إذا كانت المحبة قد جمعت شتات القلب، ووحدت وجهته، وأورثته أنس القرب، فإن الإنسان لا يستطيع أن يواصل ارتقاءه في مدارج الكمال والجمال بالمحبة وحدها، إذ لابد للقلب الذي أحب أن يستنير، وللروح التي ذاقت القرب أن تتسع بصيرتها، وللإنسان الذي وجد وجهته أن يعرف حقيقة ما اتجه إليه. ومن هنا تتولد المعرفة بوصفها ثمرة ناضجة للمحبة، ومدرجا جديدا في رحلة الوجود الإنساني، تنتقل فيه الذات من مجرد التعلق بالحقيقة إلى السعي في إدراكها، ومن حرارة الوجدان إلى نور البصيرة.
فالمعرفة ليست مجرد زيادة في المعلومات، ولا اتساعا في الذاكرة، ولا تراكم للمفاهيم في الذهن، وإنما هي تحول يحدث في طريقة الإنسان في رؤية نفسه والعالم والحقيقة. وقد يمتلك الإنسان كثيرا من المعلومات، ثم يبقى فقيرا في المعرفة؛ لأن المعرفة الحقيقية لا تقاس بمقدار ما نختزن من قضايا، وإنما بمقدار ما تغيره الحقيقة في وعينا وسلوكنا ووجودنا. فالعلم الذي لا ينفذ إلى أعماق الإنسان قد يوسع دائرة معلوماته، لكنه لا يوسع بالضرورة دائرة وعيه.
ومن هنا كانت المعرفة في أعمق معانيها فعلا من أفعال الوجود الإنساني؛ لأن الإنسان لا يكتفي بأن يكون موجودا، بل يسأل عن معنى وجوده، ولا يكتفي بأن يرى الأشياء، بل يبحث عما وراء ظواهرها، ولا يقنع بأن يعيش داخل العالم، بل يريد أن يفهم موقعه فيه، والغاية التي من أجلها وجد. وهذا السؤال هو الذي يميز الإنسان عن مجرد الوجود الطبيعي؛ إذ إن الإنسان كائن لا يعيش الواقع فحسب، وإنما يعيش أيضا في أفق السؤال عن الواقع ومعناه ومصيره.
ولذلك فإن المعرفة تمثل انتقالا من الوجود الذي يمر بالإنسان إلى الوجود الذي يعيه الإنسان. فالعمر يمنحه الزمن، والتجربة تمنحه الخبرة، والألم يوقظ فيه السؤال، والصبر يهذب إرادته، والتوكل يحرره من وهم السيطرة، والرضا يمنحه السكينة، والمحبة توحد وجهته، ثم تأتي المعرفة لتمنحه القدرة على النظر في كل ذلك بعين أكثر وعيا وبصيرة. وهكذا لا تظهر المعرفة في مشروعنا بوصفها عنصرا منفصلا عن المراحل السابقة، وإنما باعتبارها ثمرة طبيعية لتراكم الوعي الإنساني عبر هذه المدارج.
وإذا كانت المحبة قد علمت الإنسان أن قيمة الشيء لا تقاس بمجرد امتلاكه، وإنما بما يمثله من معنى في قلبه، فإن المعرفة تعلمه أن ما يحبه يحتاج إلى بصيرة تهديه في طريق التعلق به. فالمحبة بغير بصيرة قد تتحول إلى تعلق أعمى، والمعرفة بغير محبة قد تتحول إلى جفاف ذهني، أما حين يلتقي القلب والعقل، فإن المعرفة تتحول إلى نور، والمحبة تتحول إلى وعي، ويصبح الإنسان قادرا على أن يرى ما يحب رؤية أعمق، وأن يحب ما عرفه حبا أكثر نضجا واتزانا.
وهنا تتضح العلاقة العميقة بين المعرفة والمحبة؛ فالمحبة تفتح للإنسان باب المعرفة لأنها تدفعه إلى طلب محبوبه وفهمه والاقتراب من معناه، والمعرفة بدورها تعيد تشكيل المحبة، فكلما اتسعت بصيرة الإنسان بما يحب، تحررت محبته من الوهم، وصارت أكثر صفاء وتجردا. ولهذا لا ينبغي أن نفهم العلاقة بينهما باعتبارها علاقة سببية بسيطة تبدأ بالمحبة وتنتهي بالمعرفة، وإنما باعتبارها حركة ارتقاء متبادلة، تتغذى فيها المحبة من المعرفة، وتستنير المعرفة بالمحبة.
ومن هنا تصبح المعرفة أحد أهم مدارج الكمال والجمال في الوجود الإنساني. فهي من جهة كمال، لأنها ترتقي بالإنسان من الجهل إلى الوعي، ومن الغفلة إلى الانتباه، ومن اضطراب الرؤية إلى وضوحها، وتجعله أكثر قدرة على فهم ذاته وتوجيه إرادته واختيار غايته. وهي من جهة أخرى جمال، لأنها تكشف للإنسان ما وراء الظاهر من المعاني، وتمنحه القدرة على رؤية التناسق في الوجود، والجمال في الخلق، والحكمة في التجربة، حتى يصبح العالم بالنسبة إليه أكثر من مجرد أشياء متجاورة، بل شبكة من الدلالات التي تستحق التأمل.
لكن المعرفة لا تبلغ قيمتها الحقيقية إلا إذا تحولت من معرفة للشيء إلى معرفة تغير علاقة الإنسان بالشيء. فقد يعرف الإنسان معنى الصبر، ولا يكون صابرا، ويعرف معنى التوكل، ولا يطمئن، ويعرف معنى الرضا، ولا يسكن، ويتحدث عن المحبة دون أن يحب. ولذلك فإن المعرفة التي نريدها هنا ليست معرفة وصفية تقف عند حدود التعريف، وإنما معرفة وجودية تتجاوز السؤال: ماذا أعرف؟ إلى سؤال أعمق: ماذا صنعت المعرفة بي؟
فالمعرفة التي لا تغير صاحبها قد تكون حيازة ذهنية، أما المعرفة التي تعيد ترتيب دواخله فهي وعي. ومن هنا يمكن أن نقول إن الإنسان لا يرتقي بكثرة ما يعرف فقط، وإنما بقدر ما يتحول ما يعرفه إلى بصيرة، وما تدركه بصيرته إلى موقف، وما يتحول إلى موقف إلى سلوك، وما يستقر في السلوك إلى معنى يعيشه.
وهذا يفسر لماذا لم تكن المعرفة في التراث الإسلامي مجرد نشاط عقلي منعزل عن تزكية النفس. فالعقل في التصور الإسلامي ليس خصما للقلب، والقلب ليس بديلا عن العقل، وإنما كلاهما من أدوات الإنسان في طلب الحقيقة، متى تحررا من الهوى والغفلة. ولذلك كان العلم الذي يثمر خشية، والمعرفة التي تورث تواضعا، والفهم الذي يقود إلى العمل، أرفع من معرفة تكدس المعلومات ولا تغير صاحبها.
ومن هنا أيضا يمكن فهم المعرفة في التجربة الروحية باعتبارها انتقالا من معرفة الأشياء إلى معرفة المعنى، ومن النظر في العالم إلى النظر في الدلالة التي يكشفها العالم. فالإنسان قد ينظر إلى الكون بعين الحس، فيرى ظواهره، وقد ينظر إليه بعين العقل، فيدرك نظامه، ثم ينظر إليه بعين البصيرة، فيتجاوز النظام إلى الحكمة، ويتجاوز الحكمة إلى الدلالة على خالقها.
ولا يعني ذلك إلغاء المعرفة الحسية أو العقلية، بل يعني أن المعرفة الإنسانية تتسع كلما اتسعت أدوات الإنسان في النظر. فالحواس تمنحه مادة الإدراك، والعقل ينظمها ويفسرها، والبصيرة تمنحها أفقا من المعنى. وإذا اختزل الإنسان المعرفة في مستوى واحد منها، ضاق أفقه عن الإحاطة بحقيقة وجوده.
ولهذا فإن المعرفة في أرقى صورها ليست انفصالا عن العالم، وإنما هي عودة إليه بوعي جديد. فالإنسان العارف لا يهرب من الحياة، ولا يحتقر العالم، ولا يتخلى عن العقل، وإنما يرى الأشياء في مواضعها، ويمنح كل شيء قدره، ولا يجعل الوسيلة غاية، ولا الظاهر نهاية، ولا الجزئي بديلا عن الكلي.
وهنا تبرز قيمة المعرفة في إعادة بناء علاقة الإنسان بنفسه أيضا؛ إذ لا يستطيع الإنسان أن يعرف العالم دون أن يواجه سؤال ذاته. وكلما تعمقت معرفته بنفسه، أدرك حدود قدرته، واكتشف دوافعه الخفية، وتبين له مقدار ما يختلط في داخله من رغبات ومخاوف وأوهام. ومن هنا تصبح معرفة النفس مدخلا ضروريا إلى تحريرها، لأن الإنسان لا يستطيع أن يتجاوز ما لا يراه، ولا أن يصلح ما لا يعرفه.
ولهذا كانت المعرفة في جوهرها كشفا قبل أن تكون امتلاكا؛ كشفا للإنسان عن ذاته، وكشفا للعالم عن دلالاته، وكشفا للحقيقة عن أفقها. وكلما انكشف للإنسان شيء من الحقيقة، اكتشف في الوقت نفسه محدودية ما كان يظنه معرفة مكتملة. ومن هنا تنشأ إحدى أجمل خصائص المعرفة الحقيقية: أنها لا تورث الغرور، وإنما تورث التواضع؛ لأن العارف كلما اتسعت رؤيته، اتسع معها إدراكه لما يجهله.
وهكذا تهيئ المعرفة الإنسان لمرتبة أعمق من الوعي؛ مرتبة لا يعود فيها السؤال عن الحقيقة منفصلا عن السؤال عن الغاية، ولا يصبح إدراك النظام في الوجود منفصلا عن البحث عمن أقام هذا النظام، ولا يبقى النظر في الجمال مجرد تذوق، بل يتحول إلى سؤال عن مصدر الجمال، ولا يبقى إدراك الكمال مجرد إعجاب، بل يتحول إلى توق إلى الكمال المطلق.
ومن هنا يبدأ المعنى الأعمق للمعرفة في الظهور؛ فكلما ارتقى الإنسان في مدارجها، لم يعد غرضه أن يعرف أشياء أكثر، وإنما أن يرى الحقيقة رؤية أعمق، وأن يدرك موقع نفسه منها، وأن تتوحد لديه المعرفة والغاية، فيتحول السؤال من: ماذا أعرف؟ إلى: إلى أين تقودني هذه المعرفة؟
وهنا تحديدا تتهيأ المعرفة للانتقال من كونها ثمرة للمحبة إلى كونها طريقا يكشف للإنسان حقيقة المحبوب، ويمنحه من البصيرة ما يجعله أكثر استعدادا لإدراك وحدة المعنى وراء تعدد الموجودات.
وللحديث بقية في الجزء الثاني من المقال إن شاء الله..........
***
بقلم: أ. د. ياسر البتانوني
أستاذ الفلسفة الإسلامية بكلية الآداب جامعة المنوفية








