عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام فكرية

عماد خالد رحمة: الفينومينولوجيا من ظاهرة الوعي إلى انكشاف المعنى في التجربة الإنسانية

الفينومينولوجيا العربية

ليست الفينومينولوجيا مجرد مذهب فلسفي بين مذاهب القرن العشرين، ولا تقنية وصفية تُضاف إلى مناهج التفكير، بل هي انقلاب في طريقة النظر إلى الإنسان والعالم؛ إذ نقلت السؤال الفلسفي من البحث عن الأشياء كما يُفترض أن تكون في ذاتها، إلى الإصغاء لما يحدث حين تظهر الأشياء للوعي، وحين يتحول العالم من مجرد وجود خارجي إلى عالمٍ مُعاش، محمّل بالدلالة والقيمة والذاكرة والانفعال. إنها، في أعمق دلالاتها، محاولة لاستعادة التجربة الإنسانية قبل أن تُثقلها المفاهيم الجاهزة، والأنساق المغلقة، والأحكام المسبقة.

ومن هنا تأتي دعوة إدموند هوسرل الشهيرة إلى «العودة إلى الأشياء ذاتها»؛ وهي ليست عودة ساذجة إلى الواقع الخارجي، وإنما عودة إلى الظاهرة كما تُعطى في الخبرة. فالمهم ليس الشيء مجرداً عن كل علاقة، بل الشيء كما يُدرك، وكما يتشكل معناه في الشعور. بذلك أعادت الفينومينولوجيا الاعتبار إلى الوعي بوصفه فعلاً لا وعاءً؛ فهو لا يستقبل العالم استقبالاً سلبياً، وإنما يتجه إليه ويمنحه إمكان الظهور والمعنى.

الوعي ليس جزيرة:

يقوم أحد المفاتيح الكبرى للفينومينولوجيا على مفهوم القصدية. فالوعي، في التصور الهوسرلي، وعيٌ بشيء؛ لا يوجد وعياً خالصاً منعزلاً عن موضوعه. أن أحب يعني أن أحب شيئاً، وأن أتذكر يعني أن أتذكر شيئاً، وأن أخاف يعني أن أخاف من شيء. وهكذا تنحل الثنائية التقليدية بين الذات والموضوع في علاقة حية يتكون فيها المعنى من تفاعل الطرفين.

وهنا تكمن إحدى الثورات التي أحدثها هوسرل: فقد لم يعد الوعي مرآةً صامتة للعالم، بل أصبح أفقاً تتشكل داخله كيفية حضور العالم. ومن أجل الوصول إلى البنية العميقة للتجربة اقترح الإبوخيه أو تعليق الحكم، بحيث نضع مؤقتاً بين قوسين اعتقاداتنا المسبقة حول العالم، لا لإنكار العالم، وإنما لكي نرى كيف يُعطى لنا.

من هوسرل إلى هايدغر: من الوعي إلى الوجود:

إذا كان هوسرل قد جعل الوعي نقطة انطلاق الفينومينولوجيا، فإن مارتن هايدغر دفعها نحو سؤال أكثر جذرية: ما معنى أن يكون الإنسان موجوداً؟

لم يعد الظهور عند هايدغر مجرد كيفية حضور موضوع أمام وعي، بل أصبح طريقاً إلى كشف الوجود ذاته. فالإنسان ليس ذاتاً تقف خارج العالم لتراقبه، وإنما كائن منخرط في العالم، يعيش فيه، ويعمل، ويحب، ويخاف، ويموت. ولذلك ارتبط مفهوم «الوجود-في-العالم» بتجاوز الثنائية الصلبة بين الذات والموضوع.

وهنا يصبح الموت، مثلاً، ليس حادثة تقع في نهاية الحياة فحسب، بل إمكانية تكشف للإنسان حقيقة وجوده المحدود. فالإنسان لا يفهم ذاته تماماً إلا حين يواجه هشاشته وفناءه وقلقه ومسؤوليته عن اختياراته.

ميرلو-بونتي: الجسد الذي يفكر قبل الفكر:

أما موريس ميرلو-بونتي فقد أحدث تحولاً بالغ الأهمية حين أعاد للجسد مكانته في بناء الإدراك. فالجسد ليس شيئاً نملكه كما نملك الأشياء، بل هو طريقتنا الأولى في أن نكون في العالم.

نحن لا نرى العالم بأعيننا فقط؛ إننا نلمسه ونقترب منه ونبتعد عنه ونحسّ بثقله وحرارته ومسافته. ولذلك يصبح الجسد وسيطاً للمعنى، لا مجرد مادة بيولوجية. ومن هذه الزاوية، فإن تجربة الإنسان لا تبدأ من عقل منفصل عن الجسد، بل من كائن جسدي يعيش العالم قبل أن يحوله إلى مفاهيم.

سارتر: الوعي والحرية والآخر:

وفي الفينومينولوجيا الوجودية عند جان بول سارتر، يتحول الوعي إلى حركة مستمرة من التجاوز. فالإنسان ليس ماهية مكتملة تحددها مسبقاً، وإنما مشروع يتشكل من خلال اختياراته. ولهذا ارتبط الوعي بالحرية والمسؤولية.

غير أن الحرية لا تعيش في فراغ؛ فالآخر حاضر دائماً بوصفه نظرةً وحكماً واحتمالاً. ومن هنا جاءت تجربة النظر عند سارتر بوصفها تجربة تكشف للإنسان ذاته من خلال حضور الآخر. فالإنسان لا يعيش في عالم الأشياء فقط، بل في عالم من الذوات التي تنظر إليه وتؤوله وتمنحه أو تسلبه بعض إمكانات تعريف ذاته.

الفينومينولوجيا العربية: من استيراد المنهج إلى إعادة مساءلته:

لم يبقَ الأفق الفينومينولوجي حبيس الفلسفة الغربية؛ فقد دخل إلى الفكر العربي الحديث عبر ترجمات ودراسات ومشروعات فلسفية حاولت أن تجعل منه أداة لفهم أزمة الإنسان العربي وعلاقته بالتراث والحداثة والهوية.

وقد كان زكي نجيب محمود شديد الحساسية تجاه ضرورة التمييز بين الفلسفة التي تتحول إلى ترف اصطلاحي والفلسفة التي تنزل إلى مشكلات الإنسان الواقعية. ومن زاوية مختلفة، أسهم عبد الرحمن بدوي في التعريف بالفلسفة الوجودية والفينومينولوجية، ونقل جانباً مهماً من مفاهيمها إلى العربية، كما جعل من سؤال الوجود والحرية والذات مركزاً لعدد من أعماله.

أما حسن حنفي فقد سعى إلى إعادة توظيف الظاهراتية ضمن مشروعه الفلسفي الأوسع، ولا سيما في قراءته للتراث والوعي والواقع، محاولاً ألا تبقى الظاهراتية مجرد وافد فلسفي غربي، بل أن تتحول إلى أداة في تحليل الواقع العربي. بينما اتخذ محمد عابد الجابري مساراً معرفياً ونقدياً مختلفاً، مركزاً على بنية العقل العربي وآليات إنتاج المعرفة، وهو ما يفتح، بصورة غير مباشرة، سؤالاً قريباً من السؤال الفينومينولوجي: كيف يتشكل الوعي بالمعنى داخل منظومة ثقافية محددة؟

ومن جهة أخرى، منح عبد الله العروي سؤال الوعي التاريخي والحداثة مكانة مركزية، فيما اشتغل طه عبد الرحمن على العلاقة بين الفعل والمعنى والأخلاق، مؤكداً أن الفكر لا يستنفد الإنسان إذا انفصل عن تجربته الأخلاقية والوجودية. وهذه المسارات، على اختلافها، تؤكد أن استقبال الفينومينولوجيا عربياً لم يكن مجرد نقل لمصطلحاتها، وإنما كان محاولة لإعادة صياغة سؤال الذات والوعي والمعنى في سياق ثقافي مغاير.

الفينومينولوجيا والأدب: حين يصبح النص تجربةً معاشة:

ولعل الأدب من أكثر المجالات قابليةً للحوار مع الفينومينولوجيا؛ لأن الأدب لا يكتفي بوصف الأشياء، بل يعيد بناء كيفية حضورها في الشعور. فالمدينة في الرواية ليست شوارع وأبنية، وإنما ذاكرة ومخاوف وحنين؛ والنافذة ليست مجرد إطار زجاجي، وإنما انتظار؛ والمطر ليس ماءً ساقطاً من السماء، وإنما قد يكون حزناً أو خلاصاً أو استعادة لطفولة بعيدة.

ومن هنا يمكن أن نفهم لماذا تتقاطع الفينومينولوجيا مع الشعر والسرد: كلاهما يحاول القبض على اللحظة التي يتكون فيها المعنى قبل أن يتحول إلى تعريف نهائي. إن الشاعر لا يقول لنا فقط «ماذا رأى»، وإنما يجعلنا نرى كيف رأى.

وهذا ما يجعل الفينومينولوجيا ذات صلة عميقة بالنقد الأدبي؛ فهي تنقل السؤال من: «ماذا يعني النص؟» إلى سؤال أسبق: كيف يتشكل المعنى في تجربة القراءة؟ وكيف يحضر العالم داخل اللغة؟

بين الظاهرة والجوهر:

غير أن الفينومينولوجيا لا ينبغي أن تُفهم بوصفها بحثاً عن جوهر ثابت مختبئ خلف الظواهر، كما لو أن العالم يخفي حقيقة نهائية لا تنتظر إلا الكشف. فالجوهر عند هوسرل يتصل بالبنية التي تجعل التجربة ما هي عليه؛ أي بما يمكن استخلاصه عبر النظر المتأني في كيفية ظهورها.

وهنا تكمن قيمة المنهج: إنه يعلمنا أن نتأنى قبل الحكم، وأن نصغي قبل التفسير، وأن نعيد النظر في ما اعتدنا اعتباره بديهياً. إنها فلسفة مقاومة للتسرع المعرفي؛ لأن كثيراً من أخطائنا لا تأتي من نقص المعلومات، وإنما من سرعة تحويل التجربة إلى حكم.

أن نرى العالم للمرة الأولى:

الفينومينولوجيا، في جوهرها، ليست دعوة إلى الهروب من العالم، بل إلى العودة إليه بوعي أكثر يقظة. إنها تعلمنا أن العالم الذي نظنه مألوفاً قد يصبح غريباً حين نكف عن النظر إليه بعين العادة؛ وأن الإنسان نفسه يحتاج أحياناً إلى أن يخلع عن ذاته التعريفات التي تراكمت فوقها، لكي يكتشف ما الذي يعنيه أن يكون إنساناً.

لقد أعادت الفينومينولوجيا إلى الفلسفة سؤالاً بالغ البساطة والعسر معاً: كيف يظهر العالم لنا؟ ومن هذا السؤال الصغير انفتحت أسئلة كبرى حول الوعي والجسد واللغة والزمان والآخر والحرية والموت.

ولعل أعظم ما يمكن أن نتعلمه منها أن الحقيقة لا تبدأ دائماً من امتلاك جواب، بل من تحرير السؤال من أوهام الإجابة الجاهزة. فالفلسفة، حين تستعيد قدرتها على الدهشة، لا تعود مجرد بناء نظري فوق العالم، وإنما تصبح تمريناً على رؤية العالم من جديد؛ كأننا نراه للمرة الأولى، وكأن الوعي، في كل لحظة، يولد من جديد.

***

بقلم: عماد خالد رحمة ـ برلين

في المثقف اليوم