أقلام فكرية
غالب المسعودي: المعضلة الداروينية للتدين
والتحول نحو النموذج البيولوجي - الثقافي
يُعَد التدين، بصفته ظاهرة إنسانية شاملة عابرة للثقافات والأزمان، إحدى أعقد المعضلات التي تواجه النظرية التطورية الحديثة. فمن منظور دارويني كلاسيكي قائم على حسابات "التكلفة والعائد"، يبدو الدين وكأنه "شذوذ" بيولوجي؛ إذ يستهلك موارد هائلة من الوقت والطاقة، ويفرض قيوداً سلوكية صارمة (كالصيام، والتبتل، والتضحية بالموارد)، وغالباً ما يعرّض الأفراد لمخاطر شتى دون تقديم مكاسب بقائية فورية وملموسة توازي هذه التكاليف. والسؤال هنا: إذا كان التطور يعمل بآلية "الانتخاب الطبيعي" التي تُبقي السمات المفيدة وتستبعد السمات الضارة أو المكلفة بلا طائل، فكيف نجح الدين في الصمود والاستمرار عبر عشرات الآلاف من السنين في كافة المجتمعات البشرية؟
هيمنة "النموذج المعياري": الدين كنتوء ثانوي
تستند النظرية القائلة بأن الدين ليس تكيفاً تطورياً، بل نتاج عرضي، إلى استعارة معمارية شهيرة صاغها عالما الأحياء التطورية "ستيفن جاي غولد" و"ريتشارد ليوونتين" في ورقتهما البحثية المفصلية "نتوءات سان ماركو". في العمارة البيزنطية، "النتوء" هو تلك المساحة المثلثة التي تتشكل حتماً كضرورة هندسية عند تحميل قبة دائرية على أقواس مربعة. لم يصمم المعماري هذه المساحة لغرض الرسم عليها ابتداءً، لكنها نشأت كضرورة إنشائية، ومِن ثَمَّ استُغلت لاحقاً لوضع الزخارف.
في السياق التطوري، يجادل أنصار هذا التوجه - وعلى رأسهم "باسكال بوير" و"سكوت أتران" - بأن الدين يشبه هذه النتوءات؛ فالعقل البشري لم يتطور "ليتدين"، بل تطور لحل مشاكل البقاء في بيئة الأسلاف (مثل تجنب الحيوانات المفترسة، وفهم العلاقات الاجتماعية، واستخدام الأدوات). وعليه، فإن هذه الضغوط التطورية أنتجت آليات معرفية محددة، وما التدين إلا نتيجة عرضية لتفاعل هذه الآليات أو لفرط نشاطها.
جهاز كشف الوكالة مفرط النشاط
يعتبر "جهاز كشف الفاعلية" ركناً أساسياً في النموذج المعياري، حيث تشير النظرية إلى أن عقل الإنسان تطور ليكون متحيزاً نحو الحذر المفرط. في حياة الغابة قديماً، كان ارتكاب خطأ "الإيجاب الكاذب" (أي الظن بوجود خطر غير موجود) أفضل للنجاة من "السلب الكاذب" (تجاهل خطر حقيقي). فإذا سمع الإنسان صوتاً خافتاً، فإن الهروب مفترضاً وجود نمر حتى لو كان الصوت مجرد ريح، هو خيار آمن قليل التكلفة. أما الاطمئنان واعتبار الصوت ريحاً بينما هو نمر متربص، فهو خطأ قاتل لا فرصة لتداركه.
وفقاً لهذه النظرية، فإن هذا الجهاز مفرط الحساسية يجعل البشر يميلون لنسب الظواهر الطبيعية الغامضة (كالرعد، أو الأمراض، أو حتى الحظ) إلى "وكلاء" غير مرئيين (آلهة، أرواح، جن). وبهذا المعنى، يكون الدين نتيجة حتمية لنظام إنذار تطور لضمان البقاء الجسدي، لكنه "أخطأ الهدف" في البيئات المعقدة معرفياً. ومع ذلك، تواجه هذه الفرضية انتقادات حديثة تشير إلى نقص الأدلة التجريبية المباشرة التي تربط بين الحساسية الحسية للوكالة وبين اعتناق المعتقدات اللاهوتية المعقدة، مما دفع البعض لاقتراح نماذج بديلة تعتمد على "المعالجة التنبئية".
نظرية العقل والتشخيص
تُشكل 'نظرية العقل' الركيزة الثانية للنموذج المعياري، وهي قدرة بشرية متطورة تتيح استنتاج الحالات الذهنية للآخرين (كالنوايا، والرغبات، والمعتقدات)، مما يجعلها ضرورة حتمية للتفاعل الاجتماعي المعقد. وفي هذا الإطار، يجادل تفسير 'النتوء الثانوي' (أو المنتج العرضي) بأن الدين ينشأ نتيجة لتطبيق هذه القدرة خارج سياقها البيولوجي المألوف؛ إذ يميل البشر إلى إسقاط مبادئ 'علم النفس الشعبي' على العالم الطبيعي، متصورين أن للكون وعياً ونيات، وهو ما يمهد الطريق لتبلور فكرة الآلهة باعتبارها 'عقولاً غير مجسدة".'
المفاهيم الأقل تناقضاً مع الحدس
يشرح "باسكال بوير" نجاح الأفكار الدينية وانتشارها عبر مفهوم "الحد الأدنى من التناقض مع الحدس". تميل الذاكرة البشرية لتخزين واسترجاع المفاهيم التي تلتزم بمعظم التوقعات الواقعية (مثل أن الشخص لديه عقل وجسد) لكنها تخرق قاعدة واحدة فقط (مثل شخص لا يموت، أو شجرة تتحدث). الأفكار التي تخرق الكثير من القواعد تبدو غريبة جداً ولا تُصدق، والأفكار التي لا تخرق أي قاعدة تبدو عادية ومملة. تقع الآلهة والأرواح في هذه "المنطقة الذهبية" الوسطى، مما يجعلها "فيروسات عقلية" ناجحة جداً في الاستحواذ على الموارد المعرفية البشرية والانتشار الثقافي، دون أن تكون بالضرورة مفيدة بيولوجياً.
نقد النموذج المعياري: تحدي التكلفة والاستمرار
رغم جاذبية التفسير المعرفي للتدين كنتوء ثانوي، إلا أنه يواجه تحديات جوهرية يبرزها النقاد والتكيفيون، وأهمها "مشكلة التكلفة". فالسمات البيولوجية التي تنشأ كمنتجات عرضية عادة ما تكون محايدة من حيث التكلفة أو ذات تكلفة منخفضة. أما الدين، فمكلف للغاية (وقت، طقوس، قرابين، قيود إنجابية). ووفقاً لمنطق الانتخاب الطبيعي، فإن "النتوء الثانوي" الذي يفرض تكلفة عالية ولا يقدم فائدة تكيفية يجب أن يندثر عبر الزمن. إن استمرار الدين لعشرات الآلاف من السنين يشير إلى أنه قد لا يكون مجرد خطأ معرفي، بل حلاً لمشكلة ما.
البديل التكيفي: الدين كحل لمشاكل العمل الجماعي
في مقابل نظرية النتوء الثانوي، يطرح علماء مثل "ديفيد سلون ويلسون" و"ريتشارد سوسيس" نظرية "التكيف"، التي تجادل بأن الدين نظام متطور وظيفياً لتعزيز بقاء الجماعات البشرية.
أ- الانتقاء الزمري والتماسك الاجتماعي يقدم ديفيد سلون ويلسون في كتابه "كاتدرائية داروين" حجة قوية لإعادة الاعتبار لنظرية "الانتقاء الزمري" الفكرة هي أن التطور لا يعمل فقط على مستوى الجينات الفردية، بل أيضاً على مستوى الجماعات. فالجماعات البشرية التي تبنت أنظمة دينية (تتضمن طقوساً موحدة، ومعايير أخلاقية، وآليات عقاب إلهي) كانت أكثر قدرة على التعاون، وأقل عرضة للتفكك الداخلي، وأكثر كفاءة في الحروب وإدارة الموارد. الدين هنا يعمل كـ "صمغ اجتماعي" يحول الجماعة إلى وحدة تكيفية واحدة تشبه الكائن الحي. تشير الأدلة إلى أن المجتمعات الدينية تظهر معدلات أعلى من "الإيثار النفسي" والتعاون الداخلي، مما يحل مشكلة "تراجيديا المشاع" عبر فرض رقابة غيبية تمنع تقديم المصالح الأنانية على مصلحة الجماعة.
ب- نظرية الإشارة المكلفة تدعم هذه النظرية التفسير التكيفي من خلال معالجة مشكلة "الثقة". في الجماعات الكبيرة، يصعب التمييز بين المتعاونين الصادقين" والمنتفعين بالمجان" الذين يستفيدون من الموارد دون مساهمة. يقترح ريتشارد سوسيس أن الطقوس الدينية الشاقة والمكلفة تعمل كـ "إشارات صادقة" يستحيل تزييفها؛ فالفرد غير المؤمن حقاً لن يدفع هذه التكلفة الباهظة. وقد وجدت دراسات سوسيس على المجتمعات الطوباوية في القرن التاسع عشر أن المجتمعات الدينية التي فرضت طقوساً مكلفة عاشت لفترات أطول (4 أضعاف) مقارنة بالمجتمعات العلمانية، مما يدعم فرضية أن الدين تكيف لتعزيز البقاء الجماعي.
المقاربة التعددية وتأسيس علم الأعصاب اللاهوتي
للخروج من ثنائية (إما تكيف أو نتوء)، يبرز نموذج "التكيف الثانوي" ويشير إلى السمات التي تطورت لغرض معين (أو بلا غرض) ثم أعيد توظيفها لغرض آخر (كريش الطيور الذي تطور للعزل الحراري ثم استُخدم للطيران).
تفكيك خرافة "بقعة الإله":
في بدايات علم الأعصاب اللاهوتي، ساد اعتقاد بوجود "بقعة الإله" في الدماغ، استناداً لملاحظات عن مرضى الصرع الصدغي. إلا أن تقنيات التصوير الحديثة دحضت ذلك؛ فالتدين يعتمد على شبكات عصبية موزعة ومعقدة. هذا الاكتشاف يدعم مبدئياً "النموذج المعياري" (الدين يستعير بنى موجودة مسبقاً)، لكن نمط التفعيل المعقد يشير إلى عملية "تكييف ثانوي" متقنة.
خاتمة
تؤكد الأدلة العصبية صحة فرضية "النتوء الثانوي" من حيث الأصل (لا يوجد عضو ديني خاص)، وتؤكد في الوقت ذاته صحة فرضية "التكيف" من حيث الوظيفة (تحقيق فوائد نفسية واجتماعية). إن الدين، في جوهره العصبي والتطوري، هو عملية "إعادة تدوير إبداعية"؛ حيث قامت الثقافة البشرية باختراق الشبكات العصبية المتاحة (للخوف، والحب، والتخيل) ودمجها في نظام متماسك يوفر المعنى ويضبط السلوك. وبذلك، يظل الدين واحداً من أقوى استراتيجيات البقاء، ليس لأنه "حقيقي" بالمعنى العلمي المادي، بل لأنه "حقيقي" بالمعنى البراغماتي العصبي: إنه، ببساطة، يعمل...!
***
غالب المسعودي
.........................
المراجع
الدراسات والأوراق البحثية
Pyysiäinen, I., & Hauser, M. (2010). Religion as an Evolutionary Byproduct: A Critique of the Standard Model. The British Journal for the Philosophy of Science. رابط المصدر (Journals.uchicago.edu)
Kapogiannis, D., et al. (2009). Seeking the supernatural: The Interactive Religious Experience Model. Social Neuroscience / Taylor & Francis. رابط المصدر (Tandfonline.com)
الكتب والفصول التعليمية
Exaptations and Spandrels. In Evolutionary Psychology: Exploring Big Questions. KPU Pressbooks. رابط المصدر (KPU.pressbooks.pub)
Boyer, P. Religion Explained. (Summary & Review). Blinkist. رابط المصدر (Blinkist.com)
Religion Explained. MentalHealth.com. رابط المصدر (MentalHealth.com)
مقالات ومناقشات عامة
Religious Belief as Adaptation and as Spandrel. 3 Quarks Daily. رابط المصدر (3quarksdaily.com)
HADD its day: there is no evidence for an inherited hyperactive agency detection device. The Skeptic. رابط المصدر (Skeptic.org.uk)
Discussion: Can someone clearly explain S. J. Gould's paper “The Spandrels of San Marco”? Reddit / r/evolution. رابط المصدر (Reddit.com)






