا يعترف بالتنوع الداخلي، ولا يفرض صورة واحدة للهوية بوصفها الشرعية الوحيدة.

2- الولايات المتحدة الأمريكية: هول وتايلور وبابا

يرى ستيوارت هول أن الهوية الثقافية ليست حقيقة ثابتة تُستعاد من الماضي، بل عملية إنتاج مستمرة داخل التمثيلات الثقافية والسياسية.  وهذا يعني أنّ الهوية ليست ما نحفظه فقط، بل ما نعيد تأويله وإعادة توزيعه داخل خطابات الحاضر.

ويربط تشارلز تايلور بين الهوية والاعتراف والأصالة. فالهوية، عنده، تتشكل حواريًا؛ إذ لا يكتسب الإنسان فهمه لذاته إلا عبر علاقاته مع الآخرين ومعايير الاعتراف التي تمنحها له المجتمعات.  غير أنّ الأصالة عند تايلور ليست انغلاقًا على الذات، بل انفتاح على أفق المعنى يتطلب حوارًا مع الآخرين ومع التاريخ.

ويقدم هومي بابا مفهوم (الفضاء الثالث) بديلًا عن منطق الأصل والنقاء. فالثقافة، في نظره، ليست كتلة متجانسة تحفظ هويتها عبر العزل، بل مجال تفاعل وترجمة وتفاوض تنتج فيه المعاني أشكالًا جديدة لا تُختزل إلى أحد المصدرين.

وبذلك لا يعني التهجين فقدان الذات، بل التخلي عن وهم نقائها. فالعالم العربي لا يحتاج إلى اختيار بين التراث والحداثة، بل إلى إنتاج فضاء ثالث يعيد قراءة موروثه عبر مفاهيم العصر، ويقرأ مفاهيم العصر عبر تجربته التاريخية.

-6-

من الترجمة إلى إنتاج المعرفة

الترجمة ليست مجرد نقل ألفاظ من لغة إلى أخرى، بل فعل ثقافي يعيد بناء المفاهيم داخل سياق جديد. فالمجتمع الذي يترجم دون أن يناقش، ويستورد دون أن يختبر، يوسّع دائرة اطلاعه دون أن يوسّع قدرته على الإنتاج.

ولهذا فإنّ دفاع العربية عن نفسها لا يتحقق بالخطابة العاطفية، بل بقدرتها على أن تصبح لغة للفلسفة والعلوم والفنون والنقد. فاللغة التي تُستخدم في إنتاج المعرفة تكتسب حياة جديدة، بينما تتراجع حين تُحبس في الاحتفاء بماضيها.

-7-

رؤية تجديدية: الهوية الإبداعية

إنّ تجاوز أزمة الهوية يتطلب الانتقال من منطق الحفظ ومنطق المحاكاة إلى منطق "الإنتاج". فالهوية المنتجة لا تقاس بمدى تشابهها مع الماضي، ولا بمدى اقترابها من الآخر، بل بقدرتها على المبادرة، والاختيار، وإنتاج المعنى.

وتقوم هذه الرؤية على أربعة مبادئ:

1- التأويل النقدي للتراث: التعامل معه بوصفه مادة للفهم والحوار، لا صنمًا للتقديس.

2- الانفتاح الواعي على الآخر: استيعاب التجربة الإنسانية بوصفها شريكًا في المعرفة، لا معيارًا مطلقًا.

3- الاعتراف بالتنوع الداخلي: الاعتراف بأن الهوية ليست صوتًا واحدًا، بل فضاء تعددي يضم اختلافات الذكريات والتجارب والانتماءات.

4- المؤسسة المنتجة للمعنى: بناء مدرسة وجامعة وفضاء عام قادرين على تحويل الحرية الفكرية إلى ممارسة يومية.

مستخلص وتوصيات

إنّ الأزمة ليست في الماضي ولا في الآخر، بل في الطريقة التي نربط بها بينهما، فالماضي ليس قدرًا مغلقًا، والآخر ليس نموذجًا مطلقًا، والهوية ليست جوهرًا ثابتًا. إنها مشروع مفتوح، يتغذى من الذاكرة، ويتعلم من الاختلاف، ويختبر أفكاره في التجربة، ويعيد صياغة ذاته كلما اتسعت معرفته بالعالم وبنفسه.

وعليه، يمكن اقتراح التوصيات الآتية:

- إعادة بناء مناهج التعليم حول السؤال النقدي لا التلقين، بحيث يتعلم الطالب كيف يفكر، لا كيف يكرر.

- تطوير سياسات الترجمة بحيث تتحول من استهلاك النصوص إلى إنتاج المفاهيم والنقد وبناء المعرفة.

- إنشاء فضاءات عامة مستقلة تسمح بالحوار والاختلاف وتعدد القراءات للتراث.

- تشجيع البحث العلمي الذي يختبر النماذج المستوردة في ضوء السياقات المحلية، بدل تطبيقها بحذافيرها.

- إدماج مفهوم الاعتراف في السياسات الثقافية والتعليمية، بحيث يُعترف بالتنوع الداخلي للمجتمع لا بقمعه.

- إعادة تعريف الأصالة بوصفها قدرة على الإبداع من داخل التجربة التاريخية، لا استمرارية الأشكال القديمة.

- بناء شراكات ثقافية وعلمية قائمة على التبادل المتكافئ، لا على علاقة المركز والمحيط.

فالأصالة ليست أن نظل كما كنا، والحداثة ليست أن نصبح نسخة من غيرنا، الأصالة أن نمتلك شجاعة مراجعة ذاكرتنا، والحداثة أن نمتلك قدرة المشاركة في صناعة مستقبلنا. هكذا تتحول الهوية من عبء نحمله خوفًا من الفقدان، إلى طاقة ننتج بها المعنى؛ ومن سردية مكتملة تخشى الأسئلة، إلى مشروع إنساني يثق بأن الذات لا تفقد نفسها حين تتغير، بل قد تكتشف أعمق إمكاناتها حين تتحرر من الخوف من التغيير.

***

أ‌. مراد غريبي

........................

https://almothaqaf.com/aqlam-3/990230

(رؤية سوسيولوجية – نقدية)

" ينشأ صراع الأدوار داخل الأسرة عندما تتغير المواقع، بينما تبقى التوقعات القديمة حاكمة للعلاقة " (الكاتب).

يهدف المقال إلى تحليل صراع الأدوار داخل الأسرة بوصفه نتيجة لتحول المواقع والتوقعات الاجتماعية، والكشف عن أثر هذا التحول في توزيع السلطة والمكانة والمسؤوليات، وفي تشكيل أنماط التفاعل بين أفراد الأسرة وحدود العلاقة بينهم.

تدخل الأسرة المعاصرة مرحلة تتغير فيها مواقع أفرادها بوتيرة أسرع من القواعد التي تنظم علاقتهم. فالابن الذي كان يشغل موقع المتلقي أصبح يطالب بالمشاركة في القرار، والأب الذي ارتبط دوره تاريخياً بالتوجيه والحماية يجد نفسه أمام فرد يريد أن يحدد مساحة أوسع من حياته. لا ينشأ التوتر هنا من اختلاف الأجيال وحده، بل من الفجوة بين الأدوار التي تغيرت فعلياً والتوقعات التي ما زالت تحكمها. وعندما يحتفظ كل طرف بصورة قديمة عن موقع الآخر، يتحول الاختلاف اليومي إلى صراع على الدور والمكانة والحق في تحديد ما ينبغي فعله.

يتشكل الدور الأسري من توقعات اجتماعية تحدد ما ينتظر من كل فرد، وتمنحه في الوقت نفسه قدراً من المكانة والسلطة. وقد كانت هذه التوقعات أكثر استقراراً في بنية أسرية تقوم على تدرج واضح في المواقع، فالوالدان يتوليان التوجيه واتخاذ القرارات الأساسية، والأبناء يتدرجون من التلقي إلى تحمل المسؤولية. أما التحولات الاجتماعية فقد جعلت هذا الانتقال أسرع وأقل وضوحاً. أصبح الابن يريد أن يشارك في تحديد ما يخص حياته، بينما يستمر الوالدان في توقع مستوى من الامتثال يتناسب مع مسؤولياتهما تجاهه. بهذا لا يعود الخلاف مجرد اختلاف في الرأي، بل يصبح تضارباً في تعريف الدور نفسه.

ويظهر هذا التضارب في التفاصيل اليومية التي تبدو صغيرة لكنها تكشف بنية العلاقة. اختيار التخصص الدراسي، أو العمل، أو طريقة الإنفاق، أو وقت العودة إلى المنزل، قد يتحول إلى خلاف حول من يملك حق القرار. فالابن يقرأ الموقف من موقع فرد يسعى إلى إثبات قدرته على إدارة حياته، بينما يقرأه الأب من موقع مسؤول يرى أن تدخله جزء من دوره. ولهذا قد يبدو النزاع متعلقاً بقرار محدد، بينما يدور في العمق حول شرعية الموقع الذي يتحدث منه كل طرف. وكلما غابت الحدود بين المسؤولية والقرار، أصبحت التفاصيل اليومية ساحات لإعادة التفاوض على السلطة داخل الأسرة.

وعندئذ تظهر المكانة بوصفها عنصراً خفياً في كثير من النزاعات الأسرية. فالأب لا يدافع دائماً عن رأي محدد بقدر ما يدافع عن موقع اجتماعي اعتاد أن يمنحه حق التوجيه، والابن لا يرفض دائماً النصيحة لذاتها، بل قد يرى قبولها بالشكل القديم اعترافاً باستمرار موقع لم يعد يراه مناسباً له. لذلك يصبح التراجع صعباً، لأن التراجع عن الموقف قد يفهم بوصفه تراجعاً في المكانة. وعندما ينتقل الخلاف من السؤال ماذا نفعل؟ إلى السؤال من يملك حق تحديد ما نفعل؟، يتحول الحوار إلى صراع على الاعتراف أكثر منه بحثاً عن حل.

ولا يتوقف الأمر عند السلطة، بل يمتد إلى توزيع الحقوق والواجبات. فقد يطالب الابن باستقلال واسع في القرارات، بينما تبقى الأسرة مطالبة بتوفير الحماية والدعم وتحمل جزء من نتائج تلك القرارات. وفي المقابل، قد يتمسك الوالدان بحق التدخل في تفاصيل حياة الابن، مع استمرار توقع أن يتصرف بوصفه مسؤولاً عن نفسه. هنا ينشأ اختلال في العلاقة بين الحق والالتزام، إذ تتغير مساحة القرار أسرع من تغير المسؤولية المرتبطة به. ويصبح الصراع نتيجة طبيعية لعدم التوافق بين ما يطلبه الفرد من موقعه وما ينتظر منه في الموقع نفسه.

كما يعيد تغير الأدوار تشكيل موقع كل فرد داخل الأسرة. فقد يشارك الابن في قرارات كانت حكراً على الوالدين، وقد يتحمل مسؤوليات اقتصادية أو أسرية كانت مرتبطة تقليدياً بالوالدين، بينما ينتقل الأب والأم تدريجياً من موقع القرار المباشر إلى موقع المشورة والمساندة. هذه التحولات لا تعني تفكك الأسرة، لكنها تعني أن تقسيم الأدوار لم يعد ثابتاً. وكلما تغيرت مساهمة الفرد ومسؤوليته، تغيرت بالضرورة التوقعات المرتبطة بمكانته، وأصبح من الضروري إعادة تحديد حدود السلطة التي ترافقها.

وتزداد صعوبة الانتقال عندما تتداخل الأدوار داخل الموقف الواحد. فقد يتعامل الوالدان مع الابن بوصفه راشداً في بعض قراراته، ثم يعودان إلى معاملته بوصفه محتاجاً إلى الحماية في قرارات أخرى، بينما يطالب الابن بالاستقلال في جانب ويحتفظ باعتماده على الأسرة في جانب آخر. لا يكشف ذلك بالضرورة عن تناقض شخصي، بل عن طبيعة الانتقال الاجتماعي من الاعتماد إلى الاستقلال. فالموقع الأسري لا يتغير دفعة واحدة، وإنما تتغير عناصره تدريجياً، ولذلك تحتاج الأسرة إلى قواعد مرنة تميز بين ما يقرره الفرد وما يشارك فيه الآخرون وما تظل مسؤوليته مشتركة.

بهذا يتضح لنا أن السلطة داخل الأسرة لم تختفي، وإنما تغيرت شروط ممارستها. فالسلطة التي تعتمد على الموقع وحده تصبح أقل فاعلية عندما يتغير وعي الأبناء بمكانتهم، بينما تكتسب السلطة القائمة على الحوار والإقناع قدرة أكبر على الاستمرار. وفي المقابل، لا تعني مشاركة الأبناء في القرار امتلاكهم سلطة مطلقة، فالمشاركة الاجتماعية ترتبط بالمسؤولية، والاستقلال يزداد بقدر القدرة على تحمل نتائجه. وهكذا ينتقل الصراع من محاولة تحديد من صاحب الكلمة الأخيرة إلى إعادة تعريف الطريقة التي تمارس بها السلطة وتوزع بها المسؤولية.

كما تحتاج هذه المرحلة إلى إعادة تنظيم الأدوار لا إلى تثبيت الأدوار القديمة أو إلغائها. فالابن الذي يتقدم في العمر يحتاج إلى مجال أوسع لصناعة قراراته، لكن اتساع المجال ينبغي أن يرافقه اتساع في تحمل النتائج. والوالد الذي تتغير حاجات أبنائه يحتاج إلى تعديل طريقة حضوره، بحيث لا تتحول المسؤولية إلى سيطرة، ولا تتحول الرعاية إلى مبرر دائم للتدخل. وبهذا تصبح الأسرة قادرة على تحويل تغير المواقع إلى عملية نمو اجتماعي بدلاً من أن يتحول إلى صراع مستمر على السلطة.

وتكشف هذه العملية عن أن استقرار الأسرة لا يعتمد على ثبات الأدوار، بل على قدرة أفرادها على إعادة التفاوض حولها كلما تغيرت ظروفهم. فالأسرة التي تبقي الابن في موقع الطفولة بعد أن أصبح قادراً على المشاركة تخلق توتراً بين موقعه الفعلي والدور المفروض عليه، والأسرة التي تمنحه استقلالاً بلا حدود تخلق توتراً آخر بين الحقوق والمسؤوليات. وفي الحالتين ينشأ الخلل من عدم التناسب بين المكانة والواجبات والتوقعات.

لذلك لا تحتاج الأسرة إلى إنهاء الاختلاف، بل إلى جعله قابلاً للإدارة داخل حدود واضحة. حين يعرف الابن ما يخصه، وما يحتاج إلى تشاور، وما تظل الأسرة مسؤولة عنه، يصبح الاستقلال أكثر ارتباطاً بالمسؤولية وأقل ارتباطاً بالمخالفة. وحين يدرك الوالدان أن تغير موقع الابن لا يعني فقدان مكانتهما، يصبح الانتقال من التوجيه المباشر إلى المشاركة والمشورة امتداداً لدورهما لا تراجعاً عنه.

فالعلاقة الأسرية لا تستقر لأن الأب يحتفظ دائماً بالموقع الأقوى، ولا لأن الابن يحصل دائماً على المساحة الأوسع، وإنما عندما تتناسب الأدوار مع المراحل التي يمر بها أفرادها. وكلما استطاعت الأسرة أن تعيد ترتيب المكانة والسلطة والمسؤولية وفق هذا التغير، تحول الصراع من تنازع على المواقع إلى آلية لإعادة تنظيم العلاقة نفسها. عندها يصبح نضج الأسرة في قدرتها على تغيير أدوارها دون أن تفقد تماسكها، وعلى توسيع استقلال أبنائها دون أن تحول الاستقلال إلى قطيعة.

نصيحتي لكم، اجعلوا الرحمة حاضرة في بيوتكم، فالخلاف ينتهي، أما الكلمة القاسية فقد تبقى في النفس طويلاً. وتعاملوا مع من تحبون بهدوء وتفهّم، واستمعوا إليهم قبل أن تحكموا عليهم، فقد يحتاج الإنسان من أسرته إلى من يفهمه أكثر مما يحتاج إلى من يثبت أنه على حق. احفظوا للوالدين قدرهما، وللأبناء كرامتهم، ولا تجعلوا الخطأ سبباً لإهانة أحد أو قطع الصلة به. فصلة الرحم لا تعني أن تتفقوا في كل شيء، بل أن يبقى الاحترام قائماً حتى مع الاختلاف، وأن يجد كل فرد في أسرته من ينصحه بلطف، ويعفو عن زلته، ويقف إلى جانبه في وقت الحاجة. وتلك من أجمل صور الرحمة التي أراد الله تعالى أن تسكن بين الناس.

***

د. حسام الدين فياض/ باحث وأكاديمي سوري

الأستاذ المساعد في النظرية الاجتماعية المعاصرة

قسم علم الاجتماع كلية الآداب في جامعة ماردين- تركيا

أو حين تتحول الميديوقراطية إلى أسلوب في الحياة اليومية

ليست التفاهة، في معناها الفلسفي العميق، مجرد انحدار في مستوى الذوق أو ضحالة في التفكير، وليست أيضًا صفة يمكن أن نلصقها بسهولة بهذا الشخص أو ذاك. إن السؤال الذي يستحق أن يُطرح، خصوصًا في سياق الحداثة المتأخرة، هو: متى تتجاوز التفاهة حدود السلوك الفردي لتتحول إلى نظام اجتماعي يعيد إنتاج نفسه؟ هنا تحديدًا تكتسب أطروحة الفيلسوف الكندي آلان دونو أهميتها؛ فهو لا ينشغل بالتافهين بوصفهم أفرادًا، بقدر ما يحاول تفكيك الشروط التي تجعل الرداءة قابلة للتطبيع، والسطحية قابلة للتعميم، والمتوسط قابلًا للتحول إلى معيار. ومن ثم فإن كتابه La Médiocratie لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه مجرد هجاء للواقع الثقافي والسياسي، بل باعتباره تشريحًا لنظام اجتماعي تتداخل فيه السياسة والاقتصاد والإعلام والمؤسسات واللغة اليومية، بحيث يصبح الإنسان مطالبًا، في كثير من الأحيان، بأن يكون «مقبولًا» أكثر من أن يكون ناقدًا، ومنسجمًا أكثر من أن يكون مختلفًا.

إن مفهوم الميديوقراطية عند دونو أكثر دقة من مفهوم التفاهة في الاستعمال العربي الشائع؛ لأن médiocratie مشتقة من médiocre، أي المتوسط أو الرديء، ومن cratie، أي الحكم أو السلطة. ولذلك يمكن ترجمتها تقريبًا بـ«حكم المتوسط» أو «سلطة المتوسط». والمقصود ليس أن المجتمع يحكمه أشخاص متوسطو القدرات فحسب، وإنما أن منطق المتوسط نفسه يصبح معيارًا للتنظيم والتقييم والقبول. وحين يصبح المتوسط معيارًا، فإن الاختلاف يبدأ في الظهور بوصفه مشكلة، والعمق بوصفه تعقيدًا، والسؤال النقدي بوصفه تعطيلًا، واللغة الجاهزة بوصفها كفاءة. وهنا لا تعود المسألة متعلقة بغياب الذكاء، وإنما بتكوين بيئة اجتماعية لا تمنح التفكير النقدي شروط ظهوره وانتشاره.

وهذا ما يجعل قراءة دونو قراءةً تتجاوز السياسي المباشر إلى اليومي. فالميديوقراطية لا تعمل فقط في المؤسسات الكبرى، بل تتسلل إلى التفاصيل الصغيرة التي تبدو في ظاهرها محايدة. في اجتماع إداري مثلًا، قد تتكرر عبارات من قبيل «تحسين الأداء»، و«تعزيز التواصل»، و«تفعيل روح الفريق»، و«العمل وفق رؤية جديدة»، بينما تظل المشكلة الحقيقية خارج اللغة المتداولة. وحين يحاول أحدهم أن يطرح سؤالًا جذريًا حول سوء الإدارة أو غياب المسؤولية، قد لا يُطلب منه الصمت صراحة، وإنما يُدفع بطريقة أكثر نعومة إلى التراجع: «كن إيجابيًا»، «لا تعقّد الأمور»، «لنبحث عن حلول عملية». هنا تظهر إحدى أكثر آليات الميديوقراطية خفاءً: إعادة تعريف التفكير النقدي بوصفه سلوكًا غير عملي.

ومن هذه الزاوية يمكن فهم العبارة التي يوردها دونو: «Il faut penser mou et le montrer»؛ أي، بصورة تقريبية، «ينبغي أن نفكر تفكيرًا لينًا وأن نظهر ذلك».¹ لا تكمن أهمية العبارة في بعدها الساخر فقط، وإنما في قدرتها على الكشف عن نمط ثقافي تصبح فيه الصلابة الفكرية مصدر حرج، بينما يتحول التوافق والليونة الفكرية إلى فضيلة اجتماعية. فالمطلوب ليس بالضرورة أن يتخلى الإنسان عن التفكير، وإنما أن يفكر بطريقة لا تزعج النظام القائم، وأن يعرض أفكاره في صورة لا تستفز الإجماع. وهنا تصبح الميديوقراطية شكلًا من أشكال إدارة الاختلاف: لا تمنعك من الكلام، لكنها تؤثر في كيفية كلامك، وفي سقف ما تستطيع قوله، وفي اللغة التي ينبغي أن تستعملها حتى تظل مقبولًا.

والأكثر إثارة في هذا السياق أن سلطة الميديوقراطية لا تحتاج دائمًا إلى أجهزة قمع واضحة؛ إذ يمكن أن تتحول تدريجيًا إلى رقابة داخلية. يعترض الموظف في المرة الأولى، ثم يخفف اعتراضه في المرة الثانية، ثم يعيد صياغته بلغة أكثر حذرًا في المرة الثالثة، إلى أن يصل في النهاية إلى مرحلة يراقب فيها نفسه قبل أن يتكلم. لقد انتقلت السلطة من الخارج إلى الداخل. لم يعد الآخر هو الذي يمنعه من قول ما يريد، وإنما أصبح هو نفسه يعرف مسبقًا ما الذي يمكن قوله وما الذي ينبغي تجنبه. وهنا تتخذ الميديوقراطية صورتها الأكثر عمقًا: أن يصبح الفرد شريكًا في إعادة إنتاج النظام الذي يحد من حريته النقدية.

إن هذا المنطق لا يقتصر على الإدارة والمؤسسة، بل يمكن أن نراه في الجامعة، وفي الإعلام، وفي الفضاء الرقمي، وفي الحياة الثقافية، بل حتى في المحادثات اليومية. يكفي أن يطرح شخص سؤالًا مختلفًا حتى يسمع: «لماذا تعقّد الأمور؟»، «اتركها بسيطة»، «الجميع يفكر هكذا»، «لا داعي لهذه الفلسفة». تبدو هذه العبارات عابرة، لكنها قد تحمل في عمقها موقفًا من التفكير ذاته. فحين تصبح البساطة قيمة مطلقة، يمكن أن تتحول إلى رفض لكل تعقيد ضروري؛ وحين يصبح الإجماع معيارًا للحقيقة، يصبح المختلف موضع شبهة؛ وحين تتحول السرعة إلى فضيلة، يصبح التأمل نوعًا من البطء غير المرغوب فيه.

ومن هنا تتضح العلاقة بين دونو والحياة اليومية. إن «نظام التفاهة» لا يبدأ بالضرورة من الأحداث الكبرى، وإنما قد يبدأ من الطريقة التي نتعلم بها أن نتكلم. اللغة ليست مجرد أداة للتواصل، إنها أيضًا أداة لتشكيل الواقع. فإذا امتلأت المؤسسات بلغة تقنية محايدة تخفي الصراعات الحقيقية، وإذا تحولت السياسة إلى شعارات، وإذا تحول الإعلام إلى استهلاك سريع للمعلومات، وإذا أصبح الفضاء الرقمي يكافئ ما هو قصير ومثير وقابل للتداول، فإن الإنسان يجد نفسه داخل عالم تتراجع فيه قيمة السؤال أمام سرعة الجواب، ويتراجع فيه المعنى أمام قابلية المحتوى للاستهلاك.

وفي هذا المستوى تحديدًا يصبح دونو قريبًا من التأويلية؛ لأن المسألة ليست فقط: ماذا يقول الناس؟ وإنما: ما الذي تكشفه طريقتهم في القول عن النظام الذي يعيشون داخله؟ إن العبارة اليومية البسيطة قد تحمل وراءها بنية اجتماعية كاملة. عندما نقول لشخص «كن واقعيًا»، فقد نقصد أحيانًا العودة إلى الممكن، لكننا قد نقصد أيضًا ألا يذهب بعيدًا في نقد الواقع. وعندما نقول «هذه هي القواعد»، فإننا لا نصف قاعدة فقط، وإنما قد نغلق إمكانية السؤال عن أصلها وشرعيتها. وهكذا يصبح اليومي نصًا يحتاج إلى قراءة، وتصبح العبارات المألوفة علامات ينبغي تفكيكها.

إن خطورة الميديوقراطية تكمن إذن في قدرتها على جعل الإنسان يعتاد ما كان ينبغي أن يرفضه. فالرداءة حين تتكرر تصبح مألوفة، والمألوف حين يطول حضوره يتحول إلى طبيعي، وما يتحول إلى طبيعي يصعب مساءلته. وهنا تظهر وظيفة الفلسفة بوصفها فعلًا لاستعادة الدهشة. الفلسفة لا تأتي لتضيف تعقيدًا مصطنعًا إلى الحياة، وإنما لكي تكشف التعقيد الذي أخفته العادة. إنها تعيد السؤال إلى الأشياء التي فقدت قدرتها على إثارة السؤال فينا.

ولذلك فإن مواجهة نظام التفاهة لا تعني الدخول في حرب أخلاقية ضد «التافهين»، ولا تعني تقسيم المجتمع إلى نخبة ذكية وجمهور غبي؛ فهذا الفهم سيكون تبسيطًا جديدًا للمشكلة التي يحاول دونو تحليلها. المسألة أعمق من ذلك: كيف تُنتج المؤسسات، واللغة، والإعلام، والاقتصاد، والثقافة أنماطًا من السلوك تجعل المتوسط هو القاعدة؟ وكيف يصبح الإنسان، من حيث لا يدري، مشاركًا في هذا الإنتاج؟ إن نقد الميديوقراطية لا ينبغي أن يتحول إلى تعالٍ على الآخرين، وإنما إلى نقد للآليات التي تصنع شروط التفاهة وتمنحها شرعية اجتماعية.

ومن هنا تستعيد الفلسفة وظيفتها في الحياة اليومية. إنها ليست مجرد معرفة تاريخية بأسماء الفلاسفة ومذاهبهم، بل قدرة على مقاومة الاعتياد حين يتحول إلى غفلة، ومقاومة اللغة الجاهزة حين تتحول إلى قناع، ومقاومة الإجماع حين يصبح بديلًا عن التفكير. إن الفيلسوف، في مواجهة الميديوقراطية، لا يملك وصفة جاهزة لإنقاذ العالم، لكنه يمتلك شيئًا أكثر أهمية: القدرة على إبقاء السؤال حيًا. والسؤال الحي هو أول شرخ في جدار التفاهة.

إن آلان دونو، بهذا المعنى، لا يدعونا إلى البحث عن «التافه» في الآخرين، وإنما إلى البحث عن اللحظات التي يمكن أن نصبح فيها نحن أيضًا جزءًا من نظام التفاهة. قد يحدث ذلك عندما نكرر عبارة لا نؤمن بها لأنها الأكثر أمانًا، أو عندما نصمت عن سؤال ضروري خوفًا من أن نبدو مختلفين، أو عندما نختار الإجابة السهلة لأنها أكثر تداولًا، أو عندما نخلط بين النجاح الاجتماعي والجدارة الفكرية. هنا يصبح نقد دونو نقدًا للذات قبل أن يكون نقدًا للمجتمع.

وهكذا يتحول «نظام التفاهة» من مفهوم يصف عصرًا إلى مرآة تكشف طريقة عيشنا داخله. فالمشكلة ليست أن التفاهة موجودة؛ فقد كانت موجودة دائمًا، وإنما أن تصبح التفاهة نظامًا للمعايير، وأن يصبح المتوسط لغةً للنجاح، وأن يصبح الامتثال شرطًا للاندماج، وأن يُنظر إلى الفكر النقدي باعتباره إزعاجًا. وفي مواجهة ذلك، لا تكون مهمة الفلسفة أن تصرخ أعلى من الضجيج، بل أن تستعيد للإنسان قدرته على الإصغاء، وعلى التمهل، وعلى تسمية الأشياء بأسمائها، وعلى اكتشاف المعنى حيث يبدو كل شيء عاديًا.

إن السؤال الحقيقي الذي يتركه لنا دونو ليس: من هم التافهون؟ وإنما: متى تتحول طريقتنا اليومية في الكلام والعمل والتفكير والتعامل مع الاختلاف إلى نظام يكافئ التفاهة؟ عند هذه النقطة يغادر نقد الميديوقراطية حدود الكتاب ليصبح سؤالًا عن الحياة نفسها؛ عن الجامعة، والمؤسسة، والإعلام، والهاتف، والمنصة الرقمية، والمقهى، والشارع، وحتى عن الطريقة التي نصغي بها إلى بعضنا. وهنا تحديدًا تلتقي الفلسفة باليومي: في تلك المسافة الدقيقة بين ما اعتدنا عليه وما ينبغي أن نسأل عنه، بين ما يبدو طبيعيًا وما يخفي نظامًا من القيم، وبين حياة نعيشها بصورة تلقائية وحياة نستعيد فيها، عبر التفكير، حقنا في أن نفهمها .

***

بقلم الدكتور معروفي العيد.

.....................

الهوامش:

يقول آلان دونو: "ما هو جوهر كفاءة الشخص النافذة؟ إنه القدرة على التعرف على شخص ثانٍ آخر، معًا، يدعمون بعضهم بعضًا، فيرفع كلّ منهم الآخر، لتقع السلطة بيد جماعة تكبر باستمرار، لأن الطيور على أشكالها تقع، ما يهم هنا لا يتعلق بتجنب الغباء، وإنما بالحرص على إحاطته بصور السلطة. إذا كان المظهر الخارجي للغباء لا يشبه التقدم، المهارة، الأمل، أو الرغبة الدائمة في التعديل، فإن أحدًا لن يرغب في أن يكون غبيًا، كما لاحظ روبرت موسيل Robert Musil (4)، في مرآة في إخفاء أوجه قصورك في سلوكك ا معتاد، اَدّع دائمًا أنك شخص براغماتي، ولكن مستعدًا للتطوير من نفسك؛ فالتفاهة لا تعني من نقص لا بالقدرة ولا بالكفاءة." آلان دونو، نظام التفاهة، ترجمة وتعليق، د. مشاعل عبد العزيز الهاجري، دار سؤال للنشر لبنان، بيروت، ط1 2020، ص 70.

ينبغي أن يكون المرء قادرًا على تشغيل تطبيقات الحاسب الآلي، مثل استثمار ما من دون شكوى، ترديد عبارات مثل «المعايير العليا لحوكمة الشركات، والمقترح تهم» مع توجيه التحية في الآن ذاته للأشخاص المناسبين. ولكن – وهذا أمر مهم – لا ينبغي القيام بما هو أكثر من ذلك.

إن التفاهة (بالفرنسية médiocrité) هو الاسم الذي يشير إلى ما هو متوسط، تمامًا علمًا تشير كلمات infériorité, supériorité إلى ما هو أعلى وما هو أدنى، ليس هناك فقط لفظ مثل moyenne (التوسط) بالفرنسية. ولكن مصطلح «نظام التفاهة» la médiocratie يفيد المرحلة المتوسطة خلال فعل ينطوي على ما هو أكثر من التوسط؛ إنه يعني هذه الدرجة الوسطى بعد رغبة إلى صفات السلطة. بذلك، فإن «نظام التفاهة» la médiocratie هذا إنما يؤسس لوسيط لا يعود فيه المتعاد هو محض توليد يجزّئ synthesis يسمح لنا بالوقوف على شبه الأمور، بل يصبح هو المعيار الذي ينشطر للخضوع له. وهكذا، فإن المرء يعلن نفسه

– شارك في الحرب الروسية-اليابانية التي وقعت في الفترة من عام 1904 إلى عام 1905.

¹ Alain Deneault, La Médiocratie, Montréal, Lux Éditeur, 2015, p. 35.

² Alain Deneault, La Médiocratie,

أنظر خصوصًا تحليله للميديوقراطية بوصفها نظامًا اجتماعيًا تتداخل فيه السياسة والاقتصاد والثقافة ومؤسسات إنتاج الدولة.

Ibid, pp. 13-15.   3 

هل يستطيع مفهوم «نحن» إنقاذ عالم "الفردانية"؟

 ملخص: يمثل مفهوم أوبونتو (Ubuntu) أحد أبرز المفاهيم التي برزت في الفلسفة الإفريقية المعاصرة، لما يحمله من تصور للإنسان بوصفه كائنًا علائقيًا لا تكتمل إنسانيته خارج علاقته بالآخرين. وترتبط به العبارة الشهيرة: «الشخص شخصٌ من خلال أشخاص آخرين»، وهي صياغة تختزل تصورًا يرى أن الذات لا تتأسس في العزلة، وإنما تتشكل داخل شبكة من العلاقات والاعتراف والتضامن والمسؤولية المتبادلة.

تبحث هذه الدراسة في قدرة فلسفة أوبونتو على تقديم بديل أو تصحيح للأشكال المتطرفة من الفردانية التي طبعت جانبًا من الحداثة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. وتنطلق من إشكالية أساسية مفادها: هل يستطيع مفهوم «نحن» أن يعيد بناء الروابط الإنسانية في عالم يتزايد فيه استقلال الفرد، لكنه يعاني في الوقت نفسه من العزلة والتفكك والاستقطاب؟

وتخلص الدراسة إلى أن أوبونتو لا ينبغي أن يُفهم بوصفه نقيضًا للفرد، ولا بوصفه دعوة إلى إذابة الذات في الجماعة، بل باعتباره تصورًا علائقيًا للشخص يرفض وهم الإنسان المكتفي بذاته، ويعيد تعريف الحرية باعتبارها مسؤولية، والكرامة باعتبارها اعترافًا متبادلًا، والعدالة باعتبارها إعادة بناء للعلاقات الاجتماعية. ومن ثم، فإن أوبونتو لا يقدم «خلاصًا» جاهزًا من الفردانية، لكنه يقدم إطارًا فلسفيًا قادرًا على تصحيح اختلال العلاقة بين «الأنا» و«النحن».

الكلمات المفتاحية: أوبونتو، الفلسفة الإفريقية، الفردانية، العلائقية، الجماعاتية، الشخص، التضامن، العدالة، المصالحة، حقوق الإنسان.

مقدمة

تطرح المجتمعات المعاصرة مفارقة واضحة: فقد أصبح الفرد أكثر استقلالًا وقدرة على الاختيار والتواصل من أي وقت مضى، لكنه أصبح في الوقت نفسه أكثر عرضة للعزلة والتفكك الاجتماعي. فالتحرر من أشكال الوصاية التقليدية، وما صاحبه من صعود قيم الاستقلال والاختيار والحقوق الفردية، يمثل أحد أعظم مكاسب الحداثة؛ غير أن تحويل الاستقلال إلى تصور شامل للإنسان قد يؤدي إلى النظر إليه باعتباره ذاتًا مكتفية بذاتها ومنفصلة عن محيطها الاجتماعي.

في هذا السياق يستعيد مفهوم أوبونتو أهميته الفلسفية؛ إذ ينطلق من تصور مختلف للشخص، قوامه أن الإنسان لا يصبح إنسانًا كاملًا إلا من خلال علاقته بالآخرين. ولذلك فإن السؤال الذي يطرحه أوبونتو ليس فقط: «ما الذي يملكه الفرد من حقوق؟»، وإنما أيضًا: ما طبيعة العلاقات التي تجعل الفرد قادرًا على تحقيق إنسانيته؟

ولا ينبغي، مع ذلك، تحويل أوبونتو إلى صورة مثالية عن «إفريقيا الجماعاتية» في مواجهة «الغرب الفرداني»، لأن هذا التقابل تبسيطي ولا يعكس تنوع الفلسفات الإفريقية أو الغربية. الأهم هو النظر إلى أوبونتو باعتباره إسهامًا فلسفيًا إفريقيًا في نقاش عالمي حول الإنسان والعلاقة والمجتمع.

أولًا: أوبونتو ومفهوم الشخص

يقوم جوهر أوبونتو على تصور علائقي للشخص. فالإنسان ليس فردًا مكتملًا يوجد أولًا ثم يدخل لاحقًا في علاقات مع الآخرين، بل تتشكل شخصيته وهويته وقدرته الأخلاقية داخل العلاقات الاجتماعية.

ومن هنا تكتسب العبارة المرتبطة بأوبونتو، «الشخص شخصٌ من خلال أشخاص آخرين»، دلالتها الأنطولوجية والأخلاقية. فالآخر ليس مجرد موضوع خارجي للواجب الأخلاقي، وإنما عنصر في عملية تشكل الذات ذاتها.

وقد ارتبط هذا التصور في الفلسفة الإفريقية الحديثة بأعمال جون مبِتي، خصوصًا صيغته المعروفة: «أنا لأننا نحن، وبما أننا نحن، فأنا». غير أن الدقة العلمية تقتضي التمييز بين فكر مبِتي العام ومفهوم أوبونتو تحديدًا؛ فمبِتي لم يجعل كلمة Ubuntu محور مشروعه الفلسفي.

ويكشف هذا التصور أن العلاقة بين «أنا» و«نحن» ليست علاقة تعارض بالضرورة، بل علاقة تأسيس متبادل: فالإنسان يحتاج إلى الجماعة لكي يتشكل، والجماعة تحتاج إلى أفراد أحرار لكي تظل جماعة إنسانية.

ثانيًا: أوبونتو في مواجهة الفردانية

لا تعني الفردانية بالضرورة رفض المجتمع، كما لا تعني الجماعاتية احترام الإنسان. ولذلك فإن المقارنة بين أوبونتو والفردانية يجب ألا تتحول إلى ثنائية تبسيطية.

تكمن المشكلة في الفردانية المتطرفة عندما يتحول الفرد من شخص مستقل إلى ذات مكتفية بذاتها، ويصبح الآخر مجرد منافس أو وسيلة لتحقيق المصلحة الشخصية.

يقدم أوبونتو تصحيحًا لهذا التصور من خلال التأكيد على أن الاستقلال لا يعني الانفصال، وأن الحرية لا تكتمل من دون مسؤولية تجاه الآخرين.

ومن ثم يمكن صياغة الاختلاف الأساسي على النحو الآتي:

الفردانية تسأل: ما الذي أستطيع أن أفعله بصفتي فردًا؟

بينما يدفع أوبونتو إلى سؤال إضافي:

ما الذي تصبح عليه إنسانيتي من خلال علاقتي بالآخرين؟

إن قيمة أوبونتو هنا ليست في إلغاء الفرد، بل في نقد وهم الفرد المكتفي بذاته.

ثالثًا: أوبونتو والأخلاق

ينتقل أوبونتو بالأخلاق من التركيز الحصري على الواجب والقانون إلى التركيز على نوع العلاقة الإنسانية التي تنتج عن الفعل الأخلاقي.

فالاحترام، والتعاطف، والرحمة، والكرم، والتضامن ليست مجرد فضائل فردية، وإنما ممارسات تؤسس المجال الذي تصبح فيه الإنسانية المشتركة ممكنة.

وبهذا المعنى، فإن إيذاء الآخر لا يمثل مجرد انتهاك لحقه، بل يفسد أيضًا العلاقة الإنسانية التي تتحدد من خلالها هوية الفاعل نفسه.

لذلك يمكن فهم أوبونتو باعتباره أخلاقًا علائقية تقوم على الاعتراف المتبادل، بحيث لا تكون إنسانية الفرد منفصلة عن إنسانية الآخرين.

رابعًا: أوبونتو والعدالة والمصالحة

اكتسب أوبونتو أهمية سياسية بارزة في جنوب إفريقيا، ولا سيما في سياق الانتقال من نظام الفصل العنصري إلى الديمقراطية.

فقد واجه المجتمع الجنوب إفريقي سؤالًا يتجاوز مجرد تحديد المسؤولين عن الجرائم: كيف يمكن لمجتمع ممزق بالعنف والتمييز أن يعيد بناء إمكانية العيش المشترك؟

هنا ارتبط أوبونتو بفكرة المصالحة، وبخاصة في السياق الذي أحاط بلجنة الحقيقة والمصالحة. وقد ظهر المفهوم في الإطار الدستوري الانتقالي لجنوب إفريقيا سنة 1993 ضمن اللغة السياسية المرتبطة بإعادة بناء المجتمع والوحدة الوطنية.

وتكشف هذه التجربة أن العدالة لا يمكن اختزالها دائمًا في العقاب؛ فقد تحتاج المجتمعات الخارجة من الصراعات إلى استعادة الثقة والاعتراف بالضحايا ومواجهة الذاكرة وإعادة بناء العلاقات.

لكن المصالحة الأوبونتوية لا ينبغي أن تعني النسيان أو الإفلات من المسؤولية. فالسلام الذي يقوم على إنكار الحقيقة ليس مصالحة، وإنما إخفاء للصراع.

وعليه:

الحقيقة شرط للذاكرة، والذاكرة شرط للعدالة، والعدالة أساس لإمكان المصالحة.

خامسًا: أوبونتو وحقوق الإنسان

تطرح فلسفة أوبونتو مشكلة أساسية تتعلق بالتوازن بين الجماعة والفرد.

فإذا أصبحت الجماعة القيمة العليا، فقد تتحول «المصلحة الجماعية» إلى مبرر لقمع الفرد أو الأقلية. ولهذا انتقد بعض الفلاسفة إمكان توظيف أوبونتو بطريقة تجعل واجبات الفرد تجاه الجماعة تتقدم على حقوقه وحرياته.

غير أن هذا الاعتراض لا يستنفد إمكانات المفهوم.

يمكن قراءة أوبونتو بطريقة تجعل كرامة الفرد جزءًا من كرامة الجماعة. فالجماعة التي تهين أفرادها لا يمكن اعتبارها جماعة متحققة للإنسانية.

ومن ثم فإن التوفيق بين أوبونتو وحقوق الإنسان لا يتطلب الاختيار بينهما، وإنما إعادة صياغة العلاقة بينهما:

الحقوق تحمي الفرد من الجماعة، وأوبونتو يذكّر الجماعة بأن حماية الفرد جزء من إنسانيتها.

سادسًا: أوبونتو والعالم المعاصر

تتجاوز أهمية أوبونتو المجال الفلسفي الإفريقي إلى عدد من القضايا المعاصرة.

ففي العالم الرقمي، أصبح الإنسان أكثر اتصالًا بالشبكات وأقل اتصالًا بالعلاقات الإنسانية العميقة. وفي الاقتصاد، يمكن أن تتحول المنافسة إلى فلسفة للحياة تجعل قيمة الإنسان مرتبطة بالإنتاج والاستهلاك والنجاح الشخصي. وفي السياسة، يؤدي الاستقطاب إلى تحويل المختلف إلى عدو بدل اعتباره شريكًا في المجال العام.

في هذه السياقات يقدم أوبونتو مبدأً نقديًا بسيطًا وعميقًا:

لا تقاس قيمة المجتمع بعدد أفراده، بل بجودة العلاقات التي تربط بينهم.

ويمكن تطبيق هذا المبدأ أيضًا على التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي؛ إذ لا يكفي أن تكون التقنية أكثر كفاءة، بل ينبغي أن نسأل عما إذا كانت تجعل الإنسان أكثر قدرة على التعاطف والتعاون والعيش المشترك.

سابعًا: حدود فلسفة أوبونتو

رغم قوتها الأخلاقية، تواجه فلسفة أوبونتو عددًا من التحديات.

أولها خطر الرومانسية الثقافية، أي التعامل مع أوبونتو بوصفه حكمة إفريقية مثالية خالية من التناقضات التاريخية.

وثانيها خطر التعميم الحضاري؛ فلا توجد فلسفة إفريقية واحدة، كما لا توجد فلسفة غربية واحدة.

وثالثها خطر الجماعاتية القسرية، حيث يمكن أن تتحول أولوية الجماعة إلى تبرير لقمع الاختلاف.

ورابعها مشكلة السلطة: من يحدد ما هو «خير الجماعة»؟

لذلك لا يمكن لأوبونتو أن يحل محل المؤسسات الديمقراطية والقانون وحقوق الإنسان. بل ينبغي أن يعمل بوصفه مبدأً أخلاقيًا مكمّلًا لها.

ثامنًا: نحو تركيب بين «أنا» و«نحن»

تبدو القيمة الفلسفية الأعمق لأوبونتو في رفضه الاختيار بين الفرد والجماعة.

فالمشكلة ليست في وجود «أنا»، بل في الاعتقاد بأن «أنا» تستطيع الوجود دون «نحن».

وبالمقابل، ليست المشكلة في وجود «نحن»، بل في تحويله إلى كيان يبتلع الأفراد ويمنع اختلافهم.

ومن هنا يمكن اقتراح صيغة تركيبية:

أنا حر، لكنني لست منفصلًا.

نحن متضامنون، لكننا لسنا متطابقين.

إن «النحن» الذي يدافع عنه أوبونتو ليس مجموعًا حسابيًا للأفراد، بل فضاءً من الاعتراف المتبادل والمسؤولية المشتركة.

خاتمة

لا يستطيع أوبونتو أن «ينقذ العالم» من الفردانية بمعنى تقديم نظام فلسفي أو سياسي شامل يحل جميع أزمات الحداثة. كما أن القضاء على الفردانية ليس هدفًا أخلاقيًا في ذاته؛ فالاستقلال والحرية والحقوق الفردية تمثل مكاسب أساسية لا ينبغي التضحية بها باسم الجماعة.

لكن أوبونتو يقدم تصحيحًا فلسفيًا بالغ الأهمية: الإنسان ليس ذاتًا مكتفية بذاتها، بل شخص يتشكل داخل العلاقات.

ومن هنا تكمن أهمية مفهوم «نحن».

فـ«نحن» لا ينبغي أن يكون نقيضًا لـ«أنا»، بل شرطًا لإنسانيتها. والهدف ليس استبدال الفرد بالجماعة، وإنما بناء علاقة متوازنة تجعل الفرد حرًا والجماعة إنسانية.

وعليه، يمكن صياغة النتيجة المركزية للدراسة في العبارة التالية:

الفردانية بلا علاقة قد تتحول إلى عزلة، والجماعاتية بلا حرية قد تتحول إلى استبداد؛ أما أوبونتو فيقترح تصورًا ثالثًا: شخصًا حرًا لا يكتمل إلا داخل شبكة من العلاقات والمسؤوليات المتبادلة.

ومن هذا المنظور، فإن السؤال الحقيقي ليس: هل يستطيع «نحن» إنقاذ العالم من «أنا»؟ بل:

هل نستطيع أن نبني «نحن» يحمي «أنا»، و«أنا» يثري «نحن»؟

ربما تكمن الإجابة الأعمق التي تقدمها فلسفة أوبونتو في أن إنقاذ الإنسان لا يمر بإلغاء الفرد، ولا بتقديس الجماعة، وإنما بإعادة اكتشاف حقيقة بسيطة وعميقة: أن إنسانيتنا ليست ملكية فردية، بل علاقة مشتركة.

***

أ. مجيدة محمدي – تونس

.........................

المراجع الأساسية:

مبيتي، جون س. الأديان والفلسفة الإفريقية. نيروبي: الناشرون التعليميون لشرق إفريقيا.

راموس، موغوبي ب. (1999). الفلسفة الإفريقية من خلال الأوبونتو. هراري: منشورات موند.

شوت، أوغسطين (2001). الأوبونتو: أخلاق من أجل جنوب إفريقيا جديدة. بيترماريتسبورغ: منشورات كلاستر.

إيزي، مايكل أونيبوكي. الأوبونتو: استجابة جماعاتية للفردانية الليبرالية؟ جامعة بريتوريا.

ميتز، ثاديوس (2007). «نحو نظرية أخلاقية إفريقية». مجلة الفلسفة السياسية، المجلد 15، العدد 3، ص 321–341.

غادي، كريستيان ب. ن. (2012). «ما الأوبونتو؟ تأويلات مختلفة لدى مواطني جنوب إفريقيا من أصول إفريقية». المجلة الجنوب إفريقية للفلسفة، المجلد 31، العدد 3.

أويوي، أنتوني أو. (2013). «رفقاء سرير غريبون: إعادة التفكير في الأوبونتو وحقوق الإنسان في جنوب إفريقيا». مجلة القانون الإفريقي لحقوق الإنسان، المجلد 13، العدد 1، ص 103–124.

أنداندا، باميلا، ودوفيل، ماركوس (2024). «الأخلاق الفردانية في مقابل الأخلاق العلائقية: مفهوم قابل للجدل في الفلسفة (الإفريقية)». النظرية الأخلاقية والممارسة الأخلاقية.

موروف، مونيارادزي فيليكس. «الأوبونتو». ديُوجين.

إيسان، سولومون. «الأوبونتو بوصفه أخلاقًا اجتماعية». كوناتوس – مجلة الفلسفة.

سيل، ويد (2026). «الأومونتو المتكوّن في العلاقة: مقاربة شخصية للأوبونتو». مجلة فلسفات العالم.

جمهورية جنوب إفريقيا (1993). دستور جمهورية جنوب إفريقيا، القانون رقم 200 لسنة 1999.

 

حوّل دولوز ميتافيزيقا لايبنتس (فيلسوف وعالم رياضيات الماني 1646-1716) المنظّمة واللاهوتية الى فلسفة ديناميكية للحركة من خلال مفهوم واحد وهو مفهوم: الطية (The Fold)، يتداخل فيه الداخل والخارج الى ما لانهاية. هنا دولوز يطوي لاييبنتز عبر تحويل نظام عقلاني الى فلسفة ديناميكية تقوم على تكاثر الطيات.(1)

قرر دولوز ان "يطوي لايبنز الى نصفين" لكن عندما طواه، كان عليه ان يطويه مرة أخرى وأخرى الى ان تنتج كل طية المزيد من الطيات. التجعيد اللامتناهي، الذي كان نظام لايبنتز العقلاني عرضة له، فجأة أنتج العديد من الطيات الأنيقة بعدد الزوايا المجعدة والتناقضات المثمرة التي نتجت عنها. ومع تراكم الطيات والتجاعيد، أصبح من الصعب رؤية الاختلاف بين داخل السطح وخارجه. مما أدى الى إيجاد خلق رهيب (الطية).

لجأ دولوز الى لايبنتز لأن الفيلسوف الميتافيزيقي الأكثر انتظاما كان هو الأصعب في الطي، كما يتضح في لوحة لاييبنتز (هايد اويرباخ.)

وبسبب عبقريته الفذة، قد يقول قائل ان قراءة غير تقليدية لتاريخ الفلسفة جعلت دولوز وبلا شك ينال وسامه كمفكر مثير. تفسيره لسبينوزا وهيوم ونيتشه وبرجسون يمكن وصفه بالمنتج والمنفتح.

هو وصف طريقته في يوم ما كنوع من " الإنجاب المعجزة"(2): يقترب من المفكر من الخلف، ينتج شيئا ما هو بالتأكيد من نسل المفكر لكنه غريب الشكل ومثير للدهشة وغير متوقع ابدا. أفكاره تتجاوز دائما حدود الملخص والتعليق. ديلوز يحاول دائما سحب شيء ما جديد، وبالذات مفهوم، بطريقة تسمح له بصياغة شيء غير مرئي، ولم يُسمع به من هذه الشخصية التاريخية او تلك.

هذا يجعل اهتمام دولوز المطول بلايبنتز مصدر إلهام كبير. نُشر كتاب (الطية: لايبنتز وفن الباروك) عام 1988 وهو أهم تعامل له مع فيلسوف منفرد. الكتاب يمتد عبر الميتافيزيقا والرياضيات والموسيقا والبناء المعماري والرسم. مركز هذا الخطاب يحتله مفهوم يستخدمه دولوز على طول النص ألا وهو مفهوم "الطية".

لكن لماذا اختار دولوز لايبنتز؟ كان لايبنز ودون شك الأقل ترجيحا للاختيار الديلوزي نظرا للاسلوب العام للتفلسف الذي اتبعه. لايبنز، خلافا للمفكرين الآخرين الذين اختارهم ديلوز، هو ميتافيزيقي متعمق وثيولوجي أيضا. إله لايبنز يختلف جدا عن إله سبينوزا. المونادات اللايبنزية (3) كل واحد منها بسيط وهي جواهر لاتقبل القسمة ومرايا تعمل أشبه بحلقات في سلسلة محددة تماما للكون. التناغم المسبق التكوين يضمن ان جميع المنظورات المختلفة للعالم تنسجم بشكل تام. كل موناد يعمل بذاته في خط من الفاعلية مثل الجندي. هناك بناء هرمي متميز وثيولوجي، وثقة عقلانية أساسية في فهم كل الأشياء. هذا يبدو وكأنه نظام فلسفي لعدو لدود وليس تأثيرا على دولوز.

الطية هي ليست شكلا وانما عملية تحوّل الخارج الى الداخل. بعض التعريفات السلبية للطية يمكن ان تقدم نقطة بدء جيدة. الطية لايمكن اختزالها الى شكل او رقم. ان اول صورة ذهنية حدسية يمكن ان تخطر ببال المرء هي صورة الورق المجعد او ثنيات الستائر. وبالمعنى الدقيق، هذه الارتباطات ليست خاطئة. لكن ربما المظهر الأكثر أهمية للطية هو التفكير فيها ليس كأسم وانما كفعل، كفعالية او عملية. الطية تشير الى الطريقة التي تنظم بها المادة والفكر نفسيهما.

ان فكرة الطية تعلن عن العلاقات بين الداخل والخارج. في العادة، نحن نفكر في الباطن والظاهر كمناطق متميزة منفصلة بحدود واضحة او غامضة نوعا ما. جلد الكائنات الحية هو مثال واضح. الجدار هو مثال واضح بشكل مؤلم. في كل حالة، يحدد الداخل والخارج أنواعا مختلفة من الحيز. لكن بالنسبة للايبنز، الموناد، مثلا، هو نوع من الكينونة ليس فيه نوافذ، لاشيء يمر للداخل او الخارج. انه، منافي للبديهية، داخلية خالصة. داخلية ليس لها خارج، وبهذا المعنى، هي تشمل داخلية الخارج.

الموناد المنفرد يحتوي على كل الكون. كل موناد يحمل في طياته تمثيلا للخليقة بأسرها. داخل الموناد هو العالم الخارجي، انه مطوي نحو الداخل ومضغوط ومفهوم ضمن منظور متفرد تماما. هذا ما يسميه دولوز الطية: العملية التي بواسطتها يتم استبطان الخارجانية. ذلك بدون ان تُختزل الى حالة من التماثل، والتي بواسطتها تكون الداخلية دائما كشكل من التعبير يُوجّه أيضا نحو الخارج. الداخل يصبح خارجا. الطية لا تلغي الفرق بين الداخل والخارج، انها تحوّل الامر الى مسألة تتعلق بالدرجة والاتجاه.

بالنسبة لدولوز، الباروك ليس أسلوبا وانما طريقة تفكير في الثنايا او الطيات. العنوان الفرعي لكتاب دولوز (لايبنز والباروك) هو مميز. أولا، دولوز لا يتعامل مع الباروك بوصفه حقبة تاريخية او أسلوبا فنيا يشكل مجرد بيئة او صدفة تحيط بفلسفة لايبنز. بالنسبة لدولوز، الباروك هو مفهوم فلسفي. هو تأثير مهيكل للمادة والفكر يجد تعبيره الفلسفي مع لايبنز. الامر ليس ان الباروك أثّر في لايبنتز بل انه جسّده.

بالنسبة لدولوز، الزخرفة والفيض والطابع المسرحي او غيرها من المفاهيم المألوفة المرتبطة بالكلمة هي ليست السمات المحددة للباروك. انها الطية. الطية هي الباروك. فن الباروك يتسم بأسطح ترفض التسطح flatness. مساحات الباروك تبقى منفتحة على فضاءات أخرى، تطوى كما لو انها بلا نهاية، والفرق بين الداخل والخارج يبدأ بالانهيار. الضوء يتغير بشكل فوضوي، انه لا يضيء بانتظام، بل يقوم بهذا اختياريا ودراماتيكيا، يخلق مناطق من انعدام التمايز.

الباروك لا يحوّل التوترات الى آلية توازن مستقر. انه يضاعفها ويفاقمها. فلسفة لايبنز تعمل طبقا لهذا المنطق بالضبط. التعددية المعقدة للتوترات التي لا يمكن حلها تستمر في إعادة انتاج نفسها الى ما لانهاية عبر ثنائيات مفاهيمية: الاستمرارية والتفرد، المادة والروح، قابلية المادة للانقسام الى ما لانهاية مقابل عدم قابلية الموناد (الوحدة الجوهرية) للانقسام. يحتفظ لايبنز بكل هذه العناصر ضمن نظام معقد، متعدد الطبقات. يتألف الصرح الميتافيزيقي من طابقين هما الطابق المادي في الأسفل والطابق الروحي في الأعلى، وهما ينطوي احدهما على الآخر.

 من المهم جدا للفلاسفة ان الباروك هو طريقة في التفكير. وسيلة للفكر يمكن إعادة تفعيلها اليوم. تشير الفصول الأخيرة من كتاب الطية الى هذا الاحتمال بالذات. شكل من "باروك جديد" يمكن فيه انقاذ العمارة اللايبنتزية وتخليصها من دلالاتها اللاهوتية.

بقية المحاضرات في هذه السلسلة تتعقب الخيوط الرئيسية لإنشغال دولوز مع لايبنز، منتقلا من الأكثر عمومية الى الأكثر تحديدا من الناحية التقنية. ماهو الباروك؟ (دولوز و لايبنز حول الأسلوب والفكر) سوف يقدم عرضا مفصلا للمفهوم الفلسفي للباروك.

ماذا يعني القول ان الأسلوب الجمالي هو أيضا طريقة للتفكير؟ كيف يبني دولوز الباروك من المبادئ الأولى بدلا من مجرد استعارة المفردة من تاريخ الفن؟ وما هي العلاقة بين المعمار الميتافيزيقي للايبنز والمنطق المرئي والمكاني للعمارة والرسم الباروكيين؟ دولوز حوّل موناد لايبنز الخالي من النوافذ الى فضاء مطوي يحمل الحجة الميتافيزيقية الرئيسية.

المعيار، القراءة اللادولوزية لموناد لايبنز يؤكد الانغلاق وخلوه من النوافذ، وترتيبه الهرمي في ظل التناغم الذي أقامه الله سلفا. إعادة صياغة دولوز تحوّل هذه الصورة بشكل هام، لأن الموناد يتحول من كونه وعاء مغلقا ليصبح أقرب الى حيز مطوي. وبذلك يصبح الادراك تعبيرا نشطا عن العالم، ومستندا الى منظور معين بدلا من مرآة سلبية. المقالة ستركز على تلك الفائضية الدولوزية الدقيقة التي تخالف القراءة السائدة. لا حاجة للقول، ان ملائمتها الفلسفية وانتاجيتها سيتم ابرازها تحت خط واضح.

المقالة الرابعة، عوالم يتعذر جمعها: دولوز حول لايبنز والإمكانية، تعالج واحدة من أهم اللحضات الفارقة الدقيقة فلسفيا في الطية. يرى لايبنز ان العوالم التي يتعذر جمعها هي عوالم لايمكن ان توجد في نفس الوقت. لقد خلق الله عالما واحدا ممكنا دون سائر العوالم الأخرى. يطرح دولوز السؤال: ماذا سيحدث لهذا الاطار عندما ينظر له المرء بدون بنية فوقية ثيولوجية؟ ماذا لو كانت العوالم المتعذر جمعها، هي في الحقيقة متعايشة؟ هذه المرة، ليس كمنافسين لإختيار الاله وانما كسلسلة متباينة بشكل متزامن حقا. هذه الخطوة تندرج ضمن نفس المجال الذي تربطه الميتافيزيقا النمطية التحليلية بالعوالم المحتملة، رغم ان خطوة دولوز تتعارض مع الافتراض اللايبنتزي القائل بان العوالم الممكنة تتنافس على واقع واحد.

الطية لا تزال هامة لأنها تسمح لنا في التفكير بعالم بدون حدود ثابتة. ان مواجهة دولوز مع ليبنز تنتقل فوق التعليق التاريخي. انها إنعاش عنيف راديكالي، وفلسفة قائمة بذاتها لا تقل عنه شأنا. كونه جرّد لايبنز من ركائزه الثيولوجية الصارمة، الإله الشامل لكل شيء، والكون المتناغم بدقة، يؤسس دولوز فلسفة ديناميكية للحركة. الطية تعيد الدخول الى ساحة معركة الميتافيزيقا وتاريخ الأفكار كآلية تحدد وتنظم الحياة والفكر. خارج يُسحب للداخل، يُضغط، ويُعبر عنه باندفاع الى الامام، كمنظور فريد.

وكما تُظهر المقالات التالية في السلسلة، ان المواد المتشعبة والبناء المعماري الميتافيزيقي للباروك الدولوزي – اللايبنزي ينطوي على تداعيات واسعة النطاق. انها، ان لم تكن حيوية، فهي تصبح على الأقل سلاحا أصليا مفيدا لإعادة النظر في طبيعة الواقع المعاصر.

من خلال تتبع مسار التحول من المساحات الدرامية المليئة بالظلال في عصر الباروك، مرورا بالداخلية اللامتناهية للموناد، وصولا الى التعايش المذهل بين عوالم متعددة ومتضاربة، نكتشف نموذجا فكريا قد يكون ملائما تماما لحداثتنا المجزأة. هذا على الأقل هو الوعد غير المتواضع للتيار النيو- باروكي الدولوزي. انه يبدو بالفعل ان الطفل اللايبنتزي الذي نقلته قراءة ديلوزية الى القرن العشرين هو بالضبط ما أراده: مخيفة ومبتكرة بشكل مفيد. اذا كنا ندرب انفسنا للتفكير من خلال منطق الطية، ربما نتوقف عن البحث عن حدود ثابتة حيث لا توجد أي حدود ولا ينبغي ان تكون هناك حدود. طبقا لذلك، يمكننا ان نتوقف عن النظر الى الكون على انه مجموعة من المونادات الخالية من النوافذ، ونبدأ في النظر اليه على انه سطح واحد مطوي على نفسه الى ما لانهاية.

***

حاتم حميد محسن

.........................

References: The collector, Sep 29, 2026

الهوامش

(1) ان مفهوم دولوز للطية، جرى استطلاعه بكثافة في كتابه (الطية: لايبنتز والباروك) في اطار فلسفي يفترض ان الكون لم يُصنع من مبادئ ثابتة، وانما من عمليات مستمرة ومتدفقة للمادة والفكر تلتوي وتطوى وتنتشر بلانهاية. بدلا من رؤية العالم منقسما الى قطع منفصلة مثل (الذهن مقابل الجسد او الداخل مقابل الخارج)، دولوز يرى ان كل شيء مترابط في نسيج مستمر من طيات لا متناهية.

(2) وصف الفيلسوف الفرنسي جيل دولوز طريقة قرائته لتاريخ الفلسفة بانها تشبه "الإنجاب المعجزة"، بمعنى انه يأتي المؤلف من الخلف لينجب معه طفلا يكون حقا لذلك المؤلف، ولكنه في الوقت ذاته طفل "مسخ" غريب ومختلف كليا. هذا يعني انه لا يزوّر أفكار الفلاسفة ولا ينسب لهم ما لايقولوه "ابن شرعي". لكن دولوز عبر الانزلاقات والانزياحات والتفاصيل الخفية يغير شكل الفكرة تماما ويضعها في سياق حركي جديد لم تكن عليه من قبل مما يؤدي الى خلق مولود فكري عجيب ومبتكر. يرى دولوز ان الممارسة الفلسفية الحقة هي فعل ابداعي خلاق يعيد اخراج الأفكار ويبعث بها الحياة بطرق غير مألوفة.

(3) كلمة موناد monad تأتي من الكلمة اليونانية monas وتعني "وحدة" او "التي هي واحد". موناد لايبنتز هو المادة الأساسية غير المادية والغير قابلة للانقسام التي تشكل الواقع. وبلغة مبسطة، نظر لايبنتز للموناد باعتباره "الذرات الحقيقية للطبيعة" ولكن خلافا للذرات المادية، هي كينونات غير مادية تماما، تشبه العقل كمراكز للقوة والطاقة.

مقدمة: يظل السؤال عن الصراع الأبدي بين الخير والشر من أكثر الأسئلة إلحاحاً في التجربة الإنسانية والتأمل الفلسفي. فهو لا يُطرح بوصفه لغزاً نظرياً مجرداً فحسب، بل بوصفه تعبيراً عن معاناة متكررة ووعي أخلاقي لا ينقطع. الخير يُطلب ويُرجى ويُمدح، والشر يُقاوم ويُشجب ويُخشى، ومع ذلك يستمر التوتر بينهما عبر الأفراد والعصور والمؤسسات. المقاربة الفلسفية الإيتيقية لا تكتفي بوصف هذا الصراع أو بردّه إلى أسطورة أو إلى قوة كونية خارجية، بل تسعى إلى فهم شروط إمكانه وبنيته ودلالته بالنسبة إلى الحرية والمسؤولية والوجود الإنساني نفسه. لماذا لا ينتهي هذا الصراع؟ وهل أبديته علامة على نقص جذري في العالم أم على شرط أصيل في الكائن الأخلاقي؟ لذلك يبدو السؤال عن الصراع الأبدي بين الخير والشر بديهياً في ظاهره، مستنداً إلى تجربة متكررة من المعاناة والاختيار والمقاومة. غير أن المقاربة الاستشكالية تكشف أن هذا السؤال محمّل بافتراضات غير شفافة، وأن كل إجابة عنه تفتح إشكاليات جديدة أعمق من الإشكال الأصلي. فهل الصراع «أبدي» حقاً أم أن الأبدية إسقاط على تكرار تاريخي محدود؟ وهل «الخير» و«الشر» مقولتان ثابتتان تسمحان بالحديث عن صراع واحد ممتد، أم أنهما يعاد بناؤهما باستمرار بحيث يتغير موضوع الصراع نفسه؟ وهل تفسير الصراع بشرط إنساني دائم يحل الإشكال أم يعيد إنتاجه في صورة قدر لا يُمس؟ هذه الأسئلة تحول الاستفهام من طلب علة إلى مساءلة لبنية السؤال ذاته. فهل يمكن انهاء الصراع التاريخي بين الخير والشر؟ والى أي مدى يكون العنصر الثاني ضروريا لوجود العنصر الأول كضد له؟

إشكالية الأبدية: تكرار أم بنية أم إسقاط؟

أول الإشكاليات تتعلق بمفهوم الأبدية نفسه. القول بصراع أبدى يفترض امتداداً لا نهائياً أو على الأقل امتداداً يفوق كل تحقق تاريخي جزئي. لكن ما الذي نشاهده فعلاً؟ نشاهد تكراراً لأنماط من العنف والظلم والخيانة والتضامن والمقاومة عبر عصور مختلفة. هل يكفي التكرار ليثبت الأبدية؟ التكرار قد يكون ناتجاً عن شروط اجتماعية متشابهة أو عن محدودية الموارد أو عن بنيات سلطة تعيد إنتاج نفسها، لا عن ضرورة أنطولوجية لا تنفك. إذا كانت الأبدية مجرد اسم لتكرار لم ينقطع حتى الآن، فإنها تظل مفتوحة على إمكان الانقطاع المستقبلي، وتفقد طابعها الحتمي. وإذا كانت الأبدية بنية لازمة للكائن الأخلاقي أو للوجود نفسه، فإنها تتحول إلى حكم ميتافيزيقي يصعب إثباته من داخل التجربة الزمنية. كيف نميز بين ما لم ينته بعد وما لا يمكن أن ينتهي؟ الملاحظة التاريخية لا تكفي للحسم، والتأمل في الشرط الإنساني كثيراً ما يخلط بين ما هو عميق وما هو ضروري بالمعنى الصارم. الأبدية تبدو هنا أقرب إلى حكم تأملي منه إلى استنتاج مضبوط، وكل تفسير يستند إليها يحمل هشاشة هذا الحكم.

إشكالية استقرار مقولتي الخير والشر

الحديث عن صراع بين الخير والشر يفترض أن الطرفين يحتفظان بهوية كافية عبر الزمن والسياقات. غير أن ما يُعد خيراً في ثقافة أو عصر قد يُعد شراً في ثقافة أو عصر آخر، أو على الأقل يُعاد تقييمه جذرياً. العبودية، والقصاص الوحشي، والإقصاء باسم الطهارة، والتضحية بالفرد من أجل صورة متخيلة للكل، كلها نُظر إليها في سياقات معينة بوصفها مشروعة أو حتى واجبة، ثم أصبحت موضوعات إدانة أخلاقية واسعة.هل يعني ذلك أن الصراع الأبدى هو صراع بين مقولتين ثابتتين، أم بين تسميات متحولة تُلصق بمضامين متغيرة؟ إذا كانت المقولتان ثابتتين، احتجنا إلى معيار متعالٍ يحدد الخير والشر باستقلال عن السياقات، وهو معيار يصعب تبريره دون الوقوع في دوغمائية أو في تجريد يفرغ الأخلاق من كثافتها التاريخية. وإذا كانت المقولتان متحولة، فإن الحديث عن «الصراع نفسه» عبر التاريخ يصبح إشكالياً: ما الذي يتصارع حقاً إذا كان طرفا الصراع يعاد تعريفهما باستمرار؟ قد لا يكون هناك صراع أبدى واحد، بل سلسلة صراعات متباينة تُروى لاحقاً بوصفها فصلاً من قصة واحدة.

إشكالية المصدر: طبيعة أم حرية أم بنية أم سرد؟

التفسيرات الشائعة للصراع تتوزع على مصادر متقابلة، وكل مصدر يفتح ثغرة. إن نُسب الصراع إلى طبيعة إنسانية مزدوجة أو فاسدة، بدا التفسير حتمياً وقرُب من تبرير ما هو قائم بوصفه قدراً. وإن نُسب إلى الحرية، أصبح الخير والشر إمكانين مفتوحين، لكن الأبدية غدت مرتبطة باستمرار الحرية لا بضرورة الصراع نفسه، وظل السؤال قائماً: لماذا تميل الحرية مراراً نحو أشكال من الانغلاق أو الأذى؟ وإن نُسب إلى بنيات اجتماعية واقتصادية ورمزية، بدا الصراع تاريخياً وقابلاً للتحول مع تحول البنيات، فضعفت دعوى الأبدية. وإن نُسب إلى السرديات التي تنظم التجربة عبر ثنائية الخير والشر، ظهر احتمال أن يكون الصراع نفسه أثراً لإطار تأويلي يعيد إنتاج الانقسام بدلاً من مجرد وصفه. كل تفسير يضيء جانباً ويترك جانباً آخر معتمداً. الطبيعة تفسر التكرار لكنها تهدد بإفراغ المسؤولية. والحرية تحفظ المسؤولية لكنها لا تفسر بسهولة انتظام أنماط الشر. والبنية تفسر الانتظام التاريخي لكنها قد تختزل الفاعل إلى أثر. والسرد يفضح القوة الإنتاجية للخطاب لكنه قد يهوّن من واقع الألم والظلم بوصفهما مجرد تسميات. الإشكال أن السؤال عن «لماذا» يطلب علة موحدة، بينما الظاهرة تبدو متعددة الطبقات، وكل علة أحادية تُسطحها.

إشكالية الشر بوصفه طرفاً في الصراع

الصراع يفترض طرفين متقابلين. لكن ما وضع الشر أنطولوجياً وإيتيقياً؟ إن عُدّ الشر مبدأ إيجابياً نداً للخير، اقتربنا من ثنوية تجعل الوجود منقسماً إلى أصلين متصارعين، وهو تصور يثير صعوبة في فهم الوحدة أو في تأسيس معيار للترجيح دون افتراض مسبق لانتصار أحد الطرفين. وإن عُدّ الشر نقصاً أو غياباً للخير، أصبح الصراع غير متكافئ في بنيته: كيف يصارع الغياب الحضور، وكيف يفسر النقص شدة التنظيم أحياناً في الأفعال والأنظمة المدمرة؟ وإن عُدّ الشر أثراً لعلاقات أو لاختيارات أو لشروط، فقد طابع الطرف المستقل، وتحول الصراع إلى توتر داخل مجال واحد لا إلى صدام بين مجالين. هذه الصعوبة تنعكس على دعوى الأبدية. فصراع بين مبدأين متكافئين يمكن تصور استمراره بلا نهاية. أما صراع بين كمال ونقص، أو بين نظام واختلال، فيميل منطقياً إلى ترجيح إمكان الحسم، حتى لو تأخر. الإبقاء على الأبدية مع الإبقاء على عدم تكافؤ الطرفين يولد توتراً داخلياً في التفسير: إما أن يُرفع الشر إلى مرتبة مبدأ شبه مستقل فتقترب الثنوية، وإما أن يُخفض إلى نقص فتصبح الأبدية أقل بداهة.

إشكالية الوعي بالصراع وإنتاجه

هل الصراع بين الخير والشر موجود أولاً ثم يُوعى به، أم أن إطار الوعي الثنائي يسهم في إنتاجه وتعزيزه؟ المقاربة الاستشكالية تضع هذه الدائرية في الواجهة. فالثقافات التي تنظم العالم وفق ثنائية حادة للخير والشر تميل إلى تصنيف الأفعال والجماعات والمؤسسات ضمن أحد القطبين، وبذلك تخلق شروطاً لصراع يتغذى على التصنيف نفسه. العدو يُشيطن، والذات تُطهَّر، والحلول الوسط تُرفض بوصفها تواطؤاً، فتتسع دائرة الصراع بدلاً من أن تُدار. في المقابل، إنكار الثنائية أو النسبية المطلقة قد يضعف القدرة على تسمية الظلم ومقاومته، فيتحول الحذر من الثنائية إلى عجز أخلاقي. الإشكال أن الإطار الذي يسمح برؤية الصراع ومواجهته هو نفسه الإطار الذي قد يضخمه ويؤبده رمزياً. الوعي بالصراع ليس شفافاً؛ فهو جزء من آليات اشتغاله. وبالتالي فإن السؤال «لماذا يوجد صراع أبدى؟» قد ينقلب إلى سؤال آخر: إلى أي حد يسهم سؤالنا نفسه، بصيغته الثنائية والأبدية، في تثبيت ما يسعى إلى تفسيره؟

إشكالية الفعل في ظل دعوى الأبدية

إذا سُلم بأن الصراع أبدى، فما دلالة الفعل الأخلاقي؟ الأبدية قد تُفهم بوصفها دعوة إلى اليقظة الدائمة: ما دام الشر يعود بصور جديدة، وجبت المقاومة المتجددة. لكنها قد تُفهم أيضاً بوصفها ظل قدر يفرّغ الإنجازات الجزئية من معناها: إن كان الصراع لا ينتهي، فلماذا الجهد؟ الانتقال من المعنى الأول إلى الثاني سهل، وخصوصاً في لحظات الإرهاق أو اليأس التاريخي. هنا تظهر إشكالية إيتيقية دقيقة. فالتفسير الذي يعلل استمرار الصراع بالشرط الإنساني أو بالحرية أو ببنية الوجود قد يحفظ جدية المسؤولية، لكنه في الوقت نفسه يهدد بتحويل كل انتصار جزئي إلى مجرد هدنة. لكن كيف نحتفظ بدلالة الفعل دون أن نعد بالأبدية على نحو يبرر الاستكانة، ودون أن نعد بالنهاية المطلقة على نحو يولد وهماً خطراً؟ التوازن بين الاعتراف باستمرارية المهمة ورفض العدمية غير مضمون سلفاً، وكل خطاب عن الصراع الأبدى يتحرك على حافة هذا التوازن دون ضمان.

إشكالية الخلط بين المستويات

كثيراً ما يُخلط في تفسير الصراع بين مستويات متباينة: المستوى النفسي للدوافع والصراعات الداخلية، والمستوى الأخلاقي للحكم والمسؤولية، والمستوى الاجتماعي للبنى والمؤسسات، والمستوى الميتافيزيقي لأصول الخير والشر في الوجود. الخلط ينتج إجابات تبدو شاملة لأنها تجمع عناصر من كل مستوى، لكنها في الحقيقة تترك العلاقات بين المستويات غامضة. فهل الصراع النفسي أصل للصراع الاجتماعي أم العكس؟ وهل الحكم الأخلاقي يكتشف انقساماً أنطولوجياً أم يفرض شبكة تقييم على واقع أكثر تعقيداً؟ المقاربة الاستشكالية لا ترفض تعدد المستويات، لكنها ترفض سهولة الانتقال من أحدها إلى الآخر دون تبرير. وكلما ادعت إجابة أنها تفسر «الصراع الأبدى» دفعة واحدة من مستوى واحد، بدت اختزالية. وكلما جمعت المستويات دون ترتيب واضح، بدت تلفيقية. الإشكال المنهجي يظل قائماً: كيف نؤلف بين المستويات دون اختزال ودون غموض؟

الصراع بوصفه ظاهرة إيتيقية لا مجرد واقعة طبيعية أو كونية

الصراع بين الخير والشر ليس في جوهره صدام قوى عمياء في الطبيعة أو التاريخ. إنه صراع يكتسب معناه داخل أفق أخلاقي، أي داخل أفق يميز بين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون، بين الواقع والقيمة، بين الحدث والمسؤولية. لو لم يوجد كائن قادر على التقييم والاختيار والحكم، لما كان هناك خير وشر بالمعنى الإيتيقي الدقيق، بل مجرد أحداث نافعة أو ضارة، منظمة أو فوضوية، ممتعة أو مؤلمة.

الطبيعة لا تعرف الخير والشر بالمعنى الأخلاقي. الزلزال ليس شريراً، ولا المطر خيّراً، إلا من منظور أثرهما على كائنات قادرة على المعاناة والتقييم والمساءلة. الصراع الأبدي يبدأ حيث يبدأ الكائن القادر على أن يقول «ينبغي» أو «لا ينبغي»، وحيث يصبح الواقع موضوع مساءلة لا مجرد معطى. أبدية الصراع مرتبطة إذن بأبدية الشرط الإنساني بوصفه شرطاً أخلاقياً، لا بمجرد استمرار ظواهر فيزيائية أو بيولوجية.

الجذور الأنثروبولوجية في انقسام الإنسان على ذاته

الإنسان كائن منقسم على ذاته. فهو يحمل ميولاً ودوافع وحاجات تدفعه نحو حفظ ذاته وتوسيع قوتها وإشباع رغباتها المباشرة، ويحمل في الوقت نفسه قدرة على النظر إلى هذه الميول من مسافة، وعلى تقييمها وفق مبادئ تتجاوز المنفعة القريبة أو الرغبة العابرة. هذا الانقسام الداخلي هو التربة الأولى للصراع بين الخير والشر. من هذا المنطلق الشر كثيراً ما يظهر بوصفه انحيازاً إلى الميل الجزئي على حساب المبدأ القابل للتعميم، أو تفضيلاً للذات المغلقة على حساب العلاقة العادلة بالآخر، أو اختياراً للسهولة أو السيطرة أو الانتقام بدلاً من الجهد الأخلاقي. أما الخير فليس مجرد انسجام طبيعي تلقائي، بل مقاومة لهذا الانحياز، ومطلب يفرض نفسه حتى حين يتعارض مع المصلحة أو الرغبة أو الراحة.

أبدية الصراع تنبع من أن هذا الانقسام لا يُلغى نهائياً. فحتى أكثر الناس فضيلة يظل عرضة للضعف والإغراء والتبرير الذاتي. وحتى أشد المجتمعات تنظيماً وأخلاقية تظل تنتج أشكالاً جديدة من الإقصاء أو اللامبالاة أو العنف الرمزي أو المؤسسي. الإنسان لا يخرج من طبيعته المزدوجة بقفزة واحدة إلى حالة نقاء دائم. الصراع يتجدد مع كل وضع جديد ومع كل قدرة جديدة على الفعل.

الحرية بوصفها شرط إمكان الخير والشر وشرط تجدد الصراع

لو كان الإنسان مجرد ناتج حتمي لعلل سابقة، لما كان هناك خير وشر بالمعنى الإيتيقي، بل مجرد سلوكيات ناجحة أو فاشلة وفق معيار خارجي. الحرية هي ما يجعل الفعل قابلاً للإسناد والمساءلة، وهي ما يجعل الخير ممكناً بوصفه اختياراً لا مجرد انسياباً طبيعياً، وما يجعل الشر ممكناً بوصفه انحرافاً لا مجرد قصوراً آلياً. لكن الحرية نفسها هي ما يجعل الصراع متجدداً على نحو يبدو أبدياً. فالحرية لا تتحقق مرة واحدة وإلى الأبد في صورة ميل راسخ لا ينقلب. بل تظل قدرة متجددة على البدء من جديد، وبالتالي قدرة متجددة على الانحراف أيضاً. كل قرار أخلاقي يعيد فتح الإمكانية، وكل وضع جديد يعيد طرح السؤال. الأبدية هنا ليست أبدية جوهرين ميتافيزيقيين يتصارعان خارج الزمن، بل أبدية تجدد الإمكان الأخلاقي داخل الزمن الإنساني. من الزاوية الإيتيقية، يعني ذلك أن الصراع لا يُلغى بإلغاء الحرية، لأن إلغاء الحرية يعني إلغاء الأخلاق نفسها. ولا يُلغى بتحقيق كمال نهائي يغني عن الاختيار، لأن مثل هذا الكمال يخرج الإنسان من شرطه بوصفه كائناً يعمل ويقرر ويخطئ ويصحح. الصراع يستمر لأن الحرية تستمر، ولأن الوضع الإنساني يظل وضعاً متوسطاً بين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون.

الشر بوصفه إمكاناً ينبع من القدرة الإنسانية ذاتها

في بعض التصورات يُفهم الشر بوصفه نقصاً أو غياباً للخير. هذا الفهم يحفظ وحدة الوجود ويرفض جعل الشر مبدأ أنطولوجياً مستقلاً. غير أنه يواجه صعوبة في تفسير شدة بعض أشكال الشر وفعاليتها وتنظيمها. فهناك أفعال وأنظمة وعلاقات تبدو لا مجرد نقص في الخير، بل توجيهاً فعالاً ضد ما يقتضيه الاحترام أو العدالة أو الرحمة. من منظور إيتيقي يمكن فهم الشر بوصفه إمكاناً ينبع من الحرية والقدرة نفسيهما:إمكانية استخدام القدرات الإنسانية ضد الغايات التي تجعل هذه القدرات ذات معنى أخلاقي. العقل يمكن أن يبرر الظلم، والتنظيم يمكن أن يخدم الإخضاع، واللغة يمكن أن تخدع، والتعاطف يمكن أن يُوجَّه انتقائياً فيعزز الإقصاء. الشر ليس قوة خارجية تغزو الإنسان من خارج، بل إمكانية داخلية لانقلاب الوسائل على الغايات، أو لانغلاق الذات على حساب الآخر، أو لتفضيل السيطرة على الاعتراف. لهذا يبدو الصراع متجدداً على نحو مستمر. فما دام الإنسان قادراً على الفعل المنظم والواعي، ظل قادراً على توجيه هذا الفعل نحو تدمير أو استغلال أو إقصاء. الخير لا يقضي على هذه الإمكانية مرة واحدة وإلى الأبد، بل يواجهها في كل مرة تظهر فيها بصورة جديدة. الصراع يتجدد لأن إمكان الشر يتجدد مع كل توسع في القدرة الإنسانية ومع كل سياق علائقي جديد.

البعد العلائقي والمؤسسي للصراع

الخير والشر ليسا خاصيتين منعزلتين لأفعال فردية فقط، بل يتحققان داخل علاقات. الاعتراف بالآخر أو إنكاره، الإنصاف أو الاستغلال، التضامن أو اللامبالاة، كلها تتشكل في فضاء بينذاتي واجتماعي. الصراع الأخلاقي هو صراع حول كيفية بناء هذا الفضاء: هل يقوم على التبادل المتكافئ أم على السيطرة، على الإصغاء أم على الإسكات، على تقاسم الشروط أم على احتكارها. أبدية الصراع هنا ترتبط بأبدية العلاقة بالآخر وبأبدية الحاجة إلى تنظيم العيش المشترك. طالما وُجد آخر مختلف في المصلحة أو الرؤية أو القوة، ظل إمكان الصراع حول الاعتراف والموارد والكرامة قائماً. والمجتمعات والمؤسسات لا تنهي هذا الصراع، بل تنقله إلى مستويات أخرى. القانون يكبح أشكالاً من الأذى ويعيد في الوقت نفسه إنتاج أشكال أخرى عبر ثغراته أو تحيزاته أو صمته. التربية تنمي القدرة على الحكم الأخلاقي وقد تكرس أنماطاً من الإقصاء أو الطاعة العمياء. التقدم التقني يوسع إمكان تخفيف المعاناة، ويوسع في الوقت نفسه إمكان التدمير والمراقبة والاستغلال على نطاق أوسع. الصراع لا يختفي مع التعقيد، بل يتغير شكله ويتجدد في سياقات جديدة.

أبدية الصراع بوصفها أفقية المسؤولية لا قدراً عدمياً

القول بأبدية الصراع بين الخير والشر لا يعني الاستسلام لتعادل أبدى بين طرفين متكافئين، ولا يعني أن كل جهد أخلاقي عقيم. من المنظور الإيتيقي يمكن فهم الأبدية بوصفها أفقية لا عدمية. فالصراع مستمر بمعنى أنه لا يبلغ نهاية تاريخية مطلقة يُلغى فيها إمكان الشر إلى الأبد ويصبح الخير تلقائياً لا يحتاج إلى اختيار أو يقظة. لكنه ليس مستمراً بمعنى أن لا فرق بين وضع وآخر أو بين فعل وآخر. هناك إمكانيات حقيقية لتقليص أشكال معينة من الأذى، ولتوسيع دوائر الاعتراف، ولتحسين المؤسسات، ولتنمية القدرة على التعاطف والحكم النقدي. هذه الإمكانيات تجعل الفعل الأخلاقي ذا معنى ودلالة. غير أن كل تحقق جزئي للخير يفتح في الوقت نفسه سياقات جديدة تظهر فيها تحديات أخلاقية جديدة. الأبدية تعني استمرار المهمة لا استحالة أي إنجاز. بهذا المعنى يكون الصراع المستمر تعبيراً عن أن الأخلاق ليست حالة تُبلغ وتُستملك مرة واحدة، بل مهمة متجددة. الخير ليس رصيداً نهائياً يُكنز، بل ممارسة تُعاد في كل مرة. والشر ليس عدواً خارجياً يُهزم إلى الأبد، بل إمكان يُقاوم كلما ظهر. الأبدية هنا هي أبدية المسؤولية لا أبدية اليأس.

التوتر بين الطموح إلى النهاية وضرورة البقاء في الشرط الوسط

يطمح بعض التصورات إلى نهاية للصراع: عالم يسود فيه الخير تماماً، أو حالة من المصالحة المطلقة، أو طبيعة إنسانية تُصلح نهائياً فلا يعود الشر ممكناً. هذا الطموح مفهوم لأنه ينبع من رفض الألم والظلم. غير أنه ينطوي على خطر إيتيقي: خطر تصور حالة يغنى فيها الإنسان عن الحرية واليقظة والمساءلة المستمرة. عالم بلا إمكان للشر قد يكون عالماً بلا إمكان أخلاقي بالمعنى الكامل، لأنه عالم بلا اختيار حقيقي وبلا مسؤولية حية. المقاربة الفلسفية الإيتيقية تحتفظ بالتوتر بدل حسمه. فهي ترفض تطبيع الشر أو التهون منه، وترفض في الوقت نفسه وهم النهاية المطلقة التي تلغي الشرط الإنساني. الصراع يستمر لأن الإنسان يستمر بوصفه كائناً حراً محدوداً، يعيش مع آخرين، داخل مؤسسات ناقصة، ويملك قدرات يمكن توجيهها في اتجاهات متقابلة. القبول بهذا التوتر ليس استكانة، بل اعتراف بشروط الفعل الأخلاقي الحقيقية.

خاتمة

الصراع المستمر بين الخير والشر ليس لغزاً كونياً يُفسر بقوى ميتافيزيقية متخارجين فحسب، ولا مجرد بقايا نقص يمكن للتقدم أن يمحوها نهائياً. إنه ينبع من بنية الكائن الأخلاقي نفسه: من انقسامه الداخلي بين الميل والمبدأ، ومن حريته التي تجعل الاختيار ممكناً والانحراف ممكناً، ومن علاقته بالآخر التي تفتح أفق الاعتراف وأفق الإنكار، ومن قدراته التي يمكن أن تُستخدم للبناء أو للهدم، ومن طابع المؤسسات والعلاقات التي تنقل الصراع إلى مستويات جديدة بدل إنهائه. استمرار هذا الصراع يعني أن المهمة الأخلاقية لا تُغلق، وأن اليقظة لا تُستبدل بحالة نهائية من الضمان، وأن كل تحقق للخير يظل جزئياً ومهدداً وقابلاً للتجدد في صورة أخرى من التحدي. غير أن هذا الاستمرار لا يلغي الفرق بين الفعل المسؤول والفعل المدمر، ولا يجعل الجهود متكافئة في العقم. بل يضع الإنسان أمام مسؤوليته الدائمة: أن يختار ويعيد الاختيار، وأن يقاوم إمكان الشر كلما تجدد، وأن يبني من العلاقات والمؤسسات ما يوسع فضاء الاحترام والعدالة دون أن يتوهم أنه أغلق ملف الشر إلى الأبد. بهذا تغدو الإجابة فلسفية إيتيقية في جوهرها: هناك صراع مستمر بين الخير والشر لأن الإنسان كائن أخلاقي حر محدود يعيش مع آخرين في عالم غير مكتمل. والصراع لا ينتهي لأن الحرية لا تنتهي، ولأن الآخر لا يختفي، ولأن القدرة على الفعل تظل مزدوجة الإمكان. وفي هذه الازدواجية، لا في حلم النهاية المطلقة، يكمن معنى الفعل الأخلاقي وضرورته واستمراره. هكذا تكشف المقاربة الاستشكالية أن السؤال عن الصراع الأبدى بين الخير والشر لا يملك إجابة واحدة مستقرة، لأنه محمّل بإشكاليات تسبق الإجابة. فالأبدية مترددة بين التكرار الملاحظ والضرورة المفترضة، ومقولتا الخير والشر غير ثابتتين بما يكفي لضمان وحدة موضوع الصراع عبر الزمن، ومصادر التفسير تتنازع وتترك ثغرات، ووضع الشر أنطولوجياً يربك بنية الصراع نفسها، والوعي الثنائي قد يسهم في إنتاج ما يدّعي وصفه، ودعوى الأبدية تهدد دلالة الفعل الأخلاقي باليأس أو باليقظة المرهقة دون معيار حاسم، والخلط بين المستويات يضعف صلابة أي تفسير شامل. هذه الإشكاليات لا تنفي واقع الألم أو الظلم أو الاختيار الصعب، ولا تدعو إلى الصمت الأخلاقي. لكنها تظهر أن صيغة «الصراع الأبدى بين الخير والشر» إطار تأويلي قوي وخطّاء في آن واحد: قوي لأنه يلتقط تكراراً مؤلماً ويحفز المقاومة، وخطّاء لأنه قد يثبت ثنائية ويؤبدها ويرفعها إلى قدر، بينما تكون الظاهرة أكثر تعددية وتحولاً والتباساً مما تسمح به الصيغة. بهذا يغدو السؤال نفسه جزءاً من المشكل لا مجرد مدخل إليه. والإجابة الأكثر أمانة ربما لا تكون علة نهائية، بل تفكيكاً مستمراً للافتراضات التي تجعل الصراع يبدو واحداً وأبدياً وواضحاً في طرفيه. وفي هذا التفكيك، لا في الحسم الميتافيزيقي، تتسع المساحة لفهم أدق للتوترات الأخلاقية، ولمسؤولية لا تستند إلى أسطورة صراع أزلي بقدر ما تستند إلى مواجهة متجددة لأشكال ملموسة من الأذى والإقصاء والانغلاق، في كل مرة تظهر فيها، وتحت أي اسم اتخذت. فماهي فلسفة الأخلاق ما بعد النظرية الميتافيزيقية التي تكرس التعددية المعيارية وتفكك الثنائية؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

مدخل: ميشيل أونفراي ليس مجرد فيلسوف فرنسي ثار على الميتافيزيقا التقليدية، ولا مجرد كاتب مثير للجدل جعل الإلحاد موضوعًا متكررًا في أعماله. بل هو، قبل كل شيء، مشروع فلسفي يهدف إلى إعادة الفلسفة إلى المكانة التي هجرتها، في رأيه، منذ أن أصبحت خطابًا مجردًا، منفصلًا عن الجسد والحياة والرغبة ومصير البشرية اليومي. ومن هنا تكمن أهمية أونفراي فهو لا يكتفي بالتساؤل عن حقيقة الفلسفة، بل يتساءل أيضًا عن فن العيش. لا يكتفي بالسؤال: "ما هو الإنسان؟"، بل يضيف: "كيف يمكن للإنسان أن يجعل وجوده أقل اغترابًا وأكثر إشباعًا؟ وكيف يمكن تحويل الفكر من مجرد معرفة جامدة إلى ممارسة وجودية؟

 إن قراءة أونفري تأويليًا تكشف أن مشروعه الفلسفي يتحرك داخل توتر مركزي بين الحياة والمثال، الجسد والروح، الرغبة والزهد، الأرض والمفارقة، الفرد والمؤسسة. ولذلك فإن فلسفته لا ينبغي أن تُقرأ باعتبارها مجموعة مواقف متفرقة من الدين أو السياسة أو الأخلاق، بل باعتبارها محاولة لبناء أنطولوجيا مادية للحياة؛ أنطولوجيا تنطلق من الجسد لا من الماهية المفارقة، ومن التجربة لا من العالم المتعالي، ومن الإنسان الملموس لا من الإنسان المجرد.

وقد اختار أونفري لنفسه موقعًا فلسفيًا شديد الخصوصية داخل المشهد الفرنسي المعاصر. فهو يستعيد في آن واحد ظلال أبيقور، وسبينوزا، ونيتشه، وبعض تقاليد المادية القديمة والحديثة، ثم يعيد تركيبها في مشروع يسميه أحيانًا المادية الحسية واللذة الفلسفية والحكمة الدنيوية. وليس المقصود باللذة عنده انغماسًا مبتذلًا في الاستهلاك، وإنما تحرير الحياة من أنظمة المنع والقمع التي تجعل الجسد مذنبًا والرغبة موضع شبهة والإنسان مدينًا دائمًا بمصيره إلى قوة تتجاوزه.

من هنا يمكن فهم كتابه نظرية الجسد العاشق: من أجل إيروس شمسي بوصفه محاولة لتغيير زاوية النظر إلى الإنسان. فالجسد، في المنظور الذي يقترحه أونفري، ليس عائقًا أمام الروح، وإنما هو شرط ظهور الذات نفسها. نحن لا نمتلك جسدًا كما نمتلك شيئًا خارجيًا؛ نحن، إلى حد بعيد، أجساد تتألم وتشتهي وتفرح وتخاف وتتذكر. ولهذا فإن أي فلسفة تتجاهل الجسد إنما تخاطر بتحويل الإنسان إلى مجرد فكرة عن الإنسان. 1

وهنا يقترب أونفري، وإن بطريقته الخاصة، من الدرس النيتشوي: لا تبدأ الفلسفة من السماء، بل من الأرض؛ لا تبدأ من الروح المفترضة، بل من الحياة التي تتجسد في الإنسان. وإذا كان نيتشه قد قلب العلاقة التقليدية بين الجسد والروح، فإن أونفري يحاول أن يمنح هذا الانقلاب امتدادًا أخلاقيًا واجتماعيًا معاصرًا.

إن السؤال الذي يوجه مشروعه يمكن صياغته هكذا: كيف يمكن بناء أخلاق لا تجعل من الحياة ذنبًا؟ وهذه المسألة هي قلب فلسفته تقريبًا. فالإنسان، عند أونفري، يحتاج إلى أخلاق، لكن ليس إلى أخلاق تنكر الحياة. يحتاج إلى قيم، لكن ليس إلى قيم تجعل من الجسد ساحة للعقاب. يحتاج إلى معنى، لكن ليس إلى معنى يُفرض عليه من خارج وجوده.

ومن هذه الزاوية تظهر فلسفة أونفري باعتبارها فلسفة العيش الحسن. غير أن العيش الحسن لا يعني السعادة الساذجة ولا الاستمتاع الاستهلاكي. إنه يعني امتلاك القدرة على بناء علاقة أكثر انسجامًا مع الذات والجسد والزمن والآخر. ولهذا يستعيد أونفري بصورة واضحة الإرث الأبيقوري؛ فالفلسفة عند أبيقور لم تكن تمرينًا ذهنيًا منفصلًا عن الحياة، بل علاجًا للقلق والخوف والموت والوهم. وهذه الفكرة تجد عند أونفري صياغة حديثة: الفلسفة ليست زينة ثقافية، بل يمكن أن تكون فنًا لمقاومة البؤس الوجودي.

ومن هنا نفهم لماذا يحتل مفهوم المتعة مكانًا مركزيًا في فلسفته. فالمتعة ليست نقيضًا للأخلاق، كما تفترض بعض التقاليد الزهدية، وإنما يمكن أن تكون موضوعًا لإيتيقا عقلانية. والمتعة التي يدافع عنها أونفري ليست لذة عمياء؛ إنها لذة واعية بحدود الجسد والزمن والآخر. ولذلك يفضل أن نتحدث عن هندسة اللذة بدل إطلاق العنان للرغبة بلا حدود.

إن هذه النقطة مهمة جدًا في فهم أونفري؛ لأنه كثيرًا ما يُختزل في صورة "الفيلسوف اللذّي"، وكأن مشروعه لا يتجاوز الدفاع عن المتعة. لكن هذا الاختزال يفوّت البعد الفلسفي العميق في مشروعه. فالمسألة ليست أن نستمتع فحسب، بل أن نعرف كيف نرغب، وماذا نرغب، وبأي ثمن، وعلى حساب من، وتحت أي شروط. إن اللذة تصبح فلسفية حين تدخل في دائرة الوعي والمسؤولية والتدبير.

ومن هنا أيضًا يمكن فهم نقده للمسيحية في رسالة في الإلحاد، حيث يذهب إلى مساءلة البنية الأخلاقية والميتافيزيقية التي يرى أنها جعلت من الحياة الأرضية مرحلةً أدنى قياسًا إلى عالم مفارق. 2 ولا ينبغي قراءة هذا النقد باعتباره مجرد رفض ديني، بل بوصفه صراعًا حول تأويل الإنسان: هل الإنسان كائن مكتفٍ بأرضه وجسده وزمنه، أم هو كائن لا يكتمل إلا بالإحالة إلى عالم آخر؟

إن أونفري يختار الاحتمال الأول، وهو ما يجعل إلحاده جزءًا من أنطولوجيته لا مجرد موقف اعتقادي. فالإلحاد عنده لا يعني فقط نفي وجود الله، بل يعني أيضًا إعادة ترتيب مركز الثقل في الوجود: من السماء إلى الأرض، ومن المتعالي إلى المحايث، ومن الوعد الأخروي إلى مسؤولية الحياة الحاضرة.

وهنا تلتقي فلسفته مع بعض الدروس التي يمكن استعادتها من سبينوزا. فسبينوزا، في قراءته الوجودية للطبيعة والإنسان، يرفض تصور الإنسان باعتباره مملكة مستقلة داخل مملكة الطبيعة، ويجعل الفهم شرطًا للتحرر من العبودية الانفعالية. ومن الممكن أن نرى عند أونفري صدىً معاصرًا لهذا النزوع إلى المحايثة، وإن كان أونفري أكثر راديكالية في نقده للأديان وأكثر التصاقًا بالتاريخ الثقافي والسياسي الفرنسي.

أما علاقته بنيتشه 3 فهي أكثر وضوحًا. فنيتشه هو أحد الأسلاف الأكثر حضورًا في مشروعه: نقد الأخلاق الزهدية، الاحتفاء بالجسد، تفكيك القيم الموروثة، مساءلة المسيحية، والبحث عن أخلاق تؤكد الحياة بدل أن تعاقبها. غير أن أونفري لا يكرر نيتشه، وإنما يحاول أن يجعل منه مدخلًا إلى فلسفة شعبية ومجتمعية تستطيع مخاطبة الإنسان المعاصر خارج النخبة الأكاديمية المغلقة.

وهنا تبرز إحدى سمات مشروعه الأكثر إثارة: الديمقراطية الفلسفية. فالفلسفة عنده لا ينبغي أن تبقى حكرًا على الجامعة. ولذلك ارتبط اسمه بتجربة "الجامعة الشعبية" في أرجنتان، حيث جعل الدرس الفلسفي متاحًا خارج المؤسسات الأكاديمية التقليدية. هذه التجربة ليست تفصيلًا هامشيًا في مساره، بل هي جزء من تصوره لوظيفة الفلسفة: إعادة الفكر إلى المجال العمومي، وإعادة الاعتبار إلى المواطن القادر على التفكير.

إن الجامعة الشعبية، بهذا المعنى، ليست مجرد مؤسسة تعليمية بديلة، وإنما هي إعلان عن تصور مختلف للفيلسوف. فالفيلسوف لا يكون فيلسوفًا لأنه يحمل لقبًا أكاديميًا فحسب، بل لأنه يمارس التفكير في المجال العمومي ويضع المعرفة في خدمة بناء الإنسان. وفي هذه النقطة يمكن أن نقرأ أونفري باعتباره امتدادًا، بطريقة ما، للتقليد القديم الذي كان يرى في الفلسفة طريقة حياة.

إن هذا البعد العمومي يجعل مشروعه قريبًا من سؤال فلسفي بالغ الأهمية: ماذا بقي للفيلسوف في زمن تحولت فيه المعرفة إلى صناعة، والثقافة إلى سوق، والسياسة إلى إدارة للرأي العام؟ أونفري يجيب عمليًا بأن وظيفة الفيلسوف ليست التكيف مع هذا الوضع، بل مقاومته؛ أن يحافظ على المسافة النقدية، وأن يزعج المسلمات، وأن يفضح ما يبدو طبيعيًا، وأن يعيد صياغة الأسئلة التي تحاول الأيديولوجيات إغلاقها.

ولهذا كان أونفري شديد الاهتمام أيضًا بتاريخ الأفكار المهمشة والمنسية. ففي مشروعه الكبير مضاد تاريخ الفلسفة يحاول إعادة كتابة تاريخ الفلسفة من زاوية أخرى، بحيث لا يبقى التاريخ الفلسفي حكرًا على السردية التي تمنح الأولوية للمثالية والميتافيزيقا والتقاليد المسيحية. إنه يبحث عن الفلاسفة الذين تم إبعادهم من المركز، وعن المذاهب التي جرى التعامل معها باعتبارها هوامش.

وهنا يصبح "المضاد" عند أونفري مفهومًا منهجيًا وتأويليًا. إنه لا يعني مجرد الرفض، بل يعني إعادة ترتيب مركز الخريطة. فإذا كان تاريخ الفلسفة الرسمي قد اختار بعض الأسماء وأقصى أخرى، فإن مهمة المؤرخ الفلسفي تصبح البحث عن الأصوات التي اختفت خلف السردية الغالبة.

ومن هذه الزاوية، يمكن القول إن أونفري يمارس نوعًا من الحفر التأويلي في ذاكرة الفلسفة. إنه لا يقرأ الماضي بوصفه متحفًا مغلقًا، بل باعتباره أرشيفًا قابلًا لإعادة الفتح. وما هو هامشي اليوم قد يصبح مركزيًا غدًا، وما يبدو مركزًا قد يكشف التأويل عن هشاشته.

ولعل هذا هو أحد أجمل أبعاد مشروعه: أن تاريخ الفلسفة ليس بريئًا. إنه تاريخ اختيارات، وانتقاءات، وإقصاءات، ومؤسسات، وسلطات معرفية. لذلك فإن إعادة قراءة التاريخ ليست مجرد عمل توثيقي، بل هي أيضًا ممارسة نقدية.

غير أن أونفري لا يقف عند الدين وتاريخ الفلسفة، بل يدخل إلى السياسة أيضًا. وفي هذا المجال تتخذ فلسفته طابعًا سجاليًا أكثر حدة. فهو ينظر بعين نقدية إلى السلطة، والمؤسسات، والأيديولوجيات، والجماعات التي تدعي امتلاك الحقيقة. والفيلسوف عنده لا ينبغي أن يتحول إلى موظف لدى السلطة، أيا كانت السلطة: دينية أو سياسية أو ثقافية.

وهنا تظهر قيمة مفهوم المقاومة في فلسفته. فالفلسفة ليست فقط بحثًا عن الحقيقة، بل هي أيضًا مقاومة للأكاذيب التي تتخفى في هيئة حقائق، ومقاومة للسلطات التي تريد تحويل الإنسان إلى تابع. إن وظيفة التفكير هي أن يستعيد الإنسان قدرته على الحكم، وأن يتعلم قول "لا" حين تصبح الموافقة شكلًا من أشكال العبودية.

غير أن أونفري، في المقابل، ليس فيلسوفًا يمكن وضعه بسهولة داخل خانة سياسية واحدة. وهذا ما يجعل قراءته أكثر تعقيدًا من بعض التصنيفات السريعة التي حاولت اختزاله في "اليسار" أو "اليمين". فمشروعه يظل مشدودًا إلى الفرد، وإلى الحرية، وإلى النقد الراديكالي للمؤسسات، وإلى رفض الوصاية الفكرية. وهذه العناصر لا تنسجم دائمًا مع التصنيفات السياسية التقليدية.

ومن هنا يمكن القول إن أونفري يمثل فلسفة المشاغبة الفكرية. إنه لا يريد أن يمنح القارئ راحة اليقين، بل يريد أن يدفعه إلى إعادة النظر. وقد تكون هذه المشاغبة مصدر قوة مشروعه ومصدر ضعفه في الوقت نفسه؛ فهي تمنحه قدرة كبيرة على تحريك الأسئلة، لكنها قد تدفعه أحيانًا إلى التعميم والسجال الحاد.

وهذه ملاحظة ضرورية في القراءة الأكاديمية. فليس من وظيفة الباحث أن يتحول إلى مريد للفيلسوف الذي يقرأه. إن أونفري يحتاج إلى أن يُقرأ معه وضده في آن واحد. ينبغي الاعتراف بجرأته في إعادة الاعتبار إلى الجسد والحياة، وبأهمية مشروعه في نشر الفلسفة خارج الجامعة، وبقدرته على استعادة تيارات فلسفية منسية؛ لكن ينبغي أيضًا مساءلة بعض تعميماته التاريخية والثقافية، وخاصة حين يتحول نقده إلى موقف سجالي يغلب عليه التعميم.

إن قيمة الفيلسوف لا تكمن في أن نتفق معه دائمًا، بل أحيانًا في أنه يجبرنا على أن نفكر أكثر. ومن هذه الزاوية تحديدًا يمكن الدفاع عن أهمية أونفري: إنه فيلسوف يوقظ الفكر من سباته، حتى عندما يثير الاعتراض.

ولعل مفهوم الحياة هو المفهوم الذي يجمع شتات مشروعه كله. فالفلسفة عنده تعود في النهاية إلى سؤال الحياة: كيف نحيا؟ كيف نحب؟ كيف نرغب؟ كيف نتعامل مع الموت؟ كيف نتصالح مع أجسادنا؟ كيف نعيش دون أن نسلم حياتنا بالكامل للمؤسسات؟ وكيف نبني أخلاقًا لا تقوم على احتقار العالم؟

إن هذه الأسئلة تجعل أونفري، في العمق، فيلسوفًا للحياة اليومية بامتياز. فالفلسفة لا تُختبر في الكتب وحدها، وإنما في الطعام، والحب، والجسد، والمرض، والموت، والصداقة، والسياسة، والعمل، والوقت. وهذا ما يفسر انجذابه إلى أبيقور وسبينوزا ونيتشه، لأن هؤلاء جميعًا، رغم اختلافهم، حاولوا أن يعيدوا الفلسفة إلى مستوى الوجود المعيش.

ومن هنا يمكن أن نقرأ أونفري تأويليًا باعتباره صاحب مشروع يريد أن ينقل الفلسفة من سؤال الحقيقة المجردة إلى سؤال الحقيقة المعاشة. ليست القضية فقط: ما الحقيقة؟ بل: ماذا تفعل الحقيقة بنا؟ وهل تجعل حياتنا أكثر حرية؟ وهل تساعدنا على التخلص من الخوف؟ وهل تمنحنا القدرة على أن نعيش دون أن نتحول إلى عبيد للأوهام؟

وهذه النقلة هي التي تمنح فلسفته طابعها الهيرمينوطيقي، حتى وإن لم يكن أونفري فيلسوفًا هيرمينوطيقيًا بالمعنى المدرسي للكلمة. فالتأويل هنا لا يعني الانتماء إلى مدرسة بعينها، بل يعني الكشف عن الطبقات الخفية التي تنتظم بها علاقتنا بالحياة. الدين، والأخلاق، والسياسة، والجسد، والرغبة، والتاريخ، كلها نصوص ثقافية كبرى تحتاج إلى إعادة قراءة.

وفي هذا السياق يصبح الجسد نفسه نصًا. والرغبة نصًا. والموت نصًا. والدين نصًا. والسياسة نصًا. والفلسفة ليست سوى محاولة لإعادة قراءة هذه النصوص بحيث يستعيد الإنسان حقه في تأويل وجوده.

لذلك فإن أونفري لا يقول لنا ببساطة: "عِشْ من أجل المتعة"، بل يطرح سؤالًا أكثر عمقًا: كيف يمكن أن تصبح حياتك ملكًا لك؟

وهنا تكمن أطروحته الأهم. فالتحرر الحقيقي لا يبدأ فقط من إسقاط سلطة خارجية، وإنما يبدأ من استعادة الإنسان لحقه في بناء علاقته الخاصة بذاته وبجسده وبزمنه وبالآخرين. ومن ثم فإن فلسفة أونفري، رغم طابعها الإلحادي والمادي والجدلي، تنتهي إلى سؤال أخلاقي عميق: ما الحياة التي تستحق أن تُعاش؟

إن أونفري فيلسوف لأنّه لا يكتفي بإعطاء أجوبة؛ بل يحاول أن يجعل من طريقة العيش نفسها موضوعًا للفلسفة. وهو فيلسوف معاصر لأن أسئلته تتقاطع مع قلق الإنسان الذي يعيش في عالم تتكاثر فيه وسائل المتعة بينما يتضاعف القلق، وتتسع فيه حرية الاختيار بينما تتسع معها أشكال جديدة من العبودية، وتتضخم فيه المعرفة بينما يتراجع أحيانًا معنى الحكمة.

 ختاماً، يُمثّل ميشيل أونفراي جانباً من الفلسفة الفرنسية المعاصرة التي تسعى إلى إعادة البُعد الوجودي للفكر. فهو فيلسوف الأرض في مقابل السماء، والجسد في مقابل فنائه، والحياة في مقابل الزهد، والفرد في مقابل الأبوية، والفلسفة في مقابل تحوّلها إلى علمٍ مُغلق. لكن الدرس الأهم المستفاد من تجربته هو أن الفلسفة لا تستعيد حيويتها باستخدام لغة أكثر تعقيدًا، بل بإعادة التواصل مع الحياة. في نهاية المطاف، ليس الفيلسوف مجرد من يمتلك أكبر قدر من المعرفة، بل من يعرف كيف يجعل المعرفة أسلوبًا آخر للوجود.

لذا، سواء اتفقنا مع أونفراي أم لا، فإنه يطرح سؤالًا لا مفر للفلسفة منه: ماذا نفعل بحياتنا، ونحن نعلم أنها واحدة فقط؟

لعلّ هنا يكمن الفرق بين فلسفة تتحدث عن الإنسانية وفلسفة تسعى لمساعدة الإنسانية على عيش حياة كاملة.

***

بقلم: د. معروفي العيد

...............

الهوامش والمراجع:

الفيلسوف ميشال أونفري: ولد بـــ 1 يناير 1959 (العمر 67 سنة) أورن، فرنسا. ويعتبر ميشال أونفراي امتدادًا لفلاسفة ما بعد الحداثة في فرنسا وقد أسهم بصفة جديّة في الفلسفة الفرنسيّة المعاصرة، وهو معروف بغزارة مؤلّفاته التي تُعدُّ بالعشرات. لم يبدأ الكتابة إلا أواخر الثمانينيات، لتتوالى الإصدارات بمعدل كتاب في العام على الأقلّ، فاستحقّ لقب أكثر الفلاسفة غزارةً وظهوراً في الإعلام. كان يحلم بأن يكون سائق قطار فإذا به من أبرز مفكري الجيل الجديد في فرنسا ومن وجوه «اليسار المعادي لليبرالية». بنى خطابه على فلسفة المتعة، وأعاد قراءة المعلّمين الكبار. يرى أونفراي أنّ الفلسفة فنّ للوجود وأنّ غايتها الوصول إلى السّعادة القصوى عبر المتع الحسيّة والفكريّة. وقد أعاد قراءة تاريخ الفلسفة تحت عنوان «تاريخ مضاد للفلسفة ** Contre-histoire de la philosophie». يحمل هذا الفيلسوف مشروعًا فكريًا تحرّريًا يطمح إلى إنزال الفلسفة من فضاء النخب الجامعيّة إلى الفضاء العمومي، وقد قام بتأسيس «الجامعة الشعبية» تحت شعار الفلسفة للجميع. هذه الجامعة أسّسها مع أصدقائه عام 2002، لتستقبل كل من يرغب بحضور صفوف في الفلسفة والفن والتاريخ مجاناً، ومن دون أي شروط كالشهادة أو حتى القدرة على القراءة والكتابة! النجاح الاستثنائي للجامعة الشعبية دفع إلى تكرار التجربة في مدن فرنسية أخرى. أثار جدلًا واسعًا في الأوساط الفكريّة الفرنسيّة بسبب نقده اللّاذع لسيغموند فرويد ودعوته إلى تأسيس تحليل نفسي بعيدًا عن فرويد.

[1]: Michel Onfray, Théorie du corps amoureux: Pour une érotique solaire, Grasset, Paris, 2000.

[2] ميشال أونفري، نفي اللاهوت، ترجمة : مبارك العروسي، منشورات الجمل، بغداد ــــــــ العراق ـــــــ ط1 2012.

 [3] فريدريك نيتشه، في جينالوجيا الأخلاق، ترجمة فتحي المسكيني، دار سيناترا، تونس؛ ط1 2010.

(عدواني بالطبيعة وأناني بالتطبع) ق. م

من أكثر الأخطاء شيوعًا في تاريخ الفكر الاجتماعي والسياسي تلك الفكرة التي اعتدنا ترديدها حتى صارت تبدو كأنها حقيقة بديهية: أن الإنسان كائن اجتماعي وسياسي بالطبيعة، وأنه يميل بفطرته إلى الاجتماع بالآخرين والعيش معهم في جماعة منظمة. وقد ارتبطت هذه الفكرة، في تاريخ الفلسفة، بأرسطو الذي وصف الإنسان بأنه كائن مدني أو سياسي بالطبع، ثم أعاد ابن خلدون صياغتها في عبارته الشهيرة: «الإنسان كائن اجتماع بالطبع» والسؤال الخلدوني هو: هل الإنسان اجتماعي فعلًا بالطبيعة، أم أنه يصبح اجتماعيًا بالضرورة والحاجة والثقافة والتربية والقانون؟.

أميل إلى النظر إلى المسألة من زاوية مختلفة: الإنسان، في مستواه الحيواني الأول، كائن نزوعي، دفاعي، تنافسي، يسعى إلى البقاء والاستحواذ وحماية ذاته ومصالحه. وهو، في مستواه الإنساني، كائن قادر على أن يتجاوز هذه النزوعات بواسطة العقل والأخلاق والثقافة والقانون. ولذلك فإن الحضارة، في أحد معانيها العميقة، ليست انتصار الطبيعة البشرية كما هي، بل هي محاولة تاريخية مستمرة لكبح بعض عناصرها الأكثر عدوانية وأنانية، وتحويل القوة الغريزية إلى سلوك منظم يمكن أن يحتمل وجود الآخرين.

وهنا تكتسب أعمال الفيلسوف الفرنسي تزفيتان تودوروف أهمية خاصة، ولا سيما كتابه الحياة المشتركة: بحث أنثروبولوجي الصادر عام 1995. فقد نقل تودوروف السؤال من مستوى يبدو مألوفًا إلى مستوى أكثر إثارة للقلق الفلسفي. فهو لا يسأل فقط: كيف يعيش الإنسان داخل المجتمع؟ وإنما يقلب السؤال رأسًا على عقب ويسأل عن «مكانة المجتمع في الإنسان». وهذا التحول ليس لغويًا فحسب، بل هو تحول في زاوية النظر إلى الإنسان نفسه.

فإذا كان الإنسان كائنًا اجتماعيًا بالطبيعة، فما الذي يجعلنا بحاجة إلى القانون؟ ولماذا نحتاج إلى الأخلاق؟ ولماذا نحتاج إلى الدولة والمؤسسات والعقود والقواعد والمحاكم وأجهزة الرقابة والمحاسبة؟ ولماذا احتاج تاريخ البشرية الطويل إلى كل هذا الجهد الهائل من أجل تنظيم العلاقة بين الإنسان والإنسان؟ إذ إن مجرد وجود القانون يدل على أن الإنسان لا يكتفي دائمًا بما تمليه عليه فطرته أو رغباته الخاصة. ومجرد وجود الأخلاق يدل على أن هناك مسافة بين ما أستطيع فعله وما ينبغي لي أن أفعله. وبين القدرة والرغبة من جهة، والواجب والمسؤولية من جهة أخرى، تبدأ قصة الحضارة.

فالإنسان لا يصبح إنسانًا مدنيًا لمجرد أنه وُلد بين الناس؛ وإنما يتعلم كيف يكون كذلك. يتعلم أن للآخر حدودًا لا يجوز له تجاوزها، وأن حريته ليست رخصة لإلغاء حرية غيره، وأن مصلحته الخاصة لا تمنحه الحق في ابتلاع المصلحة العامة، وأن القوة التي يمتلكها لا تمنحه حق استعمالها كيفما شاء.

وبهذا المعنى نفهم أنانية الإنسان لا باعتبارها حكمًا أخلاقيًا نهائيًا عليه، وإنما باعتبارها معطى ينبغي للمجتمع أن يتعامل معه بواقعية. فالإنسان يريد، ويرغب، ويشتهي، ويتنافس، ويبحث عن الاعتراف والمكانة والسلطة والمصلحة. وهذه النزوعات ليست كلها شرًا في ذاتها، لكنها تصبح خطرة حين تتحرر من كل قيد، وحين يتحول الحق في تحقيق الذات إلى حق مزعوم في السيطرة على الآخرين.

لقد أدرك الفكر الحديث، بطرائق مختلفة، هذه المعضلة. ففي التحليل النفسي عند فرويد نجد صراعًا بين قوى الرغبة ومقتضيات الواقع، وبين الدوافع الغريزية ومتطلبات الحياة المشتركة. وفي الفلسفة الحديثة يصبح العقل أداة لإدارة هذه الرغبات داخل عالم لا يستطيع فيه الفرد أن يعيش وحده. وهنا يظهر العقد الاجتماعي بوصفه إحدى أعظم الأفكار التي حاول بها الإنسان أن ينتقل من عالم القوة المنفلتة إلى عالم القواعد المشتركة.

فالعيش المشترك ليس، بالضرورة، حالة طبيعية قائمة على المحبة الدائمة والعواطف النبيلة. إنه، في جانب كبير منه، ضرورة مدنية. أنا لا أحتاج إلى أن أحب جاري حتى أحترم حقه في السكن والأمان والخصوصية؛ ولا يحتاج جاري إلى أن يحبني حتى يحترم حقي في الحياة والحرية. يكفي أن ندرك أن وجودنا المشترك يفرض علينا قواعد لا يجوز لأحد أن يستثني نفسه منها.

ما أضعف الإنسان بدون مؤسسات عامة فاعلة ودولة سيدة وعادلة ومستقرة وما أخطر الإنسان بدون قانون ونظام عام فعّال. ويعّلم التاريخ أن البشر بدون مؤسسات عامة ومعايير قانونية حازمة وصارمة وعيونهم إلى الأرض، قد أثبتوا مراراً وتكراراً-وفي كل حقبة من حقب التاريخ حدث فيها إنهيار مؤسساتهم الرسمية -أنهم يمكن أن يكونوا أحط من الوحوش، لا أخلاق لهم يحيون حياة غابية كل يوم بيومه لا معنى لها ولا هدف غير عيش اللحظة واشباع شهواتها الفورية المباشرة بلا خوف من الله ولا خجل من الناس ولا تأنيب من ضمير ولا خشية من عقاب.

والقانون ليس عدو الحرية، بل شرط إمكانها؛ فحين يغيب القانون لا تختفي السلطة، وإنما تنتقل إلى الأقوى، وتتحول الحقوق إلى امتيازات تمنحها القوة وتسحبها القوة. لذلك لا يكفي أن نسأل: هل نريد القانون؟ بل: أي قانون؟ ومن يضعه؟ وعلى من ينطبق؟ ومن يراقب تطبيقه ويحـاسب من ينتهكه؟

والدولة، في معناها المدني، كما عرفها الفيلسوف الهولندي باروخ إسبينوزا قائلا: " ليست الغاية القصوى للدولة أن تهيمن على الناس، ولا أن تكبح جماحهم بالرهبة، بل أن تحرر الإنسان من الخوف، حتى يعيش ويعمل آمناً مطمئناً كل الاطمئنان، دون أن يلحق به أو بجاره أي أذى. وليست غاية الدولة أن تجعل من الكائنات العقلانية حيوانات ضارية وآلات (كما هو الحال في الحرب) بل تمكين أجسامهم وأذهانهم من أداء وظيفتها في أمان، أن غايتهم أن توجد الناس ليعيشوا على العقل السليم الصادق ويمارسوه.... أن غاية الدولة حقاً هي الحرية"

وقيمة السلطة لا تقاس بشعاراتها ولا بطول بقائها، وإنما بقدرتها على حماية الناس، وصيانة حقوقهم، وإدارة شؤونهم بعدالة، وتحمل تبعات الخطأ والتقصير والفشل. وأخطر ما يصيب الدولة أن يغيب السؤال: من المسؤول؟ فعندما يغيب المسؤول تغيب المحاسبة، وعندما تغيب المحاسبة تنفلت القوة، ويتحول القانون إلى نص جميل بلا قدرة على حماية أحد. لذلك تبقى القاعدة الحاسمة: لا سلطة بلا مسؤولية، ولا مسؤولية بلا قانون، والقانون سيد الجميع.

لقد عاش الإنسان طويلًا داخل جماعات مغلقة، ترى نفسها مركز العالم، وتمنح ثقافتها ومعتقداتها وهوياتها صفة الحقيقة المطلقة وكان لكل عصر من العصور التاريخية القدرة المعرفية والايديولوجية التي تعبر عن شروطها الممكنة ولكل مرحلة من مراحل التاريخ ممكناتها المعرفية لكن العالم اتسع؛ اكتشف الإنسان ما وراء الجبال والصحاري والبحار، والتقى بالآخر المختلف، ثم نظر إلى الأرض من خارجها، فاكتشف أننا جميعًا سكان كوكب واحد، وأن لا جماعة تمتلك وحدها الحقيقة الكاملة، ولا يحق لها فرض نمط حياتها على الآخرين بالقوة. إن تعدد الثقافات والمعتقدات لا ينبغي أن يتحول إلى تعدد في الحقوق والكرامة. ومن هنا أفهم العلمانية باعتبارها مبدأً لتنظيم المجال العام، بحيث لا تتحول الأديان والمذاهب والطوائف والأيديولوجيات والقبائل والهويات إلى أدوات للتمييز السياسي بين المواطنين. فالدين علاقة الإنسان بربه، أما الدولة فهي شأن المواطنين جميعًا. وفي الدولة المدنية لا مواطن أول ولا مواطن ثانٍ؛ الجميع متساوون في الكرامة والحقوق والواجبات، مهما اختلفت معتقداتهم وانتماءاتهم. المعيار هو المواطنة، والحَكَم هو القانون، والقانون سيد الجميع.

جعلت العولمة العالم فضاءً واحدًا، وجعلت التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي المسافات أقل من أي وقت مضى. أصبح ما يحدث في مدينة بعيدة قادرًا على التأثير في حياة إنسان في أقصى الأرض، وأصبح الإنسان يواجه، للمرة الأولى، قدرة هائلة على التواصل والمعرفة والتأثير تتجاوز الحدود والجغرافيا والثقافات. ولهذا لم يعد التعايش بين الشعوب والثقافات والأديان ترفًا أخلاقيًا، بل أصبح ضرورة لبقاء الإنسان نفسه.

فالذكاء الاصطناعي يستطيع أن يختصر المسافات، ويترجم اللغات، وينقل المعرفة، ويفتح أبوابًا جديدة للتعاون؛ لكنه يستطيع أيضًا، إذا وقع في أيدي التعصب والكراهية والقوة المنفلتة، أن يضاعف الانقسام وينشر الوهم والتحريض والتمييز على نطاق غير مسبوق. والتكنولوجيا لا تحمل أخلاقها في ذاتها؛ نحن الذين نحدد الغاية التي نستخدمها من أجلها.

ومن هنا تصبح الحاجة إلى الأخلاق والقانون أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى. فكلما ازدادت قدرتنا التقنية، ازدادت حاجتنا إلى الحكمة والمسؤولية. وكلما أصبح العالم أكثر اتصالًا، أصبح الاعتراف بالآخر المختلف شرطًا للسلام.

لسنا بحاجة إلى أن نتشابه لكي نعيش معًا، ولا إلى أن نتفق في الدين أو الثقافة أو الرأي لكي نحترم بعضنا بعضًا. يكفي أن ندرك أن اختلافنا جزء من إنسانيتنا المشتركة، وأن كرامة الإنسان لا تتجزأ بحسب لونه أو دينه أو لغته أو قوميته أو ثقافته.

إن الانتقال الحقيقي الذي تحتاجه البشرية هو الانتقال من منطق «أنا أولًا» إلى أفق «نحن جميعًا». فالحضارة لا تقاس بقدرتها على امتلاك القوة والتكنولوجيا وحدهما، وإنما بقدرتها على ترويض القوة بالقانون، وتوجيه المعرفة بالأخلاق، وتحويل الاختلاف من سبب للصراع إلى فرصة للتعارف والتلاقح والتعاون.

وفي عصر العولمة والذكاء الاصطناعي، لم يعد السلام شأنًا محليًا، ولا التسامح فضيلة فردية فحسب؛ إنهما شرطا وجود إنساني مشترك. وما تحتاجه البشرية اليوم ليس عالمًا بلا اختلاف، وإنما عالمًا يعرف كيف يعيش اختلافاته دون أن يحولها إلى حروب.

فليست مهمتنا أن نصنع إنسانًا متشابهًا، بل أن نبني عالمًا يتسع للإنسان المختلف؛ عالمًا يكون فيه القانون سيد الجميع، والكرامة حقًا للجميع، والسلام لغةً مشتركة بين الجميع.

***

د. قاسم المحبشي

 

نحو وعيٍ نقدي يعيد إنتاج الذات

تتشكّل الهوية في المسافة الجدلية بين الذاكرة والتجدد، وبين الوفاء للتراث والانفتاح على المنجز الإنساني. غير أنّ هذه العلاقة تفقد توازنها حين يتحول الماضي إلى سلطةٍ مغلقة تعطل أسئلة الحاضر، أو يصبح الآخر نموذجاً يُستنسخ بدافع النقص أو تحت ضغط الهيمنة. ومن هنا، تبرز الحاجة إلى وعيٍ نقدي يعيد تأويل الموروث، ويستوعب التجارب الإنسانية دون الوقوع في أسر التقليد، ليجعل من الهوية مشروعاً حيّاً للإبداع والتجدد، لا صدىً للماضي ولا نسخةً من الآخر.

ليست الهوية كياناً جامداً يقيم خارج حركة التاريخ، ولا مرآةً مصقولة تستعيد ملامح الماضي كما كانت، ولا مساحةً فارغة تنتظر من الآخر أن يملأها بما ينتجه من نماذج ومعايير. إنها سيرورة تاريخية وثقافية متجددة، تتفاعل فيها الذاكرة مع الحاضر، والتراث مع الحداثة، والخصوصية مع المشترك الإنساني، في جدلٍ لا يستقيم بالقطيعة المطلقة، ولا يتحقق بالتبعية العمياء، بل يحتاج إلى وعيٍ نقدي قادر على التمييز بين ما ينبغي الاحتفاظ به، وما يستوجب المراجعة، وما يمكن تجاوزه أو إعادة تأويله.

إنّ إحدى المعضلات العميقة التي تواجه المجتمعات في علاقتها بذاتها وتاريخها تتمثّل في الخلط بين الوفاء للماضي والتطابق معه، وبين الانفتاح على الآخر والذوبان فيه. ففي الحالة الأولى، يتحول التراث من رصيدٍ معرفي قابل للحوار إلى سلطةٍ مغلقة تستمد مشروعيتها من قِدَمها، لا من قدرتها على الإجابة عن أسئلة الحاضر. وفي الحالة الثانية، يتحول الآخر من شريكٍ في إنتاج المعرفة إلى مرجعيةٍ مطلقة، تُستعار منها الأفكار والنماذج دون مساءلة شروط نشأتها أو اختبار مدى ملاءمتها للسياق الذي تُنقل إليه.

وهكذا تجد الهوية نفسها بين انغلاقٍ يحرس الماضي من الحياة، وتقليدٍ يجرّد الحاضر من حقّه في الإبداع؛ بين ذاتٍ تخشى التغيير خشية أن تفقد أصولها، وذاتٍ تستعير ملامح غيرها لأنها لم تعد تثق بقدرتها على إنتاج ملامحها الخاصة.

أولًا: حين يتحول الماضي إلى سلطة تعطل الحاضر

لا تكمن المشكلة في العودة إلى الماضي، فالمجتمعات التي تقطع صلتها بذاكرتها تفقد جانباً مهماً من قدرتها على فهم ذاتها، وإنما تكمن في طبيعة هذه العودة: أهي عودةٌ استلهامية تفتح التراث على أسئلة الحاضر، أم عودةٌ استنساخية تسعى إلى إعادة إنتاج الماضي بوصفه نموذجاً مكتملًا لا يجوز تعديله؟

إنّ التطابق الجامد مع الماضي يفترض ضمنًا أنّ التاريخ قد أنجز مهمته، وأنّ الأجيال اللاحقة ليست مطالبةً إلا بإعادة تمثيل ما أنجزته الأجيال السابقة. وفي هذا التصور تختزل الهوية إلى مجموعة من الصور والرموز والعادات والأحكام التي يُطلب من المجتمع تكرارها، حتى عندما تتغير الشروط الاقتصادية والاجتماعية والمعرفية التي أنتجتها.

لكنّ التاريخ ليس مستودعاً للصور الجاهزة، بل مجالٌ للصراع والتفاعل والتحول. وما كان استجابةً عقلانية لمشكلةٍ في زمنٍ سابق، قد يتحول، إذا نُقل حرفياً إلى زمنٍ مختلف، إلى عائقٍ أمام حلّ مشكلاته الجديدة.

مثال ذلك: حين يستدعي مجتمعٌ ما نماذج التعليم القديمة، لاستخلاص قيم الاجتهاد واحترام المعرفة ومكانة المعلّم، فإنه يمارس استلهاماً نقدياً للتراث. أما إذا جعل تلك النماذج قالباً نهائياً يرفض تطورات العلوم وطرائق التعليم الحديثة، فإنه لا يحفظ روح الماضي، بل يحوّل بعض أشكاله التاريخية إلى قيودٍ على المستقبل.

والأمر نفسه ينطبق على التراث الفكري العربي. فقراءة ابن رشد، مثلاً، لا تقتضي الاكتفاء بترديد آرائه أو التعامل معها بوصفها أجوبةً نهائية عن أسئلة العقل والدين والمجتمع، بل تقتضي استعادة منهجه في البرهان والنظر، وفحص حججه في سياقها التاريخي، واختبار إمكانات الإفادة منها في معالجة إشكاليات معاصرة. إنّ الوفاء الحقيقي للمفكر لا يتحقق بتحنيط أفكاره، بل بإحياء قدرتها على إثارة الأسئلة.

من هنا، لا يكون التجديد خيانةً للتراث بالضرورة، كما لا يكون التمسك بالموروث دليلاً كافياً على الأصالة. فقد يكون التجديد أعمق أشكال الوفاء حين يستعيد المبادئ المنتجة للمعرفة، ويتجاوز الأشكال التي استنفدت وظائفها التاريخية.

 ثانياً: حين يتحول الآخر إلى مرآة للنقص

إذا كان الارتهان للماضي يجمّد الهوية داخل سردية مكتملة، فإنّ التطابق مع الآخر قد يدفعها إلى التخلي عن حقّها في صياغة سرديتها الخاصة.

ولا يعني ذلك أنّ الانفتاح على الثقافات الأخرى يمثل تهديداً في ذاته؛ فالتبادل الحضاري من الشروط الأساسية لتطور المجتمعات، والتاريخ الإنساني شاهدٌ على أنّ الأفكار لا تنمو في عزلةٍ تامة، وأنّ كثيراً من المنجزات الكبرى نشأت من التفاعل بين ثقافات متعددة. إنما تبدأ الأزمة حين يُنظر إلى الآخر بوصفه معياراً مطلقاً للتقدم، وإلى الذات بوصفها نقصاً ينبغي محوه، فتتحول الاستفادة من التجارب الإنسانية إلى محاكاةٍ تفقد معها المعرفة شروطها النقدية.

مثال ذلك: عندما تستورد دولةٌ نموذجاً تعليمياً ناجحاً في مجتمعٍ آخر، ثم تطبقه بحذافيره دون مراعاة لغتها وبنيتها الاجتماعية ومواردها الاقتصادية وحاجاتها المعرفية، فقد تنقل المؤسسات والإجراءات، لكنها لا تنقل بالضرورة الشروط التي منحت ذلك النموذج فاعليته. أما حين تدرس التجربة، وتفكك عناصر نجاحها، وتختار منها ما يتلاءم مع واقعها، ثم تعيد بناءه وفق حاجاتها، فإنها تنتقل من الاستيراد إلى إنتاج المعرفة.

وينطبق الأمر ذاته على الحداثة. فالحداثة ليست مجموعةً من المظاهر الاستهلاكية أو التقنيات المستوردة أو المصطلحات التي تُستخدم لإثبات مواكبة العصر، بل هي، في أحد أبعادها الجوهرية، قدرة المجتمع على مساءلة مؤسساته، وإنتاج المعرفة، وتنظيم العلاقة بين الفرد والسلطة، وتطوير أدوات التفكير والعمل.

ولهذا يمكن لمجتمعٍ أن يمتلك أحدث التقنيات، ويستخدم أكثر المفردات الفكرية تداولاً، بينما تظل بنيته الثقافية أسيرة التبعية؛ لأنه استورد أدوات التحديث دون أن يطوّر الشروط المعرفية والاجتماعية التي تتيح له المشاركة في إنتاجه.

وفي المقابل، لا تعني المحافظة على الخصوصية رفض المنجز الإنساني المشترك، ولا تعني حماية اللغة أو الذاكرة أو الموروث إغلاق النوافذ أمام العالم. فالخصوصية التي لا تتفاعل مع غيرها تتحول إلى عزلة، والانفتاح الذي لا يستند إلى وعيٍ بالذات يتحول إلى استلاب.

 ثالثاً: الهوية المحاكاتية بين الانغلاق والتبعية

تتخذ أزمة الهوية، في هذا السياق، صورتين تبدوان متناقضتين، لكنهما تلتقيان في تعطيل الفاعلية التاريخية.

الصورة الأولى هي الهوية المنغلقة التي تستمد يقينها من ماضٍ تتعامل معه باعتباره حقيقةً مكتملة، فتنظر إلى كل اختلاف بوصفه تهديداً، وإلى كل تجديد باعتباره خروجاً عن الأصل. وهي، على الرغم من خطابها الذي يعلن الدفاع عن الخصوصية، قد تعجز عن إنتاج إجاباتٍ جديدة عن المشكلات التي يفرضها الواقع.

أما الصورة الثانية فهي الهوية المقلّدة التي تقيس قيمتها بمقدار اقترابها من نموذجٍ خارجي، فتتبنى لغته ومفاهيمه وأذواقه دون أن تفحص خلفياته أو شروطه. وهي، على الرغم من خطابها الذي يحتفي بالتقدم والانفتاح، قد تفقد القدرة على التمييز بين الاستفادة الواعية والتبعية غير النقدية.

وفي الحالتين، لا تمارس الذات حريتها كاملةً؛ ففي الأولى يهيمن الماضي على الحاضر، وفي الثانية يهيمن النموذج الخارجي على إمكانات الذات. والنتيجة هي هوية محاكاتية، لا تستعيد الماضي بقدر ما تكرر صورته، ولا تستوعب الآخر بقدر ما تقلّده.

ولعلّ المفارقة الأعمق أنّ الانغلاق والتقليد، على الرغم من تعارضهما الظاهري، يشتركان في تعطيل السؤال النقدي. فالمنغلق يرفض السؤال خشية المساس بالموروث، والمقلّد يتنازل عنه لأنه يفترض أنّ الإجابة قد أُنتجت سلفاً في مكانٍ آخر.

إنّ الهوية الفاعلة، في المقابل، لا تكتفي بأن تسأل: من أين جئنا؟ ولا تكتفي بأن تستفسر: ماذا أنجز الآخرون؟ بل تضيف إلى السؤالين سؤالاً ثالثاً أكثر جوهرية: ماذا نستطيع أن ننتج نحن، انطلاقاً من خبرتنا التاريخية، وبالاستفادة النقدية من الخبرة الإنسانية؟

رابعاً: إعادة تأويل التراث بوصفها فعلاً تاريخياً

إنّ إعادة تأويل التراث لا تعني إخضاع الماضي لأهواء الحاضر، ولا انتقاء ما يوافق رغباتنا وإهمال ما يخالفها، وإنما تعني التعامل معه بوصفه نتاجاً تاريخياً متعدد الطبقات، تشكّل في ظروفٍ محددة، وتداخلت في بنائه عوامل معرفية واجتماعية وسياسية ولغوية.

وهذا يقتضي التمييز بين النص وسياق إنتاجه، وبين مقاصده المحتملة وتاريخ تلقيه، وبين القيم التي يمكن استعادتها والأحكام التي ارتبطت بظروفٍ لم تعد قائمة. كما يقتضي الاعتراف بأنّ التراث ليس كتلةً متجانسة، بل فضاءٌ تتجاور فيه الاجتهادات والاختلافات والتناقضات، وأنّ اختيار قراءةٍ واحدة منه بوصفها التعبير الوحيد عن الهوية قد يكون إقصاءً لثرائه الداخلي.

مثال ذلك: إنّ العودة إلى التراث العربي في مجال الشورى أو العدالة أو تنظيم المجتمع لا ينبغي أن تقتصر على استحضار المصطلحات القديمة، بل تستدعي بحثاً في المضامين التاريخية لهذه المفاهيم، ثم مساءلة إمكانات تطويرها في ضوء قضايا المواطنة والمؤسسات الحديثة وحقوق الإنسان. فلا يكفي التشابه اللفظي بين مفهومين لإثبات تطابقهما، كما لا يجوز تجاهل الفروق التاريخية بينهما.

وهنا تبرز أهمية المنهج النقدي الذي لا يقدّس التراث ولا يزدريه؛ إذ يرى فيه مادةً للفهم والحوار وإعادة البناء، لا سلطةً تعفي العقل من مسؤوليته. فالتراث الذي يُمنع من المراجعة يتحول إلى ذاكرةٍ مغلقة، أما التراث الذي يدخل في حوارٍ حيّ مع الحاضر، فيغدو عنصراً فاعلاً في تشكيل المستقبل.

والمعيار، في نهاية المطاف، ليس مقدار ما نستحضره من الماضي، بل نوع العلاقة التي نقيمها معه، ومدى قدرتنا على تحويل الذاكرة إلى معرفة، والمعرفة إلى فعلٍ تاريخي منتج.

خامساً: استيعاب المنجز الإنساني دون فقدان الذات

لا تنمو الهوية في مواجهة الآخر وحدها، ولا تتطور بالانكفاء على الذات، بل تتشكل من خلال علاقةٍ مركبة بين معرفة الذات وفهم الآخر وإعادة بناء العلاقة بينهما.

فالمنجز الإنساني ليس ملكاً حصرياً لحضارةٍ بعينها؛ إنّه حصيلة تفاعلاتٍ طويلة، أسهمت فيها ثقافات متعددة، عبر الترجمة والاحتكاك والتبادل والصراع. ومن ثمّ، فإنّ الاستفادة منه لا تمثل تنازلاً عن الهوية، بل قد تكون شرطاً لتجديدها، متى تمت بوعيٍ نقدي.

مثال ذلك: إنّ ترجمة الأعمال الفلسفية والعلمية من اللغات الأخرى لا تحقق غايتها بمجرد نقل المصطلحات إلى اللغة العربية؛ إذ ينبغي أن ترافقها عملية بناءٍ للمفاهيم، ونقدٍ للمناهج، وإنتاجٍ لأبحاثٍ قادرة على اختبار الأفكار وتطويرها. فالترجمة التي تكتفي بالاستهلاك توسّع دائرة الاطلاع، أما الترجمة التي تحفّز الحوار والإبداع فتسهم في توسيع دائرة الإنتاج المعرفي.

وكذلك فإنّ الحفاظ على اللغة العربية لا يتحقق بالاكتفاء بالدفاع الخطابي عنها، بل بتطوير قدرتها على استيعاب العلوم والفلسفات والفنون المعاصرة، وإنتاج معرفةٍ جديدة بها. فاللغة التي تُستخدم للتفكير والابتكار تكتسب حيويةً متجددة، بينما تتراجع فاعليتها حين تُحصر في الاحتفاء بالماضي دون المشاركة في صناعة الحاضر.

إنّ الانفتاح الواعي لا يطلب من الذات أن تتنازل عن خصوصيتها، بل يدعوها إلى اختبار هذه الخصوصية في فضاءٍ أوسع، لتكتشف ما فيها من عناصر قابلة للتجدد، وما تحتاج إليه من مراجعة، وما يمكن أن تضيفه إلى التجربة الإنسانية المشتركة.

سادساً: من الهوية الموروثة إلى الهوية المنتجة

ليست الهوية شيئاً نتلقاه مكتملاً من الأجيال السابقة، ثم نحمله كما هو إلى الأجيال اللاحقة؛ إنها أيضاً ما نصنعه بأنفسنا من خلال خياراتنا الثقافية والمعرفية والأخلاقية، ومن خلال قدرتنا على تحويل التجربة التاريخية إلى إمكاناتٍ جديدة.

فالإنسان لا يختار جميع عناصر ماضيه، لكنه يستطيع أن يختار الطريقة التي يفهم بها ذلك الماضي، وأن يحدد ما يريد استمراره منه، وما يحتاج إلى إعادة النظر فيه. والمجتمع لا يستطيع محو تاريخه، لكنه يستطيع أن يغيّر علاقته به، وأن يحوّل جراحه القديمة إلى معرفة، وإخفاقاته إلى دروس، وإنجازاته إلى حوافز لمزيدٍ من الإبداع.

ومن هنا، فإنّ الهوية المنتجة لا تقاس بمدى تشابه الحاضر مع الماضي، ولا بمقدار اقترابه من الآخر، بل بقدرة المجتمع على ممارسة الاختيار الواعي، وإنتاج المعنى، والمشاركة في تشكيل التاريخ بدل الاكتفاء بمشاهدة الآخرين وهم يصوغونه.

إنّ الهوية التي تخشى النقد تضعف أمام التحولات، لأنها تربط وجودها بثبات صورها. والهوية التي تتنازل عن مرجعياتها تفقد قدرتها على الاختيار، لأنها تجعل قيمة ذاتها رهينة الاعتراف الخارجي. أما الهوية المتجددة، فتستمد قوتها من قدرتها على الجمع بين الذاكرة والمراجعة، وبين الخصوصية والانفتاح، وبين الاستمرار والتحول.

ولا يتحقق هذا التوازن بقرارٍ لغوي أو شعارٍ ثقافي، بل يحتاج إلى مؤسسات تعليمية وبحثية فاعلة، وإلى حريةٍ في التفكير والتعبير، وإلى فضاءٍ عام يسمح بتعدد الآراء، وإلى ثقافةٍ لا تعاقب الإنسان لأنه يراجع أفكاره، ولا تمنحه الامتياز لمجرد أنّه يكرر المألوف.

فلا هوية حية بلا نقد، ولا أصالة بلا قدرةٍ على التجدد، ولا انفتاح مثمر بلا وعيٍ بالذات.

  أن نكون أنفسنا دون أن نكون أسرى أنفسنا

إنّ المعضلة الحقيقية ليست في الاختيار بين الماضي والآخر، بل في تجاوز الثنائية التي تجعل أحدهما نقيضاً للآخر. فالماضي ليس قدراً مغلقاً، والآخر ليس نموذجاً مطلقاً، والهوية ليست جوهراً ثابتاً لا تمسه التحولات. إنّها بناءٌ تاريخي متجدد، يتغذى من الذاكرة، ويتعلم من الاختلاف، ويختبر أفكاره في ضوء التجربة، ويعيد صياغة ذاته كلما اتسعت معرفته بالعالم وبنفسه.

ومن ثمّ، فإنّ استعادة الفاعلية التاريخية تبدأ حين نتحرر من وهمين متقابلين: وهم أنّ كل ما ورثناه صالحٌ لكل زمان، ووهم أنّ كل ما ينتجه الآخر صالحٌ لنا لمجرد أنّه صادرٌ عنه. وبين الوهمين تنفتح مساحة العقل النقدي، حيث يصبح التراث موضوعاً للفهم لا صنماً للتقديس، ويصبح الآخر شريكاً في المعرفة لا مرآةً نقيس بها قيمتنا، وتصبح الهوية فعلاً من أفعال الإبداع لا مجرد امتثالٍ لما سبق أو محاكاةٍ لما هو قائم.

إنّ الهوية لا تُصان بتكرار الماضي، ولا تتجدد باستعارة الآخر، بل بامتلاك القدرة على إعادة تأويل الموروث، واستيعاب المنجز الإنساني، وإنتاج إجاباتٍ تنبع من شروطنا التاريخية دون أن تنغلق داخلها. فالأصالة ليست أن نظل كما كنا، والحداثة ليست أن نصبح نسخةً من غيرنا؛ الأصالة أن نمتلك شجاعة مراجعة ذاكرتنا، والحداثة أن نمتلك القدرة على المشاركة في صناعة مستقبلنا.

وعند هذه النقطة، تتحول الهوية من عبءٍ نحمله خوفاً من الفقدان، إلى طاقةٍ ننتج بها المعنى؛ ومن سرديةٍ مكتملة تخشى الأسئلة، إلى مشروعٍ مفتوح يثق بأنّ الذات لا تفقد نفسها حين تتغير، بل قد تكتشف حقيقتها الأعمق حين تتحرر من الخوف من التغيير.

فالهوية الحية ليست ما نكرره عن أنفسنا، بل ما نستطيع أن نصنعه بأنفسنا، دون أن ننكر جذورنا أو نتنازل عن حقنا في الإضافة إلى العالم.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

طالما نستخدم كلمات ومصطلحات ومفاهيم مختلفة في حديثنا عن الإنسان والعالم، فإن أول ما تقتضيه منا الفلسفة هو ألا نكتفي باستخدام الكلمات، بل أن نتوقف عند معانيها. فالكلمات التي تبدو متجاورة في اللغة قد تكون متباعدة في الدلالة، وربما كان الخلط بينها أحد أسباب كثير من الالتباسات التي تحاصر وعينا بأنفسنا وبالعالم. ومن هنا يبدأ السؤال: ما العقل؟ وما الفكر؟ وما التفكير؟ وهل نحن نعقل لأن لنا دماغًا، أم نفكر لأننا تعلمنا كيف نستخدم هذا الدماغ؟ وهل يكفي أن يمتلك الإنسان عقلًا لكي يكون كائنًا مفكرًا؟

تلك هي وظيفة التفلسف الدائمة: أن يعيد النظر في الأشياء التي ألفناها حتى صارت تبدو لنا بديهية، وأن يحول المألوف إلى سؤال.

تنطلق فرضيتنا من التميز بين العقل والدماغ بوصفه الجهاز المركزي ومحور التحكم في الجسد الحيواني والإنساني. لكنه، لا يضمن وحده نشوء العقل المفكر. فالدماغ يمكن أن يبقى أسير حاجاته الأولية إذا لم يجد البيئة التي تستثير قدراته وتوسع إمكاناته. وإذا تُرك الإنسان لفطرته الغريزية وحدها، فإنه يظل قريبًا من اللحظة البيولوجية للحياة: الهواء والماء والغذاء والتكاثر والحماية من الخطر.

ولعل تاريخ الإنسان الطويل هو، في جانب منه، تاريخ الخروج التدريجي من هذه اللحظة البيولوجية إلى لحظة أخرى أكثر تعقيدًا: لحظة الوعي بالحاجة إلى الأمن والاستقرار وتنظيم العيش المشترك في المدن والحواضر السياسية إذ احتاج الإنسان إلى آلاف الأجيال كي ينتقل تدريجيًا من الصيد والترحال إلى الزراعة والاستقرار، ومن الجماعة الصغيرة إلى المدينة، ومن الأسطورة إلى المعرفة، ومن المعرفة إلى العلم، ومن المشاهدة المباشرة إلى التفكير المجرد. وفي كل انتقال كان الدماغ الإنساني يتعلم وظيفة جديدة.

ويمكن النظر إلى تاريخ الذكاء البشري بوصفه مسارًا متدرجًا عبر أربع تحولات كبرى في إنتاج المعرفة وتداولها. بدأت المرحلة الأولى باكتشاف اللغة، حين انتقل الإنسان من الإشارة والأصوات الغريزية إلى الرموز والكلمات، فأصبح قادرًا على استحضار الغائب، وتذكر الماضي، وتخيّل المستقبل، وتحويل التجربة الفردية إلى خبرة مشتركة؛ وهكذا أصبحت اللغة بيتًا للوعي ووسيطًا للفكر. ثم جاءت المرحلة الثانية باختراع الكتابة، التي حررت المعرفة من حدود الذاكرة الفردية، وحولت الكلام العابر إلى أثر قابل للحفظ والتداول عبر الأجيال، فصارت الكتابة ذاكرة خارجية للإنسان. أما المرحلة الثالثة فتمثلت في اختراع غوتنبرغ للمطبعة في القرن الخامس عشر، حيث خرجت المعرفة من ندرة المخطوطات إلى فضاء أوسع من النشر والتداول والتراكم، وأسهم ذلك في نشوء الثقافة الحديثة والعلوم الحديثة. ونحن اليوم ندخل المرحلة الرابعة، مرحلة الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي، التي لا تكتفي بتخزين المعرفة ونشرها، بل تشارك في معالجتها وتحليلها وإعادة تركيبها وإنتاج محتويات جديدة بسرعة ونطاق غير مسبوقين. وإذا كانت اللغة قد وسعت قدرة الإنسان على التعبير، والكتابة ذاكرته، والمطبعة انتشار معرفته، فإن الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل علاقته بالمعرفة نفسها، ويفتح سؤالًا جديدًا حول مستقبل العقل والتفكير ومعنى الذكاء البشري.

فكيف يمكننا التمييز بين العقل والفكر والتفكير؟

العقل، في تصوري، هو الإمكان الإنساني العام للوعي والإدراك والتذكر والتخيل والتمييز وربط المدركات بعضها ببعض. إنه أشبه بالنور الداخلي الذي يجعل العالم الخارجي قابلًا للظهور أمام الإنسان بوصفه عالمًا ذا معنى. أما الفكر فهو ما ينتجه العقل حين يبدأ في تجاوز الاستجابة المباشرة للمؤثرات، فيتساءل ويشك ويقارن ويحلل ويستنتج ويحكم. وأما التفكير فهو الفعل الذي يجعل هذا الإمكان حيًا ومتحركًا؛ إنه ممارسة العقل بواسطة الفكر.

لكن العقل لا ينمو تلقائيًا كما ينمو شعر الرأس . بل يحتاج إلى تربية ورعاية مثلما تحتاج الأرض إلى الحراثة. فالأرض مهما كانت خصبة لا تعطي ثمارها من دون زراعة ورعاية، والعقل مهما كان ذكيًا لا ينتج المعرفة والفهم من دون لغة وتعليم وتجربة وحوار وممارسة.

ومن هنا تأتي أهمية الفلسفة والعلوم والآداب والفنون. إنها ليست مجرد تراكم للمعلومات، وإنما وسائل لتوسيع إمكانات العقل، وتحريره من أسر البداهات الجاهزة، وتعليمه النظر إلى الشيء من أكثر من زاوية فالمعرفة التي لا تتحول إلى قدرة على الفهم والحكم والفعل تظل معرفة خارجية. قد يحمل الإنسان آلاف المعلومات في ذاكرته، لكنه لا يستطيع استخدامها في حياته؛ عندئذ تكون المعلومات قد سكنت ذاكرته دون أن تصبح جزءًا من عقله فالمفاهيم هي نظارات العقل التي ننظر من خلالها إلى العالم. لا نرى الواقع عاريًا، وإنما نراه عبر الكلمات والصور والمفاهيم والتصنيفات التي تعلمناها. وحتى جون لوك، حين تحدث عن العقل بوصفه صفحة بيضاء، لم يكن يعني أن الإنسان يظل صفحة بيضاء؛ فاللغة والتربية والثقافة تبدأ منذ الطفولة في نقش هذه الصفحة.

لكن المفاهيم نفسها يمكن أن تتحول إلى أوثان.

فحين نكرر مفهومًا طويلًا دون أن نعيد مساءلته، يتحول من أداة للفهم إلى قيد على الفهم. وحين نرث إجابات الماضي ونستخدمها بوصفها أجوبة نهائية لكل أسئلة الحاضر، تتحول المعرفة إلى عقيدة، ويتحول العقل إلى مستودع، ويتراجع التفكير.

لهذا كانت الفلسفة، منذ ولادتها، نوعًا من تطهير العقل من أوهامه فالفيلسوف لا يأتي بمعجزات ولا يهبط من خارج التاريخ ليمنح البشر الحقيقة النهائية. إنه، في أقصى ما يستطيع، يبني صورة مفهومية عن العالم الذي يعيش فيه، ويعيد صياغة أسئلة عصره في لغة أكثر تجريدًا واتساقًا وعقلانية.

التفكير ليس مجرد تشغيل للدماغ، ولا تكديسًا للمعلومات، ولا القدرة على إنتاج الكلام، وإنما هو حوار داخلي يجعل الإنسان قادرًا على مراجعة أفكاره والشك في يقينياته والقول: ربما أكون مخطئًا. ولهذا فإن التفكير فعل معرفي وأخلاقي في آن؛ لأنه يحرر الإنسان من أسر ما ورثه، ومن ضغط الجماعة، ومن سطوة الأيديولوجيا، ومن الاستسلام لما تقترحه الخوارزميات. وإذا كانت الحرية قد ارتبطت قديمًا بالتحرر من سلطة الإنسان على الإنسان، فإنها في العصر الرقمي تحتاج إلى معنى جديد: التحرر من الاستسلام الأعمى للآلة والخوارزمية. فالعقل هو الإمكان، والفكر هو ما يتشكل داخله، والتفكير هو الفعل الذي يوقظ هذا الإمكان ويختبره. وقد يمتلك الإنسان عقلًا دون أن يستخدمه، ومعرفة دون أن يفهمها، وفكرًا دون أن يمارسه. لذلك لا تكمن حاجتنا اليوم في عقل يعرف معلومات أكثر، بل في عقل يفهم ويميز وينقد ويربط ويحكم، وفي فكر يتجدد كلما تغير العالم. وحين تصبح الإجابات متاحة بضغطة زر، تصبح قيمة السؤال أعظم؛ وحين تستطيع الآلة إنتاج الكلام، تصبح مسؤوليتنا البحث عن المعنى. ولعل السؤال الأعمق في عصر الذكاء الاصطناعي ليس: هل تستطيع الآلة أن تفكر؟ بل: هل ما زال الإنسان يعرف كيف يفكر؟

وهنا نصل إلى السؤال الذي يفرض نفسه علينا اليوم: ماذا يحدث للعقل والتفكير حين يدخل الذكاء الاصطناعي إلى قلب العملية المعرفية؟ لقد تغيرت علاقتنا بالمعرفة؛ فلم نعد نبحث عنها في الكتاب والمكتبة والإنترنت فحسب، بل أصبحت تقترب منا، وتبحث وتقارن وتلخص وتترجم وتكتب وتنتج في ثوانٍ. ولذلك لم يعد السؤال الأهم: كيف نحصل على المعرفة؟ بل: ماذا نفعل بها حين تصبح متاحة إلى هذا الحد؟ لقد انتقلنا من عصر كانت فيه المشكلة ندرة المعلومات إلى عصر تكمن مشكلته في وفرتها، ومن ثم من نقص المعرفة إلى خطر فائضها ونقص المعنى. هنا تتغير وظيفة التعليم والفلسفة معًا: لم يعد كافيًا أن نعرف، بل ينبغي أن نتعلم كيف نسأل، وكيف نتحقق، وكيف نميز، وكيف نربط، وكيف نحكم، وكيف نتحمل مسؤولية ما نقول ونفعل. فالآلة تستطيع أن تساعدنا في التفكير، لكنها لا ينبغي أن تفكر بدلًا منا؛ تستطيع أن تنتج الإجابات، لكنها لا تمنحها المعنى. وكلما ازدادت الآلات ذكاءً، ازدادت حاجتنا إلى إنسان يعرف لماذا يفكر، وماذا يريد، وما الذي يستحق أن يفكر فيه. ولعل مستقبل الإنسان لا يتوقف على أن نجعل الآلة أكثر شبهًا بنا، بل على أن نجعل أنفسنا أكثر وعيًا بمعنى أن نكون بشرًا.

***

ا. د. قاسم المحبشي

 

الفلسفة بوصفها عبورًا من الإجابة إلى السؤال، قد يبدو السؤال عن حاجتنا إلى الفلسفة غريبًا في زمن نستطيع فيه، خلال ثوانٍ قليلة، أن نحصل على إجابة تكاد تكون جاهزة عن أي شيء. يكفي أن نكتب سؤالًا في محرك بحث، أو نسأل هاتفًا ذكيًا، أو نفتح منصة من منصات التواصل، حتى تتدفق أمامنا آلاف الإجابات، بعضها يشرح، وبعضها يفسر، وبعضها ينصح، وبعضها يقرر لنا ما ينبغي أن نعتقده. نحن نعيش، للمفارقة، في زمن لم تعد فيه المشكلة الكبرى هي غياب الإجابة، وإنما وفرة الإجابات. لكن ماذا يحدث عندما يصبح الإنسان محاصرًا بالإجابات إلى الحد الذي ينسى معه كيف يسأل؟ ربما هنا تبدأ الفلسفة.

ليست المشكلة أن الإنسان المعاصر لا يعرف شيئًا، بل أنه يعرف أشياء كثيرة قبل أن يسأل من أين جاءت، ولماذا يصدقها، وما الذي تستبعده، ومن الذي صاغها له، وما الإمكان الذي تغلقه حين تقدم نفسها بوصفها حقيقة مكتملة. وقد تكون الإجابة صحيحة من حيث مضمونها، لكنها تصبح مشكلة حين تمنع السؤال الذي كان يمكن أن يكشف أبعادًا أخرى من المسألة. ولذلك فإن الخطر لا يكمن دائمًا في الجهل، بل يمكن أن يكمن أيضًا في الإجابة التي تنهي التفكير قبل أن يبدأ.

وهنا يظهر السؤال الخفي الذي يقف وراء هذا المقال: هل يحتاج الإنسان إلى الفلسفة لأنه لا يملك الإجابات، أم لأنه يحتاج إلى أن يتعلم كيف يعيش دون أن تتحول الإجابات إلى حدود نهائية لتفكيره؟

هذه المسألة تبدو بسيطة، لكنها تقودنا إلى قلب العلاقة بين الإنسان والفكر. فنحن لا نبدأ حياتنا من الصفر. يولد كل واحد منا داخل عالم سبق أن امتلأ بالأسماء والقيم والتصورات والتفسيرات. نتعلم منذ طفولتنا ما هو صحيح وما هو خطأ، ما هو مقبول وما هو مرفوض، من هو القريب ومن هو الغريب، ماذا يعني النجاح وماذا يعني الفشل، كيف ينبغي أن نرى أنفسنا وكيف ينبغي أن نرى الآخرين. وحتى قبل أن نمتلك القدرة على السؤال، تكون الإجابات قد بدأت في تشكيلنا.

وهنا لا بد من التوقف عند اعتراض أساسي: هل يمكن للإنسان أصلًا أن يعيش من دون إجابات؟ بالطبع لا. فالإنسان يحتاج إلى المعرفة لكي يتصرف، ويحتاج إلى اللغة لكي يتواصل، ويحتاج إلى القيم لكي يختار، ويحتاج إلى قدر من الاستقرار لكي يبني حياته. ليست المشكلة في وجود الإجابات، ولا في أن تكون لدينا قناعات ومواقف، وإنما في اللحظة التي تتحول فيها هذه الإجابات إلى شيء لا يسمح لنفسه بالمراجعة. فالإجابة ليست نقيض الفلسفة، بل يمكن أن تكون نقطة بدايتها. وما يجعلها فلسفية ليس مضمونها وحده، وإنما استعدادها لأن تدخل في السؤال.

هنا يحدث التحول الأول: لا ننتقل من الإجابة إلى رفض الإجابة، وإنما من الإجابة المغلقة إلى الإجابة القابلة للسؤال. وهذا التحول هو أحد المعاني الأساسية لفلسفة العبور. فالعبور لا يعني أن نترك كل ما نعرفه خلفنا، ولا يعني أن نهدم الحدود لمجرد أنها حدود. الإنسان لا يستطيع أن يفكر خارج كل حد؛ لأن التفكير نفسه يحتاج إلى لغة ومفاهيم وتجارب وتاريخ. لكن الحد يمكن أن يكون مغلقًا، ويمكن أن يكون مفتوحًا. يمكن أن يقول لنا: «هنا تنتهي إمكانات التفكير»، ويمكن أن يقول: «من هنا يمكنك أن تعبر إلى سؤال آخر». ومن هذه الزاوية تصبح الفلسفة فعلًا في إعادة فتح الحدود.

حين أسأل لماذا أعتقد ما أعتقد؟ فأنا لا أهدم اعتقادي بالضرورة، وإنما أفتح له مجالًا جديدًا للفهم. وحين أسأل لماذا أرفض هذا الإنسان؟ فأنا لا أضطر إلى قبول موقفه، وإنما أفتح المسافة التي تمكنني من فهم مصدر رفضي. وحين أسأل هل ما أعتبره حقيقة نهائية هو كذلك فعلًا؟ فأنا لا أستبدل الحقيقة بالشك الدائم، وإنما أختبر الحدود التي رسمتها معرفتي. وحين أسأل هل يمكن أن أكون شيئًا آخر غير ما اعتدت أن أكونه؟ فأنا لا أنكر ذاتي، وإنما أفتحها على إمكان التحول.

لهذا فإن السؤال الفلسفي لا يشبه السؤال الذي نطرحه للحصول على معلومة فقط. عندما نسأل: «كم يبلغ ارتفاع جبل إيفرست؟» نريد معلومة يمكن أن تكون لها إجابة محددة. لكن عندما نسأل: «ما الإنسان؟» أو «ما الحرية؟» أو «ما العدالة؟» أو «كيف أعرف أن ما أعتقده صحيح؟»، فإن السؤال لا يطلب مجرد معلومة؛ إنه يعيدنا إلى الشروط التي تجعلنا نفكر بهذه الطريقة أصلًا. وهنا تظهر وظيفة الفلسفة أن تجعل السؤال مرئيًا حيث كانت الإجابة تخفيه.

ولذلك لم تكن لحظة سقراط المهمة هي امتلاكه جوابًا نهائيًا عن الفضيلة أو العدالة، بل قدرته على تحويل ما يبدو بديهيًا إلى موضوع للفحص. فالسؤال السقراطي لا يبدأ من ادعاء امتلاك الحقيقة، وإنما من اكتشاف أن ما نظنه واضحًا قد يكون أكثر تعقيدًا مما نعتقد. ومن هنا يمكن فهم الفلسفة باعتبارها انتقالًا من «أعرف» إلى «كيف أعرف؟»، ومن «هذا هو الصحيح» إلى «ما الذي يجعلني أعده صحيحًا؟».

لكن السؤال لا يأتي من خارج الحياة. إنه يظهر غالبًا عندما يحدث تصدع صغير في المألوف.

قد يعيش الإنسان سنوات وهو يعتقد أنه يعرف معنى النجاح، ثم يخسر شيئًا كان يظنه شرطًا لسعادته، فيكتشف أن تعريفه للنجاح لم يكن تعريفه وحده.

وقد يعتقد أن الهوية شيء ثابت، ثم يسافر أو يلتقي بثقافة مختلفة أو يعيش تجربة تغير نظرته إلى نفسه، فيكتشف أن ما كان يراه طبيعيًا لم يكن سوى إحدى الطرق الممكنة لفهم الذات.

وقد يظن أن الآخر هو المختلف عنه فحسب، ثم يكتشف، من خلال الحوار، أن اختلاف الآخر لا يلغي اشتراكهما في هشاشة إنسانية واحدة.

وقد يعتقد أنه حر لأنه يختار، ثم يكتشف أن كثيرًا من اختياراته كانت قد صيغت له مسبقًا بواسطة العائلة أو المجتمع أو السوق أو الإعلام أو الخوارزميات.

في هذه اللحظات لا تقدم الفلسفة عالمًا بديلًا؛ إنها تجعل العالم الذي نعيش فيه قابلًا لإعادة النظر.

وهنا يمكن أن نفهم لماذا أصبح السؤال أكثر ضرورة في عصر الخوارزميات. فالخوارزمية لا تحتاج إلى أن تمنعك من التفكير حتى تؤثر فيك؛ يكفي أحيانًا أن تسبقك إلى ما ستراه، وما ستقرأه، وما ستسمعه، وأن تجعل بعض الأشياء أكثر حضورًا من غيرها. ومع تكرار الاختيار نفسه، يمكن أن يتحول ما تقترحه المنصة إلى ما يبدو لنا طبيعيًا، ثم يتحول الطبيعي إلى رغبة، ثم تتحول الرغبة إلى اعتقاد بأننا اخترنا بحرية.

لا يعني هذا أن كل اختيار تقترحه الخوارزميات زائف، ولا أن التقنية تلغي حرية الإنسان. المسألة أكثر تعقيدًا ما نحتاجه هو أن نعيد إدخال السؤال في المكان الذي يبدو فيه الاختيار تلقائيًا. مثال: لماذا ظهر هذا المحتوى أمامي؟ لماذا أميل إلى هذا الرأي؟ لماذا أغضب من هذا الخبر؟ لماذا أصدّق هذا المصدر ولا أصدّق غيره؟، هل أنا الذي اخترت، أم أنني اخترت داخل مجال من الاختيارات سبق ترتيبه لي؟

هذه الأسئلة لا تقدم لنا حرية سحرية، لكنها تجعل شروط اختيارنا أكثر وضوحًا. ومن هنا يمكن أن تصبح الفلسفة ممارسة للتحرر، لا لأنها تعد الإنسان بالخروج من كل الشروط، وإنما لأنها تعلمه أن يرى الشروط التي يتحرك داخلها.

وهذا يقودنا إلى معنى آخر للسؤال: السؤال ليس نقصًا في المعرفة، بل يمكن أن يكون شكلًا من أشكال المعرفة. فالطفل الذي يسأل «لماذا؟» لا يكون جاهلًا بالمعنى البسيط؛ إنه يرفض أن يأخذ العالم كما أعطي له. إنه يريد أن يعرف العلاقة بين الأشياء، والسبب الذي يجعل ما هو موجود موجودًا، والقاعدة التي تجعل الأمر صحيحًا أو خاطئًا. ولهذا فإن السؤال الفلسفي يحتفظ بشيء من دهشة الطفل، لكنه يضيف إليها القدرة على بناء الحجة وفحص المفاهيم ومراجعة النتائج.

غير أن المجتمع قد يعلم الإنسان، تدريجيًا، أن بعض الأسئلة غير ضرورية، وبعضها غير مناسب، وبعضها خطر، وبعضها لا ينبغي طرحه. وقد تصبح التربية أحيانًا تدريبًا على الإجابة أكثر مما هي تدريب على السؤال. يحفظ الطالب الجواب لأنه سيُسأل عنه في الامتحان، ويتعلم الموظف القاعدة لأنه سيُحاسب على مخالفتها، ويتعلم الفرد ما ينبغي أن يقول لكي ينتمي، وما ينبغي أن يصمت عنه لكي لا يخرج عن الجماعة.

وهنا لا تصبح الفلسفة مجرد مادة دراسية، بل تصبح استعادة للحق في السؤال. لكن استعادة الحق في السؤال لا تعني تحويل كل شيء إلى شك عدمي. ليس المطلوب أن نشك في كل شيء طوال الوقت، ولا أن نعامل الحقيقة والوهم كما لو كانا متساويين، ولا أن يصبح التفكير مجرد اعتراض دائم. السؤال الفلسفي ليس رغبة في الهدم من أجل الهدم؛ إنه محاولة للعبور من موقف أول إلى فهم أكثر تركيبًا.

ولهذا فإن السؤال الحقيقي لا يكتفي بأن يقول: «لا». إنه يسأل إذا لم يكن الأمر كما اعتقدنا، فكيف يمكن أن نفهمه؟ هنا يبدأ الانتقال من التفكيك إلى إعادة البناء. فبعد أن نسأل عن حدود فكرة ما، علينا أن نكتشف إمكاناتها. وبعد أن نراجع الهوية، علينا أن نسأل كيف يمكن بناء هوية أكثر انفتاحًا. وبعد أن نكشف أثر السلطة في أفكارنا، علينا أن نسأل كيف يمكن أن نمارس قدرتنا على الفعل. وبعد أن نكتشف أن المعرفة ليست محايدة تمامًا، علينا أن نبحث عن شروط معرفة أكثر نقدًا ومسؤولية. وهذه هي النقطة التي تجعل التفكير الفلسفي مختلفًا عن مجرد المعارضة.

المعارضة تقول: ما تقوله خطأ. أما الفلسفة فتسأل: ما الذي يجعل هذا القول ممكنًا، وما حدوده، وما الذي يمكن أن يصبح عليه؟ إنها لا تكتفي بتبديل جواب بجواب، بل تحاول أن تغير علاقتنا بالإجابة نفسها.

ومن هنا يمكن إعادة تعريف الفلسفة: ليست الفلسفة مستودعًا للإجابات الكبرى، بل قدرة على إبقاء الفكر في حالة حركة. لا تعني الحركة أن الفكر بلا موقف، بل أن الموقف لا يتحول إلى سجن. ولا يعني الانفتاح أن كل الأفكار متساوية، بل أن كل فكرة قابلة للاختبار ما دامت تدعي أنها تستحق أن تُفهم وتُدافع عنها. وهنا يظهر الإنسان العابر.

إنه ليس الإنسان الذي لا يمتلك هوية، بل الإنسان الذي لا يحول هويته إلى نهاية. وليس الإنسان الذي يرفض ماضيه، بل الذي يستطيع أن يعيد قراءته. وليس الإنسان الذي يعيش بلا حدود، بل الذي يعرف أن الحدود يمكن أن تكون شروطًا للفعل، وأن بعضها يمكن عبوره. وليس الإنسان الذي يتخلى عن قناعاته، بل الذي يستطيع أن يضعها في فضاء المراجعة دون خوف من أن يؤدي السؤال إلى انهيار الذات.

لذلك فإن التفكير الفلسفي الذي نبحث عنه في هذا الكتاب لا يريد أن ينتج جمهورًا يحفظ مقولات الفلاسفة، وإنما يريد أن يفتح داخل الإنسان مسافة بينه وبين ما يعتقده؛ مسافة لا تعني الاغتراب عن الذات، بل تمنح الذات فرصة لأن ترى نفسها وهي تتشكل. ربما تكون هذه المسافة هي المكان الأول للحرية.

فحين يصبح الإنسان مطابقًا تمامًا لما قيل له، يصعب عليه أن يرى أن هناك إمكانًا آخر. أما حين يستطيع أن يقول: «ربما أكون مخطئًا»، فإنه لا يفقد ذاته؛ إنه يفتحها على إمكانية جديدة. ومن هنا نصل إلى العبور الذي يؤسس هذا الكتاب كله: من الإجابة إلى السؤال.

لكن هذا العبور ليس انتقالًا من اليقين إلى الشك، ولا من المعرفة إلى الجهل، ولا من الحقيقة إلى النسبية. إنه انتقال من الفكر المغلق إلى الفكر القابل للحركة. الإجابة تقول: «هذا هو الأمر».

والسؤال يضيف: «كيف أصبح كذلك؟ وهل يمكن أن يكون غير ذلك؟ وما الذي لا أراه فيه؟ وإلى أين يمكن أن يقودني فهمه الجديد؟» عند هذه النقطة تصبح الفلسفة ممارسة للعبور. نحن لا نحتاج إلى الفلسفة لأن العالم بلا إجابات، بل لأن العالم مليء بإجابات تحتاج إلى أن تُسأل من جديد.

ولا نحتاج إلى الفلسفة لكي نستبدل أفكارنا بأفكار الفلاسفة، بل لكي نكتشف أن لنا حقًا ومسؤولية في التفكير. ولا نحتاج إلى الفلسفة لكي نخرج من العالم، بل لكي نعود إليه بقدرة أكبر على رؤيته.

فربما لا يكون السؤال الفلسفي هو الذي يفتح لنا بابًا واحدًا نحو جواب نهائي، وإنما هو الذي يكشف أن وراء كل باب يمكن أن توجد عتبة أخرى. وبذلك يصبح السؤال نفسه فعل عبور.

من الإجابة إلى السؤال. ومن السؤال إلى الحد. ومن الحد إلى العبور. ومن العبور إلى التحول. ومن التحول إلى تعدد الإمكانات. ومن تعدد الإمكانات إلى العلاقة. ومن العلاقة إلى الممكن.

وهنا تبدأ الفلسفة، لا بوصفها نهاية التفكير، وإنما بوصفها اللحظة التي يرفض فيها الإنسان أن تكون الإجابة آخر ما يستطيع أن يصل إليه.

***

د. عامر عبد زيد الوائلي

 

بادئ ذي بدء نقول: لم تختف الفلسفة من العالم العربي، لكنها فقدت شيئا من حضورها، فما زالت الفلسفة تدرس في الجامعات، وتصدر عنها الكتب والبحوث والدراسات، وما زالت أسماء الفلاسفة حاضرة في المجال الأكاديمي والثقافي، غير أن حضورها في الوعي العام لم يعد يوازي تاريخها ولا قيمة الأسئلة التي تنهض بها. وكأن الفلسفة بقيت موجودة بوصفها تخصصا علميا، بينما أخذت تتراجع بوصفها طريقة في النظر إلى الإنسان والعالم والحياة.

ومن هنا لا يبدو السؤال الحقيقي" لماذا لا يقرأ الناس كتب الفلسفة؟" فهذه ليست المشكلة في جوهرها، وإنما السؤال الأعمق هو" كيف أصبح الإنسان العربي المعاصر أقل شعورا بالحاجة إلى الفلسفة؟".

فالفلسفة لا تزدهر لمجرد وجود الكتب، وإنما تزدهر حين يشعر الإنسان أن حياته لا تستقيم من دون الأسئلة التي تطرحها. وحين تتراجع الحاجة إلى هذه الأسئلة، يمكن للفلسفة أن تبقى في الجامعة، وأن تبقى في المكتبات، وأن تظل موضوعا للرسائل العلمية، لكنها تفقد موقعها في الحياة.

لقد تغيرت صورة المعرفة نفسها، ففي عالم تحكمه السرعة والتقنية والمنافسة، أصبحت المعرفة تقاس، في كثير من الأحيان، بما تستطيع أن تفعله، لا بما تستطيع أن تكشفه من معنى. نبحث عن المعرفة التي تساعدنا على إنجاز عمل، أو زيادة دخل، أو تطوير تقنية، أو علاج مرض، أو إدارة مؤسسة. وهذه كلها حاجات مشروعة وضرورية، لكنها لا تستنفد معنى المعرفة.

فهناك معرفة تسأل: كيف نفعل؟ وثمة معرفة أخرى تسأل:" لماذا نفعل؟ وإلى أين يقودنا ما نفعل؟ وما الذي ينبغي أن نفعله أصلا؟

الأولى تمنح الإنسان القدرة، والثانية تمنحه البصيرة، ومن هنا يمكن أن نفهم جانبا من تراجع الفلسفة. لقد أصبحنا نعيش في زمن تتسع فيه قدرتنا على الفعل بسرعة تفوق قدرتنا على التفكير في غايات هذا الفعل. نمتلك وسائل أكثر، لكننا لا نملك بالضرورة وضوحا أكبر بشأن الغايات. نستطيع أن نتواصل مع العالم كله في لحظات، لكن ذلك لا يعني أننا أصبحنا أكثر قدرة على فهم الإنسان، ونستطيع أن ننتج المعرفة ونخزنها وننقلها بصورة لم يعرفها التاريخ من قبل، لكن وفرة المعرفة لا تعني بالضرورة وفرة الحكمة.

وهنا تستعيد الفلسفة ضرورتها؛ فهي لا تأتي لتنافس العلم في مجاله، ولا لتقدم بديلا عن المعرفة العلمية، وإنما لتسأل عن الإنسان الذي يستخدم هذه المعرفة، وعن الغاية التي ينبغي أن توجه هذه القدرة الهائلة على الفعل.

ولعل هذه إحدى مفارقات العصر، فكلما ازداد الإنسان قدرة على تغيير العالم، ازدادت حاجته إلى أن يفهم ماذا يريد من هذا العالم.

غير أن أزمة حضور الفلسفة لا يمكن تفسيرها فقط بتحولات المعرفة الحديثة أو بهيمنة النزعة النفعية، فثمة سبب أعمق يتصل بطبيعة الفلسفة ذاتها؛ فالفلسفة في جوهرها ليست معرفة تطمئن إلى الإجابات الجاهزة، وإنما ممارسة عقلية تعيد السؤال إلى الواجهة كلما ظن الناس أن الأمر قد حسم.

إنها تسأل عن الحقيقة، ولكنها تسأل أيضا عن شروط الوصول إليها. وتسأل عن الحرية، لكنها لا تكتفي بترديد قيمة الحرية، بل تسأل عن حدودها وشروطها وموانعها. وتسأل عن العدالة والمساواة والحق والسلطة والشرعية، ولا تكتفي بما هو قائم، وإنما تبحث في ما ينبغي أن يكون.

ومن هنا كان السؤال الفلسفي، في بعض السياقات التاريخية، سؤالا غير مريح للسلطة حين تتحول السلطة من وسيلة لتنظيم المجال العام إلى محاولة لاحتكار الحقيقة أو تحصين ممارساتها من النقد. فالسؤال عن الحرية قد يكشف حدود ما هو متاح منها، والسؤال عن العدالة قد يكشف المسافة بين القيمة المعلنة والواقع، والسؤال عن الشرعية لا يكتفي بوجود السلطة، وإنما يبحث عن الأساس الذي يجعلها جديرة بالطاعة.

ولهذا لا تكون الفلسفة مقلقة للسلطة لأنها تعارض السلطة بالضرورة، وإنما لأن طبيعتها النقدية تجعلها غير قابلة بسهولة للتعايش مع أي سلطة تريد أن تجعل بعض إجاباتها نهائية، أو بعض تصوراتها فوق المساءلة.

والأمر نفسه ينبغي أن يفهم بدقة فيما يتعلق بالمجال الديني، فالمشكلة ليست في الدين بوصفه مجالا للإيمان والقيم والمعنى، وإنما في كل نمط من أنماط السلطة المعرفية حين يتحول تفسير الحقيقة إلى احتكار يمنع السؤال والمراجعة والحوار. فالفلسفة لا تعادي الدين من حيث هو دين، وإنما ترفض من حيث المبدأ أن تتحول أي إجابة إلى حصانة تمنع العقل من ممارسة وظيفته النقدية.

وهنا ربما نفهم لماذا كان حضور الفلسفة تاريخيا متفاوتا باختلاف البيئات الثقافية والسياسية، فحيث تتسع مساحة السؤال والحوار والنقد، تجد الفلسفة مجالا أرحب للحضور، وحيث تضيق هذه المساحة، تميل الفلسفة إلى الانحسار أو الانكماش داخل المؤسسات الأكاديمية.

لكن اختزال تراجع الفلسفة في ضغط السلطة وحده سيكون تبسيطا للقضية، كما أن تحميل المجتمع وحده مسؤولية هذا التراجع سيكون ظلما للفلسفة نفسها. فثمة مسؤولية تقع على عاتق المشتغلين بالفلسفة، وربما كانت هذه المسؤولية هي الجزء الذي نستطيع أن نفعله فعلا.

لقد تغيرت صورة الإنسان أيضا، فأصبح الإنسان، في جانب كبير من الحياة المعاصرة، يعرف نفسه من خلال ما ينتجه وما يملكه وما يحققه. صار النجاح عنوانا بارزا للوجود، وأصبح السؤال عن قيمة الإنسان كثيرا ما يمر عبر مكانته الاجتماعية ودخله ومهنته ومقدار ما يملك من فرص وتأثير.

وفي ظل هذا التصور تضيق المساحة المخصصة للأسئلة التي لا تقدم عائدا مباشرا مثل: ما الحياة التي تستحق أن تعاش؟ ما معنى النجاح؟ هل كل ما نستطيع فعله ينبغي أن نفعله؟ ما الذي يجعل الإنسان إنسانا؟ ما السعادة؟ وما الحرية؟ وما العدالة؟ وما الذي يمنح الوجود الإنساني قيمته؟

هذه ليست أسئلة زائدة عن الحاجة، بل هي الأسئلة التي تظهر عادة عندما يكتشف الإنسان أن امتلاك الوسائل لا يجيب عن سؤال الغاية.

ومن هنا تبدو الفلسفة، في جوهرها، دفاعا عن الإنسان في مواجهة اختزاله. فحين يتحول الإنسان إلى وظيفة، تذكره الفلسفة بأنه أكثر من وظيفته. وحين يتحول إلى مستهلك، تذكره بأنه أكثر من حاجاته. وحين يصبح رقما في نظام اقتصادي أو سياسي، تعيده إلى فردانيته وكرامته وحريته ومسؤوليته. وحين يصبح نجاحه مقياسا لقيمته، تسأله عن معنى النجاح نفسه.

لكن ثمة تحولا آخر جعل حضور الفلسفة أكثر صعوبة، فنحن نعيش في زمن فائض من الإجابات. في الأزمنة السابقة كان الإنسان يواجه مشكلة نقص المعرفة، أما الإنسان المعاصر فيواجه مشكلة أخرى، وهي كثرة المعرفة وكثرة الآراء وكثرة التفسيرات. كل شيء تقريبا أصبح قابلا لأن يجد له جوابا فوريا. سؤال في محرك بحث، مقطع قصير، منشور، رأي خبير، تعليق عابر، وخوارزمية تقترح عليك ما ينبغي أن تعرفه وما ينبغي أن تشاهده. لقد أصبحنا نعيش في عالم يجيب بسرعة شديدة، حتى كاد لا يترك للإنسان وقتا كافيا ليتأمل السؤال.

وهنا تكمن مفارقة شديدة الدلالة: ربما لم يعد الإنسان المعاصر يعاني من غياب الإجابة، وإنما من غياب القدرة على التمييز بين الإجابات، وهذا يعيد الفلسفة إلى وظيفتها الأساسية. فالفلسفة لا تكتفي بأن تسأل عن الجواب، وإنما تسأل عن شروطه، وعن مقدماته، وعن منطقه، وعن قيمته، وعن النتائج التي تترتب عليه. وهي لا تمنح العقل مجرد معلومات، وإنما تدربه على النظر.

ولذلك فإن مجتمع الوفرة المعلوماتية- الراهن - يحتاج إلى الفلسفة بقدر، وربما أكثر، من مجتمع ندرة المعلومات. فكلما كثرت الأصوات، ازدادت الحاجة إلى عقل يستطيع أن يميز بين الحجة والادعاء، وبين المعرفة والوهم، وبين الرأي والدليل، وبين الحقيقة وما يبدو كذلك.

ومع ذلك، لا يمكن أن نطالب المجتمع بأن يستعيد حاجته إلى الفلسفة بينما تبقى الفلسفة نفسها بعيدة عن كثير من الأسئلة التي تشغل المجتمع. وهنا تبدأ مسؤولية الفلسفة عن استعادة فاعليتها.

لقد أصبحت الفلسفة مطالبة بأن تسأل عن موقعها كما تسأل عن موقع الإنسان والعالم. هل نجح الخطاب الفلسفي العربي المعاصر في الاقتراب من الإنسان؟ هل خرجت الفلسفة بما يكفي من أسوار التخصص الأكاديمي؟ وهل استطاع المشتغلون بها أن يقدموا للناس خبرتها بوصفها تفكيرا في الحياة، أم ظلت في كثير من الأحيان أسيرة للمصطلح والتاريخ والتخصص الضيق؟

لقد تكونت في بعض البيئات صورة عن الفلسفة باعتبارها معرفة صعبة، بعيدة، شديدة التجريد، لا يتصل خطابها بما يعيشه الإنسان كل يوم. وقد ساهم بعض الخطاب الفلسفي نفسه، من حيث لا يقصد، في تكريس هذه الصورة حين جعل من لغة الفلسفة غاية بدلا من أن تكون وسيلة.

وليس المطلوب تبسيط الفلسفة حتى تفقد عمقها، وإنما المطلوب أن تستعيد قدرتها على الوصول. فعمق الفكرة لا يعني غموضها، والرصانة لا تعني الانغلاق، والتخصص لا يعني الانفصال عن الحياة. فالفلسفة التي لا تسكن شيئا من أسئلة الإنسان اليومية تتحول إلى معرفة عن الفلسفة، لا إلى فلسفة.

ومن هنا يصبح إصلاح مناهج الفلسفة وتطوير برامجها وربطها بقضايا العلم والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي وسوق العمل أمرا ضروريا، لكنه لا يكفي وحده. فالفلسفة التي تعيد بناء مناهجها من الداخل، ثم تبقى بعيدة عن المجتمع من الخارج، تكون قد قطعت نصف الطريق فقط.

لقد أصبح من الضروري أن تنتقل الفلسفة من الدفاع عن وجودها إلى صناعة فاعليتها. أن تقدم التفكير النقدي بوصفه مهارة حية، وأن تدخل في حوار حقيقي مع العلوم والتكنولوجيا والاقتصاد والإعلام والتعليم والفنون، وأن تشتبك مع الأسئلة الجديدة التي أنتجها عصرنا، لا أن تكتفي بإعادة عرض الأسئلة التي أنتجتها عصور سابقة.

ومن هنا تبرز أهمية إعادة النظر في علاقة الفلسفة بسوق العمل، لا بمعنى اختزال الفلسفة في منفعتها الاقتصادية، وإنما بمعنى اكتشاف القدرات التي تنميها لدى الإنسان من: التفكير النقدي، والقدرة على تحليل المشكلات، والحوار، وبناء الحجة، واتخاذ القرار، والمرونة الفكرية، والقدرة على مراجعة المواقف في ضوء الأدلة.

فالجامعة التي تطور مناهج الفلسفة، وتربطها بالعلوم والتكنولوجيا، وتفتح المجال أمام تطبيقاتها الجديدة، لا تتخلى عن الفلسفة، وإنما تبحث عن صورتها الممكنة في عالم تغيرت فيه طبيعة العمل والمعرفة.

لكن حتى هذه الخطوة، على أهميتها، لا تجيب وحدها عن السؤال الذي يفرض نفسه الآن" ماذا عن المجتمع؟".

هل يمكن للفلسفة أن تطور مناهجها، وتعيد صياغة برامجها، وتربط نفسها بالعلم والتكنولوجيا وسوق العمل، ثم تظل علاقتها بالمجتمع محدودة؟ وهل يكفي أن تستعيد الفلسفة فاعليتها داخل الجامعة لكي تستعيد حضورها في الوعي العام؟

إن الفاعلية التي تبحث عنها الفلسفة لا ينبغي أن تتوقف عند حدود المؤسسة الأكاديمية؛ لأن الفلسفة، بحكم طبيعتها، لا تتعامل مع موضوعات معزولة عن الحياة، وإنما تنشغل بالإنسان وقيمه وأسئلته ومشكلاته. ومن ثم فإن إعادة بناء علاقتها بالمجتمع ليست ترفا إضافيا، وإنما امتداد طبيعي لإعادة بناء فاعليتها.

وهنا ينبغي أن نميز بين الظهور والحضور. فليس المطلوب أن يتحول كل أستاذ فلسفة إلى شخصية إعلامية، ولا أن يقاس أثره بعدد المتابعين أو المشاركات على وسائل التواصل الاجتماعي. فقد يكثر الظهور ويقل الأثر، وقد يكون الحضور الحقيقي هادئا، لكنه يغير طريقة الناس في النظر إلى قضية أو فهم مشكلة أو مساءلة فكرة.

القضية إذن ليست أن يصبح الفيلسوف مشهورا، وإنما أن تصبح الفلسفة حاضرة في المجال الذي تتشكل فيه أسئلة الناس ووعيهم واختياراتهم.

والحضور الحقيقي لا يقاس بعدد المتابعين أو كثرة المشاركات، وإنما بقدرة الفكرة على أن تدخل في وعي الناس، وأن تغير طريقة فهمهم لمشكلة، وأن تمنحهم أدوات للنظر والحوار والمراجعة.

وهنا يمكن أن نستعيد صورة سقراط، لا بوصفها نموذجا ينبغي نسخه حرفيا، وإنما بوصفها تذكيرا بأن الفلسفة نشأت، في جانب أساسي من تاريخها، من الحوار مع الإنسان في المجال العام. لم تكن الفلسفة مجرد نصوص مغلقة، بل كانت سؤالا يوقظ سؤالا، وحوارا يكشف المسلمات، وممارسة تجعل الإنسان يعيد النظر في ما ظنه بديهيا.

ولا يعني ذلك أن نضع الأستاذ الجامعي في مواجهة المجتمع أو نحمله وحده مسؤولية مشكلاته. فالفلسفة ليست بديلا عن العلم أو السياسة أو الاقتصاد أو الإعلام، كما أن أزمات المجتمع أكبر من أن تختزل في غياب الفلاسفة. لكن للفلسفة وظيفة لا يستطيع غيرها أن يؤديها بالطريقة نفسها، ألا وهي: مساءلة المفاهيم التي تقوم عليها حياتنا، وفحص القيم التي توجه اختياراتنا، وكشف الافتراضات التي تختبئ خلف كثير من المواقف التي تبدو بديهية.

ومن هنا فإن إعادة بناء علاقة الفلسفة بالمجتمع لا تعني النزول بالفلسفة إلى مستوى الخطاب السطحي، وإنما الارتقاء بالمجتمع إلى مستوى السؤال الفلسفي.

أن نتحدث عن الحرية بلغة يفهمها الإنسان، وأن نناقش العدالة في ضوء مشكلاته الواقعية، وأن نطرح سؤال الهوية في زمن العولمة والتكنولوجيا، وأن نسأل عن الإنسان في عصر الذكاء الاصطناعي، وعن المسؤولية الأخلاقية في عالم تتسارع فيه القدرة على الفعل، وعن معنى الحقيقة في عصر الأخبار الزائفة، وعن السعادة في مجتمع يزداد فيه الاستهلاك ولا يزداد بالضرورة فيه الرضا. وهذه ليست موضوعات ترف فكري، وإنما هي صميم الوجود الإنساني المعاصر.

وهنا تلتقي مسؤولية المجتمع مع مسؤولية الفلسفة. فالمجتمع يحتاج إلى الفلسفة حتى لا تتحول الإجابات الجاهزة إلى حقائق نهائية، والفلسفة تحتاج إلى المجتمع حتى لا تتحول أسئلتها إلى تمرين أكاديمي منفصل عن الحياة.

إن الفلسفة التي تنغلق داخل الجامعة تخاطر بأن تصبح معرفة عن الفلسفة، والفلسفة التي تذوب تماما في الإعلام والمجال العام تخاطر بأن تفقد صرامتها النقدية. وبين الانغلاق والذوبان توجد منطقة ثالثة هي التي ينبغي أن نبحث عنها، فلسفة رصينة تعرف كيف تصل، وحاضرة تعرف كيف تحافظ على استقلالها النقدي.

ومن هنا فإن استعادة الفلسفة إلى الوعي العربي لا تعني أن نجعل الناس جميعا قراء للفلسفة الأكاديمية، وإنما أن نعيد إلى الحياة شيئا من الروح التي قامت عليها الفلسفة، كالتمهل، والفحص، والنقد، والحوار، والقدرة على مراجعة الذات، والبحث عن المعنى.

وليس المطلوب أن نعيد إنتاج فلسفات الماضي، وإنما أن نعيد إنتاج القدرة على التفلسف في مواجهة أسئلة الحاضر.

فكما سأل الفلاسفة عن العدالة والفضيلة والحقيقة، نحن مطالبون اليوم بأن نسأل عن معنى الإنسان في عصر التقنية، وعن الحرية في زمن الخوارزميات، وعن قيمة المعرفة في زمن الذكاء الاصطناعي، وعن العدالة في عالم تتسع فيه الفوارق، وعن السعادة في مجتمع يزداد فيه الاستهلاك ولا يزداد بالضرورة فيه الرضا، وعن الهوية في عالم تتقاطع فيه الثقافات بصورة غير مسبوقة. فهذه ليست أسئلة مستوردة من تاريخ الفلسفة، بل أسئلة وجودنا الراهن.

وعند هذه النقطة يتضح أن أزمة الفلسفة ليست أزمة غياب واحد، وإنما أزمة متعددة المستويات. فقد تراجعت حاجتها في وعي اجتماعي أصبح يميل إلى المعرفة النافعة والسريعة، وواجهت في بعض السياقات سلطة لا ترحب دائما بالسؤال النقدي حين يمس مسلماتها، وانكفأ جزء من الخطاب الفلسفي إلى التخصص الأكاديمي بما أبعده عن لغة الحياة، ثم جاءت الثقافة الرقمية لتفرض إيقاعا سريعا لا تنسجم معه طبيعة التفكير الفلسفي بسهولة. لكن هذه العوامل لا ينبغي أن تقودنا إلى الشكوى بقدر ما ينبغي أن تقودنا إلى إعادة البناء.

فإذا كانت الفلسفة قد فقدت بعض حضورها، فإن استعادته لن تكون بمجرد الدفاع عن ضرورتها. وإذا كانت قد ابتعدت عن المجتمع، فلن يكفي أن نلوم المجتمع على ابتعاده عنها. وإذا كانت مناهجها تحتاج إلى تطوير، فإن تطوير المناهج ينبغي أن يكون جزءا من مشروع أوسع يعيد تعريف وظيفة الفلسفة في الحياة.

إن السؤال الحقيقي لم يعد"هل الفلسفة ضرورية؟"، فهذا سؤال تجاوزته الفلسفة منذ زمن طويل. وإنما السؤال الأهم هو "كيف تجعل الفلسفة ضرورتها محسوسة في حياة الإنسان؟".

وهنا تنتقل الفلسفة من الدفاع عن وجودها إلى صناعة فاعليتها، ومن صناعة فاعليتها إلى استعادة حضورها، ومن استعادة حضورها إلى إعادة بناء علاقتها بالإنسان والمجتمع.

فالفلسفة لا تحتاج إلى أن تستعيد مكانتها في رفوف المكتبات بقدر ما تحتاج إلى أن تستعيد مكانتها في عقل الإنسان.

وحين تصبح الفلسفة قادرة على أن تدخل إلى المدرسة والجامعة والمختبر ومكان العمل والفضاء الثقافي والإعلامي، وأن تحاور العلم والتكنولوجيا والاقتصاد والفن، وأن تقترب من الإنسان في أسئلته اليومية دون أن تفقد عمقها واستقلالها، فإنها لن تكون مجرد تخصص أكاديمي يدافع عن حقه في البقاء، بل ستصبح قوة معرفية وأخلاقية قادرة على المشاركة في تشكيل الوعي.

ولعل مستقبل الفلسفة في عالمنا العربي لا يتوقف في النهاية على عدد من يدرسونها، وإنما على قدرتها على أن تجعل الإنسان يشعر بأن السؤال الفلسفي ليس ترفا، وأن التفكير ليس عائقا أمام الحياة، وأن النقد ليس خصومة، وأن الاختلاف ليس تهديدا، وأن المعرفة لا تكتمل بمجرد امتلاك الإجابة.

فحين يستعيد الإنسان حقه في السؤال، تستعيد الفلسفة حقها في الحضور. وحين تخرج الفلسفة من عزلتها دون أن تفقد استقلالها، وتعيد بناء مناهجها دون أن تختزل نفسها في المنفعة، وتنفتح على المجتمع دون أن تتحول إلى خطاب دعائي، فإنها لا تستعيد مكانتها فحسب، وإنما تستعيد وظيفتها.

وربما يكون هذا هو التحدي الحقيقي أمام الفلسفة اليوم، ألا تبحث فقط عن مكان لها داخل المجتمع، بل أن تجعل المجتمع نفسه يكتشف لماذا يحتاج إليها.

فالفلسفة، في النهاية، لا تعيش في الكتب وحدها، ولا في قاعات الدرس وحدها؛ إنها تعيش حيث يوجد إنسان يرفض أن يكتفي بما قيل له، ويسأل عما ينبغي أن يكون، ويمتلك شجاعة النظر إلى أفكاره ومعتقداته وممارساته بعين نقدية.

وعندما يستعيد الإنسان قدرته على أن يرى، ويسأل، ويحاور، ويميز، ويراجع ما ظنه يوما بديهيا، تكون الفلسفة قد استعادت حضورها الحقيقي؛ لا بوصفها علما من علوم الجامعة فحسب، وإنما بوصفها إحدى صور الوعي الإنساني ذاته.

***

بقلم: أ.د. ياسر البتانوني

أستاذ الفلسفة الإسلامية بكلية الآداب جامعة المنوفية

يا أعدَلَ الناسِ إلا في معاملتي

فيكَ الخِصامُ وأنت الخِصْمُ والحَكَمُ

بهذا البيْتِ لَخَّصَ المتنبي ألَمًا يُخامِرُ نفسَ الإنسانِ، حين يكون مصيرُه بين يدي خِصْمه يُسطِّرُه حيث شاء.

لقد ارتبَطَتْ كلمةُ «سُفسطائي» في أذهانِ جمهرةٍ غفيرةٍ من المثقفين وغيرهم، بكل ما هو قبيح؛ فيكفي أن تُذْكَرَ كلمةُ «سفسطائي» ومشتقاتها، حتى يُترجِم ذِهْنُ مَن أمامك هذه الكلمةَ بالمغالطات، والسفه، والجدل العقيم، والتلاعب بالكلمات، وخداع الناس...إلخ من الأوصاف الكفيلةِ بتنفير السامعِ من هذه الطائفة وهذا المسمى.

فمِن أين أتت هذه الصورةُ التي تُشَيْطِن السوفسطائيين؟

إن لفظة «سوفسطائي» في أصلها كانت تعني: كل مَن يمتلك مهارةَ إتقانِ فنٍّ ما من الفنون والمعارف، أي أن دلالة الكلمةِ في بدايتها كانت تشيرُ إلى التميُّزِ والإتقان والدقة، سواء في المجالاتِ النظريةِ أو العملية(١).

ثم حدَثَ تطورٌ في معنى كلمة «سوفسطائي»؛ فأصبحَتْ تدل على «المُعلِّم»، الذي يُعلِّم الناسَ فنونَ الجدلِ والإقناع وإدارة الشأن العام، أي هنا حدثَ انحصارٌ لمصطلح «سوفسطائي»، وبدلًا من اتساعه ليشمَلَ الإتقانَ والتميُّزَ في كل فن من الفنون، كما كان في بدايته؛ أصبحتْ دلالته تنصرفُ وتختص فقط بـ «المُعلِّم»، وهذا يدل على قيمةِ التجديد الذي قام به المعلمون في هذه الحقبة، إلى درجة استحقاقهم وحدهم للفظة «سوفسطائي»(٢)، وحتى مع هذا التطورِ الدلالي لمصطلح «سوفسطائي»، إلا أننا نلاحظُ أنه ما زال يَنحصرُ في معنى إيجابي رفيع، بل كان مصطلح «سوفسطائي» يُقصَدُ به -أيضًا- «مُعلِّمو الحِكمة»، وكان الناسُ يفهمون من هذا اللفظ -سوفسطائي- ما نفهمه نحن من لفظ «أستاذ جامعي»، ولم يكن له معنى مُحِط بالكرامة حتى قام النزاعُ بين الدينِ والفلسفة، فأدَّى إلى هجومِ المحافظين على السوفسطائيين(٣).

ملابسات ظهور السوفسطائيين

قبْل ظهور السوفسطائيين، كان هناك توجُّهٌ للتقليل مِن الحواسِّ وقدرتها على إنتاج المعرفة، انتصارًا للجانب النظري والأنطولوجي، ولكن مع ظهور السوفسطائيين، بدأ الإعلاءُ من قيمة «الشك» كمنهج، وكذلك الإعلاء من دورِ الحواسِّ وأهميتها، والاهتمام بالمسألة الإنسانية بشكل أكبر من القضايا الأنطولوجية والنظرية(٤) التي تتسمُ في بعض الأحيان بالطابع التجريدي في نظر كثيرين، فكان بروتاغوراس -أشهر السوفسطائيين- يرى أن الحواس مُقدَّمة على أي شيء في مجال المعرفة، وهذا الرأي هو ما قال به جون لوك(٥) بعد مئات السنين في عصرِ النهضةِ الأوروبيةِ والثورةِ على القرون المظلمة.

ولقد أحدثَ السوفسطائيون، وعلى رأسهم بروتاغوراس، هزَّةً عنيفةً في المجتمع آنذاك، عندما قالوا بأن الحقيقة المُطلَقة لا وجود لها، وأن كلَّ المعارفِ نسبية، وأنه قد تكون الأقوالُ المتناقضةُ حقائقَ متساوية القيمة في اعتقادِ أشخاصٍ مختلفين، أو في أزمنةٍ مختلفة، وأن الحقيقة كلها والخير والجمال أمور نسبية وشخصية(٦). ولعل الواقع يؤكد صحةَ كلام السوفسطائيين فيما يتعلق بأمر النسبية، فنحن نرى بالفعل أن قيمةً ما في المجتمع الغربي تُعَد مباحةً وغير مُستنكرَة، بينما نجدها في مجتمعاتنا الشرقية قبيحةً ومُسترذَلة، وهذا هو جوهر النسبية: اختلفَت الثقافات، واختلفَ الأشخاصُ؛ فاختَلَفَتْ بالتبعية طبيعة النظرة إلى الأمور والحُكم عليها.

وقد نستنتج جزءًا مِن حالة السخطِ على السوفسطائيين، من خلال معرفتنا بأن مبادئهم هذه قد لاقت مجتمعًا منغلقًا من الناحية الدينية، وعندما طبَّقَ بروتاغوراس هذا المبدأ على الدين، كان من البَدَهي أن يلقى ثورةً عارمةً تقفُ في وجهه وفي وجْهِ جماعةِ السوفسطائيين كلهم، وكانت نتيجة ذلك أن تم نَفْي أشهر السوفسطائيين: بروتاغوراس، وإصدار الأوامرِ إلى الأثينيين بتسليم أيَّة كتابات له عندهم، وتم إحراقُ كتبه في السوق العامة(٧).

ولنا هنا وَقْفةٌ: لو كان السوفسطائيون مجرَّد أناس يتسمون بالتفكير السطحي والتلاعب، وأن هناك مَن هو أقوى منهم حُجَّةً وعِلْمًا، فلِمَ كل هذا الخوف مِن أفكارِهم، إلى درجة اتخاذ مثل الإجراءات السابقةِ ضدهم؟ ولو وُجِد مَن هو أعمق منهم فكرًا، فلِمَ لمْ يتم التصدي لأفكارهم بالفكرِ والمواجهةِ بدلًا من المطاردة وإحراق الكتب وتعمد التشويه؟

لقد كان من خصالهم المشهود لهم بها: أنهم هم الذين اخترعوا لأوروبا النحو والمنطق، وهم الذين ارتقوا بفن الجدل، وعلموا الناسَ كيف يكشفون المغالطاتِ المنطقيةَ، وهم الذين استخدموا المنطق في اللغة؛ فزادوا الأفكارَ وضوحًا، ويَسَّروا انتقالَ المعرفةِ انتقالًا صحيحًا دقيقًا، وبالإضافة إلى مَلَكاتهم العلميةِ هذه، وأثرهم في الحضارةِ اليونانية والغربية، فقد كانوا أيضًا -على المستوى الشخصي- من ذوي الأخلاق الطيبة، والعاداتِ المحتشمة المهذبة(٨).

وهذا يدفع عنهم التهمة التي تقول بأنهم كانوا سببًا في الانحلال الذي شهدته هذه الحقبة، فقال خصومُهم إن مبدأ «النسبية» الذي نادوا به، شجَّعَ الناسَ والشبابَ على الخروج عن تقاليد المجتمع، ورأى كل شخص -من المقتنعين بأفكارهم- في نفسه معيارًا للحكم على الأشياء، وأن له الحرية في الخروج عن تقاليد مجتمعه، هذا ما أراد بعضهم تحميله للسفسطائيين، بينما الانحلال الذي حدث في هذه الحقبة له أسباب أخرى غير مبادئ السوفسطائيين، ومن هذه الأسباب والعوامل: حالة الثراء التي انتشرتْ عند كثيرين في هذا الوقت، والثراء، في بعض الأحيان يكون عاملًا في القضاء على التزمُّت والفكر التقليدي(٩).

ولا أرى أن تأثرَ كثير من الناس بالسوفسطائيين، وأن يروا في أنفسهم أن لهم الحرية، أقول: لا أرى أن هذا الأمر تهمةٌ للسوفسطائيين من الأساس، فالإنسان بالفعل له حريةُ تقرير مصيره، طالما لم يَتَعد على حقوقِ الآخرين، وحتى إن وُجِدَ بعضُ مَن اتخذ من مبادئ السوفسطائيين مدخلًا للانحلال، فهذا ليس ذنب السوفسطائيين؛ فمُختَرِع السكين ليس له عَلاقة بمَن أساء استخدامها في الجرائم، ولنا في أوروبا الحديثة والمعاصرة خيرُ دليلٍ على ذلك، فقد شاعَ فيها مبدأ النسبية، بل توغل هذا المبدأ واستفحل أكثر في فلسفة ما بعد الحداثة، ومع هذا، لا نجِد الانحلالَ في القانون العام للبلاد، نعم على المستوى الفردي أصبح هناك من الحرية ما قد يُعَد في ثقافاتٍ أخرى من قبيل الانحلال، ولكني أتكلمُ عن الشكل العام للنظام، لم نجد خروجًا وفوضى في بلادهم ثم نسبوا ذلك إلى مبادئ النسبية وفلسفة الشك.

بل أقولُ إن منهجَ الشكِّ والنسبيةِ هذا هو الذي حرر أوروبا من العصور المظلمة، وكان الدافعَ لها نحو عصر الحضارة والتقدم والاكتشافات العلمية المذهلة، وحتى -جدلًا- إن افترضنا أن مبدأ النسبية له دور في التحرر والانحلال، فماذا عن الشعوبِ والبلادِ التي لا تقتنعُ بمبدأ النسبية، ولا بمبادئ السوفسطائيين؟ هل كانوا أحسنَ حالًا من البلاد التي اقتنعت بمبدأ النسبية؟! هل اختفى فيها الانحلالُ وتلاشَت الجريمةُ؟ هل استطاعوا أن يحققوا قدرًا من العيشِ الكريم كما حققتْه بلاد مبدأ النسبية؟ وإذا عَلِمنا أن الإجابة على كل هذه الأسئلة تؤكد عدم امتياز البلاد غير المؤمنة بالنسبية على غيرها من البلاد المؤمنة بها، فهل بعد ذلك يكون من المعقولِ أن نتَّخِذَ من مبادئ السوفسطائيين، وعلى رأسها مبدأ النسبية، مُبرِّرًا لتشويههم وإلصاق الاتهامات بهم؟ لا أريدُ بذلك كله ادِّعاءَ العصمةِ للسوفسطائيين؛ فهم بشرٌ في أول الأمر وآخره، ولكن أنْ يتم قَلْب كلِّ الحقائقِ والموازين، والسعي بكل طريقة لإلصاق كل نقيصة بهم، فهذا هو الذي يَبْعَثُ على الأسى.

أفلاطون وقَلْب دلالة لفظة «سوفسطائي».

بعد انتشار فِكْر السوفسطائيين، وترسيخهم لمبادئ التفكير العملي، والإعلاء مِن قيمة الحس والتجربة؛ ظهرَ آنذاك منافسٌ شرسٌ لهم، وهو: أفلاطون، الذي سعى إلى استعادةِ المشروعِ الفلسفي النظري؛ لمناهضة الحس العملي والتجريبي للسوفسطائيين، وأفلاطون هو الذي استطاع بحِدة نقْده والتسفيه اللذيْن امتلأتْ بهما نصوصه، إن يَقْلِبَ معنى لفظة «سوفسطائي» مِن معنى إيجابي إلى معنى سلبي قَدْحي؛ فصارت كلمات مثل: «سوفسطائية» و «سوفسطائي» و «سفسطة» نُعوتًا تُورَدُ مواردَ القدْحِ والاستهانة، وتدور كلها حول معاني: زَعْم امتلاكِ الحقيقة، وخداع الناس، وإحقاق الباطلِ، وإبطال الحق(١٠).

وكانت بداية المشروع الأفلاطوني في محاربة السوفسطائيين وتشويههم: أنه ابتدعَ لهم لفظًا يَصِفُ ما يختصون بتعليمه، وهذا اللفظ هو: «ريطوريقا» أي: «الخطابة»، بعدما كان يُطلَق على ما يقومون بتعليمه: «اللوغوس»، أي «العقل»، وكانت هذه الخطوة تمثِّل حِرْصَ أفلاطون الكبير على استبدال المصطلحاتِ، والتعديل الجذري في دلالتها، وهذا التغيرُ الدلالي للفظة «سوفسطائي» كان المحطةَ الأخيرةَ التي استقر عندها المعنى السلبي للكلمة في الأذهان دون تغيير، وبلغ التشويه الذي تعمده أفلاطون في محاورته، إلى حد نَفْي السوفسطائيين خارج حقل التفلسف(١١).

وكان أمام أفلاطون مشكلة في طريق تغييره لدلالة لفظة «سوفسطائي»، هذه المشكلةُ تتمثل في أن الكلمةَ في جذرها اللغوي الإغريقي متصلة بمعاني «الحِكْمة»، وهو الوصف ذاته الذي وُصِفَ به حكماءُ اليونان وفلاسفتهم، وكان أفلاطون واعيًا بالمعنى الإيجابي للفظة سوفسطائي في الأصل اللغوي؛ ولذلك لم يجد حلًّا إلا تحويل لفظ «فيلو – صوفيا» مِن مركَّب لفظي دارج ومنتشر على الألسنة، ويدل على معاني الحكمة والفلسفة والعقل، إلى دلالة اصطلاحية جديدة معزولة عن أصلها اللغوي، فبدلًا من دلالة اللفظ في أصله على «الحِكمة» ذاتها، نَقلَه أفلاطون ليجعله دالًّا على «محبة الحكمة» فقط، وذلك كي يُقِيمَ قطيعةً بين الفلاسفةِ والسوفسطائيين، وليس هذا فقط؛ بل لكي يَطرْدَ السوفسطائيين من جماعة الفلاسفة، غير أن أفلاطون لم ينتبه إلى منزلقٍ خطيرٍ وقع فيه، وهو أن سعيه إلى تغيير دلالةِ اللفظِ اللغوي نكاية في السوفسطائيين، دَفَعَهُ إلى القولِ بأن الفيلسوفَ لا يَزعُمُ امتلاك الحكمة؛ بل هو فقط «راغِبٌ» و «مُحِبٌّ» لها، وعلى هذا يكون ضد الفيلسوف: السوفسطائي، الذي يمتلكُ الحكمةَ كلها وليس فقط كونه محبًّا لها، وهذا على أساس أصل اللفظ اللغوي، الذي سعى أفلاطون إلى تغيير دلالته، وأفلاطون بذلك قد وقع في تناقض، لأنه هو بنفسه قدَّمَ السوفسطائيين على أنهم نِسْبيون، ولكنه بتحويله لدلالة لفظة «فيلو صوفيا»، لينقلها من «الحكمة» إلى «محبة الحكمة» فقط، نَسَبَ السوفسطائيين إلى الامتلاكِ الكامل للحكمة لا مجرد الرغبة فيها(١٢)، فعظَّمَهم مِن حيث أرادَ استنقاصهم!

وكان لابد لأفلاطون -في طريق تشويهه للسوفسطائيين- أن يجِدَ له مستندًا آخر، هذا المستند تمثل في: ذم السوفسطائيين لأنهم يُعلِّمون الناس مقابل أجْر مالي، وقد أستخدمَ أفلاطون الحسَّ الشعبي السائد آنذاك، والذي كان يحتقِرُ أيَّ عملٍ مقابل أجْر، في تعميقِ تشويه السوفسطائيين(١٣).

والرد على ذلك يتمثل في القولِ بأن السوفسطائيين لم يكونوا خاضعين لتقاليد البيئة اليونانية، وهذا مقتضى مذهبهم في الشك، فهم لم يكونوا تقليديين لكي ينصاعوا إلى كل ما هو موروثٌ من عاداتٍ وتقاليدَ، وبالتالي فإن أخْذهم لمقابل مالي نظير تعليمهم للناس، أراه، في نظري، مُتَّسِقًا مع ثورةِ الشك التي أحدثوها، وكذلك ثورتهم على التقاليدِ الفكريةِ المتوارثة، فقد أرادوا البرهنةَ، بطريقةٍ علميةٍ نستنتجُها، على أنهم ليس بالضرورة أن يخضعوا لها، ولربما كان هناك بُعد آخر غير مُلتَفَتٍ إليه، وهو أن ميل السوفسطائيين إلى أخْذ مقابلٍ ماليٍّ على التعليم، يتسقُ مع فلسفتهم «العملية»، بدليل أن أفلاطون مناقِضٌ لهم في فلسفتهم العملية؛ وبالتالي ناقضَهم في مبدأهم العملي، وهو أخْذ مقابلٍ على التعليم، وهذا انتصار مِن أفلاطون لنزعته التجريديةِ المتعاليةِ المفارِقةِ للجانب العملي (في بعض الأحيان لأن هذا الجانب فيه تفصيل لا على إطلاقه)، والتي تميل إلى النظر وعالَم المُثُل/المدينة الفاضلة، حتى أصبح يُضرَبُ المثل بالأفلاطونية على كل شيء مُفارِق للمادة ويتسم بالتجريد ويميلُ إلى المعاني أكثر من الناحية الحسية والعملية.

بالإضافة إلى ذلك، فهناك عواملُ اجتماعيةٌ دَفَعَتْ أفلاطون، في نظري، إلى أن ينتقدَ مبدأ التعليم مقابل أجْر، يتمثل هذا العامل الاجتماعي في أن أفلاطون قد وُلِدَ في بيئةٍ وأسرةٍ أرستقراطية عريقة(١٤)، ونشأةُ الشخصِ في بيئةٍ مثل هذه، تُكْفيه عن أي شيء، وتحقق له الراحةَ التامة مِن عناء البحث عن مقابِل للعيش، وهذا العامل في نظري، كان مِن العوامل الكامنة في بناءِ الفلسفةُ الأفلاطونية واتجاهها نحو التجريد وعالَم المُثُل، إذ ليس بمقدور شخصٍ غير أفلاطون، في الغالب لا على التعميم، أن يتجرَّدَ من الجانبِ العملي بهذه الطريقةِ الكبيرة إلا إذا كان هناك ما يكفيه ويضمنُ له استقرارَ العيش، والتفرُّغ للتأمل والمُثُل، وهذا ما توفَّرَ لأفلاطون؛ فبالتالي كان رُكْنًا مهمًّا نحو بناء فلسفته الخاصةِ المتعالية/المدينة الفاضلة.

ومن جهة أخرى، فإن التعليمَ آنذاك لم يكن منظَّمًا مِن قِبَلِ الدولة، فبالتالي كان المعلمون السوفسطائيون يأخذون أجرَهم مباشرة من المتعلمين، ولم يكن كل السوفسطائيين يأخذون أجْرًا مقابل التعليم، كما شاركهم في أخْذ الأجْر مقابل التعليم بعض الفلاسفة الفقراء، مثل: كزينوفان(١٥)، وهذا قد يُعَضِّدُ رأينا السابق، مِن أن الحالة الاجتماعيةِ والاقتصاديةِ للشخْصِ تؤثِّرُ -أحيانًا- على اتجاهِهِ واختياراته، بدليل أن المثال السابق يَذْكُرُ فيلسوفًا من الذين يرفضون مبدأ التعليم بمقابِل، ولكن حالةَ فقرِهِ دفَعَتْهُ إلى عكس ذلك.

وإذا أردنا تقييم الأمرِ بقانون العرْض والطلب؛ سنجِدُ أن السوفسطائيين لم يخجلوا أصلًا من هذا الأمر، بل وكانوا يتفاخرون أحيانًا بأنهم يأخذون مقابلًا ماليًّا كبيرًا نظير تعليم الناس، أي كأنهم يشيرون بذلك إلى قيمتهم العاليةِ، التي تجعلُ مَن أمامهم يَدفعُ ثمنًا كبيرًا كي يتعلم عندهم، بل إننا قد نأخذُ دليلًا من كوْن السوفسطائيين يأخذون أجرًا مقابل التعليم، على أن الناسَ كانوا يُقبِلون عليهم بشدة آنذاك، ولولا هذا الإقبال؛ لَمَا كان باستطاعةِ السوفسطائيين أخْذ مقابلٍ ماليٍّ كبيرٍ على تعليمهم للناس، وذلك بحسب قانون العرْض والطلب كما قلنا، فإقبال الناس عليهم، رغم أخذْهم لمقابل مالي، دليلٌ على الاحتياج إلى ما عندهم من علوم(١٦)، وأنهم لديهم من فنون المعارفِ ما ليس عند غيرهم.

خاصةً إذا عَلِمنا أن «نوعية التعليم» السائدة في أثينا آنذاك كانت تقليديةً بدائية، لا تؤهِّلُ مَن له طموح لتقلُّد المناصبِ الرفيعةِ، وتصدُّر الشأن العام، ولم يجد مَن أراد التأهيلَ لمثل هذه المكانة إلا السوفسطائيين، بما لديهم مِن مَلَكاتٍ علميةٍ متنوعةٍ في شتى الأمور، وما يقدمونه من مستوى أعلى من التعليم غير متوفر إلا عندهم(١٧)، ومِن ثَمَّ، فإن العُملةَ الفكرية التي كان يقدِّمُها السوفسطائيون حينها كانت عملةً نادرة؛ فاستحَقَّتْ بذلك ألا تُوضَعَ في نفس المكانة التي كان يتبؤأها التعليم التقليدي، الذي لا يتم تقاضي أموال عليه.

ومن نافلة القول الإشارة إلى أن هذا الأمر (التعليم بمقابل مالي) في عصرِنا الحالي لم يَعُد يشكِّل حَرَجًا، ولكننا نرد على الشبهةِ بمقاييس زمنها، لا بمقياس الزمن الذي نحن فيه.

ومِن الأمور الدالة على سَعْي أفلاطون إلى محاولةِ الانتقاصِ الدائمةِ للسوفسطائيين: تركيزُ نقْده على جوانبَ محددةٍ، خاصة قضية التعليم بمقابل مالي، وتعليم النجاح العملي وسُبل النقاش والرد، بينما في الحقيقةِ لم يكن هذا جُل اهتمام السوفسطائيين؛ فقد كانوا يُدرِّسون أيضًا قواعدَ اللغةِ والبلاغة، والنقد الأدبي، والموسيقى، والقانون، والدين، والأخلاق، والسياسة، وكل ما يتعلق بالمجتمع، بالإضافة إلى العلوم الطبيعية، وقدَّموا منهجًا متكاملًا للتعليم العالي رفيع المستوى(١٨).

وبالتالي فإن محاولةَ غضِّ الطرْفِ عن كل هذه الفنون التي برعَ فيها السوفسطائيون وقاموا بتدريسها، والتركيز على جانب محدد عندهم هي محاولة ظاهرة في السعي لتشويههم، وهذه من أشهر المغالطاتِ المنطقية، وهو أن يُركِّزَ الخصمُ على جانبٍ محددٍ، يرى فيه بعضَ الثغرات الممكنة، عند مناظرة خصمه أو نقده، ويُهْمِلُ باقي الجوانب تفاديًا لعدم إظهار مزايا الخصم، وهذه المغالطة تُعرف بـ «رجل القَش»(١٩).

ونأتي على آخر العوامل التي نتناولها، والتي نظن، في رأينا، أنها كانت مِن بين الأسبابِ التي زادتْ مِن حدةِ تشويه أفلاطون للسوفسطائيين، وهذا العامل يتمثل في: سقراط، أستاذ أفلاطون، فكما هو معلومٌ أنه كان هناك خلافٌ كبيرٌ بين سقراط والسوفسطائيين، وقد حَمَلَ أفلاطون على عاتقِهِ الدفاعَ عن أستاذه سقراط، وهذه نقطة لا يَجِبُ أن نَغْفَلَ عنها، مع بقية العوامل، فقد يكون الدفاع عن أستاذِهِ زادَ مِن حدَّةِ تشويهه للسوفسطائيين، خاصة إذا عَلِمنا قوة العَلاقةِ بينه وبين أستاذه سقراط، وأنه كان متأثرًا لا بآرائه ومعتقداته فقط؛ وإنما في حياته وأخلاقه(٢٠).

***

بِقَلَم: محمد خليفة أحمد ـ باحث دكتوراة بكليةِ دارِ العلوم

....................

الهوامش:

(١) د. الطيب بوعزَّة، «دفاعًا عن السوفسطائيين». (ط١، بيروت، مركز نماء للدراسات والبحوث، ٢٠١٧م)، ص ٨٠.

(٢) المصدر السابق، ص ٨١.

(٣) وِل ديورانت، «قصة الحضارة»، ترجمة: محمد بدران، (ط١، بيروت، دار الجيل، د.ن)، ٢/٢١١: ٢١٢

(٤) د. الطيب بوعزَّة، «دفاعًا عن السوفسطائيين». ص ٦٨.

(٥) وِل ديورانت، «قصة الحضارة»، ٢/٢١٣: ٢١٤.

(٦) المصدر السابق، ص ٢١٤.

(٧) المصدر السابق، ص ٢١٤.

(٨) المصدر السابق، ص ٢١٨.

(٩) المصدر السابق، ص ٢١٨.

(١٠)  د. الطيب بوعزَّة، «دفاعًا عن السوفسطائيين». ص ٨٢: ٨٣.

(١١) المصدر السابق، ص ٨٣.

(١٢) المصدر السابق، ص ٨٣: ٨٤، ٨٦.

(١٣) المصدر السابق، ص ٩٤.

(١٤) يوسف كرم، «تاريخ الفلسفة اليونانية». (ط١، القاهرة، مؤسسة هنداوي، ٢٠١٤م)، ص ٧٩.

(١٥) د. الطيب بوعزَّة، «دفاعًا عن السوفسطائيين»، ص ٩٥: ٩٧.

(١٦) المصدر السابق، ص ٩٥: ٩٧.

(١٧) أنتوني جوتليب، «حلم العقل: تاريخ الفلسفة من عصر اليونان إلى عصر النهضة»، ترجمة: محمد طلبة نصار، (ط١، القاهرة، مؤسسة هنداوي، ٢٠١٤م)، ص ١٣٨.

(١٨) المصدر السابق، ص ١٣٩: ١٤٠.

(١٩) عادل مصطفى، «المغالطات المنطقية: فصول في المنطق غير الصوري»، (ط١، القاهرة، مؤسسة هنداوي، ٢٠١٩م)، ص ١٤٣: ١٤٤.

(٢٠) أفلاطون، «الجمهورية»، ترجمة: عيسى الحسن، (ط١، الأردن، الأهلية للنشر والتوزيع، ٢٠٠٩م)، ص ٦، ١٣.

في الكتابة بوصفها ممارسة للتفكير

ربما أخطأنا طويلًا حين تخيلنا أن الفيلسوف يفكر أولًا، ثم يكتب ما فكر فيه بعد ذلك. تبدو الصورة منطقية للوهلة الأولى: فكرة تتكون في الذهن، ثم تبحث عن اللغة التي تحملها، ثم يأتي النص بوصفه المرحلة الأخيرة من عملية التفكير. وكأن الفكر هو الأصل والكتابة مجرد وسيلة نقل، وكأن الفكرة تستطيع أن توجد كاملة خارج اللغة ثم تدخل إليها كما يدخل شيء مكتمل إلى وعاء فارغ. لكن ماذا لو كانت المسألة معكوسة؟ ماذا لو لم تكن الكتابة هي اللحظة التي تنتهي فيها الفكرة، بل اللحظة التي تبدأ فيها الفكرة باكتشاف ما هي عليه؟ وماذا لو كان بعض ما نسميه «فكرًا» لا يظهر إلا عندما يجد نفسه مضطرًا إلى أن يكتب؟

هنا تبدأ المشكلة الحقيقية في الكتابة الفلسفية. ليست المشكلة أن الكاتب لا يعرف ماذا يقول، بل ربما تكون في أنه يعرف مسبقًا أكثر مما ينبغي. إنه يدخل النص ومعه إجابة جاهزة، وموقف محدد، ومفاهيم مكتملة، ثم يبدأ في البحث عن الجمل التي تشرحها. عندئذ تتحول الكتابة إلى عملية تقرير: هذا هو رأيي، وهذا ما قاله الفيلسوف، وهذه هي النتيجة. وقد يكون النص صحيحًا، مرتبًا، غنيًا بالمعلومات، لكنه يظل بعيدًا عن لحظة التفلسف؛ لأن التفكير فيه قد انتهى قبل أن تبدأ الكتابة.

وهنا يظهر الفرق بين أن نكتب عن الفلسفة وأن نكتب فلسفيًا. قد نكتب عن أفلاطون فنلخص أفكاره، وعن أرسطو فنشرح منطقه، وعن كانط فنستعيد مفهومه للواجب، وعن سارتر فنقدم تصوره للحرية. وقد يكون ذلك كله معرفة فلسفية ضرورية. لكن المعرفة بالفلسفة لا تتحول تلقائيًا إلى ممارسة للفلسفة. فالفلسفة ليست فقط مجموعة من الأفكار التي يمكن حفظها وإعادة عرضها، وإنما هي قدرة على تحويل ما نعرفه إلى سؤال، وما يبدو بديهيًا إلى مشكلة، وما يبدو مستقرًا إلى موضع اختبار.

ولذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن يسبق كل حديث عن تقنيات الكتابة الفلسفية هو: متى تصبح الكتابة تفكيرًا؟

ليس عندما تستخدم المصطلحات الفلسفية بكثرة، ولا عندما تطيل الجمل، ولا عندما تزدحم الصفحات بأسماء الفلاسفة والمراجع. تصبح الكتابة تفكيرًا عندما يحدث شيء داخلها؛ عندما تتحول الفكرة من مادة جاهزة إلى موضوع للفحص، وعندما يدخل السؤال في صراع مع افتراضاته، وعندما لا يعود المفهوم مجرد تعريف نضعه بين علامتي تنصيص، بل يصبح أداة نختبر قدرتها على تفسير ما نريد فهمه.

إن السؤال الفلسفي لا يأتي عادةً من فراغ. إنه يولد عندما تتصدع علاقة اعتدنا النظر إليها بوصفها مستقرة. نعتقد أن الحرية تعني غياب القيود، ثم نكتشف أن الإنسان لا يعيش إلا داخل شروط لم يخترها. نعتقد أن الهوية تحمي الإنسان من التشتت، ثم نكتشف أن الهوية نفسها قد تتحول إلى حد يفصل الإنسان عن الآخر. نعتقد أن اللغة تصف العالم، ثم نكتشف أن العالم الذي نصفه يتشكل جزئيًا من خلال اللغة التي نصفه بها. في هذه اللحظة لا تعود الكتابة تسجيلًا للمشكلة، بل تصبح المكان الذي تتحول فيه المفارقة إلى سؤال، والسؤال إلى إشكال، والإشكال إلى بحث.

وهذا يعني أن السؤال ليس جملة استفهامية. السؤال الفلسفي ليس «هل الحرية مهمة؟» أو «ما معنى الحقيقة؟» بالمعنى المدرسي المباشر، بل هو حركة تفكير تكشف أن ما نعتقد أننا نعرفه يحتاج إلى إعادة تأسيس. السؤال الحقيقي لا يطلب جوابًا سريعًا بقدر ما يزعزع شكل الإجابة التي كنا نعتقد أنها ممكنة. ولذلك يمكن أن يكون السؤال الفلسفي أكثر أهمية من الجواب الذي ينتهي إليه النص؛ لأن السؤال يعيد ترتيب المجال الذي تتحرك داخله الأجوبة.

ومن السؤال يولد المفهوم، لكن المفهوم لا يأتي بوصفه تعريفًا نهائيًا. إنه يأتي بوصفه محاولة للإمساك بشيء يتحرك. الحرية، الهوية، الحقيقة، العدالة، الوجود، الآخر، السلطة، الزمن؛ ليست هذه مجرد كلمات لها تعريفات جاهزة يمكن وضعها في بداية المقال ثم استخدامها حتى نهايته. كل مفهوم فلسفي هو تاريخ من الصراعات والتحديدات والتحولات. ولذلك فإن الكتابة الفلسفية لا تستخدم المفهوم فقط، بل تسأل أيضًا: ماذا يفعل هذا المفهوم؟ ماذا يكشف؟ ماذا يستبعد؟ ما الذي يصبح مرئيًا من خلاله، وما الذي يختفي؟

هنا تصبح الكتابة أشبه بمختبر للمفهوم. فالكاتب يبدأ بتصور أولي، ثم يضعه أمام مثال، ثم يظهر اعتراض، ثم يتضح أن التعريف الأول لم يكن كافيًا، فيعيد بناء المفهوم. ومن ثم فإن النص الفلسفي لا يتحرك دائمًا من المقدمات إلى النتائج في خط مستقيم؛ إنه يتحرك أيضًا عبر التوتر، والعودة، والاستدراك، والاعتراض، وإعادة الصياغة. وربما كانت هذه الحركة هي التي تمنح الكتابة فلسفيتها.

لكن المفهوم وحده لا يكفي. فالفلسفة لا تكتفي بأن تقول «أعتقد»، بل تحتاج إلى أن تجعل القارئ يرى لماذا ينبغي أن يأخذ هذا القول على محمل الجد. وهنا تدخل الحجة. غير أن الحجة الفلسفية ليست مجرد ترتيب منطقي لمقدمات ونتيجة؛ إنها أيضًا كشف للعلاقات التي تجعل النتيجة قابلة للدفاع عنها. ولهذا فإن الكاتب الفلسفي لا يسأل فقط: ما النتيجة التي أريد الوصول إليها؟ بل يسأل: ما الذي يجعل هذه النتيجة ممكنة؟ وما الافتراضات التي تستند إليها؟ وماذا يحدث إذا رفضنا أحد هذه الافتراضات؟

ومن هنا تأتي قيمة الاعتراض. فالنص الذي لا يسمح لنفسه بأن يعترض عليه يظل أقرب إلى البيان منه إلى التفكير. الاعتراض ليس خصمًا خارجيًا نضيفه لإظهار قوة موقفنا، بل هو قوة داخلية للفكر نفسه. إنه اللحظة التي يجبر فيها الكاتب فكرته على الخروج من المنطقة الآمنة التي صاغها فيها. ولذلك فإن المقالة الفلسفية لا تبلغ نضجها عندما تنتصر أطروحتها على اعتراضاتها، بل عندما تجعل الاعتراض سببًا في إعادة بناء الأطروحة على مستوى أعمق.

وهنا يظهر الأسلوب بوصفه جزءًا من التفكير، لا زينة له. فالجملة الفلسفية ليست محايدة تمامًا تجاه ما تقوله. إن طريقة صياغة الجملة تحدد أحيانًا ما تستطيع الفكرة أن تراه. هناك أفكار لا يمكن التعبير عنها إلا بجملة تتسع للتوتر بين أكثر من معنى، وهناك أفكار تحتاج إلى التدرج، وأخرى تحتاج إلى القطع، وأخرى لا يظهر معناها إلا من خلال الاستدراك. لذلك فإن اختيار الكلمة، وترتيب الجملة، والإيقاع، والانتقال بين الفقرات، ليست مسائل شكلية خالصة؛ إنها جزء من هندسة التفكير.

ومن هنا ينبغي الحذر من وهم آخر: وهم أن الأسلوب الفلسفي يعني الغموض. فالنص لا يصبح فلسفيًا لأنه صعب، كما لا يفقد فلسفته لأنه واضح. الوضوح ليس تبسيطًا للفلسفة، والغموض ليس عمقًا لها. المسألة هي قدرة اللغة على أن تكون دقيقة من دون أن تكون فقيرة، وعميقة من دون أن تكون متاهة، مفتوحة من دون أن تصبح سائبة. فاللغة الفلسفية الجيدة لا تغلق المعنى ولا تتركه بلا حدود؛ إنها تضبطه بما يكفي لكي يكون قابلًا للفحص، وتتركه مفتوحًا بما يكفي لكي يظل قابلًا للتفكير.

وهنا تدخل المنهجية إلى قلب الكتابة. فالمنهج ليس فصلًا يسبق البحث ثم يغيب عنه، وإنما هو طريقة الحركة داخل السؤال. حين نعود إلى تاريخ مفهوم ما، فإننا نبحث عن شروط ظهوره وتحولاته. وحين نحلل مفهومًا، فإننا نبحث عن بنيته وعلاقاته وافتراضاته. وحين نقرأ نصًا تأويليًا، فإننا نبحث عن طبقاته وسياقاته وإمكانات فهمه. وحين نقارن بين فلسفتين، فإننا لا نبحث عن التشابه والاختلاف فقط، بل نسأل عن المشكلة التي تجعل المقارنة ممكنة أصلًا.

لهذا لا ينبغي للكاتب الفلسفي أن يكون أسير منهج واحد. إن طبيعة السؤال هي التي تستدعي المنهج، وقد يستدعي السؤال الواحد أكثر من منهج في الوقت نفسه. يمكن للمسألة أن تبدأ تاريخية، ثم تتحول إلى تحليل مفهومي، ثم تنفتح على التأويل، ثم تحتاج إلى نقد اجتماعي أو أنثروبولوجي. ليست هذه فوضى منهجية، بل اعتراف بأن الموضوع الفلسفي نفسه قد يكون أكثر تركيبًا من أن يحتمله مسار واحد.

وهنا تبرز الكتابة الفلسفية بوصفها ممارسة عبرمناهجية؛ فهي لا تجمع المناهج لمجرد الجمع، بل تعبر بينها بحسب ما تفرضه المشكلة. إن المنهج لا يكون حيًا إلا عندما يستطيع أن يتحرك مع السؤال. وربما لهذا السبب لا يمكن تعليم الكتابة الفلسفية من خلال قائمة ثابتة من التعليمات: ابدأ بالمقدمة، ثم عرّف المفهوم، ثم قدم ثلاثة أدلة، ثم اختم. هذه الإجراءات قد تساعد على تنظيم النص، لكنها لا تنتج التفكير بذاتها.

فالكتابة الفلسفية لا تبدأ من «المقدمة» بالمعنى المدرسي، وإنما تبدأ من شرارة. ملاحظة صغيرة، تناقض، مفارقة، جملة تستوقفنا، مفهوم لا ينسجم مع نتائجه، سؤال لا يريد أن يختفي. ومن هذه الشرارة يبدأ المسار: ملاحظة تتحول إلى سؤال، والسؤال إلى مشكلة، والمشكلة تستدعي مفهومًا، والمفهوم يدخل في حجاج، والحجاج يواجه اعتراضًا، والاعتراض يجبر الفكر على التحول، ثم تأتي إعادة البناء.

إنها حركة لا تسير في خط مستقيم: (شرارة، سؤال، توتر، مشكلة، مفهوم، حجة، اعتراض، تفكيك، إعادة بناء، أفق). هذه ليست وصفة لكتابة المقال، وإنما صورة عن الحركة الداخلية التي يمكن أن تجعل المقال فلسفيًا.

وعند هذه النقطة تتغير وظيفة التعليم الفلسفي نفسه. فإذا كنا نريد من الطالب أن يكتب فلسفيًا، فلا يكفي أن نطلب منه أن يعرف تاريخ الفلسفة أو يحفظ التعريفات أو يعيد إنتاج مواقف الفلاسفة. ينبغي أن نعلمه كيف يشك في صياغة السؤال، وكيف يختبر المفهوم، وكيف يميز بين الرأي والحجة، وكيف يكتشف الافتراض المختبئ خلف العبارة، وكيف يسمح للاعتراض بأن يغير موقفه، وكيف يجعل اللغة جزءًا من البناء لا مجرد وسيلة لنقله.

المشكلة إذن ليست في أن الطالب «لا يعرف الكتابة»، بل في أننا كثيرًا ما نطلب منه أن يكتب قبل أن نعلمه كيف يتشكل السؤال الذي يستحق الكتابة. نطلب منه مقالًا من صفحات محددة، ونطالبه بمقدمة وخاتمة ومراجع، بينما قد لا نكون قد أعطيناه الفرصة الكافية لاكتشاف التوتر الذي يمكن أن يولد منه النص. فنحصل على مقالات منظمة، لكنها بلا ضرورة داخلية؛ نصوص تعرف كيف تبدأ وكيف تنتهي، لكنها لا تعرف لماذا كان ينبغي أن تُكتب أصلًا.

وهنا تكمن المسافة بين النص الجيد والنص الفلسفي. النص الجيد قد يكون واضحًا ومنظمًا ومقنعًا، لكن النص الفلسفي يضيف إلى ذلك شيئًا آخر: أنه يغير موقع القارئ من المشكلة. لا يكتفي بأن يخبره بما ينبغي أن يعرفه، بل يجعله يرى أن ما كان يظنه واضحًا ليس واضحًا تمامًا، وأن المفهوم الذي كان يستخدمه ببساطة يحتاج إلى مساءلة، وأن الإجابة التي تبدو نهائية قد تخفي سؤالًا جديدًا.

لذلك فإن الغاية من تعليم تقنيات الكتابة الفلسفية ليست إنتاج نصوص تشبه كتب الفلاسفة، وإنما إنتاج كتّاب يستطيعون ممارسة التفكير داخل النص. التقنية ليست قيدًا، بل وعي بالحركة. والمنهج ليس قالبًا، بل طريقًا. والمفهوم ليس تعريفًا، بل أداة. والحجة ليست زينة منطقية، بل اختبار. والأسلوب ليس زخرفة، بل شكل من أشكال التفكير. والنص ليس مستودعًا للأفكار، بل فضاء تتغير فيه الأفكار أثناء عبورها.

ولعل المفارقة الأعمق أن الكاتب لا يخرج من الكتابة بالضرورة بالفكرة التي دخل بها. وهذه ليست علامة فشل، بل قد تكون علامة نجاح. فالكتابة التي لا تسمح للفكرة بأن تتغير قد تكون مجرد تنفيذ لمشروع سابق، أما الكتابة التي تجبر صاحبها على إعادة النظر فيما أراد قوله، فهي كتابة اكتسبت استقلالًا فكريًا. لقد أصبح النص في هذه الحالة شريكًا في التفكير، لا تابعًا له.

ومن هنا يمكن أن نعيد صياغة السؤال الأول. لسنا بحاجة إلى تعلم الكتابة الفلسفية فقط لأننا نريد كتابة مقالات فلسفية أفضل، بل لأننا لا نستطيع أن نفهم ممارسة التفلسف نفسها إذا فصلناها عن اللغة التي تحدث فيها. إن الفكر لا يعيش في منطقة نقية خارج الكلمات، ثم يهبط منها إلى النص؛ إنه يتشكل ويتعثر ويتقدم ويتراجع داخل الكلمات. وكلما كتبنا اكتشفنا أن اللغة ليست مجرد طريق يسلكه الفكر، بل أرض يتحرك عليها.

لهذا فإن الكتابة الفلسفية ليست نهاية التفكير، بل إحدى بداياته. وقد يكون السؤال الأكثر خصوبة ليس: كيف أكتب الفلسفة؟ بل: ماذا يحدث للفكر عندما يبدأ بالكتابة؟

عند هذه العتبة يصبح تعلم تقنيات الكتابة الفلسفية انتقالًا من تعليم إنتاج النص إلى تعليم إنتاج السؤال؛ ومن تعليم ترتيب الأفكار إلى تعليم اختبارها؛ ومن تعليم استعمال المفاهيم إلى تعليم مساءلتها؛ ومن تعليم الدفاع عن الموقف إلى تعليم القدرة على تغييره حين يكشف الاعتراض ما لم نكن نراه.

فالفلسفة، في نهاية الأمر، ليست ما نعرفه عن الفلاسفة فقط، والكتابة الفلسفية ليست ما نقوله عن أفكارهم فقط. إنها تلك اللحظة التي يصبح فيها القلم، أو لوحة المفاتيح، أو الجملة نفسها، مكانًا يعبر فيه الفكر من إمكانه إلى صورته، ثم يكتشف أثناء عبوره أن الصورة التي وصل إليها ليست نهاية الطريق.

***

د. عامر عبد زيد الوائلي

 

المكانة هي موقع الإنسان في المجتمع، والكلمة مشتقة من الأصل اللاتيني Statum، وتشير الكلمة بالمعنى الضيق الى موقع الإنسان قانونياً ومهنياً في المجتمع، ولكنها تُشير بالمعنى الأشمل الى قيمة المرء وأهميته في أعين الناس، وللمكانة العالية نتائج مُستحبة أهمها إحساس الإنسان بأنه موضع إهتمام وتقدير، ويُشير "آلان دو بوتون" في كتابه "قلق السعي الى المكانة"، الى أن الكثيرون يعتبرون المكانة العالية هي من بين أثمن المُتع الدنيوية، وإن إمتلاك المكانة العالية يولد الفخر والرضا، وفقدانها يولد الشعور بالإحباط والمهانة، وقليلون هم من يعترفون بذلك صراحةً، فالإنسان في سعي دائم الى المكانة والتقدير، وإن ذلك يسبب له قلق يسميه آلان دو بوتون "قلق السعي الى المكانة".

القلق في حد ذاته ليس مرضاً، بل هو حالة وجودية تميز الإنسان عن سائر الموجودات، لأنه ينشأ من وعي الإنسان العميق، وقدرته على الإختيار، ويرى الفيلسوف "سورين كيركجارد" بأن القلق ليس عيباً في النفس البشرية، بل هو ميزة فيها، ينشأ من وعي الإنسان بحريته وقدرته على الإختيار، وبالتالي فالقلق في نظر "كيركجارد" ليس معاناة أو أزمة، بل هو ضرورة وجودبة وإبداعية، وهو المُحفز الذي يدفع بالإنسان الى البحث عن المعنى الحقيقي للحياة، ففي عالم مليء بالفرص والإمكانات والإحتمالات المفتوحة يجد الإنسان نفسه في مواجهة خيارات لانهائية، وحين يُدرك ذلك يُعاني من ما أسماه كيركجارد "دوار الحرية" هذا الدوار أو القلق ليس مرضاً بل هو مايميز الإنسان عن سائر الكائنات الأخرى، ويمنحه فرصة السعي لتحقيق ذاته، والوصول الى المكانة التي يريدها.

أما "قلق المكانة" هو قلق خبيث، قادر على إِفساد مساحات شاسعة من حياتنا لانه يجعل السعي الى المكانة محورها، فأصبح الإنسان المعاصر رهيناً وأسيراً لقلق السعي الى المكانة، مُتناسياً ذاته الحقيقية خشية الفشل في مجاراة معايير النجاح التي وضعها المجتمع المعاصر.

قلق المكانة له قدرة إستثنائية على توليد الأسف والحسرة، لأنه يضع النفس في مقارنة مستمرة مع الآخرين، وفي الوقت ذاته له مميزات منها انه يدفعنا الى الإستمرار في السعي والرغبة في الإنجاز والتفوق، ولكن رغم ذلك فإن الإفراط في قلق المكانة له عواقب وخيمة أبرزها الإحباط والشعور بالحزن والعار وإنعدام القيمة، وذلك لأن الصورة الذاتية لدى من يعاني من قلق المكانة تعتمد بشكل كبير على صورته الخارجية ورأي الناس فيه، وإن أنجح السُبل لمعالجة قلق السعي الى المكانة هو محاولة إستيعاب هذا القلق والتحدث عنه وعدم إخفاءه أو كبته، وضرورة تقبل الإنسان لذاته الحقيقية و وضع أهداف واقعية قابلة للتحقيق وإستناداً الى قدراته الحقيقية، لأن هنالك فرق كبير بين ما نتمنى أن نكونه، وما نستطيع أن نكونه، وما نتمنى أن نحققه في حياتنا، وما نستطيع أن نحققه فعلياً على أرض الواقع.

إن الدافع وراء رغبتنا كبشر في الإرتقاء على درجات السلم الإجتماعي قد لا يكون بالضرورة مُرتبطاً بما نراكمه من سلعٍ مادية، أو ما نحوزه من مكانة وسلطة، بقدر ماهو مرتبط بمقدار الحب الذي نتطلع لأن نتلقاه نتيجة للمكانة العالية.

وبوسعنا القول أن علاج مشكلة القلق حيال المكانة يبدأ من الإقرار بأننا لا نعرف أنفسنا بشكل كافٍ، ولا نعرف ما يشعرنا (نحن) بالطمأنينة والسعادة وليس الآخرين، فقد لا يكون السعي الى المكانة لذاتها بل لما يترتب عليها من محبة وتقدير في نظر الناس، وبالتالي فنحن قد نريد شيئاً ما فقط لان الجميع يريده، ولعل الدواء الناجح لقلقنا بشأن مكانتنا هو أن ندرك حقيقتنا من نحن؟ مالذي نريده فعلاً؟ وهل مانريده هو من أجل أنفسنا؟ أم من أجل أن نلائم معايير النجاح في مجتمعنا؟ والسؤال الأهم الذي يقينا من الوقوع في غياهب القلق الخبيثة هو ان نسأل أنفسنا لماذا نخاف؟ لماذا نقلق على المكانة؟ ولماذا نعيش بعيون الآخرين؟ ولماذا نقيس مكانتنا بمقاييسهم؟ ولماذا نضحي بما يسعدنا نحن في سبيل إرضاء الآخرين؟ وما الذي يُشعِر ذاتنا الحقيقية بالرضا والطمأنينة بعيداً عن معايير المجتمع؟ إن مواجهة النفس هي اولى خطوات التعافي، والعودة الى الذات هي أولى درجات الشفاء.

***

شيماء هماوندي

عند فيلسوف الكوجيتو رينيه ديكارت

مقدمة: يحتل قراءة جان لوك ماريون لديكارت موقعاً متميزاً في الفلسفة المعاصرة، لأنها تعيد فتح السؤال عن طبيعة المشروع الديكارتي نفسه: هل هو تأسيس أنطولوجي للوجود، أم تأسيس معرفي لليقين، أم حركة تتجاوز الاثنين نحو أفق لاهوتي غير مكتمل التحديد؟ في هذا الأفق يبرز مفهومان مركزيان في تأويل ماريون: الأنطولوجيا الرمادية والتيولوجيا البيضاء. الأول يصف وضع الوجود في الفكر الديكارتي بوصفه وجوداً مخففاً ومشروطاً بترتيب المعرفة، والثاني يصف وضع الإله بوصفه حضوراً يتجاوز التحديد الأنطولوجي التقليدي ويظل في بياض غير ملوَّن بالكامل بالمقولات الميتافيزيقية المعتادة. المقاربة المعرفية تكشف أن هذين المفهومين ليسا مجرد وصفين متجاورين، بل يعبران عن توتر داخلي في الكوجيتو نفسه: توتر بين مطلب اليقين الذي يُخضع الوجود لنظام الأفكار الواضحة والمتميزة، وبين مطلب اللامتناهي الذي يفلت من هذا الإخضاع ويعيد فتح الأفق اللاهوتي. هكذا تبدو قراءة جان لوك ماريون لديكارت عبر مفهومي الأنطولوجيا الرمادية والتيولوجيا البيضاء محاولة طموحة لإعادة رسم ملامح المشروع الديكارتي بعيداً عن الصور المبسطة التي تختزله إلى ذاتية مغلقة أو إلى تأسيس عقلاني جاف. فالرمادي يصف وجوداً يُحدد تحت ضوء المعرفة وترتيب الأسباب، والأبيض يصف إلهاً يفوق التحديد الأنطولوجي ويظل في بياض غير مستنفد. غير أن المقاربة الاستشكالية تكشف أن هذا التأويل، رغم خصوبته، يفتح سلسلة من التوترات العميقة التي تمس تماسك المفهومين وعلاقتهما بالكوجيتو وقدرتهما على تفسير حركة الفكر الديكارتي دون الوقوع في مفارقات أو إسقاطات. فهل الرمادي وصف دقيق لوضع الوجود أم علامة على انحسار أنطولوجي يهدد المشروع نفسه؟ وهل البياض يحفظ تجاوز الإله أم يترك اللاهوت في فراغ غير محدد؟ وكيف يمكن للكوجيتو أن يكون نقطة تقاطع بينهما دون أن ينهار أحد البعدين في الآخر؟

إشكالية الرمادي: هل هو أنطولوجيا مخففة أم إلغاء مقنّع للسؤال الأنطولوجي؟

الأنطولوجيا الرمادية تعني أن الوجود في الفكر الديكارتي لا يُطرح في استقلاله التقليدي، بل يُرسم بألوان باهتة تحت سيطرة المنهج ومعيار الوضوح والتمييز وترتيب المعرفة. الوجود يصبح ما يصمد أمام الشك، وما يدخل في سلسلة الاستدلال، وما يتوافق مع متطلبات اليقين. هذا الوصف يلتقط جانباً حقيقياً من إخضاع السؤال الأنطولوجي للأفق الإبيستيمولوجي. غير أن الإشكالية تظهر حين نسأل: إلى أي حد يظل هذا الرمادي أنطولوجيا أصلاً؟ إذا كان الوجود لا يُدرك إلا بوصفه وظيفة لليقين المعرفي، فهل نحن أمام أنطولوجيا ضعيفة أم أمام تعليق فعلي لسؤال الوجود بما هو وجود؟ الرمادي قد يكون اسماً أنيقاً لاختزال أنطولوجي يجعل الوجود تابعاً تماماً لنظام الأفكار، بحيث يفقد أي كثافة خاصة به. وفي هذه الحالة يصبح الحديث عن «أنطولوجيا رمادية» أقرب إلى مفارقة: فإما أن يبقى هناك سؤال أنطولوجي حقيقي فيتجاوز الرمادي نحو لون أقوى، وإما أن يذوب السؤال في الإبيستيمولوجيا فلا تعود الأنطولوجيا قائمة إلا بالاسم. هذه الإشكالية تنعكس على الكوجيتو نفسه. وجود الأنا الذي يتكشف في فعل التفكير يبدو يقيناً أولياً، لكنه يقين مشروط بالنشاط المعرفي. هل هذا كافٍ لتأسيس أنطولوجيا، حتى لو كانت رمادية، أم أنه يبقي الوجود في حالة تعليق مستمر مشروط باستمرارية التفكير ومعاييره؟ الرمادي هنا قد لا يكون استقراراً وسطاً بقدر ما هو اهتزاز دائم بين الحضور الأنطولوجي والاختزال المعرفي.

إشكالية البياض: هل هو تجاوز محفوظ أم فراغ غير منتج؟

التيولوجيا البيضاء تعني أن الإله لا يُستنفد داخل المقولات الأنطولوجية المتناهية، وأن فكرة اللامتناهي تحضر بوصفها ما يفوق قدرة الأنا على البناء أو الإحاطة، فتظل في بياض يحفظ التجاوز. هذا البياض يبدو ضمانة ضد اختزال الإله إلى مجرد مبدأ أول داخل سلسلة علل متجانسة أو إلى موضوع بين موضوعات المعرفة. لكن الإشكالية تكمن في طبيعة هذا البياض نفسه. فالبياض قد يعني النقاء والتفوق، وقد يعني أيضاً عدم التحديد الذي يقترب من الفراغ. إذا كان الإله أبيض بمعنى أنه يفلت من كل تلوين أنطولوجي ومعرفي، فكيف يؤدي الدور الحاسم الذي يُسند إليه في ضمان صدق الأفكار الواضحة والمتميزة؟ الضمانة تتطلب حداً أدنى من التحديد الوظيفي داخل النظام المعرفي، بينما البياض يميل إلى سحب هذا التحديد. التوتر واضح: إما أن يُلوَّن الإله بما يكفي ليؤدي دوره التأسيسي فينقص بياضه، وإما أن يُحفظ بياضه كاملاً فيصبح حضوره داخل النظام المعرفي شبحياً أو خارجياً على نحو يهدد تماسك سلسلة اليقين.ثم إن البياض يثير سؤال الإنتاج الفلسفي. هل التيولوجيا البيضاء تفتح أفقاً خصباً للفكر أم تكتفي بإعلان التجاوز دون أن تمنحه مضموناً إيجابياً قابلاً للعمل؟ في الحالة الثانية يتحول البياض إلى علامة سلبية أكثر مما هو افتتاح إيجابي، ويصبح اللاهوت مجرد حد خارجي للنظام الرمادي لا لحظة داخلية منتجة.

إشكالية العلاقة بين الرمادي والأبيض داخل الكوجيتو

يُقدَّم الكوجيتو بوصفه نقطة التقاطع بين الأنطولوجيا الرمادية والتيولوجيا البيضاء. الأنا يكتشف وجوده الرمادي عبر التفكير، ويكتشف في ذاته فكرة اللامتناهي البيضاء التي تفوقه وتؤسس إمكانية الحقيقة. غير أن هذا التقاطع يظل إشكالياً في بنيته. فمن جهة، الكوجيتو يميل بطبيعته إلى إخضاع كل مضمون لمعياره المعرفي. فكرة الإله ذاتها تُعامل بوصفها فكرة داخل الفكر، وتُقاس بدرجات الواقع الموضوعي التي تحملها، وتُستخدم داخل استدلال يضمن اليقين. هذا التعامل يسحب البياض نحو الرمادي: اللامتناهي يُدرج في نظام الأفكار ويُوظف معرفياً. ومن جهة أخرى، إذا أُريد حفظ بياض اللامتناهي كاملاً، وجب الاعتراف بأنه يفلت من سيطرة الكوجيتو، مما يضعف قدرة الأنا على أن يكون نقطة الانطلاق المطلقة والضمانة الذاتية للترتيب المعرفي. الدائرة معروفة في صورتها العامة: اليقين يحتاج إلى الإله، والإله يُبلغ عبر أفكار الأنا. لكن في إطار الرمادي والأبيض تصبح الدائرة أشد حدة. فالرمادي يطالب بإخضاع كل شيء للترتيب المعرفي، والأبيض يطالب بإبقاء ما يؤسس هذا الترتيب خارج الإخضاع الكامل.

الكوجيتو يجد نفسه مطالباً بأن يكون سيداً للمعيار ومحتاجاً إلى ما يفوقه في آن واحد، دون أن تتضح كيفية الجمع بين السيادة والحاجة دون تناقض أو تراتب غير محسوم.

إشكالية الترتيب المعرفي بوصفه حكماً مسبقاً

المقاربة التي تضع المعرفة في مركز التأويل تفترض أن الترتيب الإبيستيمولوجي هو الأفق الحاسم الذي تتحدد داخله معاني الوجود والإلهي. هذا الافتراض يلتقط أهمية المنهج عند ديكارت، لكنه يثير إشكالية الحكم المسبق: هل قراءة المشروع الديكارتي من زاوية معرفية أولاً تسمح برؤية عادلة للبعدين الرمادي والأبيض، أم أنها تفرض سلفاً أولوية الإبيستيمولوجيا فتجعل الرمادي نتيجة طبيعية والأبيض استثناءً يحتاج إلى تفسير؟

إذا بدأت القراءة من مطلب اليقين والترتيب، بدت الأنطولوجيا بالضرورة تابعة ورمادية، وبدا اللاهوت إما موظفاً داخل المعرفة أو مفلتاً منها في بياض خارجي. لكن قد يُسأل ما إذا كان في الفكر الديكارتي بذور أنطولوجية أو لاهوتية تقاوم هذا الابتداء المعرفي ولا تُختزل إليه. الإشكالية منهجية: التأويل الذي ينطلق من المعرفة قد يعيد إنتاج ما يفترضه، فيرى رمادياً وأبيض حيث تكون الأولوية للإبيستيمولوجيا، دون أن يختبر بما يكفي إمكانية قراءة مغايرة تعطي للوجود أو للإلهي وزناً مختلفاً منذ البداية.

إشكالية الإسقاط وحدود الانطباق على النص الديكارتي

مفهومان مثل الأنطولوجيا الرمادية والتيولوجيا البيضاء يحملان طاقة وصفية قوية، لكنهما يثيران سؤال الانطباق التاريخي والمفاهيمي. هل هما أداة للكشف عن حركة داخلية في نص ديكارت، أم إطاراً تأويلياً يأتي من أفق فلسفي لاحق فيُسقط على ديكارت مفاهيم التجاوز والاختزال والبياض والرمادي بمعانٍ لم تكن هي معانيه؟

الإشكالية لا تكمن في استخدام مفاهيم جديدة لقراءة نص قديم، فهذا عمل فلسفي مشروع، بل في مدى قدرة هذه المفاهيم على الإضاءة دون تشويه. الرمادي قد يبالغ في إضعاف الادعاءات الأنطولوجية الديكارتية حول الجوهر المفكر والجوهر الممتد والوجود الإلهي. والبياض قد يبالغ في عزل الإله عن النظام الاستدلالي الذي يدمج فكرة اللامتناهي بوضوح داخل سلسلة البراهين. إذا اشتد الإسقاط، تحول التأويل إلى إعادة كتابة أكثر مما هو قراءة، وأصبح ديكارت مرآة لمشكلات لاحقة حول العلاقة بين المعرفة والوجود والإلهي بدل أن يكون مفكراً يُفهم في أفق أسئلته الخاصة.

إشكالية الحسم أو البقاء في التوتر

يبدو التأويل الماريوني حريصاً على الإبقاء على التوتر بين الرمادي والأبيض دون حسمه لصالح أحدهما. هذا الحرص يحفظ تعقيد المشروع الديكارتي ويمنع اختزاله. غير أنه يثير إشكالية أخرى: إلى أي حد يمكن لفكر أن يظل منتجاً وهو معلق بين اختزال معرفي للوجود وتجاوز أبيض للإلهي دون أن يميل في النهاية إلى أحد الطرفين أو أن يترك نسقه في حالة عدم استقرار دائمة؟

إذا بقي التوتر مفتوحاً بالكامل، قد يبدو النظام الديكارتي أقل تماسكاً مما يدّعيه هو نفسه حين يتحدث عن سلسلة يقينية مترابطة. وإذا حُسم التوتر لصالح الرمادي، ضعفت التيولوجيا إلى مجرد وظيفة ضمانة. وإذا حُسم لصالح الأبيض، ضعفت سيطرة الكوجيتو والمنهج على الترتيب الكلي. الإشكالية أن التأويل الذي يحتفي بالتوتر قد يجد صعوبة في تفسير ادعاء ديكارت نفسه ببلوغ يقين متماسك وترتيب تام للأسباب. التوتر المنتج فلسفياً قد يكون توتراً مكلفاً على مستوى الدعوى النسقية.

إشكالية الدلالة الإبيستيمولوجية النهائية

أخيراً، تظل الدلالة المعرفية لهذه الثنائية مفتوحة على تأويلين متضادين. فمن جهة يمكن القول إن الرمادي والأبيض معاً يظهران حدود المعرفة المتناهية وحاجتها إلى ما يفوقها، وبذلك يعززان فهماً نقدياً للكوجيتو لا يغلقه على ذاته. ومن جهة أخرى يمكن القول إن هذه الثنائية تكشف هشاشة التأسيس المعرفي نفسه: فالوجود لا يكتسب كثافة كافية، والإلهي لا يكتسب تحديداً كافياً، فيبقى اليقين معلقاً بين اختزال وامتناع.أي القراءتين أصح؟

المقاربة الاستشكالية لا تحسم، لكنها تظهر أن مفهومي الرمادي والأبيض يحملان في داخلهما إمكانية تقوية المشروع الديكارتي وإمكانية كشف ثغراته في آن واحد. وهما بذلك لا ينتهيان إلى وصف مستقر بقدر ما يفتحان السؤال من جديد حول ما إذا كان الكوجيتو قادراً حقاً على حمل أنطولوجيا ولو رمادية، وعلى استدعاء لاهوت ولو أبيض، دون أن يتصدع تحت وطأة هذا الحمل المزدوج.

الأنطولوجيا الرمادية بوصفها إخضاعاً معرفياً للوجود

الأنطولوجيا الرمادية عند ماريون تعني أن ديكارت لا يبني علماً للوجود بما هو وجود بالمعنى التقليدي، أي علماً يسأل عن الوجود في عموميته وعلله الأولى بمعزل عن شروط معرفته. بل إن سؤال الوجود يندرج منذ البداية داخل ترتيب الأسباب المعرفية. الوجود لا يُدرك أولاً ثم يُعرف، بل يتحدد من خلال ما يمكن أن يُعرف بوضوح وتمييز، ومن خلال موقع الفكرة داخل سلسلة الاستدلال التي تبدأ من الكوجيتو. في هذا الإطار يصبح الأنا المفكر نقطة الانطلاق لا بوصفه جوهراً أنطولوجياً مكتملاً منذ البداية، بل بوصفه يقيناً أولياً يفرض نفسه في لحظة الشك الجذري. الوجود هنا يظهر أولاً بوصفه وجود الفكر الذي لا يمكن إنكاره أثناء فعل التفكير. لكن هذا الوجود يبقى رمادياً لأنه مشروط بالنشاط المعرفي ذاته: أنا موجود بقدر ما أفكر، ووجودي يتكشف لي من خلال فعل المعرفة لا من خلال حدس أنطولوجي مباشر للوجود بما هو كذلك. كما يمتد هذا الطابع الرمادي إلى بقية الموجودات. فالعالم المادي لا يُثبت وجوده إلا عبر ضمان إلهي لمعيار الوضوح والتمييز، والأفكار ذاتها تُرتب حسب درجات كمالها المعرفي لا حسب مراتب وجودية مستقلة. الأنطولوجيا الديكارتية رمادية لأنها لا تمنح الوجود لوناً أنطولوجياً قوياً مستقلاً عن الإبيستيمولوجيا؛ بل تتركه في منطقة وسطى بين الحضور والاختزال إلى موضوع للمعرفة اليقينية. الوجود يصبح ما يصمد أمام الشك، وما يدخل في نظام الأسباب، وما يتوافق مع متطلبات المنهج. وبذلك تفقد الأنطولوجيا استقلالها التقليدي وتغدو تابعة لنظام المعرفة.

التيولوجيا البيضاء بوصفها تجاوزاً للتحديد الأنطولوجي

في مقابل الرمادي الأنطولوجي تظهر التيولوجيا البيضاء. البياض هنا ليس غياباً سلبياً، بل علامة على أن الإله في الفكر الديكارتي لا يُستنفد داخل المقولات الأنطولوجية التي تنطبق على الموجودات المتناهية. فكرة اللامتناهي، التي يكتشفها الأنا في ذاته، ليست نتاجاً لتركيب أفكار متناهية، بل حضور أصلي يفوق قدرة الأنا على الإيجاب أو البناء. الإله يظهر بوصفه ما يفوق القياس المعرفي المتناهي، وما يضمن في الوقت نفسه صدق هذا القياس. فالتيولوجيا البيضاء تعني أن اللاهوت الديكارتي لا يتحول إلى أنطولوجيا لاهوتية مكتملة الألوان، أي إلى علم يحدد ماهية الإله بمقولات الوجود الجوهر والعرض والعلة على طريقة الميتافيزيقا المدرسية. بل يظل الإله في بياض معين: حاضراً بقوة بوصفه ضمانة وكمالاً ولامتناهياً، لكنه غير مرسوم بالكامل داخل خريطة أنطولوجية تفصّل صفاته وعلائقه وفق نظام الموجودات العادية. هذا البياض يحفظ للإله تجاوزه، ويمنع اختزاله إلى مجرد مبدأ أول داخل سلسلة علل متجانسة. في المقاربة المعرفية يتضح أن هذا البياض ليس انفصالاً تاماً عن المعرفة. ففكرة اللامتناهي تُدرك داخل الفكر، وتؤدي دوراً حاسماً في تأسيس اليقين. غير أنها تُدرك بوصفها ما يتجاوز قدرة الفكر على الإحاطة. المعرفة هنا تبلغ حدها وتكتشف في الوقت نفسه ما يؤسسها من خارج حدودها المتناهية. التيولوجيا البيضاء هي إذن لاهوت يعمل داخل الحقل المعرفي دون أن ينحل فيه، لاهوت يحفظ بياض اللامتناهي أمام رمادية الموجودات المتناهية الخاضعة للمنهج.

ثالثاً: الكوجيتو بوصفه نقطة التقاطع بين الرمادي والبياض

الكوجيتو هو الموضع الذي يتقاطع فيه البعدان. فمن جهة، يولد الكوجيتو أنطولوجيا رمادية: وجود الأنا مشروط بفعل التفكير، ومحدد باليقين المعرفي، ومندرج في ترتيب منهجي. ومن جهة أخرى، يكشف الكوجيتو عن فكرة اللامتناهي التي تفتح التيولوجيا البيضاء: فالأنا المتناهي يجد في ذاته ما يفوقه، وما لا يمكن أن يكون مصدره، وما يعيد تأسيس إمكانية الحقيقة بعد الشك. هذا التقاطع ليس انسجاماً سهلاً. فالكوجيتو يميل إلى إخضاع كل شيء لمعياره المعرفي، بما في ذلك فكرة الإله التي تُستدعى لضمان صدق الأفكار الواضحة والمتميزة. لكن فكرة الإله ذاتها تقاوم هذا الإخضاع الكامل، لأنها تمثل كمالًا لامتناهياً لا يقاس بمقاييس التصور المتناهي. المقاربة المعرفية تظهر هنا توتراً منتجاً: المعرفة تحتاج إلى ما يتجاوزها كي تكتمل يقينيتها، وما يتجاوزها يظل أبيض بمعنى أنه لا يندرج بالكامل في النظام الرمادي للموجودات المعروفة. بذلك يصبح الكوجيتو أكثر من مجرد نقطة انطلاق إبستيمولوجية. إنه المكان الذي تنكشف فيه حدود الأنطولوجيا الرمادية وضرورة التيولوجيا البيضاء في آن واحد. الأنا يكتشف وجوده عبر التفكير، ويكتشف في الوقت نفسه أن وجوده المتناهي محاط بما يفوقه ويمنحه إمكانية اليقين.

الترتيب المعرفي وإعادة ترتيب العلاقة بين الوجود والإله

في النظام الديكارتي لا تأتي الأنطولوجيا أولاً ثم اللاهوت، ولا يأتي اللاهوت بوصفه تتويجاً لأنطولوجيا مكتملة. بل إن الترتيب المعرفي يعيد ترتيب العلاقة بينهما. المنهج يبدأ من الشك، يمر بالكوجيتو، ثم يصل إلى الإله بوصفه ضمانة، ثم يعود إلى العالم. في هذا المسار تتشكل الأنطولوجيا الرمادية بوصفها نتاجاً للترتيب المعرفي، وتتشكل التيولوجيا البيضاء بوصفها اللحظة التي يتجاوز فيها الترتيب ذاته حدوده المتناهية. فالمعرفة هنا ليست مجرد أداة لاكتشاف وجود قائم مسبقاً، بل هي الأفق الذي يتحدد فيه معنى الوجود ومعنى الإلهي. الوجود الرمادي هو الوجود كما يظهر داخل نظام الوضوح والتمييز. والإله الأبيض هو ما يجعل هذا النظام ممكناً دون أن ينحصر فيه. المقاربة المعرفية تكشف أن ديكارت لا يفصل بين الإبيستيمولوجيا والأنطولوجيا واللاهوت فصلاً خارجياً، بل يعيد توزيع الأدوار بينها بحيث تصبح المعرفة هي الميدان الذي يتفاوض فيه الرمادي والبياض.

التوتر بين الاختزال المعرفي والتجاوز اللاهوتي

رغم هذا التوزيع يظل التوتر قائماً. فالأنطولوجيا الرمادية تميل إلى اختزال الوجود إلى ما يُعرف ويقنن منهجياً، مما يهدد بجعل كل حضور، بما في ذلك الحضور الإلهي، خاضعاً لمعيار الفكرة الواضحة والمتميزة. في المقابل، التيولوجيا البيضاء تميل إلى حفظ تجاوز الإله، مما يهدد بجعل الضمانة الإلهية لحظة خارجية تُستدعى عند الحاجة ثم تُترك في بياضها دون أن تُدمج بالكامل في نظام المعرفة. ماريون يقرأ هذا التوتر بوصفه خصيصة أصيلة في الفكر الديكارتي لا عيباً عارضاً. ديكارت لا يحسم لصالح أنطولوجيا قوية مستقلة، ولا لصالح لاهوت تقليدي مكتمل التحديد، بل يبقي المشروع في منطقة بينية: معرفة تسعى إلى اليقين المطلق، ووجود يُرسم بألوان رمادية تحت ضوء هذه المعرفة، وإله يُحفظ في بياض يمنع اختزاله إلى مجرد حلقة في السلسلة المعرفية رغم أنه يؤدي فيها دوراً حاسماً.

هذا التوتر له دلالة معرفية عميقة. فهو يظهر أن مطلب اليقين الجذري يدفع الفكر إلى ما يتجاوز اليقين المتناهي، وأن تجاوز اليقين المتناهي يعيد تأسيس إمكانية المعرفة دون أن يتحول إلى معرفة إحاطية باللامتناهي. الرمادي والبياض يتلازمان: الأول يعبر عن محدودية التحديد المعرفي للوجود، والثاني يعبر عن ضرورة ما يفوق هذا التحديد كي يستقيم أمر المعرفة نفسها.

الدلالة الأوسع للقراءة الماريونية في أفق الكوجيتو

قراءة ماريون لديكارت عبر هذين المفهومين تعيد توجيه فهم الكوجيتو نفسه. الكوجيتو ليس مجرد تأسيس لذات حديثة مستقلة ومغلقة، بل هو حدث معرفي يكشف في آن واحد قوة الذات المتناهية وحدودها. قوة الذات تظهر في قدرتها على الشك المنهجي وعلى بلوغ يقين أول. وحدودها تظهر في حاجتها إلى فكرة اللامتناهي وفي رمادية الوجود الذي تكتشفه تحت شروط معرفتها. في هذا الضوء تصبح الحداثة الديكارتية أقل أحادية مما تُصور أحياناً. فهي لا تختزل كل شيء إلى الذات العارفة، ولا تبني أنطولوجيا ذاتية مكتفية، ولا تلغي البعد اللاهوتي. بل تضع الذات في موقع متوسط: مؤسسة لليقين، ومكتشفة لوجود رمادي مشروط، ومنفتحة على بياض لاهوتي لا تمتلكه ولا تحيط به. المقاربة المعرفية تبرز أن هذا الموقع المتوسط ليس تردداً ناقصاً، بل بنية أصيلة لمشروع يسعى إلى تأسيس المعرفة من جذورها دون أن يدّعي الإحاطة بما يؤسسها في النهاية.

خاتمة

بين الأنطولوجيا الرمادية والتيولوجيا البيضاء يرسم جان لوك ماريون صورة لديكارت بوصفه فيلسوف الكوجيتو الذي لا يغلق الوجود داخل مقولات أنطولوجية قوية، ولا يذيب الإله داخل نظام معرفي متناهٍ. الوجود يغدو رمادياً لأنه يتحدد عبر ترتيب المعرفة ومعيار الوضوح والتمييز. والإله يغدو أبيض لأنه يحضر بوصفه لامتناهياً يتجاوز التحديد الأنطولوجي المعتاد ويظل غير ملوَّن بالكامل بمقولات الموجودات المتناهية. فالمقاربة المعرفية تكشف أن هذين البعدين ليسا خيارين متقابلين بقدر ما هما وجهان لتوتر واحد داخل المشروع الديكارتي: توتر بين مطلب اليقين الذي يُخضع ويُرتب ويُحدد، وبين حضور ما يفوق التحديد ويجعل اليقين ممكناً في آن واحد. فالكوجيتو هو نقطة هذا التوتر ومسرحه. وفيه يتبين أن الفكر الحديث، في إحدى لحظاته التأسيسية، لم يحسم بين اختزال الوجود إلى المعرفة وبين انفتاح المعرفة على ما يتجاوزها، بل أبقى على الحركة بينهما. ومن داخل هذه الحركة يستمد تأويل ماريون قوته: فهو لا يقرأ ديكارت بوصفه مجرد رائد للذاتية الحديثة، بل بوصفه مفكراً يضع المعرفة في مواجهة حدودها، والوجود في رماديته المشروطة، والإلهي في بياضه المتجاوز. من جهة اخرى تكشف المقاربة الاستشكالية أن قراءة ماريون لديكارت عبر الأنطولوجيا الرمادية والتيولوجيا البيضاء تظل خصبة بقدر ما هي محفوفة بالتوترات. فالرمادي يهدد بتحويل الأنطولوجيا إلى مجرد تابع للإبيستيمولوجيا حتى تكاد تفقد اسمها، والأبيض يهدد بتحويل اللاهوت إلى تجاوز فارغ أو ضمانة شبحية، والعلاقة بينهما داخل الكوجيتو تدور في دائرة السيادة والحاجة، والترتيب المعرفي قد يعمل بوصفه حكماً مسبقاً، والمفاهيم نفسها قد تميل إلى الإسقاط، والتوتر المحفوظ قد يتعارض مع دعوى التماسك النسقي، والدلالة النهائية تتردد بين تعزيز النقد الذاتي للمعرفة وبين فضح هشاشة تأسيسها. هذه الإشكاليات لا تُلغي أهمية التأويل ولا تسقط وجاهة التنبيه إلى أن الوجود عند ديكارت مشروط بآليات المعرفة وأن الإله يفوق التحديد المتناهي. لكنها تظهر أن الثنائية الرمادية-البيضاء ليست وصفاً شفافاً بقدر ما هي أداة مشكِلة تعيد صياغة الصعوبات الكلاسيكية للفكر الديكارتي في لغة جديدة: صعوبة العلاقة بين اليقين والوجود، وبين الأنا واللامتناهي، وبين المنهج وما يتجاوز المنهج. وفي هذا التجدد للصعوبات، لا في حلها النهائي، تكمن القيمة الاستشكالية للقراءة: فهي تبقي ديكارت مفتوحاً على المساءلة، وتبقي مفهومي الرمادي والأبيض أنفسهما مفتوحين على النقد، بدل أن تحولهما إلى مفتاحين مغلقين يُغلق بهما النص. فما دلالة نقد مفهوم الهبة عند ماريون؟ وكيف أثر ماريون على الفكر الفلسفي المعاصر؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

في حدود المفهوم وتحولاته

قلّ أن يوجد في تاريخ الفكر مفهوم استطاع أن يجمع بين الحضور الكثيف في الممارسة العلمية والاضطراب العميق في التحليل الفلسفي مثلما فعل مفهوم السببية. فهو المفهوم الذي يستخدمه الفيزيائي حين يربط بين متغيرين في معادلة ويستخدمه الطبيب حين يعزو عرضا إلى علة ويستخدمه الإنسان العادي حين يفسر حادثة يومية بأخرى سبقتها، ومع ذلك يظل عند إخضاعه للفحص الفلسفي من أكثر المفاهيم مقاومة لأي تعريف جامع مانع. ذلك أن السؤال عن السببية ليس سؤالا عن واقعة بعينها بقدر ما هو سؤال عن الشرط الذي يجعل ربط الوقائع بعضها ببعض ممكنا من الأساس، كيف نعرف أن حدثا أنتج حدثا آخر لا أنهما تعاقبا فحسب؟ وما الذي يضيفه العقل إلى ما تقدمه الملاحظة حين يصف علاقة بأنها سببية؟

يكتسب هذا السؤال طابعه الحرج من كونه يقع على الحد الفاصل بين مجالين يبدوان للوهلة الأولى متمايزين تمام التمايز، مجال العلم الذي يفترض أنه يتعامل مع وقائع قابلة للملاحظة والقياس والتنبؤ ومجال الفلسفة الذي ينصرف إلى تحليل المفاهيم وشروط إمكانها. غير أن أدنى تأمل في الممارسة العلمية نفسها يكشف أن هذا التمايز أبعد ما يكون عن الصفاء الذي يوحي به. فالعالِم حين يصوغ قانونا يربط بين متغيرين لا يبرهن بذلك على وجود رابطة سببية بينهما بل يصف انتظاما رياضيا قد يكون تعبيرا عن سببية حقيقية، وقد يكون أثرا لعامل ثالث خفي وقد يكون مجرد ارتباط عرضي لا يحتمل أي تعميم يتجاوز حالات الرصد. ومن هذا الموضع بالتحديد تنبثق الحاجة إلى تأويل فلسفي لا يزاحم العلم في مجاله بل يسائل الأسس المفهومية التي يقوم عليها.

يسعى هذا المقال إلى مقاربة مفهوم السببية من هذه الزاوية المزدوجة عبر تتبع تحولاته الكبرى من التصور الأرسطي الذي وسع دلالته لتشمل أنماطا متعددة من التفسير مرورا بالقطيعة التي أحدثها ديفيد هيوم حين رد الضرورة السببية إلى أثر نفسي ناشئ عن تكرار الاقتران ثم بالتحول الكانطي الذي نقل السؤال من مستوى الوجود إلى مستوى الشروط القبلية للتجربة وصولا إلى الصياغات المعاصرة التي أعادت بناء المفهوم في ضوء الاحتمال والآلية والتدخل. والغاية من هذا المسار ليست حصر تعريف نهائي للسببية بل إبراز أن حدودها هي بالذات ما يمنحها خصوبتها الفلسفية وأن العلاقة بين العلم والفلسفة في هذا الموضوع علاقة تكامل نقدي لا علاقة تنازع على الحقيقة.

ولم يكن أرسطو أول من تحدث عن السبب لكنه كان أول من صاغ نظرية منهجية في أنماط التفسير حين ميّز بين السبب المادي الذي منه يتكون الشيء والسبب الصوري الذي يحدد ماهيته والسبب الفاعل الذي يحدثه والسبب الغائي الذي من أجله يوجد. وبهذا التوسيع لم تكن السببية عنده مجرد إشارة إلى العامل الذي يُحدث الظاهرة بقدر ما كانت طلبا لفهم الشيء في مجموع أبعاده، أي بحثا عن قابليته للإدراك العقلي لا مجرد رصد لتتابعه الزمني مع غيره. وقد ظل هذا التصور مهيمنا قرونا طويلة لأنه وفّر نموذجا تفسيريا شموليا يجمع بين البعد الوجودي والبعد المعرفي في آن واحد.

غير أن صعود المنهج التجريبي والرياضي في العصر الحديث أعاد تشكيل هذه الصورة من جذورها، فبدل البحث عن الغايات النهائية للأشياء، اتجه العلم إلى الكشف عن العلاقات الثابتة القابلة للصياغة الرياضية بحيث أصبحت معرفة الشروط المنتجة لظاهرة ما مرادفة للقدرة على التنبؤ بها أو إعادة إنتاجها. وقد بدا هذا الإنجاز من حيث فاعليته العملية متفوقا بلا منازع على التصورات الغائية القديمة. إلا أن هذا التفوق لم يحسم إشكالا فلسفيا ظل كامنا في صميم المشروع العلمي، هل القانون الذي يربط بين الظواهر يفسرها فعلا أم أنه يكتفي بوصف انتظام نلاحظه دون أن يبرر نسبة إحدى الظاهرتين إلى الأخرى بوصفها سببا؟ فحين تصاغ العلاقة بين متغيرين في معادلة رياضية متماثلة الاتجاه لا يوجد داخل المعادلة نفسها ما يميز أيّهما السبب وأيّهما النتيجة؛ وهذا وحده كاف لإظهار أن التفسير العلمي مهما بلغت دقته الرياضية، يحتاج إلى تأويل فلسفي يمنح العلاقة معناها السببي.

بلغ هذا الإشكال ذروته في فلسفة ديفيد هيوم الذي وجّه إلى فكرة الضرورة السببية أعنف نقد عرفه تاريخ الفلسفة الحديثة. فحين نلاحظ حادثتين متعاقبتين كاصطدام كرتين مثلا فإننا لا ندرك حسّيا أي قوة تربط بينهما وتجعل الأولى منتجة للثانية؛ كل ما تقدمه لنا الحواس هو تعاقب زمني متكرر. أما فكرة "الإنتاج" أو "الإلزام" التي نضيفها إلى هذا التعاقب فمصدرها بحسب هيوم ليس التجربة الخارجية بل عادة ذهنية تنشأ من تكرار الاقتران بحيث يصير الذهن مهيأ لتوقع الحادثة الثانية كلما شهد الأولى. بهذا التحليل، ويفقد مفهوم السببية طابعه الموضوعي القائم في الأشياء ليصبح بناء ذاتيا تفرضه بنية العقل على تجربته.

وتكمن قوة موقف هيوم في أنه يفصل بدقة بين ما تمنحه الملاحظة فعلا وما يضيفه الذهن إلى معطياتها؛ فالتجربة تكشف الاقتران المتكرر لكنها لا تكشف القوة التي يفترض أنها تربط بين حدّي الاقتران. غير أن هذا التحليل على عمقه يواجه صعوبة جوهرية حين يوضع في مواجهة الممارسة العلمية الفعلية؛ ذلك أن العلم لا يكتفي برصد التتابعات بل يفترض إمكان التدخل في الظواهر وتغيير شروطها لاختبار أثر هذا التغيير وهو ما يفترض ضمنا وجود رابطة تتجاوز مجرد الاقتران المتكرر. فحين يُدخل الباحث تعديلا على متغير في تجربة مضبوطة ويلاحظ أثره في متغير آخر، فإنه لا يكتفي بتسجيل تعاقب بل يستدل على تأثير فعلي بحيث يبدو اختزال السببية في العادة الذهنية قاصرا عن استيعاب هذا البعد التدخلي من الممارسة العلمية.

في مواجهة هذا المأزق، قدّم إيمانويل كانط مخرجا مغايرا حين رفض ردّ السببية إلى مجرد عادة نفسية ومنحها في المقابل مكانة الشرط القبلي الذي بدونه لا تكون التجربة نفسها ممكنة. فليست السببية بحسب هذا التصور صفة نكتشفها في الأشياء بعد ملاحظتها بل هي أحد المقولات التي يفرضها الفهم على المعطى الحسي كي يتحول إلى تجربة منظمة قابلة للفهم؛ فبدون افتراض أن كل حادثة تخضع لقانون يربطها بما سبقها يستحيل على الذهن أن يميز بين تعاقب موضوعي للظواهر وبين مجرد تتابع ذاتي في تدفق الإدراكات. بهذا الانتقال لم يعد السؤال هل السببية قائمة في الأشياء أم لا؟ بل أصبح ما الشروط التي تجعل تجربة منظمة وبالتالي معرفة علمية ممكنة من حيث المبدأ؟

ولا يعني هذا التحول أن كانط حسم النزاع لصالح موقف واحد بعينه بل يعني أنه أعاد صياغة السؤال ذاته على مستوى أعمق، فسواء اعتُبرت السببية بنية موضوعية في العالم أو شرطا ذاتيا يفرضه العقل، فإن وظيفتها التأسيسية في بناء معرفة قابلة للانتظام تبقى واحدة. وهذا ما يفسر لماذا ظل النقاش حول طبيعة السببية حيا حتى بعد هيوم وكانط إذ لم يقدم أي منهما حلا نهائيا يُغلق الباب أمام مزيد من البحث وإنما قدّم كل منهما إطارا مفهوميا جديدا أعاد توزيع الإشكال دون أن يمحوه.

يفرض التحول من التأمل الفلسفي المجرد إلى الممارسة العلمية الفعلية سؤالا منهجيا لا يقل حدة، وهو هل يكفي وجود ارتباط إحصائي منتظم بين متغيرين للقول بوجود علاقة سببية بينهما؟ تُظهر تجربة العلوم المعاصرة لا سيما تلك التي تعتمد على النمذجة الإحصائية أن الجواب سلبي بصورة قاطعة؛ فقد ينشأ الارتباط عن وجود عامل ثالث يؤثر في المتغيرين معا دون أن يكون أحدهما مؤثرا في الآخر كما قد ينشأ عن بنية خفية لا تظهر في مستوى الملاحظة المباشرة. ومن هنا صار التمييز بين الارتباط والسببية شرطا منهجيا أساسيا لا مجرد تدقيق نظري هامشي لأن الخلط بينهما يفضي إلى استنتاجات قد تبدو مدعومة إحصائيا بينما هي من حيث بنيتها التفسيرية بلا أساس.

يترتب على هذا التمييز أن التفسير العلمي لا يتخذ صورة واحدة عبر مختلف الحقول المعرفية، ففي بعض العلوم يقوم التفسير على إخضاع الظاهرة لقانون عام وفي علوم أخرى يتخذ شكل الكشف عن الآلية التي تولد الظاهرة خطوة بخطوة بينما تكتفي مجالات معاصرة بنماذج احتمالية تقدر أثر عامل معين دون أن تدعي حسم السؤال عن آلية هذا الأثر. وفي جميع هذه الصور يبقى مفهوم السببية حاضرا لكنه لا يختزل في أي منها بمفرده؛ فقد يحقق نموذج ما دقة تنبؤية عالية دون أن يمنحنا فهما كافيا للآلية الكامنة وراءه تماما كما قد تُقترح آلية تفسيرية تحتاج إلى اختبار مستقل قبل أن يُعترف لها بصفة التفسير السببي المكتمل الشروط.

ويزداد هذا التعقيد وضوحا حين ننتقل من نموذج السببية الحتمية القائم على أن الحالة السابقة تحدد اللاحقة تحديدا صارما إلى نموذج السببية الاحتمالية الذي فرضته اكتشافات فيزيائية وإحصائية معاصرة. فالقول إن عاملا معينا يرفع احتمال وقوع نتيجة ما يختلف اختلافا جوهريا عن القول إنه ينتجها حتما، لكنه مع ذلك لا يخلو من قيمة تفسيرية وتنبؤية معتبرة. وإدخال الاحتمال في صميم التحليل السببي لا يعني التخلي عن فكرة السببية ذاتها بل يستدعي إعادة تحديد معناها بحيث تنتقل من صورة الضرورة المطلقة إلى صورة العلاقة المنظمة داخل حقل من الإمكانات المتفاوتة الاحتمال.

ويفتح هذا الانتقال بابا فلسفيا دقيقا، هل الاحتمال سمة كامنة في بنية الواقع نفسه بحيث تكون بعض الظواهر لا حتمية بطبيعتها، أم أنه انعكاس لنقص في معلوماتنا عن الشروط الكاملة المحيطة بالظاهرة أم هو أداة منهجية تفرضها طبيعة الأنظمة المعقدة التي يتعذر رصد جميع متغيراتها؟ لا يملك أي من هذه الأجوبة حسما نهائيا بالاستناد إلى المعطيات المتاحة وحدها وهو ما يبقي هذا السؤال مفتوحا في صميم فلسفة العلم المعاصرة ويؤكد أن التقدم العلمي لا يغلق الأسئلة الفلسفية بقدر ما يعيد صياغتها على مستوى أدق.

وقد شهدت فلسفة العلم في العقود الأخيرة تحولا لافتا تمثّل في الانتقال التدريجي من البحث عن "القانون السببي" العام إلى البحث عن الآليات التي تجعل حدوث الظاهرة ممكنا في التفاصيل، فمعرفة أن متغيرا يرتبط إحصائيا بنتيجة معينة لا توضح بالضرورة كيف تنتقل التأثيرات من أحدهما إلى الآخر بينما يتيح الكشف عن الآلية فهما أعمق للكيفية التي تتولد بها الظاهرة خطوة بخطوة. وقد أصبح مفهوم الآلية بهذا المعنى ركيزة مركزية في التفسير العلمي المعاصر لأنه يحوّل السؤال من "هل يوجد ارتباط؟" إلى "كيف يتحقق هذا الارتباط فعليا؟".

بيد أن هذا المفهوم نفسه لا يخلو من إشكال فلسفي، ذلك أن الآلية التي يكشفها العلم ليست دائما شيئا قائما أمام الملاحظة المباشرة بل هي غالبا بناء نظري يستند إلى حزمة من الأدلة والتجارب والنماذج المتضافرة. ومن ثم فإن القول بوجود آلية سببية معينة يظل مرهونا بمدى نجاح النموذج المفترض في تفسير مجموعة متنوعة من الظواهر وقدرته على الصمود أمام اختبارات مستقلة لا بكونه حقيقة جاهزة تُستخرج من الواقع دون وساطة مفهومية. فالعلم إذن لا يلتقط السببية كما تلتقط العين جسما محسوسا بل يعيد بناءها عبر التجربة والقياس والمقارنة والتدخل المتكرر.

يستدعي هذا التحليل تمييزا آخر لا يقل أهمية هو التمييز بين قدرة نموذج ما على التنبؤ وقدرته على تقديم تفسير سببي مكتمل. فقد ينجح نموذج إحصائي في التنبؤ بسلوك ظاهرة معينة بدقة عالية لمجرد أنه يلتقط انتظاما مستقرا إحصائيا دون أن يكشف الآلية الفعلية المسؤولة عن هذا الانتظام. والتنبؤ من هذه الزاوية يتعلق بإمكان تحديد النتائج المرتقبة في ضوء معطيات معينة، في حين يتصل التفسير بالسؤال عن البنية التي تجعل هذه النتائج مفهومة في ذاتها. وعليه لا ينبغي جعل النجاح التنبؤي معيارا وحيدا للحكم على القيمة التفسيرية لنموذج سببي كما لا يصح في المقابل التهوين من شأن التنبؤ لأنه يظل أحد أهم الاختبارات العملية لصلاحية النماذج العلمية ومصداقيتها.

وحين ننتقل إلى الأنظمة المعقدة حيث يتعذر غالبا عزل عامل واحد واعتباره سببا مستقلا للظاهرة. فالنتيجة في مثل هذه الأنظمة تكون عادة حصيلة تفاعل عدد كبير من العوامل التي لا تعمل منعزلة بعضها عن بعض، بل تتبادل التأثير ضمن شبكة من العلاقات المتشابكة والتغذية الراجعة. وفي هذه الحالة تكف السببية عن أن تكون علاقة خطية بسيطة تصل بين سبب واحد ونتيجة واحدة لتصبح بنية متعددة المستويات تتداخل فيها الشروط والقيود بصورة يصعب معها الحديث عن سبب أوحد بالمعنى الكلاسيكي للكلمة. ويفرض هذا الوضع على التحليل الفلسفي إعادة النظر في النموذج التقليدي الذي يتصور السببية باعتبارها سهما أحادي الاتجاه ينطلق من نقطة أولى نحو نتيجة نهائية ذلك أن بعض الظواهر لا يمكن فهمها إلا داخل شبكة سببية تتغير فيها الأدوار بحسب مستوى التحليل والسياق المدروس.

يرتبط بهذا الوضع مبدأ لا يقل أهمية هو مبدأ شرطية السببية، فالسبب لا يمارس تأثيره في فراغ وإنما ضمن مجموعة من الشروط المصاحبة التي تسمح للنتيجة بأن تتحقق فعلا. وقد تكون العلاقة السببية صحيحة تماما داخل مجال معين بينما تفقد صلاحيتها إذا نُقلت خارج ذلك المجال دون مراعاة الفروق في الشروط المحيطة. فالتجربة العلمية الجادة لا تكتفي برصد ما يحدث، بل تحرص أيضا على تحديد الشروط الدقيقة التي يحدث فيها وهذا وحده كفيل بأن يجعل التفسير العلمي أكثر صرامة من الأحكام العامة المتسرعة التي تنسب النتائج إلى أسبابها دون تحديد سياقها. وكلما ازداد تعقيد الظاهرة المدروسة ازدادت الحاجة إلى تحديد النطاق الذي تكون فيه الدعوى السببية مشروعة ومحتملة الصدق.

في مواجهة هذا التعدد الذي يميز الممارسة العلمية يتضح الدور الذي تضطلع به الفلسفة إزاء مفهوم السببية، إنها لا تأتي لتقترح سببا بديلا عن الأسباب التي يكشفها العلم بل تتولى فحص البنية المفهومية التي تنتظم بها لغة السبب والنتيجة ذاتها. فهي التي تسأل عن معنى الضرورة التي يفترضها كل حديث عن السببية وعن الفرق الدقيق بين مجرد الاقتران وبين التأثير الفعلي وعن طبيعة القانون العلمي وشروط الانتقال من الملاحظة إلى التفسير وعن الحدود التي ينبغي ألا يتجاوزها التعميم انطلاقا من حالات محدودة. وتعمل الفلسفة على منع المفاهيم العلمية من التحجر في هيئة مسلمات ميتافيزيقية لا تُفحص وهي وظيفة نقدية لا تنافس فيها العلم بقدر ما تراقب شروط اشتغاله المفهومي.

في المقابل يقتضي هذا الدور النقدي من الفلسفة أن تحترم استقلالية المعرفة العلمية وحدودها الإجرائية، ذلك أن التأمل المجرد لا يمكن أن يحل محل التجربة حين يتعلق السؤال بواقعة تجريبية قابلة للاختبار المباشر. والعلاقة الصحيحة بين المجالين بناء على ذلك لا تقوم على إخضاع أحدهما للآخر بل على تمييز دقيق بين مجال السؤال ومجال البرهنة، فحين يسأل العلم عن العامل الذي يُحدث ظاهرة في شروط محددة فإنه يشتغل بأدوات التجربة والقياس والنمذجة؛ أما حين يسأل التفكير الفلسفي عن معنى عبارة "يؤدي إلى" وعن طبيعة الضرورة التي تتضمنها فإنه ينتقل إلى مستوى مختلف من التحليل دون أن يعني اختلاف المستوى تفاضلا في درجة الحقيقة بين الجوابين.

يقود هذا المسار التحليلي إلى استنتاج مؤداه أن الموقف الأكثر اتساقا مع تعقيد الظاهرة السببية هو النظر إليها بوصفها مفهوما متعدد الأبعاد لا يُستنفد في تعريف واحد جامع. ففي حقل الممارسة العلمية تعمل السببية بوصفها أداة لتحديد العلاقات المؤثرة وبناء التفسيرات واختبار التدخلات؛ وفي حقل فلسفة العلم تصبح موضوعا لتحليل شروط هذه الممارسة وحدود صلاحيتها؛ وفي حقل الميتافيزيقا تبقى سؤالا مفتوحا عن طبيعة الضرورة والعلاقة القائمة بين الأحداث؛ وفي حقل المنهج تتحول إلى مسألة تتعلق بكيفية الانتقال المشروع من المعطيات الملاحظة إلى الأحكام المعممة. ولا يستدعي هذا التعدد الانزلاق نحو نسبية مفهومية تسوي بين جميع الاستعمالات إذ يظل من الضروري تحديد المجال الذي يُستخدم فيه المفهوم والمعيار الذي يُقاس به نجاح استخدامه في كل حالة. ولا تُفهم حدود السببية باعتبارها عجزا في المفهوم عن أداء وظيفته بقدر ما أمكننا أن  نعتبرها شروطا تضبط مجال مشروعيته. فكل دعوى سببية ينبغي أن تكون متناسبة مع الأدلة التي يوفرها المجال المدروس ومع النموذج النظري المعتمد ومع نوع التدخل الممكن فعليا ومع الافتراضات الضمنية التي يقوم عليها التفسير المقترح؛ وكلما اتسعت الدعوى عن حدود الأدلة المتاحة تحول المفهوم من أداة معرفية صارمة إلى تعميم غير مبرر يفتقر إلى السند التجريبي. وعليه فإن نقد السببية لا يرادف التخلي عنها بل يعني تحرير استعمالها من التسرع ومن الادعاءات التي تتجاوز ما تسمح به حدود البرهان.

ويفضي الحديث في مفهوم السببية عند حدود التفسير العلمي والتأويل الفلسفي إلى نتيجة أساسية مفادها أن هذا المفهوم يستعصي على أي اختزال في صيغة واحدة تستوعب جميع أشكال استعماله. فقد مر تاريخ الفكر بتحولات عميقة نقل خلالها السؤال عن السببية من البحث عن المبادئ والغايات النهائية إلى التركيز على القوانين والانتظامات القابلة للقياس ثم إلى نماذج أكثر دقة تُعنى بالآليات والاحتمالات وشروط التدخل والسياق. ولم يكن هذا الانتقال مجرد تبدل في المصطلحات المتداولة بقدر ما كان تعبيرا عن تحول أعمق في تصور الإنسان لعلاقته بالطبيعة وبحدود عقله ذاته.

وقد أظهر التفسير العلمي أن السببية تؤدي وظيفة لا غنى عنها في تنظيم البحث عن الظواهر لأنها تمكّن من تجاوز الوصف السطحي نحو بناء نماذج تحدد الشروط التي تجعل الأحداث قابلة للفهم والتنبؤ والتدخل الفعلي فيها. غير أن هذا النجاح العملي لا يمنح السببية بمجرده معنى ميتافيزيقيا نهائيا، ذلك أن كل نموذج علمي يظل مقيدا بأدواته وشروطه ومستوى التحليل الذي يعمل داخله وينتقل من نجاح التفسير إلى دعوى امتلاك حقيقة السببية في ذاتها انتقال يحتاج إلى مبررات إضافية لا توفرها التجربة وحدها. وأظهر التأويل الفلسفي أن السببية تحمل في صميمها أسئلة لا يمكن حسمها بمجرد تكثيف التجارب أو تراكم البيانات؛ فالسؤال عن معنى الضرورة وعن الحد الفاصل بين الاقتران والتأثير وعن طبيعة القوانين العلمية وعن العلاقة بين النموذج والواقع، يظل سؤالا فلسفيا بامتياز حتى حين يستثمر نتائج العلوم التجريبية. وبهذا تتحدد وظيفة الفلسفة بوصفها نقدا مستمرا للمفاهيم التي تستند إليها المعرفة لا بوصفها بديلا منافسا للعلم في ميدانه الخاص؛ فالفلسفة تحول دون انغلاق التفسير العلمي على مسلماته المفهومية غير المفحوصة كما يحول العلم دون انفصال التأمل الفلسفي عن بنية الواقع التجريبي.

وتكمن القيمة المعرفية العميقة لمفهوم السببية في كونه يرسم حدودا دقيقة بين ما يمكن معرفته فعلا وما يمكن استنتاجه بحذر منهجي وما ينبغي أن يبقى في دائرة الفرضية القابلة للمراجعة. والاعتراف بهذه الحدود لا ينتقص من قوة العلم بل يزيدها صرامة لأن المعرفة تصبح أشد رسوخا حين تميز بدقة بين ما تثبته الأدلة وما تسمح به النماذج المقترحة وما تقترحه التأويلات الفلسفية المصاحبة لها. وعلى هذا الأساس ينبغي أن تُفهم السببية باعتبارها مفهوما ديناميا يتحدد معناه داخل علاقة متبادلة بين النظرية والتجربة وبين النموذج والظاهرة وبين السؤال العلمي والتحليل الفلسفي؛ فهي ليست رابطة ميكانيكية جامدة بين حدثين ولا مجرد عادة ذهنية عابرة ولا حقيقة ميتافيزيقية نهائية يمكن ضبطها بصورة قاطعة، وإنما بنية تفسيرية متجددة تأخذ صورا متعددة بحسب طبيعة الظاهرة والمنهج ومستوى التحليل الذي يُجرى فيه البحث.

والعلاقة بين التفسير العلمي والتأويل الفلسفي في موضوع السببية ليست علاقة تنازع على امتلاك الحقيقة بل علاقة تكامل في السؤال واختلاف في الوظيفة، حيث يبحث العلم في كيفية انتظام الظواهر وفي الشروط القابلة للاختبار التجريبي، بينما تبحث الفلسفة في المفاهيم التي تمنح هذا الانتظام معناه وفي الحدود التي ينبغي ألا يتجاوزها الادعاء المعرفي. وحين يحترم كل مجال مقتضياته المنهجية الخاصة تغدو السببية ميدانا خصبا للحوار بين العلم والفلسفة لأنها تكشف أن تقدم المعرفة لا يقوم فقط على اكتشاف وقائع جديدة بل يقوم أيضا وبالقدر ذاته من الأهمية على إعادة فحص المفاهيم التي نستخدمها لفهم تلك الوقائع.

***

د. حمزة مولخنيف

 

قراءة فلسفية في سيمينار كلية البنات المعنون بـ"الفلسفة ضرورة للارتقاء إلى المرتبة الأولى"

ليس من السهل أن نتحدث اليوم عن الفلسفة من خارج سؤال مشروعيتها وضرورتها، خصوصا في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها التعليم وسوق العمل والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي. غير أن قيمة السيمينار الذي قدمته الدكتورة سهام النويهي، أستاذ المنطق وفلسفة العلوم، بكلية البنات جامعة عين شمس، والمعنون بـ"الفلسفة ضرورة للارتقاء إلى المرتبة الأولى"https://www.facebook.com/share/v/1Pti6r5Hpp/) )، تكمن في أنه لم يكتف بالصيغة التقليدية التي اعتدناها في الدفاع عن الفلسفة، وإنما حاول أن ينقل النقاش إلى مستوى أكثر عمقا وواقعية. فليس السؤال فقط لماذا نحتاج إلى الفلسفة، وإنما كيف يمكن للفلسفة أن تستعيد فاعليتها، وأن تصبح جزءا من عملية التطوير والتحديث وصناعة الإنسان القادر على التعامل مع عالم يتغير بوتيرة غير مسبوقة. وهذه- في تقديري- هي النقلة الأهم في السيمينار، وهي أيضا ما يمنحه قيمة تتجاوز حدود الدفاع الأكاديمي عن تخصص بعينه.

لقد انطلقت الدكتورة سهام من ملاحظة مهمة تتصل بالتغيرات التي يشهدها التعليم وسوق العمل، وترى أن الدفاع عن الفلسفة بصورتها التعليمية الراهنة لن يكون كافيا، وأن المطلوب هو إعادة النظر في محتواها ومناهج تدريسها بحيث تصبح أكثر اتصالا بالتطور العلمي والتكنولوجي وبالاحتياجات الجديدة لسوق العمل. وهذه الفكرة تستحق التوقف؛ لأن الفلسفة لا يمكن أن تحافظ على حضورها بمجرد التمسك بصورتها التاريخية أو الاكتفاء بتكرار القول إنها "أم العلوم"، في الوقت الذي تغيرت فيه طبيعة المعرفة الإنسانية تغيرا جذريا. ولعل استبدال هذا التعبير بفكرة أن الفلسفة أصبحت "أساسا للعلوم" يفتح نقاشا أكثر دقة؛ فالفلسفة لم تعد أم العلوم بالمعنى التاريخي الذي كانت عليه في العصور القديمة، حين كانت العلوم المختلفة تتحرك داخل المجال الفلسفي العام، لكنها لا تزال حاضرة في الأسس المنطقية والمعرفية والقيمية التي يقوم عليها التفكير العلمي، وفي الأسئلة المتعلقة بطبيعة المعرفة وحدودها ومناهجها وآثارها الإنسانية. ومن هذه الزاوية يمكن فهم إصرار السيمينار على أن المنطق والتفكير النقدي ليسا مجرد موضوعين داخل المقررات الفلسفية، وإنما أداتان لازمتان للتعامل مع المعرفة المعاصرة.

ومن هنا تبرز إحدى أهم قضايا السيمينار، وهي ضرورة إعادة بناء المحتوى الذي يقدم للطالب في المراحل التعليمية، ولا سيما محتوى المنطق. فإذا كان المنطق يقدم للطالب في صورة تاريخ للأفكار والمذاهب والقواعد، دون أن يتحول إلى ممارسة فعلية للتفكير والاستدلال وتحليل المشكلات، فإننا نكون قد حافظنا على اسم المادة أكثر مما حافظنا على جوهرها. فالطالب في عالم اليوم لا يحتاج فقط إلى أن يعرف من قال ماذا في تاريخ المنطق، وإنما يحتاج إلى أن يمتلك القدرة على تحليل الحجة، واكتشاف التناقض، وتمييز المعلومات، وبناء الاستدلال، والتعامل مع المشكلات المركبة التي لا تقدم لها الحياة إجابات جاهزة. وهنا تنتقل الفلسفة من كونها مادة تدرس إلى كونها قدرة عقلية تتكون وتتدرب وتتطور.

وهذا يقودنا إلى نقطة شديدة الأهمية في السيمينار، هي الانتقال من السؤال التقليدي: ماذا يحتاج سوق العمل من تخصصات؟ إلى سؤال أكثر عمقا: ماذا يحتاج سوق العمل من مهارات؟ فالسوق المعاصر لا يبحث فقط عن خريج يحمل شهادة في تخصص معين، وإنما يحتاج إلى إنسان يستطيع التفكير النقدي والإبداعي، والحوار والمناقشة، والإقناع بالحجة، وحل المشكلات، والعمل الجماعي، والتعلم الذاتي، والمرونة، والتعامل مع البيانات والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، إلى جانب ما يرتبط بالمهارات الإنسانية والذكاء العاطفي. وهنا تلتقي الفلسفة مع جانب أساسي من هذه الاحتياجات؛ فالمنطق يدرب على الاستدلال، والتفكير النقدي يدرب على فحص الأفكار والحجج، والمناظرة الفلسفية تدرب على الحوار والإقناع، والفلسفة الأخلاقية تفتح أسئلة المسؤولية والقيمة، والفلسفة السياسية والقانونية تضع الإنسان أمام مشكلات السلطة والعدالة والحقوق. غير أن الاعتراف بذلك لا ينبغي أن يتحول إلى مبالغة؛ فالفلسفة تستطيع أن تقدم الأساس العقلي والإنساني لكثير من هذه المهارات، لكنها لا تغني عن اكتساب المهارات التقنية المتخصصة التي يفرضها عالم العمل الجديد. ومن هنا تصبح الشراكة بين الفلسفة والعلوم والتكنولوجيا ضرورة، لا مجرد خيار إضافي.

ولعل اشارة الدكتورة سهام هنا إلى "المنطق الغائم" تستحق وقفة قصيرة، لا لأن المقام مقام درس في المنطق المعاصر، وإنما لأن هذا المصطلح قد يكون غير مألوف لكثير من القراء، مع أنه أصبح من الأدوات المهمة في التعامل مع بعض مشكلات العلم والتقنية واتخاذ القرار. والمنطق الغائم، في أبسط تعريفاته، هو نمط من التفكير المنطقي لا يتعامل مع الأشياء دائما بمنطق الحد الفاصل بين "نعم" و"لا"، أو "صحيح" و"خطأ"، وإنما يسمح بدرجات متفاوتة من الصدق والانتماء؛ فالشيء قد يكون قريبا من صفة معينة بدرجة ما، بدلا من أن يكون مستوفيا لها أو فاقدا لها بصورة مطلقة. ومن هنا تأتي أهميته في التعامل مع الظواهر والمواقف التي لا تحكمها حدود صارمة، ولا تتوافر بشأنها معلومات كاملة، وهي حالات كثيرة في الواقع الإنساني والعلمي والاقتصادي والإداري. ولذلك ارتبط المنطق الغائم بتطبيقات متعددة في الذكاء الاصطناعي، وأنظمة التحكم، وتحليل البيانات، ودعم القرار، وقياس بعض الظواهر المركبة التي يصعب اختزالها في أحكام ثنائية. وتلك الأهمية هي التي تجعل استدعاءه في حديث السيمينار عن التقييم والجودة وسوق العمل أمرا ذا دلالة؛ فهو يقدم نموذجا واضحا لكيفية انتقال التفكير المنطقي من صورته المدرسية التقليدية إلى أدوات أكثر قدرة على التعامل مع تعقيد الواقع.

غير أن هذه الإشارة تقودنا في الوقت نفسه إلى ضرورة قدر من الدقة المفاهيمية. فالمنطق الغائم ليس ملكا حصريا للفلسفة، ولا يصح تقديمه باعتباره مجرد فرع فلسفي منفصل عن تطورات الرياضيات وعلوم الحاسوب والهندسة والذكاء الاصطناعي؛ إنه مجال معرفي بيني نشأ من تفاعل أكثر من حقل، واستمد قيمته من قدرته على العبور بين التجريد المنطقي والتطبيقات العملية. ومن ثم فإن القيمة الحقيقية لاستحضاره في الحديث عن مستقبل الفلسفة لا تكمن في أن نقول إن الفلسفة تملك هذه الأداة، وإنما في أن نكشف قدرتها على الدخول في حوار منتج مع العلوم والتقنيات المعاصرة، وعلى توظيف أدوات التفكير المنطقي في معالجة مشكلات لم تعد قابلة للفهم من خلال النماذج التقليدية وحدها. وهنا تحديدا تتأكد إحدى الأفكار العميقة التي يمكن استخلاصها من السيمينار؛ وهي مستقبل الفلسفة لن يصنعه انغلاقها على تاريخها، وإنما قدرتها على إعادة بناء صلتها بالمعرفة المتجددة، وعلى تحويل أدواتها إلى فاعلية حقيقية في العالم.

وفي هذا السياق تبدو الإشارة إلى معايير الارتقاء بالجامعة إلى "المرتبة الأولى" ذات أهمية خاصة؛ فالسيمينار لا ينظر إلى الجامعة باعتبارها مؤسسة تعليمية مغلقة، وإنما باعتبارها بنية معرفية ينبغي أن تتفاعل مع البحث العلمي، والشراكات الدولية، والمشروعات البحثية، واحتياجات المجتمع وسوق العمل، وسمعة خريجيها، وقدرتها على إعداد إنسان قادر على المنافسة في عالم تتداخل فيه المعرفة بالتكنولوجيا والاقتصاد. والأهم من ذلك أن اختيار هذه المعايير نفسه لا ينفصل عن تصور معين للجامعة والإنسان والمعرفة ووظيفة التعليم؛ أي عن منظومة من الأفكار والقيم والغايات يمكن للفلسفة أن تسهم في مساءلتها وتحليلها. فكل معيار للتقييم يفترض ضمنا تصورا لما ينبغي أن تكون عليه الجامعة، وما الذي يجعلها جديرة بالتميز، وما الغاية التي من أجلها نطور التعليم ونقيس جودته.

ومن اللافت أن السيمينار لم يكتف بالحديث النظري عن دور الفلسفة، وإنما حاول أن يستعيد بعض التجارب التي أنجزها قسم الفلسفة بكلية البنات في مجالات التفكير النقدي والمنطق الغائم والمنطق المعاصر وتطبيقاته، فضلا عن الدراسات التي ربطت الفلسفة بالذكاء الاصطناعي والأخلاقيات الطبية وعلوم الحاسوب والرياضيات. وتكتسب هذه الإشارة أهميتها من كونها تكشف أن العلاقة بين الفلسفة والتخصصات الأخرى ليست فكرة مستقبلية محضة، وإنما لها إرهاصات وتجارب فعلية يمكن البناء عليها.

كما أن حديث الدكتورة سهام عن تواضع القسم في التعريف بما أنجزه، رغم وجود هذه التجارب، يطرح قضية أخرى لا تقل أهمية، فالمعرفة لا يكفي أن تنتج، وإنما ينبغي أيضا أن تكون قادرة على التواصل مع المجتمع الأكاديمي والمجتمع الأوسع، وأن تقدم نفسها بلغة تكشف قيمتها دون مبالغة أو ادعاء.

وأحسب أن من أكثر ما يحسب للدكتورة سهام في هذا السيمينار أنها لم تقع في فخ الاكتفاء بتعداد الإنجازات، بل انتهت إلى الاعتراف بأن ما تحقق، مهما كانت قيمته، ليس كافيا، وأن الطريق ما زال مفتوحا أمام أفكار جديدة. وهذه الروح النقدية مهمة؛ لأن الدفاع الحقيقي عن الفلسفة لا يبدأ من إنكار أزمتها، وإنما من الاعتراف بها. فحين تعترف الفلسفة بأن بعض مناهجها ومقرراتها وأساليب تدريسها لم تعد ملائمة بالقدر الكافي لعالم جديد، فإنها لا تنتقص من نفسها، وإنما تمارس بالفعل واحدة من أخص خصائصها، وهي النقد والمراجعة وإعادة النظر.

لكن ربما كان السؤال الأعمق الذي يفرض نفسه بعد هذا السيمينار، هو-هل يكفي أن نضيف إلى الفلسفة موضوعات جديدة مثل الذكاء الاصطناعي والمنطق الغائم، أو أن نربط بعض مقرراتها بسوق العمل، لكي نكون قد جددنا التعليم الفلسفي؟ أظن أن المسألة أعمق من مجرد تحديث قائمة المقررات. نحن بحاجة إلى إعادة التفكير في "هندسة التعليم الفلسفي" نفسها.. ماذا نعلم؟ وكيف نعلم؟ وكيف ننتقل بالطالب من حفظ المعرفة الفلسفية إلى ممارسة التفكير الفلسفي؟ وكيف نقيس ما اكتسبه بالفعل من قدرات؟ وكيف نجعل خريج الفلسفة قادرا على توظيف ما تعلمه في البحث العلمي، وصناعة القرار، وتحليل المشكلات، وفهم التحولات الاجتماعية والتكنولوجية؟ إن التغيير الحقيقي لا يحدث عندما تتغير أسماء المقررات وحدها، وإنما عندما تتغير العلاقة بين المعرفة والمتعلم والواقع.

ومع ذلك، ينبغي أن نحذر من أن يتحول الدفاع عن حضور الفلسفة في سوق العمل إلى اختزال قيمتها في قدرتها على إنتاج موظف أكثر كفاءة. فالفلسفة أوسع من ذلك بكثير؛ إنها لا تعلم الإنسان فقط كيف يحل مشكلة، وإنما تدفعه إلى السؤال عن طبيعة المشكلة وغايات الحل وآثاره وحدوده. ولا تعلمه فقط كيف يقنع الآخر، وإنما تعلمه أيضا أن يسأل عن مشروعية الحجة وقيمة الحقيقة. ولا تكتفي بإعداد إنسان قادر على التكيف مع العالم، وإنما تمنحه القدرة على مساءلة هذا العالم نفسه. ولذلك فإن ربط الفلسفة بسوق العمل ينبغي ألا يعني إخضاعها لمنطق السوق، وإنما يعني أن نكشف كيف يمكن لقدراتها العقلية والإنسانية أن تكون ذات أثر في الواقع، من دون أن تفقد استقلالها النقدي ورسالتها المعرفية والإنسانية.

ومن هنا تبدو فكرة "الفلسفة ضرورة للارتقاء إلى المرتبة الأولى" أعمق من أن تكون دعوة إلى تحسين ترتيب مؤسسة جامعية فحسب؛ إنها دعوة ضمنية إلى إعادة تعريف وظيفة الفلسفة في عالم جديد. فالارتقاء الحقيقي لا يتحقق بمجرد أن تظل الفلسفة موجودة داخل الخطة الدراسية، وإنما بأن تصبح قادرة على المشاركة في إنتاج المعرفة، وفهم التحولات العلمية والتكنولوجية، وصناعة الإنسان القادر على التفكير واتخاذ القرار، والدخول في حوار حقيقي مع العلوم المختلفة، والاقتراب من مشكلات المجتمع لا بوصفها موضوعات خارجية، وإنما باعتبارها أسئلة تمس جوهر الوجود الإنساني.

ولهذا أرى أن سيمينار الدكتورة سهام النويهي يستحق التقدير؛ ليس فقط لأنه دافع عن أهمية الفلسفة، وإنما لأنه حاول أن ينقل الدفاع عنها من مستوى الشعارات إلى مستوى السؤال العملي "ماذا ينبغي أن نفعل حتى تصبح الفلسفة أكثر فاعلية؟" ، وهذه النقلة في حد ذاتها جديرة بالحوار والتطوير والنقد، لأنها تضع الفلسفة أمام مسؤوليتها التاريخية، بأن تعيد اكتشاف أدواتها، وأن توسع مجالات حضورها، وأن تنفتح على العلوم والتكنولوجيا، وأن تعيد النظر في طرق تعليمها، من غير أن تتخلى عن جوهرها النقدي والإنساني.

فالفلسفة التي تكتفي بأن تروي تاريخها قد تظل حاضرة في الكتب وقاعات الدرس، أما الفلسفة التي تعيد بناء أدواتها، وتدخل في حوار مع العلم والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، وتقترب من أسئلة المجتمع وسوق العمل وصناعة القرار، وتعيد تشكيل علاقتها بالإنسان، فإنها لا تدافع عن وجودها فحسب، بل تصنع فاعليتها بنفسها. وربما يكون هذا هو المعنى الأعمق للارتقاء، أن ترتقي الفلسفة نفسها من مجرد الدفاع عن مكانها إلى صناعة المكان الذي تستحقه.

***

بقلم: أ.د. ياسر البتانوني

أستاذ الفلسفة الإسلامية بكلية الآداب جامعة المنوفية

تدفعنا صيغة الملكية في قولنا «جسدي» إلى تخيّل مالك يقيم خلف الجسد ويتصرف فيه كما يتصرف في أداة. يتكلم الوعي في هذه الصورة من موضع داخلي مستقل، فيما يظهر الجسد أمامه شيئًا ممتدًا يخضع للحركة والمرض وقوانين الطبيعة. هكذا يتوزع الإنسان بين ذات تفكر وتحس وتريد، وكتلة عضوية تنفذ أوامرها وتحملها عبر العالم. وقد منح الإرث الديكارتي هذا الانقسام صورته الفلسفية الأشد رسوخًا حين جعل الفكر يقين الذات الأول، وترك الجسد في جهة الامتداد. غير أن الخبرة المعاشة تسبق هذا التقسيم وتقاومه. فاليد التي تمتد إلى الأشياء لا تظهر لي ابتداءً كأداة أملكها، والعين لا تحضر كآلة بصرية أستخدمها، والقدم لا تتحول في كل خطوة إلى موضوع للحساب. أحضر إلى العالم بهذه الأعضاء قبل أن أتأملها، وأمارس وجودي عبرها قبل أن أنسبها إلى نفسي بوصفها ممتلكات.

من هنا يحتاج سؤال العلاقة بين الوعي والجسد إلى إعادة بناء. فالسؤال التقليدي «كيف يتصل الوعي بالجسد؟» يفترض سلفًا طرفين مكتملين ثم يبحث عن جسر بينهما. أما التجربة فتدل على تداخل أسبق من كل اتصال لاحق. الوعي البشري ينكشف منذ بدايته كوعي متجسد، والجسد يُعاش كبنية حاملة للمعنى والقصد. لا يوجد أولًا وعي مكتفٍ بذاته ثم يكتسب جسدًا، ولا جسد محايد تنتقل إليه شرارة واعية من خارج تكوينه. ما يظهر هو كائن واحد تتشابك في حضوره الحساسية والحركة والانفعال واللغة والذاكرة، ويصعب فصل أحد مستويات هذا التشابك عن سائرها من دون تحويل الحي إلى بناء نظري جامد.

قدمت الظاهراتية الأدوات الأدق لفهم هذا التشابك. ميّز هوسرل بين الجسد الفيزيائي الذي يمكن قياسه وتشريحه، والجسد الحي الذي أحس به من داخله وأتحرك عبره. ثم دفع ميرلو-بونتي هذا التمييز إلى نتيجته الوجودية، فالجسد المعاش هو موضع انفتاح العالم، ونقطة الصفر التي تنتظم حولها الجهات والمسافات والإمكانات. القريب قريب بقدر ما تستطيع اليد أن تبلغه، والبعيد بعيد تبعًا لقدرة الجسد على الوصول إليه. الأعلى والأسفل، الأمام والخلف، المريح والخطر، كلها معانٍ تنشأ داخل علاقة جسدية بالمكان. العالم لا يُعطى كخريطة هندسية محايدة، وإنما كحقل لإمكانات الفعل: طريق يمكن عبوره، مقعد  للجلوس، باب يتيح الخروج، وهاوية تستدعي التراجع.

يظهر هنا الفرق بين الجسد الموضوعي والجسد المعاش. الأول هو ما تكشفه الأشعة وتصفه المختبرات وتفحصه العيادة، وهو مستوى ضروري لفهم البنية العضوية ووظائفها. الثاني هو الجسد كما يجري حضوره قبل الفحص: خفته وثقله، توازنه، إيقاعه، توتره، وألفته الصامتة. لا يتنافسان على حقيقة واحدة، فلكل منهما مستوى من الوصف. يحدث الخطأ حينما يتحول الوصف الطبي إلى تفسير يستنفد التجربة، أو عند اتخاذ الخبرة الذاتية بديلًا عن المعرفة العلمية. الجسد الذي تراه الأشعة والجسد الذي أشعر به يعودان إلى وجود واحد، غير أن طريق ظهورهما يختلف. الصورة تكشف نسيجًا أو عظمًا، بينما يكشف الألم عالمًا ضاق، وزمنًا تباطأ، وحركة فقدت عفويتها.

تتضح أولوية الجسد المعاش في القصدية الحركية. حين أمد يدي إلى فنجان القهوة لا أرسم في ذهني خريطة كاملة للمسافة، ثم أحسب زاوية المرفق، ثم أرسل سلسلة أوامر إلى العضلات. يتحقق الفعل داخل وحدة سابقة على هذا التفصيل بين الإدراك والحركة. الجسد يعرف كيف يبلغ الفنجان معرفة عملية مترسبة في مخططه الحركي. وتشبه هذه المعرفة ما يحدث في الكتابة والعزف والقيادة، إذ تتحول المهارة بالتدرب من سلسلة أفعال مراقبة إلى أسلوب جسدي في التعامل مع المجال. الوعي هنا موزع عبر الفعل، حاضر في دقته واتجاهه، ولا ينحصر في صوت داخلي يصدر التعليمات.

يمنح علم الأعصاب هذا التحليل طبقة تفسيرية إضافية. يتكون الإحساس بالجسد من تفاعل الحس العميق الذي يتتبع وضع الأطراف، والجهاز الدهليزي الذي ينظم التوازن، والاستقبال الداخلي الذي ينقل أحوال القلب والتنفس والأحشاء، إلى جانب اللمس والرؤية والسمع. تدمج الشبكات الدماغية هذه الإشارات في نموذج جسدي متجدد يسمح للكائن بأن يحدد موضعه وحالته وما يستطيع فعله. وتؤدي القشرة الجزيرية ومناطق حزامية وجبهية أدوارًا مهمة في ربط الإشارات الداخلية بالانتباه والانفعال واتخاذ القرار. وفق نماذج المعالجة التنبؤية، لا ينتظر الدماغ بيانات مكتملة من الجسد والعالم، وإنما يبني توقعات مستمرة ويصححها بمقدار ما تقاومها الإشارات الواردة. لذلك يمكن فهم الوعي الجسدي كتفاوض حي بين توقع عصبي ومقاومة حسية، بين ما يستعد الجسد لأن يجده وما يفرضه الموقف عليه.

ومع ذلك تبقى المسافة المنهجية ضرورية بين الآلية والخبرة. تحديد الشبكة العصبية المصاحبة للألم لا يستنفد كيف يُعاش الألم، كما أن وصف الهرمونات المرتبطة بالخوف لا يعادل معنى التهديد لدى شخص بعينه. النشاط العصبي شرط تكويني للخبرة الإنسانية، فيما تتشكل دلالة الخبرة أيضًا عبر التاريخ الشخصي واللغة والعلاقات والثقافة. الخلط بين هذه المستويات ينتج اختزالًا مزدوجًا: علمًا يتعامل مع المعنى كأنه ضوضاء ذاتية، وتأملًا يتجاهل الشروط العضوية التي تمنح المعنى إمكان ظهوره. المقاربة الأخصب تحفظ الفارق وتبحث في الترجمة المتبادلة بين الجسد المعيش والجسد العصبي والجسد الاجتماعي.

يكشف الألم هذه البنية بقوة استثنائية. في العافية يعمل الجسد غالبًا بشفافية، فنقصد الأشياء من خلاله ولا نتوقف عنده. وعندما يشتد الألم تتراجع الأشياء ويحتل الجسد صدارة الوعي. تتقلص المسافة، تثقل الحركة، وينغلق المستقبل حول احتمال استمرار الوجع. الألم لا يضيف إحساسًا منفردًا إلى خبرة مستقرة، فهو يعيد تنظيم الخبرة كلها. الغرفة ذاتها تبدو أضيق، والساعة ذاتها أطول، والكلام الذي كان يسيرًا يصير عبئًا. يكشف المرض عندئذ أن الزمن والانتباه والمكان قدرات جسدية بقدر ما هي صور ذهنية، وأن اختلال الجسد يبدل طريقة ظهور العالم قبل أن يبدل أحكامنا النظرية عليه.

وتؤكد العاطفة وحدة الوعي والجسد. الخوف انقباض في مجال الإمكان، وتسارع في النبض، وتوتر عضلي، وتوجيه حاد للانتباه نحو مصدر التهديد. الحزن هبوط في الطاقة وثقل في الحركة وانكماش في قابلية العالم لأن يدعونا إلى الفعل. أما الطمأنينة فتظهر كاتساع في التنفس، وارتخاء في العضلات، واستعادة للمكان بوصفه قابلًا للسكن. الحب أيضًا يعيد توزيع الحضور الجسدي، فيجعل صوت الآخر ووجهه وقربه مشحونة بقيمة لا تحملها الأشياء المحايدة. العاطفة طريقة يتلون بها العالم عبر الجسد، ولذلك يستحيل ردها إلى فكرة داخلية تضاف إليها أعراض عضوية في مرحلة تالية.

يتجاوز التجسد حدود الفرد إلى المجال المشترك. يظهر الآخر من خلال وجهه ونبرته وإيقاع حركته ومسافته وصمته. أفهم تردده في انكماش خطوته، وغضبه في توتر صوته، وارتياحه في هيئة جلوسه، قبل أن أحول هذه العلامات إلى استدلال واعٍ. التواصل يبدأ كتجاوب بين جسدين ثم تتولى اللغة توسيع معناه وتثبيته أو حجبه. ومن هنا يتكون الوعي بالذات داخل علاقة بين-جسدية، إذ تعيد نظرة الآخر إليّ تنظيم إحساسي بوضعي وبحركتي وبكيفية ظهوري. الخجل مثال كاشف: جسدي الذي كان منفذًا شفافًا نحو العالم يتحول تحت النظرة إلى حضور مرئي يثقل عليّ ويضاعف مراقبتي لنفسي.

الجسد الاجتماعي يحمل كذلك آثار السلطة والمعيار. فطرائق الجلوس والمشي والنظر وضبط الصوت والمسافة لا تنشأ من التشريح وحده، وإنما تتعلمها الأجساد داخل الأسرة والمدرسة والعمل والفضاء العام. تترسب الأوامر والمعايير في الهيئة حتى تبدو طبيعية، ويغدو الجسد أرشيفًا لتاريخ لم يعد صاحبه يستحضره بوضوح. بعض الأجساد تُمنح حرية التمدد والظهور، وأجساد أخرى تتعلم الانكماش والحذر. لذلك يجمع التجسد بين الطبيعة والتاريخ، بين القدرة العضوية والتشكيل الثقافي، ويحول سؤال الوعي إلى سؤال عن العالم الذي يدرب الجسد على أن يشعر ويتحرك ويظهر بطرائق محددة.

حتى الإحساس بأن الجسد «لي» يتبين كإنجاز قابل للاضطراب. يميز علم الأعصاب بين الإحساس بملكية الجسد والإحساس بالفاعلية. الأول يعني أن هذه اليد أو هذه الحركة تنتمي إلى جسدي، والثاني يعني أنني مصدر الفعل الذي يحدث. وقد ينفصلان في بعض الاضطرابات والتجارب. في وهم اليد المطاطية مثلًا، يمكن للتزامن بين اللمس المرئي واللمس المحسوس أن يجعل يدًا صناعية تدخل مؤقتًا في خريطة الجسد. وفي ظاهرة الطرف الشبحي يستمر حضور طرف مفقود داخل الخبرة، وأحيانًا يستمر ألمه أيضًا. تكشف هذه الحالات أن ملكية الجسد ليست معطى ساكنًا تضمنه الحدود التشريحية، وإنما تركيب ديناميكي تبنيه الذاكرة الحسية والتكامل متعدد الحواس والتوقع الحركي.

يتضح عند الاغتراب الجسدي الفرق بين الملكية والسكن. قد يحتفظ الإنسان بجسده بيولوجيًا وقانونيًا، فيما يفقد ألفته معه. المرض المزمن والصدمة وبعض الاضطرابات العصبية أو النفسية والشيخوخة قد تجعل الجسد مقاومة يومية عوض أن يكون طريقًا تلقائيًا إلى الأشياء. يصير العضو موضوعًا يفرض نفسه، وتتحول الحركة إلى مهمة تحتاج إلى مراقبة، ويفقد المكان سابق سهولته. الألم الفلسفي في هذه الحالات نابع من تصدع العلاقة التي كان الجسد عبرها مأوى غير ملحوظ. ما ينهار هو سهولة الوجود في العالم، لا ملكية عضو منفرد وحدها.

لهذه الرؤية أثر مباشر في نقاش الوعي الاصطناعي. السؤال المحوري لا يتوقف عند المادة التي صُنع منها النظام، لحمًا كانت أم سيليكونًا، وإنما يمتد إلى نوع علاقته بعالمه. هل يملك تنظيمًا يحافظ به على ذاته، وحساسية داخلية لأحواله، ودورة إدراك وفعل تغير البيئة وتغيره، ومنظورًا تتفاوت داخله الأشياء بين النافع والضار والقريب والمهدد؟ أم أنه يعالج رموزًا ويولد تقارير لغوية من دون أن ينكشف له عالم ذو قيمة معاشة؟ التجسد البشري لا يقدم برهانًا نهائيًا على استحالة وعي غير عضوي، لكنه يرفع عبء التفسير. فمحاكاة خطاب الوعي وحدها لا تكفي لإثبات حضور ذات تعيش، ما دام الوعي الذي نعرفه قد نشأ داخل كائن يحتاج ويتألم ويتوازن ويتجه ويتعرض للفناء.

يحمل الجسد أخيرًا دلالة أنطولوجية تتجاوز الوظيفة. إنه يمنح الوعي موضعًا وحدودًا ومنظورًا، ويجعله وجودًا متعينًا بدل عقل كلي يطل على الأشياء من كل الجهات. كل رؤية تحجب جوانب، وكل اقتراب يترك وراءه مسافة، وكل قدرة تصاحبها قابلية للعجز. غير أن هذه الحدود نفسها تفتح إمكان التجربة. تستطيع اليد أن تلمس لأنها محدودة بمدى، ويستطيع النظر أن يكتشف لأنه ينطلق من زاوية، وتكتسب اللحظة قيمتها لأن الزمن الجسدي قابل للنفاد. من الجسد تأتي اللذة والهشاشة معًا، الحضور والفقد، الحرية والمقاومة. إنه صيغة انفتاحنا على العالم وصيغة تعرضنا له في آن واحد.

لهذا لا يقف الامتلاك والسكن كخيارين متكافئين. الامتلاك علاقة انعكاسية متأخرة، تظهر حين أجعل جسدي موضوعًا للعناية أو التدريب أو العلاج أو الحكم. أما السكن فهو الطبقة الأسبق التي تمنح تلك العلاقة إمكانها. أنا أستطيع أن أقول «هذا جسدي» لأنني أعيش العالم من خلاله قبل أن أتخذه موضوعًا لي. الجسد طريقة الوعي في الحضور، والوعي كيفية الجسد في أن يصير خبرة ومعنى وزمنًا. وبينهما لا يقوم جسر يصل جوهرين غريبين، وإنما يجري تمايز داخلي داخل حياة واحدة.

نحن إذن نمتلك أجسادنا في مستوى محدود، حين نتأملها وندبرها وننسبها إلينا، إلا أن الحقيقة الأعمق تكمن في أننا نسكن العالم بها. بها نرى ونُرى، نلمس ونُلمس، نرغب ونخاف، نتذكر وننتظر، ونصير عرضة للآخر وللزمن. الجسد هو بلاغة الحضور الأولى، والصيغة التي يتحول بها العالم من موضوع يقع أمامنا إلى موطن ننخرط فيه ويعيد تشكيلنا. وحين نفهم الوعي من هذه الجهة، يغدو سؤال الجسد سؤالًا عن كيفية وجودنا كلها: كيف يصبح العالم قابلًا للإحساس، وكيف تتكون الذات من علاقتها به، وكيف يحملنا الجسد عبر الحياة بقدر ما نحمله.

***

عبد الله الهميلي

لإن تَلخَّص فخرُ الملك الآشوري أسرحدون، في القرن السّابع قبل الميلاد، وهو يُصوّر زحف جيشه الظافر بقوله: "أمامه مدينة وخلفه خراب"، فإنّ مهامّ المنشغلين بحطام المدن في عالم اليوم، في الشرق أم في الغرب، تقف على نقيض منجَزات جيش أسرحدون: "أنّ بين أيديهم خرابا وأنّ عليهم أن يُرمّموا ما أَلمّ بتلك المدن". يأتي الأمر صونًا لإنسانية البشر وحفاظًا على رصيد الأخلاق الكونية المستنزَف، كما حاول لَمْلمته اللاهوتي الراحل هانس كونغ صاحب مقولة "لا سلام لعالم لا سلام فيه بين الأديان، ولا سلام بين الأديان بدون حوار عميق بينها". وعلى ذلك الأساس لا يبدو سؤال "ما العمل؟" في أيّامنا، أمام اتّساع رقعة انخرام المدن، وتزايد أعداد المهجَّرين، وضيق السُّبل، وانسداد الآفاق، سؤالا سياسيّا، كما دأبت الأدبيات الاستراتيجية أن تلحقه بأيديولوجيا معيَّنة أو بشخصية كاريزمية محدّدة؛ بل هو سؤال ثقافيّ في الجوهر، يتلمّس سُبل ترميم نسيج المدن، الرمزي والقِيَمي والخُلقي، لِما لحقه من اهتراء.

هذا وقد دأب الناس على طرح "سؤال ما العمل؟" حين يكابد الجميع أهوال الجحيم، وحين تتحوّل المدينة إلى مرتَعٍ للتوحّش وإلى بؤرة لتأجّج النزاعات. يطرحون ذلك السؤال على العارفين، وعلى من يأملون العثور لديهم على بصيص أمل للخروج من بلواهم. والثقافة الرشيدة، ثقافة الودعاء، لا ثقافة التنطّع والغيّ، غالبا ما تكون معنيّةً بذلك السؤال الحازم والمفرط في إحراجِه، على أمل انتشال الحيارى من تيهِهم، ومما ألمّ بهم وأَهليهم من عذابات يَصْلونها آناء الليل وأطراف النهار، وفي أحوال القرّ والحرّ على حدّ سواء. لأنّ إجابة الثقافة تنطوي على أمل وإعمار وبصيص خلاص، وهي محاولة لخروجٍ مستدام ممّا يترصّد الناس من أوضاع الذلّة والهوان.

فمن طبيعة الثقافة الرشيدة، وهي بحمولتها ثقافة مسؤولة، أن يكون ديدنها السعي الجاد إلى تقليص مساحة الطّيش والتهوّر، والتشبّث بالحفاظ على إنسانية الإنسان والنأي به عن العدميّة والانتحار. يستحضرني وأنا أتأمّل موضوع الثقافة والإعمار وما بينهما من وشائج وصلات، في مقاومة الامّحاء والاندثار، ذلك الإخبار البليغ الوارد في الذكر الحكيم عن خليل الرّحمن ﴿وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت﴾، وهو يجابه بوادٍ غير ذي زرع مخاطر الفناء، ومع ذلك يصرّ على التقعيد والتشييد والرفعة. والهول الذي يجتاح المدينة في عالمنا أمرٌ جلل، تلك المدينة التي خرجت من رحم تراكمات حضارية عميقة وأطوار زمنية مديدة، كما أوضح ذلك عالم الآثار الإيطالي ماريو ليفراني في مؤلَّف رصين له بعنوان: "أوروك.. أولى المدن على وجه البسيطة" (مشروع كلمة، 2012). باتت المدينة الحديثة وما تنطوي عليه من مدنيّة، وحقوق، وأمان، ورفاه، عرضة للطّمس، وهو طمس من صنع أيدي البشر، لا بفعل الطبيعة العمياء الغاضبة، كما هو الشأن مع ما جرى لمدينة بومبي الإيطالية -79 ميلادية- التي غمرتها حمم بركان الفيزوف وطمرت ألوفا من أهليها تحت طبقة من الركام بلغ سمكها ستّة أمتار -كانت بومبي في ذلك العهد تعُدّ عشرين ألف نسمة-، حتى أن غُبار البُرْكان وصلت آثاره ألبَانيَا واليُونانِ وَإلى مشارف أرض سُورِيةكما قيل.

ففي عصرنا باتت جملة من المخاطر المحدقة بالمدينة نابعة من أحضانها، في ظلّ فقدان بوصلة التحضّر وانفلات التوحّش. في مقطع شهير من نصّ سطره الفيلسوف الألماني إمانويل كانط بعنوان "السلام الدائم"، يطالعنا بقوله: حتى الشياطين (والمراد الأفراد الأنانيون للغاية) يحتاجون إلى دولة، وعلى المستوى الدولي يحتاجون إلى جمهورية عالمية، بشرط أن يكون بحوزتهم عقل، أي عقلاء في نظرهم وحكماء في تصرّفهم. ففُرص العيش والتعايش في المدينة تتراجع، بحسب تقديرات كانط، كلّما تقلّصت مساحة التعقّل وتقدّمت نوازع الغرائز. ولربّما أخطرها العنف المنفلت، بذريعة المشروعية والصوابية، وذلك لِما لعواقب إشهار السيف من آثار وخيمة. ولعلّ عواقب سلّ السيف التي طالما حذّر منها السيد المسيح (عليه السلام) في قوله: "رُدَّ سيفك إلى غمده! فإنّ الذين يلجَؤون إلى السّيف، بالسّيف يَهلِكون" (متّى26: 52)، قد بتنا نعيش وقائعها وآثارها داخل حيز المدينة المعولَمة التي أضحى الجميع يقطنونها ويتقاسمون المأوى فيها.

وحين يطال المدينة الخراب بماذا يتسنّى التوقّي؟ العقل والعقلانية.. الشرع والمشروعية.. الحق والحقوقية؟ وهي جميعها أصول حرص الإنسان الحديث أن يستلهم منها ضوابطه داخل المدينة، لكن البيّن أنها لم تُسعفنا كثيرا في الحفاظ على كياننا بعد أن عاد التوحّش نابعا من دواخلنا، ومن ثَمّ لن تحميَ شرائعُنا المدينةَ ما لم نتعمّد بمعانيها ودلالاتها. فاللّاعنف ليس ضعفًا أو ضربًا من الوهن، بل هو إقرار واعٍ بموالاة خيار الإعمار، ولا يستوي من يعمّر مع من يدمّر. وعلى هذا الأساس حرص شقّ من أنصار السّلم في الفكر اللاهوتي المسيحي على التشديد على أنّ عبارة السلام في المدلول الإنجيلي الأصيل، كما ذهب إلى ذلك الآباء الأفارقة: تِرتُوليانُوس، وكبرييانوس، وأرنوبيوس، ومينوشيو، لا تأتي نقيضا للحرب بل للخطيئة، بوصفها بيت الداء لجميع الشرور والمساوئ التي تعصف بالبشر.

وحين نرى استشراء الفوضى في المدن، نكرّر السؤال دائما: ما الذي بوسع الثقافة فعله حيال أزمات المدن المستعصية؟ وقد أمست فضاءات العيش المشترك فضاءات هشّة وعرضة للخراب المتواصل. البيّن أن يكون مُلقى على عاتق الثقافة، في تلك الأوضاع وفي تلك الأحوال الحرجة، مهمّة التأسيس لتعاقد خُلُقي وإيلافٍ قِيَمي جديدين يرمّمان تصدّعات الثقة بين الناس بعدما تآكلت، وكادت أن تحلّ محلّها الريبة المستدامة. ولو تمعنّا أسفار الكتاب المقدّس لوجدنا توصيفا شفافا لتلك الزعزعة في ما يورده سفر التثنية "في تلك الأيّام لا تطمئنّ، ولا يكون قرار لقدمك، بل يعطيك الربّ هناك قلبا مرتجفا وكلال العينين وذبول النّفس، وتكون حياتك معلّقة قدّامك وترتعب ليلا ونهارا ولا تأمن على حياتك. في الصّباح تقول يا ليته مساء وفي المساء تقول يا ليته الصّباح، من ارتعاب قلبك ترتعب ومن منظر عينيك التي تنظر" (التثنية28: 65-68). ولكن على الرغم من هذا الجوّ القاتم -وبعد أن تقلّصت ثقة النّاس في أمراء الحرب، وفي المترَفين، وفي الغوغائيين، وفي مدّعي الحلول السّحرية- لا يعدم في الناس إصغاءهم إلى أصوات الرّشاد المتأتية من عوالم الثقافة، وكأنّها رصيد الثّقة المتبقّي في ظلّ الاضطرابات العاتية.

والملاحظ أنّ بثقافة مهترئة لا يمكن تضميد كدمات مدن جريحة، إذ يسري على المدن ما يسري على البشر فرادى وزرافات. فقد تبدو المدن عرضة لأزمات مستفحِلة وأمراض مستعصِية، كما هو الشأن بالنسبة إلى البشر. لأنّ المدن الجريحة تبحث عن أبجدية جديدة، وخطاب مغاير، يقطَعان مع اللّغة الجوفاء والمفاهيم الخاوية اللتين طالما هتكتا نسيج الاجتماع. ولأنّ المدن أساسها قائم على البَشر وليس على الحجر، فهي تبحث دائما عن استعادة عافيتها من خلال رؤى صادقة لا وعود زائفة.

إذ للبشر قدرات هائلة في إخراج المدن مما يتهدّدها من حالات الموات والاندثار. وفي الشرق أم في الغرب، وقديما أم حديثا، أُحرِقت مدن وهُدَّت مساكن على رؤوس ساكنيها، ولكنّها ما فتئت أن نهضت وعادت زاهية عامرة. قرطاجة القديمة وبرلين الحديثة، مدينتان شاهدتان على تلك الفواجع، وعلى قساوة ذلك الهول، وعلى ذلك الجنون الذي يَفْتَكُ بالمدن والبشر، ولكن دبّت فيهما الحياة مجدّدا لأنّ إرادة الناس لم تكسر. وقد يبني الناس ما هو أفضل من السابق حين يعود الرشد ويتراجع الصلف وتحضر الحكمة، بيْدَ أنّ المدن تندثر وتقع فريسة الخراب حين تتحطّم إرادة الناس.

وحتى لا يأخذنا الحديث عن وعود الثقافة بعيدا نحو آفاق مجرّدة، نشدّد على أنّ الثقافة ليست مقولات جامدة، قائمة على صياغات معقَّدة ولغة مجرَّدة، يفْقه أبجديتها من أوتوا حظّا عظيما من الدراسة والتعلّم، كما يتصوّر البعض؛ وليست بالمثل منحصرة في صياغات ناعمة فنية وأدبية، كما يعبّر عنها كتّاب الرواية وصنّاع الفنون بأصنافها في حقبتنا الراهنة. فليس من حظّ المهاجر المغاربي نحو إيطاليا نصيب وافر من ذلك. فمنذ عقود أرصدُ فحوى ثقافة المهاجرين ودلالاتها، الوافدين من أقطار عربية مختلفة نحو إيطاليا، والسواد الأعظم منهم من الشغالين والهائمين ممّن أتوا إلى إيطاليا خِفافًا، وكانوا في بداية مشوارهم أقرب إلى المحرومين والجياع منه إلى المترَفين والميسورين. لذلك لا تربطهم روابط متينة بمفاهيم الثقافة التي تصنّعها النخبة. ولو أحصيت أعداد الطلاب والشعراء والكتّاب والدارسين والمدرّسين في أوساطهم لظفرت بالنزر القليل، مع ذلك يلوح جليا كفاحهم وإصرارهم على إنماء رصيدهم، اللغوي والحضاري والقِيَمي والروحي، والحرص على توريثه لأبنائهم على أمل الظفر بمقام كريم ولو بعد حين. تجري العملية تلك في وسط غربي متطوّر، وطارد أحيانا، وفي عالم رمزي يحتدّ فيه الصراع بين عوالم الثقافة الرمزية، مع ذلك يسجّل المهاجر الشريد فتوحات لافتة، وقدرة بيّنة على إنماء مقدّرات رأسماله الرمزي، الذي يعجز عنه أدعياء الحوار الحضاري والحوار الديني والتثاقف والمثاقفة من دهاقنة الإنتلجنسيا.

ولكن ما الدّرس الذي نستخلصه ممّا قد تجابهه المدن من مصاعب وممّا قد يصيب الحواضر من أدواء وعلل؟ الملاحَظ أنّ جدليةَ الصلاح والفساد تتحكّم بمصائر المدن، فكلّما اصطبغت المدينة بصبغة فاضلة كلّما بدت معمّرة وزاهرة، وبالتالي ليس هناك أعمار للمدن، أي نهايات محتّمة، وإنما هناك بدايات متجدّدة.

***

د. عزالدّين عناية

جامعي تونسي مقيم في روما- إيطاليا

 

بين الحياد المنهجي وتدخل الذات العارفة

تنهض المعرفة الإنسانية على مفارقة لا تستطيع العلوم التي تتخذ الإنسان موضوعاً لها أن تتجاوزها بسهولة، فالإنسان يريد أن يعرف نفسه غير أن الذات التي تطلب المعرفة هي نفسها جزء من العالم الذي تريد إخضاعه للفهم. ومن هذه الوضعية المزدوجة يتولد السؤال عن إمكان الموضوعية في العلوم الإنسانية إذ لا يتعلق الأمر بمجرد البحث عن تقنية أكثر دقة أو منهج أكثر صرامة، وإنما بمساءلة العلاقة التي تجعل المعرفة ممكنة في أصلها. فالذات العارفة ليست واقفة خارج موضوعها في موقع المراقب المحايد، والموضوع الإنساني ليس شيئاً صامتاً يُنتزع من سياقه ويُثبَّت أمام النظر كما تُثبَّت الظواهر الطبيعية في المختبر. إننا أمام معرفة يكون فيها العارف جزءاً من مجال المعرفة ويكون موضوع المعرفة حاملاً للوعي والمعنى والتاريخ واللغة والقيمة بحيث يصعب الفصل بين ما يُكتَشَف وما يُبنى في آن واحد.

ولهذا اكتسبت فكرة الموضوعية في العلوم الإنسانية طابعاً إشكالياً خاصاً لا نظير له في العلوم الطبيعية. فالموضوعية في دلالتها الكلاسيكية ارتبطت بمطلب التحرر من الأحكام المسبقة وبإقامة مسافة بين الباحث والظاهرة وبإخضاع الوقائع لمناهج تسمح بالتحقق من النتائج وإعادة اختبارها من قبل آخرين. وقد كان هذا المطلب ضرورياً في مواجهة المعرفة الانطباعية التي لا تستند إلى قواعد واضحة وفي تحرير البحث العلمي من سلطة الرأي الفردي والهوى الشخصي. غير أن استدعاء هذا النموذج إلى مجال الإنسان كشف عن مفارقة عميقة لم تكن حاضرة بالقدر نفسه في دراسة الظواهر الطبيعية، كيف تُقام مسافة كاملة عن موضوع هو في الوقت نفسه عالم الباحث نفسه ولغته وتاريخه ومنظومة قيمه؟ وكيف تُفصل الوقائع الإنسانية عن المعاني التي تمنحها قيمتها بالنسبة إلى من يعيشونها دون أن يتحول هذا الفصل نفسه إلى تشويه للظاهرة المدروسة؟ وهل يمكن وصف فعل إنساني وصفاً علمياً إذا جرى تجاهل القصد الذي يوجهه والمعنى الذي يمنحه الفاعل إياه؟

والسؤال يأخذ بعداً أعمق حين ندرك أن الباحث لا يواجه موضوعاً مكتمل التكوين ينتظر منه أن يكتشفه كما هو وإنما يساهم في صياغة موضوعه منذ اللحظة التي يطرح فيها سؤالاً معيناً دون غيره. فاختيار الظاهرة وانتقاء الوثائق وتحديد المفاهيم وصياغة الفرضيات وترتيب المعطيات، كلها عمليات تدخل في تشكيل الموضوع المعرفي قبل أن يبدأ التحليل نفسه. وما يبدو للوهلة الأولى واقعاً مستقلاً عن الذات لا يصل إلى مجال العلم إلا بعد أن يمر عبر شبكة من المفاهيم والإجراءات والاختيارات بحيث لا تكون الذات العارفة مجرد عين تستقبل الواقع بل طرفاً في بناء الصورة التي يظهر بها هذا الواقع داخل المعرفة. غير أن الاعتراف بهذا الدور لا يعني أن الحقيقة تصبح رهينة للباحث ولا أن كل تفسير يدّعي المشروعية لمجرد كونه تعبيراً عن منظور خاص؛ فإذا كان استبعاد الذات مستحيلاً فإن إطلاقها من كل قيد يؤدي إلى انهيار الفارق بين المعرفة والرأي. وإذا كان الباحث لا يستطيع التخلص من أفقه التاريخي والثقافي فإن ذلك لا يمنحه الحق في فرض هذا الأفق على موضوعه دون مقاومة منهجية. والمسألة إذن لا تنحصر في الاختيار بين موضوعية مطلقة وذاتية مطلقة بل يتشكل بينهما مجال أكثر تعقيداً تصبح فيه الموضوعية مرتبطة بقدرة المعرفة على كشف شروط إنتاجها وبقدرة الباحث على جعل افتراضاته قابلة للنقد والمراجعة.

وقد مثّل أوغست كونت أحد أبرز التعبيرات عن الطموح الذي سعى إلى بناء علم للمجتمع يستفيد من نموذج العلوم الطبيعية معتبراً أن المجتمع ينبغي أن يتحول إلى موضوع علمي يمكن إخضاعه للملاحظة والتفسير وفق انتظامات محددة وأن تقدم العلوم الإنسانية يتوقف على تحررها من التأملات الميتافيزيقية والأحكام القيمية التي يصعب إخضاعها للتحقق التجريبي. وقد ساهم هذا التصور الوضعي في ترسيخ فكرة أن الظواهر الاجتماعية ليست مجرد وقائع عابرة تخضع للمزاج الفردي وإنما بنى وعلاقات يمكن دراستها بمنهج منظم يستفيد من نجاح العلوم الطبيعية في الكشف عن القوانين العامة والتنبؤ بالظواهر. غير أن نقل هذا النموذج إلى المجال الإنساني بصورة حرفية كشف عن صعوبة إبستمولوجية عميقة، الظاهرة الإنسانية لا تقدّم نفسها للباحث باعتبارها واقعة خارجية مستقلة عن المعنى؛ فالفعل الإنساني يحمل دلالة بالنسبة إلى صاحبه وهذه الدلالة جزء من الفعل ذاته لا زائدة عليه. حين يدرس الباحث فعلاً اجتماعياً أو سياسياً أو دينياً فإن وصف الحركة الخارجية لا يستنفد حقيقة الفعل؛ إذ يتعين فهم المقاصد التي توجهه والتصورات التي تمنحه معنى والسياق الرمزي الذي يجعله مفهوماً بالنسبة إلى الفاعلين أنفسهم.

وقد كان فيلهلم دلتاي من أهم من بلوروا هذا الاعتراض حين ميّز بين علوم الطبيعة التي تتجه إلى التفسير السببي وعلوم الروح التي تتجه إلى فهم التجربة الإنسانية ضمن سياقها التاريخي والمعيشي. فالفهم هنا ليس عملية نفسية ذاتية عابرة بل نمط معرفي قائم بذاته يتأسس على استعادة البنية الدلالية للفعل الإنساني ضمن شروطه التاريخية والاجتماعية. ومعنى ذلك أن الباحث لا يستطيع التعامل مع الإنسان بوصفه موضوعاً خارجياً صرفاً لأن الظواهر الإنسانية لا تكتمل دلالتها إلا من خلال شبكة المعاني التي ينتجها الإنسان ويعيش داخلها، وهي شبكة لا يمكن للملاحظة الخارجية وحدها أن تدرك تماسكها الداخلي. وتتضح هذه القضية بجلاء أكبر في العلوم التاريخية، فالمؤرخ لا يواجه الماضي مباشرة بل يتعامل مع وثائق وشهادات وآثار ومرويات انتقلت إليه عبر مسارات معقدة ومتعددة الوسطاء، وهو الذي يختار الوثائق التي يوليها أهمية ويرتب الأحداث داخل تسلسل معين ويحدد العلاقات التي يراها ذات دلالة تاريخية. وحتى صياغة السؤال التاريخي توجه عملية البحث منذ بدايتها؛ ولهذا لا يمكن أن يكون التاريخ تسجيلاً محايداً لما حدث بل بناءً معرفياً للوقائع اعتماداً على مصادر ومنهج وتأويل متشابك.

ويمكن أن نستفيد هنا مما طرحه غاستون باشلار حول ما سمّاه العقبة الإبستمولوجية، إذ بيّن أن المعرفة العلمية لا تتقدم بتراكم الملاحظات المحايدة بل بقطيعة مستمرة مع التصورات المسبقة والتمثلات الأولية التي يحملها الباحث عن موضوعه قبل أن يخضعه للفحص. وهذا التصور وإن صيغ أصلاً في سياق العلوم الطبيعية يكتسب دلالة أعمق في العلوم الإنسانية؛ إذ إن التمثلات المسبقة التي على الباحث أن يقطع معها ليست فقط أخطاء إدراكية عابرة بل قد تكون بنى ثقافية ولغوية راسخة يصعب على الباحث أن يلحظها بوصفها عقبة أصلاً، لأنها تبدو له جزءاً من بداهة اللغة التي يفكر بها لا موضوعاً يستوجب المساءلة. وبناء الموضوع العلمي في العلوم الإنسانية لا يقتصر على تنقية الملاحظة من الهوى الشخصي بل يمتد إلى مساءلة المفاهيم التي تبدو للوهلة الأولى أدوات محايدة صرفة.

أظهر ماكس فيبر من جهته أن العلاقة بين القيم والبحث العلمي أكثر تركيباً مما قد يبدو لأول وهلة. فاختيار موضوع البحث يرتبط بما يسميه الاعتبار القيمي، إذ لا يستطيع الباحث أن يدرس كل شيء فيحتاج إلى اختيار ما يعتبره جديراً بالفحص من بين عدد لا متناه من الظواهر الممكنة. غير أن هذا الاعتبار القيمي في اختيار الموضوع لا يعني بالضرورة تحويل البحث إلى خطاب معياري؛ فهناك فرق جوهري بين أن تحدد القيم مجال اهتمام الباحث وبين أن تتحول نتائج بحثه إلى أحكام قيمية غير قابلة للفحص العلمي. وكون الباحث يعتبر ظاهرة معينة جديرة بالدراسة لا يعني أنه يستطيع أن يجعل البحث أداة لإدانتها أو الدفاع عنها دون حجة، فالاختيار الأولي للموضوع قد يتأثر باهتمامات فكرية أو اجتماعية أو تاريخية لكن بناء النتائج يجب أن يظل خاضعاً للأدلة والتحليل لا للموقف المسبق. وهذا التمييز بالغ الأهمية لأنه يكشف أن الحياد المنهجي لا يعني غياب كل قيمة عن عملية البحث؛ فالعلم نفسه يفترض قيماً معرفية كالدقة والاتساق والقدرة على التبرير وقابلية النتائج للنقد. وما ينبغي استبعاده هو توظيف البحث لإثبات موقف مسبق بطريقة تمنع مراجعة الفرضيات في ضوء المعطيات الجديدة. الموضوعية وفق هذا التصور ليست حالة ذهنية يبلغها الباحث فيحتفظ بها نهائيا بل سيرورة مستمرة من المراجعة والنقد والتصحيح والتي لا تكتمل عند حد معين.

وقد أسهم كارل بوبر من زاوية أخرى تتصل بمنطق البحث العلمي عموماً في تعميق هذا الفهم الإجرائي للموضوعية حين جعل معيارها لا في اليقين الذي تبلغه نظرية ما بل في قابليتها للتكذيب أي في إمكان تعريضها لاختبار قد يفندها. وإذا كان هذا المعيار قد صيغ أصلاً لتمييز العلم عن غير العلم في مجال الطبيعة فإن روحه تصلح مدخلاً مفيداً لفهم الموضوعية في العلوم الإنسانية أيضاً لا بوصفه معياراً شكلياً صارماً يمكن تطبيقه حرفياً على التأويل بل بوصفه تذكيراً بأن ما يميز المعرفة عن الرأي ليس صدورها عن باحث يدعي الحياد وإنما بقاؤها مفتوحة أمام إمكان النقض والمراجعة. فالفرضية التي تُصاغ بحيث تستوعب سلفا كل اعتراض محتمل والتفسير الذي يُقصي مسبقاً كل معطى مخالف كلاهما يقترب من اليقين المغلق أكثر مما يقترب من المعرفة العلمية مهما بدا متماسكاً في ظاهره.

عمقت الفينومينولوجيا هذا الإشكال من خلال إعادة النظر في العلاقة بين الذات والعالم من أساسها. فإدموند هوسرل جعل الوعي وعلاقته بالموضوع محوراً أساسياً للتحليل وأظهر أن الموضوع لا يظهر للوعي خارج شروط القصدية التي تجعله متجهاً إليه؛ لا يعني هذا أن الواقع مجرد إنتاج ذاتي خالص بل يعني أن معرفته تمر عبر بنية إدراكية وقصدية لا يمكن تجاهلها أو تجاوزها بادعاء رؤية مباشرة للأشياء كما هي في ذاتها. والبحث عن الموضوعية يقتضي فحص شروط ظهور الموضوع للذات لا افتراض وجود معرفة خالصة منفصلة عن كل توسط. وقد ساهم هذا التحول في تراجع صورة العلم باعتباره مرآة شفافة للواقع لصالح تصور أكثر تركيباً يرى أن المعرفة العلمية تتشكل من خلال مفاهيم ونماذج وفرضيات وأدوات قياس لا تُعطى معزولة عن الذات التي تستخدمها. وإذا كانت هذه المسألة واضحة في العلوم الطبيعية فإنها تزداد وضوحاً في العلوم الإنسانية حيث يرتبط موضوع البحث أصلاً باللغة والتاريخ والتأويل ارتباطا لا انفكاك عنه.

فاللغة نفسها تمثل وسيطاً لا يمكن تجاوزه بأي حال. فالباحث يصف الظاهرة بواسطة مفاهيم لغوية، وهذه المفاهيم ليست محايدة بصورة مطلقة؛ إذ تحمل تاريخاً دلالياً وتتحدد داخل تقاليد معرفية وثقافية معينة سبقت الباحث نفسه. فحين نتحدث عن مفاهيم مثل الحداثة أو التخلف أو العقلانية أو الهوية أو التقدم أو المجتمع، فإننا لا نستعمل ألفاظاً فارغة من التاريخ بل كل مفهوم منها يستدعي شبكة كاملة من التصورات والافتراضات التي تشكلت عبر سياقات فكرية محددة. ولذلك فإن بناء الموضوع العلمي في العلوم الإنسانية يتطلب وعياً نقدياً باللغة التي يوصف بها الموضوع نفسه لا اطمئناناً إلى شفافيتها المفترضة. وتظهر خطورة هذا الأمر حين تصبح المفاهيم التي يستخدمها الباحث مفروضة على الظاهرة بدل أن تكون أدوات لفهمها؛ فقد يؤدي استعمال مفهوم مستمد من سياق ثقافي معين في دراسة مجتمع مختلف إلى إنتاج صورة مشوهة للموضوع المدروس تُقاس فيها خصوصية ذلك المجتمع بمقياس لا ينتمي إليه أصلاً. وتظهر في الأنثروبولوجيا والعلوم الاجتماعية أسئلة نقدية حول المركزية الثقافية وحول قدرة الباحث على تجاوز موقعه التاريخي والثقافي أثناء دراسة المجتمعات الأخرى؛ فادعاء الحياد المطلق قد يخفي أحياناً حضوراً غير معلن لمقولات ثقافية خاصة تتحول من دون وعي من الباحث إلى معايير عامة للحكم على الظواهر الإنسانية المختلفة عنها.

غير أن هذا النقد لا يبلغ عمقه الحقيقي إلا إذا امتد من نقد التطبيق الخاطئ للمفاهيم إلى مساءلة المفاهيم “المحايدة” نفسها في أصل تكونها. وهنا يمكن الاستفادة من نقد قريب من هذه الإشكالية نشأ من داخل تقليد معرفي آخر أقل حضوراً في هذا النقاش، فقد بيّن محمد عابد الجابري أن العقل نفسه ليس أداة واحدة محايدة تُستعمل بصورة موحدة عبر الثقافات والعصور بل ينتظم تاريخيا في أنظمة معرفية متمايزة؛ نظام بياني يقوم على سلطة النص والقياس عليه ونظام عرفاني يقوم على الكشف والمعنى الباطن ونظام برهاني يقوم على الاستدلال المنطقي والتجربة المضبوطة، ولكل نظام من هذه الأنظمة شروط إنتاج تسبق ممارسته وتتحكم فيما يمكن أن يظهر له وما يظل غائباً عنه. والدرس المستفاد من هذا التمييز أن “الحياد” ليس نقطة انطلاق يمتلكها الباحث تلقائيا بحكم انتمائه إلى منهج علمي بعينه، بل هو نفسه نتاج نظام معرفي له تاريخه وحدوده الخاصة؛ فالمفهوم الذي يبدو للباحث بديهياً وشفافاً قد يحمل بالفعل بنية ميتافيزيقية أو ثقافية مضمرة لم تُخضَع للفحص لأنها اتُّخذت مسلّمة لا موضوعاً للنظر. ويعمّق هذا ما سبقت الإشارة إليه بشأن اللغة والمفاهيم، فالمسألة ليست فقط أن المفاهيم “تحمل تاريخاً” بالمعنى العام بل أن تاريخها قد يكون تاريخ نظام معرفي كامل غير مُعلَن له قواعده الخاصة في تمييز الحق من الباطل، وهي قواعد قد تختلف اختلافاً جوهرياً عن قواعد النظام الذي نشأ فيه الباحث نفسه حين يدرس ظاهرة تنتمي إلى تقليد معرفي آخر.

ويستدعي هذا بدوره ما طرحه ابن رشد حين ميّز بين طرق البرهان الثلاث: الخطابية والجدلية والبرهانية بحسب استعداد الذات العارفة نفسها لتلقي الحجة لا بحسب طبيعة الموضوع وحده. فالحقيقة الواحدة عند ابن رشد قد تُبلَّغ بطرق مختلفة تبعاً لموقع من يتلقاها ومستوى تأهله للنظر العقلي من غير أن يعني هذا التعدد في طرق البلاغ تعدداً في الحقيقة ذاتها. وهذا التمييز على قدمه يقترب من زاوية أخرى من الفكرة المعاصرة القائلة إن موضوعية المعرفة لا تنفصل عن شروط الذات التي تنتجها وتستقبلها معاً وإن السؤال عن صدق قضية ما لا يمكن فصله كلياً عن السؤال وعن الطريقة التي بها بلغتها الذات وتهيأت لاستيعابها. وإذا كان ابن رشد قد طرح هذا التمييز في سياق العلاقة بين الفلسفة والشريعة فإن جوهره المنهجي — أن العقل الواحد يتعامل مع الحقيقة بمستويات متفاوتة من الصرامة بحسب استعداده — يظل صالحاً لإضاءة سؤال الموضوعية في العلوم الإنسانية من موقع لا يكتفي باستيراد الإشكال جاهزا من التقليد الغربي وحده.

إذا كانت الموضوعية تعني إلغاء الذات العارفة إلغاءً كاملاً فإن تحقيقها في العلوم الإنسانية يصبح أمراً متعذراً بداهة. أما إذا كانت تعني إخضاع الذات لشروط منهجية صارمة تحول دون تحوّل المعرفة إلى تعبير عن المواقف الشخصية المحضة فإنها تظل مطلباً ممكناً وضرورياً في آن. وهذا التحوّل في فهم الموضوعية ينقل النقاش من سؤال استبعاد الذات إلى سؤال ضبط حضورها؛ فالذات الباحثة لا يمكن محوها من العملية المعرفية بأي حيلة منهجية لكنها تستطيع أن تجعل شروط تدخلها قابلة للفحص والنقد والمراجعة من قبل آخرين. لهذا أصبح الوعي بموقع الباحث جزءاً من صرامة البحث نفسه لا استثناء عليها؛ فالإفصاح عن المفاهيم المستخدمة وتحديد حدود الدراسة بدقة وشرح طبيعة المصادر وتبرير اختيار المنهج وتمييز المعطى عن التأويل، كلها إجراءات تحوّل الذاتية من عنصر خفي يعمل من دون أن يشعر به أحد إلى عنصر يمكن مراقبته منهجياً والاختلاف بشأنه. وهذا ما يقود إلى مفهوم الانعكاسية أي قدرة الباحث على جعل عملية البحث نفسها موضوعاً للفحص؛ فهو لا يسأل فقط ماذا تكشف الظاهرة؟ وإنما يسأل أيضاً لماذا اخترت هذه الزاوية بالذات؟ ولماذا اعتمدت هذا المفهوم دون غيره؟ وما الذي قد يكون غائباً عن رؤيتي بحكم موقعي؟ وما الافتراضات التي تتحكم خفية في صياغة أسئلتي قبل أن أطرحها؟

غير أن الانعكاسية إذا اقتصرت على كونها إجراءً تقنياً للإفصاح عن الموقع النظري تبقى ناقصة في عمقها؛ إذ يمكن للباحث أن يُعلن افتراضاته إعلاناً شكلياً بصياغة مقبولة أكاديمياً من دون أن يُخضعها فعلياً لمساءلة تمس مسؤوليته تجاه موضوعه ومن يتحدث باسمهم أو عنهم. وهنا تفيد الاستعانة بما طرحه طه عبد الرحمن تحت مفهوم الائتمانية أن المعرفة ليست مجرد إجراء تقني محايد تجاه المعلوم بل هي في جوهرها علاقة ائتمان تستوجب من الباحث التزاماً أخلاقياً تجاه من ائتمنه ضمناً أو صراحة على النظر في شأنهم — سواء كانوا أفراد موضوع البحث أنفسهم أم المجتمع الذي يخاطبه بنتائج بحثه أم التراث الذي يستعير منه مفاهيمه ويُخضعه للتحليل. فضبط الذات على هذا الفهم الائتماني لا يتحقق فقط بجعل الافتراضات “قابلة للفحص” منطقياً وإجرائياً بل بجعل الباحث مسؤولاً أخلاقياً عن الأثر الذي يُحدثه تأويله في الموضوع الإنساني الذي يتناوله وعمّا قد يترتب على معرفته من نتائج تمسّ من درسهم. وبذلك تنتقل الانعكاسية من كونها شرطاً إجرائياً محضاً إلى كونها موقفاً أخلاقياً-معرفياً في آن واحد، ولا يكتفى بالسؤال “هل هذا صحيح منهجياً؟” بل يضيف إليه سؤالاً لا يقل جدية: “ما الذي يترتب على قولي هذا ولمن؟”. وهذا بُعد تحتاجه العلوم الإنسانية تحديداً لأن موضوعها بشر أحياء لهم كرامة ومصائر لا جمادات لا تتأثر بالوصف الذي يُطلَق عليها.

وتتأكد أهمية هذا البعد حين نستحضر أن الظواهر الإنسانية لا يمكن فهمها من خلال التفسير السببي وحده؛ فالإنسان لا يتحرك باعتباره مجرد نقطة داخل سلسلة من الأسباب الميكانيكية وإنما يمنح أفعاله معاني ودلالات ويبررها لنفسه وللآخرين ويعيد النظر فيها بحسب الظروف. لذلك يحتاج الباحث إلى الانتقال من مجرد السؤال عن أسباب السلوك إلى السؤال عن معناه ودلالته داخل السياق الذي نشأ فيه. غير أن الفهم نفسه يثير مشكلة قد تبدو معاكسة لما سبق، فإذا كان الفهم يتطلب مشاركة الباحث في عالم المعنى الذي يدرسه أفلا يؤدي ذلك إلى الذاتية التي يُفترض أن يتجنبها؟ إن الخطر موجود بالفعل إذا تحول الفهم إلى إسقاط لتجربة الباحث الخاصة على تجربة الآخرين. لكن الفهم المنهجي يختلف جوهرياً عن التعاطف العفوي أو الانطباع الشخصي؛ فهو يسعى إلى إعادة بناء المعنى انطلاقاً من القرائن والسياقات والخطابات والممارسات الفعلية مع إبقاء التأويل مفتوحاً أمام الاعتراض والمراجعة من آخرين قرأوا المادة نفسها. ولذلك لا يكون الفهم نقيضاً للموضوعية بل يصبح موضوعياً بقدر ما يخضع هو نفسه لشروط التبرير والمناقشة العلنية لا بقدر ما يدعي صاحبه صدقاً في نيته وحدها.

يحتاج الباحث من جهة أخرى إلى مسافة تفصله عن موضوعه حتى لا تتحول المعرفة إلى موقف شخصي مباشر يفتقر إلى أي مسافة نقدية لكنه يحتاج في الوقت نفسه إلى الاقتراب من العالم المدروس حتى يفهم معانيه الداخلية التي لا تظهر لمن يكتفي بالنظر من الخارج. فالمسافة الزائدة تنتج معرفة خارجية تختزل الإنسان في مؤشرات وأرقام مجردة من الحياة التي تمنحها معناها والاندماج الكامل مع الموضوع قد يُفقد الباحث قدرته النقدية ويحوّل معرفته إلى شهادة داخلية لا يمكن تعميمها أو مساءلتها. ولا يمكن تحقيق هذا التوازن الدقيق بقاعدة واحدة صالحة لكل العلوم الإنسانية على اختلافها، لأن طبيعة الموضوع نفسها هي التي تحدد بدرجة كبيرة الأدوات المناسبة له، فدراسة ظاهرة انتخابية واسعة قد تستفيد من الأساليب الإحصائية التي تكشف الاتجاهات العامة، بينما تحتاج دراسة تجربة اجتماعية محددة إلى المقابلة والملاحظة الدقيقة للتفاصيل، وقد يتطلب البحث التاريخي نقد الوثائق ومقارنة المصادر، في حين يحتاج تحليل الخطاب إلى تفكيك البنى اللغوية والدلالية التي يتشكل منها. ومن ثم فإن التعدد المنهجي ليس علامة على ضعف العلوم الإنسانية أو افتقارها إلى صرامة العلوم الطبيعية بل هو استجابة ضرورية لاختلاف موضوعاتها ومستوياتها التي لا يستوعبها منهج واحد مهما بلغت دقته.

وحتى الأرقام على الرغم مما يُنسب إليها عادة من موضوعية ظاهرة تفوق التفسيرات الكيفية لا تحمل دلالتها العلمية بمعزل عن طريقة إنتاجها؛ فاختيار المتغيرات وصياغة الأسئلة وتحديد العينة واختيار أدوات القياس ثم تفسير النتائج بعد ذلك، كلها عمليات تتدخل فيها قرارات الباحث تدخلاً حاسماً وإن بقي خفياً عن القارئ. ولذلك فإن الكمية لا تلغي حضور الذات وإنما تنقل تدخلها إلى مستويات أكثر خفاءً وأصعب على الرصد؛ وقد يكون الرقم دقيقاً من الناحية الحسابية، لكنه يظل عاجزاً عن تقديم معرفة سليمة إذا كان السؤال الذي أنتجه أو المفهوم الذي يقيسه مضللاً في أصله. وبالمثل فإن الدراسات الكيفية لا ينبغي اختزالها في الذاتية لمجرد اعتمادها على المقابلات أو الملاحظة أو التأويل؛ فالبحث الكيفي يمكن أن يبلغ درجة عالية من الصرامة حين يحدد خطواته بوضوح ويقارن الشهادات المختلفة ويراجع تأويلاته باستمرار ويبحث عمداً عن الحالات المخالفة التي قد تُفند فرضيته ويفصل بوضوح بين ما يقوله الفاعلون عن أنفسهم وبين تفسير الباحث لما يقولونه. والملاحظ أن الموضوعية لا ترتبط بنوع واحد من المناهج دون غيره بل بطريقة استعمال المنهج وقدرته على جعل عملية إنتاج المعرفة قابلة للفحص من الآخرين.

غير أن تعدد المناهج لا يعني أن كل تفسير يصبح صحيحاً لمجرد كونه ممكناً منطقياً أو متسقاً داخلياً؛ فالموضوعية تقتضي وجود معايير حقيقية للمفاضلة بين التفسيرات المتنافسة من دون أن يتحول ذلك إلى حكم مسبق يستبعد بعضها لمجرد مخالفته لموقف الباحث. والتفسير الأقوى هو الذي يستطيع أن يقدّم حججاً أكثر اتساقاً فيما بينها، وأن يستند إلى معطيات ملائمة فعلاً لا مختارة انتقائياً لتأييد نتيجة مقررة سلفاً وأن يفسّر أكبر قدر ممكن من الظاهرة من دون تناقض داخلي وأن يبقى مع ذلك كله قابلاً للمراجعة أمام أدلة جديدة قد تظهر لاحقاً. ولا تقوم الموضوعية على اليقين المطلق الذي لا يقبل الجدل وإنما على قوة التبرير وقابلية المعرفة للتصحيح المستمر. وإذا كانت الذات لا يمكن إقصاؤها والموضوع لا ينكشف إلا عبر مفاهيم ولغة وتأويل يحملها الباحث معه، فإن الموضوعية تصبح في نهاية المطاف عملية جماعية للنقد والتصحيح لا مِلكاً فردياً لأحد؛ فلا يكفي أن يكون الباحث نزيهاً أو حسن النية، لأن النية وحدها لا تكشف دائماً عن مواطن التحيز الكامنة فيه وإنما ما يمنح البحث قوته الفعلية هو إخضاعه لرقابة منهجية ولنقاش علمي علني، بحيث يستطيع باحثون آخرون فحص مصادره وحججه ونتائجه والكشف عن مواطن القوة والقصور فيها من موقع مستقل عن موقعه هو.

يتضح من مجمل هذه الأسطر أن إشكالية الموضوعية في العلوم الإنسانية لا يمكن حلها عن طريق الاختيار البسيط بين الحياد المطلق والتدخل الذاتي غير المقيد؛ فكل محاولة لإقصاء الذات إقصاءً نهائياً تصطدم بحقيقة أن الباحث نفسه جزء من العالم الإنساني الذي يسعى إلى فهمه وأن موضوعه لا يقدّم نفسه مستقلا عن اللغة والتاريخ والمعنى الذي يحيط به من كل جانب. والتسليم الكامل بحضور الذات لا ينبغي أن يتحول إلى ذريعة لنفي إمكان المعرفة الموضوعية أصلاً أو إلى مساواة كل تفسير بغيره بدعوى أن الحياد المطلق مستحيل على كل حال. وبين هذين الحدين يتحدد المجال الحقيقي للعلم الإنساني لا كنقطة وسط هشة بين موقفين متطرفين بل كبناء إيجابي له شروطه الخاصة.

إن الموضوعية الممكنة في العلوم الإنسانية ليست موضوعية تقوم على غياب الذات وإنما موضوعية تقوم على تأديب الذات بالمنهج وهو تأديب ذو وجهين متلازمين لا ينفصلان: وجه إجرائي يتمثل في جعل الافتراضات والمفاهيم والمصادر قابلة للفحص والنقد من قبل الآخرين، ووجه أخلاقي-ائتماني يتمثل في تحمّل الباحث مسؤولية الأثر الذي يُحدثه تأويله فيمن ائتمنوه ضمناً أو صراحة على النظر في شأنهم. فالباحث لا يستطيع أن يمحو تاريخه وثقافته ومفاهيمه السابقة، لكنه يستطيع أن يكشفها وأن يختبر أثرها في بحثه وأن يضعها تحت سلطة النقد بدل أن يتركها تعمل من وراء ظهره. ومعرفة الباحث بحدوده شرطا من شروط قوته العلمية لا علامة ضعف فيه؛ فكلما كان أكثر وعياً بشروط نظره كان أكثر قدرة على التمييز بين ما تكشفه الظاهرة فعلاً وما يضيفه إليها هو من تأويل خاص به.

والحياد المنهجي في ضوء هذا كله لا ينبغي أن يُفهم باعتباره برودة معرفية أو غياباً للاهتمام بالقضايا المدروسة وإنما باعتباره التزاماً بألا تتحول النتيجة إلى شيء مقرر سلفاً منذ البداية. فقد يبدأ الباحث بسؤال نشأ من اهتمام فكري أو اجتماعي أو تاريخي عميق، وقد تكون وراء اختياره للموضوع دوافع شخصية متعددة لا حرج فيها، لكن القيمة العلمية لبحثه تتحدد بقدرته على ترك الأدلة توجه مسار التحليل حتى حين تقوده إلى نتائج لا تنسجم مع توقعاته الأولى أو ميوله الشخصية. وعليه، فإن الفرق الحاسم ليس بين بحث تتدخل فيه الذات وبحث لا تتدخل فيه، لأن هذا التدخل لا يمكن إلغاؤه تماماً في أي حال وإنما بين تدخل واعٍ قابل للفحص والمناقشة العلنية وتدخل خفي يوجه البحث من دون أن يخضع للمساءلة لأن صاحبه لا يعترف أصلاً بوجوده. في الحالة الأولى يصبح حضور الذات جزءاً من المنهج نفسه بينما يتحول في الحالة الثانية إلى مصدر خفي للتحيز يصعب تصحيحه لأنه غير معلن.

فالسؤال الأكثر دقة، إذن، ليس هل يستطيع الباحث أن يكون محايداً بصورة مطلقة؟ فهذا سؤال يفترض إمكاناً لم يعد قابلاً للدفاع عنه بعد كل ما تقدم. وإنما السؤال الأدق هو كيف يستطيع الباحث أن يجعل شروط نظره وتدخلاته الذاتية قابلة للكشف والنقد والضبط المنهجي المستمر؟ وفي صياغة هذا السؤال تحديداً تكمن النقلة من وهم الموضوعية المطلقة إلى موضوعية أكثر نضجاً وواقعية لا تتخلى عن مطلب الحقيقة رغم كل شيء ولا تتجاهل تاريخية المعرفة وارتباطها بمن ينتجها ولا تنكر حضور الإنسان في عملية معرفته لذاته ولعالمه معاً. إنها موضوعية تُفهم في نهاية التحليل بوصفها أفقاً منهجياً مفتوحاً لا امتلاكاً نهائياً لحقيقة مكتملة يمتلكها باحث بعينه دون سواه؛ موضوعية تتقدم تدريجياً كلما ازدادت المفاهيم المستخدمة وضوحاً والمصادر قابلية للفحص من الآخرين والحجج تماسكاً فيما بينها والباحث نفسه وعياً بموقعه وحدوده الخاصة. وهي لهذا كله، لا تعني غياب الخطأ عن المعرفة الإنسانية بل تعني وجود آليات فعلية تسمح باكتشاف هذا الخطأ وتصحيحه باستمرار، وهو ما يجعل من الاعتراف بالحدود شرطاً لتقدم المعرفة لا إعلاناً عن عجزها، ومن مراجعة الذات لنفسها أحد أعمق أشكال ممارسة الموضوعية ذاتها لا تراجعاً عنها.

***

د. حمزة مولخنيف

في (العلم المرح) يقترح نيتشه فكرة ثورية تمهد الطريق لفهم الحياة بشكل مختلف كليا. في مجموعته من الاقوال المقتضبة aphorisms، في العلم المرح، يقدم نيتشه ثلاث أفكار مترابطة تشكل الأساس لفلسفته ككل وهي: موت الإله، حب المصير، والتكرار او العود الأبدي. هنا، سوف نركز خصيصا على القول رقم 341 – القول المتعلق بالتكرار الابدي وكيف يتصل بـ (هكذا تكلم زرادشت)، الذي اعتبره نيتشه تحفته الفنية. وباستعمال القول 341 كمرشد أساسي، يمكننا ان نرى فكرة نيتشه الأكثر راديكالية – إعادة تقييم كل القيم السائدة.

العلم المرح

نشر فردريك نيتشه (1844-1900) اول طبعة من العلم المرح في عام 1882، وقد ضم أربعة اقسام ( او كُتب، كما تُعرف أحيانا). الطبعة الثانية نُشرت بعد خمس سنوات في عام 1887، والتي احتوت على قسم جديد تماما من المواد والأغاني التي كتبها في ملحق جديد.

بين نشر الطبعتين للعلم المرح، نشر نيتشه عملين آخرين هامين جدا: هكذا تكلم زرادشت (1883-1885) و ما وراء الخير والشر (1886).

كتاب هكذا تكلم زرادشت كان هاما جدا لنيتشه. هو شعر ان هذه القصيدة الطويلة التي كُتبت بأسلوب مشابه لكتاب العهد القديم، تشكل أعظم إنجازاته. اعتقد نيتشه ان فهم زرادشت هو الأساس لفهم كامل فلسفته.

في الألمانية، عنوان العلم المرح هو Die frohliche wissenschaft. وتُرجم عادة للانجليزية كـ العلم المرح لكن أحيانا يُترجم الى "الحكمة المبهجة" او Joyful wisdom . "Gay" تشير الى الإحساس بالسعادة او البهجة، لكن علم "science" هي كلمة مضللة نوعا ما. نيتشه لا يشير لما نعتقد به اليوم كعلم وانما البحث عن معرفة اكثر انسجاما مع الفنون. كتاب العلم المرح أفضل ما يوصف كسعي مبهج للحكمة.

العلم المرح هو كتاب من مجموعة أقوال ضمت أربعة اقسام (ولاحقا خمسة) .القول Aphorism هو مقطع قصير من الكتابة يسعى عادة الى التعبير عن فكرة واحدة. المؤلف عادة يقدم هذه الفكرة باعتبارها حقيقة عامة جديرة بالاعتبار. لكن هذه الحقائق truths لا تُعرض على انها حقائق مثبتة بالادلة العلمية facts يجب التسليم بها وانما شيء يحتاج الى التفكير و التأمل . يجب على القارئ استخلاص المعنى بنفسه. ضمن صفحات العلم المرح، يعرض لنا نيتشه ثلاث من أهم أفكاره: حب المصير و موت الإله و العود الابدي.

ارتباط العلم المرح بهكذا تكلم زرادشت

أشهر اقوال نيتشه حول التكرار الابدي eternal recurrence (أحيانا يُشار له بالعودة الأبدية) هو قول العلم المرح. في القول الذي يلي مباشرة، نجد اول ذكر لزرادشت. هذين القولين، 341، 342 هما آخر قولين في الكتاب الرابع، حيث هنا في الأصل ينتهي العلم المرح. وكما لاحظنا أعلاه، بعد نشر هكذا تكلم زرادشت، شعر نيتشه بالحاجة لإضافة كتاب خامس الى العلم المرح.

في الحقيقة، بعد نشر كتاب هكذا تكلم زرادشت، قال نيتشه ان جميع أعماله اللاحقة سعت لجعل الكتاب اكثر وضوحا. كتاب هكذا تكلم زرادشت هو نص يصعب جدا فهمه. كتبه نيتشه في غضون أيام، وعُرض بأسلوب النص الديني مشابه نوعا ما الى العهد القديم. الكتاب مليء بصور غريبة وشخصيات. انه قراءة ساحرة ومربكة للغاية. أحد النقاد في ذلك الوقت ذكر انه قرأ النص لكنه فشل في فهم حتى كلمة واحدة. أجاب نيتشه بانه لو فهم هذا الرجل ست جمل لكان قد ارتقى الى مستوى أعلى من الوجود لن يبلغه معظم الناس.

القسم الذي يهمنا من هكذا تكلم زرادشت هو في الجزء الثالث تحت عنوان "حول الرؤية واللغز". زرادشت هو شخصية منعزلة، مستوحاة بشكل عام من زرادشت الذي أمضى عدة سنوات برفقة صديقين له احدهما ملاك والثاني ثعبان . في أحد الأيام قرر النزول ومشاركة حكمته مع العالم. بعد عدة مغامرات،  يجد نفسه يروي قصة تجربة حياة او موت غريبة عاشها على قمة الجبل. هنا يصف نيتشه فكرة العود الابدي (1).

حول الرؤية واللغز

في "حول الرؤية واللغز" في الكتاب الثالث من هكذا تكلم زرادشت، يتسلق البطل الرئيسي جبلا وهو يتعرض لهجوم من مخلوق غريب يشبه القزم ويحاكي شكل الخلد المروع. يشير زرادشت الى هذا المخلوق بـ "الحزن العميق واليأس". المخلوق يقفز الى أكتاف زرادشت ويهمس بافكار تثبط معنوياته. زرادشت يصف نفسه، وهو يسير بخطى متثاقلة في مسار الجبل تحت ثقل هذا المخلوق، بـ "الأكثر وحدة". وكما سنرى، في القول 341 من العلم المرح، يطلب منا نيتشه ان نتصور انفسنا في أعمق لحظات الوحدة. زرادشت يدرك انه سوف يستسلم لكلماته المثبطة للعزيمة اذا لم يقاوم المخلوق الذي على كتفيه. انها لحظة حياة او موت، وان زرادشت او المخلوق فقط يمكن ان يكون المنتصر. ما يقوله المخلوق لزرادشت هو ان الحياة لا تستحق العيش. هو قال انه يعيش في نهاية حياته وانها لا تستحق العناء. كل شيء لا معنى له.

 يلقي زرادشت بالمخلوق من على كتفيه. وعندما كان يرقد عند قدميه، يصرخ زرادشت "هل تلك حياة؟ حسنا اذن مرة أخرى" مع هذا التصريح، زرادشت يؤكد الحياة بفرح. بعيدا عن كونها معاناة بلا معنى، الحياة هي شيء ما سيعيشها زرادشت برغبة مرة بعد أخرى.

في هذه المرحلة من القصة، تظهر بوابة غامضة. ممران ينطلقان في كلا الاتجاهين. عند البوابة حيث يقف زرادشت والمخلوق، تظهر لافتة تقول "لحظة". هذه الممرات تستمر الى الابد. عندما يسأل زرادشت المخلوق ان كان هناك شخص يمكنه النزول في ممر واحد الى الابد، يجيب المخلوق ان الزمن دائري. لو ان شخصا ما دخل البوابة في هذه "اللحظة" واستمر في المشي، هو سوف ينتهي به الامر بالعودة الى البوابة. 

القول رقم 341: الوزن الأثقل

زرادشت يقف في البوابة قائلا للمخلوق:"وهذا العنكبوت البطيء الذي يزحف في ضوء القمر، وهذا ضوء القمر ذاته، وانا وانت في البوابة نهمس معا، همسات عن الأمور الأبدية – ألا نكون كلنا كنا هنا من قبل؟ - ونعود ونركض في ذلك الممر الآخر نحو الخارج، الذي أمامنا، وهو ممر طويل ومخيف – ألا يجب ان نعود الى الأبد؟"(هكذا تكلم زرادشت،111،" رؤية ولغز").

عندما نعود الان الى القول 341، نلاحظ صورة مشابهة:

"ماذا لو تسلل شيطان خلفك الى أعمق لحظات وحدتك في يوم او ليلة ما وقال لك : "هذه الحياة التي تعيشها الان والتي عشتها من قبل يجب ان تعيشها مرة أخرى وبعدد لا متناهي من المرات... والكل في نفس التسلسل – ونفس الشيء هذا العنكبوت وهذا ضوء القمر بين الأشجار، ونفس الشيء هذه اللحظة ونفسي.. ألا ترغب في ان ترمي نفسك ارضا وتصر باسنانك وتلعن الشيطان الذي تكلم بهذه الكلمات؟ ام انك مررت ذات مرة بلحظة عظيمة كنت فيها ترد عليه: "انت إله، ولم أسمع شيئا قط بهذه الالوهية" (نيتشه، العلم المرح، 341). الشيطان يسأل: هل سنشعر بالصدمة من هذا الخبر ام ستغمرنا الفرحة؟ تفاصيل مهمة جدا غالبا ما تُغفل في التعليقات هي ان الشيطان يهتم كثيرا في معرفة " الى أي مدى يجب ان تصبح متعاطفا مع نفسك حتى لا تتوق الى شيء بشغف اكبر من هذا التأكيد النهائي وهذا الختم؟".

هناك عدة أفكار تحتاج الى توضيح هنا. سوف نرى ان فكرة نيتشه في العود الابدي مرتبطة بشكل وثيق مع فكرتين أخريين وُجدتا في العلم المرح وهما: موت الاله وحب المصير.

شيطان نيتشه

نحن يجب ان لا نعتقد ان شيطان نيتشه كمخلوق رهيب مشابه لما عاشه زرادشت. لا يُفترض ان يكون كائنا شريرا وانما شيء أقرب الى العفريت الذي يُفترض ان يرشد سقراط. الشياطين اليونانية القديمة كانت وسيطا بين البشر والالهة. دورهم كان تفسير ونقل المعلومات من الآلهة الى البشر . بهذه الطريقة، "الشيطان" الذي يشير له نيتشه في القول 341 هو رسول لديه معرفة خارقة للطبيعة. هذا مشابه الى ملاك ينقل الكلمة من الله. هذه الفكرة ستصبح أساسا لفهم القول. الان، نستطيع ان نفهم استخدام نيتشه لصورة الشيطان كطريقة للقول.

تذكّر، ان نيتشه يهتم في ردود فعلنا لإيحاء الشيطان. هو يريد ان يعرف ان كنا سنتحطم او ننتصر بالفرح من فكرة العود الابدي. نيتشه باستخدامه للشيطان الذي يعطي الاخبار، هو يسلبنا خيار الجواب بعدم الايمان. أي، نحن يجب ان نتصور انفسنا ونحن على يقين ان كل شيء في الكون يتكرر الى الابد.

على الرغم من سهولة فهم لماذا يريد نيتشه من مستمعيه، قبول ان العود الابدي هو حقيقة للكون، يبدو غريبا انه يقدم فقط خيارين فيما يتعلق بردود فعلنا. شخص ما ربما يرد بشكل سيء جدا على الاخبار وشخص اخر ربما يرد وبشيء من المرح، لكن ألا يوجد هناك خيار ثالث؟ ألا يوجد هناك بعض الناس لا يهتمون بذلك كثيرا؟ في الحقيقة، العديد من المعلقين تسائلوا لماذا لم ينظر نيتشه في هذا باعتباره رد الفعل الأكثر شيوعا على ايحاء الشيطان.

ردود محتملة على شيطان نيتشه

المحيّر هو في ما يقوله شيطان نيتشه عن العود الابدي ولماذا كل شخص يستجيب بالطرق التي وُصفت في القول. لكن الاقوال يُفترض ان تكون محيرة، العديد من المعلقين أشاروا الى ما يبدو واضحا: لا يهم لو كل شيء يتكرر بالضبط بنفس الطريقة. هذا بسبب اننا غير واعين تماما بحدوث ذلك. في الحقيقة، كل شيء عملناه اليوم ويوم امس، وسوف نعمله غدا، وفي كل الأيام من حياتنا ربما حدث سلفا بأعداد لا متناهية من المرات. ونحن سوف لا نعرف ابدا. السبب لماذا سيكون هذا هو الحال ببساطة لأننا حاليا، لا نتذكر ان كل شيء يتكرر في الحياة. هذا يعني انه لو الحياة تتكرر بالضبط بنفس الطريقة كل مرة، فسوف لا نستطيع تذكّر الجولة السابقة. ولو تذكّرنا، فان الوقت االذي نتذكره سيكون مختلفا عن الوقت الذي لا نتذكره.

بالإضافة الى ذلك، لاشيء هناك مفيد يمكن عمله بأخبار العود الابدي. لماذا؟ لأن كل شيء يمكننا اختيار فعله، نحن سلفا قمنا به بعدد لا متناهي من المرات وسوف نقوم بذلك في كل الأوقات. احد الفلاسفة طلب منا ان نتخيل شيطانا يقول لنا ان هناك اكوانا موازية لا متناهية، كلها متشابهة مع كوننا هذا. هذا يعني ان هناك نسخ غير محدودة من أنفسنا، كلها متشابهة. لو اكتشفنا ان هذا هو الحال الحقيقي، فهل حقا سنهتم بالامر الى هذا الحد؟ لا شيء نستطيع فعله بالمعلومات. من الصعب ان نرى اختلافا جوهريا بين هذا السيناريو في تأثيره و فكرة العود الابدي.

هذا الاتجاه ينطوي على مشكلتين تنبثقان من الفشل في مراعاة الجانب الديني لقول نيتشه.

الردود المسيحية على شيطان نيتشه

بالنسبة للمسيحيين الزمن هو خطي: هناك بداية ونهاية. في سفر التكوين: 1:1 نقرأ: "في البداية الله خلق السماوات والأرض". في الكتاب الأخير من الانجيل، نقرأ ان زمنا سيأتي عندما تكون هناك سماء جديدة وأرض (الوحي 21:1). هذه الفكرة لا تنسجم ابدا مع فكرة العود الابدي. كذلك، العقيدة الأساسية للمسيحيين، كريجما kerygma، او إعلان البشارة بأخبار جيدة عن حياة يسوع والموت والقيامة، تستند على سلسلة من الاحداث تتكشف في سلسلة واحدة ومحدودة. لو تساءلنا عمن سيشعر بالفزع من شيطان نيتشه حين يقول لهم ان الزمن يتكرر بلا نهاية، الجواب سيكون المسيحيين .

بالنسبة لهم، النتيجة الهامة لوحي الشيطان هي ان ايمانهم يتم تقويضه الى حد التدمير. في القول 341، يشير نيتشه الى "صرير الاسنان" في الرد على الشيطان. صرير الاسنان يحدث 11 مرة في الانجيل. في كل مرة، هو اما استجابة الى تحدي او من الكريجما. عندما يسأل نيتشه لو انت تصر اسنانك وتلعن الشيطان،عليك ان تتصور الخسارة المدمرة لايمانك الديني. الأساس لكشف اسرار القول رقم 341 يأتي في الجزء الأخير. نيتشه يسأل الى أي مدى يجب ان نكون متعاطفين مع أنفسنا (لا نتوق الى شيء بشغف اكبر) بدلا من ان يكون الشيطان على صواب. نحن نستطيع فهم لماذا يتوق المسيحي بشغف ليكون الزمن خطيا والله موجودا ووعودهُ تكون صحيحة. لكن لماذا يتوق شخص ما بشدة للزمن ليكون بشكل آخر، وما علاقة هذا بكونك متسامحا مع نفسك؟

موت الإله وحب المصير

يعتمد الايمان المسيحي على مفهوم الزمن ذو بداية ونهاية. تأكيد نيتشه هنا ليس على تحطيم الدين وانما على شيء أقرب الى أساس دين جديد. فكرته عن العود الابدي، الاخبار السارة التي بشّر بها كائن الهي هي بمثابة اسطورة لخلق مجموعة جديدة من الأفكار. بالنسبة لنيتشه، كل الميثولوجيا هي محاولة للتغلب على حكمة سيلينوس. سيلينوس كان رفيقا لدينوسوس ووسيط بين البشر والالهة. تتمثل حكمته الرهيبة في ان أفضل شيء للبشر هو الاّ يولدوا أبدا، اما ثاني أفضل شيء فهو ان يموتوا في أسرع وقت ممكن. شيطان نيتشه يقدم (للبعض) حكمة جديدة – حكمة بهيجة او علم مرح Gay science.

في القول 125، نيتشه يعرض فكرة موت الاله. هنا رجل مجنون يعلن الى ملحدين انه بسبب انهم "قتلوا الاله" يكون كل معنى في الكون قد ضاع. خبره المذهل هو ان الامر متروك الى الملحدين لخلق معنى جديد، الأمر الذي سيجعل أحفاد الأجيال القادمة يعبدونهم كآلهة. لسوء الحظ، الملحدون يفشلون في تقدير المهمة التي أمامهم . تأكيد نيتشه هنا هو ان الملحدين يؤمنون انهم "قتلوا الايمان بالله" لكنهم استمروا في رؤية العالم من خلال عدسة المسيحية. هم غير واعين بان الأفكار الجديدة يجب ان تحل محل القديمة.

بالنسبة الى نيتشه، العبء في إعادة تقييم قيمنا يجب ان يتم في بهجة. لكن معظمنا هو غير مؤهل للقيام بهذه المهمة. بالعودة الى قول 341، فقط أولئك الذين يغمرهم الفرح الشديد عند سماع أخبار الشيطان ويتمنون بشدة ان تكون صحيحة، تماما مثلما يتمنى المسيحيون عكس ذلك، هم وحدهم القادرون على إغتنام هذه الفرصة.

ما هو حب القدر Amor fati the fates

السؤال الذي يجب ان نطرحه الان على انفسنا يتعلق بالعلاقة بين التوق لعود ابدي وكم يجب ان نكون متسامحين مع انفسنا لكي نفعل ذلك. تذكّر ان نيتشه ينهي القول 341 بالسؤال "الى أي درجة من الرضا عن الذات يجب ان تصل حتى لا تتوق الى شيء بشغف اكبر من هذا التأكيد النهائي وهذا الختم؟". إشارة نيتشه للتأكيد والختم يمكن فهمها كاشارة لرسالة افسس 1:13، الذي يعلن ان الله يرضى عن البشر ويبرر ايمانهم .عودة نيتشه الأبدية التي تعِد برضا وتبرير لحياة المؤمنين هي مختلفة لكن ليست أقل غموضا.

كونك متعاطف مع نفسك يعني كونك سعيدا مع كل شيء في حياتك – الجيد والسيء – يحدث بعدد لا متناهي من المرات. لكي تتوق بشدة الى هذا، لا يجب عليك فقط ان توافق على كل شيء في حياتك دون استثناء وانما تحبه أيضا.

بالطبع، هذا يتضمن ليس فقط الأشياء المروعة التي واجهتها – وعملتها بنفسك – بل كل الاحداث المرعبة التي وقعت على مر التاريخ. بكلمة أخرى، انت يجب ان تحب قدرك. شيء يسميه نيتشه amor fati.

في القول 276، يكتب نيتشه: "انا اريد ان أتعلم الكثير والكثير عن الكيفية التي أرى بها ما هو ضروري في الأشياء باعتباره الشيء الجميل فيها – وهكذا سأكون احد أولئك الذين يصنعون أشياءً جميلة . ليكن القدر حبي من الآن فصاعدا".

بما اننا شاهدنا الان الارتباط بين العلم المرح 124 (موت الاله) و العلم المرح 276 (حب القدر) يمكننا ان ندرك ان قول 341 ليس مجرد دعوة الى العمل، بل هو نداء من نيتشه من أجل أسلوب حياة ثوري و جديد.

***

حاتم حميد محسن

.........................

المصدر: The collector, Sep 21, 2026

الهوامش

(1) استخدم نيتشه مفهوم العود الابدي كتجربة فكرية لإجبار الناس على تقييم حياتهم تقييما عميقا والتأكيد عليها تأكيدا تاما. هو تصوّر شيطانا يسألك  لو ان حياتك بالكامل تتكرر بلا نهاية وبنفس التعاقب بكل ما فيها من فرح وحزن، فكيف سيكون جوابك؟ هل ستحزن على ذلك ام تفرح؟

اذا كانت فكرة تكرار كل شيء تثقل كاهلك، ذلك يعني انك تشعر بالندم او تنظر الى حياتك على انها شيء يجب تحمّله. واذا كنت ترحب بالاخبار وتقول انها إلهية، فانت أنجزت حب القدر. بعد موت الاله وتلاشي الأطر الدينية التقليدية، اصبح الناس عرضة لخطر الوقوع في اليأس السلبي وفقدان المعنى. العود الابدي يعمل كمركز جديد للجاذبية، يجعل هذه الحياة الدنيوية وكل خيار يُتخذ فيها ذات أهمية بالغة لا حدود له. بدلا من الأمل في الخلاص اللاحق، يجب على الناس ان يصنعوا وجودهم الآن وهو امر يستحق التكرار اللامتناهي. 

منذ ان رفع الانسان عينيه الى السماء لأول مرة، وهو يطرح اسئلة رافقته عبر التاريخ كله: من اين جاء هذا الكون؟ لماذا نحن هنا؟ هل للحياة غاية؟ وهل يوجد خالق لهذا الوجود، ام ان الكون نتج عن قوانين الطبيعة وحدها؟ ورغم آلاف السنين من التفكير والتأمل، وما حققه العلم من انجازات مبهرة، ما زالت هذه الاسئلة الكبرى مفتوحة للنقاش. فقد استطاع العلم ان يكشف لنا كيف تتشكل النجوم، وكيف تنقسم الخلايا، وكيف تتطور الكائنات، وكيف تطور الكون منذ مراحله الاولى، لكنه لا يستطيع وحده ان يحسم السؤال الاكثر عمقا: لماذا يوجد الكون اصلا؟ وهل وراء هذا الوجود قصد وارادة ومعنى؟

وهنا تبدأ المساحة التي تلتقي فيها الفلسفة بالأيمان، ويظهر الاختلاف بين الناس في تفسيرهم للوجود. فالعلم يقوم على الملاحظة والقياس والتجربة، ولذلك يستطيع دراسة الظواهر التي يمكن اختبارها وملاحظتها، لكنه لا يملك الادوات التي تمكنه من حسم كل الاسئلة الميتافيزيقية المتعلقة بوجود الله او الغاية النهائية من الحياة. ومن هنا يقف المؤمن والملحد امام سؤال يتجاوز حدود المختبر. فالمؤمن يرى ان وراء هذا الكون خالقا حكيما، بينما يرى الملحد ان تفسير الكون لا يستلزم افتراض وجود خالق. وكلا الموقفين يرتبط برؤية فلسفية اوسع لطبيعة الوجود، وليس بتجربة مخبرية بسيطة تستطيع وحدها ان تنهي النقاش.

والعلم نفسه يعلمنا ان الحقيقة لا تقتصر على ما تستطيع العين رؤيته مباشرة. فنحن لا نرى الجاذبية، لكننا نرى آثارها في سقوط الاجسام وحركة الكواكب. ولا نرى المجال المغناطيسي، لكننا نشاهد تأثيره. ولا نرى موجات الاتصالات والانترنت، ومع ذلك نعتمد عليها في تفاصيل حياتنا اليومية. ولا ترى اعيننا الاشعة تحت الحمراء او فوق البنفسجية، لكنها موجودة ويمكن قياس آثارها. وحتى المادة المظلمة التي يعتقد العلماء انها تشكل جزءا كبيرا من محتوى الكون لم يرها أحد بصورة مباشرة، وانما استدل العلماء على وجودها من آثارها في حركة المجرات. كما تنبأت معادلات اينشتاين بموجات الجاذبية قبل ان يتمكن العلماء من رصدها بعد ذلك بعقود طويلة.

وهذا كله يقودنا الى قاعدة معرفية مهمة: عدم رؤية الشيء لا يعني بالضرورة عدم وجوده، كما ان عدم قدرتنا على اثباته اليوم لا يعني استحالة معرفته مستقبلا. فالإنسان كثيرا ما يصل الى الحقيقة من خلال آثارها ونتائجها قبل ان يستطيع رؤيتها بصورة مباشرة.

وقد جاءت فيزياء الكم لتزيد الانسان تواضعا امام اسرار الكون. فعندما دخل العلماء عالم الذرات والجسيمات اكتشفوا ان الواقع في مستواه الدقيق أكثر تعقيدا من الصورة التي تقدمها لنا حواسنا وتجاربنا اليومية. فهناك جسيمات يمكن ان تظهر خصائص موجية، وهناك ظواهر لا يمكن التنبؤ بنتائجها الفردية الا ضمن اطار الاحتمالات، وهناك التشابك الكمي الذي يكشف عن ترابطات عميقة بين الجسيمات. وهذه الظواهر لا تثبت وجود الله ولا تنفيه، ولا ينبغي تحويلها الى حجج دينية او الحادية جاهزة، لكنها تعلمنا شيئا مهما: ان الواقع اوسع بكثير من حدسنا، وان المعرفة البشرية مهما تقدمت تظل محدودة امام اتساع الكون وتعقيده.

كما ان تاريخ العلم يقدم امثلة على ان الرياضيات والمعادلات قد تسبق الملاحظة والتجربة. فقد تنبأت معادلات اينشتاين بوجود موجات الجاذبية قبل اكتشافها تجريبيا، كما قادت معادلات اخرى في تاريخ الفيزياء الى توقع وجود ظواهر وجسيمات لم يكن الانسان قد رصدها بعد. وهذا لا يعني ان كل فكرة رياضية تصبح حقيقة، لكنه يوضح ان ما لا نراه في لحظة معينة قد يكون قابلا للاكتشاف في مرحلة لاحقة، وان حدود الحواس البشرية ليست هي حدود الواقع.

ومن هنا ينبغي ان نكون حذرين في استخدام العلم في قضية الايمان والالحاد. فلا يصح القول ان العلم اثبت وجود الله بالطريقة نفسها التي اثبت بها وجود كوكب او جسيم، كما لا يصح القول ان العلم اثبت عدم وجود الله. فهذه القضايا تتجاوز المنهج التجريبي المباشر، وتدخل في اسئلة الفلسفة والميتافيزيقا واللاهوت. العلم يستطيع ان يدرس كيف نشا الكون وتطور، وكيف تعمل قوانين الطبيعة، لكنه لا يستطيع وحده ان يقرر لماذا توجد هذه القوانين اصلا، او هل للكون غاية نهائية، او هل وراء الوجود قصد واع وارادة.

ولهذا يمكن القول بصورة مبسطة ان العلم يهتم بدرجة كبيرة بسؤال "كيف؟"، بينما تحاول الفلسفة والدين التعامل ايضا مع سؤال "لماذا؟". العلم يفسر كيف تتكون النجوم، وكيف تتطور الكائنات، وكيف تعمل الخلايا، لكنه لا يقدم بمفرده اجابة نهائية عن معنى وجود الانسان او القيمة التي ينبغي ان يعطيها لحياته. وهذه ليست نقطة ضعف في العلم، بل نتيجة طبيعية لحدود المنهج العلمي ومجاله.

لكن المشكلة الاكبر ليست في اختلاف الناس حول هذه الاسئلة، وانما في الطريقة التي يتعاملون بها مع هذا الاختلاف. فالمجتمعات البشرية عرفت دائما تنوعا كبيرا في الاديان، والمذاهب، والفلسفات، والافكار. والاختلاف ليس خطا في الطبيعة البشرية، بل جزء من تجربتها. الناس يختلفون في لغاتهم وثقافاتهم واذواقهم وطرق تفكيرهم، ومن الطبيعي ان يختلفوا ايضا في الاسئلة الكبرى المتعلقة بالله، والكون، والحياة، والموت.

غير ان الاختلاف يتحول الى مشكلة عندما يعتقد الانسان انه يمتلك الحقيقة كاملة، ثم يحول قناعته الى وسيلة للحكم على الاخرين واحتقارهم. وكم من صراع بدا باختلاف فكري ثم تحول الى كراهية، وكم من انسان نصب نفسه حكما على قلوب الناس ونواياهم ومصائرهم، مع ان الانسان لا يستطيع ان يعرف ما في قلب انسان اخر بصورة كاملة.

وهنا يجب التمييز بوضوح بين نقد الفكرة واهانة صاحبها. من حق المؤمن ان يناقش الالحاد وينتقد حججه، ومن حق الملحد ان يناقش الدين وينتقد بعض تصوراته، ومن حق الفيلسوف ان يسال ويشكك، ومن حق المتدين ان يدافع عن ايمانه. لكن كل ذلك يمكن ان يحدث من دون اهانة الانسان او سلبه كرامته. فرفض الفكرة لا يعني بالضرورة رفض صاحبها، والاختلاف مع المعتقد لا يبرر الكراهية.

ومن اكثر الاسئلة التي يمكن ان تجعل الحوار اكثر نضجا ان يسال الانسان نفسه: ماذا لو كنت مخطئا؟ هذا السؤال لا يعني التخلي عن القناعة، بل يعني الاعتراف بحدود المعرفة البشرية. فالمؤمن المتواضع يدرك ان فهمه للدين ليس هو الدين نفسه، وان تفسيره للنصوص قد يحتمل الخطأ والصواب. والملحد المتواضع يدرك ايضا ان عدم اقتناعه بوجود الله لا يجعله مالكا للحقيقة المطلقة في كل ما يتعلق بالوجود. والعالم الحقيقي يعرف ان كل اكتشاف جديد قد يفتح ابوابا جديدة من الاسئلة.

والتواضع الفكري لا يعني ان يكون الانسان بلا موقف، بل يعني ان يتمسك بموقفه دون ان يتحول هذا الموقف الى غرور. يستطيع الانسان ان يكون مؤمنا بقوة، وان يناقش الالحاد بقوة، دون ان يحتقر الملحد. ويستطيع الملحد ان يكون مقتنعا بموقفه، وان ينتقد الحجج الدينية، دون ان يحتقر المؤمن. فالحوار الحقيقي لا يحتاج الى الغاء الاختلاف، بل يحتاج الى ادارة الاختلاف باحترام.

ولعل المعيار الاكثر انسانية يظهر عندما نضع الافكار جانبا للحظة وننظر الى السلوك. قد يجلس مؤمن وملحد على طاولة واحدة، فيتعاونان على اغاثة محتاج، او علاج مريض، او تعليم طفل، او الدفاع عن مظلوم. وقد يختلف اثنان في كل ما يتعلق بالعقيدة، لكنهما يتفقان على قيمة الصدق والرحمة والعدل ورفض الظلم. هنا ندرك ان الانسان اكبر من التصنيف الذي نضعه له.

ليس السؤال دائما: ماذا تؤمن؟ بل ايضا: كيف تتعامل مع من يختلف معك؟ ماذا تفعل عندما تكون قويا؟ هل تستخدم قوتك لإهانة الاخر ام لحمايته؟ وهل تستطيع ان تختلف مع انسان وتحافظ في الوقت نفسه على كرامته؟ هذه الاسئلة تكشف جانبا عميقا من انسانية الانسان.

ان الايمان قضية عظيمة، والالحاد قضية فلسفية مهمة، والبحث عن الحقيقة من أشرف ما يمكن ان يفعله العقل البشري. لكن الاعظم من كل ذلك ان يبقى الانسان انسانا. وليس المطلوب ان يتخلى الناس عن قناعاتهم حتى يعيشوا معا، ولا ان يتساووا في افكارهم، بل ان يدركوا ان الاختلاف لا يلغي الانسانية، وان الاقناع لا يولد من الاهانة، وان الحوار لا يحتاج الى التكفير او الاحتقار.

فاذا كان الانسان يؤمن بالله، فليكن ايمانه دافعا الى الرحمة والعدل والتواضع. وإذا كان لا يؤمن، فليكن موقفه دافعا الى احترام الانسان والبحث الصادق عن الحقيقة. وفي الحالتين يبقى من حق كل انسان ان يسال ويتفكر ويبحث ويختار، وان يعيش بكرامة ما دام لا يعتدي على كرامة غيره.

وفي النهاية، ربما لا تكون الحكمة في ان ننجح جميعا في الاتفاق على اجابة واحدة، بل في ان نتعلم كيف نعيش معا رغم اختلاف الاجابات. فالكون أكبر من عقولنا، والحقيقة اوسع من تصوراتنا، والمعرفة البشرية مهما بلغت تظل محدودة. وكلما ازداد الانسان علما، ازداد ادراكا لاتساع دائرة المجهول. وربما كان هذا الادراك هو بداية الحكمة: ان نبحث عن الحقيقة بشجاعة، وان نحمل قناعاتنا بتواضع، وان نختلف دون كراهية، وان نقبل الانسان الاخر لا لأنه يشبهنا في معتقده، بل لأنه انسان مثلنا، له عقل وقلب وكرامة وحق في ان يبحث عن الحقيقة بطريقته.

***

د. عامر ملوكا

"الطَّبيعة هي ما منحتنا إيّاه الآلهة، والسَّير بمقتضى شروط الطَّبيعة هو السَّير على صراط الواجب، وإدارة هذا الصِّراط وتنظيمه هو القصد من التَّربية والتَّعليم"... كونفوشيوس

تواجه الإنسانيَّة اليوم وضعيَّة مأزقية تتمثَّل في تحديات التَّصادم المصيريِّ بين الحضارة المادِّيَّة، بما تنطوي عليه من أنماطٍ متسارعةٍ في استنزاف الطَّبيعة وتدميرها، وبين المصادر الحيويَّة للطَّبيعة بوصفها حاضناً للحياة ومصدرًا لاستمرارها. فالحضارة المادِّيَّة تطلق وحشها الصِّناعيَّ في البيئة، مستنزفةً المصادر الحيويَّة للوجود، ومحوِّلةً جانبًا منها إلى فضاءاتٍ فيزيائيَّةٍ مشبعةٍ بأشكالٍ مختلفةٍ من التَّلوُّث والتَّدمير، في حين تحاول الطَّبيعة الحيَّة أن تستعيد توازنها الحيويَّ وتحافظ على شروط الحياة.

وفي خضمِّ هذا التَّصادم بين إرادتي الحياة والموت، بين التَّوحُّش الصِّناعيِّ المدمِّر للطَّبيعة والطَّبيعة الصَّانعة للحياة، تبرز قضيَّة المصير الإنسانيِّ المعاصر وإشكاليَّاته الوجوديَّة بوصفها واحدةً من أخطر قضايا العصر. وفي حمأة هذا التَّناقض المصيريِّ بين الطَّبيعة التي تحوِّل المادَّة الفيزيائيَّة إلى حياة، والصِّناعة الرَّأسماليَّة التي قد تحوِّل الحياة نفسها إلى مادَّةٍ مستنزفة، يجد الإنسان المعاصر نفسه بين قطبي صراعٍ لا يستطيع بسهولةٍ إيقافه أو الخروج من دوائره المقلقة.

لقد دأب الإنسان منذ بدايات التَّاريخ على محاولة إخضاع الطَّبيعة والتَّغلُّب عليها، حتّى كاد يتعامل معها بوصفها خصمًا ينبغي الانتصار عليه. واستطاع، بفضل تطوُّره العلميِّ والتِّقنيِّ، أن يحقِّق انتصاراتٍ هائلةً في السَّيطرة على عناصرها، لكنَّه لم يكن يدرك دائمًا أنَّ بعض هذه الانتصارات قد ينطوي في الوقت نفسه على تدميرٍ لشروط وجوده وحياته.

وقد وصلت الإنسانيَّة اليوم إلى مرحلةٍ أصبح فيها استعادة التَّوازن الخلّاق بين الإنسان والطَّبيعة أكثر صعوبةً وتعقيدًا، ولا سيَّما أنَّ الطَّبيعة هي المستودع الأساسيُّ لمصادر حياته ووجوده. ويقف الإنسان المعاصر، إلى حدٍّ بعيد، عاجزًا عن الخروج من دوَّامة التَّدمير الصِّناعيِّ المتسارع للبيئة، بل عاجزًا أحيانًا عن الحدِّ من سرعة هذا الخراب، بسبب خضوعه لمنطق الحضارة المادِّيَّة وأنماط الاستهلاك التي أنتجتها. وهكذا تراجعت قدرة الإنسان على المحافظة على البيئة واستعادة جانبٍ من نقائها وتوازنها الحيويِّ. وفي هذا كلِّه يتجسَّد المأزق الوجوديُّ الذي تواجهه الإنسانيَّة المعاصرة؛ إذ يجد الإنسان نفسه عالقًا في دوَّامةٍ حضاريَّةٍ بات من الصَّعب التَّحكُّم في مسارها أو تحديد مآلاتها.

ومع ذلك، وفي عمق هذا المأزق الوجوديِّ، ما يزال هناك ضوءٌ يومض في نهاية النَّفق، وما تزال بارقة أملٍ تتوهَّج، تستمدُّ قوَّتها من إرادة البشر ووعيهم بالمصير، ومن قدرتهم على إدارة الصِّراع بين إرادة الحياة ونوازع الموت الحضاريِّ؛ أي بين الموارد الحيَّة للوجود والنَّتائج المدمِّرة التي قد تنتج عن الحضارة المادِّيَّة عندما تفقد توازنها الإنسانيَّ والأخلاقيَّ.

وتبيِّن القراءات الجادَّة للتَّاريخ أنَّ مصير الإنسانيَّة يرتبط إلى حدٍّ كبير بقدرة سكَّان الأرض على إدارة تفاعلهم مع الوجود بصيغتيه الفيزيائيَّة والحيويَّة إدارةً واعيةً ومتوازنةً وخلّاقةً. وهذا يقتضي وعيًا حقيقيًّا عميقًا بجوهر العلاقة المصيريَّة بين الإنسان وشروط وجوده.

وتظهر المؤشِّرات العلميَّة والبيئيَّة أنَّ الإنسانيَّة تواجه مخاطر متزايدةً نتيجة التَّفاعل غير المتوازن مع البيئة والوجود الطَّبيعيِّ، وأنَّ استمرار أنماط الإنتاج والاستهلاك غير المستدامة يمكن أن يضع الحياة البشريَّة أمام تحدِّياتٍ وجوديَّةٍ غير مسبوقة.

وإزاء هذه التَّوقُّعات المقلقة بشأن المصير والوجود، ما يزال العلماء والمفكِّرون والباحثون في مختلف مجالات المعرفة يحذِّرون من مخاطر التَّفاعل السَّلبيِّ مع الوسط الطَّبيعيِّ الحاضن للحياة على سطح الكوكب. وعلى الرَّغم من هذه النِّداءات المتواصلة والتَّحذيرات العلميَّة المتزايدة، فإنَّ البيئة ما تزال تتعرَّض لضغوطٍ قاسيةٍ ناجمةٍ عن النَّشاط الإنسانيِّ، إلى الحدِّ الذي أصبحت معه أشكالٌ متعدِّدةٌ من الحياة مهدَّدةً بفعل الاستنزاف والتَّلوُّث والتَّغيُّرات المناخيَّة المتسارعة.

فالأنهار الجليديَّة تذوب، والكتل الجليديَّة تتراجع، والاحتباس الحراريُّ يتصاعد، والتَّلوُّث يواصل تأثيره السَّلبيَّ في الأرض والمياه والهواء والحياة على حدٍّ سواء.

وفي مواجهة هذه المخاطر عُقدت عشرات المؤتمرات الدَّوليَّة، وتأسَّست مئات المنتديات والهيئات العالميَّة، وأُنشئت أعدادٌ كبيرةٌ من المراكز البحثيَّة المعنيَّة بالبيئة والتَّنمية، وأُبرمت اتِّفاقيَّاتٌ دوليَّةٌ وإقليميَّةٌ عديدةٌ منذ النِّصف الثَّاني من القرن العشرين حتّى اليوم. ومع أهمِّيَّة هذه الجهود، فإنَّها لم تتمكَّن حتّى الآن من وقف التَّدهور البيئيِّ بصورةٍ حاسمة.

وفي كلِّ مؤتمرٍ أو قمَّةٍ عالميَّةٍ تُوقَّع الاتِّفاقيَّات والمعاهدات، وتصدر البيانات والتَّحذيرات، وتُعرب دول العالم عن نواياها في العمل على وقف التَّدهور البيئيِّ. ثمَّ تكشف الدِّراسات اللاحقة في كثيرٍ من الأحيان استمرار مظاهر التَّدهور وتصاعد بعض مؤشِّراته، الأمر الذي يدفع إلى التَّساؤل عن مدى قدرة المجتمع الدَّوليِّ على تحويل الالتزامات المعلنة إلى سياساتٍ وممارساتٍ فعليَّة.

وممَّا لا شكَّ فيه أنَّ السَّعي المحموم إلى السَّيطرة على الموارد الطَّبيعيَّة واستنزافها وتحويلها إلى أرباحٍ اقتصاديَّةٍ يشكِّل أحد العوامل الرَّئيسة في التَّدهور البيئيِّ. كما تتحمَّل الدُّول الصِّناعيَّة الكبرى مسؤوليَّةً تاريخيَّةً مهمَّةً عن جانبٍ كبيرٍ من الانبعاثات والتَّلوُّث النَّاتج عن عمليَّات التَّصنيع المكثَّفة. وقد دفعت الإنسانيَّة، ولا تزال، أثمانًا اجتماعيَّةً وإنسانيَّةً باهظةً نتيجة نماذج من التَّنمية غير المتوازنة تقوم على استنزاف الموارد وإضعاف شروط الاستدامة.

وقد اندفع العلماء والمفكِّرون والباحثون إلى البحث عن أفضل السُّبل والوسائل للحدِّ من التَّدهور وحماية البيئة والحياة على سطح الكوكب. وتبيَّن، عبر تجارب كثيرة، أنَّ بناء وعيٍ إنسانيٍّ عميقٍ بأهمِّيَّة المحافظة على البيئة وضرورة وقف استنزاف مواردها يشكِّل أحد أهمِّ الأسس التي يمكن الاستناد إليها للانتقال نحو حياةٍ أكثر استدامةً وتنميةٍ أكثر عدالةً وتوازنًا.

وبرهنت التَّطوُّرات المعاصرة في حياة البشر أنَّ الوعي الإنسانيَّ يمثِّل طاقةً حيويَّةً في تمكين الإنسان من التَّفاعل مع بيئته الاجتماعيَّة والطَّبيعيَّة بصورةٍ متوازنةٍ وخلّاقة. فجانبٌ كبيرٌ ممَّا يجري في العالم يرتبط بفهم الإنسان لما يفعله، وإدراكه للآثار المترتِّبة على سلوكه، ووعيه بالمخاطر التي تهدِّد الوجود والمصير. وهذا يعني أنَّ ما يمكن أن نسمِّيه «الوعي الإنسانيَّ التَّنمويَّ» أصبح ضرورةً حضاريَّةً ملحَّة.  ومن الطَّبيعيِّ، في سياق هذا الوعي المتزايد بأهمِّيَّة البيئة والحياة، أن تحتلَّ التَّربية موقعًا مركزيًّا في بناء الوعي بالتَّنمية المستدامة. وتلك حقيقةٌ أكَّدت عليها مؤتمراتٌ ومنتدياتٌ دوليَّةٌ كثيرة؛ فالتَّربية تشكِّل إحدى أهمِّ الدَّعائم التي يمكن أن تقوم عليها التَّنمية الهادفة والخلّاقة.

والمعاهدات الدَّوليَّة والمؤتمرات العالميَّة، على أهمِّيَّتها، لن تستطيع وحدها وقف التَّدهور في شروط الحياة الإنسانيَّة والبيئيَّة من غير تربيةٍ فاعلةٍ قادرةٍ على تحويل الوعي التَّنمويِّ إلى قوَّةٍ مؤثِّرةٍ في توجيه الحياة الإنسانيَّة نحو مسارات البناء والتَّعمير، وفي اتِّجاه إقامة علاقةٍ أكثر توازنًا بين الإنسان والبيئة التي تحتضن الحياة برمَّتها على سطح الكوكب.

وقد أدركت البلدان المتقدِّمة أهمِّيَّة العامل التَّربويِّ في بناء العلاقة الخلّاقة بين الإنسان والتَّنمية المتوازنة، فانطلقت في إعادة النَّظر في نظمها التَّربويَّة ومناهجها التَّعليميَّة، وعملت على تنمية وعيٍ شاملٍ يوازن بين الاستجابة للحاجات التَّنمويَّة المتزايدة والمحافظة على البيئة والموارد، ويحقِّق الانسجام بين علاقة الإنسان بالإنسان وعلاقته بالمحيط الطَّبيعيِّ.

واتَّخذ هذا الوعي التَّربويُّ التَّنمويُّ مساراتٍ متعدِّدةً شملت التَّربية البيئيَّة، والتَّربية من أجل السَّلام، وحقوق الإنسان، والعدالة، والتَّسامح، والمسؤوليَّة الاجتماعيَّة. وتشكَّلت منظوماتٌ متنوِّعةٌ من المناهج والبرامج التَّربويَّة التي تسعى إلى إعداد المتعلِّم للمشاركة في التَّنمية والمحافظة على الحياة الإنسانيَّة، بما ينطوي عليه ذلك من تنظيمٍ إيجابيٍّ للعلاقة بين الفرد والبيئتين الاجتماعيَّة والطَّبيعيَّة.

وعلى خلاف التَّطوُّر الكبير الذي تشهده كثيرٌ من البلدان المتقدِّمة في مجال التَّربية البيئيَّة والتَّربية من أجل التَّنمية المستدامة، فإنَّ هذا النَّمط من التَّربية ما يزال في مراحله الأولى في عددٍ من البلدان الأخرى، وقد يكون مهمَلًا أو محدود الحضور في بعضها.

وتشكو المناهج المدرسيَّة في كثيرٍ من البلدان النَّامية أو الأقلِّ تقدُّمًا نقصًا واضحًا في مجال التَّربية البيئيَّة والتَّربية من أجل التَّنمية المستدامة. وإذا وُجد هذا النَّوع من التَّربية فإنَّه يأتي في كثيرٍ من الأحيان بصورةٍ عرضيَّةٍ، ولا يمتلك التَّوازن المنهجيَّ أو العمق الاستراتيجيَّ والتَّكامليَّ المطلوب. وقد تظهر بعض المقرَّرات أو الموضوعات ذات الصِّلة ضمن نسيجٍ هامشيٍّ أو مجزَّأٍ لا يستند دائمًا إلى خططٍ تربويَّةٍ منهجيَّةٍ متكاملة، الأمر الذي يضعف فاعليَّتها التَّربويَّة في هذا الميدان.

والمتأمِّل في المسارات المنهجيَّة للتَّربية من أجل التَّنمية، ولا سيَّما في جانبها الاجتماعيِّ والحقوقيِّ، يجد أنَّ بعض الأنظمة التَّربويَّة ما تزال تتحفَّظ على إدخال مناهج تتعلَّق بحقوق الإنسان وقيم التَّسامح والسَّلام، نظرًا إلى ما قد تثيره مثل هذه الموضوعات من إشكاليَّاتٍ سياسيَّةٍ وثقافيَّةٍ مرتبطةٍ بطبيعة الأنظمة القائمة أو بدعاوى الخصوصيَّة الثَّقافيَّة. ويترتَّب على ذلك أنَّ التَّربية على التَّنمية، في بعض البيئات التَّعليميَّة، ما تزال خارج السِّياق الأكاديميِّ والمدرسيِّ والجامعيِّ بالمستوى الذي يتناسب مع أهمِّيَّتها.

وقد أطلعتنا تجربتنا التَّربويَّة الممتدَّة على أربعة عقودٍ في التَّعليم العالي على محدوديَّة حضور المقرَّرات الخاصَّة بالتَّنمية المستدامة والتَّربية البيئيَّة والتَّربية على حقوق الإنسان في عددٍ من المؤسَّسات الأكاديميَّة العربيَّة.  ويترتَّب على هذا الغياب ضعفٌ في حضور الثَّقافة الإنسانيَّة التي تتمثَّل في منظومة العلاقات القائمة بين الإنسان والإنسان من جهة، وبين الإنسان والطَّبيعة من جهةٍ أخرى.

ولاحظنا، من خلال تجربتنا التَّربويَّة في عددٍ من الجامعات العربيَّة، محدوديَّةً واضحةً في ثقافة التَّنمية والتَّربية من أجل التَّنمية المستدامة، ولا سيَّما في كلِّيَّات التَّربية التي ينبغي أن تكون معنيَّةً بصورةٍ جوهريَّةٍ بإنتاج هذا النَّمط من التَّفكير التَّنمويِّ، وترسيخه ثقافةً ومعرفةً وفلسفةً في المؤسَّسات التَّعليميَّة.

وإذا كنَّا ندرك الأبعاد السِّياسيَّة والثَّقافيَّة التي قد تقف وراء ضعف حضور بعض قضايا حقوق الإنسان والتَّنمية، فإنَّنا ما نزال على يقينٍ بأنَّ القصور في مجال التَّربية من أجل التَّنمية المستدامة يعكس جانبًا من أوجه التَّأخُّر الحضاريِّ والمعرفيِّ الذي تعانيه بعض مؤسَّساتنا التَّربويَّة والتَّعليميَّة.

ويتأسَّس على هذا الغياب النِّسبيِّ لمفاهيم التَّنمية والتَّربية من أجل التَّنمية المستدامة، في المستويات السِّياسيَّة والاجتماعيَّة والأكاديميَّة، قصورٌ في الوعي التَّنمويِّ المعاصر قد يشمل قطاعاتٍ واسعةً من المجتمع، بما في ذلك بعض طلبة الجامعات وأساتذتها والعاملين فيها.

وبإمكان من يتابع الوضع الثَّقافيَّ في الجامعات العربيَّة أن يلاحظ محدوديَّة حضور ثقافة التَّنمية والتَّربية من أجل التَّنمية المستدامة قياسًا إلى الأهمِّيَّة الكبيرة التي أصبحت تتمتَّع بها هذه القضايا في عالم اليوم، بوصفها مرتبطةً بمستقبل الحياة الإنسانيَّة على الأرض.

ويمثِّل غياب الوعي بقضايا التَّنمية ومشكلاتها تحدِّيًا تربويًّا وإنسانيًّا كبيرًا. وليس أخطر من أن تفتقر الثَّقافة والمعرفة إلى هذا المجال الحيويِّ، لأنَّ الوعي التَّنمويَّ أصبح اليوم ضرورةً تاريخيَّةً لتحقيق التَّوازن بين الإنسان والوسط الحيويِّ الذي يقوم عليه وجوده.

وأظهرت متابعتنا لقضايا التَّنمية والتَّربية من أجل التَّنمية المستدامة أيضًا غيابًا نسبيًّا للفكر الاستراتيجيِّ في هذا المجال. فما كُتب عربيًّا عن العلاقة بين التَّربية والتَّنمية، ولا سيَّما التَّربية من أجل التَّنمية المستدامة، ما يزال أقلَّ من مستوى التَّحدِّيات المطروحة.

وحتّى عندما تحضر هذه القضايا في بعض الكتابات والدِّراسات، فإنَّ بعض المقاربات لا تتجاوز المستوى الخطابيَّ أو الأيديولوجيَّ، ولا تغوص بما يكفي في التَّطوُّرات الفكريَّة والعلميَّة الحقيقيَّة لهذا الميدان، الذي يشهد عالميًّا تطوُّرًا متسارعًا من النَّاحيتين النَّوعيَّة والكمِّيَّة. وتتمثَّل إحدى النَّتائج الطَّبيعيَّة لهذا الغياب المعرفيِّ في ضعف القدرة على مواجهة صورٍ متعدِّدةٍ من التَّلوُّث البيئيِّ والثَّقافيِّ والاجتماعيِّ. ويمكن ملاحظة ذلك أيضًا في بعض مظاهر انخفاض الوعي بحقوق الإنسان وانتشار التَّعصُّب في عددٍ من المجتمعات.

ويزخر المشهدان السِّياسيُّ والثَّقافيُّ في العالم العربيِّ بمؤشِّراتٍ على استمرار أشكالٍ من التَّعصُّب والعنصريَّة، في مقابل محدوديَّة حضور الفكر المرتبط بحقوق الإنسان وحرِّيَّاته. ويرتبط جانبٌ من هذه الظَّواهر بضعف الثَّقافة التَّنمويَّة بمعناها الإنسانيِّ الواسع، وهي الثَّقافة التي تُعنى بالإنسان وحقوقه وكرامته بقدر عنايتها بالطَّبيعة ومواردها.

ويمكن القول إنَّنا اليوم أحوج ما نكون إلى الاهتمام بهذا المجال الحيويِّ في حياتنا الثَّقافيَّة والفكريَّة العربيَّة، وإلى بناء ثقافةٍ تربويَّةٍ تنمويَّةٍ حقيقيَّةٍ تؤسِّس لجيلٍ واعٍ بأهمِّيَّة التَّنمية المستدامة وضرورتها التَّاريخيَّة.

لقد أصبحت التَّنمية المستدامة والتَّربية من أجلها فلسفةَ حياةٍ ووجود، وهي تمتدُّ اليوم لتشمل مختلف مناحي التَّفكير والبحث والتَّأمُّل في قضايا الحياة والوجود والمصير. وهذا يعني أنَّ غياب مثل هذه الفلسفة يشكِّل تهديدًا للثَّقافة والمعرفة الإنسانيَّة، ويضعف قدرة المجتمعات على التَّعامل العقلانيِّ مع التَّحدِّيات التي تواجهها.

ومن هذا المنطلق، وتأسيسًا على إيماننا العميق بأهمِّيَّة الوعي التَّربويِّ التَّنمويِّ وضرورته التَّاريخيَّة في النُّهوض الحضاريِّ بمجتمعاتنا العربيَّة ومؤسَّساتنا الأكاديميَّة، تأتي هذه المقالة مساهمةً في الكشف عن بعض أصول التَّربية من أجل التَّنمية، وتتبع مناحيها وتحليل معطياتها في ضوء رؤيةٍ فلسفيَّةٍ ومنهجيَّة.

وقد تبين لنا من خلال من خلال بحوثٍ ودراساتٍ على امتداد فترةٍ زمنيَّةٍ طويلة، أنَّ مسألة التَّربية والتَّنمية والعلاقة بينهما أخذت تكتسب طابعًا معرفيًّا ودوليًّا متصاعدًا في الأهمِّيَّة، وأنَّ هذا المجال العلميَّ الذي لا يزال محدود الحضور في بعض مناهجنا يتَّسم بدرجةٍ كبيرةٍ من الصُّعوبة والتَّعقيد.  ويزداد هذا التَّعقيد عندما تُتناول القضيَّة من زاويةٍ تربويَّة، لأنَّ التَّداخل بين التَّربية والتَّنمية أصبح في عصرنا حقيقةً معرفيَّةً لا يمكن تجاوزها. وكيف يمكن أن يكون الأمر غير ذلك ومصير الإنسانيَّة يرتبط، إلى حدٍّ بعيد، بمدى وعي الإنسان وقدرته على ضبط إيقاع العلاقة الحيويَّة بينه وبين معطيات الحياة والوجود؟ والحقيقة الجوهريَّة التي ينبغي التَّذكير بها والتَّشديد عليها هي أنَّ الوعي بالبيئة يمثِّل، في جوهره، وعيًا بالوجود والمصير.

وتشير اتِّجاهاتٌ حديثةٌ في مجال التَّربية من أجل التَّنمية المستدامة إلى أنَّ الأنظمة التَّربويَّة لم تعد قادرةً على مواكبة تحدِّيات التَّنمية بالاعتماد على نقل المعرفة وحده، بل أصبحت مطالبةً بالانتقال من التَّركيز على المعرفة المجرَّدة إلى الجمع بين المعرفة والفعل والممارسة. فالتَّربية من أجل التَّنمية المستدامة لم تعد مجرَّد صورةٍ من صور الوعي النَّظريِّ الجامد، بل ينبغي أن تكون ممارسةً فكريَّةً وثقافيَّةً وسلوكيَّةً حيَّةً في الواقع اليوميِّ.

وهذا يعني أنَّ على الأنظمة التَّربويَّة أن تستنفر طاقاتها لتشكيل وعيٍ عميقٍ بالتَّحدِّيات التَّنمويَّة، وأن تعمل في الوقت نفسه على تحويل هذا الوعي إلى ممارسةٍ فعليَّةٍ في حياة الأفراد والجماعات.  وهذا ما يمكن أن نطلق عليه الوعي الوجوديَّ بالمصير؛ أي الوعي بأهمِّيَّة التَّنمية المستدامة بوصفها حضورًا في الحياة وفلسفةً في النَّظر إلى المستقبل.

وقد حقَّق المجال المعرفيُّ الذي يُعنى بالعلاقة بين التَّربية والتَّنمية تطوُّرًا كبيرًا في البلدان المتقدِّمة، وكذلك في كثيرٍ من البلدان الآخذة بأسباب التَّقدُّم والسَّائرة في طريق النُّموِّ.  وسجَّلت المناهج التَّربويَّة في ميدان التَّربية من أجل التَّنمية المستدامة تقدُّمًا ملحوظًا، كما شهدت الدِّراسات والبحوث والأدبيَّات المتخصِّصة نموًّا كبيرًا في هذا الميدان.

ويُضاف إلى ذلك الاهتمام المتزايد للمجتمع الدَّوليِّ بتطوير العمل التَّربويِّ وتنمية منهجيَّاته في مجال التَّربية من أجل التَّنمية المستدامة.  كما تشهد مجتمعاتٌ كثيرةٌ نموًّا في أعداد الجمعيَّات والمؤسَّسات والمراكز العلميَّة والثَّقافيَّة النَّاشطة في مجال تنمية الوعي بالتَّنمية المستدامة وترسيخه في السُّلوك الإنسانيِّ.

ومن يتأمَّل التَّطوُّر الحاصل في بعض هذه البلدان يجد أنَّ الوعي البيئيَّ والتَّنمويَّ بلغ مستوياتٍ متقدِّمةً نسبيًّا، وأنَّ بعض أنماط السُّلوك الاجتماعيِّ أخذت تتشكَّل وفق منطقٍ أكثر مراعاةً للبيئة والاستدامة في المجالات الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة. وليس غريبًا في هذا السِّياق أن نرى ما حقَّقه التَّعليم في مرحلة الطُّفولة المبكِّرة ورياض الأطفال من تطوُّرٍ تربويٍّ في مجال ترسيخ الوعي والسُّلوك البيئيِّ والتَّنمويِّ لدى الأطفال والنَّاشئة.

وعلى خلاف هذه الصُّورة المتقدِّمة في بعض المجتمعات، تبدو الصُّورة أقلَّ إشراقًا في عددٍ من مجتمعاتنا ومؤسَّساتنا التَّربويَّة العربيَّة، التي تعاني قصورًا منهجيًّا ومعرفيًّا في مجالاتٍ متعدِّدة. ويتجلَّى جانبٌ من هذا القصور في مجال التَّنمية والتَّربية من أجل التَّنمية المستدامة، حيث ما يزال الحضور محدودًا بالمقارنة مع حجم التَّحدِّيات. ويرتبط ذلك بعوامل متنوِّعة تتَّصل بالتَّطوُّر السِّياسيِّ والاجتماعيِّ وبالبنية الثَّقافيَّة في مجتمعاتنا العربيَّة.

ويمكن القول بوجود ضعفٍ واضحٍ في ثقافة التَّربية من أجل التَّنمية في عددٍ من مؤسَّساتنا التَّربويَّة، وإذا حضرت هذه الثَّقافة فإنَّ حضورها يكون أحيانًا باهتًا ومنفصلًا عن سياقٍ فلسفيٍّ وحضاريٍّ متكامل، وقد يقتصر على معرفةٍ نظريَّةٍ تعتمد على الحفظ والاستظهار أكثر ممَّا تعتمد على الممارسة والفعل.  أمَّا في المستوى الأكاديميِّ، فلا تزال كلِّيَّات التَّربية في حاجةٍ أكيدةٍ إلى تطوير العمل العلميِّ في ميدان التَّربية من أجل التَّنمية والتَّنمية المستدامة.  وهي معنيَّةٌ اليوم أكثر من أيِّ وقتٍ مضى بتعزيز الفاعليَّة التَّربويَّة في هذا المجال تأليفًا ونشرًا وبحثًا وممارسةً وتوعيةً.

وقد حان الوقت لمعالجة أوجه النَّقص في مقرَّرات التَّنمية والتَّربية من أجل التَّنمية المستدامة، والعمل بجدٍّ على إعادة تشكيل العقل التَّربويِّ العربيِّ أكاديميًّا ومعرفيًّا، بما يمكِّنه من التَّجاوب مع قضايا التَّربية والتَّنمية انطلاقًا من فلسفةٍ إنسانيَّةٍ تتفاعل مع تحدِّيات المصير.

فنحن نعيش في عالمٍ يواجه تحدِّياتٍ خطيرةً تتَّصل بالتَّلوُّث والتَّغيُّر المناخيِّ والحروب والفقر والفاقة والاستنزاف المنظَّم للموارد الطَّبيعيَّة، وهي تحدِّياتٌ تجعل قضيَّة التَّنمية المستدامة واحدةً من أكثر قضايا العصر إلحاحًا.  ونأمل أن تشكِّل هذه التَّحدِّيات والهواجس المتعلِّقة بالمصير الإنسانيِّ بواعثَ فكريَّةً تحضُّ على العمل والدِّراسة والتَّفكير في هذا الميدان الخصب الذي يحتضن التَّفاعل العميق بين الإنسان والوجود.  وقد تكون هذه الهواجس حافزًا على الخوض في هذه المسألة بقدرٍ أكبر من الجدِّيَّة والمصداقيَّة والنُّزوع إلى البحث المعمَّق.

وعلينا، نحن المربِّين والباحثين وعلماء الاجتماع، أن نتناول هذه القضيَّة اليوم تناولًا منهجيًّا وفلسفيًّا يراعي الأبعاد الاجتماعيَّة والثَّقافيَّة والاقتصاديَّة لقضايا التَّنمية والتَّربية، وأن نعمل على تقديم رؤيةٍ موضوعيَّةٍ ومتجدِّدةٍ للعلاقة بينهما، تأكيدًا للدَّور المحوريِّ الذي تستطيع التَّربية أن تؤدِّيه في بناء ثقافة التَّنمية المستدامة، وفي المحافظة على الإنسان والطَّبيعة والوجود.

***

علي أسعد وطفة

جامعة الكويت كلية التربية

في المثقف اليوم