عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام فكرية

منذ أن صاغ بارمنيد حكمه الشهير: «الوجود هو، واللاوجود ليس»، ارتبط جانب واسع من الميتافيزيقا الغربية بأولوية الحضور، حتى غدا العدم موضع حذر فلسفي، وكأن التفكير فيه يهدد انتظام العقل نفسه. غير أن إقصاء العدم لم يؤدِّ إلى اختفائه؛ فقد ظل كامنا في بنية القول، وفي حدود المفهوم، وفي كل حضور يستدعي غيابا يحدده. فالكلمة تنبثق من صمت، والصورة تظهر داخل خلفية، والهوية لا تتعين إلا عبر ما تستبعده أو تؤجله. من هنا يمكن النظر إلى العدم بوصفه شرطا للانكشاف: فراغا يتيح للحضور أن يظهر، ومسافة تمنح الوجود إمكان التعيّن.

مع هايدغر اكتسب سؤال العدم منزلة أنطولوجية جديدة. فالعدم عنده يفتح المجال للسؤال عن الموجود في مجموعه، ويكشف هشاشة الاعتياد الذي يجعل الأشياء تبدو مكتفية بحضورها. وفي تجربة القلق تتراجع شبكة الدلالات اليومية، فتظهر الكينونة من جهة إمكان انسحابها. لذلك يغدو العدم حدثا يكشف، لا موضوعا يقف إلى جانب الموجودات. إن حضوره يتجلى في الانسحاب نفسه، وفي تلك الفجوة التي تسمح للإنسان بأن يختبر الوجود خارج بداهته المعتادة.

أما نيتشه، فيدخل إلى العدم من بوابة أزمة القيم. فالعدمية لديه تظهر حين تفقد القيم العليا قوتها الملزمة، وحين تنكشف الأسس الميتافيزيقية التي كانت تمنح العالم غايته ووحدته. غير أن نيتشه يميز بين عدمية خاملة تستسلم لفقدان المعنى، وعدمية فعالة تمتلك قدرة هدم القيم المتصلبة تمهيدا لتجاوزها. ومن هنا تتشكل فكرة «العدم الفعال» بوصفها حركة نفي تفتح إمكان الخلق. الهدم هنا وظيفة انتقالية: يزيل ما استنفد قدرته على الحياة، ويهيئ مجالا لإعادة تقويم القيم وتوليد صور جديدة للوجود.

 تتحول السلبية عند نيتشه إلى طاقة. فموت القيمة القديمة لا يترك وراءه مجرد فراغ، وإنما يكشف مجالا كانت تلك القيمة تحجبه. وكل سقوط لمركز ثابت يحرر قوى كانت محكومة بمنظومة من الغايات المتعالية. لذلك يرتبط العدم الفعال بإرادة قادرة على المرور عبر الانهيار من غير أن تجعل منه مسكنا أخيرا. إنه لحظة عبور بين عالم فقد سلطته وعالم لم يتحدد بعد، لحظة يكتسب فيها الفراغ وظيفة إنشائية، لأن ما ينفتح بعد التحطيم أوسع من البنية التي تحطمت.

في الجهة الأخرى من المقارنة يقف ناغارجونا، صاحب أكثر الصياغات راديكالية لمفهوم «الشونياتا» أو الفراغ في فلسفة المادهياماكا. الفراغ عنده لا يعني انعدام الأشياء، وإنما يعني خلوها من طبيعة ذاتية مستقلة وثابتة. كل ما يظهر ينشأ اعتمادا على شروط وعلاقات وأسباب؛ ومن ثم لا يمكن العثور على ماهية قائمة بذاتها وراء شبكة الاعتماد المتبادل. الصيغة الشهيرة التي تربط النشوء الاعتمادي بالفراغ تضعنا أمام انقلاب في التفكير الأنطولوجي: الكائن لا يكتسب حقيقته من جوهر مغلق، وإنما من ترابطه، ومن تاريخ شروطه، ومن قابلية صورته للتحول.

هنا يختلف ناغارجونا عن كل تصور عدمي يساوي الفراغ باللاوجود. فالفراغ نفسه فارغ؛ أي إنه لا يتحول إلى جوهر ميتافيزيقي جديد. وإذا جعلناه حقيقة مطلقة قائمة وراء الأشياء فقد أعدنا إنتاج المشكلة التي جاء مفهوم الفراغ لتفكيكها. الطريق الأوسط يتجنب تثبيت الوجود وتثبيت العدم معا، ويضع الفكر داخل حركة تعتمد فيها الأشياء على غيرها من دون أن تمتلك أساسا نهائيا خارج تلك العلاقات. وبهذا تغدو الحقيقة أقرب إلى بنية تداولية وعلائقية، ويغدو الكائن حدثا مشروطا أكثر من كونه كتلة مكتفية بنفسها.

من نيتشه إلى ناغارجونا يمكن رسم خط مقارن يقوم على «السلب الخلاق»، مع ضرورة الحفاظ على الفارق بين المشروعين. نيتشه ينطلق من أزمة القيم الأوروبية ومن سؤال تجاوز العدمية، في حين ينطلق ناغارجونا من نقد التعلق بالمقولات الجوهرية ومن تحليل النشوء الاعتمادي. لدى نيتشه تعمل السلبية كقوة تاريخية وقيمية تفتح مجال إعادة التقويم؛ ولدى ناغارجونا يعمل الفراغ كأداة تفكيك تحرر الفكر من أوهام الاستقلال والثبات. نقطة التقاطع تقع في مقاومة الجوهر، وفي رفض تحويل الهوية إلى مركز مكتف بذاته، وفي رؤية الصيرورة والعلاقة باعتبارهما أكثر خصوبة من الثبات.

ومن هذا المنظور يمكن إعادة تعريف «العدم الفعال» خارج ثنائية الوجود واللاوجود. فهو اسم لحركة تجعل النقص مولدا، والانقطاع منتجا، والفراغ شرطا لظهور صورة جديدة. العدم هنا لا يقيم وراء العالم، ولا يشكل مادة خفية تحته؛ إنه وظيفة تظهر كلما تحررت البنية من اكتمالها المتوهم. فالمعنى يحتاج إلى مسافة، والهوية تحتاج إلى قابلية للمراجعة، والفكر يحتاج إلى فجوة تفصله عن يقين سابق حتى يستطيع أن يولد من جديد.

هذا التصور يفتح بابا للحوار مع علوم الأعصاب، شريطة ألا تتحول المقارنة الفلسفية إلى مساواة تجريبية. الدماغ في حالات الراحة اليقظة لا يدخل حالة انطفاء؛ إذ تستمر شبكات عديدة في العمل، وفي مقدمتها شبكة الوضع الافتراضي التي ترتبط، في سياقات مختلفة، بالتفكير المرجعي إلى الذات، واستدعاء الذاكرة الذاتية، وتخيل المستقبل، والتنقل بين محتويات داخلية. كما أن فترات انخفاض الانشغال بمهمة خارجية قد تتيح إعادة تركيب الخبرة وربط عناصر متباعدة. لذلك يمكن استخدام «الفراغ العصبي» مجازا للإشارة إلى المساحات التي يخف فيها ضغط المهمة المباشرة، فتظهر إمكانات للدمج وإعادة التنظيم.

وتكشف أبحاث الذاكرة والتعلم صورة أكثر دقة لهذه الدينامية. فالتعلم لا يقوم على إضافة وحدات معلومات إلى مخزن ثابت، وإنما يصاحبه تعديل مستمر في أنماط الاتصال والتمثيل، وتدخل فيه عمليات التثبيت وإعادة التثبيت والاسترجاع وإعادة البناء. والذاكرة نفسها عملية بنائية تتغير مع الاستدعاء والسياق. من هنا يكتسب النسيان وظيفة إيجابية أيضا؛ إذ يساعد على الانتقاء، ويمنع النظام المعرفي من التحول إلى تراكم غير قابل للإدارة، ويفسح مجالا للتعميم والتحديث. النقص المعرفي، بهذا المعنى، يشارك في صنع المرونة.

عند هذه النقطة تظهر صلة فلسفية مهمة: الوعي لا يتكون من تدفق متجانس ممتلئ في كل لحظة. الانتباه انتقائي، والإدراك قائم على ترجيح إشارات واستبعاد أخرى، والذاكرة تحتفظ وتعيد الصياغة وتمحو. كل حضور واع ينهض على خلفية واسعة من غير الملحوظ وغير المستدعى. لذلك يمكن تصور الوعي كتنظيم للفجوات بقدر ما هو تنظيم للمحتويات. ما يظهر في البؤرة يستند إلى ما بقي في الهامش، وما نتذكره يتحدد أيضا بما لم نستحضره، وما نقوله يستمد إيقاعه من الصمت الذي يفصل الجمل والدلالات.

أما المقارنة مع الفيزياء الكمومية فتحتاج إلى احتراز مماثل. الفراغ في نظرية الحقول الكمومية لا يساوي عدما فلسفيا مطلقا؛ إنه الحالة القاعية للحقل، وله بنية فيزيائية وتأثيرات قابلة للحساب، وترتبط به تقلبات كمية وظواهر معروفة ضمن أطر محددة. لذلك تصلح صورة الفراغ الكمومي كاستعارة فلسفية لفراغ غني بالإمكان، مع الامتناع عن تحويلها إلى برهان على أن الوعي كمومي أو أن الأفكار تنشأ بالطريقة نفسها التي توصف بها الإثارات الحقلية. قيمة المقارنة هنا تأويلية: كلا المجالين يدفعنا إلى الحذر من مساواة الفراغ بالخواء البسيط.

بذلك يتحول «العدم الفعال» إلى مبدأ إجرائي أكثر من كونه مادة كونية. في الفيزياء يذكرنا بأن الفراغ الفيزيائي قد يمتلك بنية، وفي علوم الأعصاب يذكرنا بأن غياب المهمة المباشرة لا يساوي غياب النشاط، وفي الفلسفة يكشف أن النفي قد يفتح أفقا لإعادة التكوين. وما يجمع هذه المستويات هو تشابه في البنية، لا هوية في الآلية. الفارق هنا جوهري؛ لأن المحافظة عليه تمنح المقارنة قوتها، وتحميها من القفز من المجاز إلى الادعاء التجريبي.

ويصبح للغة موقع مركزي داخل هذه الأنطولوجيا. فاللغة تمنح الأشياء أسماء وحدودا، ومع ذلك تظل الدلالة أوسع من اللفظ المفرد. كل علامة تحيل إلى غيرها، وكل معنى يتحدد داخل شبكة من الفروق والاستعمالات والسياقات. ومن ثم تنشأ الذات اللغوية داخل مجال لا تملكه بالكامل. ويمكن استحضار لاكان هنا من جهة أن الذات تتشكل عبر نظام الدوال، وتظهر في الانقسام الذي يمنعها من التطابق التام مع صورتها أو خطابها. هذه الفجوة لا تمحو الذات؛ إنها تفسح مجال الرغبة والتأويل والتحول.

من هذه الزاوية يلتقي ناغارجونا والتحليل اللغوي الحديث في الحذر من تحويل الاسم إلى جوهر. تسمية الشيء لا تمنحه استقلالا أنطولوجيا، وصياغة مفهوم عن الذات لا تحولها إلى كيان ثابت. اللغة مفيدة لأنها تقطع العالم إلى وحدات قابلة للتداول، وخطورتها تظهر حين ننسى طابع هذا القطع ونحسب الحدود اللغوية حدودا نهائية في الواقع. الفراغ هنا يحررنا من عبودية الاسم: يمنحنا القدرة على استعمال المفاهيم من دون تقديسها، وعلى التفكير عبرها مع إبقاء باب المراجعة مفتوحا.

وحين تتغير صورة الكينونة من الجوهر إلى العلاقة تتغير الأخلاق أيضا. فالاعتماد المتبادل عند ناغارجونا يحمل نتيجة عملية واضحة: إدراك هشاشة استقلال الذات يوسع مجال الرحمة، لأن ألم الآخر يظهر داخل شبكة الشروط التي تشارك الذات نفسها فيها. الرحمة هنا تنبع من رؤية علائقية للعالم، ومن فهم أن الذات والآخر يتكونان داخل تشابك من الأسباب والتاريخ واللغة والجسد. إنها ممارسة تقلل صلابة الحدود التي تجعل الفرد يتخيل نفسه جزيرة مغلقة.

عند نيتشه تبدو المسألة مختلفة. فمشروعه الأخلاقي لا يقوم على الرحمة البوذية، وقد وجه نقدا حادا إلى صور من الشفقة حين رأى فيها تكريسا للضعف أو مضاعفة للألم. ومع ذلك يمكن العثور على نقطة مقارنة في فكرة تجاوز الذات. إرادة القوة، في أكثر قراءاتها خصوبة، قدرة على تشكيل الذات وتحويلها وتجاوز صورها المستنفدة، لا مجرد سيطرة على الآخرين. وعند هذه النقطة يمكن أن يلتقي الإبداع النيتشوي مع الفراغ الناغارجوني في كسر وهم الهوية المكتملة، مع بقاء التباعد بينهما في المقاصد الأخلاقية والميتافيزيقية.

لذلك ينبغي ألا نذيب الفرق بين الرحمة والإرادة في صيغة واحدة. الرحمة عند التقليد البوذي تتجه إلى تخفيف المعاناة انطلاقا من فهم الاعتماد المتبادل، أما نيتشه فيتجه إلى إعادة تقويم القيم وإنتاج أنماط أقوى من الحياة. ومع ذلك يقدمان، كل بطريقته، نقدا للذات المغلقة: الأول يحل استقلالها داخل شبكة العلاقات، والثاني يدفعها إلى تجاوز شكلها الراهن. ومن هذا التقاطع يمكن صياغة «أخلاق للانفتاح» ترى أن القيمة تظهر حين تظل الذات قابلة للتحول وقادرة على استقبال ما يتجاوز صورتها الحالية.

هنا تبرز فكرة الضيافة بوصفها امتدادا تأويليا للعدم الفعال. الضيافة تحتاج إلى مساحة خالية من الامتلاك الكامل، لأن استقبال الآخر يفترض أن تتراجع الذات خطوة عن مركزها. لذلك يصبح الفراغ أخلاقيا حين يتحول إلى قدرة على إفساح المجال: للآخر، وللمستقبل، وللتجربة التي لا تنسجم مسبقا مع تصوراتنا. الخير، وفق هذا الأفق، يتصل بمرونة العلاقة وبالقدرة على منع المركز من احتكار المعنى. والشر يمكن فهمه كنوع من الانغلاق؛ تصلب في هوية ترفض التبادل، أو قوة تمنع غيرها من إمكان الظهور.

ولعلوم الأعصاب هنا إسهام محدود ومهم في الوقت نفسه. التعاطف والرحمة يرتبطان بشبكات موزعة تشمل مناطق تشارك في معالجة الحالة الجسدية والانفعالية، وتمثيل حالات الآخرين، والتنظيم المعرفي والانفعالي. ولا يمكن اختزال الأخلاق في منطقة دماغية واحدة أو دائرة ثابتة. الأهم أن الممارسة والخبرة والتعلم تؤثر في طرائق الاستجابة. وهذا ينسجم مع تصور أخلاقي يرى الذات بنية قابلة للتشكيل عبر العلاقة، من دون تحويل القيمة إلى مجرد إفراز عصبي.

يمتد العدم الفعال أيضا إلى الجمال. فالعمل الفني يكتسب قوته من المصرح به ومن المتروك، من الحضور ومن المسافة، من الشكل ومن الفراغ المحيط به. في الموسيقى يؤدي الصمت وظيفة إيقاعية، وفي الشعر تصنع الوقفة جزءا من الدلالة، وفي الرسم يوجه الفراغ عين المتلقي مثلما توجهها الكتلة. الجمال هنا لا يقوم على الامتلاء التام؛ إنه انكشاف جزئي يحافظ على بقية لا تستنفد. ولهذا يبقى العمل العظيم قابلا لإعادة القراءة، لأن معناه لا ينغلق عند تأويل واحد.

ومن الجمال نصل إلى المعرفة. كل سؤال يبدأ من فراغ معرفي، وكل اكتشاف يفترض اعترافا بحد لم تفلح الأدوات السابقة في تجاوزه. الجهل، حين يعي حدوده، يتحول إلى طاقة منهجية. وتاريخ العلم نفسه يتحرك عبر أزمات تكشف قصور النماذج، ثم تفتح إمكان تعديلها أو استبدالها. بهذا المعنى يمكن فهم السلب بوصفه شرطا لإنتاج المعرفة: اعتراض، دحض، تعليق، إعادة صياغة. الفكر الذي لا يسمح بفجوة في يقينه يتحول إلى تكرار.

وهنا تتقاطع هذه الرؤية مع روح الإيبوخيه الفينومينولوجية، من دون أن تتطابق معها. تعليق الحكم يخلق مسافة بين الوعي وبداهاته، ويمنح الظاهرة فرصة أن تظهر على نحو مختلف. إن المعرفة تحتاج أحيانا إلى انسحاب مؤقت من التفسير الجاهز. هذه المسافة المعرفية تشبه «الفراغ المنهجي» الذي يوقف اندفاع المفهوم كي يعيد فحص شروطه. ومن هذا المنظور يصبح العدم الفعال ممارسة للفكر: قدرة على إخلاء موضع داخل البنية يسمح بظهور احتمال لم يكن مرئيا.

وعلى المستوى الوجودي، يمنح هذا التصور القلق معنى آخر. القلق لا يعود مجرد خوف من الفراغ؛ يمكن أن يصبح انكشافا على إمكان لم يتحدد. عندما تتفكك صورة مستقرة عن الذات يشعر الإنسان بفقدان المرجع، ومع ذلك ينفتح في اللحظة نفسها مجال لإعادة التشكيل. هنا يقترب العدم الفعال من خبرة التحول: موت جزئي لصورة كي تتكون صورة أخرى، وانسحاب معنى كي يتسع المجال لتأويل جديد. الحياة تستمر عبر عمليات من الفقد والتجدد، والجسد يحافظ على نفسه عبر تبدل دائم، والذاكرة تعمل عبر الحفظ والنسيان معا.

لهذا يمكن الحديث عن «أنطولوجيا الصمت». الصمت لا يمثل غياب الكلام وحده؛ إنه البنية التي تمنح الكلام إيقاعه وحدوده. والفكر العميق يحتاج إلى مسافات يتراجع فيها ضجيج الاستجابة الفورية حتى تظهر علاقات أبعد. غير أن الربط بين الصمت والتأمل وعمليات الدماغ يحتاج إلى لغة دقيقة: التجربة التأملية لا تعني توقف الخلايا العصبية، وإنما تغير أنماط الانتباه والتنظيم والمعالجة تبعا لنوع الممارسة والحالة. وبذلك يظل الصمت مفهوما ظاهراتيا وتأويليا، مع إمكان دراسة آثاره العصبية من دون اختزاله فيها.

أما الفناء في التجارب الصوفية فيقدم نموذجا آخر لتراجع مركزية الأنا. ويمكن وضعه في حوار مقارن مع الفراغ البوذي ومع نقد الذات الثابتة، مع الانتباه إلى الفروق العقدية والميتافيزيقية العميقة بين التقاليد. قيمة المقارنة تظهر في سؤال مشترك: ماذا يحدث للتجربة حين تفقد الأنا موقعها بوصفها المركز المطلق للمعنى؟ قد تفتح الإجابة أفقا يرى الذات حدثا علائقيا، يتكون باستمرار من الجسد والذاكرة واللغة والآخر والعالم.

ومن هنا يصبح الإنسان «كائنا ذا فراغ خلاق»: يحمل في تكوينه قدرة على ألا يطابق صورته الراهنة. هذه المسافة بين ما هو وما يمكن أن يصير إليه هي شرط الحرية والتعلم والإبداع. وإذا استعرنا لغة الاحتمال من الفيزياء على نحو مجازي، أمكن القول إن الهوية تحتفظ دائما بأكثر من مسار، وإن اللقاءات والقرارات والتجارب ترجح بعض المسارات وتغلق أخرى. غير أن الإنسان لا يساوي جسيمًا كموميا، والهوية لا تخضع حرفيا لمعادلات القياس الكمومي. الاستعارة هنا تساعد على تصور الانفتاح، ولا تمنحنا وصفا فيزيائيا للذات.

بهذه الصياغة يتراجع إغراء «العصبي–الكمومي» بوصفه دعوى عن طبيعة الوعي، ويحل مكانه حوار بين مستويات مختلفة: مستوى أنطولوجي يبحث في معنى الفراغ والجوهر، ومستوى عصبي يدرس ديناميات الانتباه والذاكرة والذات، ومستوى فيزيائي يصف خصائص الحقول وحالاتها القاعية، ومستوى أخلاقي يسأل عن العلاقة بالآخر. قوة مفهوم العدم الفعال تظهر حين يربط هذه المستويات عبر تشابهات محسوبة مع الاحتفاظ باستقلال كل حقل.

هنا يمكن العودة إلى نيتشه وناغارجونا. نيتشه يضع الفكر أمام انهيار القيم ويطالبه بأن يحول هذا الانهيار إلى قدرة على الخلق. وناغارجونا يضع الفكر أمام انهيار دعوى الجوهر ويطالبه بأن يرى العالم شبكة من النشوء الاعتمادي. الأول يحرر القيمة من ضمانها المتعالي، والثاني يحرر الحقيقة من التعلق بطبيعة ذاتية ثابتة. كلاهما يزعزع مركزا، ويفتح حركة، ويجعل السؤال أكثر أهمية من الاستقرار داخل جواب نهائي.

ومع ذلك، يبقى الاختلاف أساسيا. العدمية الفعالة عند نيتشه لحظة في تشخيص تاريخي وثقافي مرتبط بأوروبا الحديثة وبمصير القيم، أما الفراغ عند ناغارجونا فمفهوم تحليلي وسوتيريولوجي يرتبط بتحرير الوعي من التعلق وسوء الفهم. لذلك لا يصح رد أحدهما إلى الآخر. المقارنة الأكثر خصوبة تنظر إليهما كاستراتيجيتين مختلفتين لتفكيك الثبات: استراتيجية تمر عبر تجاوز القيم المنهارة، وأخرى تمر عبر كشف خواء الطبيعة الذاتية.

ومن هذا الفرق نفسه يولد مفهوم «العدم الفعال» بصيغته التأويلية: فضاء مفتوح يمنع الوجود من التجمد في جوهر، ويمنع المعنى من التحول إلى سلطة نهائية، ويمنع الذات من الانغلاق داخل هوية مكتملة. إنه اسم للحركة التي تجعل النفي منتجا حين يحرر، وتجعل الفراغ خصبا حين يفسح المجال، وتجعل الصمت دالا حين يمنح القول إيقاعه وحدوده.

الوجود لا يظهر ككتلة مكتفية، وإنما كنسيج من علاقات وتغيرات وحدود. كل كينونة تحمل تاريخ شروطها، وكل حضور يحمل أثر ما غاب عنه، وكل هوية تظل مفتوحة على ما يمكن أن تصبحه. وهنا يتحول العدم من خصم للوجود إلى حد داخلي يضمن حركته. الفناء، النسيان، الانقطاع، المسافة، الصمت، غياب اليقين؛ كلها أشكال مختلفة لفجوة تمنع العالم من التصلب داخل صورة نهائية.

ومن ثم يمكن القول إن العدم الفعال يشتغل في الفكر بصفته قدرة على فتح الإمكان. في نيتشه يظهر كقوة تتجاوز القيم التي فقدت حياتها. وفي ناغارجونا يظهر كفراغ يكشف اعتماد الأشياء بعضها على بعض. وفي الفينومينولوجيا يمكن أن يظهر كتعليق يحرر الظاهرة من أحكامها المسبقة. وفي علم الأعصاب يمكن أن تستعار صورته لفهم فترات الراحة وإعادة التنظيم والانتقاء والنسيان. وفي الفيزياء يمكن أن نجد مقابلا استعاريا في فراغ ذي بنية، مع الحفاظ على الفارق بين المفهوم الفلسفي والوصف العلمي.

وعندما يبلغ هذا التصور مداه الأخلاقي، يغدو الإنسان ضيفا في الكينونة أكثر من كونه مالكا لها. معنى الضيافة هنا أن الذات لا تستنفد العالم في منظورها، وأن الآخر يحتفظ بحق الظهور خارج توقعاتها، وأن الحقيقة نفسها تحتاج إلى فسحة تمنع امتلاكها بصورة نهائية. بهذا المعنى يصبح الفراغ شرطا للحرية: حرية العالم من أن يختزل في مفهوم، وحرية الآخر من أن يختزل في صورة، وحرية الذات من أن تحبس داخل ماضيها.

وفي الفن يصبح الفراغ شرطا للجمال، وفي المعرفة شرطا للسؤال، وفي الأخلاق شرطا للاستقبال، وفي الوجود شرطا للتحول. لذلك لا يعود العدم منطقة سوداء خلف الأشياء؛ يصبح المسافة التي تسمح لها بأن تتشكل وتتغير. وهذه المسافة لا تملك ماهية خاصة بها، لأنها تعمل كلما انفتح النظام على ما يتجاوزه.

 تكشف المقارنة بين نيتشه وناغارجونا عن إمكان التفكير في السلب خارج صورة الخراب. النفي قد يهدم، وقد يحرر. الفراغ قد يربك، وقد يفتح. فقدان المركز قد يثير القلق، وقد يمنح العالم تعددا أوسع. ومن هنا تنشأ فلسفة للخلق لا تبدأ من الامتلاء، وإنما من قابلية البنية لأن تترك مكانا لما لم يظهر بعد.

العدم الفعال لا يمثل أصلا خفيا للعالم ولا قانونا فيزيائيا شاملا. إنه مفهوم تأويلي يجمع سلسلة من الخبرات والبنى: انهيار القيمة، تفكك الجوهر، تعليق الحكم، صمت اللغة، مرونة الذاكرة، إمكان التحول، وانفتاح العلاقة. قوته تأتي من قدرته على وصف لحظة يصبح فيها الغياب منتجا، ويغدو النقص شرطا لولادة صورة أخرى.

هكذا يلتقي نيتشه وناغارجونا في نقطة دقيقة: الوجود يختنق حين يغلق على نفسه، ويستعيد حركته حين تتشقق دعوى الاكتمال. عند نيتشه تفتح الشقوق أفق إعادة تقويم القيم، وعند ناغارجونا تكشف أن الأشياء قامت منذ البداية داخل اعتماد متبادل. وفي الحالتين، تتراجع سطوة الجوهر لصالح الحركة، وتتحول الهوية من امتلاك إلى عبور.

الوعي نفسه يمكن قراءته كحدث يتكون من حضور وغياب، من انتباه وإهمال، من ذاكرة ونسيان، من قول وصمت. لا يحتاج هذا التصور إلى افتراض جوهر كمومي للوعي، ولا إلى تحويل المجاز إلى معادلة فيزيائية. يكفي أن ندرك أن تجربة الإنسان تتشكل عبر الفجوات بقدر تشكلها عبر المحتويات، وأن قابليته للتغير تنبع من عدم اكتماله.

وعند هذه النقطة يبلغ «العدم الفعال» معناه الأعمق: إنه الفراغ الذي يمنح الوجود فسحة، والنفي الذي يحرر المعنى من التصلب، والصمت الذي يسمح للكلمة أن تسمع نفسها، والمسافة التي تجعل الآخر قابلا للاستقبال. إنه حركة تذكّر الفكر بأن كل صورة مؤقتة، وكل مركز قابل للإزاحة، وكل حقيقة تحتاج إلى أفق مفتوح.

إن الوجود لا يعرف فقط بما يحضر فيه؛ يعرف كذلك بما يتركه مفتوحا. والمعنى لا يكتمل بما يقوله؛ يتشكل أيضا بما يؤجله. والإنسان لا يتحدد بما صار إليه وحده؛ يتحدد بقدرته على أن يتجاوز صورته الراهنة. لذلك يغدو العدم الفعال اسما لإمكان يتجدد داخل الكينونة: إمكان أن تنسحب صورة كي تظهر أخرى، وأن يصمت معنى كي يسمع معنى جديد، وأن يتراجع المركز كي يتسع العالم.

وفي هذا الاتساع يلتقي نيتشه وناغارجونا من غير أن يفقد أحدهما خصوصيته. الأول يعلمنا كيف يمكن عبور انهيار القيم نحو الخلق، والثاني يكشف كيف يحرر الفراغ الأشياء من وهم الجوهر. وبينهما يتشكل أفق فلسفي يرى الكينونة حدثا، والذات علاقة، والحقيقة حركة، والفراغ شرطا للانفتاح. عندها يصبح العدم طريقا إلى الإمكان، ويغدو الوجود قدرة متجددة على أن يبدأ من جديد.

***

عبد الله الهميلي

في حوار (الندوة) وهو من أشهر حوارات افلاطون، يقترح افلاطون ان الحب ليس البحث عن نصفك الآخر، وانما أفضل ما يوصف كسلّم للجمال والخير. لو سألتك يوما لماذا أحببت شخصا ما، ماذا ستقول؟ كيف ستعرّف الشعور بالحب؟ هذه هي مهمة الفيلسوف افلاطون في أحد حواراته السقراطية الأكثر حيوية وشعبية والذي كُتب حوالي 385 ق.م.

حوار الندوة يجمع بين الفيلسوف سقراط ومجموعة من الاثنيين البارزين في حفلة شرب يناقشون الايروس او الحب الرومانسي. النجم الرئيسي في الحوار، بالطبع، كان سقراط، لكن واحدا من بين العروض التي لا تُنسى جاء من الكاتب المسرحي الكوميدي ارستوفان الذي عرض رؤية سخيفة حول أصل الحب.

يعلن ارستوفان ان البشرية بدأت ككائنات ذات نبض مزدوج لها أربعة اذرع وأربعة سيقان ووجهان، ولكن في يوم ما تمادت الشرية في حريتها المفرطة وحاولت تسلّق جبل اولمبوس. الاله زيوس عاقبها بفصلها الى نصفين. بذلك نحن أصبحنا ضعفاء، ونتأثر بسرعة، وغير كاملين. يستنتج ارستوفان ان الحب يسعى للم شملنا مع نصفنا الآخر:

طبيعة الانسان كانت في الأصل واحدة وكنا كلا متكاملا، وان الرغبة والسعي نحو الكل تسمى الحب.

سقراط يواصل سرد ما تعلّمه حول الحب من المرأة الحكيمة ديوتيما Diotima في الحب والعديد من الأنواع الأخرى للمعرفة. تقول ديوتيما ان ارستيفون كان صائبا جزئيا: الحب يبحث بالفعل عن شيء ما. لكننا لا نبحث عن "نصف آخر". لا يوجد هناك رفيق او توأم روح يستكملنا، وهي استعارة شعرية تؤكد على التصورات الحديثة للحب الرومانسي.

بدلا من ذلك، وطبقا لديوتيما الحب يبحث عن حيازة الخير والجميل. نحن لا نرغب "الكمال" من خلال الحب حسب ديوتيما، وانما نسعى للتغلب على فنائنا. هذا هو الدافع اللاواعي خلف الحب: نحن نريد إطالة أعمارنا الفانية من خلال الخلق المستمر بعد رحيلنا.

المثال الواضح هنا هو الأطفال: من خلال الحب نحن ننجب وننتج حياة تستمر بعد رحيلنا. لكن ليس فقط من خلال الأطفال نحن ننقل جزءا من أنفسنا الى المستقبل، انما أيضا من خلال المساهمة في التاريخ والفن والشعر والعلم والاعمال العظيمة، مستلهمين الجمال والحب الذي يتردد صداه عبر العصور. نحن قد نتساءل ما علاقة الحب الرومانسي بالفن؟ والعلوم والحكمة وبتراكم المعرفة.

لهذا، لكي توسّع رؤيتنا، تعرض ديتوما مقياسها الشهير او سلّم الحب. من خلال تسلّق هذا السلّم، نحن ننطلق من فهم محدود في البداية لمفهوم الحب والجمال الى فهم معقد – بأمل تعميق وإثراء حياتنا الرومانسية.

سلّم الحب

تقول ديوتيما ان الحب في أول درجاته يبدأ برغبة ايروسية للفرد: نحن ننجذب الى جمال شخص ما. بعدها ننطلق الى نوع أوسع لجسم نجده جذابا فيزيقيا. لكننا يجب ان ندرك حالا، حسب ديوتيما، انه حتى عندما ننضج لتقييم كل أنواع الجمال الفيزيقي، فان الحب المرتكز فقط على جمال جسدي، والذي هو لا حصري ولا ابدي – محكوم عليه بان يكون سطحيا وعابرا.

وهكذا سيتطور فهمنا للحب. نحن نحرر أنفسنا من الانشغال المفرط بمظهر الأجساد الفردية، ونتسلق الى الدرجة القادمة على السلّم: تقدير الجمال في شخصية شخص ما او "روحه". هنا نحن ننجذب الى افراد ليس لأننا نجدهم جذابين جسديا، وانما لأننا نقيّم منْ هم. نحن نحب ليس فقط أجسامهم وتصرفاتهم وانما قيمهم وأهدافهم وطريقتهم في النظر الى العالم، واتجاههم في الحياة.

بالنسبة للعديد من الناس، هذه المرحلة من الصعود ربما تمثل إيذانا باكتمال قصة الحب. لو وجدنا شخصا ما ننجذب له جسديا وسايكولوجيا وعاطفيا، فما الذي نريده من الحب اكثر من هذا؟ يبدو هناك الكثير. ما يثير القلق، ان ديوتيما تشير الى اننا لم نصل بعد حتى الى منتصف الطريق. لأن الصفات الروحية ليست فريدة هي الأخرى: اذا كنا نقيّم الشفقة او الشجاعة او حس الدعابة الرائع، هذه الصفات يمكن العثور عليها في العديد من الناس. المحب المتميز يدرك انه لو أحببنا هذه الصفات، يجب ان نحب قوى اجتماعية أوسع مسؤولة عن غرس هذه الصفات في الثقافة. وهكذا نحن نصعد الى الدرجة القادمة: نوجّه أنظارنا من حب شخصيات معينة الى حب القوانين الفاضلة والمؤسسات.

اذا كنا نتبع ديوتيما صعودا في السلم حتى الان، هذا هو المكان الذي نبدأ فيه بحب القوانين والمؤسسات، لكن ديوتيما تدعونا ان نتسلق مرة اخرى من القوانين الفاضلة والمؤسسات الى حب العلوم وتأمّل "البحر الواسع للجمال" الذي هو الوجود، لنستمتع بعد ذلك "بحب الحكمة الذي لا حدود له"، حتى نصل في النهاية الى الآفاق المذهلة في الدرجة العليا من السلّم.

هذا ما يقودنا له سلم الحب الرومانسي حيث نجد النموذج الافلاطوني المتعالي للجمال ذاته. الجمال المطلق والابدي المنفصل، البسيط، والمستمر، الذي يُمنح - دون نقصان او زيادة او أي تغيير- الى الجمال المتنامي والمتلاشي لجميع الاشياء الأخرى.

نحن نرتقي من الرغبة الجنسية في الجمال الدنيوي الى الأعلى لكي نكون على اتصال بالأبدي: الجمال ذاته. وعندما لا نتصور "رموز" الجمال وانما الجمال ذاته، سوف نفهم جيدا ماذا يعني ان تكون جيدا. وهكذا، الحب هو سلّم للجمال والخير. نحن قد نظن ان رؤية ديوتيما للحب الرومانسي تقودنا في النهاية بعيدا عن العلاقات الفردية. الشخص المحب هو مجرد خطوة على طريق صعودنا نحو الأعلى للحب وحتى التكاثر من خلال مفاهيم مجردة مثل الحكمة. حسب ديوتيما، نحن نرغب "الولادة في جمال سواء كان جسم او روح" . كلما ارتقينا الى أعلى، كلما تخلصنا اكثر من ملوثات الاخلاق ومن كل ألوان الحياة البشرية وزخارفها الزائفة.

بعض الباحثين يقترح ان السلّم يعمّق ويثري حبنا للفرد. ديوتيما لم تطلب منا في أي لحظة ان نرفض أحباءنا، صعود السلم ببساطة يطوّر ما نقيّمه فيهم. ان درجات الجمال الحقيقي العليا الأكثر ثباتا تساعدنا على رؤية الشخص المحبوب وتقديره بشكل أفضل، فهو التجسيد الدنيوي لشكل متعال.

أين يتركنا سلم الحب؟ 

مهما كان التفسير الذي نقبل به لسلّم الحب، فان حوار الندوة يبقى حوارا رائعا يستحق التقدير. انه أشبه بقصة مغامرة سقراطية مليئة بالفكاهة والتشويق والعمق، ويقدم معنى حقيقيا للحياة والفكر في أثينا القديمة. ربما نعجب بتوسيع افلاطون لمفهوم الحب الى ما وراء الرغبة الجنسية الفردية. قد نجد أيضا  من المثير فكريا ربط افلاطون بين الحب الرومانسي وحبنا للفن والكتابة والموسيقا والنحت او المعرفة من أي نوع: الفعل هو ابداعي، ينقل أجزاء من أنفسنا الى المستقبل.

(فرويد استغل الى أقصى حد إشارة افلاطون الى هذه الدوافع اللاواعية التي تدفعنا بعيدا عن الموت. هذه الرغبة الحسية في الحياة والتكاثر في علاقاتنا الرومانسية واعمالنا الإبداعية).

ولكن قد نشكك أيضا في هذا الابتعاد المجرد عن الحب الجسدي الايروتيكي وكأنه شيء دنيء، وهذا التسلسل الهرمي الذي يفتقر بشكل متزايد الى الحيوية، والذي يفرضه افلاطون وديوتيما على الحب. بالنسبة لمفهوم الحب الرومانسي، هذه النظرة ليست بالضبط الأكثر حسنا ورومانسية. انظر، بالمقابل المنظور الذي قدمه ارسطو في نقاشه عن الصداقة. احد أعظم وأهم الإنجازات هي المشاركة في علاقات محبة. هناك قيمة هائلة في العلاقات ليس للدور الذي تلعبه في مخطط أسمى للتنوير الشخصي، وانما بسبب العلاقة نفسها، بكل ما فيها من إخفاقات وقيم فانية هنا على الأرض.

تلخيص

سلّم افلاطون في الحب هو استعارة فلسفية توضح كيف تتطور عواطف الشخص من انجذاب فيزيقي الى حب عميق للحكمة والحقيقة الأبدية. العرّافة ديوتيما توضح ان الحب يبدأ بالجسدي ثم يتسلق خطوة بعد أخرى صعودا الى الروحي والفكري. هذا الصعود يتم في ست مراحل:

1- الحب لجسم معين: انت تشعر بالانجذاب لشخص معين.

2- الحب لجمال جسدي عام: انت تدرك ان الجمال موجود في العديد من الاجسام، وليس فقط في جسم واحد.

3- الحب للروح والشخصية: تقدّر ما في قلب الشخص وقيمه اكثر من مظهره الخارجي.

4- الحب للقوانين والمؤسسات: تقدّر الجمال الموجود بالقواعد البشرية والمجتمعات والهياكل المشتركة.

5- الحب للمعرفة والعلوم: انت ترغب بالافكار المجردة، والتعلّم والفلسفة.

6- الحب لشكل الجمال ذاته: هنا تصل الى القمة وتشعر بالحكمة والجمال الخالص والابدي والغير متغير.

***

حاتم حميد محسن

قراءة نقدية في تآزر رأس المال والاستبداد الديني

من الاغتراب الإنساني إلى التفكيك المادي

تُعد ظاهرة التشيؤ إحدى أكثر المعضلات الفلسفية والاجتماعية تعقيدًا في مسار الفلسفة النقدية؛ إذ تمثل اللحظة المادية الحاسمة التي يتحول فيها الكائن الإنساني وعلاقاته الاجتماعية من ذوات حرة فاعلة إلى موضوعات وأدوات صلبة قابلة للقياس والتكميم والتبادل التجاري. يستند التطور المفاهيمي للتشيؤ إلى التمييز الصارم بينه وبين مفهوم الاغتراب؛ فبينما يشير الاغتراب إلى حالة الشقاق الوجودي والوجداني بين الإنسان وذاته، أو بينه وبين ثمرة عمله ومجتمعه، فإن التشيؤ يمثل العملية التاريخية والمادية التي تمنح هذا الاغتراب جسدًا موضوعيًا ملموسًا عبر عبادة السلعة وإخضاع الحياة اليومية لقوانين السوق التبادلية الصرفة.

صاغ الفكر النقدي المبكر النواة الأولى لهذا التحليل حين بيّن أن النظام الرأسمالي يفصل الصانع عن ثمرة إنتاجه وعن العملية الإنتاجية برمتها. وتحت وطأة قوانين التبادل، تنفصل السلع عن منتجيها وتكتسب سلطة شبيهة بسلطة "الكائن الحي المستقل" الذي يتحكم في مصائر البشر، بينما ينحدر الكائن الإنساني إلى مجرد أداة تشغيلية أو سلعة تُباع وتُشترى في سوق العمل، وهو ما يظهر الحقيقة القائلة بأن انخفاض قيمة العالم الإنساني يتناسب طردًا مع التزايد المطلق لقيمة عالم الأشياء والمقتنيات.

تحولات الهيمنة: من القهر الجسدي إلى الاستعباد الطوعي

يكشف التحليل الفلسفي لمسارات السيطرة عن انزياح تاريخي مفصلي، تحولت فيه السلطة من آليات "العبودية القسرية الصريحة" إلى "الاستعباد الطوعي". تأسس نموذج القهر المباشر تاريخيًا على المواجهة مع الموت؛ حيث يفرض الطرف المهيمن سطوته عبر العنف الجسدي الصريح والترهيب، فيتحول الخاضع إلى أداة منزوعة الإرادة. ومع ذلك، كان هذا النموذج التقليدي يحمل بذور تفكيكه الذاتي؛ فالإنسان الخاضع، عبر اتصاله المباشر بالعمل وتغيير المادة، يظل محتفظًا بقدرته على الوعي بذاته وإمكانية التمرد والانعتاق.

في المقابل، يمثل الاستعباد الطوعي لغزًا نفسيًا وسياسيًا أشد خطورة؛ إذ ينتقل الخضوع من إكراه مادي خارجي إلى رغبة ذاتية متولدة في داخل الإنسان بفعل التنشئة والاعتياد وتوزيع الامتيازات المصلحية الدقيقة. يتنازل الأفراد في هذا النموذج عن حرياتهم بمحض إرادتهم، ويدافعون عن منظومات قمعهم وكأنهم يدافعون عن خلاصهم الذاتي؛ نتيجة استلاب نفسي عميق يجعل التابع يتماهى كليًا مع البنية الحاكمة التي تعيد إنتاج خضوعه واستلابه.

تراتبية التشيؤ وإعادة هندسة الذات عالميًا

يتسم المشهد العالمي المعاصر بهيمنة النيوليبرالية التي تجاوزت حدود المعاملات المالية لتتحول إلى عقيدة شاملة تعيد بناء الوجود الفردي والجمعي. قامت هذه المنظومة على تفكيك شبكات التكافل الاجتماعي وتقليص أدوار الحماية العامة لمصلحة تنافسية شرسة لا ترحم. كما أعادت صياغة الطبيعة البشرية وفق منطق المنفعة والاستثمار المحض؛ فلم يعد الفرد مواطنًا يحمل حقوقًا سياسية وإنسانية أصيلة، بل أُعيد تعريفه بوصفه "رأس مال بشريًا" ومستثمرًا في ذاته، يقع على عاتقه وحده عبء النجاح أو الهلاك في فضاء تنافسي مفتوح.

يتجلى هذا الاستلاب في تحول الفرد من تابع مقهور إلى "مشروع إنجاز دائم". يتماهى المستغِل والمستغَل في وعي الشخص ذاته؛ إذ يمارس الإنسان على نفسه استنزافًا ذاتيًا يفوق قسوة استغلال المصنع القديم، مدفوعًا بوهم التحرر وتحقيق النجاح المستمر. ولم يعد الضبط النفسي ناتجًا عن كبح الرغبات بسلطة قسرية، بل صار نابعًا من هوس التطوير الذاتي الذي لا ينتهي، مما فجّر أزمات الإرهاق النفسي والاحتراق الذاتي والشعور الدائم بالعجز.

في هذا الإطار، يتعرض الجسد البشري للتفكيك والتسليع عبر تقنيات التجميل الاستهلاكي وأسواق العرض الرقمي؛ إذ لم يعد الجسد مسكنًا للكينونة الإنسانية، بل تحول إلى صورة استعراضية تقاس قيمتها بأرقام التفاعل والمتابعة الافتراضية. ويستبدل نظام الرِّقابة الرقمية الطوعية أشكال السجون التقليدية؛ حيث يتطوع المستخدمون بكشف تفاصيل حياتهم اليومية، مقدمين للشركات الكبرى مادة مجانية لتحليل السلوك وتوجيه الرغبات والتحكم السياسي الناعم دون حاجة لأي إكراه جسدي معلن.

الشرق الأوسط: تآزر رأس المال والشمولية الثيوقراطية

لم يكن الشرق الأوسط بمعزل عن شبكات التشيؤ العالمية، بل شكّل البيئة الأكثر هشاشة أمامها؛ نتيجة تضافر الهيمنة الاقتصادية المعولمة مع إرث الاستبداد السياسي والاجتماعي المشوه. وقد شهدت المنطقة منذ مطلع القرن الماضي فرض نماذج تحديث فوقية هجينة عُرفت بـ "الجبر التحديثي"، حيث بنت الدولة نسقها على حساب المجتمعات المحلية، وجففت ينابيع التنوع الثقافي والتكافل التقليدي لمصلحة استعمار داخلي تمارس فيه النخب الحاكمة إخضاعًا طبقيًا وثقافيًا للهوامش.

غير أن أخطر ما يميز المشهد المشرقي المعاصر هو التحالف العضوي بين التوجهات الرأسمالية المتوحشة والشموليات الدينية (الثيوقراطية). لم تعد السلطويات الدينية في الشرق الأوسط عائقًا أمام التشيؤ الرأسمالي، بل تحولت إلى أكبر محفز وركيزة له. يتجلى هذا التآزر في بعدين جوهريين:

تسليع المقدس وتفريغه من قيم العدالة: قامت الأنظمة والطبقات الدينية المهيمنة بتجريد الدين من طاقته التحريرية والنقدية ضد الظلم الاجتماعي، محولة إياه إلى شعائر مظهرية وصناعة تجارية مدرة للأرباح. أضحى التدين نفسه سلعة استهلاكية تُباع وتُشترى عبر برامج الفتاوى المأجورة، والخدمات الدينية الفاخرة، وسياحة الشعائر الطبقية التي تعيد فرز المجتمع على أسس مادية بحتة تحت غطاء البركة والإيمان.

شرعنة الاستلاب والتبعية: توظف الشمولية الثيوقراطية خطاب الطاعة والقدرية لتبرير الفقر والتفاوت الطبقي الناجم عن السياسات الاقتصادية المنفلتة، وتصوير الجوع والبطالة كاختبارات فردية غيبية لا كخلل بنيوي في توزيع الثروة. وبذلك تتقاطع مصلحة رأس المال الاستهلاكي مع مصالح القِوَى الدينية الحاكمة؛ فرأس المال يحتاج إلى مستهلك منزوع الوعي النقدي، والشمولية الدينية تحتاج إلى تابع خاضع يكرس التشيؤ بوصفه قضاءً وقدرًا، مما يجعل "العبودية الطوعية" محصنة بقداسة ميتافيزيقية تعصمها من المساءلة.

تزامن هذا التحالف مع برامج الانفتاح والخصخصة غير المدروسة والمديونيات الخارجية، مما أدى إلى تآكل الطبقة الوسطى وانفجار الفوارق الطبقية، ليتحول التحديث إلى مجرد كتل إسمنتية صماء ومراكز تسوق عملاقة تُخفي وراء واجهاتها فاقة حقيقية وعجزًا عن بناء اقتصاد إنتاجي قائم على المعرفة والحرية.

أزمة المثقف وانشطار الوعي النقدي

في هذا الواقع المركَب، يرزح المفكر والمثقف النقدي في الشرق الأوسط تحت وطأة حصار مزدوج؛ فمن جهة، تطارده أجهزة القمع والاستبداد الديني والسياسي الذي تصادر الفضاء العام وتحرم التفكير المستقل، ومن جهة أخرى، تحاصره آليات التسويق الرقمي الذي حولت الفكر والفلسفة إلى وجبات ترفيهية سريعة. تجبر المنصات الرقمية الكاتب على الخضوع لمنطق الإثارة والسطحية لضمان الحضور، مما يؤدي إلى تسليع الوعي وتهميش كل فكر رصين.

يتجلى هذا المأزق في وقوع الخطاب العربي في شقاق عقيم التماهي التام وغير النقدي مع النموذج الاستهلاكي الغربي باسم الحداثة والتطوير، وهو ما يكرس التبعية الثقافية والاستلاب الحضاري دون بناء قدرات ذاتية، والانكفاء السلفي والانغلاق الديني الشكلي: الذي يدعي رفض الحداثة نظريًا لكنه يتبنى في الممارسة اليومية كافة أدواتها الاستهلاكية والتقنية لتعزيز سلطته وضبط المجتمع.

يكشف النقد الفلسفي أن كلا الموقفين وجهان لعملة التشيؤ الواحدة؛ فالنموذج الاستهلاكي الغربي يعامل الإنسان والمجتمع موضوعًا للاستغلال المالي، والخطاب الثيوقراطي يعامله كأداة مطيعة لإعادة إنتاج السيطرة، وكلاهما يعجز عن تقديم مشروع تحرري يعيد للإنسان كرامته وحريته المسلوبة.

استعادة الإنسانية وحماية العقل من التدجين

تفرض المنظومة الاستهلاكية الحالية شمولية التماثل عبر توجيه المجتمعات نحو سلوكيات استهلاكية ورقمية نمطية تخدم البِنَى الحاكمة. وتتطلب المقاومة النقدية تفكيك هذا النمط من خلال:

استعادة فرادة التجربة الإنسانية والروحية الأصيلة: عبر إعادة الاعتبار للتجارب التي تستعصي على التسليع والقياس التجاري؛ مثل التضامن الاجتماعي غير المشروط، والمحبة الإنسانية المجردة من المنفعة، والتفكير التأملي المستقل، والفنون النقدية التي تفضح التواطؤ بين الاستبداد الديني واستغلال رأس المال.

إرساء الحصانة النفسية والفكرية: العمل على صياغة أطر حقوقية وثقافية تجرّم التلاعب النفسي وتوظيف التقنيات الرقمية لسرقة البيانات والتوجيه الإجباري للوعي، مع تشجيع التقنيات المفتوحة والمستقلة التي تحمي خصوصية الأفراد وكرامتهم الفكرية من هيمنة الشركات والأنظمة المستبدة على حد سواء.

يُسفر التحليل الفلسفي لتراتبية التشيؤ في عالمنا المعاصر عن حقيقة بنيوية قاطعة:

لم يعد التشيؤ مجرد ظاهرة اقتصادية تنحصر في تسخير جهد العامل في المصنع، بل تطور ليغدو نظام سيطرة شاملًا على العقول والنفوس؛ يستثمر في وهم الحرية الفردية ليحول الإنسان إلى مستغِل لذاته وحارس على خضوعه. وفي الشرق الأوسط، يكتسب هذا التشيؤ طابعًا تدميريًا مضاعفًا نتيجة تحالف رأس المال المتوحش مع الشموليات الثيوقراطية؛ حيث تم تسليع الإيمان وتفريغ المقدس من قيم العدالة ليصبح أداة لتبرير الفقر والقهر. إن استعادة الإنسان لفاعليته في المنطقة تمر حتمًا عبر تفكيك مزدوج:

تفكيك صنمية السلعة والاستهلاك من جهة، ونزع القداسة المزعومة عن منظومات الاستبداد الديني والسياسي من جهة أخرى، لفتح الأفق نحو حداثة إنسانية تحرر الوعي وتحفظ كرامة الكائن البشري.

***

غالب المسعودي

بين طريق الموروث المسدود والوعي البرجوازي الزائف وبين نقد الحاضر وابداع المستقبل، مقاربة تنويرية

مقدمة: يُمثّل محمود أمين العالم (18 فبراير 1922 - 10 يناير 2009) واحداً من أكثر العقول جرأة في الساحة الثقافية المصرية والعربية التي أسهمت في تشكيل الوعي النقدي والسياسي في الفكر العربي المعاصر خلال النصف الثاني من القرن العشرين. لم يكن فكره مجرد تأمل نظري منعزل، بل كان ممارسة متصلة بالنضال الثقافي والاجتماعي، تتأسس على رؤية ماركسية جدلية مفتوحة، ترفض الجمود العقائدي وتتمسك بالإنسان كقيمة مركزية. ينبع الرفض السياسي عنده من إدراك عميق للتناقضات التي تعيشها المجتمعات العربية، حيث يقف بين طريقين مسدودين: طريق التراث الذي يتحول إلى قيد يعوق التقدم، وطريق الوعي البرجوازي الزائف الذي يكرس التبعية والاستغلال تحت شعارات الحداثة أو الإصلاح السطحي. وفي المقابل، يفتح هذا الرفض أفقَين متكاملين: نقد الحاضر بكل تناقضاته، وإبداع مستقبل يستند إلى الوعي الحقيقي والفعل التاريخي الخلاق. هذه المقاربة، في جوهرها، تنويرية بامتياز، إذ تستلهم روح النقد العقلي والتحرر الإنساني، وتعيد بناءها في سياق عربي يجمع بين التراث والعصر، بين الخصوصية والكونية، دون أن يسقط في التوفيقية الساذجة أو العدمية. فمن هو محمود أمين العالم؟ ولماذا تميز بالرفض السياسي للإمبريالية والتأخر؟ وما موقفه من الموروث الثقافي؟ وهل تبنى نظرة تنويرية بناءة؟

محاور الرفض السياسي:

ينطلق الرفض السياسي عند العالم من تجربة شخصية وفكرية متجذرة في الواقع المصري والعربي. نشأ في بيئة شعبية متدينة في حي الدرب الأحمر، وتلقى تعليماً فلسفياً في جامعة فؤاد الأول، ثم انخرط في الحركة الشيوعية، ودفع ثمن مواقفه اعتقالاً وفصلاً ونفياً. هذا الانخراط لم يكن انتماءً أيديولوجياً مغلقاً، بل موقفاً وجودياً يرى في السياسة امتداداً للفلسفة، وفي الثقافة أداة للتغيير لا ترفاً نخبوياً. الرفض عنده ليس نفياً عدمياً، بل إثباتاً إيجابياً لإمكانية تجاوز الواقع القائم نحو واقع أكثر عدلاً وحرية. وهو رفض مزدوج: يرفض الاستبداد السياسي أياً كان مصدره، ويرفض في الوقت نفسه الاستلاب الفكري الذي يجعل الإنسان أسيراً لأوهام الماضي أو لخداع الحاضر. كما يظهر الرفض الأوضح لـ«طريق التراث المسدود» في تعامله النقدي مع الموروث الثقافي والديني والفلسفي. لم يكن العالم من دعاة القطيعة المطلقة مع التراث، ولا من أنصار الاستعادة الرومانسية له. التراث عنده ليس كياناً ميتافيزيقياً ثابتاً، ولا جوهراً أصيلاً يُستعاد كما هو، بل نتاج تاريخي اجتماعي يتفاعل مع الواقع ويتأثر به. طريق التراث المسدود هو ذلك الطريق الذي يحول التراث إلى سلطة مطلقة تُستخدم لتبرير الجمود والتخلف، أو يختزله في انتقائية تبريرية تخدم مصالح طبقية معينة. يرى العالم أن الأزمة الحقيقية ليست في التراث بحد ذاته، بل في كيفية توظيفه ضمن بنى اجتماعية تكرس التبعية والتفاوت. عندما يُقدَّم التراث بوصفه الحل الوحيد، أو يُرفع إلى مرتبة القداسة التي تمنع النقد، يصبح طريقاً مسدوداً يعيق الإبداع والتجدد. في مواقفه النقدية من التراث، يمارس العالم قراءة جدلية تضع النصوص التراثية في سياقها التاريخي والاجتماعي، وتكشف تناقضاتها الداخلية، وتستخلص منها العناصر الحية القابلة للتطوير. فهو يرفض كلاً من التقديس الأعمى والنبذ الجذري، ويدعو إلى «استلهام» نقدي يحوّل التراث من قيد إلى مورد. هذا الاستلهام لا يعني التوفيق بين القديم والجديد على طريقة الإصلاحية البرجوازية، بل يعني تجاوزاً جدلياً يحتفظ بما هو إنساني وعقلاني في التراث، ويطرحه في إطار مشروع تحرري معاصر. بذلك يصبح الرفض السياسي للتراث المسدود رفضاً للسلطوية الثقافية التي تستخدم الماضي لتأبيد الحاضر، ورفضاً لأي خطاب يحوّل الهوية إلى سجن بدلاً من أن يجعلها أفقاً مفتوحاً.

الكشف عن زيف الوعي

أما نقد «الوعي البرجوازي الزائف» فيشكل الوجه الآخر لهذا الرفض. الوعي الزائف، في المنظور الذي يتبناه العالم مستلهماً التراث الماركسي النقدي، هو ذلك الوعي الذي يُنتجه النظام الاجتماعي السائد ليخفي التناقضات الحقيقية ويقدمها على أنها طبيعية أو أبدية. يُعدّ كشف الوعي الزائف ونقده من أبرز المحاور التي اشتغل عليها محمود أمين العالم، خاصة في كتابه الشهير «الوعي والوعي الزائف في الفكر العربي المعاصر» (صدر حوالي 1986-1988)، الذي يُعتبر امتدادًا لكتابه السابق «معارك فكرية». انطلق العالم من المنهج المادي الجدلي والتاريخي الماركسي ليُحلل كيف يتشكل الوعي في المجتمعات العربية والمصرية المعاصرة، وكيف يتحول إلى أداة لإعادة إنتاج الواقع القائم بدلًا من تغييره. فالوعي الزائف عنده ليس مجرد جهل أو خطأ معرفي عابر، بل هو وعيٌ خاص تُعبّر من خلاله السلطة عن مصالحها الطبقية، وهو الوسيلة النظرية الأساسية التي تنعكس فيها هذه المصالح وتُموَّه بها الحقائق. يتشكل هذا الوعي عبر سيرورات مادية وأيديولوجية ومؤسساتية (إعلامية وثقافية وسياسية) تضلل الجماهير، وخاصة الطبقات الشعبية، فتجعل الظلم يبدو عدلاً، والتبعية تقدمًا، والانغلاق أصالة، والتخلف خصوصية حضارية.

في هذا الإطار، وجه العالم نقده إلى ظواهر متعددة في الفكر العربي المعاصر: التوفيقية السطحية بين التراث والحداثة، والغزو الثقافي الإمبريالي والصهيوني، والتعامل الانتقائي مع التراث، والنزعات اللاهوتية أو الانعزالية التي تعيق التقدم العلمي والاجتماعي. كان يرى أن الخلل لا يكمن في المعرفة ذاتها بقدر ما يكمن في البنية الاجتماعية والسياسية التي تمنح هذه المعرفة معناها وتوظفها لمصلحة الطبقة المهيمنة. لذا سعى إلى فضح آليات تزييف الوعي بغرض السيطرة والهيمنة، داعيًا إلى وعي نقدي حقيقي يرتبط بالشروط المادية والتاريخية، ويهدف إلى تحرير الإنسان العربي من الأوهام الأيديولوجية، وتمكينه من مواجهة قضايا العلم والحرية والاشتراكية بفعالية، تمهيدًا لأي نهضة حقيقية وتغيير اجتماعي جذري.

في السياق العربي، يتجلى هذا الوعي في أشكال متعددة: في الخطاب الليبرالي الذي يختزل الحرية في حرية السوق، وفي الخطاب القومي الذي يفصل التحرر الوطني عن التحرر الاجتماعي، وفي الخطاب التوفيقي الذي يحاول الجمع بين التراث والمعاصرة دون المساس بالبنى الطبقية. الوعي البرجوازي الزائف يُظهر التخلف وكأنه ناتج عن «أزمة حضارية» أو «أزمة تراث»، بينما الحقيقة أن التخلف نتاج تبعية بنيوية للرأسمالية العالمية، ونتيجة لهيمنة طبقات وفئات تستفيد من هذه التبعية. ينتقد امين العالم هذا الوعي لأنه ينتج أشكالاً من «التوفيقية» الزائفة التي تبدو تقدمية على السطح، لكنها في العمق تكرس الهيمنة. التوفيقية البرجوازية ليست مجرد خطأ فكري، بل تعبير عن مصالح طبقية ترفض الثورة الجذرية وتفضل الإصلاحات الجزئية التي لا تمس جوهر الاستغلال. في مواجهة ذلك، يدعو العالم إلى وعي حقيقي يرتكز على التحليل المادي للتاريخ، ويربط بين الثقافي والاقتصادي والسياسي، ويكشف كيف أن الأفكار السائدة هي أفكار الطبقة السائدة. هذا النقد يمتد إلى نقد بعض التيارات الماركسية الأوروبية الحديثة التي يراها قد انحرفت عن مركزية الطبقة العاملة، كما في نقده لهربرت ماركوز الذي رأى فيه فلسفة طريق مسدود لأنها تتخلى عن الإمكانات الثورية المنظمة لصالح احتجاجات هامشية.

نقد محمود أمين العالم لهربرت ماركوز

 يتمثل أساساً في كتابه «هربرت ماركيوز أو فلسفة الطريق المسدود»، وهو أحد أبرز إسهاماته في نقد الماركسية الأوروبية المحدثة (أو ما يُسمى أحياناً بالماركسية الغربية أو مدرسة فرانكفورت في بعض جوانبها).لقد رأى العالم أن فلسفة ماركوز، خاصة بعد انتشارها في الستينيات والسبعينيات وتأثيرها في حركات اليسار الجديد والاحتجاجات الطلابية، قد تشكل مبرراً فكرياً للتقاعس والانتظار لدى المثقف العربي، بدلاً من المشاركة الفعالة في النضال. لذا تصدى لها نقداً جذرياً، معتبراً إياها طريقاً مسدوداً لا يؤدي إلى تغيير حقيقي. انتقد العالم تخلي ماركوز عن مركزية الطبقة العاملة (البروليتاريا) كقوة ثورية أساسية، وعن دور الحزب والتنظيم السياسي. يرى العالم أن ماركوز مال إلى الدفاع عن «البروليتاريا الرثة» والفئات المهمشة والمستبعدة (مثل الطلاب وبعض الجماعات الهامشية) بوصفها القوى المؤهلة للثورة. هذا التحول، في نظر العالم، يبتعد عن التحليل الماركسي الكلاسيكي الذي يربط الثورة بالبنية الطبقية الإنتاجية والتنظيم الواعي. اعتبر أمين العالم أن نقد ماركوز للمجتمع الصناعي المتقدم (كما في «الإنسان ذو البعد الواحد») عميق في تشخيص الاغتراب والاستهلاك وتخدير الوعي، لكنه يظل نقداً ثقافياً وفلسفياً يفتقر إلى الأفق التنظيمي والسياسي العملي. يؤدي هذا إلى طريق مسدود: نقد حاد للواقع دون أدوات فعالة لتغييره، مما قد ينتهي إلى اليأس أو الاحتجاج الهامشي غير المنظم. لقد شدد العالم على أن تحليل ماركوز مرتبط بمجتمعات رأسمالية متقدمة ذات رفاه استهلاكي، ولا ينطبق بالضرورة على المجتمعات العربية أو العالم الثالث التي تعاني من التبعية والاستعمار الجديد والتخلف البنيوي. نقل هذه الفلسفة دون نقد قد يؤدي إلى تغييب خصوصية الصراع الطبقي والوطني في السياق العربي.

وقف أمين العالم إلى جانب «النظام والتنظيم»، بشرط أن يكون تنظيماً جدلياً يتطور مع تغير الظروف، ويرتبط بدولة جديدة وعلاقات اجتماعية بديلة. ظل متمسكاً بمركزية الطبقة العاملة والتنظيم الحزبي كأدوات ضرورية للثورة، مع انفتاح على التجديد دون التخلي عن الأسس المادية الجدلية. باختصار، يرى العالم أن فلسفة ماركوز، رغم أهميتها النقدية، تنتهي إلى طريق مسدود لأنها تفصل النقد عن الفعل المنظم والطبقة الثورية الأساسية، وتحول الثورة إلى أمل ثقافي أو احتجاجي غير محدد المعالم. هذا النقد يندرج ضمن مشروعه الأوسع في الدفاع عن ماركسية حية وفاعلة، ترفض الجمود العقائدي كما ترفض الانحرافات المثالية أو الهامشية. بين هذين الرفضيْن، التراث المسدود والوعي الزائف، ينفتح أفق «نقد الحاضر وإبداع المستقبل». نقد الحاضر عند العالم ليس تشريحاً سلبياً، بل ممارسة فاعلة تكشف الإمكانات الكامنة داخل التناقضات. الحاضر العربي، في نظره، حاضر مأزوم: يعاني من التبعية الاقتصادية والسياسية، ومن الاستبداد، ومن تشوهات الوعي، ومن عجز المشاريع النهضوية السابقة عن تحقيق تحرر شامل. لكن هذا الحاضر ليس قدراً محتوماً. النقد الحقيقي يفتح الطريق أمام الإبداع، لأن الإبداع ليس خيالاً مجرداً، بل قدرة على تحويل الإمكانات التاريخية إلى واقع جديد.

ان نقد محمود أمين العالم لليسار الجديد يرتبط ارتباطاً وثيقاً بنقده لهربرت ماركوز وللتيارات الماركسية الأوروبية المحدثة، ويظهر بوضوح في كتابه «هربرت ماركيوز أو فلسفة الطريق المسدود». لم يخصص العالم كتاباً مستقلاً بعنوان «نقد اليسار الجديد»، لكن موقفه منه يندرج ضمن رفضه للانحرافات التي اعتبرها تبتعد عن جوهر الماركسية الثورية المنظمة. لقد اليسار الجديد ظهر في الستينيات خاصة في أوروبا وأمريكا، وارتبط بحركات الطلاب والاحتجاجات المضادة للحرب والثقافة المضادة. تأثر كثيراً بماركوزه ومدرسة فرانكفورت، وركز على النقد الثقافي، والتحرر الشخصي، والفئات المهمشة (الطلاب، الأقليات، «البروليتاريا الرثة»)، بدلاً من التركيز التقليدي على الطبقة العاملة المنظمة والحزب الثوري. لقد رأى العالم أن اليسار الجديد، متأثراً بماركوز، يقلل من دور البروليتاريا الصناعية كقوة ثورية أساسية، ويستبدلها بفئات هامشية أو احتجاجية غير منظمة. هذا التحول يضعف القدرة على بناء قوة تغيير حقيقية ومستدامة. كما انتقد التركيز المفرط على النقد الثقافي والاغتراب والاستهلاك (كما في «الإنسان ذو البعد الواحد»)، دون ربطه باستراتيجية سياسية وتنظيمية واضحة. اعتبر أن هذا يؤدي إلى «طريق مسدود»: نقد حاد وراديكالي في الخطاب، لكنه ينتهي إلى اليأس أو الاحتجاج العفوي المؤقت الذي لا يغير البنى الأساسية. لقد حذر العالم من أن تبني أفكار اليسار الجديد في العالم العربي قد يبرر الانتظار والتقاعس لدى المثقفين، بدلاً من الانخراط في نضال منظم يرتبط بالواقع المحلي (التحرر الوطني والاجتماعي معاً). فالتحليل المستورد من مجتمعات الرفاه الرأسمالي المتقدم لا ينطبق مباشرة على مجتمعات التبعية والتخلف.

موقفه الايجابي من اليسار العربي الإسلامي

موقف محمود أمين العالم من اليسار الإسلامي كان منفتحاً وإيجابياً نسبياً، ضمن رؤيته الواسعة لمفهوم «اليسار» نفسه. في أحد حواراته، أكد العالم صراحة أن اليسار لا يقتصر على الماركسية وحدها، بل هو طريقة تفكير موجودة في اتجاهات مختلفة. وقال إن «في التيار الديني مثلاً، نجد يساراً إسلامياً — أو ما شابه ذلك — على مختلف المراحل»، مشيراً إلى نماذج تاريخية ومعاصرة مثل: القاضي عبد الجبار (المعتزلي الذي يفسر الأمور بموضوعية وعقلانية). محمد عبده. خالد محمد خالد. الشيخ علي عبد الرازق. حسن حنفي. نصر حامد أبو زيد (الذي اعتبره العالم خلاصة التراث الديني وأكثر من استوعبه).

رأى في هذه التيارات فكراً دينياً عقلانياً وموضوعياً يتعامل مع الواقع برؤية نقدية وتقدمية، ويدخل بذلك في إطار مفهوم اليسار بمعناه الواسع (العدالة الاجتماعية، العقلانية، التغيير الإيجابي). يرى أمين العالم أنه لا تعارض مطلق بين الدين والاشتراكية: أكد مراراً أن الدين نظرة شاملة لكينونة الإنسان، وأن قيماً مشتركة مثل الخير والمحبة والمساواة تجمع بين الاشتراكية والأديان. ذكر تجربته الشخصية في السجن حيث بنى الشيوعيون مسجداً، وأشار إلى أن كثيراً من الشيوعيين مؤمنون. كما يحرص على التمييز بين اليسار الديني العقلاني والإسلام السياسي الأصولي: كان ينتقد الإسلام السياسي المتشدد أو الأصولي الذي يراه يغطي على الصراعات الاجتماعية والاقتصادية الحقيقية، بينما يرحب بالتفسيرات العقلانية والتنويرية داخل التراث الإسلامي. لذلك يعتبر اليسار أوسع من الماركسية: اعتبر الماركسية (أو الاشتراكية العلمية) الرافد الرئيسي والأفضل للتعامل النقدي مع الواقع، لكنه لم ينفِ وجود تيارات يسارية أخرى، بما فيها اليسار داخل الفكر الديني. باختصار، لم يكن العالم معادياً لـ«اليسار الإسلامي» بالمعنى التنويري العقلاني التقدمي. بل رآه جزءاً ممكناً من جبهة أوسع للتغيير، طالما ظل ملتزماً بالعقلانية والعدالة الاجتماعية ونقد الاستغلال، بعيداً عن الجمود الأصولي أو التوظيف السياسي الرجعي للدين. هذا الموقف ينسجم مع شخصيته المنفتحة وتجربته الشخصية (نشأته في بيئة دينية ثم تبنيه الماركسية دون قطيعة مطلقة مع البعد الروحي والإنساني). كما أنه يعتبر المقاربة التنويرية في فكر العالم ليست استعادة حرفية للتنوير الأوروبي، بل إعادة بناء نقدية له في سياق عربي. التنوير عنده عقلانية نقدية لا تفصل العقل عن الواقع الاجتماعي، وحرية لا تنفصل عن العدالة، وإنسانية لا تتجاهل الخصوصيات التاريخية. هو تنوير جدلي يرى أن التقدم ليس خطاً مستقيماً، بل حركة تتأسس على الصراع والتناقض. المثقف في هذه المقاربة ليس شاهداً محايداً، ولا داعية أيديولوجياً مغلقاً، بل فاعلاً ملتزماً بالحرية أكثر من التزامه بأي تنظيم، وملتزماً بالحقيقة حتى لو اصطدمت بالمصالح السائدة. الرفض السياسي هنا يصبح ممارسة تنويرية لأنه يحرر العقل من الأوهام، ويحرر الإرادة من الخضوع، ويفتح المجال أمام الإنسان ليصنع تاريخه بوعي.

خاتمة

هكذا يتكامل الرفض عند محمود أمين العالم: رفض لطريق التراث الذي يُغلق الأفق، ورفض للوعي الزائف الذي يضلل المسيرة، وانفتاح على نقد الحاضر الذي يكشف الإمكانات، وإبداع للمستقبل الذي يحول النقد إلى بناء. هذه الرؤية تظل حية لأنها تتجاوز اللحظة التاريخية التي نشأت فيها، وتطرح أسئلة مستمرة حول كيفية بناء وعي عربي نقدي قادر على مواجهة تحديات العصر دون أن يفقد جذوره أو يسقط في التبعية. الرفض السياسي عنده ليس نهاية، بل بداية مستمرة لإعادة تأسيس الإنسان والمجتمع على أسس أكثر إنسانية وعقلانية وعدلاً. لقد ظل محمود أمين العالم متمسكاً بضرورة التنظيم الحزبي والطبقة العاملة كمحرك أساسي، مع انفتاح جدلي على التجديد. يرى أن الثورة تحتاج إلى أدوات منظمة وعلاقات جديدة ودولة بديلة، لا مجرد احتجاج أو تحرر فردي وثقافي. باختصار، يُصنّف العالم تيارات اليسار الجديد ضمن الفلسفات التي تبدو راديكالية لكنها تؤدي عملياً إلى طريق مسدود، لأنها تفصل النقد عن الفعل الطبقي المنظم. هذا الموقف يعكس التزامه بماركسية حية ترفض الجمود العقائدي من جهة، والانحرافات المثالية أو الهامشية من جهة أخرى، وتركز على بناء وعي وفعل قادرين على تغيير الواقع تغييراً جذرياً. في كتاباته المتأخرة خاصة، يتبلور هذا البعد بوضوح. ينتقل العالم من تشخيص الأزمة إلى البحث عن بدائل، في إطار مشروع نهضوي عربي جديد يراعي المتغيرات العالمية، بما فيها ظاهرة العولمة، دون أن يسقط في الاستسلام لها أو في العداء العدمي لها. إبداع المستقبل يعني بناء مشروع يجمع بين الديمقراطية السياسية الحقيقية، والعدالة الاجتماعية، والاستقلال الوطني، والوحدة العربية على أسس تقدمية، والانفتاح على العلم والتكنولوجيا مع الحفاظ على البعد الإنساني. هذا الإبداع ليس مهمة نخبة معزولة، بل عملية جماعية تشمل المثقفين والجماهير، وتتطلب ثورة ثقافية شاملة تحول الوعي الزائف إلى وعي نقدي فاعل. فكيف نجعل من الفكر النقدي التنويري لدى العالم يمتلك راهنية في الفكر العربي؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

(الفلسفة الذكية مطالبة بأن تستيقظ عند الفجر)

أن تكون الفلسفة ابنة عصرها يعني أنها لا تستطيع أن تعيش خارج التاريخ، ولا أن تظل أسيرة للأسئلة التي صاغتها عصور مضت. فالفلسفة ليست متحفًا للأفكار القديمة، ولا مجموعة من الأجوبة المحفوظة، وإنما هي قدرة العقل على أن يندهش من العالم حين يتغير، وأن يسأل عن معناه حين تتبدل شروط وجوده. الفلسفة اليوم أمام لحظة تاريخية استثنائية تفرض عليها أن تجدد ذاتها ومناهجها وأساليب تدريسها، وأن تستعيد قدرتها على استئناف الدهشة وقول كلمتها في عالم يتغير بسرعة لم يعرفها الإنسان من قبل.

لقد كانت بومة منيرفا عند هيجل رمزًا بليغًا لطبيعة الفلسفة ووظيفتها. فالبومة لا تبدأ طيرانها إلا عند حلول الغسق؛ أي إن الفلسفة تأتي متأخرة، بعد أن يكون الواقع قد اكتمل، لكي تتأمله وتفهم منطقه وتمنحه معنى. وحين ينتهي النهار التاريخي، تطير بومة الحكمة لتقرأ ما حدث. وبذلك كانت الفلسفة، في التصور الهيجلي، وعيًا يأتي في نهاية المسار، لا لكي يصنع العالم، وإنما لكي يفهمه بعد أن يكون قد قطع شوطًا من مسيرته.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه علينا اليوم هو: هل ما زال بإمكان الفلسفة أن تنتظر الغسق؟

لقد تغير إيقاع التاريخ نفسه. فالأمس لم يعد يشبه اليوم، وغدًا لن يكون مجرد امتداد بسيط للأمس. الأحداث والمعارف والتقنيات والتحولات الاجتماعية تتحرك بسرعات متزايدة، وتظهر تحولات كبرى خلال سنوات قليلة، وربما خلال أشهر أو أيام ولذلك لم يعد كافيًا أن تأتي الفلسفة بعد اكتمال الحدث لتسأل: ماذا حدث؟ بل أصبح عليها أن تسأل أيضًا: ماذا يحدث الآن؟ وماذا يمكن أن يحدث غدًا؟ وما العالم الذي نريد أن نصنعه قبل أن تصنعه التكنولوجيا نيابة عنا؟

إذ إن الذكاء الاصطناعي ليس مجرد تقنية جديدة تضاف إلى قائمة الاختراعات الإنسانية، مثل الطباعة أو الهاتف أو الحاسوب. نحن أمام تحول يمس بنية المعرفة والذاكرة والعمل واللغة والقرار، وربما يمس تعريف الإنسان ذاته. فالآلة لم تعد مجرد أداة تنفذ أوامر الإنسان، وإنما أصبحت قادرة على التعلم والتحليل والتنبؤ وإنتاج النصوص والصور والمحتوى والمشاركة في قرارات كانت إلى وقت قريب حكرًا على العقل البشري.

وبحسب الشيخلي؛ في عصر الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي، تبدو المعرفة وكأنها تتحول بصورة متزايدة إلى بيانات، والذاكرة الإنسانية إلى خوارزميات، والخبرة إلى نماذج حسابية. وإذا كان الإنسان قد احتاج آلاف السنين لكي يراكم المعرفة، فإن الآلة تستطيع اليوم الوصول إلى كميات هائلة منها خلال لحظات وكلما ازدادت قدرتنا على الوصول إلى المعلومات، ازدادت حاجتنا إلى الحكمة التي تمكننا من معرفة ما الذي يستحق أن نعرفه، وكيف ينبغي أن نستخدم ما نعرفه، في عصرنا لم يعد السؤال: كيف نحصل على المعرفة؟ بل: ماذا نفعل بكل هذه المعرفة؟ وما الذي يجعل المعرفة ذات قيمة إنسانية؟ وكيف نحول المعلومات إلى فهم، والفهم إلى حكمة، والحكمة إلى فعل مسؤول؟

وهنا تحديدًا تستعيد أمّ العلوم وظيفتها .

فالعلم يستطيع أن يخبرنا كيف يعمل العالم، والتكنولوجيا تستطيع أن تمنحنا القدرة على تغييره، لكن الفلسفة تسأل: لماذا نغيره؟ وإلى أين نريد أن نصل؟ وما الذي ينبغي ألا نفعله، حتى لو كنا قادرين على فعله؟ وهذه هي المسافة الفاصلة بين القدرة والحكمة.

يرى تحسين الشيخلي التكنولوجيا تتقدم اليوم أسرع من قدرتنا الأخلاقية على استيعاب نتائجها. ويمكن تشبيه ذلك بمركبة تزداد قوة وسرعة، بينما لا تتطور منظومة توجيهها بالسرعة نفسها. والخطر ليس في السرعة ذاتها، وإنما في أن نمتلك قدرة هائلة على الحركة من دون أن نعرف تمامًا إلى أين نريد الوصول.

أن الخطر لا يتعلق بالمستقبل البعيد وحده، بل بأنظمة مستخدمة بالفعل. فقد أظهرت دراسة أجرتها منظمة «بروبابليكا» عام 2016 أن نظام تقييم المخاطر الجنائية المعروف باسم COMPAS كان يصنف المتهمين السود على أنهم أكثر عرضة لإعادة ارتكاب الجريمة بدرجة أعلى من المتهمين البيض، حتى عندما كانت بعض المؤشرات الأساسية متقاربة. وفي مجال التوظيف، اضطرت شركة أمازون إلى التخلي عن أداة تجريبية لفحص السير الذاتية بعد أن تبين أنها تفضل المرشحين الرجال؛ إذ تعلمت من بيانات تاريخية عكست هيمنة الرجال على الوظائف التقنية، فحوّلت التحيز الاجتماعي القديم إلى قرار آلي يبدو محايدًا.

وفي المجال الطبي، أظهرت دراسة منشورة عام 2019 أن خوارزمية واسعة الاستخدام لتحديد المرضى الذين يحتاجون إلى رعاية إضافية كانت تقلل من تقدير احتياجات المرضى السود، لأن النظام اعتمد على تكاليف الرعاية السابقة بوصفها مؤشرًا على الحالة الصحية، مع أن الإنفاق الأقل قد يكون نتيجة تفاوت في الوصول إلى العلاج لا نتيجة صحة أفضل. هذه الأمثلة توضح أن الخوارزمية لا تبدأ من فراغ؛ فهي تتعلم من بيانات تحمل تاريخ المؤسسات والمجتمعات، وقد تعيد إنتاج التمييز تحت غطاء الموضوعية الحسابية.

لذلك لم يعد كافيًا أن يأتي الفيلسوف بعد اكتمال التكنولوجيا ليسأل عن آثارها الأخلاقية، كما لا ينبغي للمهندس أن ينظر إلى الأخلاق باعتبارها قيدًا خارجيًا يضاف إلى التكنولوجيا بعد اكتمال تصميمها. المطلوب أن تدخل الأسئلة الفلسفية إلى المختبر منذ البداية: العدالة، والمسؤولية، والحرية، والكرامة، والخصوصية، والمساواة، والمعنى، وحدود التفويض للآلة.

فالسؤال الفلسفي لا ينبغي أن يأتي بعد صناعة الذكاء الاصطناعي، وإنما ينبغي أن يكون حاضرًا منذ البداية وفي كل مشروعات الذكاء الاصطناعي وهذا هو ما جعل الفلسفة اليوم من الوظائف المطلوبة بإلحاح متزايد.

فالمهندس الذي يصمم نظامًا ذكيًا يتخذ، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، قرارات ذات مضمون فلسفي، حتى لو لم يسمها كذلك: ما الذي يعد صحيحًا؟ ما الذي يعد عادلًا؟ من يتحمل المسؤولية عندما يخطئ النظام؟ ما مقدار السلطة التي ينبغي منحها للآلة؟

وتزداد هذه الأسئلة إلحاحًا حين يتعلق الأمر بمستقبل العمل. فقد أظهر تقرير «مستقبل الوظائف» الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي عام 2023 أن التحول التكنولوجي قد يؤدي إلى إزاحة ملايين الوظائف، لكنه قد يخلق وظائف جديدة في الوقت نفسه. غير أن المسألة ليست مجرد عدد الوظائف التي ستختفي أو تظهر، بل نوعية الحياة التي سينتجها هذا التحول. فالعامل في مستودع قد يخضع اليوم لتتبع مستمر لسرعة حركته وعدد الطرود التي يعالجها، وقد تؤدي خوارزمية تقييم الأداء إلى عقوبة أو فصل من دون أن يفهم العامل كيف اتُّخذ القرار أو كيف يمكنه الاعتراض عليه. وفي قطاعات مثل خدمة العملاء والترجمة والتحليل الإداري، قد لا تختفي المهن دفعة واحدة، لكنها قد تتحول إلى أعمال أكثر هشاشة، يراقب فيها الإنسان مخرجات الآلة ويتحمل مسؤوليتها من دون أن يملك استقلالية حقيقية.

هنا لا يكفي أن نسأل: هل سيحل الذكاء الاصطناعي محل الإنسان؟ بل ينبغي أن نسأل: من يملك مكاسب الإنتاجية؟ ومن يتحمل كلفة الانتقال؟ وهل سيُعاد تدريب العمال فعلًا، أم سيُطلب منهم التكيف مع أنظمة صممتها شركات لا تشاركهم أرباحها؟ وهل ينبغي أن يكون العمل مجرد وسيلة للبقاء، أم أنه مصدر للكرامة والانتماء والمعنى؟ هذه أسئلة فلسفية ينبغي أن تدخل في تصميم أنظمة العمل، لا أن تظهر بعد وقوع البطالة أو تدهور شروطها.

وفي المقابل، لا تستطيع الفلسفة المعاصرة أن تفكر في الإنسان كما لو أنه يعيش خارج عالم الآلات والخوارزميات والشبكات. فالآلة أصبحت جزءًا من بيئتنا المعرفية والاجتماعية، وتشارك في تشكيل ذوقنا وذاكرتنا وعلاقاتنا وقراراتنا، وربما في الطريقة التي نرى بها أنفسنا والعالم من حولنا.

وتظهر مسألة الخصوصية بوضوح في أنظمة التعرف إلى الوجوه والمراقبة الرقمية. فقد كشفت اختبارات أجراها معهد «المعايير والتكنولوجيا» في الولايات المتحدة أن معدلات الخطأ في بعض أنظمة التعرف إلى الوجوه كانت أعلى بكثير لدى النساء ذوات البشرة الداكنة مقارنة بالرجال البيض. كما أثارت قضية اعتقال روبرت ويليامز في ديترويت عام 2020، بعد أن أخطأ نظام للتعرف إلى الوجه في مطابقته مع صورة مشتبه به، سؤالًا خطيرًا عن معنى أن تتحول صورة عابرة إلى دليل يقيّد حرية شخص.

ولا تقتصر الخصوصية على الكاميرات. فالمساعدات الصوتية، وتطبيقات الصحة، والمنصات الاجتماعية، والسيارات المتصلة تجمع كميات هائلة من البيانات عن أصواتنا وتحركاتنا وعاداتنا وحالتنا الصحية وعلاقاتنا. وقد كشفت قضية شركة «كامبريدج أناليتيكا» عام 2018 كيف يمكن استخدام بيانات ملايين مستخدمي فيسبوك في الاستهداف السياسي من دون موافقة واعية منهم. وفي مثل هذه الحالات لا تكون المشكلة فقط في تسرب البيانات، بل في اختلال ميزان القوة: شركات تعرف عن الأفراد أكثر مما يعرف الأفراد عن كيفية جمع بياناتهم وتحليلها واستخدامها.

لذلك ينبغي أن يسأل تصميم الذكاء الاصطناعي منذ البداية: هل الموافقة واضحة وحرة فعلًا؟ هل يستطيع الفرد رفض جمع بياناته من دون أن يُحرم من خدمة أساسية؟ هل يحق له معرفة ما الذي استُنتج عنه؟ وهل يمكن محو هذه الاستنتاجات؟ إن الخصوصية ليست مجرد سرية تقنية، بل شرط للاستقلالية والكرامة والقدرة على تكوين الذات بعيدًا عن المراقبة الدائمة.

وهنا نصل إلى جوهر المسألة: الذكاء الاصطناعي لا يفرض علينا سؤالًا عن الآلة بقدر ما يفرض سؤالًا عن الإنسان فأي إنسان نريد أن نصبح ونحن نعيش إلى جانب آلات تزداد قدرة وذكاء؟

هل نريد إنسانًا يتخلى تدريجيًا عن قدرته على التفكير لأن الآلة تفكر عنه؟ أم نريد إنسانًا يستخدم الآلة لكي يوسع قدرته على الفهم والإبداع؟ هل سيحرر الذكاء الاصطناعي الإنسان من الأعمال الرتيبة لكي يتفرغ للإبداع، أم سيجعله أكثر اعتمادًا على أنظمة لا يملك السيطرة الكاملة عليها؟ وهل ستؤدي وفرة المعرفة إلى مزيد من الحكمة، أم إلى مزيد من الالتباس؟

إن الفلسفة، بهذا المعنى، ليست ترفًا فكريًا زائدًا على حاجات العصر، وإنما أصبحت مسؤولية إنسانية. فالتفكير يعني مقاومة الابتذال الفكري، ورفض العيش داخل الأفكار الجاهزة، ومقاومة تحويل الإنسان إلى مجرد مستخدم للأنظمة التي يصنعها الآخرون. والفيلسوف ليس من يملك الإجابات النهائية، وإنما من يحافظ على حيوية السؤال داخل المجتمع وهنا يمكن أن يكون عصر الذكاء الاصطناعي فرصة لنهضة فلسفية جديدة، إذا فهمنا النهضة لا بوصفها عودة إلى الماضي، وإنما بوصفها إعادة اللقاء بين الحكمة والقدرة.

الفلسفة اليوم مطالبة بتغيير طريقة حضورها في التعليم. فلا ينبغي أن يكون تعليمها مجرد تاريخ للفلاسفة والمذاهب والنظريات، وإنما ينبغي أن يكون تدريبًا على التفكير في المشكلات التي يعيشها الإنسان المعاصر: الذكاء الاصطناعي، والبيئة، والحرب، والهوية، والحرية، والعدالة، والسلطة، والتكنولوجيا، والهجرة، ومستقبل العمل، ومعنى الإنسان في عالم تتراجع فيه بعض وظائفه التقليدية ولهذا فإن السؤال المركزي في المرحلة الجديدة ليس: الإنسان أم الآلة؟ وإنما: أي إنسان نريد أن نصبح مع الآلة؟

فالمشكلة ليست في أن الآلة أصبحت ذكية، وإنما في احتمال أن يصبح الإنسان أقل حكمة. وليست المشكلة في أن التكنولوجيا تتقدم بسرعة، وإنما في أن قدرتنا على توجيهها قد لا تتقدم بالسرعة نفسها.

لقد كانت بومة منيرفا الهيجلية تنتظر الغروب لكي تطير، لأن الفلسفة كانت تأتي بعد اكتمال الواقع لكي تفهمه. أما نحن فنعيش في زمن لا ينتظر اكتمال النهار. إن التاريخ اليوم يكتب بعض صفحاته قبل أن نملك الوقت الكافي لقراءتها.

لذلك ربما حان الوقت لأن نودع بومة منيرفا، لا بمعنى التخلي عن هيجل أو إنكار قيمة حكمته، وإنما بمعنى تجاوز الوظيفة المتأخرة للفلسفة إلى وظيفة أكثر حضورًا في صناعة المستقبل.

فالفلسفة الجديدة مطالبة بأن تستيقظ مع الفجر؛ أن تكون في المختبر قبل أن تولد التقنية، وفي المدرسة قبل أن تتشكل عقول الأجيال، وفي السياسة قبل أن تتحول القرارات إلى أنظمة، وفي المجتمع قبل أن تتحول الخوارزميات إلى عادات، وفي قلب التكنولوجيا لا على هامشها.

وهكذا فإن عصر الذكاء الاصطناعي لا ينبغي أن يُفهم بوصفه انتصارًا للتكنولوجيا على الفلسفة، بل بوصفه لحظة تاريخية تعيد الفلسفة إلى وظيفتها الأولى: مساءلة الإنسان عن العالم الذي يريد أن يصنعه.

فالتكنولوجيا تستطيع أن تمنحنا القوة، والعلم يستطيع أن يمنحنا المعرفة، والذكاء الاصطناعي يستطيع أن يوسع قدراتنا، لكن الفلسفة تظل تسأل عن المعنى والغاية والحدود.

فإذا كانت بومة منيرفا قد طارت عند الغروب لكي تفهم العالم الذي انتهى، فإن فلسفة عصر الذكاء الاصطناعي مطالبة بأن تطير عند الفجر، لكي تسأل قبل أن يكتمل العالم: أي عالم نريد أن نصنعه؟ وأي إنسان نريد أن نكونه؟

***

ا. د. قاسم المحبشي

 

تتشابك الخطط السياسية المكانية المعاصرة في منطقة الشرق الأوسط ضمن حقل فلسفي يتجاوز القراءات التبسيطية القائمة على الثنائيات التقليدية؛ إذ يتطلب الراهن تقديم تحليل فلسفي تفكيكي يكشف عن "الخيط الناظم"، الفكري والبنيوي، الذي يربط بين الواقعية الميكافيلية التقليدية والذرائعية المحدثة في ممارسات إدارة الأزمات الإقليمية. ينطلق هذا التحليل من أطروحة مفادها أن الذرائعية المعاصرة لا تمثل بديلًا إنسانيًا أو أخلاقيًا للميكافيلية، بل تعمل كغلاف معرفي ولغوي يعيد إنتاج جوهر النفعية القائم على حفظ استقرار منظومة الهيمنة وتغليب المصلحة المصلحية العليا، متوسلة بخطاب حداثي يرفع شعارات "حل المشكلات" ويجافي الأطر الفكرية التأسيسية.

في قلب هذا التقاطع الفلسفي، تبرز آلية مركبة لتبادل الأدوار بين "اقتصادات الثقافة" و"ثقافة الحقبة الاستعمارية"؛ إذ لم تعد القِوَى المهيمنة تعتمد حصرًا على أدوات القسر العسكري المباشر، بل عمدت إلى تسليع المنتج الثقافي وتحويل المؤسسات النقدية والمعرفية إلى أدوات لتوجيه الأزمات وضبطها، عبر تفكيك الخطاب السياسي تفكيكًا جذريًا، يتجلى بوضوح كيفية تعليق مفاهيم السيادة والعدالة وحقوق الإنسان داخل "مستعصيات على الحسم"، وتعيد إنتاج حالة السيولة في إدارة النزاعات بدلًا من تفكيك مظالمها البنيوية.

المشتركات الإجرائية غير المعيارية

تشترك الميكافيلية والذرائعية المحدثة في مجافاة المعيارية الأخلاقية الصارمة، بيد أن كلًا منهما تنطلق من أرضية مفهومية تاريخية خاصة. تأسست الميكافيلية في عصر النهضة الإيطالية عبر طروحات نيقولا ميكافيلي، لا سيما في كتابيه "الأمير" و"مطوّلات في تاريخ تيتوس ليفيوس" ،على أولوية استقرار البناء السياسي ودرء الاضطراب بأي ثمن. تُنحي الميكافيلية المبادئ الأخلاقية القبلية جانباً، وتستعيض عن الفضيلة بمعيار "الكفاءة السياسية والقدرة الحازمة" التي تمكّن الفاعل السياسي من مجابهة تقلبات الأقدار والظروف الطارئة؛ فبقاء الدولة هو المرتكز الوجودي، وحيث تغيب السلطة الحازمة تنتفي إمكانية إنفاذ أي التزام قيمي.

في المقابل، تطورت الذرائعية المحدثة متأثرة بالمنعطف اللغوي في الفلسفة المعاصرة، رافضة النظرية التمثيلية للمعرفة، ومؤكدة عدم وجود حقيقة موضوعية جاهزة تصلح معياراً مطلقاً للأشياء؛ فالحقيقة في المنظور الذرائعي ما تعني مطابقة الفكر للواقع، بل تقاس بمدى نجاح الخطابات والمفاهيم بوصفها "أدوات وظيفية" لتحقيق الوفاق المجتمعي وحل المشكلات العينية. وفي مضمار العلاقات الدولية، تُعفي هذه المقاربة الفاعل السياسي من الارتهان للمبادئ الكلية الصلبة لصالح المرونة التقنية والتكيف الظرفي المستمر.

يتجلى الخيط الرابط بين الفكرين في التقائهما الأداتي؛ فبينما تقرر الميكافيلية صراحة أن "الغاية تبرر الوسيلة" لحفظ السلطة، تؤسس الذرائعية المحدثة معرفياً لغياب غايات مطلقة عابرة للسياقات يُحتكم إليها لتقييم الوسائل. هذا التلاقي يفرز نمطاً لإدارة الأزمات يتعامل مع الصراعات الإقليمية بوصفها اختلالات وظيفية تقنية تحتاج إلى تسويات مرحلية، بدلًا من معالجة أسبابها التاريخية وجذورها الاستعمارية.

تفكيك مركزية إدارة الأزمات وتعرية الثنائيات الحاكمة

تنهض التفكيكية بوصفها استراتيجية قراءة نقضية تسعى لتقويض "ميتافيزيقا الحضور" والتراتبيات المركزية القائمة على الثنائيات الضدية الحادة حيث يُمنح الطرف الأول أسبقية قيمية ووجودية بينما يُدفع الطرف الثاني نحو الهامش بوصفه عنصراً طارئاً أو مهدداً.

وعند تطبيق هذه الرؤية على إدارة الأزمات في المنطقة، تتكشف الميتافيزيقا التي ترفع من شأن المركز الاستعماري المقترن بالعقلانية والتنظيم، في مقابل اختزال الإقليم في الفوضى والتهديد المستمر. وتعمل آليات القراءة النقدية على كشف ثلاث آليات مضمرة:

تفكيك ثنائية السيادة الوطنية والتدخل الإنساني: حيث يُعاد إنتاج التدخل الخارجي كضرورة إجرائية ذرائعية لحفظ الأمن، مما يفرغ السيادة الوطنية من مضمونها القانوني والفعلي، فتغدو مقولة نسبية تخضع لحسابات الكفاءة الميكافيلية ورضا الفاعلين الدوليين.

تفكيك ثنائية المبدأ الأخلاقي والضرورة الاستراتيجية: إذ تُختزل الديمقراطية وقيم العدالة في إجراءات قابلة للتفاوض أو التعديل الفوري وفق متطلبات "الضرورة السياسية"، متحولة إلى لغة أداتية لامتصاص الضغوط وإعادة توجيهها.

إنتاج منطق "الإرجاء المستمر": وفيه تُرحّل الحلول الجذرية للمظالم التاريخية بصورة دائمة؛ فلا تنتهي الأزمات بل تُدار في مساحات رمادية برزخية لا تبلغ سلماً ناجزاً ولا حرباً حاسمة، مما يحفظ الإقليم في حالة سيولة دائمة تكرس استمرار الهيمنة.

الدور الوظيفي للدول الرخوة كأداة للذرائعية والميكافيلية المحدثة

لا تكتمل دائرة الهيمنة الاستعمارية المعاصرة دون فحص البنية الوظيفية للأنظمة الهشة أو "الدول الرخوة" في الإقليم. ففي ظل عجز هذه الكيانات عن تأسيس شرعية دستورية أو تنموية مستقلة نابعة من الإرادة الشعبية، تجد نفسها مرغمة، أو متواطئة، على تبني المنطق الذرائعي المعولم بوصفه استراتيجية نجاة وبقاء سياسي بالمعنى الميكافيلي الصرف.

تتعاطى هذه الدول مع القوى الاستعمارية الكبرى عبر تحويل وظيفتها السيادية من "حماية الفضاء العام والمواطنين" إلى ممارسة دور "الوكيل الإجرائي" لمنظومة الهيمنة. وهنا تنعكس الأدوات كالتالي:

استيراد ذرائع "مكافحة الإرهاب" و"الاستقرار الأمني": تستعير الأنظمة الرخوة المعجم الذرائعي الدولي لتسويغ القمع الداخلي، وخنق الحريات، وتصفية المعارضة السياسية تحت غطاء "الضرورة الأمنية غير المعيارية".

ترسيخ مبدأ الغاية تبرر الوسيلة محلياً: تتذرع هذه الدول بمتطلبات الاستقرار لتجاوز مبادئ العدالة الاجتماعية والتوزيع العادل للثروة، فيغدو اضطهاد الشعوب، وتفكيك الطبقات الوسطى، وقمع الحركات المطلبية مجرد "كلفة ضرورية" لإثبات الكفاءة أمام المراكز الدولية المانحة والضامنة لبقاء السلطة.

السيادة المقايضة: تصبح السيادة الوطنية في يد الدولة الرخوة ورقة مقايضة نفعية؛ إذ تتنازل عن قرارها الاقتصادي ومواردها الحيوية للمؤسسات الدولية، في مقابل نيل الاعتراف بشرعيتها وتأمين الحماية الخارجية ضد الاستحقاقات الديمقراطية الداخلية.

تبادل الأدوار بين اقتصادات الثقافة وثقافة الحقبة الاستعمارية

شهدت العقود الأخيرة تحولاً بنيوياً في ممارسة السيطرة؛ إذ انتقلت القوى المهيمنة من الاعتماد الأحادي على الخطاب الاستعماري التقليدي إلى التوسل بـ "اقتصادات الثقافة"؛ حيث تحولت الثقافة والفنون والتعليم والإعلام ومؤسسات المجتمع المدني إلى قطاعات إنتاجية وسلعية تُدار وفق منطق السوق وتوجيه الرأس المال.

يتجلى هذا التبادل في مسارات واضحة:

تسليع الخطاب التحرري وتسقيف النقد: تحويل مفاهيم النضال والتمكين وحقوق الإنسان إلى مشاريع ممولة مشروطة بمؤشرات أداء إجرائية وضعتها جهات مانحة، مما يفرغ العمل المدني من شحنته الوطنية النقدية الراديكالية ويحوله إلى قطاع خدمي يكرس إدارة الواقع بدلاً من تغييره.

الاحتكار الإعلامي والضبط الاجتماعي: استخدام التدفق المعلوماتي الموجه لتطبيع النماذج الاستهلاكية، وتصوير كل مشروع مقاومة ذاتية بوصفه سلوكاً غير عقلاني يهدد الأمن والاستقرار.

اصطفاء النخب الوكيلة: توجيه المنح الأكاديمية والتمويلات البحثية لصناعة نخب محلية تنبذ الأفكار التحررية الجذرية، وتتبنى الحلول الترقيعية الجزئية المتوائمة مع متطلبات السوق الليبرالية المحدثة.

نحو نموذج إرشادي مستقل للسيادة الثقافية والسياسية

يكشف هذا التفكيك الفلسفي عن تشابك وثيق بين الميكافيلية والذرائعية المحدثة لترسيخ الهيمنة الاستعمارية وتوظيف الأنظمة الرخوة واقتصادات الثقافة كأدوات ناعمة وخشنة لضبط الشعوب واستنزاف مقدراتها.

إن تجاوز هذا المأزق التاريخي لا يتحقق بالحلول الترقيعية، بل بإعادة بناء مفهوم السيادة والحق خارج المنطق الأداتي؛ وذلك عبر:

فض الارتباط التبعي بين المعرفة والسوق المعولمة، وبناء منصات معرفية وثقافية وطنية مستقلة تعبر عن الضمير الجمعي.

تفكيك المعادلة المصنوعة التي تضع الشعوب أمام خيارين عدميين: إما القبول بالاستبداد الداخلي الحاكم، أو الخضوع للوصاية الاستعمارية الناعمة.

صياغة مشروع نهضوي تحرري يقطع مع البراغماتية الأداتية والميكافيلية المحدثة، ويؤسس لنموذج حضاري يستعيد المبادئ الأخلاقية المطلقة في العدالة والحرية، ويمتلك أدوات إنتاج معرفته وقراره السياسي ومصيره المستقل.

***

غالب المسعودي

حول العلم والكون والخير.. مقاربة فلسفية إغريقية

مقدمة: تُعتبر الفلسفة الإغريقية الكلاسيكية، كما تجلت عند سقراط وأفلاطون وأرسطو، اللحظة التأسيسية التي حددت مسار التفكير الغربي في قضايا المعرفة والوجود والقيمة. ويترابط هؤلاء الثلاثة ترابطًا عضويًا: فسقراط يمثل الشرارة الأولى التي حولت الفلسفة من التأمل الطبيعي إلى السؤال الأخلاقي والمعرفي، وأفلاطون يطور هذا الإرث ضمن منظومة ميتافيزيقية شاملة، وأرسطو يعيد بناءه على أسس واقعية وتحليلية أكثر التصاقًا بالعالم المحسوس. ويهدف هذا البحث إلى إجراء مقارنة معمقة بين أفكارهم حول ثلاثة محاور مركزية: العلم (المعرفة)، والكون، والخير، ضمن مقاربة فلسفية إغريقية تركز على البنية الداخلية لكل مذهب والعلاقات الجدلية بينها. فكيف تصور كل من سقراط وافلاطون وارسطو مفاهيم العلم والكون والخير؟ وماذا ترتب عن هذا التصور؟ وهل هناك اختلافات جوهرية بين أفكارهم وتصوراتهم؟

أولاً: العلم والمعرفة بين سقراط وأفلاطون وأرسطو

يبدأ سقراط بنقلة جذرية في مفهوم العلم. فهو يرفض العلم الطبيعي السابق الذي يبحث في أصول الكون المادية، ويحول الفلسفة إلى فحص النفس البشرية والفضيلة. العلم عنده هو معرفة الذات، و«اعرف نفسك» هي القاعدة الأولى. ويتميز منهجه بالجدل التوليدي الذي يكشف الجهل المتخفي وراء الادعاء بالمعرفة. فالعلم الحقيقي يبدأ بالاعتراف بالجهل، ويتجه نحو تعريف الماهيات الأخلاقية تعريفًا كليًا ثابتًا. وهو علم عملي في جوهره، لا ينفصل عن الفضيلة؛ إذ لا يمكن أن يعرف الإنسان الخير ولا يفعله. والمعرفة السقراطية حدسية وحوارية في آن، تعتمد على الاستقراء الناقص والتعميم من الأمثلة الجزئية إلى الحد الكلي.

أما أفلاطون فيرتفع بالمعرفة إلى مستوى ميتافيزيقي أعلى. فهو يميز تمييزًا حادًا بين مستويين: عالم المحسوسات المتغير الذي لا يمنح إلا الظن أو الاعتقاد، وعالم المثل المعقول الذي يمنح العلم الحقيقي. والعلم عنده إدراك عقلي للمثل الثابتة الخالدة، ويتم عبر الجدل الصاعد الذي يرتقي من المحسوس إلى المعقول، ومن الفرضيات إلى المبدأ الأول غير المشروط. وتحتل الرياضيات موقعًا وسطًا بوصفها تمرينًا يهيئ النفس لرؤية المثل. والمعرفة الأفلاطونية تذكرية في أساسها؛ فالنفس كانت قد عاينت المثل قبل حلولها في الجسد، والتعلم هو استعادة تلك الرؤية. وبذلك يصبح العلم انعتاقًا من ظل الكهف وارتفاء نحو الخير الأسمى الذي ينير كل معرفة.

ويأتي أرسطو ليعيد تأسيس العلم على قاعدة مختلفة تمامًا. فهو يرفض عالم المثل المنفصل، ويجعل العلم يبدأ من المحسوس ليرتفع بالاستقراء والتجريد إلى الكليات الكامنة في الأشياء ذاتها. والعلم عنده معرفة بالعلل والمبادئ، وتنقسم المعرفة إلى نظرية وعملية وإنتاجية. ويتدرج العلم من الإحساس إلى التجربة إلى الفن إلى العلم البرهاني الذي يعتمد على القياس اليقيني. ويتميز المنهج الأرسطي بالتحليل المنطقي الدقيق، وبتصنيف العلوم، وباعتبار أن الكلي يُعرف من خلال الجزئي لا بمعزل عنه. والمعرفة الحقيقية هي معرفة ماهية الشيء من خلال الحد والبرهان، وهي ممكنة لأن العقل قادر على تجريد الصورة من المادة. بالمقارنة، يظهر سقراط بوصفه مؤسس السؤال المعرفي الأخلاقي، وأفلاطون بوصفه من رفع المعرفة إلى رؤية ميتافيزيقية للمثل، وأرسطو بوصفه من أعادها إلى العالم الواقعي وربطها بالمنطق والعلية. سقراط يجعل العلم فضيلة، وأفلاطون يجعله تذكرًا وصعودًا، وأرسطو يجعله برهانًا واستقراءً. والأول حواري عملي، والثاني جدلي صاعد، والثالث تحليلي تصنيفي.

ثانيًا: الكون بين سقراط وأفلاطون وأرسطو

لم يهتم سقراط بالكون الطبيعي اهتمامًا مباشرًا. فقد اعتبر البحث في أصول العالم المادية مشتتًا عن السؤال الأهم المتعلق بالنفس والفضيلة. والكون عنده خلفية أخلاقية أكثر مما هو موضوع دراسة مستقلة. ومع ذلك، يمكن استنتاج رؤية ضمنية ترى في النظام الكوني تعبيرًا عن عناية إلهية أو عقل أعلى، لأن النظام الأخلاقي الذي يدعو إليه يفترض كونًا منظمًا يقبل المعنى والقيمة. غير أن هذا الجانب يبقى ثانويًا مقارنة بالتركيز الإنساني.

 أما أفلاطون فيقدم صورة كونية متكاملة في محاورة «طيماوس» وغيرها. فالكون مصنوع من قبل صانع إلهي خير، ينظر إلى المثل الثابتة ويشكل العالم المحسوس على منوالها. والكون حي عاقل، له نفس تحركه، ويتكون من نسب رياضية دقيقة تعكس النظام المعقول. والمادة ليست عدمًا محضًا بل هي المتلقي الذي يقبل الصور. والعالم المحسوس ظل للمثل، وهو أفضل ممكن لأن الصانع خير. وبذلك يصبح الكون وسيطًا بين عالم المثل الخالص وعالم الصيرورة، والنظام الفلكي والرياضي فيه دليل على عناية عاقلة.

ويبني أرسطو رؤية كونية مختلفة جذريًا. فالكون أزلي غير مخلوق، ويتكون من عالم ما تحت فلك القمر المتغير وعالم ما فوقه الأزلي الدائري. والحركة تحتاج إلى محرك، وهذا المحرك الأول غير المتحرك هو عقل خالص يفكر في ذاته، ويجذب العالم بوصفه علة غائية لا فاعلة مباشرة. والمادة والصورة متلازمتان في كل موجود طبيعي، والصورة هي ما يحدد الماهية. والكون منظم وفق علل أربع: المادية والصورية والفاعلة والغائية. والنظام الكوني يتجلى في السعي الطبيعي لكل شيء نحو كماله الخاص، وفي الحركة الدائرية للأجرام السماوية بوصفها أقرب إلى الكمال. بالمقارنة، يغيب الكون الطبيعي تقريبًا عند سقراط لصالح الكون الأخلاقي، ويصبح عند أفلاطون مصنوعًا على صورة المثل وبفعل صانع خير، ويغدو عند أرسطو أزليًا منظمًا بعلل داخلية ومحرك أول غائي. أفلاطون يمنح الكون طابعًا هندسيًا ورياضيًا وإلهيًا صريحًا، بينما يمنحه أرسطو طابعًا بيولوجيًا وعلّيًا وغائيًا دون خلق زمني.

ثالثًا: الخير بين سقراط وأفلاطون وأرسطو

يجعل سقراط الخير محور فلسفته كلها. والخير عنده مرتبط بالمعرفة؛ فمن يعرف الخير لا بد أن يفعله، والشر ناتج عن الجهل. والفضائل واحدة في جوهرها وترجع إلى الحكمة. والسعادة هي الحياة الفاضلة العاقلة، لا اللذة الحسية. والخير ليس نسبيًا بل كلي يمكن تعريفه بالحوار. وبذلك يؤسس سقراط أخلاقًا عقلية صارمة ترى في الجهل أصل الرذيلة، وفي معرفة النفس طريقًا إلى الخير.

 ويرتفع أفلاطون بالخير إلى قمة المنظومة الميتافيزيقية. فمثال الخير هو أعلى المثل، وهو الذي يمنح الوجود والمعقولية لكل شيء آخر، كما تمنح الشمس الرؤية والنمو للموجودات المحسوسة. والخير ليس ماهية بين الماهيات بل مبدأ يفوق الماهية. وفي النفس والدولة، يتحقق الخير عندما يسود النظام العادل الذي تتحكم فيه القوة العاقلة بالقوتين الغضبية والشهوانية. والسعادة الحقيقية تكون في التأمل الفلسفي للمثل، وخاصة مثال الخير. والأخلاق الأفلاطونية صعود نحو التشبه بالإلهي قدر الإمكان.

أما أرسطو فيعيد تعريف الخير بوصفه الغاية التي يسعى إليها كل موجود. والخير الأسمى للإنسان هو السعادة أو الازدهار (اليودايمونيا)، وهي نشاط النفس وفق الفضيلة الكاملة في حياة كاملة. والفضائل نوعان: أخلاقية تُكتسب بالعادة، وعقلية تُكتسب بالتعليم. والفضيلة وسط بين طرفين رذيلين. والسعادة القصوى تكون في التأمل النظري الذي يحقق أسمى جزء في الإنسان وهو العقل. والخير ليس مثالًا منفصلًا بل يتحقق في الفعل والنشاط داخل المدينة وشروط الحياة البشرية.

بالمقارنة، يربط سقراط الخير بالمعرفة ربطًا وثيقًا ويجعل الفضيلة علمًا، ويرفعه أفلاطون إلى مبدأ ميتافيزيقي أعلى من الوجود نفسه، ويجعله أرسطو غاية متحققة في النشاط الفاضل والتأمل داخل شروط الحياة الإنسانية. سقراط أخلاقي حواري، وأفلاطون ميتافيزيقي صاعد، وأرسطو عملي غائي متوسط.

خاتمة

تربط بين المفكرين الثلاثة علاقة تطورية وجدلية. فسقراط يفتح الأفق بالسؤال الأخلاقي والمعرفي، وأفلاطون يبني عليه صرحًا مثاليًا شامخًا، وأرسطو ينقد هذا الصرح ويعيد تأسيسه على أرض الواقع والتحليل. في العلم ينتقلون من الحوار التوليدي إلى الجدل الصاعد إلى البرهان الاستقرائي-الاستنباطي. وفي الكون ينتقلون من الإهمال النسبي إلى الصنع الإلهي الرياضي إلى النظام الأزلي الغائي. وفي الخير ينتقلون من التوحيد بين المعرفة والفضيلة إلى مثال الخير المتعالي إلى السعادة بوصفها نشاطًا فاضلًا. ويظهر التقابل الأبرز بين أفلاطون وأرسطو: المثالية مقابل الواقعية، الانفصال بين عالمين مقابل الوحدة بين المادة والصورة، الصعود الجدلي مقابل التحليل العلّي، الخير المفوق للوجود مقابل الخير المتحقق في الفعل. أما سقراط فيظل الجذر المشترك الذي يمنحهما الطابع الأخلاقي والاهتمام بالإنسان.

تكشف المقارنة بين سقراط وأفلاطون وأرسطو حول العلم والكون والخير عن ثلاثة أنماط كبرى في التفكير الفلسفي الإغريقي: النمط الحواري الأخلاقي، والنمط المثالي الصاعد، والنمط التحليلي الغائي. فسقراط يؤسس المعرفة بوصفها فحصًا للذات والفضيلة، ويهمل الكون الطبيعي لصالح الكون الأخلاقي، ويجعل الخير علمًا. وأفلاطون يرفع المعرفة إلى إدراك المثل، ويجعل الكون مصنوعًا على صورتها، ويرفع الخير إلى مبدأ أعلى من الوجود. وأرسطو يعيد المعرفة إلى العالم المحسوس عبر العلل والبرهان، ويجعل الكون أزليًا منظمًا غائيًا، ويعرف الخير بوصفه سعادة تتحقق في النشاط الفاضل والتأمل. وهذه الأنماط الثلاثة ليست مجرد مراحل تاريخية، بل إمكانات دائمة للعقل الفلسفي: إمكان السؤال الحواري، وإمكان الرؤية المثالية، وإمكان التحليل الواقعي. ودراستها المقارنة تكشف كيف تبنى الفلسفة الإغريقية صروحها الكبرى من خلال الحوار والنقد وإعادة التأسيس، وكيف ظلت أسئلتها حول ما يمكن معرفته، وما هو نظام الوجود، وما هو الخير الجدير بالسعي، أسئلة حية مفتوحة على كل تفكير لاحق. فكيف أثرت الفلسفة الاغريقية على الفلسفة الوسيطة عند العرب والمسلمين وعند اليهود والمسيحيين؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

قبل ستين سنة، قدمت حنا ارندت نقدا مؤلما للحداثة. فهي ترى ان المجتمع سيصبح عالقا في دورات متسارعة من العمل والاستهلاك. الفعل الإنساني الحر سيحل محله الاستغلال، والمعنى ستحل محله الإنتاجية. انت تبدأ المهمة، تستكمل المهمة والعملية تتكرر بلا انقطاع. ترى ارندت هذا وصفا ليس للعمل بل للجهد الحيوي او الحاجة البيولوجية لأجل البقاء labor(1) . بالنسبة للحرية والمعنى، الجهد الحيوي في ادنى مستوى من مستويات النشاط البشري ولسوء الحظ، هو أيضا المستوى الذي انحدرت فيه معظم الأنواع الأخرى من الفعالية البشرية.

الدورات المتسارعة للعمل والاستهلاك تستبدل الفعل الإنساني الحر بحسابات موجهة نحو الهدف وتفضيل الإنتاجية على المعنى. ارندت تقدم هذا التحليل في كتابها التنبؤي عام 1958 بعنوان الوضع البشري، الذي يقدم وصفا لما تسميه ارندت الحياة النشطة Vita activa.

تقارن ارندت بين الحياة النشطة والحياة التأملية. هي تخبرنا انه بينما حياة التأمل تُعتبر تقليديا أسمى من الحياة النشطة، لكن الحداثة قلبت هذا الحكم: حياة الفعل الان تُعتبر افضل من حياة التأمل. التفكير الأفضل لم يعد هدفا بحد ذاته. بدلا من ذلك، نحن نسأل : ما الغرض من كل هذا التفكير؟ ماذا سيسمح لنا الفهم الأكبر في مجال العمل التطبيقي؟ ارندت تعبّر عن ذلك في التالي:

ربما الأكثر أهمية في النتائج الروحية للاكتشافات في عصر الحداثة هو قلب الترتيب الهرمي بين الحياة التأملية والحياة العملية. ارندت تعتقد اننا نحتاج كل من الحياة التأملية والحياة العملية، ولا يجب ان نضع واحدة فوق الأخرى. ما يهمها ليس فقط رفض الحداثة الكلي للحياة التأملية، وانما أيضا تصور الحداثة الخطير للحياة العملية، وهو التصور الذي يسلب المعنى من كل من حياتنا العملية وغير العملية. لكي نلقي الضوء هنا، ارندت تميز بين ثلاثة عناصر تشكل الحياة النشطة المتكاملة والشاملة: الجهد الحيوي، العمل، والفعل. حالما نقدر الفرق بين هذه العناصر سوف نفهم لماذا تعتقد ارندت ان الحداثة تقدم فقط نسخة فقيرة من الحياة النشطة، نسخة تجعل الحياة والعمل الوظيفي لدى معظم الناس خال من المعنى.

الجهد الحيوي هو ما يبقينا على قيد الحياة

ان ادنى مستوى في مخطط فيتا اكتفيا هو الجهد الحيوي labor. يتألف الجهد الحيوي مما يجب ان نقوم به، الى جانب كل الحيوانات الأخرى، فقط لتلبية حاجاتنا البيولوجية. جمع الموارد، استهلاك الموارد. الجهد الحيوي يشبه الأنماط الدائرية للطبيعة، أنماط نحن مستعبدون فيها بشكل ما. نحن نأكل ولكن حالا سنصبح جياعا مرة أخرى. الفلاحون يحصدون غلاتهم ويجب عليهم إعادة حراثة حقولهم. التمارين البدنية، النظافة الشخصية، اعمال منزلية – الجهود الحيوية يجب ان تكون متجددة دائما لأنها يتم الغاؤها من خلال الاستهلاك. بينما هذه الدورات يمكن ان تكون ممتعة، هي بالنهاية تفتقر للمعنى لأنها محكومة بضرورة البقاء. في هذا الشأن، كل الكائنات الحية لا يختلف بعضها عن البعض الاخر، نحن يجب ان نعمل لنبقى احياءً.

العمل يعيد تشكيل العالم

العمل work هو المستوى الثاني في الفيتا اكتفيا لحنا ارندت، وهو يتمثل في انتاج الصناعات. اذا كان الجهد الحيوي يعمل وفقا لانماط طبيعية لا متناهية، عندئذ العمل هو شيء ما يخل بهذا النمط. نحن ننتج أداة، كتاب، او مؤسسة تتجاوز قيود الطبيعة وتقف خارج دوراتها. نحن نخلق شيئا ما يستمر.

العمل بالنسبة لارندت لا يستلزم فقط مهمات متكررة من العمل وانما ستراتيجية موجهة نحو هدف، وحسابات وتخطيط للمستقبل. الزمن يصبح خطيا وليس دائريا. نحن لا نعيل فقط انفسنا في العالم، نحن نعيد صياغة العالم. نحن نبني بنية تحتية، نخلق فنا، ننتج أشياء جديدة مفيدة لزملائنا البشر تغير تجاربهم بطريقة دائمة. العمل هو هادف ومؤسس للعالم، له هدف يتجاوز الاستهلاك.

الفعل يعلن منْ نحن

الفعل action هو أعلى مستوى في مخطط فيتا اكتفيا لارندت، وهو الأصعب من حيث الفهم الموجز. أساسا، الفعل هو كيف نكشف للاخرين عن هويتنا وليس عن طبيعة ما نحن فيه. خلافا للجهد الحيوي والعمل، الفعل لا يُحكم بالضرورة او بالحسابات الآلية، وانما بالحرية والتعددية. انه حيثما نظهر امام بعضنا البعض على قدم المساواة لمناقشة واطلاق مبادرات غير مسبوقة في المجال العام – لا يمكننا التنبؤ بعواقبها بشكل تام. سواء كانت تقود لمؤسسة سياسية جديدة، او التقدم في فكرة جديدة، او مجرد مبادرة محلية بين الجيران، الفعل يُدخل الجديد في شبكة العلاقات الإنسانية. نحن لا نعيش فقط في هذا العالم، ونحن لا نكتفي بتشكيله من خلال الصناعات البشرية. من خلال الفعل نحن نعلن من نحن. من خلال الفعل العالم لا يُبنى فقط وانما يتغير. الفعل يجلب المعنى للعالم الإنساني. وبينما الجهد الحيوي والعمل والفعل كلهم فيهم دور مميز يلعبونه في حياة نشطة متوازنة، لكن مخاوف فيتا اكتفيا لارندت ان الحداثة تطمس الحدود الفاصلة بينهم. المستويات العليا يتم اكتساحها من الأسفل.

في عدة مجالات، مثلا، العمل جرى اختزاله الى جهد حيوي. نحن باستمرار ننتج صناعات صُممت ليس للصمود في اختبار الزمن وانما لخدمة دورة العمل القادمة. جهودنا لا تخلق شيئا جديدا او مستمرا او مفيدا. نحن نؤدي نفس المهمات مرة بعد أخرى للحفاظ على السوق ولتلبية الحاجات المتزايدة من الأجهزة الالكترونية والملابس والحلي والمعلومات والتسلية، كلها تُنتج لتُستهلك ثم تُرمى بعيدا. وكما توضح ارندت في كتاب الوضع البشري، العملية اللامتناهية للجهد الحيوي يتم ضمانها بالحاجات المتكررة دوما للاستهلاك، والانتاج اللامتناهي يمكن ضمانه فقط اذا كانت منتجاته تفقد طابعها الاستخدامي وتصبح أشياء للاستهلاك، او بكلمة أخرى، سرعة الاستخدام تتسارع بشكل هائل لدرجة ان الاختلاف الموضوعي بين الاستخدام والاستهلاك، بين الاستمرارية النسبية لاستخدام الأشياء والتدفق السريع للسلع الاستهلاكية دخولا وخروجا ، يتضاءل الى حد لا يُذكر.

بدلا من انتاج صناعات تهم، نحن نخلق منتجات تُستهلك كالطعام. العمل تراجع الى مجرد حلقة مفرغة لتأمين سبل العيش او الكفاف. في وظائفنا اليوم نحن نحضر اجتماعات لايحتاج احد المشاركة فيها، نناقش خططا لا نؤمن بها، نبيع منتجات لا يريدها الناس. والأمور لا تسير بشكل افضل عندما نكون على الجانب الاخر من الطاولة كمستهلكين. بفضل الانتشار الواسع للاعلانات، نحن نشتري أشياء لا نحتاجها، نحل مشاكل ليست لدينا، نهدئ مخاوف مصطنعة تماما مثل الحلول المقترحة لها. بينما العمل يُخفض الى جهد حيوي، ارندت أيضا تحذر من ان الفعل يُخفض الى ممارسة تشبه العمل الروتيني. وبدلا من الكشف التلقائي لحقيقة انفسنا، نشاطاتنا تُحتسب باستمرار كهدف موجه يسترشد بالكفاءة. الكائنات الفردية تشظت الى نقاط بيانات.

نظرا الى ان الشركات التكنلوجية تتعقب كل شيء بدءا من خطواتنا وصولا الى معدل ضربات قلوبنا، الى عاداتنا في تمرير الماوس وافضليات الشراء، فان مثل هذه التحليلات قد تبدو تنبؤية بشكل مذهل، لكن ارندت رأت العلامات قبل عقود مضت.

طبقا لحنا ارندت، تصورنا الحديث لفيتا اكتافيا، يقلل من أهمية الأنشطة ذات النطاق الواسع من حيث المعنى (الأفعال الحرة الاصلية) وتبرز الأنشطة ذات النطاق الضيق (الجهد الحيوي والعمل). ونظرا لهذا المفهوم الخاطئ، السياسة والمجتمع الواسع يخدمان وبشكل متزايد المتع الخاصة القصيرة الاجل، مخفضين الحياة العامة الى تحليلات الكلفة -العائد للاهتمامات الشخصية بدلا من مساحة لحوار سياسي هادف، وفعل، وتغيير.

وعندما تستمر دورات الجهد الحيوي والاستهلاك بالتسارع، نحن سوف نصبح منهكين في آلة قاسية دون ان يكون لدينا مكانا آخر نلجأ اليه. اذن ماذا يمكن ان نعمل؟ ان نقد اردنت العميق والدقيق والاستفزازي في كتاب الوضع البشري يمكن فهمه في هذا الايجاز القصير. لكن ربما نحن نسأل انفسنا ما هو التوازن بين الجهد الحيوي والعمل والفعل في حياتنا اليومية؟

هل لدينا مساحة كافية لكي نكشف وبشكل صادق وذو مغزى عن انفسنا امام مواطنينا؟  هل ننتج عمل يستمر ويهم؟ ام هل نقع في فخ الدورات الأبدية للجهد الحيوي والاستهلاك ونُحاصر بكفاءة حسابات الغاية والوسيلة؟ اذا شعرنا ان اردنت قد اصابت في شيء، نحن ربما نتساءل ما هي الحلول اذن؟ لسوء الحظ ان الامر ليس بهذه البساطة. ارندت تعتقد اننا يجب بطريقة ما ان نتوقف عن تمجيد الجهد الحيوي ونعيده الى مكانه الحقيقي في اسفل الترتيب الهرمي لفيتا اكتافيا. نحن يجب ان لا نطمس الخطوط الفاصلة بين الجهد الحيوي والعمل، وبين العمل والفعل. بدلا من أخلاق رهيبة، وإبقاء انفسنا بعيدين عن الموت بحد الكفاف الدائم، نحن يجب ان نركز كثيرا على معدل المواليد والخلق المستمر .

وما هو اكثر أهمية، يجب ان نعيد تصور السياسة والمجتمع بطريقة يكونان فيها متحررين من هيمنة حسابات الغاية والوسيلة القصيرة الاجل، ونوفر نطاقا للكائن البشري ليكشف ليس عن هويته وانما عن ما هو عليه.

هل الجهد الحيوي حقا يفتقر للاهمية؟

قد نجد مظاهر لتحليلات ارندت مزعجة – خاصة تجاهلها لأهمية العمل المحتملة. انا قد لا اغير العالم او اميز نفسي عن الاخرين عندما اغسل الصحون او اذهب في جولة صباحية او اتمتع بكوب قهوة، لكن هل هذا حقا يجعل تلك اقل النشاطات المتوفرة لدي ذات معنى ؟ اليس المعنى يعتمد أيضا على نوع الانتباه الذي نجلبه الى كل ما ننشغل به، سواء كان ذلك بتناول غدائنا بوعي او نتحدث بمرح الى زميل؟

ربما لنحل إشكالية لا معنى الحياة، نحن يجب ان نركز على قدرتنا لنجد معنى في العادي بدلا من حاجة وظائفنا لتكون هادفة بشكل استثنائي. بعض مفكري النسوية يشيرون الى ان النساء جرى تقليديا انكارهن أي شيء وراء ما يسمى المستوى "الأدنى" في فيتا افتاكيا، ومندهشون من فشل اردنت بالاعتراف بالانقسام الجندري بين العمالة الدائرية المطلوبة لابقاء النوع حيا مثل رعاية الطفل وعمل المنزل وما تراه هي مستويات عليا "اكثر معنى". ماذا اكثر معنى من الحفاظ على النوع؟

من الملفت، آخرون يجدون تمييز ارندت مفيدا لتسليط الضوء على هذه القضية غير العادلة جدا: ان النساء عادة تقتصر على الجهد الحيوي غير المتناهي ابدا .

بينما يستمر النقاش حول عمل ارندت، من الصعب انكار أصالة وفائدة تمييزها بين الجهد الحيوي والعمل والفعل. قولها ان حياتنا تفتقر للمعنى لأنها تضاءلت الى مستوى ادنى من النشاط الإنساني هو تقييم جديد واستفزازي ربما يعطينا وقفة. ماذا يمكن للإنسانية ان تطمح وراء دوراتها اللامتناهية للعمالة والاستهلاك؟

***

حاتم حميد محسن

......................

Philosophy Break, June 2026

الهوامش

(1) تميّز ارندت بين ثلاثة مفاهيم: labor,work,action.

Labor: هو الجهد الحيوي او الحاجة البيولوجية للبقاء مثل تناول الطعام او النوم، وهي حاجات لا تنتهي ابدا ولا تترك أي شيء خلفها حال استعمالها.

 والعمل  work: الذي يترك أشياءً للعالم، مثل بناء عالم انساني دائم ،ومن صفاته ان له بداية واضحة ونهاية واضحة، يخلق أشياء قوية تبقى بعدما نغادر مثل بناء منضدة خشبية قوية او منزل.

 والفعل action : الذي يتم فيع عمل الأشياء مع الاخرين. ويحدث مباشرة بين الناس في المجال العام. نستعمل كلمات وافعال لنبين هويتنا المتميزة، نخلق قصصا وعلاقات بدلا من أشياء مادية. مثال: العمل المشترك لبدء قاعدة جديدة او جماعة.

(قراءة في مفهوم التعاطف التكيفي وإدارة المسافة في العلاقات الإنسانية)

"يمنح التعاطف التكيفي الإنسان قدرة نادرة على الاقتراب من عوالم الآخرين دون أن يفقد موقعه فيها، فيرى اختلافهم من الداخل، ويستجيب لهم بمرونة، ويظل قادراً على أن يختار موقفه بوعي " (الكاتب).

يهدف المقال إلى توضيح مفهوم التعاطف التكيفي بوصفه قدرة نفسية واجتماعية تمكّن الفرد من فهم الآخر في سياقاته المختلفة، وتكييف استجاباته وفق طبيعة المواقف والعلاقات، بما يحفظ توازنه واستقلاله، ويدعم بناء علاقات أكثر اتزاناً ومرونة وإنسانية في الحياة الاجتماعية.

لا يبدأ التعاطف الحقيقي من مشاركة الآخر مشاعره، بل من القدرة على فهمها دون أن نصبح أسرى لها. فقد يتأثر الإنسان بحزن غيره دون أن يدرك مصدره، ويشعر بألمه دون أن يفهم التجربة التي شكلته، وقد يبالغ في احتوائه حتى يفقد المسافة التي تمكنه من رؤيته بوضوح. لذلك يتجاوز التعاطف التكيفي مجرد الاستجابة الوجدانية، إنه قدرة ذهنية ووجدانية على قراءة الآخر داخل سياقه النفسي والاجتماعي، ثم تعديل طريقة التعامل معه وفق ما يقتضيه الموقف، من غير أن يفقد الإنسان حدوده أو يتنازل عن مبادئه. فجوهره ليس أن نشعر كما يشعر الآخر، وإنما أن نفهم ما يشعر به، وأن نعرف كيف نستجيب له دون أن نفقد قدرتنا على الاختيار.

كثيراً ما نقرأ الآخرين من خلال تجاربنا الخاصة، فنمنح سلوكهم المعنى الذي اعتدنا أن نراه فيه. نعتبر الغضب عدواناً، والصمت تكبراً، والانسحاب بروداً، بينما قد تكون وراء هذه السلوكيات خبرات وضغوط لا تظهر في الكلام. في هذا السياق، تتدخل المرونة التكيفية لتفصل بين الملاحظة والحكم، وتمنح العقل فرصة للنظر إلى السلوك من أكثر من زاوية. وهذا لا يعني تبرير الفعل أو تعليق المسؤولية، بل إدراك أن السلوك يفقد جزءاً من معناه عندما نعزله عن السياق الذي أنتجه. فالتعاطف لا يطلب منا أن نتبنى تفسير الآخر لذاته، وإنما أن نمنحه فرصة لأن يفهم قبل أن يختزل في حكم. وكلما اتسعت قدرتنا على قراءة السياق، أصبح حكمنا أكثر عدلاً وأقل خضوعاً للانطباع الأول.

غير أن التعاطف الذي لا تحكمه الحدود قد ينقلب على صاحبه. فاستيعاب مشاعر الآخرين باستمرار لا يجعل الإنسان أكثر إنسانية بالضرورة، فقد يجعله أكثر عرضة للاستنزاف وفقدان الوضوح. أن تفهم خوف شخص لا يعني أن تحمل خوفه، وأن تدرك غضبه لا يعني أن تصبح امتداداً له، وأن تتفهم ألمه لا يعني أن تتحمل مسؤولية حياته. لذلك يقوم التعاطف التكيفي على معادلة دقيقة قرب يكفي للفهم، ومسافة تكفي للحفاظ على الذات. وهذه المسافة ليست نقصاً في الحساسية، بل شرطاً لها، لأن الإنسان لا يستطيع أن يرى بوضوح ما ابتلعته مشاعر الآخر. ومن هنا يصبح وضع الحدود جزءاً من التعاطف، لا نقيضاً له.

كما أن قدرتنا على التعاطف ليست فردية خالصة، فالمجتمع يشارك في تشكيلها وتوجيهها. نحن نتعلم منذ الطفولة كيف نقرأ مشاعر الآخرين، ومن نمنحه العذر، ومن نحمله المسؤولية، ومن نراه جديراً بالشفقة أو التفهم. وتدخل في ذلك التربية والمكانة الاجتماعية والقرب والتشابه والصور الثقافية المسبقة. لذلك قد نفهم خطأ شخص قريب لأننا نعرف ظروفه، بينما ندين الفعل نفسه إذا صدر عن شخص بعيد عنا. بذلك تكشف الحياة الاجتماعية أن التعاطف ليس موزعاً بالتساوي، فنحن لا نرى الإنسان دائماً قبل موقعه الاجتماعي، بل قد نراه من خلاله. وتكمن إحدى وظائف التعاطف التكيفي في مقاومة هذه القراءة الجاهزة، بحيث يصبح فهم الآخر محاولة لرؤيته داخل تجربته لا داخل الصورة التي صنعناها عنه.

وتزداد أهمية ذلك في بيئة اجتماعية تتسارع فيها الأحكام وتقل فيها فرص المعرفة المتأنية. فمواقع التواصل الاجتماعي تدفع الإنسان إلى التعامل مع الآخرين من خلال شذرات من كلامهم وصورهم ومواقفهم، فيتحول الانطباع إلى حكم، والحكم إلى موقف، والموقف إلى هوية ثابتة يصعب تعديلها. في مثل هذا السياق، لا تكون المرونة التعاطفية مجرد قدرة على التأثر، وإنما قدرة على إعادة تفسير الآخر كلما ظهرت معطيات جديدة. وهذا هو جوهر التكيف، أن تتبدل استجابتنا كلما اتسع فهمنا للموقف دون أن تتبدل مبادئنا إرضاءً للآخر. فقد يكون الإصغاء هو الاستجابة المناسبة في موقف معين، وقد تكون المواجهة في موقف آخر، وقد يكون وضع الحدود أكثر إنسانية من الاستجابة لكل طلب. فالتعاطف الناضج لا يمنح الجميع الاستجابة نفسها، بل يمنح كل موقف ما يحتاجه دون أن يفقد الإنسان مركزه الأخلاقي.

ففي جوهره، التعاطف التكيفي ليس زيادة في مقدار ما نشعر به، بل ارتقاء في الطريقة التي نفهم بها ما نشعر به وما يشعر به الآخرون. إنه يجمع بين الحساسية والتمييز، وبين المرونة والثبات، وبين القدرة على الاقتراب والقدرة على الانسحاب دون قسوة.

ولذلك لا يقاس نضج التعاطف بمدى تأثر الإنسان بالآخر، وإنما بقدرته على تحويل التأثر إلى فهم، والفهم إلى استجابة واعية، والاستجابة إلى علاقة لا تستنزف أحد طرفيها. وربما يكون النضج الاجتماعي هو أن نرى الإنسان في تعقيده، وأن نمنحه حق الاختلاف دون أن نفقد حقنا في الاختيار، ففهم الآخر لا يعني أن نصبح مثله، وإنما أن نعرف ما الذي يدفعه إلى أن يكون كما هو، ثم نقرر بوعي كيف نكون نحن أمامه.

نصيحتي لك، درب نفسك على أن ترى ما وراء المواقف قبل أن تستجيب لها، وأن تمنح اختلاف الناس فرصة لأن يكشف سياقه قبل أن يتحول في ذهنك إلى حكم نهائي. لا تجعل حساسيتك تجاه الآخرين عبئاً عليك، ولا تجعل قدرتك على فهمهم باباً لاستنزافك، تعلم أن تغير أسلوب تعاملك عندما تتغير حاجات الموقف، وأن تحافظ في الوقت نفسه على ما يمنحك اتزانك الداخلي. فالحياة الاجتماعية لا تمنحنا دائماً أشخاصاً يشبهوننا، لكنها تمنحنا فرصاً متكررة لنتعلم كيف نكون أكثر مرونة في التعامل، وأكثر وعياً بحدودنا، وأكثر قدرة على الاستجابة للإنسان كما هو لا كما نريده أن يكون. وحين يصبح هذا الوعي جزءاً من طريقتنا في الحياة، تتحول علاقتنا بالآخرين من مجرد ردود أفعال إلى اختيار أكثر نضجاً وإنسانية.

***

د. حسام الدين فياض/ باحث وأكاديمي سوري

الأستاذ المساعد في النظرية الاجتماعية المعاصرة

قسم علم الاجتماع كلية الآداب في جامعة ماردين- تركيا

رغم دخول الفلسفة تاريخياً عصر الحداثة، إلاَّ أنها خرجت من مشهدها الفكري بطريقةٍ أو بأخرى. الوضعُ متناقض إلى حد الرثاء. صحيحٌ أنَّ مجتمعات الحداثة أدرجَت التنوير مرجعاً أساسياً، و هو الابن الشرعي للفلسفة، ولكنها ضجّت إزاء مهام الفلاسفة ضمن جوانب الحياة الأخرى. تمَّ اعتبارهم " كائنات عجائبيةً " مازالت تحت التبرير. فظهرت بدائل سَرَقت وظائف الفلسفة بعناوين شتى. لم يعد التفكير الفلسفي نشاطاً حياتياً حُراً، بل هامشياً ضمن إطارٍ محددٍ. وهذا بالطبع لم يمنع ظهور فلاسفة كبار: من ديكارت إلى ليبينتز، ومن سبينوزا إلى كانط، ومن هوبز إلى هيجل. وتطول قائمةُ الاسماء المؤسِسة لمفاهيم: الحديث، التحديث، ما هو حداثي.

الأطر الحداثية تُسلّم كيان الأفراد إلى بعضها البعض. لا تتركهم دون قولبةٍ، بل ليس بالامكان ممارسة العيش خارج إطار حداثي ما، إذا أردت اعترافاً بكيانك، فينبغي الانتظام في صفوفٍ معروفة. وإذا أردتَ حياةً أمام فاعلية الآخرين، فيجب مراعاة القواعد والآليات الضامنة لتحقيق التأثير. الحداثة فرضت قيوداً على مفاهيم الحياة مع تباين البشر. لأنّ الضوابط تبرز الاختلافات وتحميها من الإنزواء. واللافت أنَّ وظائف: النقد، المُساءلة، التحقُق، الاستقصاء، تثقيف العقول، والتدرُب على فنون العيش باتت من صلب المؤسسات والأنشطة الحداثية. وجُوه إنسانية لم تأخذ طابعاً فلسفياً أصيلاً، ولكنها اكتسبت معاني سياسيةً وأخلاقيةً تخدم أهدافاً أكبر للمجتمع. أي انتظمت تلك الاشياء في دائرة المجال العمومي وفقاً لآليات عمله لا غير.

حتى اللحظة الراهنة، كان ذلك أخطر" تحولٍ تاريخيٍ" في مكانة الفيلسوف، تحول تجاه رمزيته، تجاه بحثه عن أصالة الحياة، تجاه قدراته على فهم العقول، وتجاه تفسيراته لحركة التاريخ. لم تكن الحروبُ الدينية هي الأخطر بصدد الفلسفة، ولم تكن ملاحقة الاساطير والخرافات للفكر الحر هي المطاردة الأشرس، ولم تكن اتهامات المفكرين بالتكفير والمروق من الأديان هي الأوقع تأثيراً. و لم يكن تضخمُ العقول هو التهديد المباشر للحوار الإنساني، ولم تُحْدِث نزعات التعصب والعنف تآكلاً في جدران الفلسفة فحسب.

فكل هذا لم يُقارَن بما جرى مع الحداثة: عندما ألبست الفلسفة ثوباً آخر. ثوب ضيق لا يقوى ماضيها الطويل على ارتدائه دون التمزق: وعندما أصرّت أن تنزع قدرتها الذاتية على التحرر. حتى فكرة الثورة ذاتها، جاءت كتقنية حداثية محجوزة سلفاً لمن يمتلك زمام المجال العام لا لمن يستطيع التحرر ذاتياً. يستحيل أن نفهم الثورات بعيداً عن فهم الحداثة لفضاء الثورة والثوار، ولا بعيداً عن قولها فيما تعنيه الثورة، السياسة، السلطة.

إنَّ القول في الثورة قول حداثي بامتياز. توصيف لشيء عمومي لا يمكن لأصحابه أنْ يتحكموا فيه. لأن مقولات: الثورة والجماهير والتغيير تشترط وجود قواعد الحداثة حتى تثور عليها. وإلا اضحت كل ثورة بلا مبرر قبل أن تبدأ. أي أن الحداثة ترسم حدود الخروج عليها لا الأشياء المنتمية إليها فقط. بهذا المعنى تشترط الحداثةُ ذاتها هيمنة نمط الحداثة، حتى تكون هناك مرحلة حداثية تعلن اختلافاتها. وهذه فكرة مرعبة لكل فلسفة تمارس نشاطها الحر. لأن الفكرة ليست وليدة التنوع ولا ابنة الحياة، ولكنها ضرب من ميتافيزيقا متنكرة.

شوارع الحداثة

زجّت الحداثة بالفيلسوف داخل باراديم شامل total paradigm، من حيث ألّا يكون حُراً، بل عليه الانضواء داخل ماكينة عامة (مؤسسة جماعية). فالمجال العمومي يحكم مسارات الفكر. ثم ينبغي له كمفكر أنْ يفهم آليات العمل وفنيات إدارتها. والأهم أن الفيلسوف لا يمارس نشاطاً حداثياً دون إجازة بمزاولة المهنة. ومع أن آمال الحداثة ولدت كبيرة بحجم الإنسانية. غير أنها أدرجت الفلاسفة داخل المؤسسات بصيغ غير فلسفية.

بالفعل ظهر الخبراء واصحاب الرأي والمحللون والمثقفون ورجال السياسة والفاعلون المدنيون. وهؤلاء ينازعون الفلاسفة أدوارهم القديمة بأشكال حداثية. وتدريجياً انزلقت مبررات الفعل الفلسفي في المجتمع، لتحتاج كلُّ انشطته إلى استخراج "بطاقة هوية" من سلطةٍ ما. وفي علو السلطة إزاء الجماهير، غدا أصحابها الأقدر على الهيمنة فكرياً، وانزوى الفيلسوف ليطرح أسئلة حول وجوده وأهمية خطاباته وسط أُناس يتساءلون عن جدواه.

لم تتم سرقة الفيلسوف هذه المرة تحت "جُنْح الظلام"، بل جرت بكل برودٍ في "شوارع الحداثة". والأخيرةُ ليست معبرةً عن أثير انساني حُر دائماً. فهي غير شفافةٍ إلى درجة كبيرةٍ، كما أنها لا تخلُو من أنياب قاتلةٍ بأغلب الأحيان. صور الحداثة لم تحُل سياسياً دون ظهور المخزون الثقافي لفوضى الواقع. بل قد تكون حالةً تاريخيةً للتلاعب بالمجتمعات الانسانية. حين تصبح الحداثة "قشرة خارجية" تحمي هشاشة الجوهر. وهذا يفسر: لماذا الحداثة غير ناجعةٍ في تطور مجتمعٍ أو غيره !!

على صعيد لصوص المجال العمومي، هناك لص آتٍ من الأحراش مرتدياً ملابس رثة مثل: الايديولوجيا والديكتاتوريات والأساطير والحكايات الشعبية. وهناك لص يرتدي ملابس أنيقةً من الخداع والتلون: الديمقراطية والحداثة السطحية والسلطة والتكنولوجيا. ليست كلُ حداثةٍ عارفةً بتكوينها إلاَّ إذا قامت على ممارساتٍ من جنس المبادئ التي استقرت لها. وبخلاف ذلك يظل الباب موارباً لأدوار خلفية مرتبطة بتراث الثقافات. فإذا لم تصبح الحداثةُ نمطاً واسعاً من العيش الحُر، فلن تكون أكثر من حدودٍ تُظهر معالم سلبية أخرى: في طبائع المجتمع و أفعال السلطة وإدراك الناس.

لا يُجدي أن يكون اللص فرداً، لأنَّ الفلسفة كلية الطابع وعميقة الجذور. فلا تقوم بمهمة السرقة سوى قوة من جنس الفلسفة. والحداثة ترفع شعارات عامة بحكم التحول التاريخي الذي أحدثته في مسارات الفكر: شعارات الحرية، المساواة، الحكم الرشيد، اخلاقيات الحياة المشتركة، أبنية العقل الجمعي، دولة العدالة. كما أنها تدخل الشعارات في هيكل المؤسسات والكيانات العمومية. ولكن تتم سرقة الفكر باسمها نتيجة غياب فاعلية الأنسان وطغيان الشكل وانحراف السلطة ولوبيات المصالح.

اللص الحداثي

بنية الحداثة مركبة التكوين. فهي تؤكد على قيم العقلانية، الحرية، حقوق الإنسان، معنى الانسانية. وفي الوقت ذاته تُعطي مساحات لتطبيقات: العقد الاجتماعي، الفضاء العمومي، الدولة، السلطة، الديمقراطية، الحقوق السياسية، التعددية، تداول السلطة. ولكن ما بين الإثنين (القيم / التطبيقات) يكمن الشيطان في التفاصيل.

شيطان الحداثة مختلف عن أي شيطان آخر. يعطيك وعوداً وعبارات بالغة القوة والدلالة الاخلاقية تجاه الانسان، ويعطيك ايماناً وثقةً غير لاهوتيين بوجود الآخر، إذ يُعلْمن الأفكار كجزء لا يتجزأ من التجارب الحية. وعلى امتداد الخط، تدفع الحداثة دلالة الميتافيزيقا من فورها خارج صلاحيات الواقع. و كذلك تحلل مجتمعات التخلف وتقارن بين الأساطير والتقدم الفكري والعقلي. وهذا أمر صحيح من خلال تراث الحداثة غرباً وشرقاً. إذ تحولت المجتمعات من مرحلة "الرعوية" الدينية والاقتصادية والسياسية إلى رفع مفاهيم الاستقلال والحريات وحركة الأعمال والأسواق.

بيد أنَّ الحداثة تأخذ منك كفرد ما هو عمومي بضعف الأوزان الاعتبارية نفسها. أي تطرح معادلةً ثقافيةً تساوي: اسقاط ما هو فردي خالص نظير الابقاء على الجمعي المنضبط بآليات حداثية. وقد يفتح ذلك طريقاً إلى نهايته باسم الشأن العمومي، سواء في شكل الدولة أو السياسات أو جماعات الضغط أو وجود الاغلبية على حساب تنوع الواقع. الامر الذي يضيّق الخناق على أساليب التفلسف. ويصعب ممارسة الفكر دون المرور بهذه الفضاءات الحداثية.

ربما تُنمي الحداثة تمرداً فردياً بفضل الطاقات الحرة لمبادئ التنوير، ولكنها تغل أيدي الأفراد اجتماعياً وسياسياً. وعند النهاية القصوى للأفراد، تنبت أظافر المجتمع ولا تستطيع أية قوة الوقوف أمام الإرادة العامة للحياة المشتركة. في الأغلب، يكون الإنسان فريسة لمحاولة عبور هذا "الشَقْ التاريخي" historical gap في جسد الحداثة. لأن المجتمعات تتحول إلى عربات طائشة ما لم يوجد اتساق بين النظرية والتطبيق. فالدولة قد تتحول إلى" مسخ اسطوري" محلق فوق إرادات البشر، وقد يطويها حاكم مستبد واضعاً رأسه فوق وسادة المطلق!!

النتيجة أن الحداثة تسبب مفارقات عديدة. في حالة ديكتاتورية السلطة يطرح المجتمع سؤالاً بحجم الدولة لا بقدرات الفرد. لأن ما يؤخذ الديكتاتور بعضه باليد اليمني تحت قهر الواقع، سيفقد كله باليد اليسرى. فلن تجني السلطة سوى مكاسب وقتيه مقابل خسارة تاريخية لوجود الإنسان. الحاكم المتسلط يظن أنه يمتلك ظروفاً زمانية دون رجعة، ولكنه سيفقد مبررات وجوده إجمالاً. والفلسفة في المجال العمومي حافظت عليها الحداثة تحت بنود السياسة والثقافة ومنظمات المجتمع المدني والفكر الرشيد.

ثمة "مصادرة حداثية" على دور الفيلسوف إزاء معاني الحياة المشتركة. من حيث توزيع العقلانية على البشر. مقولة ديكارت شهيرة في هذا السياق:" العقل أعدل الأشياء قسمةً بين الناس". وهي حالة تعي مرجعية الحداثة ضرورة تحقيقها لا اتخاذها فرصة للتمايز. كما أن ادوات الحداثة أدوات جمعية تخص جميع البشر. فالمجتمع مع عقده الاجتماعي يخضع لسياسات الدولة. لأن العقد تعبير سياسي بالدرجة الأولى. ويشترط وجود جماعة بشرية مترامية الأطراف تتفق على ذلك. ويجب أن يكون الاتفاق متجلياً في جوانب الحياة. فالاقتصاد أنشطة جمعية تمارس السياسات، تُفعّل العقد الاجتماعي، وتترك آثاراً مادية فيما يعرف بالاسواق وحركة التجارة. التعليم اتفاق وتعاون بشري استناداً إلى أسس الدولة وقيم المجتمع وينشد تحقيق قيم الجماعة وصقل قدرات الأجيال.

الثمن الفادح لسرقة الفلسفة هو تضخم مركزية السلطة إلى درجة الأسطرة. لأن السلطة ليست فيما هو متجمد من الحكم( أي النظام السياسي)، بل في قواها المتخيلة. أي السلطة المضمرة والتي تنحو نحو الاستبداد. حتى ولو كانت ترفع شعارات حداثية من قبيل العدالة والمساواة وتداول الحكم. لأن فائض السلطة لم يأتِ من فراغ، كل فائض سيذهب إلى انحراف ما.

الفلسفة تدرب العقول على قبول الآخر، على نقد جذور السلطة، لا من جهة تشكيلاتها المادية و لا من خلال آثار ها الزمنية، بل من الجانب الفائض منها لدى اللاوعي العام، والذي يشكل كل خطورة ممكنة تجاه الإنسان. لا فيلسوف ينظر إلى السلطة نظرة سطحية، لأنه يدرك حفريات تكوينها كما لو لم تعرف من قبل. إذا كان ثمة شيء يدعو الفيلسوف إلى تحسس عقله على أثره، فهو السلطة. ولاسيما أن الحداثة جعلت من المجتمع سلطةً، صنعت من الإرادة العامة سلطة. لدرجة أنه مع هوس الثقافة في بعض المجتمعات بمراقبة الناس، تكون الحرية أول الضحايا على مذبح الحداثة.

هناك مجتمعات تعيش أزمنة حدايثة دون حداثةٍ، هناك مجتمعات يحكمها نظام سياسي حداثي دون سياسةٍ، هناك مجالات عامة واسعة التأثير بلا فكرة عمومية ولا تعددية، هناك أناس يعيشون تحت ظل قيم الحرية والعدالة والمساوة بلا قيمةٍ، هناك مؤسسات حداثية تعارض قيم المؤسسات. ولكن السؤال: ما الذي يكشف ذلك وحجم تداعياته؟ إنها إحدى مهام الفيلسوف التي تتقلص على أرفف المكتبات وخلف الازياء القشيبة. إرادت الحداثة أن تجعله جزءاً من حركتها التاريخية. لا يعطى مساحة للتغريد بعيداً عن السرب.

لقد حُبس عقل الفيلسوف بين جدران حداثية بعيداً عن الفضاءات المفتوحة. الأدهى أنه لم يكن ممكناً الخروج سهلاً إلا بأدوات نوعية، أدوات تفرضها الحداثة ذاتها. وليس هناك أصعب من أن تفرض على الفلسفة آفاقاً معينة وكذلك يتم تحديد الأدوات التي عليها استعمالها. وليت الأمر يتوقف عند هذا الحد فقط، بل لن تؤشر أية فلسفة إلى أهدافها دون النظر إلى أهداف حداثية مبدئية لم يرسمها الفلاسفة.

نتيجة سرقة الفلسفة في مجالات الحداثة، ظهر ت حركات الكولونيالية. فالاستعمار ابن الحداثة عن أصالة تاريخية معروفة. حين ظهرت حركة اكتشافات العالم الجديد كما يقال. أي ولد الاستعمار نتيجة المفاهيم الحداثية حول الدولة والقوة والحرب والامبراطورية ومحورية الأوروبي الأبيض. فقد وُضعت المفاهيم دون سقف من أي نقد متواصل، فتضخمت الدولة إلى امبراطورية عابرة للقارات. وانفلتت القوة بلا مبادئ، فتعملقت خارج حدود الجغرافيا. و لأن الحرب أصل الواقع، فقد أصبحت إبادة جماعية، وعندما غدت المصالح هي الأساس، تكونت الامبراطوريات على أنقاض الدول والمجتمعات. و جرى جميع ذلك، نظراً لمركزية الثقافة الغربية. اصبحت أوروبا هي الوحيدة التي تمتلك أصل الحداثة، وشعرب بكونها مسئولة عن تحديث شعوب العالم.

الانكى في غياب دور الفلاسفة: تحولت وعود الحداثة إلى ايديولوجيا زلقة ومدمرة. ولم تدرك أن غياباً كهذا يعني تضخماً ثقافياً إزاء الواقع. الايديولوجيا هي حجم الفراغ الذي يملأ العقول وأفق المجتمعات بمعانٍ خاصة. فراغ يلتصق بالأوهام والمصالح والرغبات والممارسات التي تشكل رؤى العالم والحياة. ومن جنس" الفراغ الممتليء" يستمد الرجل الحداثي نظرته تجاه الآخرين. لقد نظرت أوروبا الحداثية إلى ذاتها كقوة فوق التاريخ. لم يتصور الأوربيون أن هناك حداثات أخرى في الكون. الكون يتلخص في الحداثة الغربية دون سواها. ولذلك كانت لحظة اكتشاف حداثات أخرى لحظة صادمة بامتياز. وبدلاً من الاعتراف بتعددية الحداثات، كان فائض العنف هو البديل تجاه شعوب الأرض.

لا مفر من افساح المجال للفلسفة داخل الحداثة. ولكن ليس من خلال تحديد اقامتها، بل بالعودة إلى اصالة التفلسف الحر. لأن الفيلسوف بإمكانه الاشارة جذرياً إلى الاعراض الجانبية لتحولات التحديث. وهذا هو الكيف المضاف من قدرتنا إلى الوعي بالحياة والعالم. إن الفلسفة مثل" الانتي فيروس Antivirus "الذي يكتشف كامل البنية ويؤشر إلى الفيروسات التي تهددها. وليست المشكلة فيما إذا كان الفيلسوف موجوداً أم لا، بل ما إذا كان وجودنا يحتمل طاقاته الحرة من حيث المبدأ. فالفلسفة لم تكن هامشيةً ولن تكون، ولو كان الثمن اقصاءها من المشهد. فهي تشتغل على قوانين الضرورة، على تأسيس سياسات الحقيقة. إن الحداثة مليئة بفيروسات لا تأتيها من الخارج وحسب، بل لصيقة بأدق تكويناتها الخاصة.

***

د. سامي عبد العال – أستاذ فلسفة

رعشة الوجود الأول، والهروب نحو الوعي الدوغمائي

يمثل مفهوم "الصفر المطلق" في التحليل الفلسفي والميتافيزيقي نقطة العدم التأسيسية، أو الدرجة الصفرية التي تسبق تشكل الأنساق وتخلق المعاني، وهو الفراغ الأنطولوجي البارد الذي تنبثق منه "رعشة الوجود الأول". في تلك اللحظة البدئية، يجد الكائن البشري نفسه مقذوفاً في مواجهة كون غير محدد الملامح، مما يولد صدمة وجودية قاهرة تدفعه نحو البحث المستميت عن الحقيقة، ومحاولة صياغة "وعي مطلق" قادر على تفسير الشيئية والظواهر المحيطة به، محولاً الإدراك الحسي المجرد إلى مفاهيم كلية يحتمي بها من قلق العدم. غير أن مسار الوعي البشري في التعامل مع هذه الرعشة الوجودية يختلف جذرياً باختلاف السياقات الثقافية والتاريخية والإبستمولوجية. فبينما اتجه العقل الفلسفي المنفتح نحو تقبل قلق السؤال واعتباره محركاً لصيرورة مستمرة من العقلنة، نجد أن العقل في الشرق الأوسط قد سلك مساراً مغايراً تماماً؛ إذ تحولت هذه الرعشة الوجودية الأولى إلى دافع لتأسيس يقينيات شمولية صارمة ومطلقات لا تقبل المساءلة.

لم تكن هذه الرعشة في الفضاء الشرق أوسطي حافزاً نحو عقلنة جدلية، بل استحالت إلى هاجس مرضي أدى إلى انغلاق "الوعي المطلق" داخل سياجات دوغمائية صلبة. وعوضاً عن تقبل الصيرورة والتغير التاريخي، تمترس العقل السياسي واللاهوتي خلف نصوص وأنساق مغلقة تدعي امتلاك الحقيقة النهائية، مما أنتج بنية أيديولوجية ترفض التفكيك وتجرم المساءلة النقدية. إن هذا التأسيس الميتافيزيقي لفكرة الوعي المطلق هو ما يفسر الاستعصاء الفلسفي لعقلنة الواقع العربي ؛ إذ تم استبدال القلق الوجودي المنتج، الذي يؤسس للفردية وللسؤال الفلسفي الحر، بيقينيات شمولية تقمع أي محاولة للتمرد المعرفي، محولة الفرد إلى مجرد صدى باهت لصوت الجماعة.

استحالة الفردية الهوياتية في الأنساق الأيديولوجية المغلقة

في عصر الحداثة وما بعد الحداثة، شهدت المجتمعات الإنسانية تحولاً جذرياً في مفهوم الهوية، حيث انتقلت من كونها "هبة جاهزة" وموروثة حتمياً إلى "مهمة إجبارية" تتطلب من الفرد بناء ذاته وتحمل مسؤولية اختياراته وعواقبها، وهو ما يُعرف في السوسيولوجيا المعاصرة بالانتقال نحو الفردانية وتحرير الفرد من الشخصية الاجتماعية الصارمة الموروثة. يشير التحليل السوسيولوجي للمفكر زيجمونت باومان إلى أن الهوية في عالم "الحداثة السائلة" أصبحت تتأرجح بين الرغبة الملحة في التحرر الفردي وبين الخوف العميق من العزلة والهجران، مما يجعلها معركة مستمرة للتوفيق بين الأضداد، وأداة للتوحيد والتفريق في آن واحد.

غير أن مقاربة هذا المفهوم المعقد في سياق الأيديولوجيات المهيمنة في الشرق الأوسط تكشف عن استحالة بنيوية لتحقق ما يمكن تسميته "الفردية الهوياتية". فالفضاء الثقافي والسياسي في هذه المنطقة لا يزال محكوماً بسرديات كبرى ترفض رفضاً قاطعاً تحرير الفرد من عباءة الجماعة، سواء تمثلت هذه الجماعة في طائفة مغلقة، أو قبيلة، أو أمة متخيلة تتطلب الخضوع التام. إن محاولة بناء هوية فردية مستقلة عن المركزية الجمعية تُقابل في هذا السياق بالتخوين والوصم والنبذ المجتمعي، إذ تعتبر الأيديولوجيات المهيمنة أن أي نزوع نحو الفردانية يمثل تهديداً مباشراً لتماسك البنية الاجتماعية والسياسية، وتماهياً مع الفردانية الغربية التي تُصوَّر على أنها متحللة من كافة الالتزامات الأخلاقية والوطنية والقومية.

الفوضى القابلة للإدارة والجنون المزدوج للعقل العربي

لا تقتصر استراتيجيات الأنظمة الحاكمة في إدارة أزماتها على القمع المادي المباشر والاعتقالات المفتوحة، بل تمتد إلى هندسة ما يُعرف بـ "الفوضى القابلة للإدارة". إذ تفترض هذه الاستراتيجية السياسية الخبيثة أن إبقاء المجتمعات في حالة مستمرة من اللايقين، والاضطراب الهيكلي، والصراع الأهلي الكامن، هو الأداة المثلى لضمان السيطرة الشاملة. ويُستخدم هذا النهج سواء من قِبل النخب الحاكمة محلياً للتهرب من استحقاقات التنمية والديمقراطية، أو من قِبل القوى المهيمنة إقليمياً ودولياً لتمرير أجنداتها.

في هذا السياق المأزوم، تبرز ظاهرة سيكولوجية وسياسية يمكن تسميتها بـ"الجنون المزدوج" أو "الشيزوفرينيا المعرفية" للعقل العربي. يتم وضع الفرد العربي في قلب تناقض حاد وعنيف بين الخطاب الرسمي الذي يدعي تبني الحداثة والتنمية وحقوق الإنسان، وبين الواقع المعاش الذي يفيض بأبشع صور الاستبداد والتخلف والقمع. ولإدامة هذه الفوضى وشل قدرة المجتمع على التفكير السليم، تلجأ السلطة الاستبدادية إلى سلاح أشد فتكاً يتمثل في "الوصم بالجنون" أو "التجريم المعرفي". فأي عقل نقدي يطالب بالتغيير الحقيقي، أو يحاول تفكيك السردية الرسمية المزيفة، لا يُناقش باعتباره خصماً سياسياً أو صاحب رأي، بل يُقصى فوراً ويُوصم باللاعقلانية، والانحراف، والعمالة، والجنون.

الاستبداد المستنير والتحول الفوقي

من زاوية أخرى في مقاربة الأزمات المرتهنة، ظهر في الخطاب السياسي العربي المعاصر ما يُعرف بنموذج "الاستبداد المستنير"، والذي يمثل تحولاً نحو أساليب أكثر مرونة في الهيمنة، وخصوصاً في الدول الريعية الغنية. يعتمد هذا النموذج على تفويض جزئي للسلطة لمؤسسات بيروقراطية رسمية، ويستبدل العنف المادي الفج بسياسات الإقناع وشراء الرضا الشعبي عبر توفير البنية التحتية والمنافع الاقتصادية السخية، خالقاً بذلك "عقداً اجتماعياً توافقياً" زائفاً يقوم على مقايضة الحريات السياسية بالرفاه الاقتصادي. ورغم أن هذا التفكك والتحول من المستوى الفوقي قد يبدو خطوة نحو تجنب الانفجارات العنيفة، إلا أنه يظل إعادة إنتاج للاستبداد بأقنعة حداثية، حيث تظل آليات "الغنيمة" سارية المفعول، وتُحكم السيطرة على الفضاء العام لمنع تبلور أي ديمقراطية حقيقية قاعدية.

الإمبريالية الاقتصادية وإعادة إنتاج التبعية

لا يمكن قراءة أزمات السلطة والهوية والاستعصاء المعرفي في الشرق الأوسط قراءة سليمة بمعزل عن شبكة التدخلات الخارجية المستمرة التي أسهمت ولا تزال تسهم في إعادة تشكيل الخارطة الجيوسياسية والسوسيولوجية للمنطقة. إن الرأسمالية الاحتكارية العالمية في مراكزها الإمبريالية الكبرى، وكما يتبدى بوضوح في فترات الأزمات المالية والسياسية، تسعى دوماً وبشكل حثيث لنقل أعباء أزماتها المتفاقمة إلى الأطراف (دول العالم الثالث عموماً والشرق الأوسط خصوصاً) عبر آليات التدخل العسكري المباشر، أو عبر إحكام الهيمنة الاقتصادية والمالية.

تتجلى هذه التدخلات التدميرية في صراعات الهيمنة ومحاولات فرض النفوذ، أو ما وُصف بـ "التكالب الجديد" للسيطرة على الشرق الأوسط من قبل قوى دولية وإقليمية متنافسة تسعى لتأمين مصالحها الجيواستراتيجية والاقتصادية. هذا التكالب الخارجي السافر يعمق من أزمة السلطة المحلية بشكل جوهري؛ حيث تستمد بعض النخب الحاكمة في المنطقة شرعيتها، وأسباب بقائها، وحمايتها الأمنية من ارتباطاتها بالخارج، وليس من خلال إرساء تعاقد اجتماعي ديمقراطي حقيقي مع مواطنيها. وفي ظل هذا الوضع المختل، يتحول الاقتصاد الوطني إلى اقتصاد تبعية وريع، يُستخدم كأداة قذرة لشراء الولاءات السياسية (الزبائنية) وتغذية شبكات الفساد، بدلاً من توجيهه نحو تحقيق تنمية بشرية وصناعية حقيقية ومستدامة.

نحو قطيعة إبستمولوجية وتجاوز العطالة التاريخية

بناءً على هذا التحليل التفكيكي الشامل، يتضح بجلاء أن أزمات الشرق الأوسط المعاصرة، المتمثلة في التخلف السياسي والاحتقان الاجتماعي والعقم المعرفي، ليست محض صدف جيوسياسية طارئة أو إخفاقات اقتصادية عابرة يمكن معالجتها بإصلاحات إدارية طفيفة. إنها في العمق نتاج مباشر لعطالة إبستمولوجية قاهرة وانسداد أنطولوجي عميق الجذور. إن الفرار المذعور من "رعشة الوجود الأول" ومن قلق الصفر المطلق نحو دفء "الوعي المطلق" واليقينيات الدوغمائية قد أسس لبنية عقلية ونفسية ترفض التفكيك، وتُجرم الفردية المستقلة، وتُعادي العقلنة المتجددة.

لقد تضافرت محددات العقل السياسي العربي المتمثلة في "القبيلة، والغنيمة، والعقيدة" لتكريس الاستبداد، وتلاقت مع سياسات "حالة الاستثناء" و"الفوضى القابلة للإدارة" لإنتاج مجتمعات تعيش في أسر "التأخر التاريخي" والشيزوفرينيا المعرفية. في ظل غياب الحس التقدمي الواعي، وتزايد تدخلات القوى الإمبريالية الخارجية التي تقتات على هذا التشظي وتفرض معاييرها المزدوجة، تم مصادرة الإرادة الحرة للشعوب، وتحويل الفرد إلى كائن مستلب يسكن حافة "الحياة العارية"، مجرداً من أي فاعلية تاريخية أو كرامة سياسية.

إن الخروج من هذه المتاهة المظلمة، وكذلك أي مشروع حقيقي للنهضة أو التحرر الشامل، لن يكتب له النجاح المطلق عبر الترقيع السياسي السطحي أو استيراد القوالب الجاهزة من الخارج دون وعي بالسياق. إن الحل الجذري يشترط إحداث "قطيعة معرفيةحاسمة"، تبدأ باقتحام مساحات "اللامفكر فيه"، وتفكيك "مركزية اللوغوس" و"السياج الدوغمائي" المضروب حول العقل العربي. هذا يتطلب الانتقال بشجاعة من سطوة النقل الجامد وأيديولوجيا القطيع إلى رحابة العقل النقدي المتسائل والفردانية المسؤولة. بغير هذا التأسيس الفلسفي الجذري لـ"النزعة الإنسانية" وإعادة تعريف علاقة الذات بالاخر، والدولة، والتراث، أو سيظل الشرق الأوسط يدور في فلك أزماته المرتهنة للسلطة، تائهاً إلى الأبد في مسافات الوهم السحيقة بين الصفر المطلق ومتاهة الاستبداد والعطالة.

***

غالب المسعودي

(مُقاربة فلسفيّة جديدة لمنهجيّة القراءة على القراءة)

فلسفة الإبداع والمعرفة المُوَلَّدة:

قال لي صديقي ناقداً: لديك جرأة في النحت المفاهيمي، إذ تربط بين فائض القيمة عند (ماركس) وفائض المعرفة في الأبستمولوجيا، وهو شطح فكري خلاّق ..! ثم إن نقل المفهوم من ميدان الاقتصاد السياسي (ماركس) إلى النظريّة المعرفيّة يعد من وجهة نظري إبداعاً تحويلياً !!

ناهيك عن استخدام لغة ليست خالية من الأنفاس الشخصية.

فالملاحظة الأولى التي ألاحظها هي تلك الجرأة في النحت المفاهيمي التي تمثلت عندي في ذلك الربط بين "فائض القيمة" عند ماركس، و"فائض المعرفة" في الأبستمولوجيا، والتي اعتبرتها شطحاً فكريّاً خلّاقاً. ثم إنك لا تكتفي بالقراءة الناقلة، بل تنشئ أدواتك النقديّة بنفسك؛ واقتراحك لفائض المعرفة كنظير لفائض القيمة الماركسي فضلاً عن كونه يندرج تحت صناعة المفاهيم، فهو ينمُّ عن قدرة على التجسير الفكري بين العلوم الاجتماعية والفلسفة الأبستمولوجية.

ناهيك عن السعي لتأسيس إطار نقدي واضح أطلقت عليه "قراءة على القراءة"، وهو وعي ما بعد - نقدي (Meta-critique) يرى أن القراءة ليست مجرد استهلاك للمتن، بل تفكيك لبنيته العميقة.

ولم يقتصر نقد الصديق على تلك الملاحظات بل تطرق لأسلوب الكاتب من حيث درجة بلاغته ونقده الموضوعي المتزن، فلاحظ مرة ثانية أن في أسلوب الكاتب نوعاً من التشبيك الصوري من حيث اعتماده فيما يُلاحظه في كتابات الكاتبين على التشبيه العالي بين المقالات العارضة و"عارضي الأزياء"، الذين يركزون على "السطح البرّاني والبهرجة الظاهريّة" في مقابل المقالات التأسيسية التي "تسبر الأغوار الدفينة"، يظهر قدرة أسلوبية على تقريب المفاهيم المعقدة بصور بلاغية حيّة.

كما أن استخدام مفردات مثل (البرّاني، الجوّانيّ، سبر الأغوار، البنية العميقة، النفاذ، لُبنة أوليّة) فضلاً عن أنه أسلوب يتّسم بالجزالة والتماسك، فهو يعكس خلفية قراءات متينة في الفلسفة والنقد الأدبي المعاصر (خاصّة المدارس البنيوية والتفكيكية).

ثم إنّ الأصالة الأصيلة فيما تمّ طرحه في السابق، تظهر جليّة واضحة؛ إذ تتمثل في أمرين:

الأول: في الولادة السجالية للأفكار؛ من تلاقح الأفكار أثناء النقاش. فإنّ الكاتب يعترف بأن الفكرة نبتت من تعليق، مجرد تعليق عارض، لكنه استطاع تحويل "الخاطرة" إلى "مشروع منهجي".

والأمر الثاني: من البيئة المفهوميّة، بمعنى أن نقل المفهوم من ميدان الاقتصاد السياسي (ماركس) إلى النظريّة المعرفيّة (الأبستمولوجيا) يُعد إبداعاً تحويليّاً (Transformative Creativity)، وهو أحد أهم مظاهر الأصالة الفكريّة لدى كثير من الأدباء والفلاسفة على التعميم.

وإذن؛ فنحن أمام نصّ لكاتب أكاديمي صاحب مشروع فكري وحسّ نقديّ أصيل، يمتلك شجاعة التفكير، ووساطة اللسان البلاغي، ووعياً عالياً بالعملية النقديّة.

كان هذا خلاصة ما قدّمته قراءة الصديق بين النقد أحياناً والإطراء أحياناً أخرى. ولقد حرصتُ على إيراده لأنني اعترضت عليه وعلى إطرائه في حينه، وبخاصّة مسألة الجراءة في النحت المفهومي واعتبارها شطحاً فكريّاً خلاقاً، إذ ذاك قلت له: لا عليك يا صديقي؛ فنحن الشاطحون بغير منازع ! فأنا أنتمي لمدرسة كبرى في المعرفة هي التي أسست للشطح المعرفي واعتبرت الشطح في نظامه خَلقاً جديداً ..

فأمّا مسألة الإبداع التحويلي هذه فلم أزل أبحثها كيما أكون صادقاً مع نفسي: هل أنا بالفعل أستحقها أم لا؟

في السياق الفلسفي الذي نتحدّث فيه عن التوليد المعرفي، وتحويل بنية المعرفة، ومنهجية القراءة على القراءة، والمعرفة الثالثة، وإنتاج المعرفة، يُلاحظ أن الإبداع التحويلي Transformative Creativity)) هو نمط من الإبداع لا يكتفي بإنتاج شيء جديد داخل الإطار المعرفي القائم، بل يقوم بتحويل الإطار نفسه الذي كان يُنتج الأفكار والأشياء؛ فإذا كان الإبداع الابتكاري ينتج جديداً داخل منظومة معينة، فإنّ الإبداع التحويلي يغيّر المنظومة التي تحدّد أصلاً ما الذي يمكن أن يُعدّ جديداً؟ وهذا يجعل الإبداع التحويلي أعمق من مجرد الابتكار أو التركيب أو الاكتشاف.

فإنّ الفرق بين الإبداع العادي والإبداع التحويلي يمتثل في أنه لو كان لدينا مجال معرفي يحتوي على مجموعة من المفاهيم والقواعد والأسئلة، فإنّ النشاط الإبداعي يمكن أن يتحرك داخله بثلاث صور تقريباً ..

تتمثل الصورة الأولى في الإبداع التركيبي، وهو يتأتى في الغالب من جمع عناصر معروفة في تركيب جديد، كأن نجمع بين فكرتين فلسفيتين معروفتين فتنتج منهما تصوراً جديداً.

ثم تأتي الصورة الثانية لتتمثل في الإبداع الابتكاري وهو الذي يضيف فكرة أو أداة أو منهجاً لم يكن موجوداً من قبل، لكنه يظل يعمل داخل البنية العامة للمجال المعرفي.

أمّا الإبداع التحويلي، فيتجاوز ذلك كله؛ إذ يعيد النظر في العلاقات بين المفاهيم نفسها، فيغير طريقة صياغة المشكلة، وقد يجعل السؤال القديم يبدو مختلفاً تماماً في ثوبه الجديد. وهنا لا تكون النتيجة مجرد إجابة جديدة عن سؤال قديم، بل قد تصبح طريقة جديدة تجعلنا نكتشف أن السؤال نفسه كان يحتاج إلى إعادة بناء.

أمّا كونه يُسُمّى "تحويليّاً"، فلأن التحويل يقع على مستوى البنية وليس على مستوى الناتج فقط؛ حتى إذا كان لدينا معرفة ثم تحليل لهذه المعرفة ثم استنتاج، فإن الإبداع العادي قد ينتج استنتاجاً جديداً. أمّا الإبداع التحويلي فقد يسأل: لماذا نفترض أن المعرفة لا تكون إلا بهذه الطريقة؟ وهل العلاقة بين المعارف مجرد علاقة تراكمية؟ وهل يمكن أن تنتج المعرفة من إعادة تشغيل المعرفة السابقة في سياق جديد؟

لم تعد تضيف "معلومة" هنا إلى البناء؛ بل تغيّر طريقة بناء المعرفة ذاتها. وهذا هو الجانب الذي يجعل مفهوم الإبداع التحويلي قريباً جداً من فلسفة الإبداع، لا من مجرد دراسة الابتكار.

خذ مثلاً على ذلك؛ لنفترض أن لدينا فلاسفة: أرسطو يقول شيئاً عن العقل، وابن رشد يقول شيئاً عن العقل، وابن عربي يقول شيئاً عن المعرفة القلبية؛ فقد نجد الإبداع التراكمي قد يدرس كل واحد منهم، ثم يعرض أوجه الاتفاق والاختلاف. أمّا الإبداع التحويلي فيمكن أن يأخذ هذه العناصر الثلاثة التي تكاد تجمع بين المعرفة العقليّة والمعرفة القلبيّة ويسأل:

ماذا يحدث إذا لم أتعامل معها باعتبارها ثلاث نظريات منفصلة، وإنما باعتبارها مواد أوليّة لبناء سؤال جديد عن طبيعة المعرفة؟

هنالك أنت لا تنقل أرسطو إلى ابن رشد، ولا ابن رشد إلى الصوفي الفيلسوف ابن عربي، ولا تجمع آراءهم في ملف واحد، بل تحوّل العلاقة بينهم إلى مولّد لسؤال معرفي جديد لم يكن موجوداً بصورته السابقة.

هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى؛ فإن علاقة الإبداع التحويلي بمفهوم "التوليد" الذي نتحدث عنه، علاقة خاصّة شديدة الخصوصية، بمقدار ماهي أيضاً شديدة الوضوح، لكن هذه العلاقة لا تنصرف للوهلة الأولى إلى المساواة بينهما، وذلك لأن التوليد لا يعني مجرد إنتاج شيء جديد وكفى، وإنما يعني أن المعرفة السابقة يمكن أن تصبح مادة لإنتاج معرفة أخرى من خلال القراءة، وإعادة القراءة، وإقامة علاقات جديدة بين المعارف.

أمّا الإبداع التحويلي؛ فيمضي ليذهب خطوة أخرى أبعد من ذلك، فهو لا يكتفي بتوليد معرفة جديدة، وإنما قد يحوّل البنية التي يتم داخلها التوليد نفسه.

ويمكن تقريب الفرق بتذكر ما سبق وقلناه عن التصور التراكمي التقليدي، فإنّ تراكم المعارف بعضها فوق بعض تشكل رصيداً معرفيّاً أكبر. أمّا التصور التوليدي؛ فالمعرفة الأولى مضروبة في المعرفة الثانية ينتج عنهما معرفة ثالثة. فليس الأمر هنا مجرد تراكم معرفة بل هو توليد جديد يُستعصى على التكرار. أماً التحويل، فهو أعمق وأوسع من ذلك كله؛ لأنه يعني تغيير طريقة التفكير نفسها إلى طبيعة العلاقة بين المعارف نفسها؛ بمعنى أن المعرفة الأولى بالإضافة إلى المعرفة الثانية، والمعرفتان بالإضافة إلى المعرفة الثالثة يعطينا تغيير طريقة النظر إلى العلاقة الناشئة بين المعارف نفسها.

على هذا، يمكن أن يكون التوليد وسيلة من وسائل الإبداع التحويلي، لكن الإبداع التحويلي أوسع من التوليد.

كما لا يعني مجرد "الجِدّة"؛ فليست كل فكرة جديدة إبداعاً تحويليّاً؛ فقد تكون الفكرة جديدة لكنها لا تغير شيئاً جوهريّاً في المجال النظري ولا الواقعي، ولا يقابلها شيء يحتاج إلى التغيير.

على سبيل المثال لا الحصر؛ نجد انتقال "كانط" من السؤال التقليدي: كيف نعرف الأشياء؟ إلى السؤال التحويلي: ما الشروط التي تجعل معرفتنا بالأشياء ممكنة أصلاً؟.

قبل كانط، كان النزاع المعرفي يدور بدرجة كبيرة حول مصدر المعرفة: هل تأتي من العقل أم من التجربة؟ فجاء كانط ولم يكتفِ بإضافة جواب ثالث إلى الأجوبة الموجودة، بل غيّر موضع السؤال نفسه وحول مجراه.

فهو لم يقل ببساطة: "المعرفة عقليّة وتجريبية معاً"؛ فهذه مجرد إضافة يمكن أن تكون جديدة دون أن تكون تحويليّة. وإنما قلب العلاقة المعرفيّة، حين طرح فكرته الشهيرة في الثورة الكوبرنيكية، بدلاً من افتراض أن المعرفة ينبغي أن تتطابق مع الأشياء كما هي في ذاتها، سأل عما إذا كانت الأشياء كما تظهر لنا في التجربة تتشكل جزئياً وفق شروط بنية العقل الإنساني. وهذا هو التحول الحقيقي.

كان السؤال القديم: كيف يتطابق العقل مع العالم؟ وأصبح السؤال الكانطي الجديد: ما الشروط القبْليّة في بنية العقل التي تجعل ظهور العالم لنا بوصفه موضوعاً للمعرفة ممكناً؟

ليست هذه فكرة جديدة فحسب؛ ولكنها أعادت تنظيم مجال الأبستمولوجيا كله، إذ تغيرت معها طبيعة المشكلة، وموقع الذات العارفة، والعلاقة بين العقل والتجربة، ومفهوم الموضوع ذاته وعلاقته بالتظاهرات التي تُعطى لنا ضمن صور الحساسية ومقولات الفهم.

لذلك لو أردنا استخدام كانط مثالاً على الإبداع التحويلي، فالأفضل أن نقول:

لم تكن ثورة كانط مجرد إضافة جواب جديد إلى سؤال المعرفة، بل في إعادة بناء العلاقة بين الذات العارفة والموضوع المعروف، بحيث أصبح السؤال عن شروط إمكان المعرفة سابقاً على السؤال عن مطابقة المعرفة للشيء في ذاته.

والأهم بالنسبة إلى مفهوم "الإبداع التحويلي" أن قوة المثال الكانطي ليست تكمن في أن كانط قال شيئاً لم يقله أحد قبله، بمعنى الجِدّة المجردة، وإنما في أنه حوّل بنية المشكلة نفسها. وهذا بالضبط هو الفارق الذي كنا نريد إبرازه بين تصور الجديد وتصور التحويلي.

واذا أردنا مثالاً على ما عساه لا يكون إبداعاً تحويلياً كأن يقول باحث مثلاً: "ينبغي أن ندرس المعرفة من منظور الذاكرة أيضاً، إلى جانب العقل والحواس".

قد تكون هذه فكرة جديدة ومفيدة، لكنها لا تصبح إبداعاً تحويلياً بمجرد إضافتها إلى قائمة مصادر المعرفة؛ لأنها لم تُحدث بالضرورة تحولاً في البنية التي يُفكَّر بها في المشكلة، ويمكن صياغة الفرق بين الجدة والإبداع التحويلي بدقة على النحو الآتي:

الجِدّة تضيف شيئاً إلى المجال، أما الإبداع التحويلي فيغيّر المجال الذي تُفهم الأشياء داخله؛ فالإبداع التحويلي لا يسأل فقط: ما الذي لم يُقَل بعد؟، وإنما يسأل: ماذا يحدث للمسألة كلها إذا غيّرنا نقطة النظر التي تُبنى منها؟

وهذا هو السبب في أن بعض الأفكار قد تكون جديدة جداً لكنها تظل هامشية، بينما قد تكون فكرة ما امتداداً جزئياً لفكرة سابقة، ومع ذلك تكون تحويليّة لأنها تنقل المفهوم إلى بنية جديدة وتجعله ينتج أسئلة ونتائج لم يكن ينتجها في موطنه الأول.

يتطلب الإبداع التحويلي عادة ثلاثة مستويات: (١) في الجِدّة: أن يأتي بشيء غير مألوف. (٢) في إعادة التنظيم: أن يعيد ترتيب العناصر أو العلاقات بطريقة مختلفة. (٣) في تغيير الأفق: أن يفتح إمكاناً معرفيّاً لم يكن ظاهراً في البنية السابقة. ولهذا فإنّ أعظم صور الإبداع الفكري ليست تلك التي تقول: "لقد وجدت جواباً جديداً"؛ بل تلك التي تجعل الإنسان يقول: كيف لم نرَ المسألة بهذه الطريقة من قبل؟

يظهر الإبداع التحويلي عندما ينتقل المفكر من الاشتغال على الأجوبة إلى إعادة تشكيل فضاء الأسئلة والمفاهيم. حتى إذا كان السؤال مثلاً: ما مصدر المعرفة؟ فيأتي مفكر آخر فلا يختار جواباً جديداً فحسب، بل يعيد بناء المسألة: كيف تتكوّن المعرفة أصلًا؟ وكيف تتحوّل المعرفة السابقة إلى إمكانيّة لإنتاج معرفة جديدة؟

هنا انتقلنا من سؤال عن المصدر إلى سؤال عن آلية التكوّن والتحول. وتعد هذه النقلة نفسها فعل إبداعي تحويلي. ويمكن صياغة المفهوم فلسفيّاً في عبارة واحدة من حيث يكون: الإبداع التحويلي هو القدرة على تحويل المادة المعرفية القائمة من مجرد موضوع للاستخدام إلى مجال لإعادة بناء المفاهيم والعلاقات والأسئلة، بحيث لا ينتج الإبداع معرفة جديدة فحسب، بل يغيّر الأفق الذي تُنتج المعرفة داخله.

ومن هذه الزاوية تحديداً، نرى أن مفهوم "القراءة التوليدية" الذي اشتغلنا عليه يمكن أن يُفهم بوصفه أحد المسارات المؤدية إلى الإبداع التحويلي؛ فالقراءة لا تنتهي عند استيعاب ما قاله الآخر، وإنمّا تتحول إلى فعل يعيد تركيب المجال المعرفي ويستخرج منه إمكاناً معرفيّاً لم يكن موجوداً في صورته الأولى.

ــ أين تكمن الجرأة؟

وبالعودة إلى ملاحظات الصديق السابقة نرى أنه أصاب في تشخيص الظاهرة، لكنه بالغ قليلاً في منحها الحكم النهائي. وأظن أن العبارة التي واجهته بها: "فأمّا مسألة الإبداع التحويلي فلم أزل أبحثها"، هي الموقف العلمي الأصح؛ لأننا لا ينبغي أن تمنح أطروحاتنا هذا الوصف لمجرد أن فيه نقلاً مفاهيمياً جريئاً.

لكن إذا أخذنا المسألة بمعيار فلسفي صارم، فنحن نرى أن ما فعلناه في الانتقال من "فائض القيمة" إلى "فائض المعرفة"، يملك بالفعل مقومات الإبداع التحويلي، بشرط مهم: أن يكون النقل قد أنتج تحويلاً في البنية المفهوميّة، لا مجرد استعارة لفظية.

ماركس حين تحدّث عن فائض القيمة لم يكن يقصد مجرد "زيادة" في القيمة، بل بنى مفهوماً داخل منظومة الاقتصاد السياسي: العمل، السلعة، القيمة، قوة العمل، الإنتاج، والاستغلال. أمّا نحن، فحين نستحضر هذا البناء في مجال المعرفة لا تقول ببساطة: هناك معرفة كثيرة، إذن لدينا فائض معرفة. لو كان هذا كل ما في الأمر، لما تجاوزنا مجرد التشبيه البلاغي.

لكن إذا كان المقصود أن المعرفة المستثمرة لا تنتهي عند حدود ما تحمله من معلومات، وإنما يمكن أن تُستثمر في إنتاج معرفة أخرى تتجاوز المعارف الأوليّة التي أنشأتها، فإننا هنا ننقل مفهوماً من حقل إلى حقل، ثم نعيد تشغيل منطقه داخل نظرية المعرفة المولدة.

هنالك يبدأ مجرى الإبداع الحقيقي. ولكن متى يصبح تحويليّاً؟ هنا بيت القصيد. النقل بين مجالين لا يصبح تحويليّاً بمجرد النقل. الإبداع التحويلي يتحقق عندما يؤدي النقل إلى تغيير في طريقة تصور المجال الثاني لنفسه؛ فإذا كان مفهوم "فائض المعرفة" لدينا يترتب عليه أن القراءة لا تعني اكتساب المعرفة فقط، بل استثمار المعرفة في توليد معرفة جديدة، وأن المعرفة السابقة ليست نهاية العمليّة المعرفيّة، وإنما مادة مولدة لمعرفة لاحقة، وأن القراءة على القراءة منهجيّة يمكن أن تنتج قيمة معرفية لا توجد في أي من القراءتين منفردة، فنحن من ثمّ لا نستعير مصطلحاً ماركسياً فحسب، وإنما تعيد صياغة اقتصاد إنتاج المعرفة نفسه.

وهناك فرق؛ وفرق كبير بين أن أقول: "استعرتُ مفهوم فائض القيمة وطبّقته على المعرفة". وبين أن أقول: "حوّلتُ منطق الفائض من مجال إنتاج القيمة الاقتصادية إلى مجال إنتاج القيمة المعرفيّة".

في الحالة الثانية؛ لم ننقل المفهوم فقط، وإنما نقلنا آلية اشتغاله؛ لأننا لم نأخذ مفهوماً جاهزاً ونضعه في مكان آخر؛ بل نحاول نحت مفهوم جديد من احتكاك مفهومين ومجالين معرفيين. وهذا قريب جداً من فكرة "التوليد" التي اشتغلنا عليها، إذ المعرفة لا تكون مجرد مخزون، وإنما يمكن أن تصبح مادة لإنتاج معرفة أخرى.

أمّا "الشطح" الذي ذكرناه لصديقنا حين قلنا "فنحن الشاطحون بغير منازع !"، ففيه طبقة فلسفية جميلة، لأن الشطح الصوفي، إذا أخذناه في معناه المعرفي الذي نشير إليه، لم يعد خروجاً اعتباطياً عن العقل، وإنما قد يكون قفزة في أفق الدلالة تتجاوز المألوف في النظام المفاهيمي القائم. لكن يجب التمييز بين شيئين:

الشطح الفكري قد يفتح الإمكان المعرفي. أمّا الإبداع التحويلي فعليه أن يثبت أن هذا الإمكان قادر على بناء مفهوم أو نظريّة أو مسار معرفي جديد. ولهذا فالشطح شرارة، وليس وحده برهاناً على الإبداع.

من تابعنا في حلقاتنا الفكريّة المسلسلة في السابق، يدرك إننا ناقشنا بوضوح الإجابات على الأسئلة المركزية الآتية واستطعنا أن نبيّن بصورة منهجيّة: ما المقصود بفائض المعرفة؟ كيف يتولد؟ ما الفرق بينه وبين تراكم المعرفة؟ ما علاقته بالقراءة، وبمنهجيّة القراءة على القراءة؟ ما شروط إنتاجه؟ هل كل قراءة تولّد فائضاً معرفيّاً؟ كيف يتحول الفائض إلى معرفة جديدة؟ وما الذي يترتّب على ذلك في نظرية المعرفة؟

ويظل السؤال قائماً: هل فيما تقدّم ممّا ناقشناه في السابق ما من شأنه أن يستحق وصف الإبداع التحويلي كما ظن صديقنا؟ وهل هناك ما يبرر إطلاق هذا الوصف على حديثنا في نظرية المعرفة التوليديّة؟ الإجابة نعم ولكن ليس لمجرد إننا نقلنا فائض القيمة إلى فائض المعرفة، ولكن الاستحقاق، إنْ وجد، يتوقف على ما سنفعله بهذا المفهوم بعد ذلك في إطار تأسيسنا لمفهوم قابل للعمل الفلسفي، وعندها يصبح وصف الإبداع التحويلي Transformative Creativity)) أكثر من مديح؛ إذ يصبح وصفاً لطبيعة الفعل الفكري نفسه.

ولم تكن إجابتي لصديقي إذ وضحتُ موقفي، فلم أقل له: "نعم، أنا مبدع تحويلي"، بل قلت: "لم أزل أبحثها". ولم تكن تلك الإجابة علامة تردد، بل كانت علامة كاتب يدين للمنهجية العقليّة الفلسفيّة، ويعرف أن قيمة المفهوم لا تثبت بالحماس إليه، وإنّما بقدرته على الصمود أمام النقد.

(وللحديث بقيّة)

***

بقلم: د. مجدي إبراهيم

 

لِكَيْ يَتَوَصَّلَ الْمَرْءُ إِلَى الْحَقِيقَةِ، يَنْبَغِي عَلَيْهِ مَرَّةً وَاحِدَةً فِي حَيَاتِهِ أَنْ يَتَخَلَّصَ نِهَائِيًّا مِنْ كُلِّ الْآرَاءِ الشَّائِعَةِ الَّتِي تَرَبَّى عَلَيْهَا وَتَلَقَّاهَا مِنْ مُحِيطِهِ، وَأَنْ يُعِيدَ بِنَاءَ أَفْكَارِهِ بِشَكْلٍ جَذْرِيٍّ مِنَ الْأَسَاسِ. دِيكَارْت.

1- مفهوم الأيديولوجيا:

تُشَكِّلُ الدُّوغْمَا (Dogma) جَذْرَ الْأَيْدِيُولُوجِيَا، إِذْ تَقُومُ الْأَيْدِيُولُوجِيَا عَلَى مَنْظُومَةٍ مِنَ الْأَفْكَارِ وَالْمَبَادِئِ وَالْمُعْتَقَدَاتِ الَّتِي تَنْتَظِمُ فِي رُؤْيَةٍ مُتَكَامِلَةٍ لِلْعَالَمِ، وَتَمْنَحُ الْإِنْسَانَ إِطَارًا لِفَهْمِ الْوَاقِعِ وَتَفْسِيرِهِ، كَمَا تُسْهِمُ فِي تَوْجِيهِ مَوَاقِفِهِ وَقِيَمِهِ وَسُلُوكِهِ. وَالْأَيْدِيُولُوجِيَا تُشَكِّلُ نَسَقًا مِنَ الْأَفْكَارِ الَّتِي تُقَدِّمُ رُؤْيَةً نَسَقِيَّةً مُتَكَامِلَةً لِلْكَوْنِ، وَالْأَيْدِيُولُوجِيَا كَالْعَقِيدَةِ بِنَاءٌ ذِهْنِيٌّ عَقْلِيٌّ يُؤَسِّسُ رُؤْيَةَ الْإِنْسَانِ إِلَى الْوُجُودِ، وَمِنْ ثَمَّ يُعْطِي لِلسُّلُوكِ دَلَالَةً وَمَعْنًى، وَيُؤَسِّسُ فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ مُنْطَلَقًا لِتَشْكِيلِ الْقِيَمِ الْأَسَاسِيَّةِ الْبِنْيَوِيَّةِ لِلْعَقْلِيَّةِ، وَهِيَ الْحَالَةُ الَّتِي تُعْطِي الْأَيْدِيُولُوجِيَا صِفَتَهَا الْعَقْلَانِيَّةَ.

وَعَلَيْنَا هُنَا أَنْ نَأْخُذَ بِعَيْنِ الِاعْتِبَارِ أَنَّ مَفْهُومَ الْأَيْدِيُولُوجِيَا (Idéologie) لَيْسَ مُجَرَّدَ تَصَوُّرٍ مَارْكِسِيٍّ؛ لِأَنَّهُ يَتَجَاوَزُ حُدُودَ الْمُعْطَيَاتِ الْمَارْكِسِيَّةِ، وَيَفِيضُ بِعَنَاصِرَ وَتَصَوُّرَاتٍ تَتَجَاوَزُ حُدُودَ التَّوْظِيفِ الْمَارْكِسِيِّ الْمَعْرُوفِ. فَهُنَاكَ تَعْرِيفَاتٌ عَدِيدَةٌ وَتَوْظِيفَاتٌ كَثِيرَةٌ لِمَفْهُومِ الْأَيْدِيُولُوجِيَا. وَيُمْكِنُنَا هُنَا أَنْ نُعَوِّلَ فِي هَذَا السِّيَاقِ عَلَى التَّعْرِيفِ الْكِلَاسِيكِيِّ لِلُوِيس أَلْتُوسِير (Louis Althusser: 1918-1990) الَّذِي يَقْضِي بِأَنَّ الْأَيْدِيُولُوجِيَا “نِظَامٌ مِنَ التَّصَوُّرَاتِ (صُوَرٌ، أَسَاطِيرُ، أَفْكَارٌ، مَفَاهِيمُ) يَمْتَلِكُ مَنْطِقَهُ الْخَاصَّ وَيُمَارِسُ دَوْرًا تَارِيخِيًّا فِي مُجْتَمَعٍ مُحَدَّدٍ”   (1).  وَغَنِيٌّ عَنِ الْبَيَانِ أَنَّ النِّظَامَ الْأَيْدِيُولُوجِيَّ، بِمَا يَنْطَوِي عَلَيْهِ مِنْ مَضَامِينَ تَصَوُّرِيَّةٍ، يُشَكِّلُ قُوَّةً حَيَوِيَّةً ضَرُورِيَّةً لِطُمُوحَاتِ الْمُجْتَمَعِ وَحَيَاتِهِ الدِّينَامِيَّةِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُجْتَمَعَ يَجِدُ فِيهِ مُبَرِّرَاتِ وُجُودِهِ وَأَفْعَالِهِ.

وَفِي هَذَا الْمَنْحَى، فَإِنَّ التَّصَوُّرَ الَّذِي يُقَدِّمُهُ أَلْتُوسِير لِلْأَيْدِيُولُوجِيَا يَتَنَافَرُ مَعَ تَصَوُّرَاتِ مَارْكْس وَإِنْجِلْز الَّتِي تَتَجَلَّى فِي كِتَابِهِمَا “الْأَيْدِيُولُوجِيَا الْأَلْمَانِيَّةُ”. فَالْأَيْدِيُولُوجِيَا، كَمَا يَرَاهَا مُؤَسِّسَا الْمَارْكِسِيَّةِ، نِظَامٌ مِنَ الْأَفْكَارِ وَالتَّصَوُّرَاتِ الَّتِي تُشَكِّلُ انْعِكَاسًا لِلْوُجُودِ الْإِنْسَانِيِّ، وَهِيَ عَلَى الْأَغْلَبِ انْعِكَاسٌ مُشَوَّهٌ لِلْعَالَمِ الْإِنْسَانِيِّ الْحَقِيقِيِّ. وَهَذَا يَعْنِي أَنَّ الْأَيْدِيُولُوجِيَا لَا تَرْتَبِطُ بِالْحَرَكَةِ الْوَاقِعِيَّةِ لِلتَّارِيخِ، بَلْ تُعَبِّرُ غَالِبًا عَنْ مَصَالِحِ الطَّبَقَاتِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ الَّتِي تُهَيْمِنُ وَتَسُودُ فِي الْمُجْتَمَعِ. وَفِي نَسَقِ التَّصَوُّرِ الْمَارْكِسِيِّ يُمْكِنُ الْقَوْلُ إِنَّ الْحَدَّ الْفَاصِلَ بَيْنَ الْأَيْدِيُولُوجِيَا وَالْأَوْهَامِ وَاهِنٌ جِدًّا، وَهَذَا يَعْنِي بِالضَّرُورَةِ أَنَّ الْأَيْدِيُولُوجِيَا غَالِبًا مَا تَأْخُذُ هَيْئَةَ تَصَوُّرَاتٍ مُزَيَّفَةٍ عَنِ الْوَاقِعِ، وَهِيَ أَفْكَارٌ وَتَصَوُّرَاتٌ تَصُبُّ فِي مَصَالِحِ طَبَقَةٍ اجْتِمَاعِيَّةٍ مُحَدَّدَةٍ.

وَإِذَا اسْتَطَعْنَا أَنْ نَتَجَاوَزَ الْمَفْهُومَ الْمَارْكِسِيَّ لِلْأَيْدِيُولُوجِيَا، فَإِنَّهُ لَمِنَ الضَّرُورَةِ بِمَكَانٍ أَيْضًا أَنْ نَتَجَاوَزَ مَفْهُومَ الْأَيْدِيُولُوجِيَا بِمَعْنَاهُ التَّنَاحُرِيِّ كَمَا يَأْخُذُهُ رَيْمُون آرُون (Raymond Aron)، إِذْ يَرَى أَنَّ الْأَيْدِيُولُوجِيَا “فِكْرَةٌ لِلْأَعْدَاءِ”، وَتَنْطَوِي هَذِهِ الرُّؤْيَةُ عَلَى وَصْفِنَا لِأَفْكَارِ الْخُصُومِ بِأَنَّهَا أَيْدِيُولُوجِيَّةٌ، فِي الْوَقْتِ الَّذِي نَصِفُ فِيهِ أَفْكَارَنَا نَحْنُ بِأَنَّهَا عَقْلَانِيَّةٌ وَمَوْضُوعِيَّةٌ. فَكُلُّ طَرَفٍ يَعْتَقِدُ غَالِبًا أَنَّهُ يَمْتَلِكُ الْحَقِيقَةَ، فِي حِينِ يَرَى أَنَّ أَفْكَارَ الطَّرَفِ الْآخَرِ مُنْحَازَةٌ وَمُشَوَّهَةٌ وَتَخْدِمُ مَصَالِحَ مُعَيَّنَةً. وَمِنْ هُنَا تُصْبِحُ الْأَيْدِيُولُوجِيَا أَدَاةً فِكْرِيَّةً تُسْتَخْدَمُ فِي الصِّرَاعِ مَعَ الْخُصُومِ وَالتَّشْكِيكِ فِي أَفْكَارِهِمْ وَمَوَاقِفِهِمْ.

وَفِي هَذَا الْمَسَارِ أَيْضًا عَلَيْنَا أَنْ نَتَجَنَّبَ مَفْهُومَ الْأَيْدِيُولُوجِيَا بِمَعْنَاهُ الْبَرَاغْمَاتِيِّ وَالْأَدَاتِيِّ الَّذِي يُقَدِّمُ الْأَيْدِيُولُوجِيَا بِوَصْفِهَا مَنْظُومَةً مِنَ الْأَفْكَارِ الَّتِي تَسْعَى لِإِخْفَاءِ الْحَقِيقَةِ أَوْ لِتَبْرِيرِ الْمَصَالِحِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ.

وَحِينَ نَأْخُذُ بِعَيْنِ الِاعْتِبَارِ مَفْهُومَ الْأَيْدِيُولُوجِيَا كَمَا يُقَدِّمُهُ لُوِي أَلْتُوسِير (Louis Althusser)، فَإِنَّهَا لَا تَعْنِي مُجَرَّدَ مَجْمُوعَةٍ مِنَ الْأَفْكَارِ وَالْمُعْتَقَدَاتِ الَّتِي يَحْمِلُهَا الْأَفْرَادُ، بَلْ هِيَ الطَّرِيقَةُ الَّتِي يَتَصَوَّرُونَ بِهَا عَلَاقَتَهُمْ بِوَاقِعِهِمْ وَشُرُوطِ وُجُودِهِمْ. فَالْأَيْدِيُولُوجِيَا حَاضِرَةٌ فِي الْحَيَاةِ الْيَوْمِيَّةِ، وَتَعْمَلُ مِنْ خِلَالِ مُؤَسَّسَاتِ الْمُجْتَمَعِ، مِثْلَ الْأُسْرَةِ وَالْمَدْرَسَةِ وَالدِّينِ وَوَسَائِلِ الْإِعْلَامِ، وَتُسْهِمُ فِي تَشْكِيلِ وَعْيِ الْأَفْرَادِ وَتَصَوُّرَاتِهِمْ وَسُلُوكِهِمْ، وَغَالِبًا مَا يَحْدُثُ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَشْعُرُوا بِتَأْثِيرِهَا الْمُبَاشِرِ. وَفِي مَنْظُورِ أَلْتُوسِير لِلْأَيْدِيُولُوجِيَا يَتَّضِحُ التَّجَانُسُ الْكَبِيرُ مَعَ مَفْهُومِ الْعَقْلِيَّةِ. فَالْعَقْلِيَّةُ تَرْتَبِطُ بِالْعَقَائِدِ الْمُشْتَرَكَةِ بِدَرَجَةٍ كَبِيرَةٍ، وَبِالتَّصَوُّرَاتِ الْمُتَأَصِّلَةِ فِي رُوحِ الْجَمَاعَةِ وَوِجْدَانِهَا، وَلَا سِيَّمَا تِلْكَ الَّتِي تَتَمَيَّزُ بِدَرَجَةٍ عَالِيَةٍ مِنَ الثَّبَاتِ وَالِاسْتِقْرَارِ. فَالرُّمُوزُ الْأَكْثَرُ أَصَالَةً وَتَجَذُّرًا فِي الرُّوحِ الْجَمْعِيَّةِ، وَالْأَفْكَارُ الْجَاهِزَةُ الَّتِي اخْتَمَرَتْ فِي رَحِمِ الْحَيَاةِ الثَّقَافِيَّةِ، تُشَكِّلُ الْعَنَاصِرَ الْأَسَاسِيَّةَ فِي بِنْيَةِ مَفْهُومِ الْعَقْلِيَّةِ. وَفِي هَذَا السِّيَاقِ يُمْكِنُ الْقَوْلُ إِنَّ الْعَقْلِيَّةَ تَتَشَكَّلُ فِي صُلْبِ الْأَيْدِيُولُوجِيَا مِنَ الْأَعْلَى، وَفِي الْقَوَالِبِ الثَّقَافِيَّةِ مِنَ الْأَسْفَلِ، وَذَلِكَ بِوَصْفِ الثَّقَافَةِ تَصَوُّرًا شَامِلًا لِلْكَوْنِ (2).

وَيُؤَكِّدُ كُلٌّ مِنْ أَنْطُونْيُو غْرَامْشِي (Antonio Gramsci, 1891–1937) وَمِيشِيل فُوكُو (Michel Foucault, 1926–1984)  أَنَّ الْأَفْكَارَ لَا تَنْفَصِلُ عَنِ الْحَيَاةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ وَمُمَارَسَاتِهَا، بَلْ تَتَدَاخَلُ مَعَ مَنْظُومَةِ الْقِيَمِ وَالْمَعَارِفِ وَالْخِطَابَاتِ وَالنَّشَاطَاتِ الْحَيَوِيَّةِ فِي الْمُجْتَمَعِ. فَهِيَ تُؤَثِّرُ فِي الطَّرِيقَةِ الَّتِي يُفَكِّرُ بِهَا النَّاسُ وَيَفْهَمُونَ بِهَا وَاقِعَهُمْ، كَمَا تَرْتَبِطُ بِعَلَاقَاتِ الْقُوَّةِ وَالسُّلْطَةِ السَّائِدَةِ فِي الْمُجْتَمَعِ. وَهَذَا يَشْمَلُ الطُّقُوسَ وَالْعَادَاتِ؛ وَهُمَا يَعْتَقِدَانِ، مَعَ أَلْتُوسِير، بِأَنَّ التَّصَوُّرَاتِ الْخَاصَّةَ بِالْوُجُودِ يُمْكِنُهَا أَنْ تَتَجَلَّى فِي مَضَامِينِ السُّلُوكِ الِاجْتِمَاعِيِّ. وَهَذِهِ التَّصَوُّرَاتُ قَلَّمَا تَخْضَعُ لِلنَّقْدِ الْعَقْلَانِيِّ.

الأيديولوجيا والعقلية:

وَالْجَدِيرُ بِالْأَهَمِّيَّةِ هُنَا هُوَ أَنَّ أَلْتُوسِير يُشَدِّدُ عَلَى أَهَمِّيَّةِ الْجَانِبِ اللَّاشُعُورِيِّ لِلتَّصَوُّرَاتِ وَالْأَفْكَارِ الَّتِي تَحْمِلُ طَابِعًا أَيْدِيُولُوجِيًّا. وَيَتَجَلَّى هَذَا الْجَانِبُ اللَّاشُعُورِيُّ، بِحَسَبِ أَلْتُوسِير، فِي مُخْتَلِفِ جَوَانِبِ السُّلُوكِ وَالْمُمَارَسَاتِ الْحَيَاتِيَّةِ، مِنْ أَبْسَطِهَا إِلَى أَشَدِّهَا تَعْقِيدًا. وَفِي هَذَا إِقْرَارٌ عَمِيقٌ بِأَهَمِّيَّةِ الْأَيْدِيُولُوجِيَا لِلْحَيَاةِ الْإِنْسَانِيَّةِ؛ وَهُنَا بِالذَّاتِ يَتَقَاطَعُ مَفْهُومُ الْأَيْدِيُولُوجِيَا مَعَ مَفْهُومِ الْعَقْلِيَّةِ، بِوَصْفِهِمَا تَصَوُّرَاتٍ تَجَذَّرَتْ فِي أَعْمَاقِ الْوِجْدَانِ وَفِي الْعَقْلِ الْبَاطِنِ عَلَى نَحْوٍ لَاشُعُورِيٍّ. وَعِنْدَمَا يَجْرِي الْحَدِيثُ عَنِ الْأَيْدِيُولُوجِيَا وَفْقًا لِهَذِهِ الرُّؤْيَةِ، فَإِنَّ الْحَدِيثَ هُنَا يَقَعُ فِي مَدَارِ الْعَقْلِيَّةِ، أَيْ إِنَّ الْأَيْدِيُولُوجِيَا وَالْعَقْلِيَّةَ تَأْخُذَانِ صُورَةَ مَفْهُومٍ وَاحِدٍ.

وَمِنْ أَجْلِ الْفَصْلِ بَيْنَ الْمَفْهُومَيْنِ (بَيْنَ الْأَيْدِيُولُوجِيَا Ideology وَالْعَقْلِيَّةِ Mentality) أَيْضًا، يُمْكِنُ الْقَوْلُ غَالِبًا إِنَّ الْأَيْدِيُولُوجِيَا تَكُونُ تَصَوُّرَاتٍ مُمَنْهَجَةً اجْتِمَاعِيًّا، وَتَسْعَى إِلَى تَحْقِيقِ أَهْدَافٍ حَيَوِيَّةٍ وَاضِحَةٍ، وَعَلَى خِلَافِ ذَلِكَ فَإِنَّ الْعَقْلِيَّةَ هِيَ حَالَةٌ سِيكُولُوجِيَّةٌ لَاشُعُورِيَّةٌ تَقُومُ عَلَى أَسَاسٍ مِنَ التَّصَوُّرَاتِ وَالْقِيَمِ الَّتِي تُوَجِّهُ سُلُوكَ الْفَرْدِ وَتُحَدِّدُهُ بِصُورَةٍ غَامِضَةٍ. وَمِنْ جِهَةٍ أُخْرَى يُمْكِنُ الْقَوْلُ إِنَّهُ يُمْكِنُ الْفَصْلُ غَالِبًا بَيْنَ السُّلُوكِ وَالْأَيْدِيُولُوجِيَا، وَلَكِنَّ الْعَقْلِيَّةَ تَتَمَيَّزُ بِعَمَلِيَّةِ اتِّحَادٍ عَمِيقٍ وَشَامِلٍ بَيْنَ السُّلُوكِ وَالتَّصَوُّرَاتِ الَّتِي تُوَجِّهُهُ؛ لِأَنَّهَا تُعَبِّرُ عَنْ صَمِيمِ الْوِجْدَانِ الدَّاخِلِيِّ لِلْفَرْدِ وَالْجَمَاعَةِ: إِنَّهَا تَصَوُّرَاتٌ صَمِيمِيَّةٌ لَا زَيْفَ فِيهَا أَبَدًا. وَمِثَالُنَا عَلَى ذَلِكَ أَنَّ السُّلْطَةَ تُرَوِّجُ أَحْيَانًا لِتَصَوُّرَاتٍ وَقِيَمٍ لَا تَقَعُ فِي دَائِرَةِ إِيمَانِ وَاقْتِنَاعِ وَسُلُوكِ مَنْ يُرَوِّجُ لِهَذِهِ الْأَفْكَارِ؛ فَرَجُلُ الْأَعْمَالِ الَّذِي يَدْعُو الْعُمَّالَ إِلَى التَّقَشُّفِ غَالِبًا مَا يَنْتَهِجُ سُلُوكًا يَتَنَاقَضُ مَعَ تَصَوُّرَاتِهِ الَّتِي يُصَدِّرُهَا لِعُمَّالِهِ.

وَعَلَى خِلَافِ ذَلِكَ فَإِنَّ الْفَلَّاحَ مَثَلًا لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَخْرُجَ بِسُلُوكِهِ عَنْ دَائِرَةِ مُعْتَقَدَاتِهِ وَتَصَوُّرَاتِهِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ مُعْتَقَدَاتِهِ وَتَصَوُّرَاتِهِ صَمِيمِيَّةٌ وَجَوْهَرِيَّةٌ، وَلَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَفْصِلَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ سُلُوكِهِ، وَعِنْدَمَا يَحْدُثُ هَذَا فَإِنَّهُ يُصَابُ بِحَالَةِ هَذَيَانٍ وَصَدْمَةٍ وُجُودِيَّةٍ: إِنَّ فِعْلَهُ يُوَافِقُ تَفْكِيرَهُ، وَتَفْكِيرَهُ يَتَكَامَلُ مَعَ فِعْلِهِ وَسُلُوكِهِ. وَبِاخْتِصَارٍ، الْعَقْلِيَّةُ وَالْأَيْدِيُولُوجِيَا هُمَا فِي نِهَايَةِ الْأَمْرِ نِظَامَانِ مِنَ الْمَبَادِئِ الَّتِي تُوَجِّهُ سُلُوكَ الْفَرْدِ وَالْجَمَاعَةِ.

مَا بَيْنَ الْعَقْلِيَّةِ وَالْفَلْسَفَةِ كَرُؤْيَةٍ لِلْعَالَمِ:

تُزَوِّدُنَا الْفَلْسَفَاتُ، بِوَصْفِهَا تَأَمُّلَاتٍ عَامَّةً حَوْلَ الْكَوْنِ، بِمَنْظُومَةٍ مِنَ الْأَفْكَارِ حَوْلَ هَذَا الْعَالَمِ، وَتَأْسِيسًا عَلَى ذَلِكَ يُمْكِنُ الْقَوْلُ إِنَّ الْفَلْسَفَاتِ هِيَ فِي نِهَايَةِ الْأَمْرِ مَنَاهِجُ رُؤْيَةٍ شُمُولِيَّةٍ تَسْمَحُ لَنَا بِأَنْ نَأْخُذَ الْمَكَانَ الَّذِي نُحَدِّدُ فِيهِ مَوْقِفَنَا مِنَ الْكَوْنِ، وَكُلُّ فَلْسَفَةٍ تَسْتَنِدُ إِلَى تَصَوُّرَاتٍ عَقْلِيَّةٍ تُوَظَّفُ أَخْلَاقِيًّا فِي مَجَالِ تَحْدِيدِ الصَّحِّ أَوِ الْخَطَإِ، وَهِيَ تُمْلِي عَلَيْنَا مَوْقِفًا أَخْلَاقِيًّا يَتَمَثَّلُ فِي دَلَالَاتِ الْحَقِّ وَالْخَيْرِ وَالْجَمَالِ. وَكُلُّ فَلْسَفَةٍ تُقَدِّمُ إِجَابَاتٍ مُحَدَّدَةً عَنْ هَذِهِ الْمُشْكِلَاتِ وَتِلْكَ التَّسَاؤُلَاتِ، وَهَذَا بِدَوْرِهِ يُحَدِّدُ رُؤْيَتَنَا لِلْكَوْنِ وَالْحَيَاةِ الَّتِي تَأْخُذُ فِي حُسْبَانِهَا مَبَادِئَ الْمَعْرِفَةِ وَتَفْسِيرَاتٍ تَدُورُ حَوْلَ الْوُجُودِ وَالْكَوْنِ وَالْحَيَاةِ، وَمِنْ ثَمَّ يَلِي ذَلِكَ تَبْرِيرَاتٌ لِلسُّلُوكِيَّاتِ الَّتِي تَنْطَلِقُ مِنْ أُسُسِ هَذِهِ الْفَلْسَفَةِ.

وَفِي هَذَا الْمُسْتَوَى مِنَ التَّحْلِيلِ تَتَقَاطَعُ الْفَلْسَفَةُ مَعَ الْعَقْلِيَّةِ، فَالْعَقْلِيَّةُ بِدَوْرِهَا تَشْتَمِلُ عَلَى رُؤْيَةٍ لِلْكَوْنِ وَعَلَى مَوَاقِفَ أَخْلَاقِيَّةٍ. وَهِيَ مَنْظُومَةٌ مُكَوَّنَةٌ مِنْ مَبَادِئَ وَقِيَمٍ وَأُصُولٍ مَرْجِعِيَّةٍ وَتَصَوُّرَاتٍ تُوَحِّدُ بَيْنَ مُخْتَلِفِ النَّمَاذِجِ السُّلُوكِيَّةِ النَّمُوذَجِيَّةِ فِي الْجَمَاعَةِ، وَبِالتَّالِي فَإِنَّ هَذِهِ الْمَبَادِئَ وَالْعَقَائِدَ وَالْقِيَمَ وَالْمَعَايِيرَ تُشَكِّلُ الْمَنْطِقَ الْخَاصَّ بِالْجَمَاعَةِ أَوِ الْفَرْدِ (3). وَهَذِهِ الْمَنْظُومَةُ مِنَ الْمَبَادِئِ تَتَجَلَّى عَلَى نَحْوٍ تَجْرِيدِيٍّ، فَهِيَ كِيَانَاتٌ ذِهْنِيَّةٌ تَسْمَحُ بِفَهْمِ وَتَفْسِيرِ السُّلُوكِ، وَهَذَا يَعْنِي أَنَّ الذِّهْنِيَّةَ يُمْكِنُهَا أَنْ تَتَحَدَّدَ بِوَصْفِهَا نِظَامًا مِنَ الِاتِّجَاهَاتِ الَّتِي تَتَوَافَقُ مَعَ مَنْظُومَةٍ مِنَ الْمَبَادِئِ. فَالْعَقْلِيَّةُ هِيَ مَنْظُومَةٌ مِنَ الِاسْتِعْدَادَاتِ النَّفْسِيَّةِ الَّتِي تَعُودُ إِلَى مَرْجِعِيَّةٍ مِنَ الْعَقَائِدِ الَّتِي تُحَدِّدُ النَّظْرَةَ إِلَى الْكَوْنِ وَالَّتِي تُعْطِي مَعْنَى الْأَشْيَاءِ، كَمَا أَنَّهَا تُوَجِّهُ السُّلُوكَ وَتُحَدِّدُهُ فِي الْآنِ الْوَاحِدِ. وَمِنَ الْوُضُوحِ بِمَكَانٍ أَنَّ نِظَامَ الْمَبَادِئِ الدَّاخِلِيَّ الَّذِي يَتَغَلْغَلُ فِي الْعُمْقِ السِّيكُولُوجِيِّ لِلْإِنْسَانِ يُسَاعِدُ الْأَفْرَادَ وَالْجَمَاعَاتِ عَلَى فَهْمِ الْعَالَمِ وَالْوَسَطِ الَّذِي يَعِيشُونَ فِيهِ. وَهَذَا يَعْنِي أَنَّ الْمُحِيطَ وَالْأَشْيَاءَ تُفَسَّرُ عَلَى أَسَاسِ هَذَا الْمَنْطِقِ، وَيُضَافُ إِلَى ذَلِكَ وُجُودُ رُؤْيَةٍ لِلْعَالَمِ Vision du monde تَدْخُلُ فِي صَمِيمِ أَيِّ عَقْلِيَّةٍ، وَهَذَا يَعْنِي أَنَّ الْعَقْلِيَّةَ وَالنَّظْرَةَ إِلَى الْكَوْنِ تُشَكِّلَانِ وَحْدَةً لَا يُمْكِنُ الْفَصْلُ بَيْنَ جَنَبَاتِهَا (4).

إِنَّ النَّظْرَةَ إِلَى الْكَوْنِ تَتَمَحْوَرُ غَالِبًا حَوْلَ قَضِيَّةٍ وُجُودِيَّةٍ، وَيَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ بِالضَّرُورَةِ أَنَّ الْعَقْلِيَّةَ الَّتِي تَحْمِلُ فِي طَيَّاتِهَا رُؤْيَةَ الْعَالَمِ تُوَلِّدُ اتِّجَاهَاتٍ وَمَوَاقِفَ، وَهَذَا يَرْمُزُ إِلَى أَسَالِيبِ الْوُجُودِ إِزَاءَ عَنَاصِرِ الْوَسَطِ، وَمِنَ الْمَعْرُوفِ فِي هَذَا السِّيَاقِ أَنَّ بَعْضَ الْعَقْلِيَّاتِ تَنْطَوِي عَلَى نَسَقٍ مِنَ الْمَمْنُوعَاتِ الْمُقَدَّسَةِ Tabous، وَنَسَقٍ آخَرَ مِنَ الْأَشْيَاءِ الْمَرْغُوبَةِ، مِثْلَ احْتِرَامِ السُّلْطَةِ وَمُمَثِّلِيهَا وَرَفْضِ التَّجْدِيدِ وَكُلِّ مَا يُمَثِّلُهُ. فَالْعَقْلِيَّةُ هِيَ مَصْدَرُ السُّلُوكِ، وَهَذَا يَعْنِي مَجْمُوعَةً مِنَ السِّمَاتِ الْخَاصَّةِ بِالسُّلُوكِ، وَالَّتِي تَكْشِفُ عَنْ بَعْضِ الْمَفَاهِيمِ التَّكْوِينِيَّةِ لِلْعَقْلِيَّةِ الْمُعَاصِرَةِ.

وَيَتَّضِحُ مِنْ خِلَالِ التَّحْلِيلِ الْمَنْطِقِيِّ وُجُودُ عَلَاقَةٍ جَوْهَرِيَّةٍ وَاسْتِمْرَارِيَّةٍ بَيْنَ الْعَقْلِيَّةِ بِوَصْفِهَا مَنْظُومَةً مِنَ الْمَفَاهِيمِ، وَبَيْنَ الْعَقْلِيَّةِ بِوَصْفِهَا رُؤْيَةً لِلْعَالَمِ وَالْكَوْنِ وَنَسَقًا مُنَظَّمًا مِنَ الِاتِّجَاهَاتِ الَّتِي تَتَكَامَلُ مَعَ الْمَبَادِئِ وَالسُّلُوكِ، وَلَا سِيَّمَا السُّلُوكَ (الَّذِي يُمْكِنُ مُلَاحَظَتُهُ بِسُهُولَةٍ وَبِصُورَةٍ مُبَاشِرَةٍ).

فِي الْعَصْرِ الْوَسِيطِ كَانَ النَّاسُ، وَفْقًا لِعَقْلِيَّتِهِمْ، يُفَسِّرُونَ الْمَصَائِبَ وَالْكَوَارِثَ وَالْأَحْدَاثَ عَلَى أَنَّهَا إِرَادَةٌ رَبَّانِيَّةٌ أَوْ عِقَابٌ إِلَهِيٌّ، وَهَذِهِ الْعَقْلِيَّةُ تُثِيرُ الْفُضُولَ وَالِاسْتِغْرَابَ فِي عَصْرِنَا الْحَاضِرِ. وَلَكِنَّ هَذِهِ الرُّؤْيَةَ تُمَثِّلُ نُقْطَةً جَوْهَرِيَّةً فِي الْعَقْلِيَّةِ التَّقْلِيدِيَّةِ الْقَدِيمَةِ أَوِ الْعَقْلِيَّةِ الْبِدَائِيَّةِ. فَهَذِهِ رُؤْيَةٌ فَلْسَفِيَّةٌ تَدْخُلُ فِي صَمِيمِ بِنْيَةِ الْعَقْلِيَّةِ.

إِنَّ الْعَقِيدَةَ الْفَلْسَفِيَّةَ تَفْعَلُ فِعْلَ الذِّهْنِيَّةِ أَوِ الْعَقْلِيَّةِ، إِذْ هِيَ نِظَامٌ مِنَ الْمَبَادِئِ، وَلَكِنَّ هَذِهِ الْمَبَادِئَ تَتَّسِمُ بِالْوُضُوحِ، وَهِيَ تُشَكِّلُ غَالِبًا سِيَاقًا مِنَ الْمَرْجِعِيَّاتِ الْمَكْتُوبَةِ. وَعَلَى خِلَافِ ذَلِكَ، فَإِنَّ الْمَبَادِئَ الْخَاصَّةَ بِعَقْلِيَّةٍ مَا تَكُونُ غَالِبًا غَامِضَةً، وَيَجِبُ الْعَمَلُ عَلَى كَشْفِ مَجَاهِلِهَا وَتَضَارِيسِهَا (5). وَعَلَى هَذَا الْأَسَاسِ يُمْكِنُ الْقَوْلُ إِنَّ بِنَاءَ مُخَطَّطٍ لِلاتِّجَاهَاتِ الْفَلْسَفِيَّةِ السَّائِدَةِ يَسْمَحُ لَنَا بِتَحْدِيدِ الْمَحَاوِرِ الْأَسَاسِيَّةِ الَّتِي تُشَكِّلُ مُنْطَلَقَ وَاتِّجَاهَ الْعَقْلِيَّاتِ السَّائِدَةِ فِي اتِّخَاذِ مَوْقِفٍ مُحَدَّدٍ مِنَ الْوُجُودِ.

وَفِي مَسَارٍ آخَرَ يُمْكِنُ أَنْ نُورِدَ صِيغَةً أُخْرَى لِأَنْمَاطِ رُؤْيَةٍ لِلْوُجُودِ تَتَحَدَّدُ بِطَبِيعَةِ الْعَقْلِيَّةِ الَّتِي تُوَجِّهُ هَذِهِ الرُّؤَى. إِنَّ الْأَحْجَارَ وَالصُّخُورَ لَا تَحْمِلُ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُؤَرِّخِ أَيَّ مَعْنًى فِي ذَاتِهَا، فَهُوَ يَنْظُرُ إِلَى تَارِيخِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ وَطَرِيقَةِ تَشَكُّلِهَا عَبْرَ الزَّمَنِ فِي الْوِدْيَانِ وَضِفَافِ الْأَنْهَارِ وَفِي طَبَقَاتِ الْأَرْضِ، وَهُوَ يَسْعَى إِلَى تَحْدِيدِ تَارِيخِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ وَالْمَرَاحِلِ الَّتِي نَشَأَتْ فِيهَا، وَهُوَ بِذَلِكَ يُعْطِي هَذِهِ الْأَشْيَاءَ مَعْنًى مَعَ عَمَلِيَّةِ بِنَاءِ مَعْرِفَتِهِ الْخَاصَّةِ. وَعَلَى خِلَافِ ذَلِكَ، فَإِنَّ الْجِبَالَ الَّتِي يَسْكُنُهَا الْإِنْسَانُ الْبِدَائِيُّ، وَالْأَشْجَارَ الَّتِي تُحِيطُ بِهِ، لَا تَعْنِي شَيْئًا بِالنِّسْبَةِ لِلْإِنْسَانِ الْبِدَائِيِّ، وَلَيْسَ لَهَا أَيُّ مَعَانٍ فِي ذَاتِهَا، فَمَا يَعْنِيهِ هُوَ إِمْكَانِيَّةُ تَوْظِيفِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ مِنْ أَجْلِ حَيَاتِهِ وَاسْتِمْرَارِهِ. وَهَذَا يَنْسَحِبُ عَلَى الطَّرِيقَةِ الَّتِي يَنْظُرُ فِيهَا الْفَيْلَسُوفُ إِلَى الْأَشْيَاءِ، حَيْثُ يَبْحَثُ عَنْ مَعَانِيهَا وَعَلَاقَتِهَا مَعَ الْحَقِيقَةِ، وَهُوَ يُبَاشِرُ الْحَقِيقَةَ دُونَ أَحْكَامٍ مُسْبَقَةٍ وَمِنْ غَيْرِ أَفْكَارٍ جَاهِزَةٍ، فَهُوَ يَبْحَثُ عَنْ مَاهِيَّةِ الْأَشْيَاءِ، وَعَنْ طَبِيعَةِ الْأَحْدَاثِ، وَلِذَا فَهُوَ يَنْطَلِقُ مِنَ الْوَاقِعِ، وَيُحَاوِلُ أَنْ يَكْتَشِفَ الْعَلَاقَةَ الَّتِي تَرْبِطُ هَذَا الْوَاقِعَ بِالْحَقِيقَةِ، وَذَلِكَ عَبْرَ عَمَلِيَّةِ التَّفْسِيرِ الدَّائِمِ وَالتَّفْكِيرِ الْمُسْتَمِرِّ.

يَجِبُ أَنْ نَنْظُرَ إِلَى النَّشَاطِ الْفَلْسَفِيِّ كَمُحَاوَلَةٍ ذِهْنِيَّةٍ تُحَدِّدُهَا عَمَلِيَّةُ تَفْكِيرٍ تَأْخُذُ اتِّجَاهًا مُحَدَّدًا. فَكُلُّ إِنْسَانٍ يُحَاوِلُ أَنْ يَفْهَمَ، وَهَذِهِ هِيَ الْحَاجَةُ الثَّقَافِيَّةُ الْأُولَى عِنْدَ الْإِنْسَانِ الَّذِي يُعْطِي مَعْنًى لِلْحَقِيقَةِ بِأَيَّةِ طَرِيقَةٍ مِنَ الطُّرُقِ، وَذَلِكَ عَنْ طَرِيقِ إِنْشَاءِ الْأَسَاطِيرِ وَبِنَاءِ الْمَعْرِفَةِ الْعِلْمِيَّةِ وَالتَّعْبِيرَاتِ الْفَنِّيَّةِ وَالتَّفْسِيرَاتِ الدِّينِيَّةِ، وَأَخِيرًا عَنْ طَرِيقِ التَّفْكِيرِ الْفَلْسَفِيِّ. إِنَّ تَحْدِيدَ مَعْنَى الْأَشْيَاءِ يَتِمُّ بِالنِّسْبَةِ لِلْفَيْلَسُوفِ مِنْ خِلَالِ الْكَشْفِ الْمُمَنْهَجِ عَنِ الْعَلَاقَةِ الْقَائِمَةِ بَيْنَ الْأَشْيَاءِ. وَهَذَا يَعْنِي أَنَّ كُلَّ فَرْدٍ يُدْرِكُ الْمَجَالَ الَّذِي يَعِيشُ فِيهِ وَفْقًا لِمَشَاعِرِهِ وَرَغَبَاتِهِ وَعَقَائِدِهِ وَدَرَجَةِ انْدِمَاجِهِ فِي التَّارِيخِ الْجَمْعِيِّ لِلْمُجْتَمَعِ الَّذِي يَنْتَمِي إِلَيْهِ.

وَبِاخْتِصَارٍ، يُمْكِنُ الْقَوْلُ إِنَّ الْفَلْسَفَةَ مَوْقِفٌ مُمَنْهَجٌ وَمُنَظَّمٌ وَعَقْلَانِيٌّ مِنَ الْكَوْنِ، أَمَّا الْعَقْلِيَّةُ فَهِيَ مَوْقِفٌ لَاشُعُورِيٌّ مِنَ الْكَوْنِ يَرْتَهِنُ بِتَرَاكُمِ خِبْرَاتٍ شُعُورِيَّةٍ وَلَاشُعُورِيَّةٍ عَبْرَ تَجَارِبَ مُسْتَمِرَّةٍ مُنْذُ مَرْحَلَةِ الطُّفُولَةِ، وَالطُّفُولَةِ الْأُولَى تَحْدِيدًا. وَلَيْسَ فِي هَذَا الْقَوْلِ مِنْ غَرَابَةٍ، فَبَعْضُ الْمُحَلِّلِينَ النَّفْسِيِّينَ وَالْأَنْثُرُوبُولُوجِيِّينَ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ مَفْهُومَ الْإِنْسَانِ عَنِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ وَتَكْوِينَهُ النَّفْسِيَّ الْمُتَفَائِلَ وَالْمُتَشَائِمَ يَنْشَأُ فِي مَرْحَلَةِ الطُّفُولَةِ الْمُبَكِّرَةِ وَفِي مَرْحَلَةِ الرَّضَاعَةِ تَحْدِيدًا، وَهَذَا يَعْتَمِدُ عَلَى عَلَاقَةِ الطِّفْلِ بِثَدْيِ الْأُمِّ، فَعِنْدَمَا يَكُونُ صَدْرُ الْأُمِّ مِعْطَاءً تَتَكَوَّنُ لَدَى الطِّفْلِ رُوحٌ مُتَفَائِلَةٌ وَنَظْرَةٌ إِيجَابِيَّةٌ إِلَى الْكَوْنِ، وَعَلَى خِلَافِ ذَلِكَ، عِنْدَمَا يَكُونُ صَدْرُ الْأُمِّ شَحِيحًا، فَهَذَا يُوَلِّدُ فِي أَعْمَاقِهِ نَظْرَةً مُتَشَائِمَةً لِلْكَوْنِ وَمَا يَنْدَرِجُ فِيهِ. وَفِي هَذَا الصَّدَدِ يُؤَكِّدُ أَغْلَبُ الْمُفَكِّرِينَ وَالْمُرَبِّينَ أَنَّ عَقْلِيَّةَ الْإِنْسَانِ تَتَشَكَّلُ فِي مَرَاحِلِ الطُّفُولَةِ الْأُولَى عَبْرَ شَحَنَاتٍ مُتَفَجِّرَةٍ مِنَ الِانْفِعَالَاتِ وَالْآلَامِ وَالْخِبْرَاتِ الطِّفْلِيَّةِ.

خُلَاصَةٌ

يَسْعَى النَّصُّ إِلَى تَحْدِيدِ مَفْهُومِ الْعَقْلِيَّةِ مِنْ خِلَالِ مُقَارَنَتِهِ بِمَفْهُومَيِ الْأَيْدِيُولُوجِيَا وَالْفَلْسَفَةِ، انْطِلَاقًا مِنْ أَنَّ الْمَفَاهِيمَ الثَّلَاثَةَ تَشْتَرِكُ فِي كَوْنِهَا أَنْظِمَةً مِنَ التَّصَوُّرَاتِ وَالْمَبَادِئِ الَّتِي تَمْنَحُ الْإِنْسَانَ رُؤْيَةً لِلْعَالَمِ وَتُوَجِّهُ سُلُوكَهُ، لَكِنَّهَا تَخْتَلِفُ فِي طَبِيعَةِ تَشَكُّلِهَا وَدَرَجَةِ الْوَعْيِ وَالتَّنْظِيمِ فِيهَا.

فَفِي عَلَاقَتِهَا بِالْأَيْدِيُولُوجِيَا، تَبْدُو الْعَقْلِيَّةُ شَدِيدَةَ الْقُرْبِ مِنْهَا؛ لِأَنَّ الْأَيْدِيُولُوجِيَا تُمَثِّلُ نِظَامًا مِنَ الْأَفْكَارِ وَالتَّصَوُّرَاتِ يَمْنَحُ الْأَفْرَادَ وَالْجَمَاعَاتِ طَرِيقَةً مُعَيَّنَةً فِي فَهْمِ الْوَاقِعِ وَتَفْسِيرِهِ. وَيَتَجَاوَزُ النَّصُّ التَّصَوُّرَ الْمَارْكِسِيَّ الَّذِي يَنْظُرُ إِلَى الْأَيْدِيُولُوجِيَا بِوَصْفِهَا انْعِكَاسًا مُشَوَّهًا لِلْوَاقِعِ وَتَعْبِيرًا عَنْ مَصَالِحَ طَبَقِيَّةٍ، كَمَا يَتَجَاوَزُ مَعْنَاهَا التَّنَاحُرِيَّ عِنْدَ رَيْمُون آرُون، حَيْثُ تُصْبِحُ الْأَيْدِيُولُوجِيَا وَصْفًا لِأَفْكَارِ الْخُصُومِ، وَيَتَبَنَّى بِصُورَةٍ أَكْبَرَ التَّصَوُّرَ الَّذِي يُقَدِّمُهُ لُوِي أَلْتُوسِير، الَّذِي يَرَى فِيهَا نِظَامًا مِنَ التَّصَوُّرَاتِ لَهُ مَنْطِقُهُ الْخَاصُّ وَدَوْرُهُ التَّارِيخِيُّ فِي الْمُجْتَمَعِ.

وَمِنْ هَذَا الْمَنْظُورِ تَتَقَاطَعُ الْأَيْدِيُولُوجِيَا مَعَ الْعَقْلِيَّةِ، وَلَا سِيَّمَا عِنْدَمَا تُصْبِحُ التَّصَوُّرَاتُ وَالْقِيَمُ رَاسِخَةً فِي الْوِجْدَانِ وَتَعْمَلُ بِصُورَةٍ لَاشُعُورِيَّةٍ فِي الْحَيَاةِ الْيَوْمِيَّةِ. وَيُعَزِّزُ هَذَا الِاتِّجَاهَ كُلٌّ مِنْ أَنْطُونْيُو غْرَامْشِي وَمِيشِيل فُوكُو، إِذْ تَرْتَبِطُ الْأَفْكَارُ عِنْدَهُمَا بِالْمُمَارَسَاتِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ وَالْقِيَمِ وَالْخِطَابَاتِ وَعَلَاقَاتِ الْقُوَّةِ. وَهَكَذَا لَا تَبْقَى الْأَفْكَارُ مُجَرَّدَ تَصَوُّرَاتٍ نَظَرِيَّةٍ، بَلْ تَتَجَسَّدُ فِي السُّلُوكِ وَالْعَادَاتِ وَالطُّقُوسِ وَالْمُمَارَسَاتِ الْيَوْمِيَّةِ.

وَمَعَ ذَلِكَ، يُمَيِّزُ النَّصُّ بَيْنَ الْعَقْلِيَّةِ وَالْأَيْدِيُولُوجِيَا: فَالْأَيْدِيُولُوجِيَا تَكُونُ فِي الْغَالِبِ أَكْثَرَ تَنْظِيمًا وَوُضُوحًا وَارْتِبَاطًا بِأَهْدَافٍ اجْتِمَاعِيَّةٍ مُحَدَّدَةٍ، وَقَدْ يَنْفَصِلُ فِيهَا الْقَوْلُ عَنِ السُّلُوكِ؛ أَمَّا الْعَقْلِيَّةُ فَهِيَ بِنْيَةٌ نَفْسِيَّةٌ وَثَقَافِيَّةٌ عَمِيقَةٌ وَلَاشُعُورِيَّةٌ تَتَجَذَّرُ فِيهَا الْقِيَمُ وَالْمُعْتَقَدَاتُ إِلَى دَرَجَةٍ يَصْعُبُ مَعَهَا الْفَصْلُ بَيْنَ مَا يَعْتَقِدُهُ الْإِنْسَانُ وَالطَّرِيقَةِ الَّتِي يَتَصَرَّفُ بِهَا. وَلِذَلِكَ تَتَّحِدُ فِي الْعَقْلِيَّةِ التَّصَوُّرَاتُ وَالسُّلُوكُ فِي بِنْيَةٍ وَاحِدَةٍ مُتَمَاسِكَةٍ.

أَمَّا فِي عَلَاقَتِهَا بِالْفَلْسَفَةِ، فَإِنَّ الْعَقْلِيَّةَ وَالْفَلْسَفَةَ تَشْتَرِكَانِ فِي أَنَّهُمَا تُقَدِّمَانِ رُؤْيَةً لِلْعَالَمِ وَالْكَوْنِ وَتُحَدِّدَانِ مَوْقِفَ الْإِنْسَانِ مِنْ قَضَايَا الْخَيْرِ وَالشَّرِّ وَالْحَقِّ وَالْجَمَالِ. لَكِنَّ الْفَلْسَفَةَ تَتَمَيَّزُ بِأَنَّهَا رُؤْيَةٌ وَاعِيَةٌ وَمُنَظَّمَةٌ وَعَقْلَانِيَّةٌ وَمُمَنْهَجَةٌ، فِي حِينِ تَتَشَكَّلُ الْعَقْلِيَّةُ بِصُورَةٍ تَدْرِيجِيَّةٍ وَلَاشُعُورِيَّةٍ مِنْ خِلَالِ الثَّقَافَةِ وَالتَّرْبِيَةِ وَالْخِبْرَاتِ وَالتَّجَارِبِ الْمُتَرَاكِمَةِ مُنْذُ الطُّفُولَةِ.

وَبِذَلِكَ يُمْكِنُ تَلْخِيصُ الْفِكْرَةِ الْمَرْكَزِيَّةِ لِلنَّصِّ فِي أَنَّ الْعَقْلِيَّةَ تَقَعُ فِي مِنْطَقَةٍ وُسْطَى بَيْنَ الْأَيْدِيُولُوجِيَا وَالْفَلْسَفَةِ: فَهِيَ تَشْتَرِكُ مَعَ الْأَيْدِيُولُوجِيَا فِي قُدْرَتِهَا عَلَى تَوْجِيهِ السُّلُوكِ وَتَشْكِيلِ رُؤْيَةِ الْإِنْسَانِ إِلَى الْوَاقِعِ، وَتَشْتَرِكُ مَعَ الْفَلْسَفَةِ فِي تَقْدِيمِ رُؤْيَةٍ لِلْعَالَمِ؛ لَكِنَّهَا تَتَمَيَّزُ عَنْهُمَا بِكَوْنِهَا أَكْثَرَ تَجَذُّرًا فِي الْبِنْيَةِ النَّفْسِيَّةِ وَالثَّقَافِيَّةِ وَاللَّاشُعُورِيَّةِ لِلْفَرْدِ وَالْجَمَاعَةِ. فَالْفَلْسَفَةُ رُؤْيَةٌ عَقْلَانِيَّةٌ وَاعِيَةٌ لِلْعَالَمِ، وَالْأَيْدِيُولُوجِيَا مَنْظُومَةٌ مُنَظَّمَةٌ مِنَ التَّصَوُّرَاتِ وَالْمَبَادِئِ ذَاتُ وَظِيفَةٍ اجْتِمَاعِيَّةٍ، أَمَّا الْعَقْلِيَّةُ فَهِيَ بِنْيَةٌ عَمِيقَةٌ مِنَ الْقِيَمِ وَالْمُعْتَقَدَاتِ وَالتَّصَوُّرَاتِ الْمُسْتَبْطَنَةِ الَّتِي تَمْنَحُ الْعَالَمَ مَعْنَاهُ وَتُوَجِّهُ السُّلُوكَ بِصُورَةٍ تِلْقَائِيَّةٍ وَلَاشُعُورِيَّةٍ.

***

د. عَلِي أَسْعَد وَطْفَة - جَامِعَةُ الْكُوَيْتِ

....................

هوامش المقالة:

1-  Hervé Martin, Mentalités médiévales, XIe–XVe siècles (Paris: PUF, coll. « Nouvelle Clio », 1996), p. 6.

  2- Jean Servier, L’Idéologie (Paris: PUF, 1982).

3-  Alex Mucchielli, Les Mentalités: compréhension et analyse (Paris: Éditions ESF, 1984), p. 8.

4-   Alex Mucchielli, Les Mentalités, ibid., p. 11.

5-  Alex Mucchiellie, Les mentalités, ibid. , P11.

رؤية نقدية في الأخلاقيات الفلسفية المعاصرة

لا يمكن قراءة الفلسفة الأخلاقية المعاصرة، أو فهم مشكلات السلوك البشري العميقة، بمعزل عن الحتميات البيولوجية التي تحكم البنية العصبية للإنسان. لطالما نظرت الفلسفة الكلاسيكية إلى الأخلاق بوصفها قراراً عقليًا أو مجرد نزعة روحية متعالية، إلا أن الاكتشافات الحديثة في علم وظائف الأعضاء العصبي قد أحدثت ثورة في فهمنا للإرادة الإنسانية. إذ إن العقلية النقدية الحقيقية ليست مجرد تراكم كمي للمعلومات، ولا هي مجرد قدرة لغوية على الحجاج البليغ؛ بل هي في جوهرها المادي ارتقاء وتطور حقيقي في الهيكلية الوظيفية للقشرة الجبهية الأمامية وشبكاتها التكاملية المعقدة.

إن عقلية القطيع وما ينجم عنها من "تغول للشر" ليسا مجرد شذوذات عارضة عن الطبيعة البشرية، بل هما، للأسف الشديد، نتيجة لآليات تطورية عميقة الجذور. مفاهيم مثل "الإدراك الحامي للهوية" وتقليل أخطاء "التنبؤ الاجتماعي" هي آليات دفاعية تستغل المسارات العصبية البدائية لتجنب الألم النفسي العميق الناتج عن الإقصاء الاجتماعي والوحدة. فالإنسان البدائي كان يعتمد على القطيع للبقاء، والانفصال عنه كان يعني الموت المحتم، وهذا الرعب الوجودي ما زال محفورًا في جيناتنا ودوائرنا العصبية.

مع ذلك، فإن الإمكانات البيولوجية والفلسفية للإنسان لا تقف أسيرةً عند هذا القصور التطوري الأولي. إذ توفر ميكانيكيات "اللدونة العصبية" (قدرة الدماغ على إعادة تشكيل روابطه) مرونة هائلة لتطوير مستوى أعلى من "إدراك الإدراك" وهو المستوى القادر على كشف وتحييد هذه الانحيازات البدائية، مما يحقق التكامل التام لنموذج الشبكات العصبية الثلاثية. وعبر إخضاع الاستجابات الحدسية للتنظيم الواعي، وتفعيل آليات التعاطف الاجتماعي عمدًا عبر الممارسة والتدريب العقلي المستمر، تتحول "الإرادة الحرة الصالحة" من افتراض غيبي وميتافيزيقي غامض، إلى واقع ملموس يمكن رعايته وتطويره مؤسسيًا وتربويًا. إن هذا الاندماج العضوي بين الوعي الفلسفي والتدريب العصبي يمثل خط الدفاع البشري الأخير لتمكين الإنسان من كبح "تفاهة الشر"، والارتقاء فوق طغيان القطيع، وتجسيد أعلى مستويات الحرية المعرفية والأخلاقية.

وتأسيسًا على نظرية المعرفة التطورية، يمكن تقسيم العقل النقدي إلى (ثلاثة) مستويات إنسانية، تتدرج في وعيها واستقلالها على النحو الآتي

أولًا: العقل المنظَّم اجتماعيًا (عقلية القطيع)

من الناحية الفلسفية، يمثل هذا المستوى الوجود غير الأصيل للإنسان. في هذه المرحلة، يستمد الفرد هويته، وقيمه، ومنظوره الكامل للصواب والخطأ من بيئته الخارجية، سواء كانت الأسرة، أو الثقافة السائدة، أو المنظومة الفكرية (العقائدية). الفرد هنا "منخرط" ومندمج كليًا في توقعات الآخرين؛ فهو لا يمتلك نظامًا نقديًا داخليًا مستقلًا، بل يقيس صحة أفعاله بناءً على القبول الاجتماعي ومدى مواءمتها لمعايير القطيع. وفي هذا المستوى، تتجلى ظاهرة "تفاهة الشر"، حيث يرتكب الأفراد العاديون أفعالًا مدمرة أو يتبنون مواقف إقصائية، ليس بدافع الشيطنة، بل لمجرد الانصياع الأعمى للسلطة أو الأغلبية. يُشكل هذا المستوى حوالي 58٪ من السكان البالغين، مما يظهر هيمنة النزعة الجماعية على التفكير البشري القياسي.

أما من الناحية الفسيولوجية العصبية، فيرتبط هذا المستوى بهيمنة نظام "التعلم التعزيزي" داخل السياق الاجتماعي. تشير الدراسات المستفيضة إلى أن الانحراف عن رأي الجماعة، أو مجرد التفكير في مواجهة صراع مع القطيع، ينشط "القشرة الحزامية الأمامية الظهرية" والجزء الخلفي من "القشرة الجبهية الإنسية"، وهي المناطق المسؤولة في الدماغ عن رصد الأخطاء، واكتشاف الصراعات، والتنبيه للمخاطر. عندما يكتشف الفرد أن رأيه يتعارض مع رأي الأغلبية، يصدر الدماغ إشارة إنذار تُعرف بـ "خطأ في التنبؤ"، تُشعر الفرد بعدم الارتياح العاطفي وكأنه اقترف ذنبًا مميتًا أو خطأ استراتيجيًا يهدد بقاءه. ويصاحب تلك قاصدًا انخفاض حاد في نشاط "الجسم المخطط البطني" المرتبط بنظام المكافأة وإفراز (الدوبامين).

ولتقليل هذا الصراع العصبي المؤلم واستعادة النشوة العصبية للمكافأة، يلجأ "العقل المنظم اجتماعيًا" بشكل شبه تلقائي إلى تغيير قناعاته لتتطابق مع القطيع، وهو ما يحفز إفراز (الدوبامين) كمكافأة بيولوجية على الامتثال. تفتقر العقلية هنا إلى النقد الجذري؛ لأن "القشرة الجبهية الظهرية الجانبية" (مركز العقلانية والتحكم) لا تتدخل بقوة كافية لتثبيط هذا التكيف التلقائي والخانع مع المحيط الخارجي.

ثانيًا: العقل المؤلِّف لذاته

فلسفيًا، يمثل هذا المستوى نقطة انطلاق التفكير النقدي الحقيقي، وبداية التحرر من هيمنة عقلية القطيع، ويصل إليه نحو 35٪ من البالغين. في هذه المرحلة، يصبح الفرد قادرًا على النظر إلى التوقعات المجتمعية والإملاءات الثقافية كـ "موضوع" خارجي منفصل يمكن تقييمه ونقده، وذلك بناءً على نظام قيمي ومبادئ داخلية قام الفرد نفسه ببنائها عبر التأمل والتجربة. هنا تولد الإرادة المستقلة والوجود الأصيل؛ حيث يتخذ الفرد قراراته استنادًا إلى المنطق، والتحليل الذاتي، ولا ينهار أمام الضغط الجماعي أو رهاب العزلة.

عصبيًا، يتميز هذا المستوى بنشاط عالٍ للتحكم المعرفي والتنفيذي "من أعلى إلى أسفل". يبرز بقوة دور "القشرة الجبهية الظهرية الجانبية" في تثبيط وقمع إشارات "الخطر الاجتماعي" العاطفية الصادرة عن منطقة "اللوزة الدماغية" (مركز الخوف) و"القشرة الحزامية الأمامية" عند مخالفة القطيع. الفرد هنا يمتلك القدرة البيولوجية على تحمل ألم الانفصال عن الجماعة في سبيل قول الحق أو اتباع المنطق.

مع ذلك، يظل هذا المستوى عرضة لفخ فلسفي وعصبي بالغ التعقيد يُعرف بـ "الإدراك الحامي للهوية". تشير الأبحاث المعرفية إلى أن الفرد في هذا المستوى قد يستخدم قدراته العقلية والنقدية العالية ليس للبحث عن الحقيقة المطلقة، بل للدفاع باستماتة عن المعتقدات الأساسية التي تشكل هويته الجديدة. في هذا المستوى، يكون العقل الفاعل في حالة يقظة تامة، إلا أنه قد يُسَخَّر كأداة لحماية الالتزامات العقائدية للفرد من الأدلة المتناقضة معها. وهذا ما يفسر المفارقة الكبيرة التي تظهر في أن الأشخاص ذوي القدرات العالية على الانعكاس المعرفي والمثقفين غالبًا ما يكونون أكثر استقطابًا، وأشد تطرفًا، وأكثر قدرة على تبرير تحيزاتهم في القضايا الخلافية. على الرغْم هذا الانحياز المحتمل، فإن القدرة العصبية الأساسية على التقييم المستقل للمعلومات تكون مكتملة النمو وقيد التشغيل في هذا العقل.

ثالثًا: العقل المحوِّل لذاته

يصل إلى هذا المستوى المتفوق أقلية نادرة جدًا يُقدرها علماء النفس التنموي بنحو 1٪ فقط من البالغين. من الناحية الفلسفية، يدرك الفرد في هذا المستوى بوضوح تام أن حتى نظامه القيمي والنقدي الداخلي (الذي ألّفه بنفسه واعتز به في المستوى السابق) هو نظام ناقص، مشروط، ومقيد بنطاق تجربته الشخصية، ثَمّ فهو قابل للتحديث والتطوير المستمر. يتقبل الفرد التناقضات والتعقيدات الكبرى في الحياة الكونية، ويستطيع تقييم المنظومات الفكرية المتعددة والمتصارعة دون الانحياز الأعمى أو الدفاعي لأي منها. يمثل هذا المستوى حالة متقدمة من الحكمة البالغة والتواضع المعرفي؛ حيث تتشكل "الإرادة الصالحة" من الفهم العميق لقصور الذات وللتحيزات المعرفية الراسخة في الطبيعة البشرية.

عصبيًا، يعتمد هذا المستوى على التطور الأقصى لِما يُعرف بـ "إدراك الإدراك" (أو التفكير في التفكير)، وهو قدرة الفرد على مراقبة وتعديل عملياته المعرفية الخاصة من الخارج كأنه يراقب شخصًا آخر. ترتبط هذه القدرة المتقدمة ارتباطًا كبيرًا بـ "الفص الجبهي القطبي"، الذي يُشار إليه تشريحيًا بـ "باحة برودمان العاشرة". إنها المنطقة الأكثر أمامية في الدماغ البشري، التي تتفرد بكونها غير معنية بالوظائف الحسية أو الحركية المباشرة، بل مكرسة بالكامل للوظائف التنفيذية بالغة التجريد والتنظيم.

أظهرت دراسات التصوير الكمي للدماغ أن سماكة "المادة الرمادية" وسلامة البنية الدقيقة لغلاف "المايلين-الغلاف الدهني للاعصاب" العصبي في هذه القشرة ترتبط ارتباطًا مباشرًا بقدرة الفرد على التقييم الاستبطاني الدقيق لقراراته، وتحديد مستوى ثقته في استنتاجاته بموضوعية. في هذا المستوى، يتمكن الفرد من استخدام "شبكة التنبيه" (الشبكة البارزة) بحرفية ومرونة عالية لتنظيم التبديل السلس بين شبكات الدماغ المختلفة، مما يُمكنه من مراقبة تحيزاته وتصحيحها ديناميكيًا قبل أن تتحول إلى سلوك وغمائي.

خلاصة الرؤية النقدية: العقد المجتمعي والقانون

من المنظور الفلسفي للعقلية النقدية وتطورها البيولوجي، نستنتج أن الإرادة الصالحة لا تعتمد على إلغاء المشاعر الإنسانية لمصلحة العقلانية الحسابية البحتة (التي قد تقود إلى قرارات فاشية أو مجردة من التعاطف الإنساني)، وهي إلى ذلك قطعًا لا تعتمد على الاستسلام الأعمى للعواطف التلقائية (التي قد تنحاز للمجموعة القريبة وتتجاهل قيم العدالة المجردة). بدلًا من ذلك، تعتمد الإرادة الصالحة على قدرة الفرد على إحداث تكامل فعال وديناميكي بين المسار العاطفي والمسار الإدراكي. يتولى هذا التكامل التحكم الانتباهي الدقيق الذي تتوسطه القشرة الحزامية، التي أدّى دور المراقب الحكيم الذي يكتشف الصراع بين العاطفة والمنطق، ويستخدم الوعي التطوري في إنجاز المهمة وتمكين الإنسان كي يكون كائنًا صالحًا وحرًا.

إلا أن الخطر الأكبر يكمن في التراجع التنموي. إن أي فعل يمثل نكوصًا للإنسان عن المستوى الأعلى لنظرية المعرفة التطورية، وحين لا تمارس كتلته العصبية وظائفها العليا بوعي، فإن ذلك لا يعني مجرد كسل فكري، بل يعني "نكوصًا بيولوجيًا" يُرجعه إلى أصله البدائي الغرائزي القائم على الإقصاء والعنف.

وهنا تبرز الأهمية القصوى لتدخل الفلسفة في التشريع؛ إذ يجب ألا يسمح القانون الإنساني لهذا النكوص البيولوجي-القطيعي بأن يحتل مكانة سيادية أو تشريعية تهدد العقد المجتمعي والسلم الأهلي. إن بناء مجتمع حر يتطلب منا، قبل كل شيء، مؤسسات تربوية وقانونية تفهم هذه الحتميات العصبية، وتعمل باستمرار على استثارة اللدونة الدماغية لدى الأفراد، وتحفيز انتقالهم من مرحلة القطيع البدائي إلى مرحلة الإنسان المفكر والمدرك لذاته وللعالم من حوله.

***

غالب المسعودي

لماذا لا يكون الشعور مجرد لحظة بل تدفقًا حيًا؟

إذا كان الوعي قد أُسيء فهمه كثيرًا بوصفه شيئًا يمكن القبض عليه كما تُقبض صورة ثابتة داخل إطار، فإن أحد أهم أسباب هذا الالتباس هو أننا كثيرًا ما نفكر فيه كما لو كان سلسلة من اللحظات المنفصلة، أو كما لو كانت التجربة تتكون من نقاط شعورية متجاورة يضاف بعضها إلى بعض. غير أن الوعي، في معيشه الفعلي، لا يُعطى لنا بهذه الصورة الذرّية. نحن لا نعيش العالم كحشد من ومضات مستقلة، بل كتدفق. لا نسمع اللحن نغمةً منفصلة بعد نغمة منفصلة ثم نركبها لاحقًا، بل نسمعه بوصفه امتدادًا حيًا. لا نعيش الجملة كلمةً بعد كلمة كما لو كانت شظايا بلا رابط، بل نعيشها في توتر بين ما انقضى وما يُنتظر. حتى الألم لا يكون غالبًا مجرد نقطة إحساس، بل امتدادًا يتثاقل أو يشتد أو يخفت أو يتشكل في الزمن. من هنا فإن الوعي، في جوهره، ليس مجرد حضور للحظة، بل كيفية عيش الحضور بوصفه ممتدًا.

هذا يعني أن سؤال الوعي لا يمكن فصله عن سؤال الزمن. بل ربما كان الزمن هو البعد الذي يكشف أن الوعي ليس وعاءً تستقر فيه الحالات، بل حركة داخلية، أو بالأحرى بنية جريان لا تتوقف عند حدّ “الآن” بالمعنى المجرد. فالآن الخالص، إذا فُهم بوصفه نقطة رياضية بلا امتداد، لا يُعاش أصلًا. ما نعيشه دائمًا هو “آن” مشبع بما انقضى وما يوشك أن يأتي. اللحظة نفسها ليست حبة مغلقة، بل سماكة. فيها بقايا الماضي القريب، وفيها توتر نحو الآتي. ومن دون هذه السماكة لا يكون هناك إدراك، ولا معنى، ولا خبرة مستمرة، ولا حتى هوية للذات.

وهنا تتبدى أهمية التحليلات الظاهراتية، وخصوصًا عند هوسرل، الذي أدرك أن الوعي الزمني ليس مجرد تعاقب موضوعات في خط خارجي، بل بنية داخلية دقيقة تتكون من الاحتفاظ والحضور والاستباق. حين أسمع نغمة موسيقية، فإن النغمة السابقة لا تختفي اختفاءً مطلقًا، بل تبقى محتفظًا بها في شكل حي، لا كذكرى بعيدة، بل كأثر حاضر في الآن. وفي الوقت نفسه، لا أعيش النغمة الحالية وحدها، بل أترقب ما سيأتي بوصفه امتدادًا ممكنًا للحن. هكذا يكون الوعي دائمًا أكثر من لحظة، لأنه يحمل في داخله بقايا ما كان وإرهاص ما سيكون. إنه لا يسكن الزمن الخارجي فحسب، بل ينسجه من الداخل.

من دون هذا البعد الزمني الحي، يفقد الوعي وحدته. لو كانت كل لحظة شعورية قائمة بذاتها تمامًا، لما أمكن أن نتكلم عن “خبرة” أصلًا، بل عن شذرات متقطعة لا يجمعها شيء. لن نستطيع سماع لحن، ولا فهم جملة، ولا إدراك حركة، ولا الإحساس باستمرار الألم أو الفرح أو الحزن. كل هذه الخبرات تتطلب أن يكون الوعي قادرًا على حمل الامتداد داخله. فالإدراك ليس مجرد استقبال نقطة حسية، بل بناء زماني. الرؤية نفسها ليست صورة خاملة، بل استمرار دقيق للانتباه، وتعديل متصل للمنظور، وربط حيّ بين ما يظهر الآن وما كان ظاهرًا منذ لحظة وما يمكن أن يظهر تالياً.

بل إن الذات نفسها لا يمكن فهمها خارج هذا النسيج الزمني. أنا لست “أنا” لأنني أمتلك جوهرًا ثابتًا خلف التجارب فقط، بل لأن وعيي يحتفظ بخيط من الاستمرار عبر التحول. هويتي لا تقوم على تطابق جامد، بل على توتر بين الذاكرة والحضور والتوقع. أنا أتعرف على نفسي لأن شيئًا من ماضيّ ينساب في حاضري، ولأن حاضري مشدود إلى إمكانات مقبلة. ومن هنا فإن الوعي ليس فقط تدفقًا حيًا، بل هو أيضًا الطريقة التي يكون بها الكائن نفسه ممتدًا في الزمن دون أن يتفتت تمامًا.

لهذا السبب لا يكون الشعور مجرد “لحظة” حتى حين نتصوره كذلك. خذ مثلًا الخوف. الخوف ليس نقطة انفعال تظهر ثم تنعدم، بل هو بنية زمنية بامتياز. إنه انشداد إلى ما قد يأتي. حتى لو حدثت الاستجابة الجسدية في لحظة، فإن الخوف ذاته لا يُعاش إلا بوصفه علاقة بمستقبل مهدِّد. وكذلك الحنين: ليس إحساسًا حاضرًا فقط، بل استدعاء لماضٍ داخل الحاضر. وكذلك القلق: لا يتعلق بموضوع آني واضح دومًا، بل بانفتاح متوتر على الممكن. والحب نفسه ليس انفعالًا لحظيًا محضًا، بل نسق زمني معقد من الذاكرة والانتظار والالتصاق والإمكان. كل هذا يكشف أن الشعور ليس مادة ساكنة، بل جريان له بنية زمانية من الداخل.

ومن هنا أيضًا نفهم لماذا تبدو بعض النظريات الاختزالية للوعي فقيرة. حين تُعامل الوعي كما لو كان مجموعة من الحالات المنفصلة أو “المحتويات” المعروضة في عقل ما، فإنها قد تغفل البعد الذي يجعل هذه المحتويات خبرة أصلًا: الامتداد الزمني. يمكنها أن تصف تنشيطًا عصبيًا هنا أو هناك، أو انتقالًا من حالة إلى حالة، لكنها لا تلتقط بالضرورة كيف تُعاش هذه الانتقالات بوصفها استمرارًا حيًا. ليست المسألة فقط أن هناك وقائع دماغية متعاقبة، بل أن هناك شكلًا معيشًا للتعاقب. وهذا الشكل ليس تفصيلًا ثانويًا، بل عنصرًا مؤسسًا للوعي نفسه.

والحق أن الزمن لا يضيف إلى الوعي مجرد بُعد خارجي، بل يكشف أن الوعي في جوهره ليس شيئًا تامًا ومغلقًا، بل انفتاح. كل شعور يتجاوز نفسه. لا يوجد إحساس نقي مغلق على ذاته تمامًا، لأن كل إحساس يمرّ، وكل حضور يعبر، وكل معنى يتشكل في الامتداد. حتى الآن الذي نحاول الإمساك به يفلت، لا لأن الوعي عاجز، بل لأن بنيته نفسها بنية عبور. الإنسان لا يعيش في حاضر جامد، بل في “حاضر متحرك”. ولهذا يكون الوعي أقرب إلى النهر منه إلى الحجر، وأقرب إلى الإيقاع منه إلى الشيء.

هذه الحقيقة تجعل العلاقة بين الوعي والزمن أكثر عمقًا من مجرد القول إن الوعي “يحدث مع الوقت”. الأدق أن نقول إن الوعي يصوغ الزمن كما يعيشه، وفي المقابل لا يكون هو نفسه إلا عبر هذا الصوغ. الزمن الفيزيائي قد يكون قابلًا للقياس بالساعات والثواني، لكن الزمن المعيش شيء آخر. دقيقة الانتظار ليست كدقيقة الفرح، وليلة الأرق ليست كساعة النسيان، والطفولة لا تتدفق كالكهولة، والحزن يثقل الزمن، بينما الحماسة قد تسرّعه. هذا يعني أن الزمن في الوعي ليس مجرد إطار محايد، بل نسيج كيفي. الشعور لا يحدث داخل زمن متجانس، بل يلون الزمن نفسه ويعيد تشكيله.

ومن هنا ظهرت في الفلسفة الحديثة والمعاصرة محاولات كثيرة لفهم الذاتية من خلال الزمن لا من خلال الجوهر. عند برجسون مثلًا، لا يكون الزمن الحقيقي سلسلة من وحدات قابلة للعد، بل ديمومة؛ أي امتداد حي تتداخل فيه اللحظات بدل أن تتجاور ميكانيكيًا. وعند هوسرل، كما رأينا، يتحدد الوعي من خلال البنية الثلاثية للاحتفاظ والحضور والاستباق. وعند هايدغر، يتعمق الأمر أكثر، إذ لا يعود الزمن خاصية من خصائص الوعي فقط، بل يصبح أفقًا لأن يكون الإنسان هو ما هو. الإنسان ليس فقط كائنًا في الزمن، بل هو كائن يسبق نفسه إلى إمكاناته، ويحمل ماضيه بوصفه ما أُلقي فيه، ويعيش حاضره داخل هذا التوتر.  الزمن ليس شيئًا يمرّ على الذات، بل الذات نفسها تُفهم انطلاقًا من زمانيتها.

وإذا أعدنا هذا إلى سؤال الوعي، أمكن القول إن الشعور ليس مجرد لحظة لأنه ليس مجرد واقعة. إنه حدث منفتح. كل إحساس، لكي يكون ما هو، يحتاج إلى احتفاظ بما مضى منه وتوقع لما يمكن أن يليَه. حتى الجملة التي تقرؤها الآن لا يمكن أن تُفهم لو كنت تستقبل كل كلمة منفصلة عن سابقتها ولا تحمل في وعيك أثر ما قرأت. إنك تفهم لأن الوعي ليس لوحة تتلقى بقعًا، بل حركة تربط، وتحمل، وتنتظر. ولذلك فإن الفهم نفسه ظاهرة زمانية.

بل يمكن أن نذهب أبعد: لعل بعض ما نسمّيه الذاتية ليس سوى هذا التوتر الزمني بالذات. أي إن كون التجربة “لي” لا ينفصل عن كونها منسوجة في ديمومة تخصني، في تاريخ إدراكي وانفعالي، في أسلوب احتفاظي بما مضى وتوقعي لما يأتي. ليس الوعي ذاتيًا فقط لأنه يحدث “داخل” ذات، بل لأنه يجري وفق إيقاع زمني معيش يكوّن وحدة هذا الداخل نفسه. ومن دون هذه الوحدة الزمنية يصبح من الصعب حتى تصور ما تعنيه “الخبرة الخاصة”.

هنا أيضًا يظهر صدى علم الأعصاب وإن لم يكن كافيًا وحده. فالدراسات العصبية تشير إلى أن الدماغ لا يعمل بوصفه آلة لحظية خالصة، بل بوصفه منظومة تنبؤية تحتفظ بآثار الماضي وتستبق المستقبل باستمرار. الإدراك نفسه ليس استقبالًا ساكنًا، بل توقعًا وتصحيحًا وتحديثًا. لكن القيمة الفلسفية لهذه الإشارات لا تكمن فقط في تأكيد أن للوعي أساسًا عصبيًا زمانيًا، بل في أنها تُظهر أن الزمنية ليست ملحقًا على الإدراك، بل جزء من بنيته الوظيفية أيضًا. غير أن هذا كله لا يغني عن الحقيقة الظاهراتية: ما يهم ليس فقط أن الدماغ يدمج عبر الزمن، بل أن التجربة تُعاش بوصفها امتدادًا حيًا. بين الزمن العصبي والزمن المعيش توجد علاقة، لكنهما ليسا الشيء نفسه.

ولعل أحد أعمق أبعاد هذه المسألة يظهر في الألم والصدمة والفرح والملل. فهذه الحالات لا تغيّر محتوى الشعور فقط، بل تغيّر شكل الزمن نفسه. في الملل يتمدد الزمن كأنه لا يريد أن ينقضي. في الفرح ينساب بسرعة أو خفة. في الصدمة ينكسر الإيقاع، وقد يتجمد الحدث داخل الحاضر بحيث لا يصير ماضيًا تمامًا. في الحزن يتكاثف الزمن ويثقل. كل ذلك يدل على أن الوعي ليس فقط في الزمن، بل هو أحد المواقع التي يتخذ فيها الزمن صورته المعيشة. وهذا ما يجعل فهم الشعور من خلال “لحظة” واحدة فهمًا فقيرًا؛ لأن الشعور غالبًا هو بالضبط كيفية تشكّل الزمن فينا.

 لا يكون الوعي مجرد لحظة لأن اللحظة نفسها، كما تُعاش، ليست مجرد نقطة. إنها سماكة، عبور، احتفاظ، انتظار، تعديل مستمر. والإنسان لا يعي العالم على هيئة صور ثابتة، بل على هيئة تدفق يمر فيه العالم عبره وهو يمر في العالم. من هنا فإن الوعي ليس سجلًا للحظات، بل إيقاع حضور. ليس مجموعة آنات متجاورة، بل نسيجًا حيًا يربط ما كان بما يكون وبما يمكن أن يكون. ولهذا فإن الشعور، في أعمق معناه، ليس شيئًا يقع في الزمن فقط، بل هو أحد الأسماء التي نعطيها للطريقة التي يصبح بها الزمن حيًا فينا.

***

عبد الله الهميلي

الفيلسوف رجل عمومي بالضرورة. لا يستطيع - بحكم فيزياء الفكر - أنْ يكون كائناً آخر. أهميته للعقول كأهمية "المسلة الفرعونية" وسط ميدان بلا أسوار، أو مثل"اهرامات الفراعنة" في مساحة تخص كل البشر. الفيلسوف لا ينتمي إلى جانبا الفردي من الحياة، بل يتعذر خطف عقله لاغراض خارج أدواره الحُرة. يمارس فكراً ذا سمات إنسانية في صلب الواقع، ولكنه لا يجيد زحفاً أو تسلقاً خلف الناس، وتصعب السيطرة عليه دون فقدان الرؤية الكلية للعالم والأشياء. إنه كائن موضوعي داخل المجتمع لا غير. حركة عقله في جميع الاتجاهات، لا يعرف الالتواء، لكونه نافذاً كالضوء الأكثر انتشار اً وشفافيةً... أو هكذا يجب أن يكون!!

وبالأصالة عن وجوده، الفيلسوف يتيم فكرياً intellectually orphaned منذ الولادة حتى الممات. وبلغة الواقع، هو نزيل إجباري في الأسواق والساحات والأروقة العمومية. لا فيلسوف يتحدث إلى نفسه، ولا يجري وراء السحب. ولكنه قد يصمت بشكل دال كصمت أبي الهول وسط تقلبات الزمن والأحوال، ويتكلم على شاكلة الطبيعة الطابعة بعبارة سبينوزا، لأنه يبتكر مفاهيم ومعاني جديدة لا يمتلكها سواه. هذه الجوانب يتحقق فيها النصيبُ الأوفر لإنسانيتنا المشتركة بخلاف الأفراد.

الشارع أخطر فضاء قد يشغله الفلاسفة بصورةٍ حُرةٍ. إنه البيئة الفلسفية الأصيلة لنمو أفكارهم. وإذا كانت البريّة هي البيئة الطبيعية للكائنات الحية، فالفلاسفة كالاشجار العملاقة التي تقوى بقوة العيش وأنفاس الحرية. لا يملكون بضاعةً مزجاةً، ولا صوتاً خاصاً كمقطوعة موسيقية ضائعة وسط الضجيج، بل يرسمون معالم لحياة كاملة، ولا يحددون نقاطاً لعبور الشوارع، بل يدربون عقولاً وقيماً وأفكاراً على الصمود في وجه العواصف.

عندما تكثر الادعاءات إزاء نسب الفيلسوف أو حين يتم تبنيه من قبل أنظمةٍ معرفيةٍ أو سياسيةٍ أو ايديولوجيةٍ، فقد خُطف عقله تحت جنح الظلام. في المقابل هو يصرُ اصراراً على عدم الاعتراف ببنوته لأي أبٍ، سواء أكان إلهاً أم امبراطوراً أم سلطة أم كاهناً. وبدوره لا يقرر الفيلسوف كونه أباً لأحد مرجعاً كان أم أصلاً أم شخصاً ناطقاً بلسانه أم نسقاً، فهو بالطبيعة عصي على التملك الشخصي. الفيلسوف ضامن لوجوده الحر من أول وهلة.

الفلسفة في إحدى دلالتها هي التدرب على فن" اليُتم العمومي"، لا تقبل الأبوة المجانية على قارعة الطرقات. كل فيلسوف له باع طويل في طريق اليُتم إلاَّ من إبداعاته الحرة. إن فيزياء الفلسفة منحوتة من جسم ما هو عمومي. والعمومية التي لا تنتسب إلى أب أو أم إلاَّ من العقل والحرية والإنسانية.

ولكن كم أظهر التاريخ أن الفيلسوف وقع ضحية لأكبر عملية سرقة من سلطات أخرى أو وقع في فخ الاحتيال من تلقاء نفسه. في الحالين تخلى عن مهامه العمومية، جرى تحريف ما يقال فلسفياً، حتى سقط في دائرة هيمنة محكمة التفاصيل خطفاً لفاعليته.

السؤال: من سرق الفيلسوف؟ وماذا لديه حتى يُسرق؟، وماذا سرق منه تحديداً؟ وأين سيذهب اللصوص بالسرقات؟

اللص الرمزي

لم تترك المجتمعات البشرية الفيلسوف خارج القيود، تاريخياً حاصرته ألعاب الثقافة في أحد زواياها المفتوحة. حتى ولو كان بطريقة وثيرة. الأمر جرى بنوع من الترويض للفكر في محميات عامة دون قيود ظاهرةٍ. قد يقال إن وجود الفيلسوف شيء رمزي ضمن المجتمع، وأنه من العلامات على حيوية الأفكار لا التطبيق. ولكن وصفاً كهذا وضع اغلالاً في يديه، ولن يقوى عقله على النظر ولا طرح الأسئلة خارج الاسوار.

يظن البعضُ أن ذلك اقرار بمكانة الفيلسوف في المجتمعات، ولكن الأمر أكثر احتيالاً من هذ اللعبة. قديماً أُطلق على سقراط" أب الاثينيين father of Athens"، واتسع الوصف إلى حد اعتباره "أب الفلسفة الغربية Father of Western Philosophy" قاطبةً. وذلك لم يكن من دواعي التبجيل، بل نوع من الاحتواء الناعم لخطورة أسئلته الكاشفة. عندما لا تقوى الثقافة على استيعاب خطورة أحد فاعليها، تمنحه مكانة سامية أخرى. حتى يظل حبيس سلطةٍ وهميةٍ لا يستطيع انفصالاً عنها. لأنَّ الوعي العام لا يتقبل بأريحية مُساءلة مرجعياته. كيف يتقبل هذا الوعي شيئاً مختلفاً عنه؟ ليس الأمر عادياً من تلك الزاوية، لأن النقد محظور لدرجة التحريم ويعلم الوعي كونه حاملاً لأبنية أخرى.

الأبوة لا تلوي على دلالةٍ غير محببه للأشخاص أصحاب المكانة. لأنها تُرشق إحساسهم الجمعي في درجه أعلى من الوجود. وفي الوقت ذاته تُزيح عناء التنقيب عن أدوار خطيرة ينشدونها. وحتى لو أراد الأب اجهاد فكره بالأسئلة السقراطية كحال الفيلسوف اليوناني، فالأبوة تجعلها مقبولةً كلون من النصائح. هل ثمة أب لا يقول نصائح لأبنائه من وقت لآخر؟ هل ثمة أب لا يكون مصدراً لحِكم غائبة عن الأجيال التالية؟ هل يوجد أب لم يمر بتجارب شتى؟ الأب في مكانة غير قابلة للتأثير بموجب رفعه إلى مكانة خادعه. الاب يلعب لعبته المزدوجة: موقعه الخادع له قبل غيره، وصورة مزيفة للواقع.

الألقاب السلطوية تصادر عقل فيلسوف بأدوات رمزية. وهناك من يقبل ذلك تحت عناوين راهنة براقة مثل: جوائز الدول وأنواط التكريم ورمزية المناصب والظهور الاعلامي واللقاءات المجانية وصناعة السياسات وتخطيط المجتمع. عناوين مشبعة بالتحجيم الوثير لحركة الأفكار وحجب النقد. كأنها تقول فليكن المفكرون تحت السيطرة، عوضاً عن حرية المجال العام الذي لا تحسب عواقبه. ما حدث مع اليوناني سقراط استبق كل العناوين المعاصرة في اختراع حيل الثقافة تجاه الفكر. إن كافة الثقافات- غرباً أم شرقاً - لجأت إلى تقنيات تعويضية لطي خطورة الفلسفة.

ولأن سقراط فيلسوف الاستفهام بالمقام الأول، فلم يكن ممكناً السيطرة عليه. كان الأب مصدرَ ازعاج لمجتمع أثينا. لم يكن كلامُه حكّماً ونصائح، بل أسئلة كاشفة إلى نهاية المدى. وسُمي أسلوبه الحواري بطريقة التهكم والتوليد. بحيث يعرض ما لدى الجماهير من معتقدات وآراء وأفكار غير صحيحة، وفجأة يجدها الفيلسوف جديرة بالرثاء. حتى تفقد بريقها تدريجياً لدى أصحابها ويكون الناس مهيئين إلى المناقشة والتفكير الحر. فالحرية ليست مقولة فارغة المحتوى، بل مستوى من الامتلاء الإنساني الحر. وأخذ أسلوب سقراط ينتشر في انحاء جسم المجتمع الاثيني. حتى قضَّ مضجع القوى الثاوية تحت الركام.

أزعج سقراط القوى الدينية والاجتماعية والسياسية والاخلاقية كأخطر ما يكون ازعاج الفيلسوف. أخذ يطن طوال الوقت بما يراه تحقيقاً لمهمة الفلسفة. فلا يصح استنامة العقول، بل يجب ايقاظ ملكاتها النقدية. الفيلسوف كائن طنان ينتقل من فضاء إلى آخر ، رأى في كل المجال العام مُناخه الأثير. فعلاً أُطلق على سقراط ذُبابة خيول أثيناGadfly of Athens. وصفٌ أطلقه الناس نتيجة حوارات سقراط، وقد عاود إطلاقه على أعماله بين الناس أثناء محاكمته المشهورة، لأنه كان يُوقظ المدينة بأسئلته المستفزة كذبابة تلسع حصاناً ضخماً كسولاً.

الفيلسوف في المجال العام كـ "ذباب الخيل" الذي لا يهدأ. يطن ويدور ويطير هنا وهناك، ويلسع بوصفه رمزاً للإزعاج المتواصل وعلامة الفضول ودليل المثابرة. ونظراً لضرباته اللاسعة وملاحقته الحثيثة للحيوانات والبشر، فلم يكن محل ترحيب. ولكن ليس اسلوب سقراط طنيناً تافهاً، بل أسهم في توليد الأفكار. ساعد الناسَ على التفكبير بطريقة أفضل. ودفعهم للانخراط في الحياة المشتركة كأقوى ما يكون التفاعل. فقد أطلق على سقراط أيضاً" قابلة العقول Midwife of Mind"، لأنه يولد رؤى جديدة كالقابلة التي تستقبل الأطفال إلى الحياة. الفيلسوف يمتلك فنون الولادة رغم حالة يتمه الفكري. وحده هذا الكائن العمومي يعرف جيداً مخاض العقول وآلام تحولاتها.

في الفكر الاسلامي كان ابن سينا مُلقباً بالشيخ الرئيس. وليس من مبرر للقب كهذا طالما لا تتداخل الأفكار مع حياة الناس. هناك لقب الشيخ بكل حمولته الدلالية، لأنه اشتغل بالعلوم والمعارف الطبيعية والطبية والعلوم الإنسانية، الفلسفة وعلوم الدين والروحانيات. والشيخ لقب من باب التقديس والرمزية بالنسبة لمن خبر مجالاً وله باع طويل في دروبه. مثل لقب "المعلم" كشخص حازق وماهر في بابه. ويُخلع على ابن سينا لقب الرئيس، نظراً لكونه تقلَّد الوزارة في عصره. اللقب يدخل تحت سياسات الأسماء، ولكنه يصطنع قيداً للشخص الرمزي ويحول دون تأثير فكره. نظراً لأن الشخص فرد عادي. في حين أنَّ الرمز يخرج ليملأ المكانة التي لا تُخدش في ذهنية البشر.

كان ابن سينا مشهوراً في الطب وطرق العلاج، ولكنه لم يتمتع بالمكانه ذاتها على صعيد الثقافة. لأن الفلسفة في شرقنا العربي موضوعة تحت الاقامة الجبرية منذ أول يوم حتى اللحظة. وجرى سرقة دلالتها لتغدو مهمشةً في محميات الثقافة العربية المتواتر تكوينها من عصرٍ إلى آخر. المجال العمومي تم سرقته نتيجة السلطة العمومية. والثقافة لعبت دورها في تنحيته مبكراً عن مكانته، لتغدو دلالة اسمه الديني تغطيةً استعارية لمضمون غير مقبول. ولحظة التماهي بين السياسة والثقافي في الألقاب ليست اعتباطاً. تولى ابن سينا منصب الوزارة للأمير البويهي شمس الدولة في مدينة همدان (بإيران حالياً)، وذلك حين نجح في علاج الأمير من مرضٍ شديدٍ أصابه. ولكنه واجه خلال فترة توليه الحُكم صراعات ومؤامرات من الجند وأرباب الدولة أدت إلى عزله.

في تلك اللحظة المتماهية، تلاشت شخصية الفيلسوف في ابن سينا، لأنها سرقت تحت بند سياسات الحقيقة في المجتمعات الاسلامية. انزوت الفلسفة في الكتب والمؤلفات التي اعتبرت زندقة وخروجاً عن الاعتقاد الشائع. بعض الثقافة العربية ضرب من سرقة الفكر الحر لصالح التسلط والديكتاتورية. ووضع الشوارع تحت فكرة الحظر، لأن الفلسفة لن تتجول في وضح النهار، هي تتسلل خلسة ليس أكثر. وتقرأ في الغرف المغلقة، في السراديب تحت الأرض. ولو خرجت يوماً، فبفضل منَّة من حاكم أو تكرم من وزير أو من مريدي السلطة. وتتداول أفكارُها من باب المسامرات والحكايا وقص الأثر. ولكن سرعان ما تعود إلى كهوف الثقافة مرة أخرى.

اللص الخفي

التقاليد أكبر مقبرة جماعية للفلاسفة. وبحكم ماهيتها، لا تقبل بخروج الفلاسفة إلى الشارع. لأن الشارع بطبيعته يخضع للفاعل الأقوى، أصحاب اللهو الخفي. وليس هناك من يستطيع كشف هذا اللهو مثلما يفعل الفيلسوف. ولأن الأخير مصدر ازعاج وفهم ثقيل في الواقع، فالتقاليد تسلبه وجوده من الأساس.

لم تحاصر تقاليدنا العربية شيئاً قدر ما حاصرت الفيلسوف. بل وضعته في دلالة مستباحة ثقافيا. كل من هب ودب يقول دراجاً: " بَطّل فلسفةً". والفعل مشتق من البطلان والزيف وفقدان الأصل والغاية. وليس ثمة سخرية ناشطة مثل هذه الكلمة. فبطل يعني كف عن الفلسفة، لأنها لون من التفاهة. العبارة غير مقبولة وتنطوي على زجر مقنع مع أن الثقافة منكشفة الهشاشة. والعبارة تقول في سرها: الفلسفة باطلة، والنفس اللاهوتي يسكنها حتى النهاية. لأن الباطل وارد في مقابل الحق. والباطل هو الكفر والتشدق بكلمات المروق والزندقة. وهو المعنى البعيد الذي يرْشَح في تفاصيل المجال العام.

التقاليد ليست مادة خام في حياتنا المشتركة، ولكنها طاحونة القيم والأفكار وأساليب الفهم التي تلف العقول وتعتصرها. وتعيد تشكيل رؤى العالم والحياة. لا يفلت منها شخص طالما يسكن الثقافة. ولا تعترف بحرية الأفراد، فذلك ضرب من المستحيل والوهم. المستحيل لكون التقاليد تشبه الأفراد وجوداً رمزياً، لدرجة أنه لا يرى سواها. ويأتي الوهم من أن الأفراد يظنون كونهم أحراراً، بيد أنهم مكبلين بأفكار ناعمة حد الخفاء. التقاليد تقنية وجود عالية الشفافية والهيمنة معاً.

هذا التقنية الثقافية تسرق الفيلسوف من نفسه لا من عموميته. وليس سهلاً التفكير بآليات الفلسفة قبل التفكير بمحددات التقاليد. وهنا خطورة السارق الخفي، لأنه يطبع الفكر بطابع شديد العنف والصرامة. ولذلك لن يقوى الفيلسوف على مجابهة الفكر الرجعي، قبل أن يواجة كافة التقاليد دفعة واحدة. لا تضعك التقاليد في مواجهة مع شريحة من الأفكار، إلا داخل عمليه طويلة الأمد من دمجك وترويضك وإضاعة ما تريد التحرر منه. لكونها تسرق مضامين الفلسفة بواسطة "يقين مباشر " لدى حضورها في فضاء المجتمع.

الفيلسوف كائن خطير إزاء محددات التقاليد. إنه أخطر من يستطيع غربلتها وفهم آليات عملها. وهذا هو مصدر الخوف من الفلسفة الكامن في مقولة " بطّل فلسفة". وهي رأس جبل الثلج العميق الذي يختفي جسمه تحت أفق الحياة المباشرة. تحت الوعي الساذج بعالم الأشياء والعلاقات الاجتماعية.

في الفضاء العام (الشوارع)، تسمح التقاليد بوجود البهاليل (الدراويش)، تسمح التقاليد بوجود الصعاليك، تسمح التقاليد بوجود البهلوانات، تسمح التقاليد بوجود حيوانات السلطة، تسمح التقاليد بوجود الطفيليات الثقافية، تسمح التقاليد بوجود هوام المجتمعات، تسمح التقاليد بوجود المتزلفين، تسمح التقاليد بوجود حاملي البخور وضاربي الودع، تسمح التقاليد بوجود ذهنيات الارهاب، ولكنها أبداً لا تسمح بوجود الفلاسفة. بل ترفض مناقشة الفكرة من حيث المبدأ. ولئن ظهروا هنا أو هناك، فمن باب الخطأ غير المقصود!!

تظل التقاليد ضاربة للأسوار أمام تطلع الفيلسوف إلى الحرية. وتظل تسك الاجابات أمام اسئلته، حتى لا يكون شيئاً ذا أهمية. هذه عملية سطو مسلح على كل فكر حر في المجتمعات الأقل نضجاً.

اللافت أنه في الأساطير اليونانية، سرق بروميثيوسPrometheus النار من الآلهة واعطاها للبشر، لتنطلق شرارة المعرفة والحكمة ويُقدح زناد الاسئلة ويتم بناء الحضارة. وذلك تعبيراً عن التحرر وعدم الخضوع لسلطة المجهول وكبح جماح الجهل، أما في التقاليد العربية، فقد صنعت الأساطير خصيصاً لتُغلق الشوارع، وتُدق متاريس حول الأسئلة، وتُصنع عراقيل أمام الحرية. في التقاليد الشرقية، اعادت الثقافة النار إلى الأديان لتعذب البشر ويقبعون فيها إلى حين.

سرقة الفيلسوف من الشارع هو الخلل الثقافي على الأصالة. ومنذ دخول الفلاسفة إلى التاريخ، لم يخرجوا إلاَّ بالحرية سواء أكان شرقاً أم غرباً. ولكن لم يكن معروفاً أننا نسرق حقباً من عقولنا. وبدلاً من مساحة التحرر، نغطي الوجوه ونمشي بظهورنا نحو المصير. ليس مصادفة أن نسمع مصطلحاً دالاً: " تقبيل المؤخرة"، حين قال دونالد ترامب إن فلاناً -وهو رجل سياسي عربي- سيُقّبل مؤخرتي نتيجة اندهاشه من التغيير أو المشهد الحادث في ظل الرئيس الأمريكي. مصطلح عابر للمحيطات، ولكنه لم يستطع عبور الثقافة الجارية التي تقدس المؤخرات لا العقول. الثقافة التي لا تسمح لفيلسوف -كل ما يملكه مجرد عقل- أن يتواجد في الشارع.

بعض المصطلحات ملطخة بروث البشر، ولكنها تظهر حجم الثقافة الملوثة التي انتجتها. وحتى إذا ألقتها إلينا رياح السياسة في وقت ما، فهي تحتاج إلى "مُطهر فلسفي" لا يقل عنها قوة. تحتاج نقداً جذرياً ووعياً حراً كي يتم تنظيف الثقافة من روث البشر. إن جانباً من مهام الفلسفة هو إنارة العقول لمناطق الروث. فكل انتاج ثقافي – سلبيا كان أم إيجاباً- لا يتلاشى من تلقاء نفسه، لأنه يُعاد تدويره كأفضل ما يكون. ويصبح الفيلسوف عنواناً لكيفية التخلص من تلك النفايات بقوانين وآليات جديدة.

***

د. سامي عبد العال – أستاذ فلسفة

تمهيد: يُعدّ الإنسان الكائن الوحيد الذي لا يكتفي بمجرد الوجود، بل يظل منشغلًا بالسؤال عمّا ينبغي أن يكونه، وبالصورة التي يريد أن يمنحها لذاته داخل هذا العالم. فهو لا يولد مكتملًا، وإنما يصوغ ذاته تدريجيًا من خلال اختياراته ومواقفه وقناعاته، ولذلك تبدو الحرية في جوهرها مرتبطة بقدرة الإنسان على أن يختار وأن يقرر وأن يمنح حياته معنى ينسجم مع ما يؤمن به. غير أن الحرية، رغم ما تحمله من وعد بالتحرر وتحقيق الذات، ليست امتيازًا مريحًا دائمًا؛ إذ إنها تضع الإنسان أمام مسؤولية اختياراته، وتدفعه إلى مواجهة نتائجها دون أن يجد دائمًا من يلقي عليه عبء ما اختار.

ومن هنا تنشأ إحدى أكثر المفارقات الإنسانية إثارة للقلق: أن الإنسان قد يمتلك القدرة على أن يكون نفسه، لكنه لا يمتلك دائمًا الشجاعة الكافية ليكونها. فقد يبدو الاختلاف سهلًا من حيث المبدأ، لكن ممارسته قد تصبح شاقة حين يصطدم الإنسان بنظرة الآخرين، وأحكامهم، وانتظاراتهم، ومعايير الجماعة التي تحدد له، بصورة صريحة أو خفية، ما ينبغي أن يكونه وما لا ينبغي أن يكونه…وهكذا قد يجد الفرد نفسه ممزقًا بين صوت داخلي يدعوه إلى أن يعيش وفق قناعاته، وصوت خارجي يطالبه بالتشبه والتكيف والامتثال، فيبدأ شيئًا فشيئًا في مراقبة كلماته، واختياراته، ومظهره، وحتى مشاعره، لا وفق ما يعبّر عنه هو، بل وفق ما يمكن أن يقبله الآخرون عنه.

ولعل المفارقة الأعمق أن الخوف من الرفض قد يجعل الإنسان يتنازل عن ذاته قبل أن يرفضه أحد أصلًا؛ فيرتدي أقنعة اجتماعية مختلفة، ويتعلم كيف يكون مقبولًا أكثر مما يتعلم كيف يكون صادقًا مع نفسه. وقد لا يعود السؤال الذي يطرحه: «من أنا؟» وإنما: «كيف يريدني الآخرون أن أكون؟». وفي هذه اللحظة تحديدًا تتحول الحرية من إمكانية للوجود الأصيل إلى عبء يخشاه الإنسان، فيختار أحيانًا الأمان الذي يمنحه الامتثال على القلق الذي تفرضه الأصالة.

لكن هل يمكن للإنسان أن يكون نفسه بصورة خالصة ومستقلة عن الآخرين؟ أليس وجوده ذاته مشروطًا بعلاقاته بهم، وباللغة والقيم والثقافة التي نشأ داخلها؟ وهل كل تكيف مع الآخرين يُعدّ خيانة للذات، أم أن بعض التنازل والتعايش شرط لا غنى عنه للحياة المشتركة؟ ثم إن كان الإنسان يعرف ما يريد حقًا، فلماذا يخاف أحيانًا من التعبير عنه؟ وهل الخوف من أن يكون نفسه نابع من ضعف في الذات، أم من سلطة الآخر، أم من ثقل المسؤولية التي تفرضها الحرية؟

وعليه، فإن السؤال لا يعود مجرد سؤال عن قدرة الإنسان على الاختيار، بل عن قدرته على امتلاك ذاته أمام الآخرين: فهل أصبح الإنسان يخاف من أن يكون نفسه؟ وهل يمكن أن تتحول الحرية، التي يفترض أن تمنحه إمكانية تحقيق ذاته، إلى مصدر للقلق يدفعه إلى الاختباء خلف ما يرضي الجماعة؟ وأين تنتهي ضرورة التعايش مع الآخرين، وأين يبدأ التنازل عن الذات؟.

أولًا: الآخر مرآة للذات أم سلطة عليها؟

لا تتشكل الذات الإنسانية في عزلة تامة، فالإنسان لا يكتشف نفسه بعيدًا عن الآخرين، بل يتعرف إلى ملامح شخصيته من خلال علاقاته بهم، ومن خلال الحوار والاختلاف والاعتراف المتبادل. فالآخر ليس مجرد وجود خارجي يقف في مقابل الأنا، وإنما يمثل حضورًا يكشف للإنسان جوانب من ذاته ربما لم يكن قادرًا على رؤيتها بمفرده. ومن خلال نظرات الآخرين وأحكامهم ومواقفهم، قد يشعر الإنسان بقيمته، ويكتسب وعيًا بخصوصيته، بل وقد يعيد النظر في أفكاره واختياراته. بهذا المعنى، يمكن أن يكون الآخر مرآة للذات، يساعدها على فهم نفسها واكتشاف حدودها وإمكاناتها.

غير أن المرآة قد تتحول، في لحظة ما، إلى سلطة. فنظرة الآخر لا تكتفي دائمًا بأن تعكس لنا صورتنا، بل قد تبدأ في تحديد الصورة التي ينبغي أن نكون عليها. ومع تكرار الأحكام الاجتماعية، وتوقعات الأسرة، وضغط الجماعة، ومعايير النجاح والجمال والقبول، يجد الإنسان نفسه محاطًا بمنظومة غير معلنة تخبره باستمرار بما هو مقبول وما هو مرفوض، وما يستحق الإعجاب وما يستدعي النقد. وهنا تصبح نظرة الآخر أكثر من مجرد رأي عابر؛ إنها تتحول إلى معيار يقيس الإنسان ذاته من خلاله.

وتزداد خطورة هذه السلطة حين يستبطن الإنسان نظرة الآخرين إلى درجة أنه لم يعد بحاجة إلى وجودهم الفعلي حتى يشعر بالمراقبة. فيبدأ بمراقبة نفسه بنفسه، فيسأل قبل كل اختيار: ماذا سيقولون؟، كيف سينظرون إليّ؟ هل سيقبلونني إذا قلت ما أعتقده؟ وهل سأظل محبوبًا إذا اخترت طريقًا مختلفًا؟ وهكذا ينتقل الخوف من الخارج إلى الداخل، ويصبح الإنسان حارسًا على نفسه، يمنع عنها كل ما قد يعرّضها للرفض أو الاستهجان.

وحين تصبح الرغبة في القبول أقوى من الرغبة في التعبير عن الذات، يبدأ الإنسان في تعديل أفكاره، وتلطيف مواقفه، وإخفاء بعض جوانب شخصيته، وربما التخلي عن قناعاته، لا لأنه اكتشف خطأها، وإنما لأنه يخشى أن يدفع ثمن التمسك بها. وقد يصل الأمر إلى أن يتبنى الإنسان صورة عن نفسه صاغها الآخرون له، فيعيش طويلًا داخل شخصية لم يخترها، حتى يصبح من الصعب عليه أن يميز بين ما يريده فعلًا وما تعلم أن يريده كي يكون مقبولًا.

وهنا تكمن المفارقة فالإنسان يحتاج إلى اعتراف الآخر كي يشعر بذاته، لكنه قد يفقد ذاته حين يجعل اعتراف الآخر شرطًا لوجودها. فالحاجة إلى الآخر طبيعية وضرورية، لأن الذات لا تنمو إلا داخل عالم مشترك، لكن تحويل القبول الاجتماعي إلى معيار مطلق قد يجعل الإنسان عبدًا لصورة يريد الآخرون أن يروه عليها.

ومن ثم، لا تكمن المشكلة في أن نهتم بنظرة الآخرين، فذلك جزء من طبيعة الحياة المشتركة، وإنما في أن تتحول هذه النظرة إلى سلطة تلغي قدرتنا على الحكم والاختيار. فأن أستمع إلى الآخر لا يعني أن أتنازل عن صوتي، وأن أراجع نفسي لا يعني أن أتنكر لها، وأن أتعايش مع الجماعة لا يعني أن أذوب فيها. إن النضج الحقيقي لا يتحقق بإلغاء الآخر، ولا بالانصياع له، وإنما بالقدرة على الاستفادة من نظرته دون أن أجعلها تعريفًا نهائيًا لذاتي.

لذلك يصبح السؤال أكثر عمقًا: هل نستطيع أن نرى أنفسنا من خلال الآخر دون أن نرى أنفسنا بعينيه فقط؟ وهل يمكن للإنسان أن يطلب الاعتراف من الآخرين دون أن يجعل رضاه عن نفسه مرهونًا باعترافهم؟

ثانيًا: هل كل اختيار نقوم به هو اختيار حر؟

يبدو الاختيار في ظاهره الدليل الأكثر وضوحًا على حرية الإنسان؛ فما دام قادرًا على أن يقول «نعم» أو «لا»، وأن يسلك طريقًا بدل آخر، فإنه يعتقد أنه يمارس حريته. غير أن الفلسفة لا تكتفي بما يبدو ظاهرًا، بل تدفعنا إلى مساءلة ما نعتبره بديهيًا: هل كل ما نختاره نختاره فعلًا، أم أن بعض اختياراتنا تُصنع داخلنا قبل أن نعيها؟ فقد يظن الإنسان أنه يتخذ قراره بإرادته الخالصة، بينما يكون اختياره مشروطًا بجملة من المؤثرات التي تشكل وعيه دون أن يشعر، كالتربية، والعادات، والتقاليد، والبيئة الاجتماعية، وصورة النجاح التي فرضها المجتمع، فضلًا عن الخوف من الرفض والحاجة إلى القبول.

فالإنسان لا يختار من فراغ، وإنما يختار داخل عالم سبق أن وجد فيه، وفيه قيم وأفكار ومعايير تحدد له، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، ما ينبغي أن يرغب فيه وما ينبغي أن يتجنبه. وقد يتعلم منذ طفولته أن بعض الاختيارات «صحيحة» لأنها تحظى بالقبول، وأن اختيارات أخرى «خاطئة» لأنها تعرضه للنقد أو الاستهجان. ومع مرور الوقت، قد تتحول هذه المعايير الخارجية إلى قناعات داخلية، فيصبح الإنسان مطمئنًا إلى اختيارات لم يتساءل أصلًا عن مصدرها.

والأكثر تعقيدًا أن الإنسان قد لا يشعر بأنه مقيد؛ فالقيود الأكثر تأثيرًا ليست دائمًا تلك التي تمنعنا بالقوة، وإنما تلك التي تجعلنا نريد ما يُراد لنا أن نريده. فقد يختار المرء تخصصًا لأنه «مضمون»، أو مهنة لأنها تحظى بمكانة اجتماعية، أو أسلوب حياة لأنه يرضي محيطه، أو حتى يتخلى عن حلم لأنه يخشى أن يبدو مختلفًا أو فاشلًا في أعين الآخرين. وفي كل ذلك قد يقول: «هذا اختياري»، بينما يكون السؤال الأعمق: من أين جاء هذا الاختيار؟ وهل هو نابع مني، أم أنني تعلمت أن أريده؟.

ومن هنا، لا يمكن اختزال الحرية في مجرد تعدد البدائل المتاحة أمام الإنسان؛ فقد تكون أمامه خيارات كثيرة، لكنه يظل غير حر إذا كان عاجزًا عن مساءلة الدوافع التي تحركه. فالحرية ليست فقط أن أختار، بل أن أعرف لماذا اخترت، وأن أمتلك القدرة على مراجعة ما يدفعني إلى الاختيار. إنها وعي بالدوافع والضغوط والرغبات التي تتحكم في قراراتنا، ثم محاولة استعادة المسافة النقدية التي تسمح لنا بأن نقول: هذا ما أريده أنا، لا ما تعودت أن أريده، ولا ما يخشى الآخرون أن أرفضه.

قد يكون الإنسان أكثر تبعية حين يعتقد أنه حر؛ لأن غياب الإكراه الظاهر لا يعني بالضرورة غياب الإكراه الداخلي. فالخوف من الفشل، والحاجة إلى رضا الآخرين، والخضوع للتقاليد، والرغبة في التشبه بالجماعة، كلها قد تعمل كقوى خفية توجه السلوك دون أن يشعر الإنسان بأنه مجبر. وفي هذه الحالة يصبح القيد أكثر خفاءً، لأن الإنسان لا يراه قيدًا، بل يراه جزءًا من ذاته.

لكن الاعتراف بتأثر اختياراتنا لا يعني إنكار الحرية تمامًا؛ فالإنسان لا يستطيع أن يختار الظروف التي وُلد فيها، ولا الأسرة التي نشأ داخلها، ولا الثقافة التي شكلت وعيه، لكنه يستطيع أن يراجع ما ورثه، وأن يسأل عن مبرراته، وأن يقرر ما الذي سيحتفظ به وما الذي سيتجاوزه. وهنا تبدأ الحرية الحقيقية: حين يتحول الإنسان من مجرد نتاج لما شكّله إلى كائن قادر على مساءلة ما شكّله وإعادة تشكيل نفسه.

وعليه، فليست الحرية في أن نفعل ما يخطر لنا، ولا في أن نمتلك عددًا لا نهائيًا من الخيارات، وإنما في أن يصبح اختيارنا فعلًا واعيًا صادرًا عن ذات قادرة على التفكير والمراجعة وتحمل المسؤولية. فربما لا يكون السؤال الأهم: «هل أنا حر في اختياري؟»، بل: «هل أعرف فعلًا لماذا اخترت ما اخترته؟ وهل أستطيع أن أختار بصورة مختلفة لو تحررت من الخوف ومن الحاجة إلى إرضاء الآخرين؟»

ثالثًا: الأصالة بين الذات والآخر

أن يكون الإنسان نفسه لا يعني أن يتحول إلى خصم دائم لمجتمعه، ولا أن يجعل الاختلاف غاية في ذاته، ولا أن يرفض كل ما يأتيه من الآخرين لمجرد إثبات استقلاله. فالأصالة لا تُقاس بمدى قدرتنا على مخالفة الآخرين، كما أن الحرية لا تعني التحرر من كل قيد أو رفض كل سلطة أو قيمة. إن الإنسان الذي يعارض الجميع دون أن يعرف لماذا يعارضهم قد لا يكون أكثر حرية من الإنسان الذي يتبعهم؛ فقد يكون كلاهما أسيرًا للآخر، وإن اختلف اتجاه التبعية.

فالأصالة في معناها الأعمق ليست تمردًا على العالم، وإنما علاقة واعية بالذات وبالعالم في آن واحد. إنها أن يعرف الإنسان ما الذي يؤمن به، ولماذا يؤمن به، وأن يملك القدرة على التمييز بين ما اختاره عن اقتناع وما قبله لأنه اعتاد عليه، وبين ما ينسجم مع قناعاته وما يفعله فقط حتى لا يثير استياء الآخرين. ولذلك فإن الإنسان الأصيل لا يسأل دائمًا: «كيف أختلف عن الآخرين؟»، بل يسأل قبل ذلك: «هل ما أفعله يعبّر فعلًا عني؟».

وقد يكون أكثر أشكال الأصالة هدوءًا هو القدرة على قول «لا» حين يكون الرفض ضروريًا، والقدرة كذلك على قول «نعم» حين يكون القبول نابعًا من اقتناع. فليس من الأصالة أن نرفض رأيًا صحيحًا لمجرد أنه رأي الجماعة، كما ليس من التبعية أن نتفق مع الآخرين حين يكون اتفاقنا نتيجة تفكير حر. ثم إن معيار الأصالة ليس الاختلاف في ذاته، وإنما مصدر الموقف والدافع الذي يقف وراءه.

ومن هنا، يصبح الإنسان الأصيل قادرًا على الإصغاء دون ذوبان، وعلى الاختلاف دون عداء، وعلى التوافق دون فقدان للذات. فهو لا يغلق نفسه أمام الآخرين خوفًا من التأثر، ولا يفتح نفسه لهم إلى درجة يصبح معها مجرد صدى لأصواتهم. إنه يدخل في حوار معهم، يأخذ منهم ما يراه جديرًا بالأخذ، ويرفض ما يتعارض مع قناعاته، ويعيد النظر في أفكاره متى وجد ما يستحق المراجعة، دون أن يعتبر تغيير رأيه ضعفًا أو ثباته عنادًا.

كما أن الأصالة لا تعني أن يكون الإنسان نسخة ثابتة من نفسه لا تتغير؛ فالإنسان الأصيل يمكن أن يتغير، وأن يعيد النظر في قناعاته، وأن يعترف بخطئه، بل إن قدرته على تغيير نفسه قد تكون دليلًا على حريته. فالتمسك بكل ما كان عليه الإنسان في الماضي ليس وفاءً للذات بالضرورة، لأن الذات نفسها في حالة تشكل مستمر. والأصالة هنا لا تعني أن أبقى كما كنت، وإنما أن يكون تغيري نابعًا من وعي واختيار، لا من خوف أو ضغط أو رغبة عمياء في إرضاء الآخرين.

ولذلك فإن الأصالة تتطلب قدرًا من الشجاعة، لا شجاعة الصدام، وإنما شجاعة مواجهة الذات. فالأصعب أحيانًا ليس أن نقول للآخر «لا»، بل أن نسأل أنفسنا: «هل أريد هذا فعلًا؟ هل هذا رأيي حقًا؟ هل أسير في هذا الطريق لأنني اخترته، أم لأنني أخشى أن أختار غيره؟». وفي هذه الأسئلة يبدأ الإنسان في استعادة المسافة بين ذاته الحقيقية والصورة التي اعتاد أن يقدمها للآخرين.

وعليه، فإن أن يكون الإنسان نفسه لا يعني أن يعيش خارج المجتمع، وإنما أن يعيش داخله دون أن يفقد استقلاله. فالأصالة ليست عزلة، والحرية ليست فوضى، والاختلاف ليس تمردًا. إنها قدرة الإنسان على أن يصغي إلى العالم دون أن يصمت صوته الداخلي، وأن يتفاعل مع الآخرين دون أن يجعلهم يكتبون بالنيابة عنه قصة حياته.

وربما تكمن الأصالة الحقيقية في هذه المساحة الدقيقة بين الانتماء والاستقلال: أن أكون مع الآخرين دون أن أذوب فيهم، وأن أكون مختلفًا دون أن أجعل الاختلاف قناعًا جديدًا، وأن أختار طريقي دون أن أحتاج إلى كراهية طرق الآخرين كي أشعر أن طريقي هو طريقي.

رابعًا: الخوف من الآخرين أم الخوف من الذات؟

قد يبدو في الظاهر أن الإنسان يخشى الآخرين: أحكامهم، وانتقاداتهم، ورفضهم، ونظرتهم إليه حين يختار طريقًا مختلفًا أو يكشف جانبًا من شخصيته لا ينسجم مع ما اعتادوا رؤيته فيه. غير أن التأمل الأعمق يكشف أن الخوف من الآخرين قد لا يكون إلا الوجه الظاهر لخوف أكثر عمقًا: الخوف من مواجهة الذات. فالإنسان قد يخشى أن يكون نفسه، لا لأن الآخرين سيحكمون عليه فحسب، بل لأن اكتشاف الذات الحقيقية يضعه أمام مسؤولية لا يستطيع الهروب منها.

فأن يكون الإنسان نفسه ليس مجرد أن يتصرف بعفوية أو أن يفعل ما يشاء، وإنما أن يجرؤ على النظر إلى داخله دون أقنعة. أن يسأل نفسه عمّا يريده حقًا، وما الذي يخشاه، وما الذي يؤمن به، وما الذي يفعله لأنه مقتنع به، وما الذي يفعله لأنه يبحث عن القبول. وهذه المواجهة ليست سهلة، لأن الذات التي نكتشفها قد لا تكون دائمًا الصورة التي نحب أن نراها في المرآة؛ فقد نجد فيها ضعفًا، وتناقضًا، وأنانية، وخوفًا، وأخطاء حاولنا طويلًا أن نخفيها حتى عن أنفسنا.

ولهذا قد يكون القناع أكثر راحة من الحقيقة. فالصورة التي يصنعها الإنسان عن نفسه ويقدمها للآخرين تمنحه أحيانًا شعورًا بالأمان؛ إذ لا تضطره إلى مساءلة نفسه أو الاعتراف بما لا يرضيه فيها. وقد يختار أن يكون «كما ينبغي أن يكون» بدل أن يكتشف «من هو فعلًا». فيعيش وفق دور اجتماعي محدد، أو شخصية اعتاد الآخرون أن يروه من خلالها، حتى يصبح التراجع عن هذا الدور مخيفًا؛ لأن التخلي عنه يعني مواجهة سؤال بسيط لكنه قاسٍ: من أكون إذا نزعت عني كل ما اعتاد الآخرون أن يرونه؟

ومن هنا، قد يتحول الخوف من الرفض إلى وسيلة للهروب من مسؤولية الاختيار. فالإنسان حين يقول: «لا أستطيع أن أكون نفسي لأنهم لن يقبلوني»، قد يكون، في بعض الأحيان، يضع مسؤوليته على الآخرين كي لا يضطر إلى مواجهة قلق الحرية. إذ إن الاعتراف بالرغبة الحقيقية يستلزم اتخاذ موقف، والموقف يستلزم مسؤولية، والمسؤولية تعني أن الإنسان لم يعد قادرًا على الاختباء خلف الجماعة أو الظروف أو توقعات الآخرين.

والأخطر أن الهروب من الذات قد يصبح مع مرور الوقت عادة لا يشعر الإنسان معها بأنه يهرب. فيعتاد الصمت حين يريد الكلام، والموافقة حين يريد الرفض، والاستمرار في طريق لا يشبهه لأنه يخشى الاعتراف بأنه أخطأ في اختياره. وقد يعيش سنوات وهو يحافظ على صورة ناجحة أو مقبولة في نظر الآخرين، بينما يشعر في داخله بأنه بعيد عن نفسه. عندها لا يعود الاغتراب ناتجًا عن أن الآخرين لا يفهمونه، بل عن أنه هو نفسه لم يعد يعرف ماذا يريد.

ومع ذلك، فإن مواجهة الذات لا تعني قبول كل ما فيها دون نقد، ولا تحويل «أن أكون نفسي» إلى مبرر للاستسلام لنقاط الضعف أو الرغبات العابرة. فالأصالة لا تعني أن أقول: «هذه طبيعتي، ولا أستطيع تغييرها»، وإنما أن أمتلك الشجاعة لأرى نفسي كما هي، ثم أقرر بوعي ما الذي أريد أن أبقيه وما الذي أريد أن أتجاوزه. فالإنسان لا يصبح نفسه بمجرد اكتشاف ذاته، بل يصبح نفسه حين يبدأ في تحمل مسؤولية تشكيلها.

وهنا تظهر المفارقة: قد يكون الإنسان مستعدًا لتحمل رفض الآخرين، لكنه غير مستعد لتحمل حقيقة نفسه. فالآخر يمكن الابتعاد عنه أو تجاهل حكمه، أما الذات فلا يمكن الفرار منها إلى الأبد. ولذلك فإن أصعب مواجهة ليست دائمًا تلك التي تحدث بين الإنسان والعالم، وإنما تلك التي تحدث في صمته الداخلي، حين يسقط كل تبرير وكل قناع، ولا يبقى أمامه إلا سؤال واحد: هل أعيش الحياة التي اخترتها، أم الحياة التي تعلمت أن أعيشها كي لا أخسر قبول الآخرين؟

ومن ثم، فإن التحرر الحقيقي لا يبدأ فقط حين نتوقف عن الخوف من نظرات الآخرين، بل حين نتوقف عن استخدام تلك النظرات ذريعة للهروب من أنفسنا. فأن يكون الإنسان نفسه هو أن يمتلك شجاعة النظر إلى داخله، وأن يقبل مسؤولية اختياراته، وأن يعيد بناء ذاته بوعي؛ لأن أخطر ما يمكن أن يحدث للإنسان ليس أن يرفضه الآخرون، وإنما أن يقضي عمره كاملًا في محاولة إرضائهم، ثم يكتشف في النهاية أنه كان غائبًا عن حياته الخاصة.

خاتمة: الحرية مسؤولية قبل أن تكون حقًا

في الختام، لا يبدو أن مأزق الإنسان المعاصر يكمن في غياب الحرية بقدر ما يكمن في صعوبة ممارستها. فالإنسان لا يصبح ذاته بمجرد أن يبتعد عن الآخرين، كما أنه لا يفقد ذاته بمجرد أن يعيش بينهم؛ إذ إن الذات لا تتشكل في العزلة، وإنما في علاقتها بالعالم وبالآخرين. والمشكلة تبدأ حين يتحول هذا الارتباط الطبيعي إلى تبعية، وحين تصبح نظرة الآخر أقوى من صوت الذات، فيتخلى الإنسان عن اختياراته لا لأنه لم يعد يريدها، بل لأنه لم يعد يجرؤ على الدفاع عنها.

فالحرية الحقيقية ليست أن يفعل الإنسان كل ما يشاء، ولا أن يرفض كل ما يفرضه المجتمع، وإنما أن يمتلك القدرة على التمييز بين ما يختاره عن وعي وما يختاره بدافع الخوف، وبين ما يعبر عن ذاته وما فُرض عليه حتى أصبح يظنه جزءًا منها. إنها أن يستطيع الإنسان أن يقول «نعم» حين يؤمن، وأن يقول «لا» حين يرفض، وأن يغير رأيه حين يكتشف خطأه، دون أن يجعل رضى الآخرين المقياس الوحيد لقيمة اختياراته.

ومن هنا، فإن الحرية ليست امتيازًا منفصلًا عن المسؤولية؛ فكلما اتسعت مساحة اختيار الإنسان، اتسعت معها مسؤوليته عن ذاته وعن النتائج التي تترتب على أفعاله. أن أكون نفسي يعني أن أتوقف عن إلقاء مسؤولية حياتي على الآخرين، وأن أعترف بأن بعض القرارات، مهما كانت صعبة، هي قراراتي أنا. ولذلك قد تكون الحرية ثقيلة، لأنها تحرم الإنسان أحيانًا من راحة الاختباء خلف الجماعة أو الظروف أو الأعذار.

ولعل أصعب ما في أن يكون الإنسان نفسه أنه مطالب بأن يحافظ على توازن دقيق: أن ينتمي دون أن يذوب، وأن يختلف دون أن يعادي، وأن يصغي إلى الآخرين دون أن يفقد صوته، وأن يعرف ذاته دون أن يغلقها أمام إمكانية التغير. فالأصالة ليست عزلة، والحرية ليست فوضى، والاستقلال لا يعني قطع الصلة بالآخرين.

وفي هذا المعنى، فإن سؤال «هل أصبح الإنسان يخاف من أن يكون نفسه؟» لا يملك إجابة بسيطة؛ نعم، قد يخاف الإنسان من الرفض، لكنه قد يخاف أيضًا من مسؤولية الحرية ومن مواجهة ذاته. غير أن تجاوز هذا الخوف يبدأ حين يدرك أن الحياة التي تُعاش بالكامل وفق توقعات الآخرين قد تكون آمنة، لكنها ليست بالضرورة حياة اختارها هو.

ربما لا تكون أعظم حرية أن نتحرر من الآخرين، بل أن نعيش بينهم دون أن نفقد أنفسنا؛ أن نمتلك شجاعة أن نكون ما نؤمن به، وأن نتحمل ثمن هذا الاختيار، وأن نمنح أنفسنا الحق في أن نتغير وننضج ونخطئ ونبدأ من جديد. فأن يكون الإنسان نفسه ليس طريقًا إلى الراحة، بل مسؤولية مستمرة، وربما كان أحد أصعب أشكال الحرية وأكثرها صدقًا.

«فإذا كان ثمن أن تكون نفسك هو أن تخسر بعض الآخرين، وثمن أن ترضي الآخرين هو أن تخسر شيئًا من نفسك… فأيُّ خسارةٍ تستحق أن نختارها؟»

***

بهلولي جيهان - فلسفة تطبيقية

جامعة باجي مختارـ عنابة ـ / الجزائر

بين فن المغالطات وعلم استعمال العقل بشكل سديد، مقاربة برهانية

تمهيد: يشكل التفكير المنطقي أحد أبرز التجليات العقلية في تاريخ الفكر الإنساني، إذ يترجم سعي الإنسان إلى ضبط عملياته الذهنية وتوجيهها نحو الحقيقة أو نحو الإقناع أو نحو البناء المعرفي السليم. وليس هذا التفكير مجرد أداة تقنية محايدة، بل هو مسار تاريخي متشعب يتأرجح بين قطبين متكاملين ومتقابلين في آن واحد: قطب فن المغالطات من جهة، وقطب علم استعمال العقل بشكل سديد من جهة أخرى. ففن المغالطات يعنى بكشف الخداع الفكري وتصنيف أشكال الزيف في الاستدلال، بينما يعنى علم استعمال العقل بشكل سديد ببناء القواعد التي تضمن سلامة الانتقال من المقدمات إلى النتائج. والمقاربة البرهانية التي نعتمدها هنا لا تكتفي بسرد الأحداث التاريخية، بل تسعى إلى إبراز الكيفية التي يتأسس بها كل قطب على براهين عقلية، وكيف يتكامل القطبان في حركة واحدة تؤسس للتفكير المنطقي بوصفه علماً وفناً في آن. كيف يحمي المنطق من الوقوع في المغالطات؟ وهل هو علم استعمال العقل بشكل سديد؟

الأسس المفهومية للتمييز بين فن المغالطات وعلم استعمال العقل

ينطلق التفكير المنطقي من إدراك أساسي مفاده أن العقل قادر على الانتقال من معلوم إلى مجهول، لكن هذا الانتقال ليس مضموناً دائماً. فالعقل قد ينزلق إلى مسارات مضللة، وقد ينجح في بناء استدلالات محكمة. ومن هنا يظهر التمييز الجوهري: فن المغالطات هو الفن الذي يرصد الانزلاقات ويسميها ويصنفها ويكشف آلياتها، أما علم استعمال العقل بشكل سديد فهو العلم الذي يضع القواعد الإيجابية التي تحول دون تلك الانزلاقات وتضمن سلامة البرهان.

فن المغالطات ليس مجرد قائمة سلبية من الأخطاء، بل هو معرفة إيجابية بطبيعة الخطأ نفسه. إنه يبرهن على أن العقل، حين يترك دون ضوابط، ينتج أشكالاً متكررة من الزيف: الخلط بين العرضي والذاتي، أو الانتقال غير المشروع من الجزء إلى الكل، أو الاعتماد على السلطة بدل الحجة، أو إثارة العواطف بدل تقديم الدليل. هذه المعرفة بالمغالطة تفتح الباب أمام العلم الإيجابي، لأن معرفة المرض شرط لعلاج الصحة. أما علم استعمال العقل بشكل سديد فيبرهن على إمكان بناء استدلالات ضرورية أو احتمالية محكمة، سواء عبر القياس أو عبر الاستقراء المنضبط أو عبر البناء الفرضي الاستنباطي. البرهان هنا ليس مجرد نتيجة، بل هو مسار يضمن الارتباط الضروري أو الكافي بين المقدمات والنتائج.

هذا التمييز المفهومي ليس تمييزاً انفصالياً مطلقاً. ففن المغالطات يفترض علماً مسبقاً بما ينبغي أن يكون عليه الاستدلال السليم، وعلم الاستعمال السديد يتقوى بكشف المغالطات التي تهدده. والتاريخ يشهد على أن كل تقدم في أحد القطبين يغذي القطب الآخر.

المرحلة التأسيسية في الفكر القديم: من السفسطة إلى البناء البرهاني

في البدايات الإغريقية يظهر التوتر بين القطبين بوضوح. فقد نشأت السفسطة بوصفها فناً بلاغياً يهدف إلى الإقناع بأي وسيلة، بما في ذلك الوسائل المضللة. وكان السفسطائي يتقن تحويل الضعيف إلى قوي وال قوي إلى ضعيف عبر تلاعب باللغة والمفاهيم. هذا الفن كشف مبكراً عن إمكان استعمال العقل في خدمة غير الحقيقة. وردّاً على ذلك برز التفكير الذي يسعى إلى تمييز الاستدلال الزائف من الاستدلال الصحيح.

الخطوة الحاسمة كانت في وضع قواعد صورية تضمن سلامة الانتقال. فقد تأسس علم القياس بوصفه نموذجاً للبرهان الضروري: إذا كانت المقدمات صادقة وكانت الصورة سليمة، وجب أن تكون النتيجة صادقة. هذا البناء البرهاني لم يكن مجرد تقنية، بل كان دليلاً على أن العقل قادر على إنتاج معرفة يقينية حين يلتزم بضوابطه. وفي الوقت نفسه ظهر فن مستقل يعنى بتصنيف المغالطات وكشفها، سواء كانت لغوية أو مادية أو صورية. فالمغالطة الصورية تكشف خللاً في بنية القياس نفسه، والمغالطة المادية تكشف خللاً في مضمون المقدمات، والمغالطة اللغوية تكشف التباساً في الألفاظ. بهذا اكتمل القطب السلبي إلى جانب القطب الإيجابي.

البرهان هنا مزدوج: برهان على إمكان الخطأ المنهجي المتكرر، وبرهان على إمكان الصحة المنهجية الضرورية. والتاريخ يظهر أن هذا التأسيس لم يكن نظرياً صرفاً، بل جاء استجابة لحاجة عملية في الجدل والحوار والبحث عن الحقيقة.

المرحلة الوسيطة: التوسع والتدقيق في الحضارة الإسلامية واللاتينية

انتقل التفكير المنطقي إلى المجال الإسلامي حيث شهد توسعاً وتدقيقاً كبيرين. فقد أُعيد بناء العلم البرهاني على أسس أرسطية مع إضافات جوهرية في التمييز بين أصناف الاستدلال ومراتب اليقين. وأصبح القياس البرهاني أعلى مراتب الاستدلال، يليه الجدلي ثم الخطابي ثم الشعري ثم المغالطي. هذا الترتيب نفسه برهان على تراتبية عقلية: البرهان يهدف إلى اليقين، والمغالطة تهدد هذا اليقين. وفن المغالطات تطور ليصبح علماً مستقلاً يفصل بين أنواع الخداع ويحلل آلياته بدقة، سواء في المغالطات اللفظية أو المعنوية أو في المغالطات التي تعتمد على استغلال المشاعر أو السلطة. في المجال اللاتيني المدرسي استمر هذا المسار مع تركيز شديد على التحليل الصوري والدقة في التعريفات والتقسيمات. وأصبح كشف المغالطات جزءاً أساسياً من التدريب الجدلي في الجامعات، بينما ظل علم البرهان الإطار الأعلى الذي يضمن صحة المعرفة العلمية واللاهوتية. البرهان التاريخي هنا واضح: كلما ازداد تعقيد المعرفة واتساع مجالاتها، ازدادت الحاجة إلى أدوات أدق لتمييز السليم من الزائف. فن المغالطات لم يعد مجرد رد فعل دفاعي، بل أصبح أداة نقدية داخلية تطور العلم نفسه.

المرحلة الحديثة: نقد العقل وإعادة تأسيس البرهان

مع بداية العصر الحديث تحول التركيز من البناء الصوري التقليدي إلى نقد أدوات العقل ذاتها. فقد ظهرت دعوات إلى منهج جديد يضمن استعمال العقل بشكل سديد عبر الشك المنهجي أو عبر البناء الرياضي أو عبر الملاحظة والتجربة المنضبطة. هذا التحول لم يلغِ فن المغالطات، بل أعاد صياغته. فالمغالطات لم تعد تقتصر على أخطاء القياس التقليدي، بل امتدت إلى أخطاء المنهج التجريبي وأخطاء التعميم الاستقرائي وأخطاء الخلط بين عوالم مختلفة من الخطاب. في الوقت نفسه تطور علم استعمال العقل بشكل سديد ليصبح أكثر صورية ودقة مع ظهور المنطق الرياضي والرمزي. أصبح البرهان قابلاً للصياغة في أنساق صورية محكمة، وأصبح التحقق من سلامة الاستدلال عملية شبه آلية في بعض المستويات. لكن هذا التقدم الصوري كشف في الوقت ذاته عن حدود جديدة: حدود الأنساق الصورية، وإمكان وجود قضايا غير قابلة للحسم داخلها، وضرورة التمييز بين الصحة الصورية والصدق المادي. فن المغالطات تطور ليتعامل مع هذه الحدود الجديدة، فظهرت مغالطات تتعلق بسوء استعمال النماذج الصورية أو بالخلط بين المستويات اللغوية أو بإسقاط النتائج الصورية على الواقع دون مسوغ.

البرهان التاريخي في هذه المرحلة مزدوج أيضاً: برهان على أن تقدم العلم البرهاني يولد أشكالاً جديدة من المغالطات، وبرهان على أن كشف هذه المغالطات يدفع إلى تطوير أدوات برهانية أكثر دقة ووعياً بحدودها.

المرحلة المعاصرة: التعقيد والتعدد والانفتاح على مجالات جديدة

في الحقبة المعاصرة اتسع التفكير المنطقي ليشمل مجالات غير تقليدية: المنطق غير الصوري، ومنطق الحجاج، والمنطق الضبابي، والمنطق الحاسوبي، ونظريات القرار العقلي. فن المغالطات أصبح أكثر ثراءً مع ظهور دراسات معمقة في المغالطات الإدراكية والتحيزات المعرفية والمغالطات الإعلامية والسياسية. لم يعد الأمر مقتصراً على أخطاء صورية أو لغوية تقليدية، بل امتد إلى آليات نفسية واجتماعية تؤثر في استعمال العقل. أما علم استعمال العقل بشكل سديد فقد تفرع إلى مسارات متعددة: المسار الصوري الدقيق، والمسار التداولي الذي يراعي السياق والمقاصد، والمسار الاحتمالي الذي يتعامل مع درجات اليقين، والمسار الحجاجي الذي يبحث عن القوة الإقناعية المشروعة. المقاربة البرهانية تكشف هنا عن تكامل جديد: فن المغالطات يوفر أدوات النقد التي تحمي هذه المسارات من الانحراف، وعلم الاستعمال السديد يوفر الإطار الإيجابي الذي يجعل النقد مثمراً لا هداماً.

التكامل البرهاني بين القطبين عبر التاريخ

يظهر من المسار التاريخي أن فن المغالطات وعلم استعمال العقل بشكل سديد ليسا نقيضين، بل هما وجهان لحركة عقلية واحدة. فكل تقدم في بناء القواعد البرهانية يكشف عن إمكانات جديدة للخطأ، وكل تقدم في كشف المغالطات يدفع إلى صياغة قواعد أمتن. البرهان على هذا التكامل يأتي من طبيعة العقل نفسه: العقل قادر على الخطأ لأنه حر ومتحرك، وقادر على التصحيح لأنه قادر على الرجوع على ذاته. هذا التكامل يبرهن أيضاً على أن التفكير المنطقي ليس علماً مكتملاً مرة واحدة وإلى الأبد، بل هو مسار تاريخي مفتوح. كل عصر يعيد صياغة القطبين وفق حاجاته المعرفية والاجتماعية. في العصور التي ساد فيها الجدل الشفهي برز فن المغالطات البلاغية، وفي العصور التي ساد فيها البناء العلمي البرهاني برز التدقيق الصوري، وفي عصر المعلومات والاتصال الجماهيري برزت مغالطات التحيز والإعلام والدعاية إلى جانب أدوات برهانية جديدة للتعامل مع البيانات الضخمة والاستدلال الاحتمالي.

خاتمة

يتبين من هذه المقاربة البرهانية أن تاريخ التفكير المنطقي هو تاريخ التوتر الخلاق بين فن المغالطات وعلم استعمال العقل بشكل سديد. لم يكن أحدهما سابقاً على الآخر بصورة مطلقة، ولا كان أحدهما بديلاً عن الآخر. بل نشأ كل منهما في حضن الحاجة العقلية نفسها: الحاجة إلى تمييز الزائف من الصحيح، وإلى بناء معرفة موثوقة. والبرهان التاريخي يظهر أن هذا التوتر لم ينتهِ عند مرحلة معينة، بل استمر وتجدد مع كل تحول معرفي كبير. وبذلك يصبح التفكير المنطقي ليس مجرد تراث تقني يُحفظ أو يُدرس، بل هو ممارسة حية تتطلب في كل عصر إعادة اكتشاف لفن كشف المغالطات وإعادة تأسيس لعلم الاستعمال السديد. والمقاربة البرهانية تؤكد أن هذه الممارسة ممكنة وضرورية في آن، لأنها تستند إلى قدرة العقل ذاتها على الرجوع على نفسه وتصحيح مساره. تكشف المقاربة البرهانية عن أبعاد تتجاوز التقنية المنطقية. فهي تبرهن أولاً على أن العقل الإنساني تاريخي بطبيعته: قواعده وأخطاؤه تتشكل وتتطور. وتبرهن ثانياً على أن السعي إلى الحقيقة ليس مساراً خطياً صاعداً فقط، بل يتضمن حركة دائمة بين البناء والنقد. وتبرهن ثالثاً على أن استعمال العقل بشكل سديد ليس ضمانة أخلاقية تلقائية، بل يحتاج إلى يقظة مستمرة أمام إمكان الانزلاق إلى المغالطة، سواء كانت مقصودة أو غير مقصودة. كما تبرهن على أن الفصل الحاد بين الفن والعلم في هذا المجال غير ممكن. ففن المغالطات يرتقي إلى مرتبة العلم حين يصبح تصنيفه وتحليله منهجيين، وعلم استعمال العقل يرتقي إلى مرتبة الفن حين يصبح تطبيقه مرناً ومراعياً للسياقات المتنوعة. التاريخ يشهد على هذا التداخل المستمر. ومن هنا يستمد تاريخ التفكير المنطقي قيمته الدائمة: فهو ليس سرداً لما مضى، بل دليل مستمر على إمكان أن يكون استعمال العقل أكثر سديداً كلما ازداد وعياً بإمكاناته وبحدوده وبأشكاله المتجددة من الزيف والصواب. فكيف يحرص المنطق المعاصر على تحليل مغالطات القرن الواحد والعشرين؟ وهل يساعد علم النفس المعرفي على التوقي من الوقثوع في التحيزات؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

يقدم سبينوزا لنا فلسفة ليست اكثر او اقل من فلسفة القوة، الحرية والمرح. ديلوز كان من أوائل المفكرين المعاصرين الذين استفادوا من التأثيرات السياسية لفلسفة سبينوزا. تبنّى ديلوز أخلاق سبينوزا الجوهرية بدلا من الاخلاق المتعالية، وهي تحكم الأفعال من خلال تأثيرها على قدرة المرء في الفعل. كان لسبينوزا تأثيرا هاما على الفيلسوف الفرنسي ديلوز. عبر قرائته لسبينوزا، صاغ ديلوز نظرية جديدة للاخلاق ترفض كل من العواطف الحزينة التي تفرض ذاتها من خلال الاخلاق وفلسفة المتعالي التي تدعمها. اخلاق سبينوزا قدمت دليلا للارشاد الذاتي الذي يرفض العقوبة. هذا لأن ديلوز رأى الأفكار تنشأ من طريقة هندسية اعتُمدت في الاخلاق كنظام محايد من الملاحظة والاوصاف للكيفية التي تتحرك بها الاجسام وتتصرف تجاه بعضها البعض.

يعتقد ديلوز ان أهم الإنجازات الاستثنائية لفلسفة سبينوزا هي في تجاوزها (في شكل نقد الاخلاق) الشفرات الأخلاقية للفلسفة التقليدية وفي استبدالها بأخلاقيات او علم الاخلاق ethics لا توجد فيها سلطة أعلى من الحياة (الله، نظام العقل، القانون الإلهي، واجب عالمي). في هذا المعنى، أفعال الانسان تُحكم حصريا من خلال ممارسة الحضور الداخلي. سلوك الانسان يتم تقييمه طبقا لأخلاق تطبيقية تركز على الفهم بدلا من العقوبة.

سبينوزا ينكر التعالي ابستميا وبرجماتيا أيضا، مجادلا ان الطبيعة، في ذاتها، اكثر من كافية لإرشاد الفعل الإنساني – نحن لا نحتاج لتصنيف الأفعال البشرية طبقا لأصناف أخلاقية مجردة. بالنسبة لسبينوزا، الاخلاق يجب ان تكون مستندة الى انطولوجيا السلطة والمقدرة، وان السؤال ليس ما اذا كان الفعل بذاته خيرا ام شرا. السؤال الوحيد هو ما اذا كان يزيد ام يُضعف الحياة، ما اذا كان يوسع نطاق سلطة المرء ويضيف الى سعادته. شيء ما هو سيء اذا كان يُضعف، ويقيد ويحد من قدرات المرء. هذا التمييز بين الاخلاق morality والأخلاقيات ethics سيكون جوهريا لفلسفة ديلوز: الاخلاق هي الحكم من الأعلى، الاخلاقيات هي الحكم من الداخل. الاخلاق تؤسس قوانين عامة صحيحة موضوعيا بصرف النظر عن السياق، بينما الاخلاقيات تدرس تأثير علاقات معينة.

وهكذا، يرث ديلوز استنتاجا محرِّرا من فلسفة سبينوزا: الاخلاقيات هي تجريبية. الناس، كأجسام وعقول مرنة هم دائما يسعون الى تطوير أشكال للوجود ملائمة لازدهار الانسان – أي انها تحقق اقصى قدر من الفرح.

الجسم كموقع للمعرفة

اقتباس آخر شهير اتخذه ديلوز من سبينوزا هو "نحن لا نعرف ماذا يستطيع الجسم ان يعمل". هذا هو التحدي الأكثر قوة لتاريخ الفكر الغربي حيث قاد الفلاسفة من افلاطون الى ديكارت الوعي الى الجوهر الحقيقي لماهية الانسان. الجسم اعتُبر ثانويا، غير موثوق به، فاسدا كمصدر للمعرفة. سبينوزا قلب البناء الهرمي رأسا على عقب.

يرى ديلوز ان سبينوزا جاء ليذيب الفرق. الذهن والجسم صفتان متوازيتان لنفس الجوهر، لا يهيمن أي منهما على الاخر. الذهن الواعي لم تعد له سيادة على حياة الانسان. هو اصبح جزئيا كالجسم . لذلك، فان الجسم يشكل حقلا للقدرات والعلاقات الأساسية، حيث يشعر الانسان بالعواطف، الحاجات، والتحولات بدون معرفة الظروف التي تنتجها. تماما مثل الجسم حين يعبر عن القوى التي تتجاوز النية الواعية، الفكر يجب ان يُفهم في بعده اللاواعي الأساسي. يستمر ديلوز بالجدال ان هذا الفهم، سيتكشف ببطء باتجاه فكرة راديكالية جديدة للوجود الإنساني تستند على العاطفة والشدة والتحول.

هذا الخط من التفكير سيكون هاما للجزء الأكبر من أعمال ديلوز اللاحقة، حيث السؤال ليس ما هو الشيء بالضرورة، وانما ماذا يمكن ان يعمل، ما هي العلاقات التي يمكن ان تدخل فيه، وما هي القوى التي يمكن الحفاظ عليها. لذلك، فان الجسم ليس الشيء السلبي للوعي وانما شبكة نشطة من القوى مرتبطة بالبيئة التي تواجهها. طبقا لذلك، يفترض سبينوزا ان الاخلاقيات هي اخلاق القدرات والتجريب بدلا من الطاعة والامتناع.

الأوهام الثلاثة للوعي

يؤمن سبينوزا ان الذهن البشري لا يمتلك معرفة مباشرة بالحقيقة، وانما هو يدرك فقط آثار الأشياء، بينما يتجاهل أسبابها الحقيقية. الناس واعون برغباتهم وعواطفهم، لكن نادرا ما يكونون واعين بالعلاقات التي ينشأوون من خلالها. يلاحظ ديلوز ان هناك ثلاثة أوهام معينة للوعي:

1- وهم السبب النهائي. الطبيعة يجب ان تكون مخصصة للاستخدام ، او، كما يُعبّر عادة، لأجل الانسان، لأن عالم الطبيعة يُفسر كنظام يستجيب لغايات الانسان.

2- وهم الإرادة الحرة، او فكرة اننا نمتلك، ونعرف، رغباتنا التي تجعلنا نعتقد نحن أناس نختار بحرية.

3- يرى الناس ان مثل هذه المغالطات تُسقط على الله باعتباره حاكما أخلاقيا عظيما يجعل العالم يعمل من خلال النية الواعية والعقوبة. بالنسبة لديلوز، هذه ليست أخطاء فكرية بسيطة، وانما وسائل للهيمنة. عندما يعتقد الناس انهم مذنبون امام سلطة متعالية، هم يخضعون بسهولة للخوف والطاعة والعار.

لهذا فان الاخلاق معتمدة على سوء فهم السببية وليس حول الكيفية التي تؤثر بها الاجسام او التي تعمل بها العلاقات الاجتماعية. الاخلاق تعاقب الافراد طبقا لاصناف مجردة للاثم والمسؤولية. بالنسبة لسبينوزا، الحرية هي معرفة الأسباب التي تقررنا، بالإضافة الى التأثيرات الناتجة بفعل تلك الأسباب. كلما اصبحنا اكثر وعيا بالعلاقات التي تشكل عواطفنا وافكارنا، كلما اصبحنا نستطيع الفعل اكثر. هذا نال اعجاب ديلوز كثيرا، لأنه استبدل الاخلاق بالمعرفة والفهم. او كما يرى ديكارت: بافكار واضحة ومتميزة.

متعة القوة وحزن الاستبداد

ان الفرق بين المرح joy والحزن يوفر انطولوجيا أساسية لاخلاقيات سبينوزا. يجادل سبينوزا ان العواطف ليست مجرد مشاعر خاصة وانما مؤشرات لتغيرات في قدرة الشخص على التصرف. المرح يحدث عندما تزيد اللقاءات من قدرتنا وتسمح لنا لنصبح اكثر نشاطا. الحزن هو نتيجة لفقدان القدرة على الفعل حينما تتضاءل قدراتنا، وعندما تتحلل العلاقات التي تشكل هويتنا. ينظر ديلوز في الاثار السياسية للنظام الميتافيزيقي لسبينوزا. الأنظمة التقليدية للاخلاق تعتمد على انتاج العواطف الحزينة للحفاظ على السلطة. حيث ان الذنب، الخوف، العار، الاستياء، وكراهية الذات هي عواطف جوهرية. العواطف التي تضعف الافراد، هي عواطف تجعلهم مطيعين ويمكن حكمهم. ديلوز يعود باستمرار الى شخصيات المستبد، الكاهن، والعبد. كل الشخصيات الثلاثة مترابطة مع بعضها من خلال العواطف الحزينة. المستبدون يحتاجون الى سكان خائفين، القساوسة يحتاجون ضمائر مذنبة، والافراد المستاؤون يبحثون عن المعنى من خلال ادانة الحياة بدلا من تأكيدها. ديلوز يرى سبينوزا كفيلسوف التأكيد. بدلا من غرس المعاناة باسم الفضيلة، يجب على الشخص الأخلاقي ان يبحث عن لقاءات مبهجة توسع قدراته. ضمن العلاقات المبهجة تدخل الاجسام والاذهان في مركب يقوّي احدهما الاخر. المرح ينقل الافراد أقرب الى النشاط، الابتكار، والحرية. بالمقابل، الحزن يحبس الناس في حالة من السلبية.

المرح عاطفة عميقة ومعقدة، ليس خاليا من الجدية ويختلف عن التفاؤل. انه زيادة في السلطة، تكثيف للوجود. ديلوز أعجب بسبينوزا كفن عملي للحياة بدلا من مؤسسة عقابية. وبذلك، فان الهدف من النظام الأخلاقي يصبح تعلّم كيف تنظّم اللقاءات، العلاقات، وأشكال الحياة التي تعظّم الفعالية المبهجة الى اقصى حد بينما تقلل القوى التي تضعف إمكانية الانسان على الفعل.

علم سلوك العلاقات والقدرات Ethology of relations

يدعو ديلوز الى ايثولوجيا سبينوزية كبديل للاخلاق التقليدية. هذه الايثولوجيا ستركز على الواقع الموضوعي والعاطفي للاجساد اثناء الحركة: القدرات، التجارب، مختلف الإمكانات للتحول الذاتي.

العلاقات المختلفة للتركيب والتحلل التي يمكن ان يدخلا فيها، التحول من الاخلاق الى الايثولوجي، كدراسة للقدرات الجسدية، سوف تغير راديكاليا معنى الاخلاقيات.

الاخلاق التقليدية تحكم الفعل طبقا لإمتثاله لقاعدة عالمية. أخلاقيات سبينوزا تطرح سؤالا يتعلق بقدرة الكائن على الوجود. ماالذي يعزز السلطة ويؤدي الى انخفاض القوة؟ كل فرد هو جسم، شيء ممتد، وذهن، للتفكير. كل جسم له نظام من العلاقات تشكل هويته. كل جسم قادر على التأثير والتأثر. الاخلاقيات او الايثولوجي تصبح علم دراسة هذه العلاقات المتعددة ووصفها. انطولوجيا سبينوزا ليست اقل ثورية من اخلاقياته. الاجسام والاذهان تُفسر كعملية ديناميكية.

هما يدخلان باستمرار في علاقات جديدة، لقاءات، يباشران تحولات، ويطوران او يفقدان قدرات. سبينوزا يقدم مشروعا مضادا للعالمي يتوافق بشكل مذهل مع ما بعد الحداثة. شيء ما يكون مصدر قوة في سياق ما وقد يكون مدمرا في سياق آخر. لهذا فان فكر الأخلاقيات يجب ان يبقى متيقضا تجاه التفرد، الظروف، السياق، والاختلاف.

ديلوز استعمل مفهوم القوة والقدرة في عدة مواقف أخرى في عمله. فكره النقدي يستقصي الأنظمة الاجتماعية التي تنظم الرغبة وتوجّه المشاعر وتشكل إمكانات الوجود والتحول.

***

حاتم حميد محسن

.....................

The collector, July 29,2026

بين ديكارت وسبينوزا وبين لايبنتز وكانط، مقاربة ترمينولوجية

مقدمة: شكل مفهوم الفلسفة في الأزمنة الحديثة أحد أكثر المفاهيم تعرضاً لإعادة البناء الجذري في تاريخ الفكر الغربي. لم يعد الأمر مقتصراً على تعريف تقليدي موروث من التراث اليوناني والوسيط يرى في الفلسفة «محبة الحكمة» أو «العلم بالعلل الأولى»، بل أصبح المفهوم نفسه موضوعاً لتأمل منهجي وترمينولوجي دقيق يهدف إلى تحديد طبيعة النشاط الفلسفي وحدوده ومهمته.  في هذه الدراسة نتبع الاشتغال الترمينولوجي على مفهوم الفلسفة عبر محطتين مركزيتين: الأولى تربط ديكارت بسبينوزا، والثانية تربط لايبنتز بكانط. نركز على كيفية إعادة صياغة المصطلحات الأساسية التي تحدد ماهية الفلسفة: العقل، المنهج، الجوهر، المعرفة، النقد، النسق، والحدود. لا نسعى إلى سرد تاريخي للمذاهب، بل إلى تحليل كيفية اشتغال كل فيلسوف على اللغة المفاهيمية التي تجعل من «الفلسفة» نشاطاً ممكناً ومشروعاً ومتميزاً عن غيره من أشكال المعرفة. كيف اختلف تعريف الفلسفة بين ديكارت وسبينوزا وبين لايبنتز وكانط؟

 القسم الأول من الشك المنهجي إلى النسق الهندسي: ديكارت وسبينوزا

 يبدأ التحول الحديث في مفهوم الفلسفة مع ديكارت بعملية ترمينولوجية حاسمة: تحويل الفلسفة من «علم» موروث إلى «مشروع تأسيس». يستخدم ديكارت مصطلح «الفلسفة» بمعنيين متداخلين: أولاً بوصفها النسق الكلي للمعارف، وثانياً بوصفها المنهج الذي يؤسس هذا النسق. العبارة الشهيرة «أنا أفكر إذن أنا موجود» ليست مجرد قضية ميتافيزيقية، بل هي فعل ترمينولوجي يعيد تعريف نقطة الانطلاق. «الشك» لم يعد موقفاً أخلاقياً أو معرفياً سلبياً كما كان عند الشكاك القدماء، بل أصبح «منهجاً» يمتلك قواعد واضحة وصارمة.  المصطلح المحوري عند ديكارت هو «الفكرة الواضحة والمتميزة». بهذا المصطلح يُعاد تعريف معيار الحقيقة داخل الفلسفة ذاتها. لم تعد الفلسفة تعتمد على سلطة النص أو التقليد أو التجربة الحسية الخام، بل على ما يمكن للعقل أن يراه بوضوح داخلي لا يقبل الشك. هنا يظهر تحول في دلالة «العقل» نفسه: العقل لم يعد مجرد ملكة للبرهنة، بل أصبح مصدراً أولياً للمعايير. الفلسفة عند ديكارت هي إذن «علم المبادئ الأولى» التي تستمد يقينها من طبيعة العقل نفسه لا من موضوع خارجي.  مع سبينوزا يحدث تحول ترمينولوجي أكثر جذرية. يستعير سبينوزا من ديكارت فكرة المنهج الصارم، لكنه يحولها إلى «المنهج الهندسي». مصطلح «الإيتيقا» الذي اختاره عنواناً لكتابه الرئيسي ليس مجرد عنوان لبحث أخلاقي، بل هو إعادة تعريف لما ينبغي أن تكون عليه الفلسفة بأكملها. الفلسفة عند سبينوزا ليست تمهيداً للعلوم الأخرى، ولا هي تأسيس معرفي فحسب، بل هي علم الجوهر الواحد اللامتناهي الذي هو الله أو الطبيعة.  المصطلحات الأساسية عند سبينوزا — الجوهر، الصفة، الحال، العلة الذاتية، الضرورة — تعمل على إلغاء الثنائيات الديكارتية. حيث كان ديكارت يفصل بين الجوهر المفكر والجوهر الممتد، يجعل سبينوزا من هذا الفصل مجرد تمييز في الصفات داخل جوهر واحد. بهذا يصبح مفهوم «الفلسفة» مرادفاً لفهم النظام الضروري للواقع من منظور الأبدية. الفلسفة لم تعد بحثاً عن يقين الذات المفكرة، بل هي صعود معرفي نحو رؤية الأشياء «تحت مظهر الأبدية».  الفرق الترمينولوجي الأساسي بين الاثنين يكمن في دلالة «المنهج». عند ديكارت المنهج هو أداة للاكتشاف والتأسيس، أي أنه يسبق بناء النسق. عند سبينوزا المنهج الهندسي هو شكل العرض نفسه، وهو يعكس بنية الواقع. الفلسفة عند سبينوزا لا «تؤسس» الحقيقة، بل «تعرضها» كما هي في ضرورتها. هذا التحول ينقل مفهوم الفلسفة من أفق الذاتية المؤسسة إلى أفق الأنطولوجيا الضرورية. 

القسم الثاني: من التناغم المسبق إلى النقد الترنسندنتالي: لايبنتز وكانط

مع لايبنتز يدخل مفهوم الفلسفة مرحلة جديدة من التعقيد الترمينولوجي. يستخدم لايبنتز مصطلحات مثل «الموناد»، «التناغم المسبق التأسيس»، «أفضل العوالم الممكنة»، و«مبدأ العلة الكافية» لإعادة صياغة العلاقة بين العقل والواقع. الفلسفة عنده هي علم المبادئ القصوى التي تفسر لماذا يوجد شيء ما بدلاً من لا شيء، ولماذا يوجد هذا الشيء على هذا النحو وليس على نحو آخر.  المصطلح الأكثر دلالة هو «الموناد». بهذا المصطلح يعيد لايبنتز تعريف الوحدة الأساسية للواقع بوصفها وحدة إدراكية ونزوعية في آن معاً. الفلسفة لم تعد مجرد تحليل للجوهر الممتد أو المفكر، بل أصبحت علماً للتعدد اللامتناهي من الوحدات البسيطة التي يعكس كل منها الكون بأكمله من منظوره الخاص. «التناغم المسبق التأسيس» ليس مجرد حل لمشكلة التفاعل بين النفوس والأجسام، بل هو مبدأ ميتافيزيقي يحدد طبيعة النظام الكوني بوصفه نظاماً عقلانياً محكماً.  بهذا المعنى تصبح الفلسفة عند لايبنتز «ثيوديسا» بمعنى واسع: تبريراً عقلانياً لوجود العالم على ما هو عليه. المصطلحات اللايبنتزية تعمل على توسيع نطاق العقلانية إلى أقصى حد ممكن، بحيث لا يبقى هناك مجال للصدفة أو للشر الجذري غير القابل للتفسير. الفلسفة هي إذن علم الإمكانيات والضرورات، علم العوالم الممكنة والمبادئ التي تختار أفضلها.  يأتي كانط ليحدث القطيعة الترمينولوجية الأكثر حسماً في تاريخ الفلسفة الحديثة. يعيد كانط تعريف الفلسفة ذاتها من خلال مصطلح «النقد». الفلسفة النقدية ليست بناءً لنسق ميتافيزيقي جديد، بل هي فحص لشروط إمكان المعرفة والأخلاق والجمال. المصطلحات الأساسية — الترنسندنتالي، القبلي، الظاهرات، الشيء في ذاته، مقولات الفهم، أفكار العقل — تشكل جهازاً مفاهيمياً جديداً بالكامل.  «الترنسندنتالي» عند كانط لا يعني ما يتجاوز التجربة بالمعنى الميتافيزيقي التقليدي، بل يعني ما يتعلق بشروط إمكان التجربة نفسها. بهذا التحول الدلالي يصبح موضوع الفلسفة ليس الأشياء كما هي في ذاتها، بل الطريقة التي يظهر بها الشيء للذات العارفة. الفلسفة لم تعد علماً بالواقع المطلق، بل علماً بحدود العقل البشري وبنيته.  يظهر الفرق الترمينولوجي مع لايبنتز بوضوح في مفهوم «الميتافيزيقا». عند لايبنتز الميتافيزيقا علم ممكن ومشروع يتعامل مع الجواهر البسيطة والمبادئ القصوى. عند كانط الميتافيزيقا التقليدية تقع في «الوهم الترنسندنتالي» لأنها تتجاوز حدود التجربة الممكنة. الفلسفة النقدية هي إذن فلسفة الحدود: تحدد ما يمكن للعقل أن يعرفه وما لا يمكنه أن يعرفه.

 القسم الثالث مصطلح «النقد» عند كانط

 يشكل مصطلح «النقد» (Kritik) عند إيمانويل كانط أحد أكثر المفاهيم مركزية وجذرية في تاريخ الفلسفة الحديثة. لا يدل هذا المصطلح على مجرد موقف سلبي من الآراء السابقة أو على تفنيد مذهبي، بل يشير إلى عملية فحص منهجي وشامل لشروط إمكان المعرفة والأخلاق والحكم الجمالي والغائي. بهذا المعنى، يتحول «النقد» من أداة عارضة إلى جوهر المشروع الفلسفي الكانطي برمته، ويصبح الاسم الذي يطلقه كانط على فلسفته الخاصة: الفلسفة النقدية.

 الدلالة الأصلية والتحول الترمينولوجي

 في الاستعمال اللغوي العادي وفي التراث الفلسفي السابق، كان «النقد» يحمل دلالات متعددة: فحص قيمة العملة، تمييز الجيد من الرديء، أو الاعتراض على رأي ما. أما عند كانط، فيخضع المصطلح لإعادة صياغة جذرية. يصبح النقد عملية «ترنسندنتالية»، أي فحصاً لا يتعلق بالموضوعات نفسها بقدر ما يتعلق بطريقة معرفتنا لهذه الموضوعات وشروط إمكانها القبلية.  النقد عند كانط ليس نقداً لشيء خارج العقل، بل هو نقد للعقل نفسه بواسطة العقل. إنه فعل انعكاسي يضع الملكة العاقلة موضع المساءلة. بهذا يبتعد كانط عن معنيين شائعين: المعنى الدوغمائي الذي يبني ميتافيزيقا دون فحص مسبق لحدود العقل، والمعنى الريبي الذي يشكك في كل معرفة دون أن يحدد بدقة ما يمكن وما لا يمكن معرفته.

 النقد الكانطي يسلك طريقاً ثالثاً: طريق التحديد الذاتي للحدود.  النقد بوصفه علماً لحدود العقل

 في «نقد العقل المحض» يظهر المعنى الأساسي للمصطلح بوضوح. النقد هنا هو «علم حدود العقل المحض». العقل المحض هو العقل من حيث هو مستقل عن التجربة الحسية، أي من حيث قدرته على إنتاج مبادئ قبلية. لكن هذه القدرة ليست مطلقة. لذلك يتعين على النقد أن يجيب عن أسئلة جوهرية: ماذا يمكنني أن أعرف؟ ماذا ينبغي أن أفعل؟ بماذا أستطيع أن آمل؟  الإجابة على السؤال الأول تقتضي تمييزاً حاسماً بين الظاهر (الظاهرة) والشيء في ذاته. النقد يكشف أن معرفتنا النظرية تقتصر على الظواهر، أي على ما يظهر لنا وفقاً لصورتي الحدس الحسي (الزمان والمكان) ومقولات الفهم. أما الشيء في ذاته فيبقى خارج نطاق المعرفة النظرية. بهذا لا يدمر النقد الميتافيزيقا، بل يعيد تحديد مجالها المشروع: المجال العملي والأخلاقي.

 الطبيعة الترنسندنتالية للنقد

المصطلح «ترنسندنتالي» مرتبط ارتباطاً وثيقاً بمصطلح النقد. النقد الترنسندنتالي لا يبحث في الموضوعات، بل في نمط معرفتنا للموضوعات من حيث هي ممكنة قبلياً. إنه يسأل: كيف تكون الأحكام التركيبية القبلية ممكنة؟ وكيف يمكن للتجربة نفسها أن تكون منتظمة وقابلة للعلم؟  بهذا يصبح النقد مشروعاً مزدوجاً: إيجابياً وسلبياً في آن معاً. الجانب الإيجابي يتمثل في تأسيس المشروعية الموضوعية للعلوم الرياضية والطبيعية على أسس قبلية. الجانب السلبي يتمثل في منع العقل من تجاوز حدود التجربة الممكنة، أي من الوقوع في الأوهام الترنسندنتالية التي أنتجت الميتافيزيقا التقليدية (براهين وجود الله، خلود النفس، بداية العالم...).

 النقد في المجالات الثلاثة

 يمتد مفهوم النقد عند كانط إلى المجالات الثلاثة الكبرى لفلسفته:

  في المجال النظري («نقد العقل المحض»)، يكون النقد فحصاً لشروط إمكان المعرفة الموضوعية وحدودها.

 في المجال العملي («نقد العقل العملي»)، يتحول النقد إلى فحص لملكة العقل من حيث هي مشرِّعة للأخلاق. هنا لا يحدّ النقد من العقل بل يؤكد استقلاله العملي وقدرته على إعطاء القانون الأخلاقي لنفسه (الأمر القطعي).

  في المجال الجمالي والغائي («نقد ملكة الحكم»)، يصبح النقد فحصاً لكيفية حكمنا على الجميل والجليل، وعلى الغائية في الطبيعة، دون أن تتحول هذه الأحكام إلى معرفة نظرية أو إلى أخلاق.  في كل هذه المجالات يبقى النقد هو العملية نفسها: وضع الملكة المعنية أمام محكمة العقل لتحديد مشروعيتها وشروطها وحدودها.

 النقد بوصفه موقفاً فلسفياً عاماً

 يتجاوز مصطلح النقد عند كانط كونه عنواناً لكتب ثلاثة ليصبح موقفاً فلسفياً شاملاً. الفلسفة النقدية هي فلسفة الحدود بامتياز. هي رفض للدوغمائية التي تدعي معرفة مطلقة دون فحص، ورفض للريبية التي تنكر كل معرفة يقينية. وهي في الوقت نفسه تأسيس لحرية العقل في المجال العملي، حيث يصبح الإنسان مشرِّعاً لنفسه.  بهذا المعنى، فإن النقد ليس نهاية للفلسفة بل بدايتها الحقيقية. هو الشرط الذي يجعل أي فلسفة لاحقة ممكنة على أسس آمنة. فبعد أن يحدد النقد ما يمكن للعقل أن يعرفه وما لا يمكنه، وبعد أن يؤسس لاستقلال الإرادة الأخلاقية، يفتح المجال لبناء نسق فلسفي متكامل دون السقوط في الأوهام القديمة.

 يمكن تلخيص دلالة مصطلح «النقد» عند كانط في العناصر التالية: هو فحص ذاتي للعقل بواسطة العقل.

هو تحديد ترنسندنتالي لشروط الإمكان القبلية.

هو رسم لحدود المعرفة النظرية وتوسيع لمجال الحرية العملية.

هو موقف فلسفي يرفض الدوغمائية والريبية معاً.

هو المنهج الذي يجعل من الفلسفة علماً صارماً قادراً على تبرير ذاته.  بهذا الاشتغال الترمينولوجي العميق، يحول كانط كلمة كانت تعني في السابق مجرد فحص أو اعتراض إلى مفهوم مركزي يعيد تعريف ماهية الفلسفة ذاتها في الأزمنة الحديثة. لم تعد الفلسفة بناءً لنسق أنطولوجي أو ميتافيزيقي مباشر، بل أصبحت أولاً وقبل كل شيء نقداً.

خاتمة

إذا نظرنا إلى المحطتين الحديثتين معاً، نلاحظ مساراً عاماً في تحول مفهوم الفلسفة. يبدأ المسار مع ديكارت بتحويل الفلسفة إلى مشروع تأسيس منهجي يرتكز على الذات المفكرة. ينتقل مع سبينوزا إلى فلسفة النسق الضروري الذي يمتص الذاتية داخل الجوهر الواحد. يعود لايبنتز ليوسع العقلانية إلى علم المونادات والتناغم الكوني، ثم يأتي كانط ليضع العقل نفسه موضع المساءلة النقدية.

على المستوى الترمينولوجي، يمكن رصد ثلاث حركات أساسية:

 أولاً، حركة تحويل المصطلحات من الدلالة الأنطولوجية إلى الدلالة المنهجية ثم إلى الدلالة النقدية. «الجوهر» عند ديكارت وسبينوزا مصطلح أنطولوجي أساسي، يتحول عند لايبنتز إلى «الموناد» الذي يجمع بين الأنطولوجيا والإبستمولوجيا، ثم يتراجع عند كانط ليصبح «الشيء في ذاته» الذي لا يمكن معرفته.

 ثانياً، حركة إعادة تحديد دور «العقل». عند ديكارت العقل مصدر اليقين. عند سبينوزا العقل جزء من النظام الضروري. عند لايبنتز العقل مبدأ التناغم الكوني. عند كانط العقل ملكة محدودة تحتاج إلى نقد ذاتي.

ثالثاً، حركة تحويل هدف الفلسفة. عند ديكارت الهدف هو اليقين والتأسيس. عند سبينوزا الهدف هو الفهم والحرية العقلية. عند لايبنتز الهدف هو التبرير العقلاني للنظام القائم. عند كانط الهدف هو تحديد الشروط والحدود.  هذه الحركات ليست مجرد تطور تاريخي، بل هي اشتغالات ترمينولوجية متعاقبة تعيد صياغة ما يعنيه أن نمارس الفلسفة. كل فيلسوف لا يكتفي بتغيير المضامين، بل يغير اللغة المفاهيمية التي تجعل هذه المضامين ممكنة.

هكذا يكشف الاشتغال الترمينولوجي على مفهوم الفلسفة بين ديكارت وسبينوزا من جهة، وبين لايبنتز وكانط من جهة أخرى، عن مسار معقد من التحولات العميقة. لم تعد الفلسفة في الأزمنة الحديثة مجرد بحث عن الحكمة أو عن العلل الأولى بالمعنى التقليدي، بل أصبحت نشاطاً يعيد باستمرار تعريف أدواته ومهمته وحدوده.  من الشك المنهجي إلى النسق الهندسي، ومن التناغم المسبق إلى النقد الترنسندنتالي، تتغير دلالة المصطلحات الأساسية وتتغير معها ماهية النشاط الفلسفي نفسه. هذا التحول الترمينولوجي هو ما يميز الحداثة الفلسفية في جوهرها: الفلسفة لم تعد علماً من العلوم، بل أصبحت العلم الذي يحدد شروط إمكان العلوم الأخرى وحدود العقل البشري.  بهذا المعنى، فإن دراسة مفهوم الفلسفة في هذه الفترة ليست دراسة لمذهب من المذاهب، بل هي دراسة للطريقة التي يعيد بها الفكر الحديث صياغة لغته الخاصة ليتمكن من قول ما يمكن قوله عن ذاته وعن العالم. فماهي دلالة فلسفة توماس هوبز المادية الحديثة؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

تطرح السيرورات التاريخية والسياسية في دول ما بعد الاستعمار، وتحديداً تلك التي تعرضت لصدمات جيوسياسية واقتصادية مركبة، إشكالية بنيوية معقدة تعبر عن نفسها في ما يمكن تسميته بـ "المعادلة الخطيرة". تتلخص هذه المعادلة في ديناميكية تفكك البنى الإنتاجية والطبقات الوسطى تحت وطأة الحصار الاقتصادي الخانق، ليصعد إلى السطح فئة طفيلية يمكن توصيفها بـ " التحالف الريعي-العنفي" بوصفه فئة طفيلية ؛ وهم أمراء الحرب، ومهربو اقتصاد الظل، وسماسرة الريع، والوكلاء المحليون الذين يقتاتون على الأزمات ويعيدون إنتاج التخلف. في المقابل، يتحول الشعب، الذي كان يمتلك مقومات المواطنة والإنتاج، إلى مجرد "مستهلك" مسلوب الإرادة، يعتمد في بقائه البيولوجي على ما تجود به شبكات الزبائنية أو الإعانات الحكومية. وتكتمل الكارثة التاريخية عندما تنهار الدولة الوطنية ليتم تسليم السلطة، عبر "توصية استعمارية" أو هندسة سياسية من قبل سلطة الاحتلال، إلى ذات الفئة من " التحالف الريعي-العنفي " مما يكرس نموذجاً مشوهاً للدولة. 

الاقتصاد السياسي للحصار والإبادة السوسيولوجية

لا يمكن استيعاب آليات صعود فئة " التحالف الريعي-العنفي" بوصفه فئة طفيلية، دون غوص تحليلي عميق في الأثر التدميري للحصار الاقتصادي الشامل.

أدى هذا الانهيار المروع إلى تحول دراماتيكي في الهيكل الطبقي والاقتصادي. فقد تعرضت الطبقة الوسطى، التي كانت تشكل العمود الفقري للإدارة والتعليم والصحة والمشاريع، لعملية سحق تدريجي وتام. وأصبح الراتب الشهري للموظف الحكومي يعادل دولارين أمريكيين فقط، مما دفع الكثيرين لبيع ممتلكاتهم الشخصية، بدءاً من السيارات والأجهزة المنزلية وصولاً إلى الأثاث والكتب، من أجل البقاء. ونتيجة لذلك، اضطر المعلمون،، للعمل كسائقي سيارات أجرة لتأمين قوت يومهم، مما أدى إلى انهيار المنظومة القيمية والمعرفية. 

تفكك الطبقة الوسطى وولادة البرجوازية الرثة

في دراسته الموسوعية والمعمقة للطبقات الاجتماعية، أوضح عالم الاجتماع حنا بطاطو كيف تشكلت الطبقات تاريخياً بناءً على توازنات دقيقة بين الريف والمدينة، وبين ملاك الأراضي والبرجوازية الناشئة والطبقة العاملة. ومع دخول البلد في أتون الحصار الاقتصادي، حدث انقلاب سوسيولوجي واقتصادي عميق؛ حيث بدأ توزيع الدخل يميل بشكل حاد لصالح الأسر الريفية وشبكات التهريب على حساب الطبقة الوسطى الحضرية. يشير التحليل إلى أن الطبقة الوسطى، التي كانت تشكل نحو 60% من المجتمع، تعرضت لانشطار هيكلي؛ حيث انحدرت أغلبيتها الساحقة لتلتحم مع الطبقة الفقيرة، لتشكلا معاً ما يقارب 75% من السكان المسحوقين.

في ظل هذا الفراغ الاقتصادي والتراجع الحاد لدور الدولة، برز " التحالف الريعي-العنفي ". وهم فئة استفادت من اقتصاد الندرة الذي خلقه الحصار والمقاطعة الدولية. تشكلت هذه الفئة من شبكات التهريب العابرة للحدود، وأثرياء الحرب، والمقربين من مراكز صنع القرار، وتجار السوق السوداء الذين سيطروا على استيراد السلع الحيوية والمضاربة بالعملة. هؤلاء هم من أطلق عليهم الطبيب النفسي والمفكر المناهض للاستعمار فرانز فانون في كتابه المرجعي "معذبو الأرض" مصطلح "البرجوازية الوطنية المتخلفة" أو البرجوازية الرثة. وبحسب فانون، فإن هذه الطبقة لا تمتلك أي قدرة على الإنتاج أو الصناعة أو الابتكار، بل تتركز كل طاقتها في أنشطة الوساطة والسمسرة، وتعتمد في قوتها على دهاء الأعمال بدلاً من الاستثمار الحقيقي لبناء اقتصاد متين.

إن الحصار الاقتصادي الخانق أجبر الدولة على التراجع عن تقديم الرعاية الاجتماعية والصحية والتعليمية بالشكل الطبيعي، واكتفت بتقديم شبكة أمان بدائية تتمثل في "البطاقة التموينية"، التي منعت المجاعة الجماعية لكنها كانت تحتوي على سعرات حرارية منخفضة ومحتوى بروتيني ضئيل. هذا الإجراء بالذات هو ما حول المواطن من فاعل إنتاجي إلى "مستهلك" بيولوجي بحت، يبحث فقط عن الحد الأدنى من شروط البقاء على قيد الحياة. لقد تحول الشعب بأسره إلى زبائن مرتهنين لدى الدولة من جهة، وشبكات السوق السوداء من جهة أخرى، مما أدى إلى خلق علاقة تبعية مطلقة ألغت مفهوم المواطنة الفاعلة وكرست مفهوم "الرعية" التي تنتظر الإعاشة.

يقدم الفيلسوف الإيطالي جورجيو أغامبين إطاراً نظرياً شديد الأهمية لتفسير هذه الحالة، وهي حالة الاستثناء، هذه الحالة على السياسة الحيوية اذ حولت العقوبات الدولية الشاملة، حيث تم تعليق مفاعيل القانون الدولي الإنساني وقواعد حقوق الإنسان باسم ضرورة لتحقيق الأمن الدولي المزعوم ونزع أسلحة الدمار الشامل.

في حالة الاستثناء هذه، يتحول الإنسان المقهور إلى ما يسميه أغامبين وهو كائن بيولوجي مجرد تماماً من حقوقه السياسية والقانونية،حيث يمكن استباحته وتعريضه للموت البطيء دون أن يُعتبر ذلك جريمة جنائية يعاقب عليها القانون أو يكترث لها النظام العالمي. تشير التقارير الإحصائية إلى أن معدل وفيات الأمهات والأطفال دون سن الخامسة قد تضاعف، مع تقديرات بوفاة ما بين طفل كوفيات زائدة بسبب سوء التغذية والأمراض المرتبطة بنقص الأدوية وانهيار البنية التحتية لمعالجة المياه والصرف الصحي.

إن هذا الإخضاع الجسدي للسكان والتحكم بمصادر حياتهم اليومية هو تجلٍ واضح للسياسة الحيوية للقمعية؛ حيث مارست القوى الدولية إبادة جماعية بينما استغل النظام الحاكم في الداخل هذه المعاناة لإحكام قبضته الأمنية والزبائنية على المجتمع وتوزيع المكاسب على فئة ضيقة. وبهذا، اكتمل تشكيل الشق الأول من المعادلة الخطيرة. 

هندسة الاحتلال ونشوء "دولة اللاعقاب" ودولة الظل

تعاد صياغة المعادلة الخطيرة وتدخل مرحلتها الأكثر تدميراً وعبثية عندما يقع البلد تحت نير الاحتلال الأجنبي المباشر، لم يكن الغزو بقيادة الولايات المتحدة دول التحالف مجرد عملية عسكرية لتغيير نظام سياسي دكتاتوري، بل كانت هندسة قسرية لإعادة صياغة الدولة والمجتمع وفق توصيات استعمارية واضحة، مبنية على افتراضات ليبرالية متغطرسة ومفاهيم استشراقية.

بقيادة بول بريمر قامت سلطة الاحتلال بخلق فراغ، هذا الفراغ لم يُترك طويلاً، بل سارعت شبكات المحسوبية والأحزاب العائدة من المنفى لملئه، مما أدى إلى تأسيس نظام جديد هش ومضطرب.

يصف الخبراء والباحثون، أمثال توبي دودج وتشالز تريب،هذا النظام انتج دولة اللاعقاب نتيجة خرافات تأسيسية؛ الأولى هي أسطورة التحرير وإدخال الديمقراطية الليبرالية، والثانية هي النظرة الإثنو-طائفية للمجتمع العراقي، والتي أسفرت عن إرساء نظام المحاصصة الطائفية غير الرسمي ولكنه المطبق بصرامة بالغة.

هذا النظام لم يكن سوى آلية مؤسسية لتوزيع الغنائم والريع الاقتصادي بين فصائل النخبة السياسية المعينة حديثاً، والتي كانت في غالبيتها العظمى تتكون من " التحالف الريعي العنفي "؛ أي الشخصيات الانتهازية التي تعتمد في شرعيتها على ولاءات دون-وطنية (طائفية، عرقية، عشائرية) أو ارتباطات استخباراتية خارجية، وليس على مشاريع وطنية ديمقراطية أو قواعد إنتاجية صلبة. لقد سمح نظام المحاصصة للنخبة السياسية بتجريد أصول الدولة الى اصول واستغلال مؤسساتها لتحقيق مكاسب شخصية وتمويل الأحزاب التي يمثلونها، مما رسخ سياسة الإفلات التام من العقاب. 

الكومبرادور الرث وتكريس التبعية ضمن الدولة الريعية

لفهم طبيعة هذه النخبة الحاكمة التي تولت السلطة بعد الاحتلال، يقدم المفكر الاقتصادي الماركسي سمير أمين إطاراً تحليلياً ثاقباً عبر مفهومه للبرجوازية "الكومبرادورية"، في القاموس السياسي الاقتصادي لسمير أمين (الكومبرادور)، هم الوكلاء المحليون للمصالح الاستعمارية والرأسمالية العالمية وظيفتهم الأساسية هي ضمان استمرار "التبادل اللامتكافئ والتبعية العضوية لبلدانهم ضمن النظام العالمي الرأسمالي". عندما يتولى هؤلاء السلطة بتوصية استعمارية بعد الاحتلال، فإنهم لا يسعون، بحكم تكوينهم ووظيفتهم الطبقية، لبناء دولة انتاجية تحقق التنمية المتمركزة حول الذات بل يعملون بجد على تعزيز اقتصاد الاستهلاك وإجهاض أي محاولة لفك الارتباط. فيما بعد 2003، تحولت الدولة إلى أكبر مستورد للسلع الاستهلاكية في المنطقة، وتم التدمير الممنهج لما تبقى من القطاعين الصناعي والزراعي. وأصبح الاقتصاد يعتمد بشكل مرعب على الريع؛ حيث يمثل قطاع النفط حوالي 99% من عائدات التصدير، ويوفر أكثر من 90% من إيرادات الحكومة، بينما يساهم بحوالي 58% إلى 65% من الناتج المحلي الإجمالي.

أدى هذا الهيكل الاقتصادي المشوه إلى إنتاج طبقة وسطى جديدة، ولكنها "مصطنعة" وزبائنية؛ طبقة من الموظفين الحكوميين الذين ارتفع عددهم من 850 ألف موظف في عام 2004 إلى ما بين 7 و 9 ملايين موظف في السنوات اللاحقة، يعتمدون كلياً على الرواتب التي تدفعها الدولة الريعية من عائدات النفط المتقلبة. هؤلاء ليسوا طبقة وسطى مستقلة وفاعلة،بل هم مجرد أرقام في آلة زبائنية عملاقة مجرد وكلاء خدمات بالولاء السياسي لأمراء الطوائف والكتل السياسية.

هنا يعود الشعب مرة أخرى ليكون مجرد "مستهلك"؛ مستهلك للسلع الأجنبية المستوردة، ومستهلك للريع الذي توزعه السلطة الكومبرادورية عبر شبكات المحسوبية للحفاظ على ولائه ومنع تمرده. وفي دولة ريعية تعتمد على جباية الضرائب من مواطنيها، تنتفي الحاجة إلى تعزيز المشاركة الديمقراطية الحقيقية أو بناء مؤسسات مساءلة فاعلة، مما يجعل الديمقراطية مجرد واجهة إجرائية لشرعنة حكم الأوليغارشية. 

الكماشة الإمبريالية-الكومبرادورية

يفرز هذا السياق المزدوج ما يمكن وصفه بدقة بـ دولة الاضطهاد المزدوج يتجسد هذا الاضطهاد في مسارين متوازيين يتغذيان على بعضهما البعض، ويطبقان على أنفاس المجتمع كالكماشة:

الاضطهاد الخارجي الاستعماري متمثلاً في السياسات الإمبريالية التي بدأت بالحصار الشامل وانتهت بالاحتلال العسكري المباشر والاندماج القسري في النظام الرأسمالي العالمي كطرف خاسر، وظيفته فقط تصدير الطاقة واستيراد المنتجات الاستهلاكية. وهذا يمثل سيطرة خارجية صارمة تحرم الأمة من استقلالها الاقتصادي وقرارها السياسي، وتخضعها لعقوبات وشروط مؤسسات التمويل الدولية.

الاضطهاد الداخلي النيوباتريمونيالي

متمثلاً في النخبة السياسية التي وظفت "توصيات الاحتلال" والمحاصصة لتنصيب نفسها كمحتكر حصري للسلطة والثروة. تعتمد هذه النخبة على أشكال مركبة من القمع الخشن والترهيب، السيطرة على الفضاء العام، وقمع زبائني ناعم للابتزاز الوظيفي، والحرمان من الخدمات. هذا الاضطهاد يفرغ المواطنة من محتواها، ويجبر المواطن على التخلي عن إرادته السياسية الحرة مقابل الحصول على وظيفة حكومية مفرغة من أي معنى إنتاجي حقيقي.

هذه هي ذروة الازدواجية المؤسسية التي تجعل المواطن مضطهداً، من قبل سطوة التدخلات الخارجية ومن قبل ممثلي الطوائف والفصائل المحليين الذين يزعمون حمايته في حين أنهم هم من يسلبونه كرامته ومستقبل أجياله. 

تفكيك العقدة وضرورة "فك الارتباط" للتحرر

إن الاستنتاج الأهم من هذه القراءة الفلسفية هو أن استمرار سيطرة تحالف " التحالف الريعي-العنفي " وإبقاء الشعب في خانة "المستهلك" المستلب لا يمكن كسره من داخل المنظومة ذاتها عبر آليات الإصلاح الليبرالي التقليدية. فالمنظومة تمتلك قدرة هائلة على استيعاب وإجهاض أي حركة احتجاجية نقابية أو مدنية.

يؤكد التحليل الاقتصادي السياسي الماركسي، كما صاغه سمير أمين، أن المخرج التاريخي والوجودي الوحيد لدول الأطراف يتمثل في استراتيجية فك الارتباط،يوجب التوضيح بعناية أن فك الارتباط هنا لا يعني العزلة التامة، بل يعني جذرياً رفض الخضوع "اللاعقلاني" القاهر للنظام الرأسمالي العالمي، والذي يفرض على الدول البقاء كمجرد دول ريعية مصدرة للنفط الخام وسوق استهلاكية للمركز.

يتطلب فك الارتباط عملية سياسية ثورية لبناء "قانون قيمة وطني" يعطي الأولوية المطلقة لـ "التنمية المتمركزة حول الذات". يشمل ذلك تحقيق السيادة الغذائية، إحياء الصناعة الوطنية، وتوفير فرص عمل إنتاجية حقيقية بعيداً عن وهم التوظيف الزبائني الحكومي الذي يستنزف ميزانية الأجيال القادمة. وهذا المشروع لا يمكن أن يتحقق إلا باستبدال طبقة "الكومبرادور" التابعة، و نهوض قوى اجتماعية تقدمية تؤمن بمركزية الإنتاج المادي والفكري، وترفض الرضوخ لشروط الإمبريالية والتوزيع المحاصصي. ان القراءة الفلسفية للتحول في هذا السياق المشوه لا يمكن أن يكون مجرد تنظير استشراقي لليبرالية الديمقراطية أو تكراراً أعمى لنظريات التحديث بل يجب أن يتأسس على "فلسفة الممارسة" الجريئة تكشف كيف يتم توظيف الديمقراطية الإجرائية كغطاء كاشف ومؤسساتي لاقتصاد النهب وغسيل الأموال. لا فكاك من هذه المعادلة الخطيرة إلا عبر تفكيك دولة الطوائف والريع من جذورها، والعمل الجذري على "فك الارتباط" الاستراتيجي مع أنساق التبعية الاقتصادية والسياسية، وصولاً إلى تأسيس عقد اجتماعي جديد. عقد يعيد للشعب دوره كمنتج أصيل وحر لوجوده المادي والتاريخي، ويرفض بقاءه مجرد "مستهلك" مستلب في بورصة الوكلاء وباعة الأوهام والقديم.

***

غالب المسعودي 

 

(مُقاربة فلسفيّة جديدة لمنهجيّة القراءة على القراءة)

كيف تتولد المعرفة من المعرفة؟

تحدّثنا في الحلقة السابقة عن نظريّة المعرفة بين التراكم والتوليد، وقدمناها في هذا الإطار كقراءة أبستمولوجية مقارنة في ضوء انتقال العقل من التراكم، وهو التصور التقليدي إلى التصور التوليدي؛ بمعنى أن المعرفة السابقة لا تبقى مجرد مادة محفوظة أو مُضافة إلى رصيد سابق، وإنما تدخل في علاقة جديدة ينتج عنها فائض معرفي، أي ينتج عنها قيمة مُضافة تتمثل في معرفة لم تكن موجودة في المعارف الداخلة في عميلة التوليد بصورتها السابقة. ولهذا كان حديثنا منصباً منذ البداية على توظيف منهجيّة "القراءة على القراءة"؛ إذ القراءة الثانية ليست تكراراً للقراءة الأولى، وإنما هي فعل على المعرفة السابقة يثمر ولادة معرفة أخرى.

ولكننا هنا ننقل مركز الثقل إلى سؤال آخر أكثر عمقاً: كيف تتولد المعرفة من المعرفة؟ وهذا التحول ليس مجرد تعديل في موضوع البحث، بل هو إعادة تعريف لطبيعة الفعل المعرفي ذاته؛ فالمعرفة لم تعد مادة تُجمع، وإنما أصبحت قوة منتجة تمتلك القدرة على تجاوز نفسها باستمرار. من حيث إنّ القيمة الفلسفية للتوليد المعرفي الناتج عن فاعلية القراءة على القراءة لا تكمن في تفضيله "التوليد" على "التراكم" وكفى، وإنما في أنه يُعلن بصورة ضمنية القطيعة مع نموذج معرفي تقليدي ظل مهيمناً قروناً طويلة، وهو النموذج الذي يقيس ثراء العقل بمقدار ما يحتويه من معلومات.

لم تعد المعلومات وحدها كافية لعملية التوليد، وإنما معيار القيمة يتحول إلى قدرة العقل على إنتاج معنى جديد من خلال تنوع القراءات التي يستطيع التفاعل معها، وليس إعادة تنظيم ما يمتلكه من معارف فقط، لا بل وإعادة تخليق لهذه المعارف أيضاً.

غير أننا قبل الوصول إلى هذه النقطة، يهمنا أن نبدأ أولاً بالإجابة عن الأسئلة التي شكلت اعتراضات سبقت، ذكرناها في الحلقة السابقة إزاء الطرح المتقدّم، وقد أجملناها في تساؤلات ثلاثة، وكنا قد أرجئنا الحديث عنها الى هذه الحلقة.

وهذه التساؤلات الثلاثة هي في الحقيقة ليست على درجة واحدة من القوة، بل إن بينها تفاوتاً فلسفياً مهماً. وأظن أن الرد الجيد عليها لا ينبغي أن يكون دفاعًا انفعاليّاً عن طرحنا لنظرية المعرفة التوليديّة، وإنما الرد ينبغي أن يستثمر الاعتراضات نفسها في إظهار البنية الفلسفية والمعرفية الكامنة فيه.

ولنبدأ بملاحظة أوليّة منهجيّة: قولنا في السابق إنّ هذه الاعتراضات "مردود عليها". صحيح من حيث المبدأ، لكن قوة الرد لن تأتي من مجرد القول إن لها أجوبة، وإنما من بيان أن الاعتراضات تكشف انتقال الفكرة من مجرد فكرة عن القراءة إلى محاولة تأسيس نظرية في كيفية إنتاج المعرفة. وهذا، في تقديري، هو الموضع الذي ينبغي أن يبدأ منه الرد.

أولًا: اعتراض غياب التعريف الدقيق للتوليد:

هذا الاعتراض؛ وإنْ كان مردوداً عليه كما تقدّم، غير أنه يبدو لأول وهلة أقوى الاعتراضات، لكنه في الحقيقة يحتاج إلى شيء من التحليل. ذلك أن المفهوم الجديد لا يُعرَّف دائمًا تعريفًا حدّياً قبل أن تتضح بنيته من خلال السياق الذي وُلد فيه؛ فمفهوم "التوليد" هنا لا يُراد به شيئاً من المناهج العلميّة المعروفة، والخاصّة بنظرية المعرفة في التصور التقليدي: لا يُراد به مجرد الإبداع، ولا الاستنباط، ولا الاستقراء، ولا الاكتشاف، ولا التأويل، ولا شيء من تلك المناهج مجتمعة أو متفرقة؛ لأن كل واحد من هذه المفاهيم يصف صورة مخصوصة من صور الفعل المعرفي، بينما التوليد يصف شيئًا آخر: يصف انتقال العقل من معرفة قائمة إلى معرفة لم تكن قائمة فيها على نحو مباشر، وإنْ كانت تلك المعرفة الجديدة قد نشأت منها أو بواسطة إعادة النظر فيها وتكرار الاشتغال عليها. فأنا لا أستنبط وأتوقف، ولا أستقرأ وأتوقف، ولا أستكشف وأتوقف، ولا أؤول وأتوقف، ولكني أزيد على ذلك كله بالتوليد الذي يعطيني ما لم يكن موجوداً عندي من ذي قبل، في السابق. وها هنا تظهر أهميّة التمييز بين مصدر المعرفة وكيفية حدوث المعرفة؛ فقد تكون المادة التي يتولد منها الجديد معرفةً سابقة، لكن الجديد لا يكون موجودًا فيها بوصفه معلومة مخزونة تنتظر استخراجها.

إنّما يكون موجودًا فيها بوصفه إمكانًا معرفيّاً لا يتحقق إلا بفعل عقلي جديد: بالفاعليّة العقليّة. ولذلك؛ فالتوليد ليس مجرد إخراج المكنون من المخزون؛ لأن هذا التعبير يُوحي بأن المعرفة الجديدة كانت موجودة بالفعل داخل المعرفة القديمة، وإنّما هو تحويل لعلاقات متشابكة من المعارف السابقة بحيث ينشأ منها معنى أو حكم أو تصور أو نسق لم يكن متحققًا في السابق قبل هذا التحويل. وتلك هى فلسفة التوليد التي تختلف فيما نرى عن التراكم؛ إذ التراكم يضيف معرفة إلى معرفة. أمّا التوليد؛ فيغيّر العلاقة بين المعارف بحيث تنتج العلاقة معرفةً جديدة، وربما يغير الحقل المعرفي نفسه.

خذ مثلاً على ذلك: كان "هيجل" يجعل حركة المفهوم والتناقض الداخلي جزءً من حركة الوعي والتاريخ، ثم جاء "ماركس" فلم يكتف برفض هيجل بل قلب العلاقة بين الفكر المثالي والواقع الاجتماعي والاقتصادي. لكن القراءة التوليدية لا تقول هنا: هيجل مثالي وماركس مادي. بل تسأل: ماذا يحدث للجدل الهيجليّ إذا نُقل من حركة المفهوم إلى حركة العلاقات المادية والاجتماعية؟ إذ ذاك يظهر شئ جديد، فنحن لا نأخذ "الجدل" من هيجل ونضعه عند "ماركس" فحسب، وإنما نغير الحقل المعرفي الذي يعمل فيه الجدل. ويمكن من ثم أن يولد مفهوم النقد بوصفه كشفاً للتناقضات الداخلية في الواقع الاجتماعي لا مجرد وصف له، وهذا هو المقصود بتغيير الحقل المعرفي، وبنقل المفهوم من سياقه الأول إلى سياق جديد. 

على ذلك؛ يمكن أن نصل إلى تعريف أكثر إحكاماً لمفهوم التوليد المعرفي من حيث إنه فعل عقلي يعيد تنظيم معارف سابقة، وتغيير حقول معرفية، من خلال التأمل الفاعل في علاقاتها وإمكاناتها، بحيث ينشأ عنها معنى أو حكم أو تصور أو نسق معرفي جديد لا يساوي أيّاً من عناصرها السابقة منفرداً. وبهذا التعريف يصبح الفرق واضحاً نسبياً بين التوليد، والاستنباط، والاستقراء، والتأويل، والإبداع: المناهج التي تقدّم ذكرها؛ فالاستنباط يتحرك داخل لزوم منطقي بين مقدمات ونتيجة؛ والاستقراء ينتقل من جزئيات إلى تعميم؛ والتأويل يكشف معنى أو يعيد بناءه داخل بنية دلاليّة؛ والاكتشاف يكشف ما كان موجوداً في الواقع أو في بنية الموضوع؛ والإبداع أوسع من مجرد المعرفة، لأنه قد يكون فنياً أو لغوياً أو تخييلياً أو ما شئت أن تضيف. أما التوليد المعرفي فهو وصف للكيفية التي يستطيع بها العقل أن يجعل المعرفة السابقة مولِّدة لمعرفة لاحقة بواسطة فاعليّة القراءة على القراءة. وهنا تحديدًا تصبح عبارة " توليد المعرفة عن المعرفة" أكثر عمقاً من مجرد التراكم؛ لأن المعرفة الأولى تتحول من موضوع للامتلاك إلى مادة للفعل العقلي.

ثانياً: اعتراض يتعلق بالتأمل الفاعل:

إذا كان الاعتراض الأول كان يدور حول أن مفهوم "التوليد" يحتاج إلى بناء اصطلاحي صارم يحدد شروطه وآلياته. فهل كل استنتاج يعد توليداً؟ وهل كل تركيب بين فكرتين إنتاج لمعرفة جديدة؟ وما الحد الفاصل بين التوليد والإبداع والتأويل؟ وقد أجبنا في السابق على هذا كله، فإن هذا الاعتراض الثاني، في رأيي، أهم فلسفيّاً من الاعتراض الأول؛ لأنه يضع يده على المحرك الداخلي لنظرية المعرفة التوليدية؛ فإذا قلنا إنّ المعرفة الجديدة تولد من المعرفة السابقة بواسطة "التأمل الفاعل"، فإنّ السؤال المشروع هو: ما الذي يفعله العقل تحديداً؟ وأظن أن الخطأ سيكون في محاولة حصر هذا التأمل في وظيفة واحدة: أهو منطق؟ أم حدس؟ أم تأويل؟ أم تركيب جدلي؟

لأن التوليد المعرفي، كما يبدو من بنيته ودلالاته، ليس آلية واحدة، وإنما فعل مركب يمكن أن تستعمل فيه هذه الآليات بحسب طبيعة المعرفة المُنتجة؛ فقد يكون منطقياً في موضع، وتأويلياً في موضع آخر، وتركيبياً في موضع ثالث، وقد يتدخل الحدس في لحظة انكشاف العلاقة التي لم تكن ظاهرة من قبل. لكن هناك شيئاً مشتركاً بينها جميعاً: أن العقل لا يكتفي باستقبال المعرفة، بل يعيد تشغيلها وتجديد العمل عليها.

ونلاحظ أن مصطلح "التأمل الفاعل" الذي يُساق الاعتراض عليه هنا، يمكن أن يصبح واحداً من أقوى مفاهيم نظريّة المعرفة التوليديّة إذا أعيد بناؤه فلسفيّاً؛ فالتأمل ليس مجرد نظر عقلي هادئ في المعلومات، و"الفاعل" ليست صفة زائدة؛ بل المقصود أن العقل ينتقل من سؤال: ماذا أعرف؟ إلى سؤال آخر أكثر إنتاجاً: ماذا يمكن أن أفعل بما أعرف؟ فالتأمل مشروط بالفاعلية هنا، وكذلك المعرفة التي ستقوم عليه في مستقبل الأيام هي كذلك معرفة مشروطة بالفاعليّة العقليّة، إذ تحدث نتيجة لفاعلية العقل مع ما ينشأ من علاقات بين المعارف، وهذه النقلة هي التي تفصل بين القارئ التراكمي والقارئ التوليدي. مع العلم أننا لا نجعل التراكم في مقابل التوليد مقابلة حديّة، ولكن العلاقة بينهما علاقة شرط وغاية؛ فالتراكم هو المادة الخام، والتوليد هو الصورة الجديدة التي يعيد العقل تشكيلها. ولا يمكن للفعل التوليدي أن يعمل في الفراغ، كما لا يستطيع النحات أن يصنع تمثالاً بلا حجر.

عمل القارئ التراكمي كما تقدم هو: أن يضيف النص إلى النص، والمعلومة إلى المعلومة، والمفهوم إلى المفهوم. أمّا عمل القارئ التوليدي؛ فيدخل إلى المعرفة السابقة بوصفها مجالاً لإمكانات لم تُستثمر بعد. إنه لا يسأل فقط: ماذا قال هذا المفكر أو ذاك؟ بل يسأل: ماذا يمكن أن ينتج من وضع هذا القول في مواجهة قول آخر؟ وما الذي يظهر إذا نقلنا المفهوم من سياقه الأول إلى سياق جديد؟ وما العلاقة التي يمكن اكتشافها بين معرفتين لم تُقرأ من قبل إحداهما من خلال الأخرى؟ وهنا يصبح "التأمل الفاعل" ليس مجرد تأمل، وإنما إعادة تشغيل معرفي من أجل الحصول على معرفة جديدة، وليس ثمّة وقوف!

ثالثًا: الاعتراض المتعلق بالشاهد التاريخي:

هذا الاعتراض الثالث اعتراض وجيه، وسوف نذكره عرضاً دون التوغل فيه، لكن يجب الحذر من صياغته على أنه "برهان" بالمعنى الصارم؛ فحين نقول إن نيوتن أو أينشتاين أو الشافعي أو ابن خلدون يمثلون أمثلة على التوليد المعرفي، فإننا لا نبرهن بذلك وحده على أن نظريّة التوليد صحيحة؛ لأن المثال التاريخي لا يؤسس المبدأ الفلسفي تأسيساً استنباطيّاً. ولكنه يؤدي وظيفة أخرى بالغة الأهمية وهي أن يُظهر أن المفهوم ليس مجرد بناء ذهني منفصل عن تاريخ المعرفة.

والأقوى من ذلك؛ أن اختيار المثال يجب ألا يكون اعتباطياً؛ فمثلًا، إذا أخذنا نيوتن، فلا ينبغي أن نقول ببساطة إنه قرأ معارف سابقة ثم "أبدع" نظرية الجاذبية. الأهم هو أن ننظر إلى الكيفية التي أمكن بها أن تُعاد صياغة مسائل الحركة والأرض والسماء والعلاقة بين القوة والحركة داخل نسق واحد. ها هنا لا تكمن العبقرية في كمية المعلومات وحدها، وإنما في إنتاج علاقة جديدة بين معارف كانت موزعة في سياقات مختلفة، وهو معنى التوليد المعرفي حقيقة.

والأمر نفسه أوضح في نموذج ابن خلدون؛ فقوة فلسفته لا تتمثل في أنه كان أول من عرف التاريخ أو العمران أو السياسة أو الاجتماع، وإنما في أنه أعاد ترتيب هذه المعارف داخل مفهوم مركزي هو العمران، ثم جعل الظواهر التاريخية قابلة للفهم من خلال علاقات وقوانين تتجاوز مجرد سرد الوقائع. لكن المثال الأكثر ملاءمة لنظريّة المعرفة التوليديّة، في ظني، قد يكون الشافعي إذا كان المراد بيان التوليد داخل المعرفة الإسلامية؛ لأن المسألة هنا تصبح أكثر قُرباً من فكرتنا: معارف قرآنية وحديثية ولغوية وفقهيّة كانت موجودة، لكن إعادة النظر في العلاقات بينها وفي شروط الاستدلال منها أنتجت بناءً أصولياً جديداً.

وهنا تظهر المسألة في صورتها العميقة؛ إذ المعرفة الجديدة لا يشترط أن تأتي من مادة جديدة وكفى؛ بل قد تأتي من طريقة جديدة في رؤية المادة القديمة. وإذا كانت هذه بحق هي الجملة التي ينبغي أن تكون في قلب المعرفة التوليدية؛ فإن ثغرة فلسفية حقيقية قد تظهر؛ إذ الثغرة ليست أن النظريّة لم تقدّم أمثلة كافية، ولا أنها لم تعرف "التوليد" بعد تعريفًاً قاموسيّاّ نهائياً. الثغرة تكمن في السؤال التالي: كيف نعرف أن ما يسميه الباحث "معرفة مولَّدة" هو بالفعل معرفة جديدة، وليس مجرد إعادة صياغة لمعرفة سابقة؟ هذه هي العقدة. فإذا قرأ شخص كتابين، ثم جمع بين فكرتين منهما، وقال: لقد أنتجتُ معرفة ثالثة، فمتى يكون هذا توليدًا حقيقيًا ومتى يكون مجرد تركيب أو تلخيص أو إعادة صياغة؟

هنالك نكون بحاجة إلى معيار للجدّة المعرفيّة. ولا يكفي أن تكون النتيجة جديدة بالنسبة إلى القارئ؛ لأن كل شخص يستطيع أن يكتشف علاقة لم ينتبه إليها من قبل. المطلوب أن تكون هناك زيادة معرفيّة يمكن الدفاع عنها مثل: مفهوم جديد، علاقة تفسيرية جديدة، مبدأ جديد، إمكان استدلالي جديد، أو قدرة تفسيرية لم تكن متاحة قبل إعادة التركيب. ثم إن القراءة التوليدية لا تستخرج من النص ما كان فيه فقط وإنما تستنطق ما يمكن أن يصبح فيه عندما يدخل في علاقة معرفية جديدة. فابن رشد مثلاً لم يكن يقول هذا ما قاله أرسطو بل جعل أرسطو يظهر بصورة أخرى هي صورة ابن رشد نفسه، ولذلك سمى الشارح الأكبر، لأن القارئ التوليدي ليس فيلسوفاً يقرأ فيلسوف آخر ويؤثر فيه وإنما فيلسوف يجعل نصاً قديماً يجيب عن سؤال لم يكن مطروحاً في زمنه.

وقد تولد المعرفة من قراءة غير مباشرة فلو أننا قرأنا نيتشه وهو يتحدث عن الرغبات والقوي والدوافع التي تقف خلف الوعي الأخلاقي والعقلاني، وقرأنا فرويد وهو يتحدث من مجال التحليل النفسي، لو قرأنا نيتشه من خلال فرويد أو فرويد من خلال نيتشه لظهر لنا هذا التساؤل: هل الوعي الذي يظن أنه يملك نفسه هو في الحقيقة سطح لبينة عميقة من الدوافع والرغبات؟ لكن هذه المسألة ليست فكرة نيتشه ولا فكرة فرويد. إنها تظهر بشدة عندما تضع معرفتين من حقلين مختلفين في علاقة تفسيرية جديدة.  

وبذلك يصبح التحدي الحقيقي أمام "أبستمولوجيا المعرفة التوليديّة" ليس أن تقول: المعرفة تولِّد معرفة؛ فهذه عبارة يمكن أن تبدو صحيحة بالبداهة حدسياً. وإنما أن تجيب عن السؤال الأصعب: بأي معنى تكون المعرفة الثانية جديدة حقًاً، وكيف يمكن التحقق من أن الانتقال من المعرفة الأولى إلى الثانية كان توليداً ولم يكن تراكماً ولا مجرد إعادة ترتيب؟

إذا أستطاعنا أن نجيب عن هذا السؤال، فإنّ إجابتنا تنتقل بالفعل من استعارة فلسفيّة جميلة إلى نظرية معرفيّة لها جهاز مفهومي قابل للفحص والإعادة والتدوير.

وأظن أن هذا هو المدخل الأقوى لهذه الحلقة التي اقترحنا لها عنوان "كيف تتولد المعرفة عن المعرفة؟"؛ لأن هذه الحلقة لا ينبغي أن تبدأ بتعريف لفظ "التوليد" فحسب، بل ينبغي أن تكشف الآليّة التي تجعل المعرفة السابقة مادةً لإنتاج معرفة لاحقة، ثم تضع معياراً يميز التوليد الحقيقي من مجرد الجمع والتركيب وإعادة الصياغة.

تحديدًا يمكن هنا أن تصبح "القراءة على القراءة" أكثر من منهج للقراءة فقط؛ يمكن أن تتحول إلى نظرية في فائض المعرفة: كما أن رأس المال لا يتحدد بما يملكه من قيمة ساكنة، وإنما بقدرته على أن يدخل في حركة تنتج قيمة زائدة، كذلك المعرفة لا تُقاس فقط بمقدار ما راكمه العقل، وإنما بقدرته على إدخال ما راكمه في حركة فكريّة تنتج فائضاً معرفيّاً. وهذه هي النقلة الفلسفية الحقيقية لنظرية المعرفة التوليديّة: من اقتصاد امتلاك المعرفة إلى دينامية إنتاج المعرفة من المعرفة. إن أهم ما يميز هذا الطرح أنه لا يناقش القراءة بوصفها استقبالاً للنصوص، وإنما يعيد تعريفها بوصفها إنتاجاً للنصوص الكامنة داخل النصوص. فالقارئ الحقيقي، وفق هذا التصور، ليس من يضيف كتاباً إلى مكتبته، وإنما من يجعل كل كتاب يلد كتاباً آخر في عقله.

معيار صدق المعرفة المولدة:

وهنا تبلغ نظريّة المعرفة التوليدية ذروة أصالتها؛ إذ تنتقل بالمعرفة من كونها "مخزوناً" إلى كونها "رأس مال معرفياً" لا يحقق قيمته إلا إذا استثمر نفسه في إنتاج معرفة جديدة. وبهذا المعنى يصبح العقل أشبه بكائن حي؛ كلما نما ازداد قدرة على توليد الحياة الفكرية، لا مجرد الاحتفاظ بآثارها.

معيار صدق المعرفة المولدة يتأتى من قوة الذات العارفة وأصالتها على التحقيق، لأن المعرفة حينئذ لا تكتفي بإنتاج أفكاراً جديدة فقط، بل تعيد تشكيل الذات العارفة نفسها. ومن خلال نموها بالتفاعل الداخلي بين المعارف. وسوف ننتقل في القادم من المعرفة التوليدية إلى العرفان. هل يصح التوليد المعرفي في مجال العرفان؟

(وللحديث بقيّة)

***

د. مجدي إبراهيم – أستاذ فلسفة

 

الضرورة الوجودية للايمان

يعمل الايمان كدرع معرفي يحمي الذهن من صعوبة التنبؤ في عالمنا. هناك حاجة الى معنى روحي يربطنا بالوجود ذاته، ويمنعنا من الاستسلام لليأس. البشر هم كائنات حية صانعة للمعنى، مُبرمجون عاطفيا لبناء نظام من لا نظام كوني.

التوازي البيولوجي

مثلما جسم الانسان غير قادر فسيلوجيا على الاستمرار في فراغ فيزيائي لا يتوفر فيه الاوكسجين والتغذية البيولوجية الأساسية، كذلك النفس البشرية وبنفس المقدار غير قادرة على العمل ضمن فراغ وجودي مجرد من الهدف والمعنى. الحياة المادية تعتمد على استهلاك مستمر للعناصر الغذائية للوقاية من الفشل العضوي، بالضبط وبنفس الطريقة، قدراتنا المعرفية والعاطفية تتطلب اطارا سرديا شاملا للحفاظ على التوازن الداخلي.

عندما تغيب هذه الركائز النفسية الضرورية، او عندما تكون غير مكتملة التكوين، او محطمة فجأة بسبب صدمات الحياة، فان العقل سيعاني من انهيار مدمر. عدم الاستقرار الداخلي هذا يتجسد ليس فقط كشك عابر، وانما كحالة تتسم بارتباك معرفي حاد ومقلق ومُنهك وشعور طاغ بالفراغ. وبالنتيجة، فان متابعة هدف تأسيسي او خالق ديني هو أبعد بكثير من ترف فكري او تفضيل عابر، انه آلية حيوية للحفاظ  السايكولوجي الذاتي. يعتمد الكائن البشري على مبدأ منظّم لفهم المعاناة، والأخلاق، والوعي، معطيا الأولوية لهذه الحاجة الى درجة انه سوف يتمسك باطار تفسيري حتى لو كان يتعارض بشكل مباشر مع المنطق الموضوعي والتجريبي.

في الجوهر، نحن كائنات صانعة للمعنى، مبرمجة بيولوجيا وعاطفيا لخلق النظام من الفوضى الكونية. حين نجرد الذهن البشري من هذا البناء الموحد يعني تعريضه لحالة لا تُطاق من الفوضى الداخلية، وهو ما يُظهر ان الحاجة الى قوة عليا او هدف كوني هي ضرورة وجودية لا غنى عنها.

الدفاع المعرفي: كيف يحمي العقل النظام الإلهي

ما يجعل هذا الدافع النفسي استثنائيا جدا هو مناعته المذهلة تجاه الحقائق الباردة للعالم المادي. الناس وبشكل روتيني يبنون ويحافظون ويدافعون بقسوة عن الأنظمة الايديولوجية والثيولوجية المعقدة في غياب كلي للتوثيق والدليل التجريبي. نحن نتمسك باصرار بالوعود الواردة في الكتب المقدسة وبالتدخلات الإلهية وبالادّعاءات الخارقة للطبيعة حتى عندما لا تقدم الحقائق الملموسة من حولنا أي برهان. التجربة البشرية تتعرض على أساس يومي  لسلسلة من المآسي المروعة وأمراض الأطفال وكوارث طبيعية مدمرة بالإضافة لأحداث بشرية قاسية منتشرة على نطاق واسع لدرجة تتحدى بشكل صارخ وجود كائن محب كلي القدرة.

مع ذلك، يُظهر الذهن البشري مقاومة دفاعية شرسة للاستنتاج المنطقي القائل بان الخالق قد يكون غير مبال او عاجز بنيويا. لكي يواجه الفرد ويقبل عالما محكوما بعشوائية كلية – او ما هو أسوأ من ذلك – العجز الإلهي المطلق – ذلك يعني التخلي عن الدرع المعرفي الأساسي الذي يُبقي الرعب الوجودي بعيدا . بدلا من التخلي عن الصورة المطمئنة للمهندس المعماري الخيّر، يبذل العقل جهودا جبارة معتمدا على تبريرات معقدة، وتجزئة الأمور الى أجزاء منفصلة وإعادة صياغة الادراك وذلك لحماية ايمانه بالنظام الإلهي من الحقائق القاسية المتعلقة بالمعاناة البشرية. فمثلا، نحن نرى هذا النمط بالذات من التبرير الانتقائي يتكرر بشكل روتيني في الثقافة الشعبية، كما في الرياضيين المحترفين. عندما تحقق شخصيات معينة انتصارا ذو أهمية بالغة، هم يسارعون لتوجيه الشكر الى السماء شاكرين الله علنا على منحهم هذه النعمة وبذلك، يتجاهلون بشكل عفوي المعنى الضمني الواضح بان الإله ذاته هو الذي اختار ان يلحق الهزيمة والإحباط للفريق المنافس. ان العيب الصارخ في هذا المنطق يُحجب تماما بلحظة واحدة من الامتنان الذي يخدم المصالح الشخصية، مما يوضح مدى سهولة تغلّب السرد المتمركز حول الذات على التفكير النقدي الأساسي.

هذا الميل نحو التشكيك عادة يبدأ مبكرا في الحياة. يذكر الكاتب جون تسيليمباريس John Tsilimparis المعالج النفسي والأستاذ المساعد في جامعة بييرداين عندما كان طفلا يتذكر بوضوح حين كان يشاهد فيلم جوان دارك Joan of Arc لعام 1948، بطولة انغريد بيرغمان. القصة تدور حول مهمة جوان الإلهية ليقود الجيش الفرنسي في معركة عنيفة ضد الانجليز اثناء حرب المائة عام . حتى في عمر الشباب، مفهوم الولاية الإلهية التي توجّه البشر الى ذبح إخوانهم البشر – كل واحد منهم خُلق وبشكل صريح بواسطة نفس الاله – يتم الشعور به وبعمق كونه مفهوم غير صحيح. لماذا خالق محب عظيم القدرة يتخذ مواقف متحيزة في صراعات بشرية محلية؟ المنطق الرياضي والأخلاقي يفشل في الدفاع.

يقول جون عندما أثار هذه الشكوك امام ابيه، حاول الاب توضيح القصة من منظور ديني. مع ذلك، هو بقي غير مقتنع ان قوة عظمى تفضل امة على أخرى، وهو ما تركه غير قادر على تبرير الفرضية. ويضيف الكاتب رجوعا الى الماضي، هو امتلك دائما عقلية تحليلية لا تعرف الكلل، ربما تكون أحيانا على حسابه. في نظر ابيه، ان طريقته في تحليل آليات القصة بدلا من فهم شغفها الروحي يكون قد أغفل جوهرها تماما.

الأهمية النفسية مقابل الحقيقة التجريبية

ان تقييم الايمان فقط من خلال التحقق من صحة الحقائق او الشك العلمي يفشل في استيعاب الديناميكية النفسية الحاسمة التي تلعب دورا هاما في هذا الصدد. من منظور سريري ووجودي، ما اذا كان الاله موجود حقا في حقيقة موضوعية هو أقل أهمية بكثير من الوظيفة الحيوية التي لاغنى عنها التي يؤديها هذا المفهوم داخل النفس البشرية. الايمان يعمل كإدراك ضروري ودرع عاطفي يحمي العقل من عدم القدرة على التنبؤ الصارخ والمخيف الذي يتسم به كوننا.

عندما يُواجه الافراد بخسارة مدمرة، صدمة شخصية، او معاناة واسعة، فان العقل الخالص والتحليل الموضوعي سيكشفان عن نواقصهما المتأصلة. الحقائق يمكن بسهولة ان توضح الميكانيكا المادية خلف المأساة، مع ذلك هي غير قادرة تماما على تلبية الحاجة الملحة والمؤلمة التي تشعر بها الروح لفهم معناها الأعمق. التماسك لا يقدم سوى تشخيص موضوعي ولا يوفر أي هدف حقيقي يدفع الى المثابرة. الايمان يدخل الى هذا الفراغ مقدما نموذجا سرديا متعاليا يحوّل الألم الخام الذي يفتقر الى المعنى الى شيء ذي مغزى، او مفيد، او يتم تعويضه في نهاية المطاف في اطار تصميم أكبر. ولأسباب واضحة، هذه النزعة الادراكية المزدوجة تنتج اما محصلات بنّاءة او تدميرية اعتمادا على كيفية تطبيقها. الانكار الصارم نادرا ما يخدم هدفا جميلا.

آلية التكيف الخاصة بالقدرة على التحمل

في التحليل النهائي، حاجة الانسان لنظام الهي تنتصر دائما وبانتظام على العقلانية الخالصة. الحاجة الملحّة للشعور بان حياتنا الفردية والصراعات الجمعية تتشابك لتشكل جزءا من تصميم اكبر تمثل واحدة من أقوى التكيفات السايكولوجية والتطورية التي تشكلت يوما ما ضمن جنسنا البشري. انه دافع داخلي قوي لدرجة انه ربما يكون أقوى حتى من الحب – لأنه بينما الحب يربطنا بأشخاص معينين، فان الحاجة الى المعنى الكوني تربطنا بالوجود ذاته، فتمنع الذات من الاستسلام لليأس.

الايمان اكثر من مجرد شعور سلبي، او أثر ثقافي او وهم مريح، انه يعمل كآلية نشطة لا غنى عنها لإستمرار الانسان. انه يولّد المرونة الداخلية الضرورية للبقاء وسط عواصف الحياة المدمرة، مانحا الكائن البشري القوة النفسية لجمع شتات حياته، وإعادة بناء هدف له من المأساة، والاستمرار بالحركة قدما نحو عالم غير مؤكد.

***

حاتم حميد محسن

.........................

Psychology today, Aug 5,2026

الهوامش

1- هاريس، S. (2004). نهاية الايمان: الدين، الرعب، ومستقبل العقل. W.w. Norton & company.

2- هيتشنز، C. (2001). رسائل من شاب متمرد. باسك بوكس.

3- دوكنز، R.(2006). وهم الإله. دار هوتون ميفلين هاركورت للنشر.

4- هاوكنك، S. (1988). تاريخ موجز للزمن: من الانفجار العظيم الى الثقوب السوداء. دار بانتام للنشر.

في تاريخ الإنسانية الرحب، لم يكن الفيلسوف قريناً لشيء مثل اقترانه بالمعنى. أي القدرة القصوى على اكتشاف دلالات الأشياء، وقراءة المعاني في الحياة. إن المعنى هو أصل الفلسفة لا إمكانية التأمل والتجريد. فالإنسان كائن يعيش داخل المعني ليس إلاّ. ومهما تعقدت انماط العيش، ستظهر الأشياء تبعاً لما تعنيه بالنسبة لنا. نحن نحب في إطار المعنى، ونحزن ارتباطاً بالمعنى، ونموت عبر المعنى. هنالك لا موت صائر إلى العدم دون سرديةٍ ما. ومن ثمَّ نحرص أنْ يكون صائراً إلى معنى أيا كان. ثمة "مسيرة ميتافيزيقية " نحتفظ بذاكرتها الحية داخل اعماقنا طوال الوقت. وفجأة على إثْرها تمثل الأشياء المادية مستوى مختلفاً من الوجود. لأننا ندرك المعاني في المواقف والاحداث كما ندرك الكائنات. ونحن نمارسها مع الأفعال التلقائية التي يتم انجازُها.

أجل الإنسان يحيا ويموت ضمن سرديات زاخرة بالمعاني. ويتطلع إلى ذلك وارثاً بعضَ جوانبها وناسجاً الجوانب الأخرى من مشاعره الحية. ولعلَّ مَنْ يعشْ في " ناطحات السحاب"، قد يأخذه "مشهدُ سربٍ من النمل" تتعثر خطاه بين التراب. ومخافة أنْ تدهسه أقدام الإنسان، يهرول متحسساً الأرض باحثاً له عن مخرج. والعالم في خلفيات الأديان والعقائد عالم ملئ بالدلالات والرموز والروحانيات. كما أننا نعيش ردحاً من الزمن مُقتفين آثار الأحداث والظواهر، لا لشيء إلاَّ لكونها تركت فينا معنى لا ينقطع. والزمن بهكذا عيش مشبعٌ بهذا "العائد الادخاري" طوال العمر. وتدريجياً تفقد الوقائع بريقها الوجودي وتستمر الظلال في لحمة الحياة من مرحلة إلى أخرى.

تجارب معنى

لم تأتِ الفلسفة إلينا كنوعٍ من صداقة الحكمة فقط، بل جاءت ملازمةً لدلالات القيم والحقيقة ومعرفة قوانين الأفعال والأشياء. ولذلك كانت الفلسفة تدريباً متواصلاً على العيش في زخم المعاني. الفيلسوف كائن حسّاس لاقط لتحولات المعاني واختلافاتها. كل الفلاسفة يشتركون في هذه السمة: المعنى مرجعية لا يمكن الحياد عنها دون أن تفقد شيئاً عظيماً. وكان السعي نحوه يجمع فلاسفة الطبيعة والحياة واللغة والتقنية والتاريخ والقيم والحضارة والثقافة جنباً إلى جنبٍ. في مجمل هذه الفضاءات، ثمة ما يبحث عنه الفلاسفة ألا وهو: ماذا تعني الأشياء لنا في أقصى وجودها احتمالاً؟!

المعنى في العربية أتٍ من المعاناه، شدة الاحتمال، صعوبة القصد، مكابدة الغايات. فلكي تفهم ما يدور حولك من عوالم، فأنت ستعاني تحولاتها الجذرية قريبةً كانت أم بعيدةً. بل وإلى الدرجة القصوى من وجودك، ستقف على حافة الحياة. وبمقدار ما يحتمل الانسان وجوداً، يستطيع أنْ يفهم دلالاته الخاصة. وفي العادة نحن لا نعرف المعاني على وجه الدقة، فهي ليست مجال معرفة ولا ميدان مشاهدة، بل هي مجال تجربة وحياة وتقلب ومخاص وفناء وبقاء وأحوال. عشْ قوة المعني أيا كان، عندئذ يمكنك أن تقول قولاً عميقاً، وباستطاعتك أن تفهم ما مغزى أن تحيا على الأصالة. المعاني ليست خارج التجارب المتداخلة معها إنسانياً، فهي عمق التجربة ذاتها. لأنَّ هناك انكشافاً متواصلاً لما تعني لك من أفعال وأحداث.

تراث الفلسفة هو تاريخ في تجارب المعنى التي عايشها الناس. لم يُرد الفيلسوف تنظير اً صرفاً بمعناه الفردي، ولكنه كان يتكلم بلسان حال الحياة. وهذا هو ما أعاد تفكيره إلى اصالة التجربة الحية من وقت إلى آخر. وهي التفاصيل التي تجعل حياتنا أثيراً مشتركاً مع كافة الكائنات. غير أ نَّ الإنسان متميز بتصفية "شوائب التجارب"، لتغدو أفقاً حُراً في اتجاه ذاته. وربما لا تشعر الكائنات الحية الأخرى بتنوع التجارب، لأنها منهمكة في حياة رتيبة تحكمها الغرائز والظروف الطبيعية، في حين نجد الإنسان واعياً بتباين وتعدد حيواته بقدر تعدد التجارب. لو أنَّ ثمة تعريفاً مقتضباً للانسان، لكان هو الكائن المتعدد الحيوات خلال حياته الواحدة.

السبب الرئيس أن احتمال العيش في الحياة هو نتيجة لثراء معناها الكامن فينا. لأن المعنى في الحياة ليس اعتباطاً، ولكنه يُنوّع جوانبها، يجعلها أكثر كثافةً وحضوراً. أنت يا صاح لا تعيش مرة واحدةً، ولو كان عمرك يوماً، بل مرات ومرات حتى الرمق الأخير. مشكلتك أنك تنظر من بعيد دون احتمال المعاني. سر الأسرار الذي يجعل المكان ليس هو المكان، والزمان ليس هو الزمان، والناس ليسوا هم الناس كما نعرفهم، هو سر المعاني لا أكثر ولا أقل. تتبدل الأشياء، وتجيء الاحداث وتذهب، غير أنها تترك أثراً غائراً فيما تشعر به. والمعنى الراسب - كما يقول جورج جادمر - أكثر قوة من الزائل في تشكيل عوالم البشر. كل معنى مختزل (أصيل) في الحياة يحتفظ بانسانية إنسان ما.

لم تكن الفلسفةُ موجهةً فقط إلى الطبيعة كما عُرفت في البدايات، إنما في احياء الفكر والإرادة والقوة داخل البشر. ولأن الإنسان يحتاج أُنساً مع الإشياء عوضاً عن الوحشة والغربة، كانت المشاعر وألفة المعاني بديلاً . فالمعاني تكون لصيقة الصلة بالانسان، حتى أنه لا ينفصل عنها ولا تنفصل عنه. إنه يبثها في عباراته ونظراته وابتساماته وأفعاله ونمط ملابسه وطرق عيشه. الانسان فلسفياً مشروع معنى وليس مشروع وجود كما أطلق عليه فلاسفة الوجودية. المعنى هو الماهية وهو الوجود معاً، وتظل ماهيته سائرة مع المعاني وتحولاتها الحرة.

تجارب المعنى تتجلى في الشعور بالسعادة، الفرح، الحب، الألم، الهشاشة، الضعف، القوة، الشغف، المرض، التواضع، الكآبة، التفاهة. وانطلاقاً من تجارب فردية كهذه ذهبنا إلى احتمال قوة العيش. فقد ظهرت أصالة الحياة فينا لا كظاهرة، بل كامتداد إنساني عاصف. كل فلسفات الحب والقوة والحياة والسلطة والطبيعة نشأت عن هذه الجذور.

أنْ تحيا بالمعنى

ربما الانسان العادي يعيش مع المعنى، يرى المعنى مباشراً في سلوك أو سلعة أو علاقة أو موقف. ولكنه لم يحيا بالمعنى كحال وطريق للفيلسوف. الأخير لدية المهارة أن يلتقط المعنى وينحت جوانبه إنسانياً ويضيء نتائجه الحرة إلى اقصاها. شرط التفلسف أن تعيش حراً في أفق المعنى. فالفلسفة ضرب من صياغة الحياة بإزميل المعاني في الهواء الطلق. لا فلسفة ترتب أفكارها في جنح الظلام ولا في كهوف معزولة، الفلسفة الأصيلة ابنة الحياة في وضح النهار. وهي كذلك لكونها تخاطب انسانية الإنسان دون قيود. الفلسفة تعلم البشر: كيف يعيشون بالمعنى. وهذا مستوى أخر بخلاف إدراك المعاني، فقد تعي أنت أو غيرك وجود الأخيرة، ولكن ممارستها وابداعها حالاً وممارسةً شيء آخر.

تاريخياً كانت الحكمة هي الكلمة الأقرب إلى ذلك. ليست الحكمة وجه من وجوه المعرفة، بل هي أنواع متباينة بقدر تباين المعاني التي يتغياها البشر. ويتوقف على هذا ما يحتاج الإنسان الحكيم إلى معرفته وفهمه في الحياة لا المواقف المحدودة. لأن الحياة ليست حزمةً من الأشياء تقبل مرة واحدة وإلى الأبد، فهي تفاصيل من الأحداث والوقائع. تأخذ أوزانها الدالة مادامت تقترب أو تبتعد عن معناها.

المعنى في الفلسفة ليس خيطاً مجرداً، ولكنه يتشكل بقائمة متنوعة من: الأهداف والقيم والمعالم الأكثر أهمية في الحياة بجانب الهدف النهائي، إن وجد. كما ترتبط المعاني بالوسائل التي نصل بها إلى هذه الأهداف دون تبعات باهظةٍ، وترتبط بمعرفة أنواع المخاطر التي تهدد إمكانية وصولنا إلى هذه الأهداف؛ وكيفية التعرف على المخاطر وبأية وسائل يتم تلاشيها أو التقليل منها.

والمعنى يدعو الفيلسوف لدراسة الكائنات الإنسانية في كل المواقف. كيف تبدو الأنماط المختلفة من البشر بصدد الأفعال والدوافع؟ وما إذا كانت تمثل تهديدات أم فرصاً لحياة أفضل؟ وشأن المعنى أن يكون بعيد المدى فصلاً فيما هو غير ممكن أو ممكن تحقيقه (أو تجنبه). وكيفية تحديد الأشياء والأفكار المناسبة أو غير المناسبة ومتى يتم ذلك. ومن جهة أخرى ارتباطاً بالمعاني تتم معرفة: متى يمكن تحقيق أهداف معينة بصورة كافيةٍ؛ وأية قيود يصعب تجنبها وبأية صيغة يمكن قبولها، وكيفية إيقاظ الذات وعلاقاتها بالآخرين أو بالمجتمع، ومعرفة أية قيم حقيقية وغير ظاهرة للأشياء المختلفة، ومتى ينبغي اتخاذ وجهة نظر بعيدة المدى أم اتخاذ أخرى قريبة. ومعرفة تنوع وصرامة الحقائق، والمؤسسات، والطبيعة البشرية؛ وفهم الحوافز الحقيقية للإنسان؛ وكيفية التأقلم والتعامل مع المآسي والمعضلات الكبرى في الحياة، والتعامل مع الأشياء الشريرة والأشياء الطيبة الأساسية ً.

ترويض المعنى

ليس المعنى صورياً، بل هو معنى حياة. حين يفقد الكائن البشري معناه الحي، لن يكون أكثر من كائن آخر. والمعنى لا يتحدد هكذا بناء على افتراض سهل المنال. لأنه في غالب الأحوال ليس شفافاً، ولا مواتياً بحسب قيم الخير والحق والجمال. المعنى ممكن أن يكون قاتلاً مثله مثل السكين، وقد يكون مدبباً كرأس حربة نافذة. وكل أفعال الشر لها معنى بصورة أو أخرى.

الارهابيون الذي يرون نهاية العالم تبدأ بحزام ناسف، يقطعون بكون المعنى سردية أخروية. ويبحثون فيما يعدونه من خطط وتدابير قاتلة عن معانٍ. وربما الكلمات والعلامات والاشارات قد حان قطافها، حين تتطابق مع ما يستهدفون. فتبدو الأشياء تتحرك بدلالات ميتافيزيقية مقيدة بالموت. وليس الموت عارياً، بل مغلفاً بالجهاد والاستشهاد. لأنه إما النصر وهو معروف في أفق الحياة، وإما الشهادة وهو معنى قابل لابقاء الشخص بصورة أخرى.

الفلسفة لا يعنيها معتقدات البشر، ولكنه تراهن على ألا تتحول إلى فخاخ موت. تفتح دروباً لمعان جديدة، ولكن ليست على جثث الآخرين. المعاني قد تُحيي وقد تَقتل في الوقت عينه، والمهم فلسفياً أن تروض نوازع الشر داخل عقلية الكائن الذي يدرك. الفلسفة فن ترويض الشرور، حتى تكون المعاني أكثر احتمالاً. الترويض هو العقلانية التي تحرر الكائن من قيوده واكراهاته النوعية. فالتفلسف يعطينا مساحةً من الفهم والتساؤل والنقد، وتلك الممارسات ليس آليات، بل مسارات يخوضها الإنسان بحثاً عن ذاته.

ليست الشرور خضوعاً لقهر، بل املاء من دوافع سوداوية للنيل من الآخرين. التبصُر الفلسفي يجعل الإنسان عارفاً بطبيعة الشر ودوافعه وانحراف أهدافه. إنه لون من الترويض المتأمل والنقدي للغرائز وكيفية ممارستها. لأن التأمل ليس مرتبطاً – كما هو شائع – بالتحليق دون أرض، ولكنه تصفية متأنية لرصيد الشرور. القضية أن يحصر الناس الفلسفات في شقها المجرد، متناسين كون التأمل خارجاً من كائنات من لحم ودم. وليس القدرات العقلية واقفة بالطيران فوق الواقع انعزالا، لأن هذا لا يحدث على وجه الحقيقة.

الحقيقة أن التأمل معجون بالغرائز حتى الثمالة. فالحب غريزة تسامت وانفصلت عن الواقع، الموت فكرة وواقعة، حتى أصبحت مقولة حياتية، الأمل حدث يحتاج إلى مناسبة وشروط. ذلك عن طريق المعنى، لا معنى هناك بلا مضمون ولا دلالة. وربما طرائق التعبير عن التأملات هي التي تجعلها محلقةً دون سبب. كما أنَّ أكراهات الثقافة تعزل التأمل، حتى لا يلتصق بالواقع. لأنها تريد مبررات للثنائيات التي تتبناها بين (الواقع والخيال). وكذلك كل التأملات عبارة عن استعارات فقدت أصولها لسبب أو لآخر مع الاستعمال. وبات من المتعين ايجاد فكرة عامة لها كي يتم تداولها.

قد يُقال إن الحكمة أقرب إلى ذلك من التفلسف، هنا يجب توضيح كون الفلسفة تطرح أسئلة وتصوغ مفاهيم . وليس شرطاً أن تقوم على النُصح كما هي الحكمة. لأنَّ الأخيرة في أغلب جوانبها تستند إلى اخلاقيات الأفعال بينما تشتغل الفلسفة على العقل وتطوير قدراته الحرة. أي أن الفلسفة تتجاوز الحكمة من جهة الفهم وبناء المفاهيم والأداء الذي يجعلها نافذة. كما أن فنون العيش لا تنتظر حكمة آتية من تجارب حياتية، بل تحتاج إلى آلية مستمرة، تتطلب" أداء معنى" لا خطف أقوال وسلوكيات.

صحيح يؤكد الفرنسي رينيه ديكارت على بعض الواقع كعنصر ٍ مهم اتساقاً مع مكونات الحكمة، ولكنها ليست حكمة عشوائية، بل مستندة إلى المعرفة والتجربة. وقد لجأ ديكارت إلى المقارنة بين التصرف الحكيم والاعمال الإلهية، فالأخيرة أعمال قائمة على المعرفة والعلم. وبالتوازي قد يقال إن الرجال يتفاوتون في الحكمة وفقًا لمدى تفاوتهم في معرفة أهم الحقائق. ومن بين هذه الحقائق المهمة، كما يقال، حقائق حول العيش على نحو جيد، بالإضافة إلى المعرفة المطلوبة في مجالات التواصل والعيش بين الناس. وهذا المجال تطرحه الفلسفة كفضاء من أداءات المعنى في الحياة.

اختصاراً تمارس الفلسفةُ دورها لتحُل دون انحراف المعاني عن مسارات الإنسانية. ربما يكسب الفردُ موقفاً، وقد يربح مالاً، ولكنه سيخسر العالم، لأنه فقد بوصلة المعنى. انحراف المعنى ليس انحرافاً محدوداً، بل انحرافاً في رؤى الكون والوجود. الارهابي لا يقتل فرداً وإلاّ لو كان الشأن كذلك، لكان" رأسه الأصم" قابلاً للنقاش من حيث المبدأ، ولكنه حين يقتل، إنما يفترض قتل أي انسان آخر. لأنه بالفعل انجز عمومية المعنى المدمر سلفاً. ولذلك لا يُفرق الارهاب بين إنسان وآخر، بين دين وسواه، لقد أغلق ذهنيته على اسقاط جميع معاني الحياة. ومن ثمَّ فإنَّ أخطر مهام الفلسفة هي: أن تروض المعاني الشرسة داخل الإنسان، أي تُضيء الجانب المظلم من كينونتنا كمأوى أخير للأشباح والخرافات.

***

د. سامي عبد العال – أستاذ فلسفة

بين شكلانية الأداء وأزمة الجوهر

إن الإجابة على سؤال مهم وملغز: هل لدينا مجتمع علمي في الشرق الأوسط؟ تستوجب تفكيك معنى ومفهوم "المجتمع العلمي" ذاته. فالمجتمع العلمي لا يقتصر على مجرد وجود أبنية جامعية وباحثين ومختبرات، بل يتجاوز ذلك ليعني منظومة متكاملة تحكمها معايير أخلاقية ومعرفية صارمة، وتنتج معرفة أصيلة قادرة على حل مشكلات المجتمع وتوجيه سياساته التنموية والاقتصادية.

المؤشرات الكمية مقابل الفجوة النوعية

تشير البيانات والإحصاءات الصادرة عن تقارير العلوم لليونسكو والبنك الدولي إلى أن الإنفاق الإجمالي على البحث والتطوير كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي في معظم الدول العربية لا يزال يقبع دون عتبة 1%، باستثناءات قليلة جداً مثل الإمارات العربية المتحدة التي بلغت 1.30%، في حين تراوحت النسب في دول كالمغرب وتونس ومصر حول 0.7%، وهو ما يعكس غياب الإرادة السياسية والمؤسسية لاعتبار البحث العلمي رافعة تنموية حقيقية.

رغم التوسع الكبير في قطاع التعليم العالي والزيادة الكمية الملحوظة في أعداد البحوث المنشورة، ولا سيما في قواعد البيانات العالمية مثل "سكوبس وويب أوف ساينس أن هذا النمو يخفي خلفه خللاً بنيوياً عميقاً. لقد تحولت المؤسسات الأكاديمية العربية إلى ما يشبه "مصانع للشهادات"، حيث هيمنت المؤشرات الكمية على حساب النوعية، وتم تغليب الشكليات الإجرائية على الأثر العلمي الحقيقي.

أظهرت تحليلات ببليومترية مكثفة امتدت لعقدين من الزمن لإنتاجية البحث العلمي في منطقة الشرق الأوسط والدول العربية، أن هذه المنطقة، ورغم زيادة إنتاجها البحثي، لا تزال تعاني من انخفاض حاد في نسبة الأبحاث المنشورة في المجلات ذات التأثير العالي مقارنة بأمريكا الشمالية والاتحاد الأوروبي.

شكلانية الأحكام والترقيات الأكاديمية

تتجلى "شكلانية الأحكام" بأوضح وأخطر صورها في أنظمة تقييم الأداء الأكاديمي والترقيات العلمية في العالم العربي. فالنظام المعتمد يكرس معياراً أحادياً متمثلاً في العدد الكمي للأبحاث المنشورة، متجاهلاً أبعاداً جوهرية كالأصالة، والتأثير العلمي والقيمة التطبيقية لحل مشكلات الواقع. هذه السياسة لم تنتج سوى تضخم بحثي أجوف، أفضى إلى تكريس "الرداءة" على حساب الإبداع.

لقد أدى هذا الضغط المؤسسي المستمرإلى وقوع شريحة واسعة من الباحثين العرب ضحية لـ"المجلات المفترسة"  ودور النشر الربحية الوهمية التي تستغل حاجة الباحثين للترقية وتخلو من أي نظام حقيقي لمراجعة الأقران المستقلة وقد وصلت شكلانية الأحكام والفساد الأكاديمي إلى مستويات غير مسبوقة من الممارسات القسرية حيث وثقت تقارير دولية فضائح أكاديمية أدت إلى قيام قواعد البيانات العالمية الكبرى مثل "سكوبس" و"ويب أوف ساينس" بحذف وإسقاط مجلات علمية بارزة في المنطقة .ولقد كشفت التحقيقات عن تورط هيئات التحرير في إجبار الباحثين والطلاب على إدراج اقتباسات لبحوث سابقة من نفس المجلة كشرط إلزامي لقبول نشر أبحاثهم أو حتى للسماح لهم بالتخرج، وذلك في تلاعب مفضوح يهدف إلى الرفع الوهمي لـ "معامل التأثير" الخاص بتلك المجلات.

إلى جانب ذلك، تعاني البحوث الاجتماعية والإنسانية في دول اخرى من معوقات تنظيمية ومنهجية قاسية؛ تتمثل في غياب المعايير الموضوعية في التحكيم، وضعف الإلمام بالبرامج الإحصائية الحديثة وغياب الحداثة في معالجة المشكلات الاجتماعية، مما يحيل السوسيولوجيا العربية إلى مجرد استنساخ باهت لأطروحات كلاسيكية غير قادرة على تفكيك الواقع.

مأزق الحداثة المعطوبة

في ظل الأزمات الطاحنة التي تعصف بالشرق الأوسط من حروب وانهيارات اقتصادية وتفكك اجتماعي، يُطرح التساؤل الجوهري حول مدى القوة الفاعلة لـ "العقلنة" كأداة لإنقاذ الدولة وإدارة المجتمع. يشير مفهوم العقلنة، كما صاغه عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر إلى السيرورة التاريخية التي تحل فيها الحسابات العقلانية الدقيقة، وسيادة القانون، والتنظيم البيروقراطي المنضبط، محل التقاليد والعواطف والقيم الروحية والروابط الأولية في إدارة شؤون الحياة الإنسانية.

الدول العربية واستعصاء العقلنة

لم تتشكل الدولة العربية الحديثة كنتيجة لتطور تاريخي طبيعي، أو صراع طبقي ناضج أو كعملية عقلنة متراكمة داخلياً كما حدث في الغرب. بل كانت في الغالب وليدة تدخلات كولونيالية خارجية، فجاءت تشكيلاتها مشوهة وغير مكتملة. ولذلك، فشلت هذه الدولة في تبني "العقلنة" كمنهج حقيقي ومؤسسي لإدارة الموارد والمجتمعات.

بدلاً من ذلك، أنتجت هذه الدولة بيروقراطية قهرية وسلطوية، استخدمت "العقل الأداتي" ليس كأداة للتحرر وإرساء العقلانية الموضوعية، بل كآلة لضبط الواقع، واحتكار السلطة، وتبرير البنى القمعية القائمة. هذه الدولة، كما يصفها عبد الله العروي وجورج طرابيشي، هي دولة سطو وانفصام تام بين السلطة والمجتمع الإنتاجي؛ إنها جهاز قمعي يفتقر للشرعية العقلانية، مما يجعل إنجازاتها لا تُنشئ إجماعاً ولا ولاءً إلا بالقهر أو بشراء الذمم.

ازدواجية الشخصية والنفاق الاجتماعي

في هذا السياق المتأزم، قدم المفكر والسوسيولوجي العراقي الرائد الدكتور علي الوردي في كتابه "مهزلة العقل البشري" و"وعاظ السلاطين" تشريحاً استثنائياً لبنية العقل والمجتمع في المنطقة، كاشفاً عن صراع تاريخي عميق بين التكوين البدوي والتكوين الحضري. هذا الصراع الحضاري والنفسي أنتج ما أسماه الوردي بـ "ازدواجية الشخصية" فالفرد العراقي والعربي عموماً يتأرجح باستمرار بين قيم قبلية وعشائرية محافظة، ومبادئ مدنية حديثة شكلية.

لقد أفرزت هذه الازدواجية الناشئة عن التحديث القسري والسطحي، هيمنة شبه كاملة لـ "النفاق الاجتماعي" و"التدين الشكلي". فالمجتمع يفرض قيوداً وضغوطاً تجبر الفرد على إظهار خطاب أخلاقي وديني وعقلاني شديد المثالية، بينما يمارس في حياته الخفية والعملية سلوكيات نفعية ومصلحية تخالف هذا الخطاب تماماً. يلخص الوردي هذه المأساة بمقولته الشهيرة: "الناس يعبدون الله في العلن، ويعبدون مصالحهم في الخفاء".

تفسر هذه الرؤية الوردية بوضوح متناهٍ فشل محاولات العقلنة؛ إذ أن الأحكام في مجتمعاتنا هي أحكام شكلانية بامتياز. حيث ترتفع مظاهر التدين والشعائر والطقوس الدينية بالتوازي تماماً مع ارتفاع معدلات الفساد الإداري والسياسي والانحلال المؤسسي، مما يؤكد أن القيم تُستخدم كأداة تبريرية الأمر الذي يعطل أي مسعى لترسيخ عقلانية حضارية ومؤسساتية فاعلة.

سيولة الزمكان وإدارة الفجوات المعرفية والفلسفية

يتعقد المشهد الحضاري في الشرق الأوسط أكثر بدخوله وهو المحمل بأثقال القرون الوسطى في دوامة ما يسميه عالم الاجتماع والفيلسوف البولندي البريطاني زيجمونت بومان  بـ "الحداثة السائلة".

يجادل بومان بأن العالم قد تحول من حالة الثبات واليقين الحداثة الصلبة التي سعت للتنظيم والسيطرة على الطبيعة وإزالة الغموض إلى حالة من السيولة المفرطة. في ظل الحداثة السائلة، تنهار الهياكل الاجتماعية، والقيمية، والمؤسسية التقليدية؛ وتتبدل المعاني بوتيرة متسارعة؛ وتصبح العلاقات الإنسانية، والمعرفة، والهويات، وحتى الواجبات، مؤقتة وعابرة. يعيش الإنسان في هذه الحقبة حالة من "اللايقين الدائم" وانعدام الأمن، حيث يُلقى به في سباق استهلاكي محموم وراء كل جديد، متخلياً عن الروابط الإنسانية التي يسهل فكها.

صناعة اقتصاد الدموع

في مجتمعات الشرق الأوسط، تتخذ سيولة الزمكان طابعاً تراجيدياً كارثياً. فالأزمات المتلاحقة والمدمرة تجعل من الحاضر حالة طوارئ دائمة، وتلغي تماماً القدرة على الاستشراف أو التخطيط للمستقبل. في ظل هذه السيولة، تتسع الفجوات الفلسفية والمعرفية؛ إذ تنزلق المعاني وتفقد الكلمات دلالاتها في بحر من "الضجيج الرقمي".

لم يعد الاقتصاد مقتصراً على إنتاج السلع المادية الصلبة، بل تحول، كما يصفه بعض المفكرين المعاصرين استلهاماً لبومان، إلى "اقتصاد للدموع" واقتصاد للمعنى؛ حيث تتدفق القيم، وتتحول المادة إلى رمز، والعمل إلى مجرد تجربة عابرة. في هذا الفضاء السائل، يبرز مفهوم "الغريب" الذي نظّر له بومان؛ ذلك الآخر الذي يعجز المجتمع المأزوم عن تصنيفه، فيصبح مصدر إغراء استهلاكي من جهة، ومصدر رعب وتهديد وجودي من جهة أخرى، مما يغذي العنف المتطرف والأصوليات الإقصائية التي تحاول فرض "صلابة" وهمية بالقوة والدم.

تغول العبودية الطوعية وموت الإنسان المستلب

تتقاطع سيولة الزمكان، مع شكلانية الأحكام، وانهيار العقلنة، لتمهد الطريق أمام أخطر أمراض العقل العربي المعاصر وأشدها فتكاً بالإرادة:

"العبودية الطوعية"

هذا المفهوم، الذي صاغه الفيلسوف الفرنسي الشاب إتيان دو لا بويسي في القرن السادس عشر، للإشارة إلى خضوع الشعوب للطغاة طواعية وتواطؤها في استعباد ذاتها بسبب اعتياد القهر وضعف الوعي، يتخذ اليوم أبعاداً جديدة، مركبة، ومروعة.

إن البشرية اليوم تقع ضحية لثلاث أصوليات مستبدة تمارس عنفاً وحشياً وتصنع "آلهة جديدة":

أصولية السوق التي تسلع القيم.

أصولية التقنية التي تحول الآلة إلى قائد.

وأصولية الدين المسيّس التي تكرس الانغلاق.

في ظل هذا الاستلاب العميق، نستحضر مقولة عالم النفس إريك فروم: "لقد مات الإنسان في القرن العشرين، لتحيا الأشياء ويحيا منتوجه"، ليعبر عن ذروة الاغتراب حيث تضيع الذات الإنسانية تماماً. ويتوافق هذا مع رؤية الفيلسوف هربرت ماركوز في نقده للمجتمع الصناعي والاستهلاكي الإنسان ذو البعد الواحد، حيث يوجه القمع الاستلابي الناعم حتى ساعات فراغ الناس، ليحيلهم إلى عبيد طوعيين للمردودية والربح والتنافس، مما يفرغ أي فكر نقدي من محتواه الثوري.

بلادة ردود الفعل التطورية

إن الحصيلة النهائية والمأساوية لانهيار المنظومة الأكاديمية وغياب المجتمع العلمي، هوعجز مسار العقلنة، والضياع في سيولة الزمكان، والخضوع للعبودية الطوعية، التي تتلخص في الوصول بالمجتمعات الشرق أوسطية إلى حالة من "بلادة ردود الفعل التطورية".

في علم الاجتماع، وعلم النفس التطوري، تُعرّف قدرة الكيانات الحية والمجتمعات على الاستجابة للتحديات والأزمات الوجودية وتطوير آليات بقاء وتكيف جديدة ومبتكرة، بأنها العلامة الفارقة لحيوية المجتمع وقدرته على النضج. أما في واقع المنطقة العربية، فإن ردود الفعل تجاه الأزمات الماحقة كانهيار الدول، الحروب الأهلية، التردي الاقتصادي المدقع، والتغير المناخي تتسم بالجمود المطلق، والنكوص المستمر، والعجز التام عن إحداث طفرات ثورية معرفية أو تطورية منهجية.

تتعزز هذه البلادة التطورية بما تطرق إليه جورج طرابيشي من مفهوم "العصاب الجماعي". فعندما تتعرض الأمة لصدمة تاريخية كبرى (كصدمة الحداثة أو الهزائم العسكرية المتوالية)، فإن الرد التطوري السليم يقتضي المراجعة النقدية القاسية للذات. بيد أن العقل العربي، المحاصر والمأزوم، فشل في هذه المراجعة؛ فاستخدم حيل دفاعية نفسية نكوصية، مثل إنكار الواقع المؤلم، والارتداد الطفولي نحو حلم الماضي الأسطوري ومحاولة استنساخ حلول سلفية منتهية الصلاحية لمشاكل حديثة بالغة التعقيد.

هذا النكوص هو التجسيد الأقصى لـ "البلادة التطورية"؛ حيث تستسلم قوى التطور والإبداع لقوى النكوص والتكوّص فالتنشئة الاجتماعية والبيئة الأسرية القائمة على القمع والتعليم التلقيني تولد تقييمات خاطئة للواقع ومشاعر إحباط وعقد عصابية متجذرة، تجعل الفرد يائساً، ومتبلداً، وفاقداً لأي استجابة ديناميكية لبيئته المحيطة.

بناءً على هذا التشريح السوسيولوجي والفلسفي، يمكن القول بيقين راسخ إن أزمة الشرق الأوسط ليست محض أزمة سياسية عابرة أو تعثراً اقتصادياً مرحلياً، بل هي أزمة وجودية متجذرة في البنية العميقة للعقل، وفي آليات إنتاج وتقييم المعرفة. إن "المجتمع العلمي" في المنطقة يعيش حالة من الاغتراب والتفكك؛ مجتمع تحكمه شكلانية مؤسسية مقيتة تلهث وراء الكم والترقيات الوظيفية الزائفة، متخلية عن جوهر النزاهة والمعايير الميرتونية الصارمة للعلم. هذا الخواء المعرفي جرد الأكاديميا العربية من قدرتها على قيادة قاطرة "العقلنة" المنشودة.

وتتوج هذه المأساة التاريخية بـ "بلادة تطورية" مرعبة، تمنع المجتمعات من استيعاب الصدمات وتوليد استجابات حضارية فاعلة، فتسوقها حتماً نحو النكوص العصابي، والتشرذم الطائفي، والنزيف المستمر لخيرة عقولها وأبنائها نحو المنافي.

إن كسر هذه الدائرة العدمية المفرغة لا يتحقق بالشعارات أو الإصلاحات الترقيعية، بل يتطلب استعادة الروح الراديكالية لـ "الفكر النقدي"، وتفكيك بنية "العقل المعصوب". هذا الفكر يجب أن ينطلق كضرورة وجودية لنسف البداهات والمسلمات، وتعرية سلطة المألوف، وتحرير الإنسان من قيود الأيديولوجيات الطاغية والعبودية المختارة. ويبدأ هذا المسار الشائك بإصلاح جراحي وعميق لمنظومة التعليم والبحث العلمي؛ إصلاح يعيد الاعتبار للجوهر على حساب الشكل، ويؤسس لبيئة تحتضن التنازع الفكري البناء، ليتحول العلم من مجرد أداة للاستعراض والاستهلاك الوظيفي إلى سلاح حقيقي وازن للتحرر، وبناء الذات، واسترداد الفاعلية في حركة التاريخ الإنساني.

***

غالب المسعودي

إذا كانت المحبة قد جمعت شتات القلب، ووحدت وجهته، وأورثته أنس القرب، فإن الإنسان لا يستطيع أن يواصل ارتقاءه في مدارج الكمال والجمال بالمحبة وحدها، إذ لابد للقلب الذي أحب أن يستنير، وللروح التي ذاقت القرب أن تتسع بصيرتها، وللإنسان الذي وجد وجهته أن يعرف حقيقة ما اتجه إليه. ومن هنا تتولد المعرفة بوصفها ثمرة ناضجة للمحبة، ومدرجا جديدا في رحلة الوجود الإنساني، تنتقل فيه الذات من مجرد التعلق بالحقيقة إلى السعي في إدراكها، ومن حرارة الوجدان إلى نور البصيرة.

فالمعرفة ليست مجرد زيادة في المعلومات، ولا اتساعا في الذاكرة، ولا تراكم للمفاهيم في الذهن، وإنما هي تحول يحدث في طريقة الإنسان في رؤية نفسه والعالم والحقيقة. وقد يمتلك الإنسان كثيرا من المعلومات، ثم يبقى فقيرا في المعرفة؛ لأن المعرفة الحقيقية لا تقاس بمقدار ما نختزن من قضايا، وإنما بمقدار ما تغيره الحقيقة في وعينا وسلوكنا ووجودنا. فالعلم الذي لا ينفذ إلى أعماق الإنسان قد يوسع دائرة معلوماته، لكنه لا يوسع بالضرورة دائرة وعيه.

ومن هنا كانت المعرفة في أعمق معانيها فعلا من أفعال الوجود الإنساني؛ لأن الإنسان لا يكتفي بأن يكون موجودا، بل يسأل عن معنى وجوده، ولا يكتفي بأن يرى الأشياء، بل يبحث عما وراء ظواهرها، ولا يقنع بأن يعيش داخل العالم، بل يريد أن يفهم موقعه فيه، والغاية التي من أجلها وجد. وهذا السؤال هو الذي يميز الإنسان عن مجرد الوجود الطبيعي؛ إذ إن الإنسان كائن لا يعيش الواقع فحسب، وإنما يعيش أيضا في أفق السؤال عن الواقع ومعناه ومصيره.

ولذلك فإن المعرفة تمثل انتقالا من الوجود الذي يمر بالإنسان إلى الوجود الذي يعيه الإنسان. فالعمر يمنحه الزمن، والتجربة تمنحه الخبرة، والألم يوقظ فيه السؤال، والصبر يهذب إرادته، والتوكل يحرره من وهم السيطرة، والرضا يمنحه السكينة، والمحبة توحد وجهته، ثم تأتي المعرفة لتمنحه القدرة على النظر في كل ذلك بعين أكثر وعيا وبصيرة. وهكذا لا تظهر المعرفة في مشروعنا بوصفها عنصرا منفصلا عن المراحل السابقة، وإنما باعتبارها ثمرة طبيعية لتراكم الوعي الإنساني عبر هذه المدارج.

وإذا كانت المحبة قد علمت الإنسان أن قيمة الشيء لا تقاس بمجرد امتلاكه، وإنما بما يمثله من معنى في قلبه، فإن المعرفة تعلمه أن ما يحبه يحتاج إلى بصيرة تهديه في طريق التعلق به. فالمحبة بغير بصيرة قد تتحول إلى تعلق أعمى، والمعرفة بغير محبة قد تتحول إلى جفاف ذهني، أما حين يلتقي القلب والعقل، فإن المعرفة تتحول إلى نور، والمحبة تتحول إلى وعي، ويصبح الإنسان قادرا على أن يرى ما يحب رؤية أعمق، وأن يحب ما عرفه حبا أكثر نضجا واتزانا.

وهنا تتضح العلاقة العميقة بين المعرفة والمحبة؛ فالمحبة تفتح للإنسان باب المعرفة لأنها تدفعه إلى طلب محبوبه وفهمه والاقتراب من معناه، والمعرفة بدورها تعيد تشكيل المحبة، فكلما اتسعت بصيرة الإنسان بما يحب، تحررت محبته من الوهم، وصارت أكثر صفاء وتجردا. ولهذا لا ينبغي أن نفهم العلاقة بينهما باعتبارها علاقة سببية بسيطة تبدأ بالمحبة وتنتهي بالمعرفة، وإنما باعتبارها حركة ارتقاء متبادلة، تتغذى فيها المحبة من المعرفة، وتستنير المعرفة بالمحبة.

ومن هنا تصبح المعرفة أحد أهم مدارج الكمال والجمال في الوجود الإنساني. فهي من جهة كمال، لأنها ترتقي بالإنسان من الجهل إلى الوعي، ومن الغفلة إلى الانتباه، ومن اضطراب الرؤية إلى وضوحها، وتجعله أكثر قدرة على فهم ذاته وتوجيه إرادته واختيار غايته. وهي من جهة أخرى جمال، لأنها تكشف للإنسان ما وراء الظاهر من المعاني، وتمنحه القدرة على رؤية التناسق في الوجود، والجمال في الخلق، والحكمة في التجربة، حتى يصبح العالم بالنسبة إليه أكثر من مجرد أشياء متجاورة، بل شبكة من الدلالات التي تستحق التأمل.

لكن المعرفة لا تبلغ قيمتها الحقيقية إلا إذا تحولت من معرفة للشيء إلى معرفة تغير علاقة الإنسان بالشيء. فقد يعرف الإنسان معنى الصبر، ولا يكون صابرا، ويعرف معنى التوكل، ولا يطمئن، ويعرف معنى الرضا، ولا يسكن، ويتحدث عن المحبة دون أن يحب. ولذلك فإن المعرفة التي نريدها هنا ليست معرفة وصفية تقف عند حدود التعريف، وإنما معرفة وجودية تتجاوز السؤال: ماذا أعرف؟ إلى سؤال أعمق: ماذا صنعت المعرفة بي؟

فالمعرفة التي لا تغير صاحبها قد تكون حيازة ذهنية، أما المعرفة التي تعيد ترتيب دواخله فهي وعي. ومن هنا يمكن أن نقول إن الإنسان لا يرتقي بكثرة ما يعرف فقط، وإنما بقدر ما يتحول ما يعرفه إلى بصيرة، وما تدركه بصيرته إلى موقف، وما يتحول إلى موقف إلى سلوك، وما يستقر في السلوك إلى معنى يعيشه.

وهذا يفسر لماذا لم تكن المعرفة في التراث الإسلامي مجرد نشاط عقلي منعزل عن تزكية النفس. فالعقل في التصور الإسلامي ليس خصما للقلب، والقلب ليس بديلا عن العقل، وإنما كلاهما من أدوات الإنسان في طلب الحقيقة، متى تحررا من الهوى والغفلة. ولذلك كان العلم الذي يثمر خشية، والمعرفة التي تورث تواضعا، والفهم الذي يقود إلى العمل، أرفع من معرفة تكدس المعلومات ولا تغير صاحبها.

ومن هنا أيضا يمكن فهم المعرفة في التجربة الروحية باعتبارها انتقالا من معرفة الأشياء إلى معرفة المعنى، ومن النظر في العالم إلى النظر في الدلالة التي يكشفها العالم. فالإنسان قد ينظر إلى الكون بعين الحس، فيرى ظواهره، وقد ينظر إليه بعين العقل، فيدرك نظامه، ثم ينظر إليه بعين البصيرة، فيتجاوز النظام إلى الحكمة، ويتجاوز الحكمة إلى الدلالة على خالقها.

ولا يعني ذلك إلغاء المعرفة الحسية أو العقلية، بل يعني أن المعرفة الإنسانية تتسع كلما اتسعت أدوات الإنسان في النظر. فالحواس تمنحه مادة الإدراك، والعقل ينظمها ويفسرها، والبصيرة تمنحها أفقا من المعنى. وإذا اختزل الإنسان المعرفة في مستوى واحد منها، ضاق أفقه عن الإحاطة بحقيقة وجوده.

ولهذا فإن المعرفة في أرقى صورها ليست انفصالا عن العالم، وإنما هي عودة إليه بوعي جديد. فالإنسان العارف لا يهرب من الحياة، ولا يحتقر العالم، ولا يتخلى عن العقل، وإنما يرى الأشياء في مواضعها، ويمنح كل شيء قدره، ولا يجعل الوسيلة غاية، ولا الظاهر نهاية، ولا الجزئي بديلا عن الكلي.

وهنا تبرز قيمة المعرفة في إعادة بناء علاقة الإنسان بنفسه أيضا؛ إذ لا يستطيع الإنسان أن يعرف العالم دون أن يواجه سؤال ذاته. وكلما تعمقت معرفته بنفسه، أدرك حدود قدرته، واكتشف دوافعه الخفية، وتبين له مقدار ما يختلط في داخله من رغبات ومخاوف وأوهام. ومن هنا تصبح معرفة النفس مدخلا ضروريا إلى تحريرها، لأن الإنسان لا يستطيع أن يتجاوز ما لا يراه، ولا أن يصلح ما لا يعرفه.

ولهذا كانت المعرفة في جوهرها كشفا قبل أن تكون امتلاكا؛ كشفا للإنسان عن ذاته، وكشفا للعالم عن دلالاته، وكشفا للحقيقة عن أفقها. وكلما انكشف للإنسان شيء من الحقيقة، اكتشف في الوقت نفسه محدودية ما كان يظنه معرفة مكتملة. ومن هنا تنشأ إحدى أجمل خصائص المعرفة الحقيقية: أنها لا تورث الغرور، وإنما تورث التواضع؛ لأن العارف كلما اتسعت رؤيته، اتسع معها إدراكه لما يجهله.

وهكذا تهيئ المعرفة الإنسان لمرتبة أعمق من الوعي؛ مرتبة لا يعود فيها السؤال عن الحقيقة منفصلا عن السؤال عن الغاية، ولا يصبح إدراك النظام في الوجود منفصلا عن البحث عمن أقام هذا النظام، ولا يبقى النظر في الجمال مجرد تذوق، بل يتحول إلى سؤال عن مصدر الجمال، ولا يبقى إدراك الكمال مجرد إعجاب، بل يتحول إلى توق إلى الكمال المطلق.

ومن هنا يبدأ المعنى الأعمق للمعرفة في الظهور؛ فكلما ارتقى الإنسان في مدارجها، لم يعد غرضه أن يعرف أشياء أكثر، وإنما أن يرى الحقيقة رؤية أعمق، وأن يدرك موقع نفسه منها، وأن تتوحد لديه المعرفة والغاية، فيتحول السؤال من: ماذا أعرف؟ إلى: إلى أين تقودني هذه المعرفة؟

وهنا تحديدا تتهيأ المعرفة للانتقال من كونها ثمرة للمحبة إلى كونها طريقا يكشف للإنسان حقيقة المحبوب، ويمنحه من البصيرة ما يجعله أكثر استعدادا لإدراك وحدة المعنى وراء تعدد الموجودات.

وللحديث بقية في الجزء الثاني من المقال إن شاء الله..........

***

بقلم: أ. د. ياسر البتانوني

أستاذ الفلسفة الإسلامية بكلية الآداب جامعة المنوفية

اهداء إلى الدكتور عبد الجبار الرفاعي مع التقدير

هي اللغة في كل ما تحتوي من كلمات، إنفعالية كانت أم مرنة، أم موجهه بخطاب نحو آخر، هي تحمل ما يدور في اعماق النفس، تحمل رغبة نحو الآخر، أيًا كان نوع هذه الرغبة، لذلك حينما رأى التحليل النفسي بأن الإنسان يُعرف بلغة رغبته هو فعلا على حق، فاللغة نعني بها ما يعتمل في داخل النفس، وبلغة علم النفس تفاعلات انفعاليه ومعالجات تنتج الكلمة.

نتكلم هنا عن النزعة النفسية للغة المتمثلة باللفظ، وما يعبر عنه الفرد من كلمات منطوقة بلفظ، وهل هي فعلا تعبر عن الملفوظ، أو بالعكس يمكن أن يكون الملفوظ شيئًا، بينما التلفظ قد يكشف شيئًا آخر؟ لا توجد كلمة لكل شيء كما يقول جاك لاكان المحلل النفسي الفرنسي. ويضيف لنا " فريدناند دي سوسير " قوله بأن كل شيء في الحقيقة سيكولوجي في اللسان، وإن عمقنا فكرة "سوسير" وجعلنا من التكوين الفرضي للفكرة التي تنتج الكلمة بلغة تناسب مع ما يقال، وليس اللسان وحده، لأنه مجرد ناقل لما نفكر فيه، وفي بعض الأحيان يغدر بنا هذا اللسان حينما تظهر الهفوة أو زلة اللسان معلنة ومكشرة عن أنواع مختلفة من المخبوء.

نتسائل ماذا تحمل ذواتنا من تراكم في اللاوعي – اللاشعور بحيث أضحت الكلمة تصاغ قبل نطقها ونقلها إلى اللسان بما يكون ملفوظ منها؟ ونستطيع أن نقول هناك اشياء كثيرة تتداخل في اللفظ " الذي يمثل الذات بالنسبة إلى لفظ آخر كما يؤكده لاكان دائمًا" منها التخييل لدى الشخص، ومنها الجانب الرمزي وما حمل من أطنان من صور ما تعلمه وأكتسبه، والأصح ما أدركه كما يريد إدراكه

 بالتخييل، ولكنه في الحقيقة ليس كما نُطقَ من والدينا " الام والأب " أو من يقوم مقامهما في تربيتنا، ونريد أن نعرف ماذا يقول اللفظ في سلسلة الكلام بما يتجاوز المعنى الواعي للملفوظ، فضلا عن حياة العلامات في الحياة الاجتماعية لدى كل فرد وما تدونه، وبمختلف المجتمعات وتنوعها وطقوسها وتقاليدها، وهي جزء كبير منها التقاليد المكتسبة التي تتدحرج في عالم اللاشعور لتبني على ما خزن من عالم الطفولة ليعيد تشكيل الكلمات المنطوقة في الوقت الحاضر.

 فالإنسان ربما ينطق شيئًا وهو واعٍ بما يقوله، لكن الذات اللاواعية – اللاشعورية ربما تظهر في بنية القول نفسها كما يراه لاكان.

 إذن اللغة تصاغ من معامل اللاوعي – اللاشعور بلغة خاصة، واصبح للاشعور لغة مصاغة بشكل مقبول في انفعالات الملفوظ بشقيه السوي والمتقارب للسواء ليتناسب مع ما يقال، وإن جَانبَ – أبتعد عن الحقيقة في بعدها الرمزي في القول أو في النية؟

نستعير من " بول ريكور " فكرة إن كل ما يمكن أن يُقال عن الكلمات يَنْتج عن تطابقها مع الأفكار، الحديث عن الأفكار وعن الكلمات، هو الحديث مرتين عن الأفكار: ففي المرة الأولى يدور الحديث عن الأفكار في ذاتها، وفي المرة الثانية عن الأفكار باعتبارها مُمَثَّلة بالكلمات. ويضيف " ريكور " ان المعنى هو في علاقته بالكلمة، ما تجعلنا هذه الكلمة نَفهمه أو نُفكر فيه أو نحس به من خلال دلالته، ودلالته هي ما تعنيه، أي ذلك الذي تُمثل دليله.

ولو تناولنا العلاقة بين اللفظ والملفوظ عند "جاك لاكان" لوجدنا أن اللفظ ليس مجرد كلمة تحمل معنى سطحي، أو ثابت، بل أن اللفظ هو عنصر لغوي يعمل داخل شبكة من الألفاظ، ورأي " لاكان" بأن اللفظ يمثل الذات بالنسبة إلى لفظ آخر، وهي في الحقيقة أن الذات لا تكون موجودة ومكتملة قبل اللغة.

بل تتحدد داخل سلسلة الألفاظ التي تتكلم من خلالها. أما الملفوظ فهو ما يقال فعليًا كما هو وما نسمعه، وهي الجملة أو الكلمة أو العبارة التي ننطق بها عندما نتكلم. يمكننا القول وكما دونه لاكان بأن اللفظ عنصر داخل النظام الرمزي، أما الملفوظ وهو ما يتشكل من هذه العناصر في قول محدد، والتلفظ فعل القول وموقع الذات وهي تتكلم وتقول. " نص منقول".

مما تقدم حاولنا ربط العلاقة بين الكلمة واللفظ والملفوظ ولكن لم ننسى انفعالات كل منهم، فالانفعال كما هو معروف إحساس قوي، ويصاحب الإنفعال التغيرات الجسمية التي تقع من خلال الجهاز العصبي، فالكلمة تمر بحالة إنفعال حين نطقها، أو لفظها عبر اللسان، حيث تأخذ صورة صوتيه معينة محددة بالاسلوب التي قيلت به وهي تعبر عن ما يدور بداخل قائلها، وهل فعلًا هذه الكلمة التي قيلت ما الذي يمكن أن نكشفه في قول المتحدث؟ هل هو يقصده؟ ويدلنا التحليل النفسي الذي يتعمق بالنفس من خلال اللغة والكلمة من المعنى المقصود إلى عمل الدال / اللفظ داخل خطاب الذات. وقول التحليل النفسي عند لاكان الذات ليست هي نفسها المتكلم. لا ندري ما شدة تأثير الإنفعالات السابقة الخبيئة في اللاوعي – اللاشعور والتي عادت بلغة تتسم بالانفعال الواضح في الكلمة وقولها. وتدلنا معرفتنا بالانفعالية بأنها خاصة أساسية وطبيعية لكل موجود إنساني، إنها تتيح له أن يستجيب إلى سائر المنبهات الخارجية والداخلية، ويمكن أن نسمي جميع هذه المنبهات بالظروف كما يرى " داكو" ذلك، ولكن لنا القول أيضًا أن دواخلنا تستدعي ما فيها من انفعالات مخزونة في عالم اللاشعور – اللاوعي في كلمة تشكل لغة خطاب يمثل أي من البشر كأسلوب يختص به، أو نص يريد فهمه كما بنى تكوينه النفسي منذ سنواته الاولى في مرحلة الطفولة. 

***

د. اسعد الامارة 

مقاربة مابعد كولونيالية جذرية

مقدمة: تُعتبر استراتيجية مقاومة التفاهة أحد المحاور المركزية في الفكر الفلسفي والسياسي المعاصر، خاصة في السياقات التي تتقاطع فيها السلطة مع الهيمنة والاستعمار. في الغرب، تطورت مفاهيم المقاومة ضمن أطر فلسفية متنوعة، بدءاً من التمرد الوجودي مروراً بنقد السلطة وانتهاءً بتفكيك البنى المعرفية. أما في السياق العربي، فقد ارتبطت استراتيجيات المقاومة ارتباطاً وثيقاً بتجربة الاستعمار والاستعمار الجديد، فصاغها مفكرون عرب في مواجهة الإرث الكولونيالي والتبعية الثقافية والسياسية والاقتصادية.  تهدف هذه الدراسة إلى مقاربة استراتيجية المقاومة مقارنة بين فلاسفة الغرب ومفكري العرب من منظور مابعد كولونيالي جذري. هذا المنظور لا يكتفي بوصف الهيمنة أو اقتراح هجينة ثقافية، بل يسعى إلى كشف آليات السيطرة المعرفية والوجودية، ويدفع نحو قطيعة إبستيمولوجية جذرية مع المركز الغربي، وإعادة تأسيس الذات المقاومة انطلاقاً من موقعها التاريخي والوجودي الخاص. المقاومة هنا ليست مجرد رد فعل، بل استراتيجية واعية لإعادة إنتاج المعنى والسلطة والمعرفة من خارج الإطارات التي فرضها النظام الكولونيالي.  تتجلى أهمية هذه المقاربة في كونها تتجاوز الثنائيات السطحية (غرب/شرق، مركز/هامش) لتفحص كيف تتشكل استراتيجيات المقاومة في سياقات مختلفة، وكيف يمكن للفكر العربي أن يستفيد من الأدوات الغربية دون الوقوع في التبعية، وكيف يمكن في الوقت نفسه أن يطور أدواته الخاصة التي تنبثق من تجربة الاستعمار المباشر والذاكرة الجماعية والمقاومة المستمرة.

في الفلسفة الغربية الحديثة والمعاصرة

في الفلسفة الغربية الحديثة والمعاصرة، تبلورت استراتيجيات المقاومة عبر مسارات متعددة. عند نيتشه، تظهر المقاومة في صورة إرادة القوة ورفض الأخلاق العبيدية التي تنتجها السلطة، حيث يصبح التجاوز والخلق الذاتي شكلاً من أشكال التمرد على القيم المفروضة. أما في الوجودية، خاصة عند سارتر وكامو، فتتجسد المقاومة في الحرية المطلقة والتمرد ضد العبث والاضطهاد؛ فالوجود يسبق الماهية، والاختيار الحر يصبح فعلاً مقاوماً في مواجهة الحتميات الاجتماعية والسياسية.  مع ميشيل فوكو، تتحول المقاومة إلى مفهوم أكثر تعقيداً يرتبط بتشابك السلطة والمعرفة. السلطة ليست مجرد قمع خارجي، بل شبكة منتجة تتخلل الجسد والخطاب والمؤسسات. المقاومة، وفقاً لهذا التصور، ليست خارج السلطة بل ملازمة لها؛ حيث توجد نقاط مقاومة متعددة ومتناثرة، تتشكل في المواقع اليومية والممارسات الخطابية والجسدية. هذه الرؤية فتحت أفقاً لفهم المقاومة كاستراتيجية ميكروفيزيائية، لكنها بقيت في كثير من الأحيان أسيرة السياق الغربي الذي ينتج السلطة ذاتها.  في النظرية النقدية ومدرسة فرانكفورت، تظهر المقاومة في نقد العقل الأداتي والثقافة الجماهيرية، حيث يُنظر إلى التحرر على أنه تجاوز للهيمنة الثقافية التي تعيد إنتاج النظام الرأسمالي. أما عند غرامشي، فتتجلى استراتيجية المقاومة في الحرب المواقعية وبناء الهيمنة المضادة من خلال المثقف العضوي والمجتمع المدني. هذه المفاهيم الغربية، رغم عمقها، غالباً ما تنطلق من تجربة داخلية للمجتمعات الصناعية والديمقراطية الليبرالية، وتتعامل مع الاستعمار بوصفه ظاهرة تاريخية هامشية أو مرحلة من مراحل التوسع الرأسمالي، دون أن تضع تجربة المستعمَر في المركز.

المفكرون العرب

في المقابل، يطور المفكرون العرب استراتيجيات مقاومة تنبثق مباشرة من تجربة الاستعمار والاستعمار الجديد. إدوارد سعيد، رغم تكوينه الغربي، أعاد توجيه أدوات النقد الأدبي والفلسفي نحو كشف آليات الاستشراق بوصفها خطاباً يُنتج الآخر ويبرر السيطرة. المقاومة عنده ثقافية ومعرفية في المقام الأول؛ فهي تعني استعادة الحق في تمثيل الذات، وكتابة التاريخ المضاد، وتفكيك الصور النمطية التي حوّلت الشرق إلى موضوع سلبي. غير أن سعيد يظل يعمل في كثير من الأحيان داخل إطار الحوار مع الغرب، مما يحد من جذرية القطيعة. يذهب مفكرون عرب آخرون أبعد من ذلك في اتجاه أكثر جذرية. لدى بعض التيارات الفكرية العربية المعاصرة، تُفهم المقاومة بوصفها عملية تحرر إبستيمولوجي شاملة، تتضمن نقد العقل الغربي من جذوره، وإعادة الاعتبار إلى الموروث الثقافي والديني واللغوي بوصفه مصدراً للمعنى وليس مجرد تراثاً فولكلورياً. هنا تصبح اللغة العربية ذاتها موقعاً للمقاومة، حيث يُعاد بناء المفاهيم الفلسفية والسياسية بعيداً عن الترجمة التبعية. كما تظهر استراتيجيات المقاومة في الدعوة إلى استقلال معرفي يرفض مركزية النموذج الغربي في التنمية والديمقراطية والحداثة، ويقترح نماذج تنبع من الخصوصية التاريخية والاجتماعية.من منظور ما بعد كولونيالي جذري، تتضح الفروقات الجوهرية. الفلسفة الغربية غالباً ما تصور المقاومة كفعل داخلي في مواجهة السلطة الحديثة، أو كتجاوز فردي أو جماعي داخل نظام يُفترض أنه قابل للإصلاح. أما في السياق العربي، فإن المقاومة تواجه بنية كولونيالية مستمرة تتجلى في السيطرة على الموارد والحدود والتمثيلات والرموز. لذا تكتسب الاستراتيجية طابعاً وجودياً أكثر حدة؛ فالمقاومة ليست فقط نقداً للسلطة، بل استعادة للوجود ذاته الذي حاول الاستعمار محوه أو تشويهه.  المقاربة الجذرية ترفض الاكتفاء بالهجنة أو التفاوض مع المركز، وتدعو إلى قطيعة معرفية تُعيد تعريف مفاهيم مثل الحرية والعدالة والتقدم انطلاقاً من تجربة الهامش. في هذا الإطار، تصبح المقاومة استراتيجية متعددة الأبعاد: معرفية (تفكيك الخطابات المهيمنة)، ثقافية (إحياء الذاكرة والرموز المحلية)، سياسية (رفض التبعية وإعادة بناء السيادة)، ووجودية (تأكيد الذات في مواجهة الاغتراب). هذا لا يعني رفض كل ما هو غربي بشكل مطلق، بل يعني التعامل معه كأحد الموارد الممكنة بعد أن يُنزع عنه طابع الكونية المزعومة، ويُخضع لنقد جذري يكشف حدوده التاريخية.

تظهر التوترات بوضوح عند مقارنة مفهومي السلطة والمقاومة. في الفكر الغربي المعاصر، غالباً ما تُرى السلطة كمنتشرة وغير مركزية، مما يجعل المقاومة أيضاً مبعثرة. أما في التجربة العربية، فإن السلطة الكولونيالية وما بعدها تبدو أكثر تركيزاً ووضوحاً في آلياتها الاقتصادية والعسكرية والثقافية، مما يستدعي استراتيجيات مقاومة أكثر تنظيماً وجماعية، تربط بين التحرر الوطني والتحرر الاجتماعي والمعرفي. كما أن البعد الروحي والديني، الذي غالباً ما يُهمش في الفلسفات الغربية العلمانية، يلعب دوراً مركزياً في كثير من تصورات المقاومة العربية، سواء كمورد رمزي أو كإطار أخلاقي للتمرد.إن المقاربة المابعد كولونيالية الجذرية تكشف أيضاً عن حدود الاستعارة. فاستيراد مفاهيم فوكو أو غرامشي أو دريدا دون توطين نقدي قد يؤدي إلى إعادة إنتاج التبعية تحت غطاء المقاومة. لذا يتطلب الأمر عملية ترجمة نقدية مزدوجة: ترجمة الأدوات الغربية إلى السياق العربي مع كشف تحيزاتها، وترجمة التجربة العربية إلى لغة نظرية قادرة على مخاطبة العالم دون التنازل عن خصوصيتها. المقاومة الحقيقية هنا هي مقاومة ضد الاستعمار المعرفي ذاته، وضد تحويل المفكر العربي إلى مجرد مستهلك أو مقلد للنظرية الغربية.

خاتمة

تكشف المقارنة بين استراتيجيات المقاومة عند فلاسفة الغرب ومفكري العرب عن اختلاف جوهري في المنطلقات والغايات. ففي حين تنبثق المقاومة الغربية في كثير من الأحيان من نقد داخلي للحداثة والسلطة الحديثة، تنبع المقاومة العربية من مواجهة مباشرة مع بنية كولونيالية لا تزال آثارها حاضرة. المقاربة المابعد كولونيالية الجذرية تتجاوز مجرد الوصف المقارن لتدعو إلى تأسيس نظرية مقاومة تنطلق من موقع المستعمَر، وتعيد صياغة مفاهيم السلطة والمعرفة والحرية بعيداً عن المركزية الغربية. هذه الاستراتيجية الجذرية ليست دعوة إلى انغلاق ثقافي، بل إلى استقلال معرفي يمكّن الفكر العربي من المساهمة في الحوار العالمي من موقع الندية لا التبعية. إنها تتطلب وعياً نقدياً مزدوجاً: نقداً للغرب ولآليات هيمنته، ونقداً ذاتياً للبنى الداخلية التي قد تعيد إنتاج أشكال من الهيمنة. في نهاية المطاف، تظل المقاومة عملية مستمرة وغير مكتملة، تتجدد مع كل محاولة لإعادة إنتاج السيطرة، وتكتسب معناها الحقيقي عندما تتحول من رد فعل إلى مشروع لبناء عالم أكثر عدلاً وإنسانية، ينبثق من تجارب الهامش لا من إملاءات المركز. فكيف نجعل من قضية فك الارتباط مع التأخر نقطة مركزية في جدول أعمال السياسات الرسمية للدول العربية والاسلامية؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

الفينومينولوجيا العربية

ليست الفينومينولوجيا مجرد مذهب فلسفي بين مذاهب القرن العشرين، ولا تقنية وصفية تُضاف إلى مناهج التفكير، بل هي انقلاب في طريقة النظر إلى الإنسان والعالم؛ إذ نقلت السؤال الفلسفي من البحث عن الأشياء كما يُفترض أن تكون في ذاتها، إلى الإصغاء لما يحدث حين تظهر الأشياء للوعي، وحين يتحول العالم من مجرد وجود خارجي إلى عالمٍ مُعاش، محمّل بالدلالة والقيمة والذاكرة والانفعال. إنها، في أعمق دلالاتها، محاولة لاستعادة التجربة الإنسانية قبل أن تُثقلها المفاهيم الجاهزة، والأنساق المغلقة، والأحكام المسبقة.

ومن هنا تأتي دعوة إدموند هوسرل الشهيرة إلى «العودة إلى الأشياء ذاتها»؛ وهي ليست عودة ساذجة إلى الواقع الخارجي، وإنما عودة إلى الظاهرة كما تُعطى في الخبرة. فالمهم ليس الشيء مجرداً عن كل علاقة، بل الشيء كما يُدرك، وكما يتشكل معناه في الشعور. بذلك أعادت الفينومينولوجيا الاعتبار إلى الوعي بوصفه فعلاً لا وعاءً؛ فهو لا يستقبل العالم استقبالاً سلبياً، وإنما يتجه إليه ويمنحه إمكان الظهور والمعنى.

الوعي ليس جزيرة:

يقوم أحد المفاتيح الكبرى للفينومينولوجيا على مفهوم القصدية. فالوعي، في التصور الهوسرلي، وعيٌ بشيء؛ لا يوجد وعياً خالصاً منعزلاً عن موضوعه. أن أحب يعني أن أحب شيئاً، وأن أتذكر يعني أن أتذكر شيئاً، وأن أخاف يعني أن أخاف من شيء. وهكذا تنحل الثنائية التقليدية بين الذات والموضوع في علاقة حية يتكون فيها المعنى من تفاعل الطرفين.

وهنا تكمن إحدى الثورات التي أحدثها هوسرل: فقد لم يعد الوعي مرآةً صامتة للعالم، بل أصبح أفقاً تتشكل داخله كيفية حضور العالم. ومن أجل الوصول إلى البنية العميقة للتجربة اقترح الإبوخيه أو تعليق الحكم، بحيث نضع مؤقتاً بين قوسين اعتقاداتنا المسبقة حول العالم، لا لإنكار العالم، وإنما لكي نرى كيف يُعطى لنا.

من هوسرل إلى هايدغر: من الوعي إلى الوجود:

إذا كان هوسرل قد جعل الوعي نقطة انطلاق الفينومينولوجيا، فإن مارتن هايدغر دفعها نحو سؤال أكثر جذرية: ما معنى أن يكون الإنسان موجوداً؟

لم يعد الظهور عند هايدغر مجرد كيفية حضور موضوع أمام وعي، بل أصبح طريقاً إلى كشف الوجود ذاته. فالإنسان ليس ذاتاً تقف خارج العالم لتراقبه، وإنما كائن منخرط في العالم، يعيش فيه، ويعمل، ويحب، ويخاف، ويموت. ولذلك ارتبط مفهوم «الوجود-في-العالم» بتجاوز الثنائية الصلبة بين الذات والموضوع.

وهنا يصبح الموت، مثلاً، ليس حادثة تقع في نهاية الحياة فحسب، بل إمكانية تكشف للإنسان حقيقة وجوده المحدود. فالإنسان لا يفهم ذاته تماماً إلا حين يواجه هشاشته وفناءه وقلقه ومسؤوليته عن اختياراته.

ميرلو-بونتي: الجسد الذي يفكر قبل الفكر:

أما موريس ميرلو-بونتي فقد أحدث تحولاً بالغ الأهمية حين أعاد للجسد مكانته في بناء الإدراك. فالجسد ليس شيئاً نملكه كما نملك الأشياء، بل هو طريقتنا الأولى في أن نكون في العالم.

نحن لا نرى العالم بأعيننا فقط؛ إننا نلمسه ونقترب منه ونبتعد عنه ونحسّ بثقله وحرارته ومسافته. ولذلك يصبح الجسد وسيطاً للمعنى، لا مجرد مادة بيولوجية. ومن هذه الزاوية، فإن تجربة الإنسان لا تبدأ من عقل منفصل عن الجسد، بل من كائن جسدي يعيش العالم قبل أن يحوله إلى مفاهيم.

سارتر: الوعي والحرية والآخر:

وفي الفينومينولوجيا الوجودية عند جان بول سارتر، يتحول الوعي إلى حركة مستمرة من التجاوز. فالإنسان ليس ماهية مكتملة تحددها مسبقاً، وإنما مشروع يتشكل من خلال اختياراته. ولهذا ارتبط الوعي بالحرية والمسؤولية.

غير أن الحرية لا تعيش في فراغ؛ فالآخر حاضر دائماً بوصفه نظرةً وحكماً واحتمالاً. ومن هنا جاءت تجربة النظر عند سارتر بوصفها تجربة تكشف للإنسان ذاته من خلال حضور الآخر. فالإنسان لا يعيش في عالم الأشياء فقط، بل في عالم من الذوات التي تنظر إليه وتؤوله وتمنحه أو تسلبه بعض إمكانات تعريف ذاته.

الفينومينولوجيا العربية: من استيراد المنهج إلى إعادة مساءلته:

لم يبقَ الأفق الفينومينولوجي حبيس الفلسفة الغربية؛ فقد دخل إلى الفكر العربي الحديث عبر ترجمات ودراسات ومشروعات فلسفية حاولت أن تجعل منه أداة لفهم أزمة الإنسان العربي وعلاقته بالتراث والحداثة والهوية.

وقد كان زكي نجيب محمود شديد الحساسية تجاه ضرورة التمييز بين الفلسفة التي تتحول إلى ترف اصطلاحي والفلسفة التي تنزل إلى مشكلات الإنسان الواقعية. ومن زاوية مختلفة، أسهم عبد الرحمن بدوي في التعريف بالفلسفة الوجودية والفينومينولوجية، ونقل جانباً مهماً من مفاهيمها إلى العربية، كما جعل من سؤال الوجود والحرية والذات مركزاً لعدد من أعماله.

أما حسن حنفي فقد سعى إلى إعادة توظيف الظاهراتية ضمن مشروعه الفلسفي الأوسع، ولا سيما في قراءته للتراث والوعي والواقع، محاولاً ألا تبقى الظاهراتية مجرد وافد فلسفي غربي، بل أن تتحول إلى أداة في تحليل الواقع العربي. بينما اتخذ محمد عابد الجابري مساراً معرفياً ونقدياً مختلفاً، مركزاً على بنية العقل العربي وآليات إنتاج المعرفة، وهو ما يفتح، بصورة غير مباشرة، سؤالاً قريباً من السؤال الفينومينولوجي: كيف يتشكل الوعي بالمعنى داخل منظومة ثقافية محددة؟

ومن جهة أخرى، منح عبد الله العروي سؤال الوعي التاريخي والحداثة مكانة مركزية، فيما اشتغل طه عبد الرحمن على العلاقة بين الفعل والمعنى والأخلاق، مؤكداً أن الفكر لا يستنفد الإنسان إذا انفصل عن تجربته الأخلاقية والوجودية. وهذه المسارات، على اختلافها، تؤكد أن استقبال الفينومينولوجيا عربياً لم يكن مجرد نقل لمصطلحاتها، وإنما كان محاولة لإعادة صياغة سؤال الذات والوعي والمعنى في سياق ثقافي مغاير.

الفينومينولوجيا والأدب: حين يصبح النص تجربةً معاشة:

ولعل الأدب من أكثر المجالات قابليةً للحوار مع الفينومينولوجيا؛ لأن الأدب لا يكتفي بوصف الأشياء، بل يعيد بناء كيفية حضورها في الشعور. فالمدينة في الرواية ليست شوارع وأبنية، وإنما ذاكرة ومخاوف وحنين؛ والنافذة ليست مجرد إطار زجاجي، وإنما انتظار؛ والمطر ليس ماءً ساقطاً من السماء، وإنما قد يكون حزناً أو خلاصاً أو استعادة لطفولة بعيدة.

ومن هنا يمكن أن نفهم لماذا تتقاطع الفينومينولوجيا مع الشعر والسرد: كلاهما يحاول القبض على اللحظة التي يتكون فيها المعنى قبل أن يتحول إلى تعريف نهائي. إن الشاعر لا يقول لنا فقط «ماذا رأى»، وإنما يجعلنا نرى كيف رأى.

وهذا ما يجعل الفينومينولوجيا ذات صلة عميقة بالنقد الأدبي؛ فهي تنقل السؤال من: «ماذا يعني النص؟» إلى سؤال أسبق: كيف يتشكل المعنى في تجربة القراءة؟ وكيف يحضر العالم داخل اللغة؟

بين الظاهرة والجوهر:

غير أن الفينومينولوجيا لا ينبغي أن تُفهم بوصفها بحثاً عن جوهر ثابت مختبئ خلف الظواهر، كما لو أن العالم يخفي حقيقة نهائية لا تنتظر إلا الكشف. فالجوهر عند هوسرل يتصل بالبنية التي تجعل التجربة ما هي عليه؛ أي بما يمكن استخلاصه عبر النظر المتأني في كيفية ظهورها.

وهنا تكمن قيمة المنهج: إنه يعلمنا أن نتأنى قبل الحكم، وأن نصغي قبل التفسير، وأن نعيد النظر في ما اعتدنا اعتباره بديهياً. إنها فلسفة مقاومة للتسرع المعرفي؛ لأن كثيراً من أخطائنا لا تأتي من نقص المعلومات، وإنما من سرعة تحويل التجربة إلى حكم.

أن نرى العالم للمرة الأولى:

الفينومينولوجيا، في جوهرها، ليست دعوة إلى الهروب من العالم، بل إلى العودة إليه بوعي أكثر يقظة. إنها تعلمنا أن العالم الذي نظنه مألوفاً قد يصبح غريباً حين نكف عن النظر إليه بعين العادة؛ وأن الإنسان نفسه يحتاج أحياناً إلى أن يخلع عن ذاته التعريفات التي تراكمت فوقها، لكي يكتشف ما الذي يعنيه أن يكون إنساناً.

لقد أعادت الفينومينولوجيا إلى الفلسفة سؤالاً بالغ البساطة والعسر معاً: كيف يظهر العالم لنا؟ ومن هذا السؤال الصغير انفتحت أسئلة كبرى حول الوعي والجسد واللغة والزمان والآخر والحرية والموت.

ولعل أعظم ما يمكن أن نتعلمه منها أن الحقيقة لا تبدأ دائماً من امتلاك جواب، بل من تحرير السؤال من أوهام الإجابة الجاهزة. فالفلسفة، حين تستعيد قدرتها على الدهشة، لا تعود مجرد بناء نظري فوق العالم، وإنما تصبح تمريناً على رؤية العالم من جديد؛ كأننا نراه للمرة الأولى، وكأن الوعي، في كل لحظة، يولد من جديد.

***

بقلم: عماد خالد رحمة ـ برلين

الجذور المعرفية والسياسية لأزمة العقل

تطرح دراسة الإيتولوجيا، بوصفها دراسة لأصول ومسببات وديناميكيات المعرفة الإنسانية، تساؤلات جوهرية حول الآليات التي ينحرف بها العقل عن مساره النقدي ليقع فريسة للوعي الزائف والأوهام. إن دراسة "عِلل العقل الفلسفية" لا تعني البحث في الاختلالات العصبية أو البيولوجية، بل تتمثل في فحص التشوهات البنيوية التي تعتري آليات الإدراك والتفكير نتيجة لتعقيدات البِنَى الاجتماعية، والسياسية، والاقتصادية، والانفعالية. وفي غياب العقل النقدي الفاعل، تتخلق "آليات سردية" كبرى تعمل على إنتاج وإعادة إنتاج "الخرافة" كأداة للهيمنة. هذه الخرافة، في تجلياتها الحديثة، تتجاوز الأساطير القديمة لتتخذ أنساق فكرية وعقائد مؤسسية وحقائق تكنولوجية تُفرض على الوعي الجمعي. 

لقد شهد التاريخ الفكري والسياسي البشري ما يمكن تسميته بـ"انتفاضة العقل التحرري"، وهي محاولات حثيثة متكررة قادها فلاسفة، ومنظرون نقديون، وحركات اجتماعية بهدف تفكيك هذه السرديات وتحرير الوعي الإنساني من الاستلاب والاغتراب. ومع ذلك، فإن التحليل العميق للواقع المعاصر يكشف عن مفارقة قاسية؛ إذ لم تؤدِ هذه الانتفاضات إلى تقويض الهيمنة الرأسمالية، بل دفعت هذه الهيمنة إلى تطوير آلياتها، متكيفة بمرونة مذهلة عبر ابتكار أدوات استغلال ناعمة تعيد صياغة السلوك البشري من الداخل. إنَّ التقاطعات بين طبائع المعرفة والعِلل الاجتماعية للعقل، تستهدف تحليل الآليات السردية التي تُنتِج التصديق بالخرافة، وتتبع مسار العقل التحرّري وهو يواجه أشدَّ صور الهيمنة الرأسمالية المعاصرة تجسّدًا في السياسة النفسية والرأسمالية الرقابية. 

طبائع المعرفة ومنابع عِلل العقل، التأسيس السبينوزي:

تضرب دراسة ايتالوجيا المعرفة بجذورها العميقة في الفلسفة السبينوزية، التي أسست لرؤية ثورية تتجاوز الثنائيات الديكارتية الجامدة بين العقل والجسد. يقدم باروخ سبينوزا، في عمله الأبرز "الأخلاق"، فهمًا للمعرفة ينبثق من مبدأ "المحايثة"، حيث الطبيعة (أو الجوهر) هي الأساس الشامل الذي تتولد منه كافة الموجودات. وفي هذا السياق، تتحول دراسة المعرفة إلى دراسة لـ "طبائع الأشياء"، تدرس كيفيات الوجود، وأشكال تحقق الموجودات بوصفها قوة وحركة وعلاقات تأثير وتأثر، بعيدًا عن الماهيات والمفاهيم القبلية المجردة. يرى سبينوزا أن الإنسان يمتلك "جهدًا" للاستمرار في وجوده، وهذا الجهد يحدد انفعالاته، التي أدّت دورًا مركزيًا في تشكيل بنيته الإدراكية.

تنشأ الخرافة، وفقًا لهذا التأسيس السبينوزي، من قصور معرفي أصيل في مستوى المعرفة الأول، الذي يُطلق عليه سبينوزا "المعرفة التخيلية". في هذا المستوى، يدرك الإنسان الأشياء بتأثيرها على جسده دون أن يفهم الأسباب الحقيقية التي أدت إليها. هذا الجهل بالأسباب يولد ما يسميه سبينوزا "وهم الغائية" أو "المركزية البشرية". فالإنسان، لأنه يعي رغباته ويتصرف في تحقيق غايات معينة، يفترض وهمًا أن الطبيعة كُلََّها تعمل وفقًا لغايات مصممة خصيصًا من أجله، وأن هناك قِوَى عليا تدير الكون لخدمته أو معاقبته.

يتغذى هذا الوهم المعرفي على انفعالات الخوف والرجاء. فحين يواجه البشر تقلبات الطبيعة والحياة، ويتأرجحون بين الخوف من الكوارث والرجاء في النجاة، يلجؤون إلى اختلاق سرديات خرافية وتهويمات تمنحهم شعورًا زائفًا بالسيطرة والأمان. هكذا، تصبح الخرافة بمنزلة عِلّة عقلية مَرَضية ناتجة عن العجز الإنساني وعن الارتقاء إلى المعرفة العقلية والمعرفة الحدسية التي تدرك الضرورة الطبيعية وقوانينها الحتمية، التي تقود وحدها إلى الحرية الحقيقية أو "الغبطة". 

كسوف العقل

في القرن العشرين، ومع تصاعد الهيمنة التكنولوجية والأنظمة الشمولية، اتخذت دراسة عِلل العقل بعدًا اجتماعيًا وتاريخيًا نقديًا على يد فلاسفة مدرسة فرانكفورت. في كتابه الرائد "كسوف العقل"، يقدم ماكس هوركهايمر تحليلًا تاريخيًا لكيفية تدهور العقل البشري وتحوله إلى أداة لإنتاج الخرافة المعاصرة. يميز هوركهايمر بين نمطين من العقل:

"العقل الموضوعي" و"العقل الذاتي/الأداتي"

كان العقل الموضوعي، كما تبلور في الفلسفات الكلاسيكية منذ أفلاطون، قوة كونية كامنة في الواقع ذاته، قادرة على إدراك الغايات الكُلِّيَّة، وتحديد الصواب والخطأ، وفهم الانسجام بين الإنسان والمجتمع والطبيعة. في المقابل، فإن الحداثة الرأسمالية والاتجاهات الوضعية والبراغماتية أدت إلى صعود "العقل الذاتي"، الذي تم إفراغه من أي محتوى معياري أو أخلاقي، وتحول إلى مجرد آلة حسابية وتنسيقية تهدف إلى تحقيق أقصى قدر من الكفاءة والمصلحة الذاتية دون مساءلة الغايات بحد ذاتها.

يؤكد هوركهايمر أن "كسوف العقل" حدث عندما تم إخضاع العقل بالكامل لعملية الإنتاج الاجتماعي والرأسمالي، حيث أصبح العقل "أداتياً" لا يهتم بسوى كيفية السيطرة على الطبيعة وعلى البشر. هذا التجريد وإفراغ العقل من المعنى الموضوعي جعل المجتمعات عرضة للاستلاب الأيديولوجي، وسهل على الأنظمة الفاشية والرأسمالية المتوحشة تحويل الجماهير إلى مجرد أدوات، حيث يولد العقل الأداتي خرافة جديدة تتمثل في تقديس التكنولوجيا والسوق الكفء كحقائق مطلقة.

 عِلل العقل الاجتماعي وأمراض التشيؤ

امتدادًا لهذا التراث النقدي، يطرح الفيلسوف أكسيل هونيث مفهوم "عِلل العقل الاجتماعي". ينطلق هونيث من إرث هيجل ليرى أن العقل الإنساني وتطوره لا يحدث في عزلة، بل هو نتاج "مسار تعليمي" يتشكل عبر صراعات "الاعتراف المتبادل". عندما تعيق المؤسسات الرأسمالية المتأخرة تحقيق هذا الاعتراف، وتخلق هوات عميقة من اللامساواة والهيمنة، يظهر التدهور البنيوي في صورة ممارسات اجتماعية ونفسية مشوهة.

يُعيد هونيث صياغة مفهوم "التشيؤ" الذي طرحه جورج لوكاتش، مُجرداً إياه من حتميته الاقتصادية الصارمة المرتبطة بالسوق الرأسمالي فحسب، ليعرفه كعِلّة تتمثل في "نسيان الاعتراف". التشيؤ هنا هو فقدان للمشاركة الوجدانية والانفعالية العميقة مع العالم ومع الآخرين، حيث يتحول البشر والطبيعة في نظر الفرد إلى مجرد أرقام أو أشياء قابلة للاستغلال والتلاعب. هذا التشيؤ البنيوي يخلق بيئة خصبة لنمو "رذائل معرفية" مثل الغطرسة الفكرية، والانغلاق، والوثوقية العمياء، وانعدام الحساسية المعرفية. هذه الرذائل ليست مجرد عيوب فردية، بل هي أعراض لمرض اجتماعي يمنع الفرد من اكتساب معرفة حقيقية، وتجعله قابلاً لتصديق الخرافات ونظريات المؤامرة التي تعفيه من مسؤولية التفكير النقدي المعقد.

تفكيك الآلية السردية للتصديق بالخرافة وتغييب العقل النقدي

إن الخرافة لا تنتشر في الفراغ؛ بل يتم إنتاجها وتأطيرها ضمن "آليات سردية" متماسكة توفر تفسيرات جاهزة ومريحة للواقع المعقد. وفي غياب العقل النقدي، تعمل هذه السرديات كأدوات للهيمنة، تعيد صياغة وعي الأفراد والمجتمعات بما يخدم هياكل السلطة. 

السردية اللاهوتية-السياسية وصناعة الطاعة

لقد كان سبينوزا رائداً في كشف كيفية تحويل الخرافة النابعة من الخوف إلى آلية سردية سياسية. في "رسالة في اللاهوت والسياسة"، يفضح سبينوزا توظيف المؤسسات اللاهوتية والنظم الملكية للخرافة بهدف السيطرة المطلقة. يدرك الحكام أن الجماهير الخائفة مستعدة لتصديق أي أمر يمنحها الطمأنينة. وبالتالي، فإن "السر الأعظم للحكم الملكي" يكمن في إبقاء الناس في حالة من الخداع الدائم، وتغليف الخوف الذي يسيطر عليهم بغطاء ديني زائف، بحيث يقاتل البشر ببسالة من أجل عبوديتهم واستعبادهم وهم يظنون أنهم يقاتلون من أجل خلاصهم ونجاتهم. إن حرية التفلسف التي دعا إليها سبينوزا لم تكن مجرد حرية سلبية متمثلة في عدم التدخل الخارجي، بل حرية إيجابية تتمثل في قدرة الفرد على إعمال العقل لتفكيك هذه السرديات الكهنوتية والسياسية التي تصنع الطاعة العمياء.

 تفكيك الوعي الزائف والأنساق في الفكر العربي

لا يمكن فهم استدامة الخرافة في السياقات غير الغربية دون التطرق إلى التحليل النقدي الذي قدمه المفكر المغربي عبد الله العروي في مؤلفاته، ولا سيما "الأيديولوجيا العربية المعاصرة" و"مفهوم الإيديولوجيا". يرى العروي أن العقل العربي يعاني من أزمة "وعي زائف" متجذرة تعود إلى ما يسميه بـ"التأخر التاريخي" مقارنة بالغرب.

يصنف العروي المثقفين العرب تاريخياً إلى ثلاثة نماذج تعتمد جميعها آليات سردية تغيب العقل النقدي التاريخاني:

"الشيخ" الذي يعتمد على التاريخ المقدس محاولاً العودة إلى عصر ذهبي متخيل وتأطير الواقع عبر نصوص أسطورية.

و"الليبرالي" الذي يتبنى سردية خارجية دون فهم صيرورتها التاريخية، و"التقني" الذي يختزل الحضارة في أدواتها المادية ويتجاهل السياق الثقافي والفلسفي لإنتاجها.

هذه التصنيفات تعمل بمثابة "قناع" يخفي المصالح، و"أفق ذهني" يحبس المثقف في دوامة من التساؤلات الزائفة. وفي ظل غياب القطيعة المعرفية والتبني الصارم لمنهج "التاريخانية"، يستمر العقل العربي في إعادة تدوير الخرافات التراثية أو الانبهار الأعمى بالآخر، عاجزاً عن بلورة سردية تحررية عضوية تواجه الواقع بموضوعية. 

مساعي الانعتاق ومقاومة الاستلاب

كرد فعل حتمي على تشوهات العقل والعقائد الخرافية، تشكلت تيارات معرفية وسياسية أسست لما يُعرف بـ"انتفاضة العقل التحرري"، وهي مشاريع سعت بكل قوة لاستعادة قدرة الإنسان على الوعي الذاتي وتحطيم هياكل القهر. 

هابرماس وتأصيل المصلحة التحررية

شكلت إسهامات يورغن هابرماس امتداداً نقدياً ومراجعة عميقة لتشاؤم الجيل الأول من مدرسة فرانكفورت. في كتابه المحوري "المعرفة والمصلحة البشرية"، يؤكد هابرماس أن المعرفة ليست مجرد مسعى محايد، بل هي موجهة بمصالح بشرية عميقة الجذور. يميز هابرماس بين ثلاثة أنواع من المصالح المعرفية:

"المصلحة التقنية" التي توجه العلوم الطبيعية للسيطرة على البيئة، و"المصلحة العملية" التي توجه العلوم التأويلية للفهم البين-ذاتي، وأخيراً "المصلحة التحررية" التي توجه النظرية النقدية والتحليل النفسي.

إن المصلحة التحررية هي قوة الإرادة العقلانية التي تدفع الإنسان نحو التأمل الذاتي لتحرير نفسه من التعصب الفكري، والقيود السلطوية، وأشكال "التواصل المشوه" الذي تفرضه السلطة والتقاليد. من خلال تطوير "نظرية الفعل التواصلي"، أسس هابرماس لانتفاضة عقلية لا ترفض الحداثة بأكملها، بل تسعى لتحرير "العقلانية التواصلية" من طغيان "العقلانية الأداتية" التي اختزلت الحياة في الكفاءة الفنية والبيروقراطية.

 استمرار الهيمنة الرأسمالية

ورغم هذه المساعي التحررية، لم تقف السلطة مكتوفة الأيدي؛ بل أظهرت قدرة داروينية مذهلة على التكيف، والتحول، واستيعاب النقد. لقد غيرت الرأسمالية من طبيعتها السردية والتنظيمية، منتقلة من قمع الأجساد المباشر إلى استهداف العقل نفسه بأساليب لا شعورية بالغة التعقيد والتطور، مدشنة ما يمكن اعتباره "خرافة تكنولوجية" معاصرة.

الرأسمالية كديانة وآكلة للحوم البشر

وضع الفيلسوف فالتر بنيامين في شذرته "الرأسمالية كدين" البذرة لفهم هذا الاستمرار. أكد بنيامين أن الرأسمالية ليست مجرد هيكل اقتصادي، بل هي عقيدة دينية خالصة، تقيم طقوساً لا تتوقف ولا تمنح أتباعها أي خلاص أو كفارة، بل تراكم لديهم الإحساس بـ"الدين/الذنب" إلى الأبد. وتتضح وحشية هذه العقيدة اليوم فيما تصفه المفكرة نانسي فريزر بـ"الرأسمالية الآكلة للحوم البشر"، والتي لم تعد تكتفي باستغلال فائض القيمة من العمالة، بل باتت تتغذى بضراوة على استنزاف مجالات الاستنساخ الاجتماعي والبيئة الطبيعية، والمصادرة العرقية المستمرة. هذه المنظومة تخلق "أزمات معرفية" ممنهجة تمنع الأفراد من رؤية الترابط بين أشكال القهر المتعددة.ترتكز هذه السلطة على الإرث السلوكي لعلماء النفس الراديكاليين مثل بي. إف. سكينر، الذي رأى ضرورة هندسة البيئة للقضاء على وهم "الإنسان الداخلي المستقل" لصالح كائن مبرمج يتفاعل بآلية مع المحفزات. كذلك تعمل الرأسمالية الرقابية بآلية خفية تستخدم فيها المكافآت والعقوبات اللاشعورية والتنبيهات المبرمجة لتوجيه المستهلكين والمواطنين وتطويعهم. في هذه البيئة، يتم مصادرة الاستقلالية الفردية والوكالة الإنسانية التي هي عماد الديمقراطية والعقل التحرري. والخرافة العظمى هنا هي وهم الإجماع والخدمة المجانية المخصصة التي تقدمها شركات التقنية، بينما الحقيقة أنها تجرد الأفراد من حقهم في تقرير المستقبل. 

السياسة النفسية، سلطة البيانات وموت السرد

يصل تحليل استدامة الهيمنة إلى ذروته مع الفيلسوف بيونغ-تشول هان، منتقلاً من مجتمع الانضباط المعتمد على المنع والقسر، إلى عصر "السياسة النفسية". في ظل نظام الرأسمالية الفردية الحديثة، لا تستخدم السلطة أساليب القمع المباشرة، بل تعتمد على استغلال "الحرية" ذاتها كأداة. يتم تحفيز الأفراد للإفصاح عن كل شيء، ومشاركة حياتهم، وتحقيق ذاتهم باضطراد، مما يؤدي إلى استغلال ذاتي طوعي يتميز بكفاءة أعلى بكثير من الاستغلال الخارجي. إن النتيجة مَرَضية بامتياز:

استبدال القمع بالاكتئاب وإنتاج "مجتمع الإرهاق" ذي الأفراد المنهكين الذين يحملون أنفسهم مسؤولية فشلهم.

أما على المستوى المعرفي، فيحذر هان في كتابه "طغيان المعلومات" من أن العصر الرقمي قضى على مفهوم "السردية" العميقة و"الحقيقة" المستقرة. لقد تم استبدال الفكر السردي بسيل عارم من البيانات المنفصلة والمعلومات الخوارزمية الفيروسية التي تثير العاطفة والانفعال السريع وتتبخر فوراً. تنهار الساحة العامة الديمقراطية لتقوم مقامها فقاعات استقطاب وتلاعب نفسي خوارزمي تعتمد على الشحن العاطفي والمحفزات الآنية. هنا، تتحول الخوارزميات إلى ما يشبه "كهنة المعابد الجدد" الذين يتلقون اعترافاتنا وبياناتنا طوعاً، ليعيدوا إنتاج خرافة اللاهوت القديمة ولكن في قالب رقمي حديث.

تكشف القراءة المعمقة لتقاطعات طبائع المعرفة وعِلل العقل الفلسفية أن معركة العقل الإنساني ضد الخرافة ليست مجرد إشكالية إدراكية بحتة قابلة للحل عبر توفير المزيد من الحقائق أو التعليم التقليدي. إنها معركة سياسية واجتماعية بامتياز، محاكة بخيوط السلطة، والانفعال، وتاريخ طويل من الهيمنة. من وهم الغائية السبينوزي، مروراً بالعقل الأداتي لمدرسة فرانكفورت وتشيؤ الاعتراف عند هونيث، تتكشف أمامنا آليات توليد الأوهام التي تعرقل الوعي النقدي.

لقد شكّلت جهود فلاسفة الحفريات التاريخية للأخلاق والمثقفين العضويين، جنباً إلى جنب مع حركات التوعية النقدية والتحرر الكولونيالي التي جسدها هابرماس وفريري وفانون، محطات مشرفة ومفصلية في تاريخ "انتفاضة العقل التحرري". بل إن الدعوات المعاصرة لاستعادة "الشيوعية الحمضية" والقدرة على تخيل بديل تؤكد أن جذوة الرغبة في التحرر لم تنطفئ. إلا أن الرأسمالية المتأخرة، مسلحةً بالرأسمالية الرقابية، والخوارزميات التنبؤية، وسياسات استغلال الحرية الفردية نجحت في إعادة إنتاج آليات استلاب لا تعتمد على القهر الجسدي المباشر بقدر ما تعتمد على تفريغ الوعي، وقتل المعنى، وهندسة السلوك البشري من الداخل.

***

غالب المسعودي

في المثقف اليوم