عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام فكرية

(مُقاربة فلسفيّة جديدة لمنهجيّة القراءة على القراءة)

- من المعرفة النظريّة إلى العرفان الصوفي:

لو أنّ القاريء استعرض معي الدراسة التي قدّمناها خلال الأيام الماضية في خمس حلقات متتالية عن "أبستمولوجيا المعرفة التوليديّة" كما جرت محاورها قطعاً على النحو التالي:

فائض المعرفة في مقابل فائض القيمة. فائض المعرفة نتيجة لفاعلية منهج القراءة على القراءة.

ثم مفهوم المعرفة الثالثة وتأصيله في الفكر العربي والثقافة الإسلاميّة. ومفهوم المعرفة المُولّدة وتتبّعه في الفكر والواقع، ثم

التوليد باعتباره سر الإبداع وسر النبوغ الأدبي كما تبيّن لنا ممّا كنا تناولناه في المقالات الأخيرة عن "سر النبوغ الأدبيّ وفلسفة التنوير".

أقول إنّ القاريء اذا هو تتبّع مستعرضاً معي ذلك كله، سيجد بعد هذا الاستعراض أنّ ثمة تساؤلاً ميتافيزيقيّاً، أو إنْ شئت قلت: تساؤلاً فلسفيّاً كان ينبغي طرحه، أبعد ممّا كان استعرضه في مقالاتنا السابقة وهو: كيف نوظّف هذا كله، وبخاصّة فكرة التوليد، توظيفاً يخدم في النهاية، قيم المعرفة الإلهيّة تماماً كما يخدم قيم العرفان؟

وللإجابة على هذا التساؤل يمكن أن تنتقل دراستنا (معرفيّاً) من طور معرفي كُنّا بحثناه في السابق، إلى طور معرفي آخر لم يتم تغطيته بعدُ: من كونها نظريّة في توليد المعرفة إلى كونها نظريّة في ارتقاء المعرفة نحو العرفان. وهذه النقلة المعرفيّة، في تقديري، هي أهم ما يمكن أن يُضاف إلى مشروع "أبستمولوجيا المعرفة التوليديّة".

لكن يلزم منذ البداية ضبط مسألة شديدة الحساسية تتعلق بطبيعة المعرفة الإلهيّة وآفاقها الرحبة المتسعة، إذْ المعرفة الإلهيّة لا تُولَّد من المعرفة الإنسانية؛ لأن الله ليس نتيجة معرفيّة لعملية استدلال أو تركيب أو قراءة نظرية تتولد عن قراءة تماثلها وتتمم ما عساه ينتج عنها من استنباط !

وإنمّا الذي يمكن توليده هو المعرفة الإنسانية بالله، بمعنى استعداد الإنسان للمعرفة بالله، وما ينكشف له تباعاً من دلالات الحق وآثاره في الكون والحياة، أو في الأنفس والآفاق.

من ذلك ترى، أن الفكرة المركزية لنظام المعرفة التوليديّة يمكن أن تكون كالآتي:

التوليد لا يصنع المعرفة الإلهيّة، وإنما يصنع في الإنسان شروط الارتقاء من المعرفة المحدودة بحدود الحس أو العقل، إلى العرفان الذي لا يعرف هذه الحدود؛ يعني يصنع في الإنسان همّة التشوّف والتحقيق.

وهذه الجملة، في ظني، يمكن أن تكون مفتاح الانتقال النظري من "فائض القيمة" إلى "فائض المعرفة"، ثم إلى "فائض العرفان".

- من توليد المعرفة إلى تقرير العرفان:

وإذا كنا في السابق؛ بدأنا من استعارة فلسفية: فائض القيمة في الاقتصاد الماركسي، حيث لا تظل قيمة المال في حدود رأس المال الأول، بل يدخل المال في حركة إنتاجية تنتج قيمة زائدة. ثم نقلنا هذا المنطق إلى المعرفة؛ فكانت المعرفة الأولى بالإضافة إلى فعل القراءة عليها تولّد معرفة ثانية ثمّ المعرفة الثانية بالإضافة إلى إعادة القراءة تنتج معرفة ثالثة. وهكذا لا تصبح القراءة استهلاكاً للمعرفة، وإنما تصبح أكثر جدية، فعلاً منتجاً للمعرفة.

فإننا هنا، وفي هذا السياق، يمكن أن نُحْدث النقلة الكبرى؛ فيما لو كانت المعرفة التراكمية تزيد كمّ المعرفة، وكانت المعرفة التوليدية تزيد قدرة المعرفة على إنتاج معرفة جديدة لم تكن من قبل موجودة، فإنّ المعرفة العرفانيّة ينبغي أن تزيد شيئاً آخر يتمثل في قدرة المعرفة على تغيير علاقتها بالوجود، وبالله، وبالإنسان.

بمعنى أن فائض المعرفة لا ينبغي أن يتوقّف عند إنتاج معلومة جديدة، وإلا ظلت النظريّة أبستمولوجية بالمعنى التقني النظري الخالص. وليس هذا هو المطلوب، بل ينبغي أن يصبح فائض المعرفة يؤدي إلى فائض الكشف، وفاض الكشف يقود الى فائض المعنى، وفائض المعنى يفضي بالضرورة إلى التحوّل العرفاني. أي أن المعرفة الزائدة لا تكون غايتها مجرد إضافة معلومة، وإنما تتحوّل إلى كشفٍ عن معنى لم يكن ظاهراً، ثم إلى إدراك أعمق لذلك المعنى، ثم إلى أثر في طريقة حضور الإنسان للمعرفة وفي علاقته بما يعرف.

ففائض المعرفة لا يقف عند حدود إضافة معلومة جديدة، وإنما يتجاوزها إلى كشف ما وراء المعلومة من معنى، ثم إلى تعميق هذا المعنى في الوعي، بحيث ينتهي الأمر إلى تحول في طريقة حضور المعرفة في الذات؛ إذ ذاك تنتقل المعرفة من مجرد الزيادة الكميّة إلى الكشف، ومن الكشف إلى المعنى، ومن المعنى إلى التّحوّل العرفانيّ.

وهذا مهم جدًا؛ لأنك هنا لا تقول إن العرفان انما هو مجرد زيادة معلومات أكثر عن الله، وإنما تقول شيئاً آخر أعمق، هو أن العرفان ليس زيادة في المعلومات التي يمتلكها الإنسان عن الله، وإنما تحول في الكيفية التي تحضر بها المعرفة بالله في وجوده ووعيه وتجربته. وهذا هو المطلوب في نقطة التحول المبدئية من توليد المعرفة إلى تقرير العرفان.

- التوليد المعرفي:

أمّا مسألة التوليد المعرفي؛ فإنّ القارئ لا يكتفي بفهم معرفتين منفصلتين، وإنما يضعهما في علاقة جديدة، ويقرأ إحداهما في ضوء الأخرى، ثم يتجاوز ما هو موجود فيهما إلى نتيجة معرفية جديدة.

يقوم التوليد المعرفي على أن يضع القارئ معرفتين أو أكثر في علاقة جديدة، فيقرأ إحداهما من خلال الأخرى، ويكشف ما بينهما من إمكانات لم تكن ظاهرة في كل واحدة منهما منفردة، ثم يتجاوزهما إلى معرفة ثالثة تتولد من فعل القراءة والتركيب والتجاوز. وهذا أقرب كثيراً إلى مفهومنا نحن حين تحدثنا في منهجيّة "القراءة على القراءة"؛ لأن المعرفة الثالثة ليست معلومة جاهزة في النَّصين، وإنما تتولد من فعل القارئ بينهما.

أمّا التوليد العرفاني: فهو لا يعني مجرد جمع خمسة أشياء في تجاور وتقارب؛ معرفة، مع تجربة، مع تأمل، مع تهذيب، مع حضور؛ الأمر الذي يؤدي الى انكشاف للمعنى جديد، وإنما يعني أن المعرفة حين تدخل التجربة الإنسانية وتُختبر بالتأمل والتهذيب والحضور، يتغير مستوى إدراكها. فالتوليد العرفاني لا يتولّد من العلاقة بين المعارف وحدها، وإنما ينشأ حين تدخل المعرفة في التجربة، وتمتد إلى التأمل، وتتصل بالتهذيب، وتتحول إلى حضور؛ عندئذٍ لا تكون النتيجة مجرد معرفة جديدة، وإنما تصبح انكشافاً جديداً للمعنى.

فالتوليد المعرفي يولّد معرفة جديدة، أما التوليد العرفاني، فيولّد كيفية جديدة في حضور المعرفة داخل الذات.

ولهذا لا يكون العارف هو من يملك معرفة أكثر، وإنمّا العارف هو من تتحوّل المعرفة في تجربته من موضوع للتفكير إلى حقيقة حاضرة في الوعي والسلوك والوجود.

وكل معرفة لا تُحدث تحولاً في علاقة الإنسان بما يعرف تظل معرفةً واقفة عند حدود النظر، مهما اتّسعت وتنوعت؛ أمّا المعرفة التي تدخل التجربة، وتعيد تشكيل الوعي، وتغير طريقة حضور الإنسان في العالم، وفي علاقته بالله، فهي التي تتجاوز المعرفة النظريّة إلى تحقيق العرفان.

وتتضح السلسلة الفكريّة كلها فيما هو معلوم لدينا دون حاجة إلى مزيد اهتمام؛ فالمعرفة تنتج معرفة، ولكن المعرفة التي تدخل التجربة تنتج كشفاً، والكشف يعيد تشكيل المعنى، وحين يتحوّل المعنى إلى حضور في الذات تبدأ المعرفة في التحول إلى عرفان.

وهذه الفكرة المركزيّة الأخيرة بالذات تصلح أن تكون فكرة تأسيسية في بناء "التوليد العرفاني"؛ لأنها تميز بوضوح بين إنتاج المعرفة، وتحوّل المعرفة في الذات. نعم ! قد تصبح قارئاً ممتازاً، وتتفنن في إجادة منهجية القراءة على القراءة، وتنتج المعرفة وتجيد إنتاجها، ولكن سوف تتوقف عند هذا القدر ما لم تتحول المعرفة فيك إلى حقيقة قائمة بذاتك، تمتزج بها وتختلط بأعصابك.

وعلى كل ما تقدّم؛ يمكن أن يصبح العرفان ليس كميّة إضافية من المعلومات عن الله، وإنما كما سبقت إليه الإشارة هو تحول في نمط حضور المعرفة في الذات. وهنا يظهر الفرق الحاسم بين "التوليد المعرفي" "والتوليد العرفاني". ويمكننا جعل هذه التفرقة مركزية:

في التوليد المعرفي، لدينا معرفتان أو أكثر: فعل قراءة مع تركيب أو تجاوز يؤدي إلى معرفة ثالثة. لكن في التوليد العرفاني لا تكفي العلاقة وحدها قائمة بين المعارف. بل يصبح لدينا معرفة تضاف الى تجربة مع فعل تأمل مع أخلاقيات التهذيب بالإضافة الى الحضور، كل هذا كله، يؤدي إلى انكشاف جديد للمعنى.

العارف لا يعرف الله فقط من خلال تراكم الأقوال في الله، وإنّما يدخل في علاقة وجوديّة مع ما يعرفه. وهذا يفتح لنا باباً بالغ القوة، مفاده أن كل معرفة لا تُحدث بالوقت تحولاً في علاقة الإنسان بالمعلوم، تظل معرفة وصفيّة ظاهريّة لا تتجاوز السطح البرّاني والقشرة الخارجية.

أمّا المعرفة التي يعاد بها تشكيل العارف، فتدخل في أفق العرفان، وفي غمار التجربة وتذوق علوم الحال. وبمثل ذلك نستطيع أن نجعل التوليد ليس مجرد آلية عقلية، وإنما آلية انتقال من المعرفة إلى الحكمة، ومن الحكمة إلى العرفان.

- من المعرفة الثالثة الى العرفان:

كما يمكن أن تصبح "المعرفة الثالثة" جسراً يُعبَر منه إلى العرفان؛ لأن المعرفة الثالثة عندنا ليست مجرد نتيجة حسابية؛ كأن تقول مثلاً: المعرفة الأولى إذا هي أضيفت إلى المعرفة الثانية تنتج عنهما معرفة ثالثة. إذا نحن فعلنا ذلك، فإنّ هذا سيكون تبسيطاً شديداً لنظريّة المعرفة التوليديّة. أمّا إذا نحن قلنا إن المعرفة الثالثة هي المعنى الذي لم يكن كامناً بصورة مكتملة في أي من المعرفتين السابقتين، وإنما ظهر من فعل القراءة الجديدة للعلاقة بينهما، فإنّ هذا القول هو الأدق فلسفيّاً، وهذا بالضبط هو الموضع الذي يمكن أن يبدأ فيه العرفان.. كيف؟!

خذ مثلاً: تقرأ آية قرآنية، ثم تقرأ تفسيراً لها، ثم تقرأ التجربة الصوفية التي نشأت حولها، ثم تقرأ مفهوم الإنسان في القرآن، ثم تقرأ التجربة الإنسانية المعاصرة.

إذا أنت جمّعت هذه المواد جمعاً مدرسياً، حصلت على تراكم لا على توليد. أمّا إذا جعلت كل معرفة تقرأ في ضوء المعرفة الأخرى، فقد يظهر معنى لم يكن موجوداً بهذه الصورة في أي مصدر منفرد.

وهذا هو التوليد لا التراكم. وهذه أيضاً هي المعرفة الثالثة. لكن إذا تجاوز هذا المعنى مجرد الصياغة النظريّة، إلى إعادة تشكيل وعي الإنسان بالآية، وبنفسه، وبالعالم، فإنّ المعرفة الثالثة تقترب من التوليد العرفاني.

وإذن؛ فالمعرفة الثالثة هي منطقة العبور من الأبستمولوجيا إلى الأنطولوجيا؛ لأنها لا تضيف إلى ما نعرفه فحسب، وإنما قد تعيد تشكيل الكائن الذي يعرف.

ومن هذه النقطة، يمكن إعادة تعريف "التوليد" نفسه، فلم يعد التوليد مع العرفان يعني "إنتاج معرفة جديدة" فقط، بل يمكن أن تضع له ثلاث درجات:

التوليد الأول: توليد معرفي، إنتاج معنى أو معرفة لم تكن حاضرة في المعرفة السابقة.

التوليد الثاني: توليد مفهومي، وهو إنتاج مفهوم أو رؤية قادرة على إعادة تنظيم عدد من المعارف السابقة في نسق جديد.

التوليد الثالث: توليد عرفاني، وهو أن تؤدي المعرفة المولدة إلى تغيير في كيفية حضور الحقيقة في وعي الإنسان ووجوده وسلوكه.

وهنا يحدث شيء مهم جداً، إذا تصبح المعرفة، خطوة لما بعدها من الآفاق العليا، ولم تعد غاية في ذاتها كما كانت من قبل. بل تصبح المعرفة إذ ذاك وسيلة للارتقاء. وليس للارتقاء نهاية.

هنالك تصبح المعرفة وسيلة للشهود. ولكن أين المعرفة الإلهية في هذه البنية؟

- التوليد الدلالي للمعرفة:

ليس من الدقة الفلسفية ولا اللاهوتية أن نقول هنا: التوليد ينتج معرفة الله؛ لأن هذا يوقع نظريّة المعرفة في مشكلة عميقة؛ إذ يجعل الله موضوعاً معرفياً ينتجه العقل الإنساني؛ بل الأصوب أن نقول: التوليد يحرر المعرفة الإنسانية من صورتها الجامدة، ويجعلها أكثر قدرة على استقبال الدلالة الإلهية.

وهذه نقلة مختلفة تماماً؛ فالقرآن، مثلاً، لا يصبح "نتاجاً" لعملية التوليد. والحقيقة الإلهيّة لا تصبح "نتيجة" للقراءة. وإنمّا القراءة التوليديّة تغير موقع القارئ من النص والحقيقة. أتذكر هنا ما كنا بحثناه من قبل عن "القرآن والتجربة البشريّة"، حتى إذا كان القرآن له بالمباشرة أثرٌ على الإنسان فإنّ كل تجربة عميقة ذات أثر في الإسلام كان للقرآن فضلٌ فيها، بل هو مظهر أساسي من مظاهر مكوناتها. ولوحظ أن التجارب البشرية تتكون في مجرياتها التاريخية بالفاعلية والعمل والمباشرة والتعلق وامتدادات الوجود بمسائل المصير، وهى لا تتكون فارغة غير مُحاطة بالوعي ولا ملآنة بالممارسة، إذْ التجارب الفاعلة والمؤثرة لها بعدٌ رُوحي أعمقٌ من الكلمات.

فالقرآن ثابت في مصدره، لكن تجدد المعرفة به لا ينتهي .. لماذا؟

لأن التوليد لا يقع في النص، وإنما يقع في العلاقة بين النص والقارئ والوجود. وهذه نقطة أرى أنها يمكن أن تكون من أعمق التطبيقات القرآنية لنظريّة المعرفة التوليديّة.

ومن هنا، يمكن أن نجعل منهجيّة القراءة على القراءة طريقاً عرفانيّاً، إذ ليس المقصود أن نقرأ كتاباً ثم كتاباً ثم كتاباً، بل المقصود أن نقرأ النّص في ضوء النّص، ونقرأ الفكرة في ضوء الفكرة، ونقرأ التجربة في ضوء التجربة، ونقرأ الإنسان في ضوء الوحي، ثم نعيد قراءة الوحي في ضوء ما انكشف لنا من الإنسان. وهنا يحدث ما يمكن أن تسميته: التوليد الدلالي للمعرفة. لكن بشرط مهم هو ألا يعني هذا إخضاع الوحي للتجربة البشريّة، وإنما يعني أن التجربة البشرية تصبح مجالاً لانكشاف بعض دلالات الوحي.

ومن هذه النقطة الدقيقة يمكن أن يصبح "العرفان" هو الغاية العليا للتوليد.

- التحول في طبيعة المعرفة:

بين المعرفة والعرفان، هنالك ما يسمى بالتحقق الوجودي، إذْ المعرفة قد تولد معرفة أخرى، ولكنها لا تصبح عرفاناً بمجرد كونها جديدة، فكلما ارتفع فعل القارئ من مجرد استقبال المعرفة إلى إعادة إنتاجها، ثم إلى تحويلها في ذاته، ارتفعت تباعاً درجته في التحقق من العرفان.

ويقتضينا بحث التحول في طبيعة المعرفة أن نسترجع بعض المصطلحات المركزيّة في أبستمولوجيا المعرفة التوليديّة، فـالتراكم هو أن أجمع ما قاله الآخرون. ثم تأتي القراءة: لا أكتفي بجمع المعلومات، وإنمّا أفهم النص وأحلله. ثم تأتي منهجيّة القراءة على القراءة: وهنا يبدأ مشروعنا الحقيقي؛ فأنا لا أقرأ النص وحده، بل أقرأ قراءة الآخرين للنص، وأضع قراءة في مواجهة قراءة، ومفهوماً في مواجهة مفهوم، وتجربة في مواجهة تجربة.

يظهر من ثمّ "فائض المعرفة": أي أن عمليّة المقارنة والتركيب لا تعيد إليَّ المعلومات نفسها، بل تكشف لي شيئاً لم يكن حاضراً بهذه الصورة في أي واحد من المصادر مُنفرداً.

وهذا يقودنا بطبيعة الحال إلى المعرفة الثالثة؛ وهي عندنا ليست معلومة ثالثة تضاف إلى معلومتين، وإنمّا معرفة تتولد من العلاقة الخلّاقة بين معرفتين سابقتين.

ونصل إذ ذاك إلى النقطة المهمة جداً، وهي أن المعرفة الثالثة ليست نهاية الطريق، بل هي بداية التوليد الحقيقي. ثم ما الفرق بين المعرفة الثالثة والمعرفة المولدة؟

التمييز بينهما ضروري قطعاً. المعرفة الثالثة هي ثمرة اللقاء بين معرفتين أو أكثر. أمّا المعرفة المُولدة، فهي المنهج أو القدرة التي تجعل هذا التوليد ممكناً بصورة متكررة. أو بعبارة أخرى: المعرفة الثالثة هي الناتج، أما المعرفة المُولدة فهي القدرة التوليدية. وهذا فرق فلسفي مهم. فإذا قرأت الغزالي وابن عربي، مثلاً، ووضعت مفهوم "الفكر" عند الغزالي في مواجهة مفهوم "الكشف" عند ابن عربي، ثم نشأ من المقارنة فهم جديد للعلاقة بين الفكر والكشف، فهذه ثمرة توليديّة يمكن أن تسميها معرفة ثالثة.

أمّا إذا أصبح عندك من هذا العمل منهج دائم في إنتاج المعنى من العلاقات بين المعارف، فها هنا أنت لم تعد تملك معرفة ثالثة فقط، بل أصبحت تمارس معرفة مولدة. ولنا أن نتساءل: لم لا يصح عندنا أن نقفز مباشرة من "المعرفة المولدة" إلى "العرفان"؟

هنا تحديداً يجيء مصطلح "التحقق الوجودي"Existential Realization وفي سياق الفلسفة العرفانيّة، المقصود به باختصار انتقال المعرفة من كونها فكرةً يدركها العقل إلى حقيقةٍ وجوديّة يعيشها الإنسان في وجوده ووعيه، بحيث تتحوّل المعرفة إلى تحقّقٍ وكشفٍ وتجربةٍ وجودية.

أي أن العارف لا يكتفي بأن يعرف الحقيقة، بل يتحقق بها وجوداً وذوقاً وكشفاً وشهوداً.

على أن المعرفة، بغير هذا التحقق الوجودي، مهما كانت عميقة ومولدة ومبدعة، قد تظل معرفة نظرية. نعم .. ! قد أستطيع أن أتكلم عن المحبة دون أن تتحول المحبة إلى تجربة في فعل وجودي. وقد أستطيع أن أشرح الزهد دون أن يتغير تعلقي بالأشياء.

وقد أستطيع أن أكتب عشرات الصفحات عن التوكل دون أن يتحول التوكل إلى كيفية في الوجود. فالفرق إذن هناك فرقٌ، وفرقٌ كبير بين أن نعرف المعنى، وأن يتحول المعنى إلى وجود فينا خَلاّق. وهذا هو المقصود بـالتحقق الوجودي.

(وللحديث بقيّة)

***

بقلم: د. مجدي إبراهيم

 

قراءة كانطية لخطاب "عماليق" والعنف المقدس في الصراع المعاصر

مستخلص: تسعى هذه المقالة إلى تفكيك الآلية الفلسفية التي يتحول عبرها الخصم السياسي في الصراعات المعاصرة إلى "أسطورة شر"، مع التركيز على استدعاء مفردة "عماليق" في الخطاب الحربى الإسرائيلي المعاصر. بالاعتماد على الإطار النقدي لإيمانويل كانط، وتحديداً تمييزه بين "الدين الأخلاقي" و"الدين الوضعي"، تثبت المقالة أن تحويل العدو إلى كيان أسطوري ليس مجرد مبالغة بلاغية، بل هو "تقنية سياسية" تهدف إلى إنتاج "استثناء مقدس" يعلّق القانون الأخلاقي الكوني. وتخلص المقالة إلى أن خطورة هذه الأسطرة لا تكمن في وصف الفعل بالشر فحسب، بل في تحويل الهوية ذاتها إلى تجسيد للشر، مما يحول العنف من فعل سياسي قابل للمساءلة إلى "واجب مقدس"، وهو ما يمثل الانهيار النهائي للكونية الأخلاقية التي تدعي الحداثة تمثيلها.

كلمات مفتاحية: إيمانويل كانط، أسطرة العدو، عماليق، العنف المقدس، الدين الوضعي، الكونية الأخلاقية، الاستثناء المقدس.

مقدمة: الإشكالية والمحك الفلسفي

عندما يُستدعى «عماليق» في خطاب الحرب المعاصر، لا يُستدعى بوصفه شخصية من الماضي فحسب؛ بل يُستدعى معه معنى كامل: عدو لا ينتمي إلى الحاضر، لأنه يُقدَّم باعتباره عدواً أبدياً. وهنا لا تعود الحرب صراعاً بين طرفين تاريخيين يختلفان حول أرض أو سلطة، بل تتحول إلى مواجهة بين «نحن» و«شر» سبق أن حُسم أمره في الذاكرة الدينية.

هنا تحديداً نطرح السؤال الكانطي الجوهري: ماذا يحدث للأخلاق عندما يصبح العدو أسطورة؟

من الواضح فلسفياً أن إيمانويل كانط لم يشهد قيام الدولة الحديثة، ولم يعرف الصهيونية أو يعاصر النكبة، ولم يكن بإمكانه التنبؤ بخطاب سياسي في القرن الحادي والعشرين. لكن ما يمكن فعله فلسفياً هو ألا نعامل كانط كشاهد تاريخي على الحاضر، بل كـ "محك" للحاضر. إن ما نطرحه هو اختبار لمفاهيم كانط (الدين في حدود مجرد العقل، الاستقلال الذاتي، القانون الأخلاقي الكوني، والإنسان كغاية في ذاته) أمام خطاب معاصر يوظف مفردات دينية في تعريف العدو وتبرير الحرب.

أولاً: من الخصم السياسي إلى "الأسطورة": تشريح آلية الإقصاء الأخلاقي

لا تكمن المشكلة الفلسفية في أن العدو وُصف بأنه شرير؛ فكل حروب التاريخ تفعل ذلك بدرجات مختلفة. المشكلة تبدأ في اللحظة التي يتحول فيها الخصم أو العدو من "إنسان" يمكن الحكم على أفعاله وسياساته، إلى "رمز" يجسد الشر في ذاته. عندها لا يعود قتله نتيجة لحكم أخلاقي على فعل ارتكبه، بل يصبح "إزالةً" لرمز شرير. هنا تتحول السياسة إلى أسطورة، ويتحول العنف السياسي إلى تطهير مقدس.

تظهر خطورة استدعاء «عماليق» في أن هذا المفهوم ينتمي إلى سياق ديني وتاريخي قديم، لكن الإشكالية تكمن في إعادة نقله من سياقه التاريخي إلى سياق سياسي معاصر، وتوظيفه سياسيا في إعادة تعريف عدو حاضر. عندما يُقال إن الفلسطيني هو "عماليق"، لا يكون قد وُصف سياسياً فحسب؛ لقد أُدخل إلى قصة سبقت وجوده، وأصبح مطالباً بأن يدفع ثمن عدو لم يكن هو.

تمر هذه الآلية بمراحل متدرجة من "التقديس السياسي":

يبدأ الأمر بنص أو رمز ديني قديم، ثم يُعاد تأويله داخل سياق تاريخي وسياسي جديد، ثم يُسقط الرمز على خصم معاصر.وحينها يتحول الخصم من فرد أو جماعة سياسية لها مصالح وصراعات، إلى صورة أسطورية مجردة، وتصبح هويته (وليس أفعاله) هي المصدر الوحيد للحكم عليه.وهنا يُرفع هذا الحكم إلى مستوى ديني مقدس. فيتحول العنف الناتج عنه من فعل سياسي قابل للنقد إلى "واجب ديني مقدس" لا يقبل المساءلة.

وعند هذه النقطة، تُعلَّق أخلاق الحرب وكل القيود الأخلاقية التي يفترض أن تحكم الحرب؛ لأن الخصم أو العدو لم يعد يُرى بوصفه إنساناً كاملاً داخل المجال الأخلاقي، وإنما بوصفه تجسيداً للشر الذي يجب إزالته.

ثانياً: المحك الكانطي: "الدين الوضعي" كأداة لإنتاج "الاستثناء المقدس"

تقودنا هذه الآلية إلى واحدة من أكثر أفكار كانط أهمية في كتابه "الدين في حدود مجرد العقل"، حيث يميز كانط بوضوح بين "الدين الأخلاقي" القائم على مبادئ يمكن للعقل العملي أن يجعلها قانوناً للإنسان، وبين "الدين الوضعي"  أو التاريخي، الذي يرتبط بتشريعات وأوامر جاءت في سياق تاريخي معين.

يرى كانط أن التشريعات الدينية التاريخية، حين تُفصل عن "الدين الأخلاقي" القائم على العقل العملي والاستقلال الذاتي ، تتحول إلى مجرد "أدوات طاعة خارجية" تُستخدم لخدمة أغراض دنيوية. إذا قرأنا الواقع المعاصر، وتحديداً الخطاب الرسمي لبعض التيارات الدينية-السياسية التي تعرف سكان مناطق معينة بوصفهم «عماليق» وتربط هذا التوصيف بواجب ديني في المحاربة، عبر هذه العدسة الكانطية، سنكتشف أن ما يُسمى بـ "العنف المقدس" ليس تعبيراً عن تدين روحي، بل هو "تقنية سياسية" متطورة.

تهدف هذه التقنية إلى تحويل "العقد السياسي المشروط" إلى "أسطورة ميتافيزيقية مطلقة"، تُنتج بدورها "الإلغاء الأخلاقي" للآخر، وتُعلّق القانون الكوني باسم "الضرورة اللاهوتية". فالقانون الأخلاقي عند كانط ليس قانونا؛ لأن سلطة خارجية أمرت به، وإنما لأن العقل العملي يستطيع أن يريده بوصفه قانوناً عاماً. ومبدأ الكرامة الإنسانية (بصياغة الغاية في ذاتها) يطلب ألا يُعامل الإنسان مجرد وسيلة، بل أن يُعامل دائماً في الوقت نفسه بوصفه غاية.

وهنا يصبح السؤال عن العنف المقدس سؤالاً كانطياً بامتياز: هل يمكن أن يكون مبدأ «قتل الآخر لأنه ينتمي إلى جماعة جرى تعريفها دينياً بوصفها عدواً» قانوناً كونياً؟

إذا كانت الإجابة "لا"، فإن هذا المبدأ لا يستطيع أن يتحول إلى قانون أخلاقي لمجرد أن صاحبه منحه صفة دينية.

ثالثاً: انهيار الكوني: حين يصبح الضحية حكماً على "الاستثناء"

هنا تظهر المفارقة المأساوية التي ربطت بين مشروعي الفلسفي حول "تحولات صورة اليهودي" وهذا التحليل الكانطي. فالاستدعاء المعاصر لمفردات مثل "عماليق" لا يعكس فقط أسطرة للعدو، بل يعكس تحولاً جذرياً في موقع من يصدر هذا الحكم.

الجماعة التي شكلت هويتها الحديثة والمعاصرة حول كونها "ضحية" للاضطهاد والاستثناء في أوروبا، تجد نفسها اليوم تمارس سلطة "الاستثناء المقدس" ضد الآخر.

إن "الاستثناء المقدس" هو الفكرة القائلة بأن هناك إنساناً يجب أن يخضع للقانون، وإنساناً آخر يمكن أن يُستثنى من الحماية الأخلاقية لأنه جرى تعريفه داخل أسطورة العدو.

وهنا يعود مبدأ كانط القائل بـ "الإنسان بوصفه غاية في ذاته" ليضع حداً فاصلاً لهذا المسار:

لا يفقد الإنسان إنسانيته لأن جماعة أخرى وصفته بأنه" عدو أسطوري"، ولا يفقدها لأنه ينتمي إلى جماعة ارتُكبت باسمها جرائم في الماضي، ولا يصبح مجرد وسيلة لتحقيق وعد ديني أو مشروع سياسي استيطاني، وإذا كان القانون الأخلاقي كونيا ً، فقيمته الحقيقية تظهر تحديداً في اللحظة التي يصبح فيها تطبيقه "مكلفاً" على الجماعة التي ننتمي إليها. فالأدق فلسفياً أن نقول إننا نضع ظواهر الواقع المعاصر تحت الاختبار الكانطي: فإذا أصبح قتل الإنسان جائزاً لأنه «عدو مقدس»، فإننا لم نعد نملك قانوناً أخلاقياً كونياً، وإنما أصبح لدينا قانون خاص بالجماعة. هنا تنقلب الأخلاق من الكونية إلى الخصوصي.

رابعاً: ما بعد الأسطورة: استعادة الأخلاق كـ "محك" لا كـ "غطاء"

المعضلة الكانطية التي نواجهها اليوم ليست فقط في أن طرفاً ما يحول الآخر إلى "عماليق"، بل في السؤال الأعمق: هل استطاعت الكونية الأوروبية والحداثة نفسها أن تتحرر من صناعة الآخر، أم أنها لا تزال تسمح بـ "ترتيب هرمي للضحايا"؟.

عندما يصبح الفلسطيني «عماليق»، لا يعود السؤال: "ماذا فعل هذا الإنسان؟". وعندما تصبح الجماعة كلها هي العدو، لا يعود السؤال: "من ارتكب الفعل ومن لم يرتكبه؟". وعندما يتحول القضاء على العدو إلى «واجب ديني»، يصبح السؤال الأخطر: هل ما زال القانون الأخلاقي هو الذي يحكم الواجب، أم أصبح الواجب المزعوم هو الذي يعيد تعريف الأخلاق؟

إن "أسطرة العدو" هي الطريق الذي يمكن أن يتحول عبره العنف السياسي إلى عنف مقدس. وهذا هو ما يمنح هذه الجماعة (في خطابها المتطرف) استثناءً وهمياً من القانون الأخلاقي. لكن هذا الاستثناء لا يدمر الخصم فحسب، بل يدمر الجوهر الأخلاقي للتجربة الإنسانية ذاتها، محولاً إياها من رسالة تضامن مع المظلومين إلى أيديولوجيا تبرر الاضطهاد.

حين يسقط الكوني، يسقط الجميع

إن الخلاصة الفلسفية التي نصل إليها عبر هذا التفكيك الكانطي هي أن حماية "اليهودية" كإطار أخلاقي وتاريخي تتطلب بالضبط نقد "الصهيونية" السياسية حين تتحول إلى دين وضعي يعلّق الأخلاق. فلا يمكن الجمع بين "أخلاقيات الوجه" عند إيمانويل ليفيناس(التي تفرض مسؤولية لا نهائية تجاه الآخر) وبين "منطق الاستيطان" الذي يفرض إقصاءً لا نهائياً للآخر بحجة الأسطورة.

والتحدي الأكبر الذي يطرحه هذا التحليل أمام الضمير العالمي هو: هل يمكن توسيع دائرة التعاطف الأخلاقي لتشمل "الآخر" الفلسطيني بنفس القدر الذي مُنح فيه هذا التعاطف تاريخياً؟

إن الإجابة عن هذا السؤال هي التي ستحدد ما إذا كانت الإنسانية قد تعلمت فعلاً من مآسيها، أم أنها لا تزال تدور في فلك "تفاهة الشر"، عند حنا أرندت ؛ حيث تتحول الضحايا، تحت غطاء الخوف والذاكرة والأسطورة، إلى منتجين جدد للمأساة.

وبهذا، يتحول هذا التحليل من مجرد تفكيك لخطاب "عماليق"، إلى مرآة نقدية تواجه فيها الحداثة ذاتها، لتتساءل بصدق: كيف يمكن للإنسان أن يتذكر ألمه بصدق، دون أن يحوله إلى مبرر أنطولوجي للعنف ولإيذاء الآخر؟

لأنه في النهاية، وبعيداً عن كل التأويلات، تظل الحقيقة الكانطية الراسخة: حين يُمنح الإنسان استثناءً من الإنسانية باسم المقدس، يكون أول ما سقط ليس الخصم، وإنما الكونية الأخلاقية نفسها.

***

بقلم: أ. د. هدى محمد عبد الرحمن جاب الله

استاذ الفلسفة الحديثة والمعاصرة - جامعة الفيوم

مقدمة: تسعى هذه الدراسة إلى استكشاف نومادولوجيا الفيلسوف بوصفها أسلوباً في الوجود والتفكير يتجاوز ثنائية الاستقرار والاضطراب، ليقيم في منطقة التوتر الحي بين قطبين متداخلين: من جهة، الاحتفاء بمشقة الفعل والتفلسف الذي ينبثق عند المنعرجات غير المكتملة؛ ومن جهة أخرى، التجرؤ على الترحّل في الوجود البري مقترناً بالوعي الحاد بتراجيدية التناهي البشري. هذه النومادولوجيا ليست نظرية مجردة عن التنقل، ولا دعوة رومانسية إلى التشرد الفكري، بل وصف فينومينولوجي لإقامة الفيلسوف في العالم بوصفه كائناً يتحرك داخل الأفق المفتوح للمعنى، ويتحمل في الوقت ذاته ثقل الفعل ومسؤولية اللاتمام. المقاربة المعتمدة هنا فينومينولوجية إيتيقية. فهي فينومينولوجية لأنها تعود إلى كيفية ظهور الفعل والمنعرج والوجود البري والتناهي في التجربة المعيشة، دون أن تختزلها في مفاهيم جاهزة أو أنساق مغلقة. وهي إيتيقية لأن هذا الظهور لا يبقى وصفياً محايداً، بل يكشف عن نمط من المسؤولية والالتزام يفرضه الوعي باللاتمام وبالتناهي. الفيلسوف النومادي، في هذه الرؤية، ليس ذلك الذي يتنقل بحرية مطلقة بين الأفكار، بل ذلك الذي يعيش التوتر بين مشقة الفعل التي تقاوم الاكتمال، وبين جرأة الترحّل التي تفتح على بريّة الوجود، تحت ظل التراجيديا التي تذكّره دائماً بحدوده. فكيف يجتهد الفيلسوف في تحديد الأفق؟ وماهي الأدوات التي ينتقيها لكي يخط المسار الخاص به؟ ومتى يصيرا فيلسوفا فاعلا في محيطه؟

نومادولوجيا الفيلسوف بوصفها أسلوباً في الإقامة

النومادولوجيا، في السياق الفلسفي، تشير إلى نمط من التفكير والحركة يرفض التثبيت في أقاليم مفهومية محصّنة، ويفضّل التنقل بين المناطق دون خريطة نهائية أو مركز ثابت. الفيلسوف النومادي لا يبني نظاماً يسعى إلى الشمولية والإغلاق، بل يقيم في المسارات نفسها، وفي التحولات التي تحدث أثناء السير. هذا لا يعني الفوضى أو النسبية المطلقة، بل يعني الإقرار بأن الفكر ينشأ في الحركة، وأن المعنى يتكون في الانتقال لا في الوصول. الإقامة النومادية تختلف جذرياً عن الاستقرار النسقي. الاستقرار يفترض أرضاً ثابتة ومفاهيم راسخة وحدوداً واضحة بين الداخل والخارج. أما النومادولوجيا فتتعامل مع الفكر بوصفه سلسلة من الرحلات التي تظل دائماً في طور التكوين. الفيلسوف هنا لا يبحث عن الموطن النهائي، بل عن القدرة على الإقامة المؤقتة في كل محطة دون أن يتحول الإقامة إلى ملكية. هذه القدرة تتطلب نوعاً خاصاً من الشجاعة: شجاعة ترك المألوف، وشجاعة البقاء في اللاتحديد، وشجاعة مواجهة ما ينكشف عندما تنهار الخرائط السابقة. في هذا الإطار، تصبح نومادولوجيا الفيلسوف ليست مجرد منهجية معرفية، بل أسلوباً وجودياً. فهي تحدد كيفية عيش السؤال الفلسفي، وكيفية التعامل مع الفعل، وكيفية مواجهة الحدود البشرية. ومن هنا ينبثق التوتر المركزي الذي تدور حوله هذه الدراسة: التوتر بين الاحتفاء بمشقة الفعل عند المنعرجات، وبين جرأة الترحّل في الوجود البري مع الوعي بالتناهي.

الاحتفاء بمشقة الفعل والتفلسف عند المنعرجات غير المكتملة

الفعل الفلسفي ليس حدثاً سلساً ينتقل من الفكرة إلى التحقيق دون مقاومة. إنه مشقة في جوهره. هذه المشقة ليست عرضية أو ناتجة عن ظروف خارجية فحسب، بل هي بنية داخلية للفعل نفسه. كل فعل حقيقي يواجه مقاومة: مقاومة المادة، ومقاومة العادات الفكرية، ومقاومة الغموض الذي يحيط بالإمكانات، ومقاومة الزمن الذي لا يسمح بالاكتمال المطلق. الاحتفاء بهذه المشقة يعني رفض تحويل الفلسفة إلى تقنية سهلة أو إلى إنتاج نتائج جاهزة. إنه إقرار بأن القيمة الفلسفية تكمن في الجهد المبذول داخل المقاومة، لا في تجاوزها السريع. المنعرجات غير المكتملة هي المواقع التي تظهر فيها هذه المشقة بأوضح صورها. المنعرج ليس انحرافاً عن طريق مستقيم مفترض، بل هو اللحظة التي ينكشف فيها أن الطريق نفسه لم يكن مستقيماً أبداً. في المنعرج يتوقف التدفق التلقائي للمعنى، ويحدث انقطاع يستدعي إعادة توجيه. هذا الانقطاع ليس فشلاً يجب تجاوزه، بل فرصة ينبثق فيها التفكير الأصيل. التفلسف عند المنعرج يعني الإقامة في اللحظة التي ينهار فيها الأفق السابق دون أن يكون الأفق الجديد قد تبلور بعد. إنها لحظة اللاتمام بامتياز: لا عودة ممكنة إلى اليقين السابق، ولا وصول مضمون إلى يقين جديد.

الاحتفاء بهذا اللاتمام يتخذ طابعاً إيتيقياً. فهو يرفض الوهم الذي يعد بالاكتمال النهائي، ويرفض أيضاً اليأس الذي يرى في اللاتمام دليلاً على عبثية الفعل. بدلاً من ذلك، يرى في المشقة والمنعرج الشرط الذي يجعل الفعل إنسانياً ومسؤولاً. الفعل المكتمل بسهولة يفقد عمقه؛ أما الفعل الذي يمر عبر المنعرج فيكتسب كثافة وجودية. الفيلسوف الذي يحتفي بهذه المشقة لا يمجد المعاناة لذاتها، بل يدرك أن التفكير الحقيقي لا يحدث إلا هناك، حيث تتقاطع الإرادة مع المقاومة، والوضوح مع الغموض، والقرار مع اللاتحديد. فينومينولوجياً، يظهر الفعل في مشقته من خلال الإحساس بالمقاومة الداخلية والخارجية، ومن خلال تجربة الزمن الذي يتمدد أو ينضغط عند المنعرج، ومن خلال الشعور بأن المعنى لم يعد جاهزاً بل يحتاج إلى إعادة تكوين. هذه الظواهر ليست ذاتية محضة، بل تكشف عن بنية مشتركة للتجربة الفلسفية: بنية اللاتمام التي تجعل كل فعل مفتوحاً على ما يتجاوزه.

التجرؤ على الترحّل في الوجود البري

إذا كان الاحتفاء بمشقة الفعل يقيم في المنعرجات، فإن القطب الآخر للنومادولوجيا يتمثل في التجرؤ على الترحّل في الوجود البري. الوجود البري ليس الطبيعة بمعناها التجريبي أو الرومانسي، بل ذلك البعد من الكينونة الذي يسبق التصنيفات والمفاهيم والنظم. إنه ما يظهر قبل أن يُسمى، وما يقاوم الاستيعاب الكامل في شبكات المعنى الجاهزة. البري هنا يشير إلى الخامّ، إلى ما لم يُروض بعد، إلى الإمكان الذي لم يتحول بعد إلى واقع محدد. الترحّل في هذا الوجود يتطلب جرأة خاصة. فهو ليس نزهة فكرية، بل مغامرة تتخلى فيها الذات عن الحماية التي توفرها الأقاليم المألوفة. الترحّل يعني قبول أن تكون بدون خريطة نهائية، وأن تتحرك في فضاء لا يضمن العودة إلى نقطة الانطلاق نفسها. هذه الجرأة ليست اندفاعاً طائشاً، بل قراراً واعياً بالإقامة في الانفتاح. الفيلسوف النومادي يتجرأ على هذا الترحّل لأنه يدرك أن البقاء داخل الحدود الآمنة للمعنى المكتمل يحول الفكر إلى تكرار، ويحرم الفلسفة من قدرتها على الانفتاح على ما لم يُفكر فيه بعد. فينومينولوجياً، ينكشف الوجود البري في لحظات معينة: في الدهشة التي تقطع العادة، في الغرابة التي تظهر فجأة في المألوف، في الإحساس بأن العالم أكبر من كل المفاهيم التي نحاول حصره فيها. هذه اللحظات ليست استثناءات نادرة، بل إمكان دائم يرافق التجربة. الترحّل يعني الاستجابة لهذه اللحظات بالسير نحوها بدلاً من العودة السريعة إلى الأمان المفاهيمي. لكن هذا الترحّل لا يكون بلا ثمن. فكلما توغل الفيلسوف في البري، ازداد وعيه بحدود قدرته على الاستيعاب. وهنا ينفتح البعد التراجيدي.

الوعي بتراجيدية التناهي البشري

التناهي البشري ليس مجرد حقيقة بيولوجية أو زمنية. إنه الشرط الوجودي الذي يجعل كل فعل وكل معرفة وكل إقامة مؤقتة وناقصة. الوعي بتراجيدية هذا التناهي يعني إدراك أن كل اختيار يستبعد إمكانات أخرى لا يمكن استعادتها، وأن كل معرفة تظل جزئية أمام كثافة الوجود، وأن كل وجود يحمل في داخله إمكان غيابه الخاص. التراجيديا هنا لا تعني المصير المحتوم بالمعنى الدرامي التقليدي، بل تعني البنية ذاتها التي تجعل الحياة الإنسانية مأساوية في عمقها: بنية المحدودية التي لا يمكن تجاوزها، والتي تمنح في الوقت ذاته كثافة خاصة لكل لحظة.

في سياق النومادولوجيا، يمنع هذا الوعي الترحّل من أن يتحول إلى احتفال سطحي بالحرية المطلقة أو إلى تيه بلا مسؤولية. فالفيلسوف الذي يترحل وهو واعٍ بتناهيه يعرف أن كل مسار يتخذه يستبعد مسارات أخرى، وأن كل إقامة مؤقتة تحمل في طياتها احتمال الفقدان. هذا الوعي يحول الجرأة إلى مسؤولية: مسؤولية تجاه الإمكانات التي تُترك خلف الظهر، ومسؤولية تجاه الآخرين الذين يتأثرون بالترحّل، ومسؤولية تجاه الذات التي لا تملك الوقت اللانهائي للتجربة. فينومينولوجياً، يظهر التناهي في تجربة الزمن الذي ينفد، وفي الإحساس بالهشاشة الجسدية، وفي مواجهة الحدود المعرفية التي لا يمكن تجاوزها، وفي الوعي بالموت بوصفه الإمكان الأقصى. هذه الظواهر ليست سلبية محضة؛ فهي التي تمنح الفعل وزنه، وتجعل المنعرج ذا دلالة، وتجعل الترحّل أمراً جاداً لا لعباً.

تداخل الأقطاب والتزام الفيلسوف

المقاربة الفينومينولوجية الإيتيقية لا تفصل بين هذه العناصر، بل تكشف عن تداخلها العميق. الاحتفاء بمشقة الفعل عند المنعرجات غير المكتملة هو الوجه الداخلي للنومادولوجيا؛ أما الترحّل في الوجود البري مع الوعي بالتناهي فهو وجهها الخارجي. كلاهما ينبثق من التجربة نفسها: تجربة الإقامة في اللاتمام. فينومينولوجياً، تبدأ المقاربة بوصف كيفية ظهور هذه الظواهر في الوعي: كيف تظهر المشقة كمقاومة داخلية، وكيف يظهر المنعرج كانقطاع في الأفق، وكيف يظهر الوجود البري كغرابة مفاجئة، وكيف يظهر التناهي كحدّ لا يمكن تجاوزه. هذه الأوصاف لا تهدف إلى بناء نظرية عامة، بل إلى الكشف عن البنى المشتركة التي تجعل التجربة الفلسفية ممكنة. إيتيقياً، تتحول هذه الوصفية إلى التزام. الاحتفاء بالمشقة يصبح رفضاً للكسل النسقي وللحلول السهلة. الإقامة في المنعرج تصبح شجاعة البقاء في اللاتحديد دون الهروب إلى يقين زائف. الترحّل يصبح مسؤولية الانفتاح على ما يتجاوز الذات. والوعي بالتناهي يصبح أساساً للتواضع وللجدية في آن معاً. الإيتيقا هنا ليست مجموعة قواعد خارجية، بل أسلوب وجود ينبثق من طبيعة التجربة نفسها: كيف يسلك المرء وهو يعلم أن كل فعل ناقص، وأن كل ترحّل مؤقت، وأن التناهي يحيط بكل شيء؟

في هذا التداخل، تتجلى نومادولوجيا الفيلسوف بوصفها رفضاً مزدوجاً: رفضاً للاستقرار الذي يخنق الإمكان، ورفضاً للتيه الذي يتهرب من المسؤولية. الفيلسوف النومادي يحتفي بالمشقة لأنه يعرف أن الفعل الحقيقي لا يحدث إلا هناك؛ ويترحل لأنه يعرف أن الاستقرار النهائي وهم؛ ويظل واعياً بالتراجيديا لأنه يرفض أن يحول الوعي بالتناهي إلى يأس أو إلى تبرير للانسحاب. هذه الإقامة المزدوجة هي ما يمنح الفلسفة قدرتها على أن تكون حية ومسؤولة في آن واحد.

خاتمة:

نومادولوجيا الفيلسوف، كما استُكشفت في هذه الدراسة، ليست موقفاً نهائياً يمكن الاستقرار عنده، بل هي ذاتها مسار مفتوح. بين الاحتفاء بمشقة الفعل عند المنعرجات غير المكتملة، وبين التجرؤ على الترحّل في الوجود البري مع الوعي بتراجيدية التناهي، يقيم الفيلسوف في توتر خلاق لا يُحلّ بل يُعاش. المقاربة الفينومينولوجية الإيتيقية تكشف أن هذا التوتر ليس عيباً يجب تجاوزه، بل هو الشرط الذي يجعل التفكير الفلسفي ممكناً ومسؤولاً وإنسانياً.في النهاية، تظل هذه النومادولوجيا دعوة إلى الإقامة في اللاتمام بوصفه موقعاً للخصوبة لا للنقص، وإلى تحمل مشقة الفعل بوصفها علامة على الجدية لا على الضعف، وإلى الترحّل بوصفه شجاعة لا تهوراً، وإلى الوعي بالتناهي بوصفه أساساً للمعنى لا نفياً له. هذه الدعوة لا تدّعي الاكتمال، تماماً كالمسارات التي تصفها، بل تظل مفتوحة على ما قد ينكشف في منعرجات قادمة. فماذا عساه أن يفعل هذا الفيلسوف النومادي في استمرار المسار؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

حدود العقلانية ومقتضيات النقد

يحتل سؤال التأسيس المعرفي موقعا مركزيا في تاريخ الفلسفة لأنه يتصل بالشرط الذي يجعل المعرفة ممكنة وقابلة للتبرير، وبالحدود التي ينبغي أن تقف عندها دعاوى العقل حين تنتقل من وصف الظواهر إلى بناء أحكام كلية بشأن الحقيقة والإنسان والعالم. وقد اكتسب هذا السؤال في الفلسفة المعاصرة تعقيدا خاصا نتيجة التحولات التي مست مفهوم العقل نفسه وأعادت النظر في صورة الذات العارفة وفي طبيعة الموضوع الذي تتجه إليه المعرفة وفي الوسائل التي تستند إليها عملية التبرير. فقد تراجعت الثقة في إمكان إقامة معرفة مؤسسة على مبادئ يقينية ثابتة وبرزت اتجاهات فلسفية جعلت من تاريخ المفاهيم وبنية اللغة وشروط التواصل وتجربة الوعي وتعدد المنظورات عناصر حاسمة في فهم فعل المعرفة.

ولم يعد هذا السؤال يطرح اليوم بالصورة نفسها التي طرح بها في أوج المشروع العقلاني الحديث، حين منحت مسألة التأسيس صياغة قوية جعلت العقل مرجعا وحيدا لتحديد ما يمكن قبوله بوصفه معرفة صحيحة. فقد كشفت فلسفة اللغة عن الطابع البنيوي للمفاهيم التي نفكر بواسطتها وأبرزت الفينومينولوجيا أن كل معرفة تنبثق من تجربة معيشة سابقة على كل تجريد نظري وأظهرت الهرمنيوطيقا أن الفهم فعل تاريخي وتأويلي لا يمكن فصله عن أفق الذات التي تفهم، فيما بينت فلسفة العلوم أن النظريات ليست انعكاسات محايدة للواقع بل بنى مفهومية مرتبطة بتقاليد بحثية متغيرة. أمام هذا الزخم من المراجعات وجدت الفلسفة المعاصرة نفسها مطالبة بإعادة صياغة سؤال التأسيس من جذوره حيث لم يعد الأمر يتعلق بالبحث عن نقطة انطلاق يقينية مطلقة بقدر ما بات يتعلق بفهم الشروط التاريخية واللغوية والتواصلية التي تجعل الادعاء المعرفي قابلا للتبرير والمناقشة والمراجعة.

وتتضح خطورة هذا التحول حين نلاحظ أنه يضع الفكر أمام معضلة دقيقة الحدود، فإذا كان كل تأسيس مشروطا بسياق تاريخي أو لغوي معين، أفلا يفضي ذلك إلى ذوبان فكرة الحقيقة في نسبية شاملة تسوي بين كل الأحكام؟ وإذا كانت الذات العارفة كائنا متموضعا داخل التاريخ واللغة والمجتمع فهل يبقى لمفهوم العقلانية معنى متماسك يميز بين الحجة القوية والحجة الواهية؟ تستدعي الإجابة عن هذه الأسئلة تجاوز الثنائية التقليدية التي حصرت الخيار الفلسفي بين عقلانية صلبة تدعي امتلاك أسس نهائية ونزعة نقدية جذرية تنتهي إلى نفي إمكان كل معيار مشترك.

كان المشروع العقلاني الحديث قد اتخذ أشكالا متعددة من البحث عن يقين أولي تستند إليه بقية المعارف إلى بناء نسق من المبادئ يضمن انتظام التفكير واتساقه. ارتبطت هذه النزعة بفكرة أن المعرفة تحتاج إلى أساس يمكن الرجوع إليه عند اختلاف الآراء، وأن العقل قادر من حيث المبدأ على اكتشاف القواعد التي تجعل الحكم مبررا. غير أن التجربة الفلسفية اللاحقة كشفت عن صعوبات عميقة في هذا التصور إذ إن كل تأسيس يستند إلى مبدأ معين يحتاج إلى بيان مصدر صلاحية ذلك المبدأ وكل معيار يستخدم لتبرير المعرفة يثير سؤالا جديدا حول مشروعيته هو نفسه. ويظهر خطر الدور المنطقي حين يحاول العقل أن يؤسس شروط العقلانية بواسطة أدوات لا يملك مبررا مستقلا عن العقل لاستخدامها.

تزداد المسألة تعقيدا حين ننتبه إلى أن المعرفة الإنسانية لا تتكون في فراغ مجرد وإنما تتشكل داخل اللغة والتاريخ والمجتمع ومؤسسات التعليم والتواصل. فالذات العارفة ليست عقلا معزولا عن العالم وإنما كائن يتلقى مفاهيمه داخل أفق ثقافي ويستعمل لغة سبقت وجوده ويخضع لأنماط من التصنيف والتأويل تحدد جزئيا ما يستطيع رؤيته وصياغته. وقد كان هذا الوعي من أهم التحولات التي دفعت الفلسفة المعاصرة إلى مساءلة النموذج التقليدي للذات الشفافة التي تمتلك مبادئ معرفتها بوضوح كامل.

إن حضور التاريخ في المعرفة لا يعني سقوط العقل في النسبية وإنما يفرض إعادة تحديد مفهوم العقلانية بحيث يصبح أكثر حساسية لشروط إنتاج المعرفة وحدودها. مع ذلك فإن نقد الأساس المطلق يضع الفلسفة أمام مأزق بالغ الدقة. فالنقد الفلسفي يحتاج إلى معيار يستطيع بواسطته التمييز بين الحجة الأقوى والحجة الأضعف وبين التبرير المقبول والادعاء الذي يفتقر إلى السند. وحين يفقد النقد هذا المستوى من التمييز يتحول إلى موقف هدمي لا يستطيع تفسير مشروعيته الخاصة. لذلك يبدو أن المعضلة الأساسية لا تتمثل في الاختيار بين عقلانية صلبة ونقد جذري وإنما في البحث عن صورة للعقلانية تستوعب النقد من داخلها. العقلانية التي تستحق الدفاع عنها ليست تلك التي تتصور العقل جهازا مكتفيا بذاته وإنما عقلانية إجرائية وانفتاحية تقبل قابلية المراجعة وتقر بتعدد مصادر المعرفة وتخضع حججها للفحص العمومي. ويكتسب التأسيس المعرفي حينئذ معنى مختلفا؛ إذ لا يعود تأسيسا على قاعدة مطلقة، وإنما تأسيس يقوم على شبكة من المبررات المتبادلة وعلى قدرة التصورات على الصمود أمام الاعتراض والاختبار وإعادة الصياغة.

يستدعي هذا التحول إعادة النظر في مفهوم اليقين، فالفلسفة الحديثة ربطت المعرفة بدرجة عالية من اليقين، بينما تسمح الإبستمولوجيا المعاصرة بالتمييز بين اليقين النفسي والوجاهة المعرفية؛ فقد يكون المرء شديد الاقتناع بحكم معين من غير أن يمتلك أسبابا كافية لقبوله، وقد تكون قضية ما قوية تبريريا مع بقائها مفتوحة للمراجعة. تكمن أهمية هذا التمييز في أنه يحفظ للمعرفة طابعها العقلاني من دون أن يحملها شرط العصمة، فالمعرفة العلمية نفسها تتقدم عبر الفرض والاختبار والنقد والتصحيح وتستمد قوتها من قابليتها للكشف عن الخطأ لا من حصانتها المطلقة أمام المراجعة. ويرتبط هذا التصور أيضا بمسألة المسؤولية إذ يعني قبول قضية على أساس حجج معينة تحمل مسؤولية بيان هذه الحجج وحدودها؛ فالمعرفة ليست تراكما للمعلومات وإنما علاقة بين ادعاء ومبرر وفاعل معرفي قادر على مساءلة نفسه والآخرين.

وتتضح أهمية هذا المنظور في مواجهة النزعات النسبية التي جعلت اختلاف الأطر الثقافية دليلا على استحالة وجود معايير مشتركة. صحيح أن اختلاف السياقات يؤثر في الأسئلة والمفاهيم وأولويات البحث، غير أن هذا لا يستلزم استحالة الحوار بينها؛ فإمكان الترجمة المفهومية والاعتراض المتبادل واكتشاف التناقض داخل موقف معين، كلها تشير إلى وجود حد أدنى من المشترك العقلاني. والنقد المعاصر للعقلانية يكتسب قيمته حين يعمل على توسيع مفهوم العقل لا حين يسعى إلى إلغائه. فالعقل الذي يتعلم من أخطائه أكثر قدرة على إنتاج معرفة متينة من عقل يعتقد في كماله ويصبح النقد بذلك جزءا داخليا من العقلانية ويغدو التأسيس عملية مستمرة تتجدد كلما ظهرت معطيات أو اعتراضات جديدة.

على هذا الأساس تكشف مشكلة التأسيس المعرفي انتقالا عميقا من البحث عن نقطة بداية مطلقة إلى البحث عن شروط معقولة لإنتاج المعرفة وتبريرها؛ فلم يعد السؤال مقتصرا على ماهية الأساس الذي تقوم عليه المعرفة بل صار يشمل كيفية تكون المبررات وسبل اختبارها وما يجعل حكما ما قابلا للدفاع عنه أمام جماعة من الفاعلين المعرفيين. تتحدد قيمة هذا المسار في كونه يحرر الفلسفة من ثنائية مغلقة، إما عقل يمتلك أساسا يقينيا وإما نسبية تذيب كل معيار. فحدود العقل ليست حدا خارجيا يقف عنده التفكير وإنما معرفة بما لا يستطيع العقل إثباته وبالافتراضات التي ترافق أحكامه وبإمكان الخطأ الكامن في كل بناء معرفي. وحين يصبح الوعي بالحدود جزءا من العقلانية ذاتها يتحول النقد من قوة هدم إلى طاقة تأسيس.

يصعب فهم عمق هذا التحول من غير العودة إلى اللحظة الكانطية التي أعادت صياغة سؤال المعرفة من أساسه. فكانط حين وجه نقده إلى العقل الخالص لم يكن يسعى إلى هدم العقلانية بل إلى تحديد شروط إمكانها مميزا بين ما يمكن للفكر معرفته موضوعيا وما يظل خارج حدود التجربة الممكنة، فجعل من النقد ذاته فعلا تأسيسيا لا هداما. غير أن هذا التحديد ظل يفترض بنية ثابتة للذهن كقوالب قبلية للزمان والمكان والفهم التي تجعل المعرفة ممكنة بصورة متعالية عن كل سياق، وهنا بدأت الفلسفة اللاحقة تتساءل: هل هذه الشروط ثابتة فعلا أم أنها نتاج تاريخ وتجربة ولغة؟

مع هوسرل ينتقل السؤال إلى بنية الوعي وهو يتجه نحو العالم؛ فالمعرفة عنده علاقة قصدية إذ لا يوجد الوعي أبدا من غير أن يكون وعيا بشيء. وقد حاول عبر الرد الفينومينولوجي أن يضع جانبا كل افتراض مسبق حول طبيعة الواقع ليعود إلى الأشياء كما تعطى للوعي مباشرة. لكن هوسرل نفسه اكتشف في أواخر مساره أن هذا الوعي لا يعمل في فراغ بل داخل ما أسماه عالم الحياة، ذلك الأفق المشترك من المعاني الذي يسبق كل معرفة علمية ويجعلها ممكنة، فأدرك أن التأسيس الحقيقي ليس في مبدأ مجرد بل في العودة إلى هذا النسيج الحي من التجربة.

سيذهب هايدغر إلى ما هو أبعد معتبرا أن السؤال عن المعرفة سؤال متأخر لأنه يفترض ذاتا منفصلة عن العالم تحاول معرفته من الخارج، في حين أن الإنسان منغمس فيه أصلا قبل أن يتخذ منه موقف المتأمل النظري. فالفهم عنده بنية وجودية أصلية لا ملكة معرفية إضافية، ومن هذا المنطلق ينتقد تاريخ الميتافيزيقا الغربية بأكمله بوصفه نسيانا للسؤال عن الوجود لصالح الانشغال بضبط الموجودات والسيطرة عليها.

تأخذ غادامير هذا الخيط الهرمنيوطيقي وتطوره في اتجاه أكثر التصاقا بمسألة التأسيس؛ فهو يرفض الصورة التي تجعل من الأحكام المسبقة عائقا ينبغي التخلص منه ويرى أنها هي الشرط الذي يجعل الفهم ممكنا أصلا إذ لا فهم من العدم ولا قراءة خالية من أفق مسبق. لكن هذا لا يعني الوقوع في أسر التحيز لأن الفهم يتحقق عبر اندماج الآفاق، حيث يدخل أفق القارئ في حوار مع أفق النص فيتعدل كل واحد منهما بفعل هذا اللقاء، في عملية تصحيح متبادل مستمرة تضيف بعدا حواريا وتاريخيا إلى فكرة المبررات المتبادلة التي أشرنا إليها سابقا.

في مسار مختلف يقدم بوبر حلا آخر لا يقوم على العودة إلى التجربة المعيشة أو التاريخ، بل على إعادة تعريف العقلانية العلمية ذاتها، إذ يرفض فكرة أن المعرفة تبنى بالتحقق التراكمي من فرضيات صحيحة ويقترح أن قيمة النظرية تكمن في قابليتها للتكذيب أي في استعدادها لأن تدحض بالتجربة. فالعلم يتقدم بالتخلص من الفرضيات الخاطئة عبر النقد المستمر، وهو ما يسميه بالعقلانية النقدية، موقف لا يبحث عن يقين يستريح إليه بل عن استعداد دائم لمواجهة الفرضية بمحاولة دحضها، وهو ما يمنح مضمونا منهجيا دقيقا لفكرة أن قوة الفكرة تقاس بصمودها أمام الاعتراض لا بحصانتها المسبقة.

أما هابرماس فينقل السؤال من علاقة الذات بالموضوع إلى علاقة الذوات بعضها ببعض، ويرى أن العقلانية تتحقق في فعل التواصل والحجاج بين فاعلين يسعون إلى تفاهم متبادل. فالادعاء المعرفي لا يكتسب صلاحيته من مطابقته لواقع خارجي وحسب، بل من قدرته على الصمود أمام نقاش عمومي حر تختبر فيه الحجج بعيدا عن كل إكراه، في ما يسميه وضعية الكلام المثالية. صحيح أن هذا النموذج يظل أفقا تنظيميا أكثر منه واقعا محققا لكنه يمنح فكرة التأسيس التبريري بعدا أخلاقيا وسياسيا واضحا. وفي المقابل يأتي فوكو ليذكر بأن هذا الحوار العقلاني نفسه لا ينعقد في فراغ من علاقات القوة، فما يعتبر في حقبة معينة معرفة صحيحة وما يستبعد بوصفه لا معقولية ليس نتيجة محايدة لفحص عقلي خالص بل نتاج أنظمة خطاب وسلطة تتحكم فيما يمكن قوله وفيمن يحق له أن يتكلم باسم الحقيقة. ومشروعه لا يهدف إلى نفي وجود حقيقة بل إلى كشف الشروط التاريخية والسلطوية التي تجعل خطابا بعينه يظهر بمظهر الحقيقة الطبيعية والبديهية.

حين تقرأ هذه المسارات معا يتبين أن كلا منها يضيء وجها مختلفا من المشكلة نفسها، من كانط نتعلم أن كل معرفة تفترض شروط إمكان يجب فحصها، ومن هوسرل أن هذه الشروط متجذرة في تجربة معيشة سابقة على كل تنظير ومن هايدغر أن الفهم نفسه أقدم من فعل المعرفة النظري ومن غادامير أن الحوار مع التقليد هو طريق الفهم الذي يتجاوز التحيز من غير أن ينكره ومن بوبر أن قابلية النقد هي علامة العقلانية الحقة لا اليقين ومن هابرماس أن صلاحية الحكم تختبر في فضاء تواصلي مشترك ومن فوكو أن هذا الفضاء نفسه ليس بريئا من علاقات القوة التي ينبغي كشفها باستمرار.

ومستقبل التأسيس المعرفي لا يكمن في اختيار واحد من هذه الاتجاهات على حساب البقية بل في القدرة على استيعابها معا داخل تصور واحد للعقلانية، عقلانية تعرف حدودها الترنسندنتالية كما بين كانط وتصغي إلى التجربة المعيشة كما طلب هوسرل وتعترف بتاريخيتها ووجوديتها كما أوضح هايدغر وتنخرط في حوار متجدد مع تراثها كما أراد غادامير، وتظل قابلة للتكذيب والمراجعة كما أصر بوبر وتبحث عن مشروعيتها في الحجاج التواصلي كما تصور هابرماس، ولا تكف عن مساءلة الشروط السلطوية لخطابها كما علمنا فوكو. فلا يبدو أن الفلسفة المعاصرة تملك ترفا اختيار عقل بلا حدود أو التخلي عن العقل كليا لصالح فوضى الآراء بل هي مطالبة بأن تعيش في تلك المسافة الدقيقة بين الطرفين، مسافة يقظة دائمة لا تمنح نفسها راحة اليقين ولا تستسلم لإغراء العدمية.

وهذه بالضبط هي القيمة الكبرى لهذا المسار الممتد من كانط إلى فوكو، أنه علم الفلسفة أن تشك في ذاتها من غير أن تفقد ثقتها في إمكان الحقيقة وأن تفحص أدواتها من غير أن تتخلى عن استعمالها وأن تعترف بتاريخيتها من غير أن تحكم على نفسها بالعجز عن قول شيء صحيح. فالعقل الذي يخرج من هذه الرحلة النقدية الطويلة ليس عقلا أضعف مما كان بل عقلا أكثر نضجا لأنه تعلم أن قوته الحقيقية لا تكمن في ادعاء امتلاك الحقيقة كاملة منذ البداية بل في القدرة على السير نحوها بخطى حذرة محاطا بالسؤال والنقد والحوار عارفا أن كل محطة يبلغها ليست النهاية بل دعوة متجددة لمواصلة السؤال.

***

د. حمزة مولخنيف

 

حين يصير الحدُّ جزءًا من الوعي

هناك سؤال لا يكادح في كثير من الكتابات حول التغيير الاجتماعي، على الرغم من أنه ربما أهم من سؤال «كيف يتغير المجتمع؟» ذاته كيف يتحول المجتمع إلى مجال يسمح بالعبور، أو يقفل أبوابه في وجهه؟ وكيف تتحول حدودٌ تبدو في الظاهر مجرد حدود اجتماعية أو ثقافية، إلى أنظمة من المعنى والسلطة، تجعل القائم يبدو طبيعيًا، والممكن يبدو مستحيلًا؟

من هذه الزاوية بالذات يمكن أن يُقرأ أنطونيو غرامشي، لا بوصفه فيلسوفًا للعبور بمعنى اصطلاحي، ولا بوصف مشروعه امتدادًا جاهزًا لمشروع «فلسفة العبور»، بل بوصفه جسرًا ينقل هذا السؤال من مستواه الأنطولوجي العام إلى واقعه الاجتماعي والسياسي. غرامشي يتيح لنا أن نسأل على نحو ملموس: كيف تتحول الحدود الاجتماعية إلى وعي؟ وكيف يتحول الوعي إلى قبول؟ وكيف تصبح السلطة قادرة على إعادة إنتاج نفسها لا بالقسر وحده، بل بإقناع الناس بأن الحدود التي يعيشون داخلها حدود طبيعية، لا تاريخ لها؟

حين لا تقول السلطة: «لا تعبر»

من السهل أن نختزل فهم السلطة في نموذج بدائي من يملك القوة، ومن يخضع لها. لكن غرامشي جعل المسألة أكثر تعقيدًا، فأبرز أن السيطرة لا تعمل بالقوة المباشرة وحدها، بل تحتاج إلى إنتاج قدر من القبول، وإلى بناء عالم رمزي تصبح داخله مصالح فئة معينة قابلة للظهور بوصفها مصالح عامة. وهنا ينقلب السؤال من «من يملك السلطة؟» إلى سؤال أعمق: كيف تصبح السلطة قادرة على إنتاج الشروط التي تجعل استمرارها ممكنًا؟

والحقيقة أن السلطة، بهذا المعنى، لا تحتاج دائمًا إلى أن تقول للإنسان « لا تعبر». تكفيها أن تجعله لا يرى أصلًا أن هناك حدًّا يمكن عبوره. فالحد الذي يحتاج شرطيًّا ليحرسه قد ينهار بغياب الشرطي، أما الحد الذي يتحول إلى قناعة داخلية، فإنه يحرس نفسه بنفسه. من هنا يمكن فهم مفهوم الهيمنة عند غرامشي بوصفه لحظة من لحظات إنتاج الثبات: الحد لا يعيش خارج الإنسان فحسب، بل قد يستقر داخله بوصفه معنى للعالم.

ويصبح الصراع إذن ليس صراعًا على الدولة أو المؤسسات وحدها، بل صراعًا على إنتاج المعنى ذاته، وعلى حق تعريف ما هو طبيعي وما هو ممكن وما هو مستحيل.

الحس المشترك: لحظة البداهة

تكمن إحدى أهم نقاط الالتقاء بين غرامشي وفلسفة العبور في مفهوم «الحس المشترك». فالإنسان لا يعيش في العالم من خلال الأفكار الفلسفية المجردة، بل عبر منظومة واسعة من التصورات اليومية التي تجيب، غالبًا دون وعي، عن أسئلة من قبيل: من نحن؟ من الآخرون؟ ما الذي يجب أن يبقى؟ وما الذي يمكن أن يتغير؟

حين يستقر تصور معين في الحس المشترك، لا يعود بحاجة إلى الدفاع عن نفسه في كل لحظة؛ يتحول إلى بداهة. وهنا يحدث أخطر أشكال الثبات. إذ تصف الهيمنة، بعبارة دقيقة، انتقال الحد من الخارج إلى الداخل: تضع السلطة الحدود، ثم تجعلها مألوفة، ثم تصير جزءًا من الوعي، ثم يعود الوعي نفسه إلى إنتاجها من جديد، في دائرة مغلقة: السلطة تنتج الحدود، والحدود تنتج التصورات، والتصورات تنتج الحس المشترك، والحس المشترك يعيد إنتاج السلطة. لكن فلسفة العبور لا تقف عند هذه الدائرة؛ فسؤالها الحاسم هو: كيف يمكن كسرها؟

العبور ليس إلغاء الحد

إذا كانت الهيمنة تعمل على تثبيت الممكن داخل حدود معينة، فإن العبور لا يعني مجرد رفض تلك الحدود، بل إعادة فتح المجال الذي أغلقته. وهنا ينبغي الحذر من فهم العبور بوصفه حركة عشوائية أو خروجًا دائمًا من كل حد. العبور في فلسفة العبور ليس إلغاءً للحد، بل تحويلًا لوظيفته: الحد المغلق يقول «إلى هنا فقط»، أما الحد المفتوح فيقول «من هنا تبدأ جهة أخرى». والفارق بينهما جوهري؛ لأن إلغاء كل الحدود يقود إلى الفوضى بقدر ما يقود تثبيت كل الحدود إلى الجمود. لذلك لا يدور السؤال الفلسفي حول إلغاء الحد، بل حول تحويله من جدار إلى معبر.

ومن هذا المنظور يمكن إعادة قراءة مشروع غرامشي السياسي والثقافي: المسألة ليست في الاستيلاء على موقع داخل البنية القائمة، بل في إعادة بناء القدرة الاجتماعية على إنتاج معنى آخر للعالم. وهذا ما يجعل مفهوم «المثقف العضوي» قابلًا للقراءة من داخل فلسفة العبور؛ فالمثقف ليس مجرد حامل للمعرفة، بل فاعل يعيد تنظيم العلاقة بين المعرفة والمجتمع، ينقل الفكرة من عزلتها إلى فضاء الممارسة، ويجعلها قوة قادرة على التدخل في تشكيل الوعي. وهو، بذلك، وسيط العبور بين الفكرة والمجتمع، والمعرفة والممارسة، والوعي والتاريخ، والممكن والقائم.

حرب المواقع أم حرب المعنى؟

يبدو الصراع السياسي، في صورته المباشرة، صراعًا على المواقع: من يملك الدولة؟ من يمسك القرار؟ لكن غرامشي يدفعنا إلى مستوى أعمق: من يملك القدرة على إنتاج المعنى الذي تتحرك داخله هذه المؤسسات؟ وهنا يتجاوز مفهوم «حرب المواقع» كونه تكتيكًا سياسيًا، ليكشف أن التحول الاجتماعي لا يحدث بالضرورة في لحظة فاصلة واحدة، بل يكون غالبًا عملية طويلة لإعادة تشكيل المجال الثقافي والاجتماعي.

وهذا قريب جدًا من العبور بوصفه عملية. فالعبور ليس قفزة سحرية من حالة إلى أخرى، بل سلسلة انتقالات صغيرة متراكمة تغيّر طبيعة المجال نفسه: قد يتغير المصطلح قبل المؤسسة، واللغة قبل القانون، والوعي قبل الدولة. وفي لحظة ما يصير ما بدا مستحيلًا قابلًا للتفكير، ثم للنقاش، ثم للممارسة، ثم للتحول إلى مؤسسة.

هنا يظهر الفرق بين التغيير والتحول: الأول قد يعني استبدال عنصر بعنصر، أما الثاني فيعني إعادة تشكيل العلاقة بين العناصر نفسها. ولهذا يمكن استثمار غرامشي في بلورة مفهوم «التحول العابر»: تحول لا يبدأ بالضرورة من المركز، بل قد ينطلق من الهوامش، ومن اللغة، ومن الثقافة، ومن إعادة صياغة الحس المشترك، حتى يعيد المجتمع تدريجيًا تعريف حدود الممكن.

الإنسان العابر

كل بنية اجتماعية، مهما بدت صلبة، تمر عبر الإنسان. وهنا يلتقي غرامشي مع البعد الأنثروبولوجي في فلسفة العبور: الإنسان ليس كائنًا يتلقى الثقافة سلبًا، بل كائن يتشكل داخلها ويعيد إنتاجها، ويملك في الوقت نفسه القدرة على إعادة تشكيلها. يعيش داخل حدود لم يخترها كلها، لكنه ليس محكومًا بالبقاء فيها.

لو كان الإنسان مجرد انعكاس للبنية، لما أمكن للتحول أن يحدث أصلًا. لكن وجود الوعي والممارسة والتنظيم وإنتاج الثقافة يعني أن البنية الاجتماعية ذاتها تحمل إمكانات تجاوزها. ومن هنا يُفهم الإنسان بوصفه كائنًا عابرًا: لا لأنه يعيش خارج الحدود، بل لأنه يستطيع تحويل الحدود التي ورثها من شيء نعيش داخله إلى شيء نراه، فنفكر فيه، فننتقده، فنعيد بناءه.

فالعبور يبدأ لحظة يتحول الحد من قدرٍ نعيشه إلى سؤالٍ نطرحه. وحين يبدأ السؤال، يبدأ إمكان التحول.

غرامشي جسر، لا منتهى الطريق

قد يُقال إن غرامشي يظل فيلسوف صراع وهيمنة وكتلة تاريخية، بينما فلسفة العبور أوسع من أن تُختزل في الصراع الطبقي أو تفسير التحولات الاجتماعية عبر علاقات القوة. والاعتراض مشروع، إذا ما حاولنا جعل غرامشي أساسًا شاملًا للمشروع. لكن هذا ليس المقصود أصلًا.

قيمة غرامشي هنا ليست في تقديم نظرية مكتملة للعبور، بل في كشف الطبقة الاجتماعية والسياسية من مشكلته: كيف يتحول الحد إلى ثقافة، والثقافة إلى حس مشترك، والحس المشترك إلى قبول، والقبول إلى إعادة إنتاج للبنية القائمة. أما فلسفة العبور فتتجاوز غرامشي حين تسأل عن مصدر أوسع للحركة: عن الصيرورة ذاتها، وعن التعدد، وعن العلاقة بين الهوية والسيولة، وعن قدرة الإنسان على إعادة فتح الممكن.

وبهذا يشغل غرامشي موقعًا منهجيًا واضحًا داخل المشروع: أرسطو جسر في سؤال الحد، وابن عربي جسر في العبور الروحي، وفوكو في إنتاج الذات، ودولوز في الصيرورة والسيولة، وغرامشي جسر في العبور الاجتماعي والسياسي، من الهيمنة إلى إعادة إنتاج الممكن. لا نقرأ هؤلاء لنعلن أن مفهومًا معاصرًا كان عندهم مكتملًا، بل لأنهم عقد في شبكة طويلة من التحولات الفكرية، ولا يصير المشروع بذلك تابعًا لأي واحد منهم.

العبور ممارسة اجتماعية

إذا اتخذنا من غرامشي نقطة انطلاق لا نقطة انتهاء، نصل إلى فكرة تتجاوز السياسة بمعناها الضيق: العبور ليس قرارًا فرديًا أو حركة جغرافية أو انتقالًا بين هويتين، بل ممارسة اجتماعية لإعادة بناء شروط الإمكان. حين يتغير التعليم، يتغير مجال العبور. حين تتغير اللغة، تتغير حدود التفكير. حين يُعاد تعريف علاقة الجماعات بعضها ببعض، تتغير حدود الهوية. وحين يتحول المختلف من موضوع للإقصاء إلى شريك في إنتاج المعنى، يتغير المجال الاجتماعي كله.

ولهذا فإن «السياسة العابرة» لا تعني استبدال الحكومات أو هندسة المؤسسات فحسب، بل إعادة فتح المجال الاجتماعي أمام الحركة والتعدد والعلاقة. ويمكن، من داخل هذا المنظور، إعادة صياغة السؤال الغرامشي: ليس «كيف ننتصر في الصراع؟» بل «كيف نمنع انتصار الثبات على إمكان التحول؟» وليس «من يملك الهيمنة؟» بل «كيف نعيد توزيع القدرة على إنتاج المعنى؟»

خاتمة:

أهمية غرامشي لفلسفة العبور تكمن في أنه يجعلنا نرى ما قد يغيب حين نفكر في الحدود بصورة مجردة: الحدود الاجتماعية لا تُفرض علينا دائمًا من الخارج، بل قد تصير جزءًا من الطريقة التي نفهم بها أنفسنا والعالم. وهنا تظهر الهيمنة شكلًا من أشكال تثبيت العبور؛ السلطة لا تمنع الحركة فقط، بل تعيد تعريفها، فتجعل طريقًا معينًا يبدو طبيعيًا، وآخر مستحيلًا، وهوية بديهية، وأخرى خطرة، وترتيبًا اجتماعيًا وكأنه قدر لا تاريخ له.

لكن التاريخ لا يتوقف. وما يبدو ثابتًا اليوم كان في لحظة ما نتيجة تحول، وما يبدو طبيعيًا نتيجة تاريخ طويل من التثبيت، وما يبدو مستحيلًا مجرد ممكن لم تجد بعد شروط ظهورها. لذلك لا تنتهي قراءة غرامشي من داخل فلسفة العبور إلى مقايضة ثبات بثبات، بل إلى إعادة بناء السؤال ذاته: كيف تتحول الحدود إلى هويات، والهويات إلى سلطات، والسلطات إلى أنظمة لإعادة إنتاج الحدود؟ وكيف يستطيع الفكر والثقافة والممارسة إعادة فتح هذا المسار؟

عند هذه النقطة بالذات يصبح غرامشي جسرًا حقيقيًّا لـ«فلسفة العبور»: ينقلنا من أنطولوجيا التحول إلى سوسيولوجيا الحدود، ومنها إلى سياسة العبور. فلا يعود المجتمع مجرد فضاء تتحرك فيه القوى، بل مجالًا دائمًا للصيرورة، ولا يعود الإنسان حاملًا لهوية جاهزة، بل فاعلًا في إنتاجها وتجاوزها، ولا تعود الثقافة انعكاسًا للواقع، بل إحدى القوى التي ترسم حدود الممكن.

ومن هنا تتضح القاعدة المركزية: ما دام الثبات منتجًا تاريخيًّا، فليس قدرًا ميتافيزيقيًّا. وما دام الحد قد تشكل عبر عبورات سابقة، فإن إمكان عبوره لا يزال مفتوحًا. والفكر، في النهاية، فعلُ إعادة فتح الطريق: الوجود يتحول، والتحول ينتج عبورًا، والعبور يصطدم بالحدود، والحدود تنتج ثباتًا، والثبات يحاول غلق الدائرة، في حين يظل الفكر والثقافة والممارسة إمكانَ كسرها من جديد.

***

د. عامر عبد زيد الوائلي

النطاق والطموح والمحاذير في مقاربة مستدامة

مقدمة: يعتبر الاقتصاد السياسي الإيكولوجي مجالاً معرفياً يتقاطع فيه التحليل الاقتصادي مع البعد السياسي والبعد البيئي، ليُعيد صياغة فهمنا للعلاقات بين الإنسان والطبيعة والسلطة والثروة. ينطلق هذا الحقل من فرضية أساسية مفادها أن النظام الاقتصادي ليس نظاماً مغلقاً يعمل وفق آليات السوق وحدها، بل هو نظام مفتوح يتفاعل باستمرار مع النظم البيئية المحدودة، ويتأثر بشدة بهياكل السلطة السياسية والاجتماعية. ومن هنا، فإن أي دراسة معمقة لهذا المجال تقتضي تفكيك أركانه الأساسية، ثم تحديد نطاقه، واستكشاف طموحه النظري والعملي، مع مراعاة المحاذير المنهجية والعملية، وصولاً إلى صياغة مقاربة مستدامة قادرة على الاستجابة لتحديات العصر. فماهي الأركان الأساسية للاقتصاد السياسي الإيكولوجي؟ وماذا تضيف المقاربة المستدامة على مستوى النطاق والطموح؟ وهل هناك محاذير توجه الى هذا النمط من التصور؟

الأركان الأساسية للاقتصاد السياسي الإيكولوجي

يقوم الاقتصاد السياسي الإيكولوجي على مجموعة من الأركان المترابطة التي تشكل بنيته النظرية والمنهجية.

أول هذه الأركان هو التكامل بين الاقتصاد والبيئة والسياسة. فبدلاً من النظر إلى الاقتصاد بوصفه مجالاً مستقلاً تحكمه قوانين العرض والطلب، يُنظر إليه بوصفه جزءاً من نظام أوسع يشمل التدفقات المادية والطاقة، والحدود البيئية الكوكبية، والعلاقات السلطوية التي تحدد من يملك الموارد ومن يتحمل تكاليف استنزافها. هذا التكامل يرفض الفصل التقليدي بين «الاقتصاد» و«البيئة»، ويؤكد أن كل قرار اقتصادي هو في جوهره قرار بيئي وسياسي في آن واحد.

الركن الثاني هو التركيز على علاقات السلطة والتوزيع. لا يكتفي هذا الحقل بتحليل الكفاءة الإنتاجية أو النمو الكمي، بل يسأل: من يقرر كيفية استخدام الموارد الطبيعية؟ ومن يستفيد من استغلالها؟ ومن يدفع ثمن التدهور البيئي؟ هنا تتداخل مفاهيم العدالة البيئية مع مفاهيم العدالة الاجتماعية، فيُبرز كيف تؤدي الهياكل السياسية والاقتصادية القائمة إلى تركيز الأضرار البيئية على الفئات الأضعف، سواء داخل الدولة الواحدة أو على المستوى العالمي بين الشمال والجنوب.

الركن الثالث يتمثل في الاعتراف بالحدود الإيكولوجية. يستند هذا الركن إلى حقيقة أن النظم البيئية تعمل ضمن حدود فيزيائية وكيميائية وبيولوجية لا يمكن تجاوزها دون عواقب وخيمة. من هنا يأتي نقد النماذج الاقتصادية التقليدية التي تفترض إمكانية النمو اللامتناهي، ويُطرح بدلاً منها مفهوم «الفضاء الآمن» للكوكب، الذي يتطلب إعادة توجيه النشاط الاقتصادي نحو الحفاظ على استقرار النظم الداعمة للحياة.

أما الركن الرابع فهو النقد الجذري للنموذج التنموي السائد. لا يقتصر الاقتصاد السياسي الإيكولوجي على اقتراح حلول تقنية ضمن الإطار القائم، بل يذهب إلى مساءلة الأسس الفلسفية للنمو الاقتصادي كهدف أعلى، وللنمط الاستهلاكي المفرط، وللعلاقات الاستعمارية الجديدة في التجارة العالمية والدين الخارجي. ويطرح بدائل مثل الاقتصاد الدائري، واقتصاد الرفاهية، ومفاهيم التراجع الانتقائي عن النمو في المجتمعات الغنية.

وأخيراً، يقوم الركن الخامس على البعد الزمني والمكاني الموسع. إذ لا تقتصر التحليلات على الأجل القصير أو على الحدود الوطنية، بل تمتد إلى الأجيال القادمة وإلى التأثيرات العابرة للحدود، مما يجعل الاستدامة بين الأجيال والعدالة العالمية جزءاً لا يتجزأ من الإطار التحليلي.

النطاق

يتسع نطاق الاقتصاد السياسي الإيكولوجي ليشمل مستويات متعددة من التحليل. على المستوى الجزئي، يدرس كيفية تفاعل الأسر والمجتمعات المحلية مع الموارد الطبيعية، وآليات اتخاذ القرار في إدارة الغابات أو المياه أو الأراضي الزراعية. وعلى المستوى الوسيط، يحلل السياسات القطاعية مثل الطاقة والزراعة والصناعة، وكيفية تأثير اللوبيات والشركات الكبرى على صياغة هذه السياسات. أما على المستوى الكلي، فيتناول النظام العالمي للتجارة والاستثمار والتمويل، وكيف يُعيد إنتاج أنماط الاستغلال البيئي عبر سلاسل القيمة العالمية.يمتد النطاق أيضاً إلى البعد التاريخي، حيث يُعاد قراءة تاريخ التصنيع والاستعمار من زاوية إيكولوجية، ليُظهر كيف أسهم تراكم رأس المال في تدمير النظم البيئية وتغيير المناخ. كما يشمل البعد المعياري، أي طرح أسئلة حول ما ينبغي أن يكون عليه النظام الاقتصادي العادل والمستدام، لا مجرد وصف ما هو قائم. ويغطي النطاق كذلك التفاعل بين العلوم الطبيعية والعلوم الاجتماعية، فيستفيد من علم البيئة والنظم المعقدة دون أن يختزل التحليل في نماذج تقنية محضة.

الطموح

يطمح الاقتصاد السياسي الإيكولوجي إلى أكثر من مجرد وصف المشكلات؛ إنه يسعى إلى إعادة بناء المعرفة الاقتصادية نفسها. يطمح أولاً إلى تقديم إطار نظري قادر على تفسير الأزمات المتزامنة: أزمة المناخ، وأزمة التنوع البيولوجي، وأزمة التفاوت الاجتماعي، بوصفها أعراضاً لنظام واحد غير مستدام. ويطمح ثانياً إلى توجيه السياسات العامة نحو مسارات تحول جذري، لا إصلاحات جزئية. وهذا يشمل الدعوة إلى إعادة تصميم مؤشرات الرفاه بعيداً عن الناتج المحلي الإجمالي، وإعادة هيكلة النظم الضريبية لتستوعب التكاليف البيئية، وإعادة توزيع السلطة على الموارد الطبيعية. على المستوى العالمي، يطمح هذا الحقل إلى بناء نظام دولي أكثر عدالة، يتجاوز نموذج «النمو أولاً ثم التنظيف»، نحو نموذج يعترف بمسؤولية الدول الصناعية التاريخية، ويضمن حقاً عادلاً للبلدان النامية في التنمية دون تكرار الأخطاء البيئية السابقة. كما يطمح إلى تمكين المجتمعات المحلية والشعوب الأصلية، بوصفها حاملي معرفة إيكولوجية عميقة غالباً ما تُهمش في النماذج المركزية. ويبقى الطموح الأعمق هو تحويل الاستدامة من شعار سياسي إلى ممارسة يومية مدمجة في كل قرار اقتصادي وسياسي، بحيث تصبح حماية النظم الداعمة للحياة شرطاً مسبقاً لأي نشاط بشري، لا نتيجة لاحقة يمكن تأجيلها.

المحاذير

رغم طموحه، يواجه الاقتصاد السياسي الإيكولوجي مجموعة من المحاذير التي يجب الوعي بها. أولها محذور الاختزال. فقد يميل بعض التحليلات إلى اختزال كل المشكلات في البعد البيئي وحده، متجاهلة التعقيدات السياسية والثقافية والاقتصادية التي تتداخل معه. كما قد يُختزل البعد السياسي في صراع طبقي أو جغرافي مبسط، دون الاعتراف بتعدد الفاعلين والمصالح.

المحذور الثاني هو الطوباوية. إذ قد تُقدم مقترحات جذرية تبدو بعيدة عن الواقع السياسي والمؤسسي القائم، مما يجعلها عرضة للرفض أو للتحويل إلى شعارات فارغة. وهنا تظهر أهمية الموازنة بين الرؤية الطويلة الأمد والخطوات العملية الممكنة في الأجل القصير والمتوسط.

المحذور الثالث يتعلق بـالعالمية والمحلية. فالنماذج النظرية المستمدة من سياقات الشمال الصناعي قد لا تنطبق بسهولة على سياقات الجنوب، حيث تختلف الأولويات والقدرات المؤسسية والهياكل الاجتماعية. لذا يجب الحذر من فرض حلول موحدة، والحرص على بناء مقاربات سياقية. كما يوجد محذور التوظيف السياسي. فقد تُستخدم مفاهيم الاستدامة أو الاقتصاد الأخضر لتبرير سياسات لا تغير شيئاً جوهرياً في علاقات السلطة، أو لتفتح أسواقاً جديدة للشركات الكبرى تحت غطاء «التحول الأخضر»، دون تحقيق عدالة حقيقية. وهنا يصبح النقد المستمر والتحليل السلطوي ضرورة لا غنى عنها.

وأخيراً، هناك محذور المنهجية. فالجمع بين العلوم الطبيعية والعلوم الاجتماعية يتطلب أدوات تحليلية متعددة التخصصات، قد تؤدي إلى صعوبة في البناء النظري المتماسك أو في القياس التجريبي، مما يستدعي حرصاً منهجياً مستمراً.

مقاربة مستدامة

تتمثل المقاربة المستدامة للاقتصاد السياسي الإيكولوجي في تحويل المبادئ النظرية إلى إطار عملي متكامل. تبدأ هذه المقاربة بالاعتراف بأن الاستدامة ليست هدفاً بيئياً صرفاً، بل هي عملية سياسية واقتصادية واجتماعية في آن واحد. لذا يجب أن تقوم على ثلاثة محاور متوازية: محور إعادة توزيع السلطة والموارد، ومحور إعادة تصميم المؤسسات الاقتصادية، ومحور إعادة تشكيل القيم والسلوكيات.

في المحور الأول، يتطلب الأمر تعزيز آليات المشاركة الديمقراطية في إدارة الموارد الطبيعية، وتمكين المجتمعات المحلية من حق النقض أو المشاركة الفعالة في القرارات التي تؤثر على بيئتها. كما يشمل إعادة النظر في حقوق الملكية الفكرية المتعلقة بالتكنولوجيا الخضراء، لضمان انتشارها العادل.

في المحور الثاني، ينبغي إعادة هيكلة النظم المالية والضريبية بحيث تعكس التكاليف البيئية الحقيقية، وتوجيه الاستثمارات نحو البنية التحتية المستدامة والطاقة المتجددة والاقتصاد الدائري. كما يتطلب الأمر تطوير مؤشرات جديدة للرفاه تتجاوز النمو الكمي، وتدمج أبعاد الصحة والتعليم والمساواة والاستقرار البيئي.

أما المحور الثالث، فيركز على التحول الثقافي والمعرفي، من خلال دمج التربية الإيكولوجية في المناهج التعليمية، وتشجيع أنماط استهلاك وإنتاج أكثر اعتدالاً، ودعم البحث العلمي الذي يربط بين المعرفة العلمية والمعرفة التقليدية.

تتحقق استدامة هذه المقاربة عندما تُبنى على مرونة تكيفية، أي القدرة على التعلم من التجارب وتصحيح المسار، وعلى عدالة توزيعية تضمن ألا تتحمل الفئات الأضعف عبء التحول، وعلى شفافية مؤسسية تحول دون استيلاء المصالح الخاصة على أجندة الاستدامة.

مفهوم الفضاء الآمن

يشكل مفهوم «الفضاء الآمن» (أو الحيز التشغيلي الآمن للبشرية) من أبرز الأدوات التحليلية والمعيارية التي أفرزها الفكر الإيكولوجي المعاصر لفهم العلاقة بين النشاط الإنساني وحدود النظم الكوكبية. وينطلق المفهوم من إدراك أن الأرض تعمل ضمن مجموعة من العمليات البيوفيزيائية المترابطة التي إذا تجاوزت عتبات حرجة فقد تؤدي إلى تغيرات غير خطية وغير قابلة للعكس في استقرار النظام الأرضي. وتطبيق هذا المفهوم لا يقتصر على التشخيص العلمي، بل يمتد إلى إعادة توجيه السياسات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية نحو مسارات تحافظ على استقرار النظم الداعمة للحياة، مع ضمان العدالة داخل الأجيال وبينها. يقوم الفضاء الآمن على تحديد مجموعة من الحدود الكوكبية المرتبطة بعمليات أساسية مثل تغير المناخ، وتآكل التنوع البيولوجي، ودورات النيتروجين والفوسفور، وتغير استخدام الأراضي، واستنفاد الأوزون، وتحمض المحيطات، وغيرها. ويُعرَّف الفضاء الآمن بأنه المنطقة الواقعة داخل هذه الحدود، حيث يمكن للبشرية أن تواصل تطورها دون تعريض استقرار النظام الأرضي للخطر. أما تجاوز هذه الحدود فيدخل البشرية في منطقة عدم اليقين المتزايد، التي قد تؤدي إلى تحولات مفاجئة في النظم البيئية والمناخية. وتطبيقه يتطلب تحويل هذه الحدود من مؤشرات علمية مجردة إلى أدوات عملية لصياغة القرارات. ويتم ذلك عبر دمجها في تقييمات الأثر، وفي تخطيط التنمية، وفي إعادة تصميم النظم الإنتاجية والاستهلاكية، بحيث يصبح الحفاظ على الاستقرار الكوكبي شرطاً مسبقاً لأي نشاط اقتصادي أو سياسي.

في الاقتصاد، يُستخدم مفهوم الفضاء الآمن لنقد نموذج النمو اللامتناهي وإعادة توجيه النشاط الاقتصادي نحو ما يُسمى «اقتصاد الدونات» أو الاقتصاد الدائري أو اقتصاد ما بعد النمو في المجتمعات الغنية. فبدلاً من السعي إلى تعظيم الناتج المحلي الإجمالي دون قيود، يصبح الهدف هو تلبية الاحتياجات الإنسانية الأساسية مع البقاء داخل الحدود الكوكبية. وتطبيق ذلك يظهر في إعادة هيكلة السياسات الصناعية والطاقة والزراعة. ففي قطاع الطاقة، يعني الالتزام بالفضاء الآمن التحول السريع نحو مصادر منخفضة الكربون، مع تحديد سقف للانبعاثات يتوافق مع حدود تغير المناخ. وفي الزراعة، يتطلب الأمر إعادة النظر في استخدام الأسمدة النيتروجينية والفوسفورية، وفي أنماط استخدام الأراضي، لحماية دورات المغذيات والتنوع البيولوجي. كما يُترجم المفهوم إلى أدوات مثل الضرائب البيئية، ونظم التجارة في الانبعاثات، ومعايير الإنتاج المستدام، والاستثمار في البنية التحتية الخضراء، بحيث تُستبطن التكاليف البيئية الحقيقية في الأسعار والقرارات الاستثمارية. وعلى مستوى الشركات، يدفع المفهوم نحو تبني نماذج أعمال تقيس نجاحها لا بالأرباح المالية وحدها، بل بمدى مساهمتها في البقاء داخل الفضاء الآمن، عبر خفض البصمة البيئية وسلاسل التوريد المستدامة. على صعيد السياسات العامة، يوفر الفضاء الآمن إطاراً لرسم أهداف تنموية طويلة الأمد تتجاوز الدورات الانتخابية القصيرة. فيُستخدم في صياغة استراتيجيات وطنية للتنمية المستدامة، وفي دمج الحدود الكوكبية ضمن الخطط الخمسية أو الرؤى المستقبلية للدول. كما يساعد في تحديد أولويات الإنفاق العام، بحيث تُوجه الموارد نحو حماية النظم الإيكولوجية الحرجة واستعادة ما تدهور منها. وفي الحوكمة العالمية، يسهم المفهوم في إعادة صياغة المفاوضات الدولية حول المناخ والتنوع البيولوجي والتجارة. فهو يوفر لغة مشتركة علمية لتوزيع المسؤوليات بين الدول، مع الاعتراف بالتفاوت التاريخي في الانبعاثات والاستهلاك. ويمكن تطبيقه عبر آليات مثل الميزانيات الكربونية الوطنية المتوافقة مع الحدود الكوكبية، أو الاتفاقيات التي تربط التمويل التنموي بالالتزام بالحفاظ على الفضاء الآمن. كما يمتد التطبيق إلى المستوى المحلي والمديني، حيث تُصمم المدن لتكون ضمن حدود مواردها الإيكولوجية، عبر التخطيط الحضري المستدام، وإدارة المياه والنفايات، وتعزيز الاقتصاد المحلي الدائري. ولا يكتمل تطبيق الفضاء الآمن دون البعد العدالي. فالبقاء داخل الحدود الكوكبية يجب أن يترافق مع ضمان حد أدنى اجتماعي من الرفاه للجميع. ومن هنا يأتي الربط بين الحدود البيئية والحدود الاجتماعية، بحيث يُسعى إلى فضاء آمن وعادل في آن واحد. ويظهر ذلك في سياسات إعادة التوزيع، والحماية الاجتماعية، وتمكين المجتمعات المحلية والشعوب الأصلية التي غالباً ما تكون الأكثر تضرراً من تجاوز الحدود وفي الوقت نفسه الأكثر دراية بطرق العيش المستدام. وفي هذا السياق، يُستخدم المفهوم لمواجهة أنماط الاستهلاك المفرط في المجتمعات الغنية، مع الاعتراف بحق المجتمعات الفقيرة في تلبية احتياجاتها الأساسية دون أن تتحمل عبء التحول وحدها. كما يدعم مقاربات العدالة المناخية والبيئية التي تربط بين حماية الكوكب ومكافحة الفقر والتفاوت. رغم خصوبته، يواجه تطبيق مفهوم الفضاء الآمن تحديات جوهرية. أولها التعقيد العلمي وعدم اليقين في تحديد بعض العتبات بدقة، مما يتطلب مرونة تكيفية ومراقبة مستمرة. وثانيها المقاومة السياسية والاقتصادية من قوى مستفيدة من النموذج الحالي القائم على الاستخراج والنمو السريع. وثالثها صعوبة ترجمة الحدود العالمية إلى أهداف وطنية ومحلية عادلة، دون أن تتحول إلى أدوات حماية تجارية أو قيود تُفرض على الدول النامية بشكل غير متكافئ.

كما يوجد محذور اختزال المفهوم في مؤشرات تقنية بحتة تتجاهل الأبعاد الثقافية والسياسية وعلاقات السلطة. لذا يجب أن يظل التطبيق مفتوحاً على المشاركة الديمقراطية، وعلى دمج المعارف المحلية والتقليدية، وعلى النقد المستمر لكيفية استخدامه. لذلك يتحقق التطبيق الفعال لمفهوم الفضاء الآمن حين يتحول من إطار تشخيصي إلى مبدأ منظم لإعادة بناء المؤسسات الاقتصادية والسياسية. ويتطلب ذلك تطوير مؤشرات مركبة تدمج الحدود الكوكبية مع مؤشرات الرفاه الاجتماعي، وإصلاح النظم المالية لتوجيه رؤوس الأموال نحو الأنشطة المتوافقة مع الفضاء الآمن، وتعزيز التعاون الدولي القائم على المسؤولية المشتركة المتباينة.

خاتمة

في نهاية المطاف، يقدم الاقتصاد السياسي الإيكولوجي إطاراً غنياً لفهم الأزمة الراهنة وصياغة استجابات جذرية لها. غير أن نجاحه مرهون بالقدرة على الحفاظ على توازن دقيق بين الطموح النظري والحذر المنهجي، وبين الرؤية العالمية والحساسية للسياقات المحلية، وبين النقد الجذري والبناء العملي. فقط عبر هذا التوازن يمكن لهذا الحقل أن يسهم في رسم مسار مستدام حقاً، يحفظ كرامة الإنسان واستقرار النظم التي تدعم حياته. وفي الختام، يمثل تطبيق مفهوم الفضاء الآمن محاولة جادة لنقل البشرية من مرحلة الاستغلال غير المقيد للنظم الكوكبية إلى مرحلة العيش الواعي داخل حدودها. وهو تطبيق لا ينجح بالأدوات التقنية وحدها، بل يحتاج إلى تحول في القيم والعلاقات السلطوية وأنماط الإنتاج والاستهلاك، ليصبح الحفاظ على استقرار الأرض شرطاً للكرامة الإنسانية والعدالة والاستدامة الحقيقية. فماهو اقتصاد الدونات؟ وماهي حدوده الكوكبية؟ وكيف يمكن نقد الناتج المحلي الإجمالي؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

سؤال الكرامة عند عبد الجبار الرفاعي

ليست المشكلة دائمًا في المركز الذي نرفضه، وإنما في المركز الذي نحمله معنا ونحن نغادره.. قد نغادر مركزية الدين، ونقاوم احتكار النص للحقيقة، ونرفض أن تتحول العقيدة إلى سلطة على الإنسان، ثم نكتشف، بعد مسافة من السير، أننا لم نغادر منطق المركز أصلًا؛ كل ما فعلناه أننا نقلناه من موضع إلى موضع، ومن لغة إلى لغة، ومن سلطة تتكلم باسم المقدس إلى سلطة تتكلم باسم الإنسان. وهنا تبدأ المفارقة التي أظن أنها تستحق أن تُفتح داخل مشروع عبد الجبار الرفاعي في «الدين والكرامة الإنسانية»: هل يكفي أن نغيّر صاحب المركز لكي نتجاوز المركز، أم أن المطلوب أعمق من ذلك، أي أن نغيّر الطريقة التي يصير بها شيء ما مركزًا؟

هذا السؤال لا يأتي من رغبة في محاكمة مشروع الرفاعي من خارجه، ولا من رغبة في التقليل من القيمة الأخلاقية لنقل الإنسان من الهامش إلى دائرة الاعتبار، وإنما يأتي، على العكس، من أخذ هذا المشروع على محمل الجد؛ لأن المشروع الذي يطالب بتحرير الإنسان من سلطة الحقيقة المغلقة ينبغي أن يكون قادرًا، بالقدر نفسه، على تحرير نفسه من احتمال أن يتحول إلى حقيقة مغلقة. وهنا تكمن أهمية السؤال.

فالإنسان الذي أُهين باسم الدين، وقُمعت حريته باسم العقيدة، وصُودرت فرديته باسم الجماعة، واستُخدمت روحه مادةً لإعادة إنتاج السلطة، يحتاج بالفعل إلى أن يستعيد كرامته، لا بوصفها منحة تمنحها له مؤسسة أو عقيدة أو دولة، وإنما بوصفها قيمة ملازمة لوجوده الإنساني. وهذه من أقوى النقاط الأخلاقية التي يمكن أن يبدأ منها أي تفكير معاصر في الدين؛ أن يصبح الإنسان سابقًا على المؤسسة في الكرامة، وأن تصبح المؤسسة مطالبة بأن تبرر علاقتها بالإنسان بدل أن يكون الإنسان هو المطالب دائمًا بتبرير وجوده أمامها. لكن الفلسفة لا تتوقف عند قوة المبدأ الأخلاقية.

إنها تسأل عما يحدث عندما يتحول المبدأ الذي بدأ بوصفه أداة لتحرير الإنسان إلى معيار شامل يحاكم العالم كله.

ومن هنا يصبح السؤال أكثر دقة: إذا كانت الكرامة هي المعيار الذي نختبر به إنسانية الدين، فمن الذي يختبر المعيار نفسه؟

ليس المقصود بالطبع التشكيك في قيمة الكرامة، ولا فتح الباب أمام إهانة الإنسان باسم نسبية القيم؛ وإنما المقصود اختبار البنية التي تتحول فيها قيمة ضرورية إلى مركز معياري، والمركز المعياري إلى سلطة، والسلطة إلى معيار يحدد ما ينبغي أن يكون وما لا ينبغي أن يكون. فالمركز، في ذاته، ليس شرًا.

نحن نحتاج إلى مراكز في المعرفة والحياة؛ نحتاج إلى نقاط انتظام تساعدنا على الفهم، وقيم نعود إليها عندما تضطرب الأشياء، ومبادئ تمنح المجال الأخلاقي شيئًا من التماسك. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول المركز إلى تمركز؛ أي حين لا يعود مجرد نقطة ننظر منها إلى العالم، بل يصبح النقطة التي تدعي أنها قادرة على تحديد العالم كله، وحين ينسى موقعه التاريخي والإنساني ويقدم نفسه باعتباره الموقع الطبيعي والمحايد والنهائي. وهذا هو الفارق الذي يبدو لي حاسمًا: المركز موضع، أما التمركز فهو ادعاء امتياز.

قد يكون الدين مركزًا في تجربة المؤمن، لكن الخطر يبدأ حين يتحول هذا المركز الوجودي إلى امتياز معرفي وأخلاقي يمنحه حق إخضاع الآخرين لمعياره.

وقد يكون الإنسان مركزًا في الأخلاق الحديثة، لكن الخطر يبدأ حين يتحول هذا المركز الأخلاقي إلى امتياز أنطولوجي يجعل العالم كله مجرد مادة لخدمة الإنسان.

وقد تكون الكرامة قيمة عليا، لكن الخطر يبدأ حين تتحول إلى سلطة معيارية مكتملة تحدد وحدها صورة الإنسان الصحيح، والتدين الصحيح، والعلاقة الصحيحة بالعالم.

لهذا فإن الانتقال من مركزية الدين إلى مركزية الإنسان قد يكون تحررًا من مركز، لكنه لا يكون بالضرورة تحررًا من منطق المركز. وهنا ينبغي أن ننتبه إلى شيء أكثر حساسية.371 alrefaie

حين ينتقد الفكر الديني القديم لأنه جعل الإنسان تابعًا لحقيقة مكتملة قبله، فإنه يمارس فعلًا نقديًا مشروعًا؛ لكن الناقد نفسه قد يجد نفسه، من حيث لا يقصد، في موقع آخر: موقع من يمتلك معيار الحكم على ما هو «إنساني» وما هو «غير إنساني»، وعلى أي تدين يستحق أن يبقى وأي تدين ينبغي أن يغادر.

وهذا لا يعني أن كل حكم أخلاقي هو استبداد، ولا أن التمييز بين ما يحفظ كرامة الإنسان وما يهدرها تمييز غير مشروع. إنما يعني أن علينا أن ننتبه إلى موقع المتكلم؛ لأن المشكلة ليست فقط في مضمون الحقيقة، وإنما في الوضع الذي يتخذه صاحبها تجاهها. وهنا أستعيد سؤالًا كنت قد طرحته في سياق آخر: متى تصنع الحقيقة هوية؟ حين تكون الحقيقة سؤالًا، تظل الذات قادرة على مراجعتها.

أما حين تصبح الحقيقة هوية، فإن الدفاع عنها يصبح دفاعًا عن الذات، ويصبح الاختلاف معها تهديدًا للانتماء، ويبدأ صاحب الحقيقة في التحول من طالب لها إلى حارس على أبوابها. لكن المفارقة أن هذه الآلية لا تخص المحافظ أو المتدين وحده.

إنها يمكن أن تصيب الناقد أيضًا. فالناقد الذي بدأ بمقاومة احتكار الحقيقة قد ينتهي إلى احتكار شروط قبولها، والكاتب الذي قاوم السلطة التي كانت تتحدث باسم الإنسان قد يجد نفسه يتحدث باسم الإنسان ضد المختلف، والمشروع الذي أراد أن يحرر الدين من مركزيته قد يتحول إلى مشروع يحدد للدين صورته المقبولة مسبقًا.

مرة أخرى، لا أقول إن هذا هو ما يدعيه الرفاعي بصورة صريحة؛ وإنما أقول إن البنية الفكرية التي تنتقل من مركز إلى مركز تستحق أن تُختبر حتى لو كان صاحبها نفسه أكثر وعيًا من البنية التي نحاول اكتشافها. وهنا تصبح المسألة فلسفية بحق. لأن اللامركزية نفسها تواجه سؤالًا لا تستطيع الإفلات منه: إذا كنت تنزع الامتياز عن كل مركز، فمن أي موقع تمارس هذا النزع؟ وإذا قلت إن لا مركز يملك حق الادعاء بأنه الحقيقة النهائية، فهل تستثني هذه القاعدة نفسها من النقد؟

إننا نصل هنا إلى مفارقة تشبه المرآة: حين نحطم المرآة التي كانت تعكس مركزًا واحدًا، قد لا نكتشف أننا خرجنا من منطق الصورة، بل أننا أصبحنا نملك مرآة جديدة. ولهذا لا يكفي أن نسأل: من المركز الآن؟ ينبغي أن نسأل: كيف صار مركزًا؟ وما الذي منحه حق أن يكون معيارًا؟ وما الذي يمنعه من التحول من قيمة إلى سلطة؟

تزداد المسألة تعقيدًا حين ننتقل من الدين إلى الإنسان نفسه. فإذا كانت الكرامة الإنسانية قيمة لا يجوز انتهاكها، فإن السؤال التالي لا يتعلق بقيمتها وإنما بحدودها: هل الكرامة تحمي الإنسان من أن يتحول إلى شيء، أم تمنحه أيضًا حق تحويل الأشياء الأخرى إلى وسائل؟ هنا تدخل الطبيعة إلى الحوار.

فالحداثة التي حررت الإنسان من كثير من أشكال السلطة الموروثة رفعت الإنسان، في المقابل، إلى موقع شديد المركزية في العالم؛ وأصبح الإنسان هو الذي يمنح الطبيعة معناها، ويقيس قيمتها بمنفعته، ويعيد ترتيب الكائنات وفق حاجاته. ومن هذه الزاوية، فإن نقد مركزية الدين لا ينبغي أن ينتهي تلقائيًا إلى مركزية الإنسان.

يمكن للإنسان أن يتحرر من سلطة السماء ثم يمارس سلطته على الأرض. يمكنه أن يرفض أن يكون العالم خاضعًا لتفسير ديني مغلق، ثم يتعامل معه بوصفه مادة مفتوحة للاستهلاك. يمكنه أن يرفض احتكار الحقيقة باسم النص، ثم يمارس احتكارًا آخر باسم العقل أو الحرية أو الإنسان.

وهذا لا يعني أن علينا أن نستبدل مركزية الإنسان بمركزية الطبيعة؛ لأن استبدال مركز بمركز لا يحل المشكلة، بل يعيد إنتاجها بصورة معكوسة. السؤال الأعمق هو: هل نستطيع أن نفكر في الوجود من غير أن نحتاج إلى مركز واحد يمنح بقية الموجودات قيمتها؟ وهذا السؤال يجعل البيئة أكثر من قضية أخلاقية معاصرة؛ يجعلها اختبارًا فلسفيًا لفكرة المركز نفسها.

فالطبيعة ليست مهمة فقط لأن تدميرها يهدد الإنسان، وإن كان ذلك صحيحًا؛ وإنما ينبغي أن نصل إلى لحظة لا تكون فيها حماية الطبيعة مجرد دفاع مؤجل عن مصالح الإنسان. لأننا إذا قلنا إن علينا ألا ندمر العالم فقط كي يبقى صالحًا لنا، فإننا لم نتجاوز مركزية الإنسان، بل منحناها لغة بيئية جديدة. المشكلة هنا ليست في الإنسان. المشكلة في أن يصبح الإنسان مقياس كل شيء.

ومن هذه الزاوية يمكن الاستفادة من الدرس الذي قدمته تيارات ما بعد الحداثة، لا بوصفها سلطة بديلة، وإنما بوصفها أداة لسؤال السلطة نفسها: لماذا نحتاج دائمًا إلى معيار كلي؟ ولماذا نطمئن إلى قيمة حين نمنحها صفة الكونية؟ وهل يمكن أن تكون لدينا قيم إنسانية مشتركة من دون أن تتحول هذه القيم إلى خطاب كلي يمحو الاختلافات التي نشأت داخلها؟ السؤال ليس: هل توجد قيم مشتركة؟ بل كيف نمارس المشترك دون أن نحوله إلى آلة لمحو المختلف؟

فالتعددية لا تعني أن كل شيء متساوٍ أخلاقيًا، كما أن الكونية لا تعني أن معيارًا واحدًا يستطيع أن يلغي تاريخ الاختلاف وتجارب البشر المتعددة. وهنا يظهر خطر آخر، أن يتحول الدفاع عن «الإنسان» إلى تعريف واحد للإنسان.

فالإنسان ليس شيئًا مكتملًا ينتظر أن نكتشف تعريفه النهائي، وإنما هو كائن يعيد اكتشاف نفسه باستمرار. وإذا كان الأمر كذلك، فإن الكرامة لا ينبغي أن تكون فقط حماية لما هو قائم، بل حماية لإمكان أن يتغير ما هو قائم. وهذه النقطة بالذات تسمح لنا بالعودة إلى الرفاعي من داخل مشروعه لا من خارجه.

فإذا كان الإنسان صيرورة وتشكّلًا مستمرًا، فإن هذه الفكرة تهز، من الداخل، أي محاولة لتحويل «الإنسان» إلى ماهية مكتملة. الإنسان الذي يتشكل باستمرار لا يمكن أن يكون مركزًا ثابتًا بالمعنى الصلب للكلمة؛ لأنه هو نفسه في حركة دائمة بين ما كان عليه وما يمكن أن يصير إليه. وهنا يمكن أن يحدث التحول الذي أبحث عنه في هذا المقال. ربما لا ينبغي أن تكون الكرامة مركزًا. ربما ينبغي أن تكون شرطًا لعدم انغلاق المركز. وهذا فرق ليس صغيرًا. حين نقول إن الإنسان هو المركز، فإننا نمنحه موقعًا. أما حين نقول إن الكرامة هي قدرة الإنسان على أن يظل مفتوحًا على إمكان التشكل، فإننا لا نمنحه موقعًا بقدر ما نحمي حركته. في الحالة الأولى تصبح الكرامة امتيازًا. وفي الثانية تصبح الكرامة إمكانًا. في الأولى نحرس الإنسان من الخارج. وفي الثانية نحرس قدرته على ألا يتحول إلى قفص مغلق من الداخل.

وهنا أظن أن السؤال عن الدين نفسه يمكن أن يعود بصورة مختلفة. ليست القضية أن نضع الدين خارج المركز ونضع الإنسان مكانه. القضية أن نعيد بناء العلاقة بينهما بحيث لا يتحول أي منهما إلى سلطة مغلقة على الآخر. الدين الذي يهين الإنسان يحتاج إلى نقد. لكن الإنسان الذي يحتكر العالم يحتاج إلى نقد أيضًا. والحقيقة التي تتحول إلى هوية تحتاج إلى نقد. لكن الناقد الذي يحول نقده إلى هوية يحتاج إلى نقد.

والمركز الذي يدعي امتلاك الحقيقة يحتاج إلى تفكيك. لكن تفكيك المركز إذا تحول إلى امتلاك للحقيقة حول المركز يحتاج هو الآخر إلى تفكيك. هنا يصبح النقد أكثر من عملية هدم. إنه يصبح قدرة على إبقاء الذات قابلة للعبور من صورتها عن نفسها. وهذا هو الفارق بين الانتقال من مركز إلى مركز، والعبور من منطق المركز. في الانتقال الأول يتغير صاحب الامتياز. أما في الثاني فتتغير علاقتنا بالامتياز نفسه. في الأول نخلع التاج عن رأس ونضعه على رأس آخر. وفي الثاني نسأل: لماذا نحتاج إلى تاج أصلًا؟

لهذا لا أقرأ مشروع الرفاعي بوصفه مشروعًا ينبغي إسقاطه بمجرد اكتشاف هذه المفارقة، بل بوصفه مشروعًا يمكن أن يُدفع إلى منطقة أعمق من مقدماته نفسها. فالدفاع عن الكرامة يمكن أن يتجاوز مركزية الإنسان. والإيمان بالإنسان يمكن أن يتجاوز صورة الإنسان المكتمل. ونقد مركزية الدين يمكن أن يتحول إلى نقد أشمل لكل تمركز. والتعددية يمكن أن تتحول من مجرد اعتراف بحق المختلف في الوجود إلى اعتراف بأن الذات نفسها لا تكتمل إلا عبر قدرتها على استقبال ما يخرج عن صورتها.

عند هذه النقطة لا يعود الإنسان سيدًا على الوجود، ولا تابعًا لمركز سابق، ولا مالكًا للحقيقة، وإنما يصبح كائنًا يعيش على الحد الفاصل بين ما يعرفه وما لا يعرفه، بين ما صار إليه وما يمكن أن يصير إليه.

ولعل هذه هي النقلة التي تجعل الكرامة أكثر اتساعًا من مجرد شعار أخلاقي. فالكرامة ليست فقط ألا يُهان الإنسان. الكرامة أيضًا ألا يُختزل. ألا يُختزل في دين. ألا يُختزل في طائفة. ألا يُختزل في هوية. ألا يُختزل في ماضيه. ألا يُختزل في تعريف جاهز للإنسان. وألا يُختزل، حتى باسم الكرامة نفسها، في صورة واحدة لما ينبغي أن يكونه.

ومن هنا يصبح السؤال الأخير أكثر إرباكًا من كل ما سبقه: هل نحتاج إلى مركز يحمي الإنسان، أم نحتاج إلى عالم لا يستطيع فيه أي مركز أن يغلق الإنسان؟

ربما كان الانتقال الحقيقي لا يحدث حين نغادر مركزية الدين إلى مركزية الإنسان، بل حين نكتشف أن الإنسان نفسه لا ينبغي أن يكون مركزًا مغلقًا؛ لأنه، قبل أن يكون مركزًا، هو كائن عابر، يتشكل في اللغة، ويتغير في التاريخ، ويتعرف إلى نفسه عبر الآخر، ويعيد صياغة علاقته بالطبيعة، ويختبر إيمانه في الحرية، وحريته في المسؤولية، ومسؤوليته في الاعتراف بأن العالم أكبر من صورته عنه.

وعندها لا تصبح الكرامة سلطة جديدة فوق العالم، وإنما تصبح شرطًا كي يظل الإنسان قادرًا على أن يتغير دون أن يُسحق، وأن يختلف دون أن يُقصى، وأن يؤمن دون أن يستعبد، وأن ينقد دون أن يتحول إلى مالك للحقيقة، وأن يعيش في العالم دون أن يضطر إلى امتلاكه.

ربما لا تكون المهمة الفلسفية إذن أن نعثر على مركز أكثر عدلًا. ربما تكون المهمة أن نتعلم كيف نعيش دون أن نحول ما نؤمن به إلى مركز نهائي. أن ننتقل من سؤال: من يملك الحقيقة؟

إلى سؤال أصعب: كيف تظل الحقيقة قابلة للمراجعة دون أن تفقد معناها؟

ومن سؤال: من هو الإنسان؟ إلى سؤال أكثر انفتاحًا: كيف يبقى الإنسان قادرًا على أن يصير؟

ومن سؤال: هل الكرامة هي المعيار الكلي؟ إلى سؤال أعمق: كيف تحمي الكرامة الإنسان من كل معيار يريد أن يغلق عليه إمكانه؟ هناك، عند هذه النقطة تحديدًا، تتغير صورة المسألة كلها.

فالمركز يريد أن يقول لنا أين نقف.  أما العتبة فتذكرنا بأننا لسنا مكتملين في الوقوف. المركز يمنحنا هوية. أما العتبة فتمنحنا إمكان التحول. المركز يبحث عن النهاية. أما العتبة فتعيش في المسافة بين نهايتين.

ولذلك ربما لا يكون الإنسان مركز الوجود، ولا هامشه، ولا غايته الوحيدة؛ ربما يكون عتبته الأكثر قلقًا، الكائن الذي لا تكمن كرامته في أنه بلغ صورة نهائية عن نفسه، وإنما في أن يظل قادرًا على تجاوز الصورة التي ظن، في لحظة من لحظات اليقين، أنها صورته الأخيرة.

***

د. عامر عبد زيد الوائلي

في عالم اليوم، لا يوجد فضاء حاكم بين الواقعي والافتراضي إلا بعملية التكوين الخاص بحدود السلوك والأخلاقيات في المجالات كافة، سواء أكان على المستوى النخبوي أم على المستوى الشعبي. لكن لكل فضاء من الفضائيين حدوده ومتبنياته الفكرية التي تنعكس على بناء الرؤية المرتبطة بتشكيل الفهم لدى الفرد؛ فالفرد من الممكن أن يكون من النخبة الباحثة عن التأصيل لكل ما هو جميل ورائع بأسلوب حضاري يحاول فيه تكوين ذات فعالة وخلاقة وقادرة على الإبداع، أو من الممكن أن يكون عكس ذلك إذا ما كانت المسألة مرتبطة بالفاعلية العقلية التي يمارسها الفرد ذاته بين الفضائيين.

فالفضاء الأول الذي اعتاد عليه الإنسان منذ القدم ومارس فيه مختلف نشاطاته الإبداعية لحين ظهور الفضاء الثاني الافتراضي أو الرقمي – أو كما يسميه البعض ممن عمل في تشكيله وبناء مستوياته ومقتضياته ومفرداته وطرقه في تكوين الخوارزميات المرتبطة بتشكيل المعنى الرقمي – فالفضاء الواقعي يتحدد بمميزات تسهم في جعل الممارسة الفنية والأدبية وغيرهما تنحصر بين الجمال والقبح على مستوى التشكيل الإبداعي للنتاج، وكيفية تكوين هذا النتاج الذي يخضع لفلترة الذائقة الفنية الخاضعة للصياغات المشتركة بين النتاجات المبدعة والمتغايرة في خصوصيات كل عمل، أو ما يقدمه من إضافة في المجال الفني الخاص بالإبداع ذاته. وعلى هذا التقدير ينبثق مفهوم التفرد الفني والثقافي لدى المبدع المنتج للعمل ذاته، كون هذا التفرد سيكون في المستقبل معياراً لكل النتاجات اللاحقة التي تقدم في مسيرة التطور الفني المبنية على ما سبق. وكان للزمن سطوة مهمة في جعل التطور يأخذ منحى تصاعدياً كلما تميزت الأعمال الفنية، أو يهبط في زمن ما كلما بدأ الإبداع يتهاوى تدريجياً ويقع في التقليد الأعمى لما سبق، فيتميز العصر الحافل بالمبدعين عن العصور الأخرى التي يكون فيها الإبداع متذبذباً، أو يكون فيها مشتتاً وغير واضح المعالم.

وهذا يشير إلى أن المعيار الذي يبنى على المشتركات من النتاجات الإبداعية يتميز بنوعية الأعمال ذاتها وظهورها في هذا الزمن أو ذاك. فيكون الإبداع أكثر صلابة في الفضاء الواقعي عندما يكون عدد المبدعين ونتاجاتهم ركائز مهمة تميز عصراً من العصور على حساب العصور الأخرى.

وهذا ما جعل معيار الرصانة الفنية يتأتى من كون الأعمال الفنية التي تنتمي إلى العالم الواقعي آنذاك كانت تعبر عن حقيقة الوجود الجمالي المعبّر عن تلك المراحل التي كان فيها الفن ينتمي إلى ما يميزه من إبداع وأصالة وإضافة مهمة يمكن أن يسير من خلالها بخطى ثابتة نحو بناء معايير فنية رصينة، توضع معها نظريات جمالية واكبت الأعمال الفنية التي زينت العديد من المعابد والمباني القديمة في الحضارات القديمة؛ مثل بوابة عشتار في بابل وما حفلت به هذه البوابة من الألوان التي تكسو الآجر باللون الأزرق وفن السيراميك المرافق لعمل هذه البوابة، والرأس البرونزي للحاكم الأكدي، والجداريات التي كانت تزين المباني والقصور في ذلك الوقت. كما تميزت الحضارات الأخرى مثل الحضارة الفرعونية كما في معبد الكرنك والأقصر وما تضمنته من أعمال فنية أصبحت هي المعيار الفني الذي يشير إلى واقعية مطرزة بأسلوب يعبر عن تلك الحضارة المصرية، وكذلك ما حفلت به عدد من المناطق الشرق أوسطية مثل سوريا القديمة كما في الفن الخاص بـحضارة تدمر التي تدمج عدة حضارات متجاورة في فنها ومنها الحضارة الفارسية والحضارة اليونانية، وتميزت سوريا القديمة بأعمال فنية حضارية منها الفسيفساء، كما في فسيفساء شهبا وفسيفساء مريمين، والأخيرة تبين في جمالياتها عازفات للموسيقى. وهذه الأعمال الفسيفسائية تعود لحقب زمنية ومنها الحقبة اليونانية والحقبة الرومانية؛ والحقبة اليونانية التي أصبحت منطلقاً للفلسفة - حسب ما يصفها البعض بذلك ومن ضمنهم رأي الفيلسوف الإنجليزي برتراند راسل في كتابه تاريخ الفلسفة الغربية الذي يقع في ثلاثة أجزاء - وقد تميزت الحضارتان اليونانية ومعها الرومانية بعدد من الأعمال الفنية على مستوى العمارة والمنحوتات والأعمال الخاصة بالجداريات وغيرها، إذ اعتمد الفنان الإغريقي على محددات جمالية تتصف بالنظام الذي يرجع إلى النسب الرياضية الدقيقة، والتناسب في علاقة الأجزاء بالكل، والاعتدال الذي يبعد المبالغة عن هذه الأعمال. وتنوعت الأعمال الفنية الإغريقية بين المعابد والمسارح كما في معبد البارثينون المجمل بالذهب الذي يقع في قلب أثينا ويعطي مجالاً بصرياً للمشاهد، وكذلك في مسارح أثينا القديمة ومنها مسرح إبيداوروس الذي كان يعبر عن العمارة الإغريقية التي تجمع احتفالاتهم المختلفة. أما في الحقبة الرومانية التي تميزت بالواقعية مقارنة بالمثالية اليونانية، فتمثلت أعمالهم في منحوتات مثل أغسطس الذي يمثل القائد العسكري المنتصر، ولوحات الفسيفساء التي تتميز بتكنيكها الفني الذي يصور مشاهد من الأساطير القديمة ومن أشهرها فسيفساء معركة إيسوس المرتبطة بالإسكندر الأكبر. وفي حقب فنية لاحقة في القرون الوسطى التي تميزت بأعمال فنية مثل الطرز المعمارية كما في الطراز الرومانسكي والطراز القوطي، وقدمت في هذه الحقبة أعمال فنية مثل الفسيفساء، ومنها الفسيفساء الذهبية التي توضع في الكنائس ومنها فسيفساء كنيسة سان فيتالي في رافينا ذات الخلفيات الذهبية، وكذلك ما يعرف بـالأيقونات؛ هذه الألواح الخشبية التي يُرسم عليها الشخصيات المقدسة ذات البعد الروحي، وفنون الرسم على الزجاج والمخطوطات التي ترتبط بالضوء واللون وهي مرافقة للأبعاد الروحية الدينية في تلك الحقبة.

أما في عصر النهضة فقد تميزت الأعمال الفنية بظهور عدد من الفنانين الذين أصبحوا مرجعاً في الفنون التي كانوا يبدعونها في تلك الحقبة الفنية، ومنهم ليوناردو دا فينشي وما قدمه من أعمال خالدة ومنها لوحته الشهيرة الموناليزا التي استخدم فيها تقنية التظليل الناعم التي يلغي من خلالها الحدة في الاشتغال الفني، ولوحة العشاء الأخير التي تمثل عبقريته في الفن، ومايكل أنجلو من خلال منحوتاته ومنها تمثال ديفيد الذي يصور ملامحه الداخلية وقوة التعبير في هذا العمل، وكذلك أعماله في أسقف الكنائس التي تعبر عن ملاحم الفترات الدينية التي يصورها الفنان بروعة من خلال تجسيد العديد من الشخصيات والأمكنة. والفنان رافاييل الذي يجمع بفنه الروعة الكلاسيكية في الفنون القديمة كما في جدارية مدرسة أثينا. وفي الحقبة الفنية التي تنتمي إلى العصر الحديث التي شهدت الكثير من المعايير الفنية والجمالية على أساس المذاهب والمدارس المتنوعة؛ ومنها الكلاسيكية الجديدة وبروز أعمال الفنان فرانسيسكو غويا، والفنان أوجين ديلاكروا، والانطباعية وأعمال فنانيها مانيه ومونيه بثورتهم الضوئية في الألوان دون التفاصيل الدقيقة للحياة بطبيعتها المختلفة، وتكعيبية بابلو بيكاسو ووحشية هنري ماتيس وسريالية سلفادور دالي، وتجريدية فاسيلي كاندينسكي. كل هؤلاء الذين ذكرتهم جعلوا من الفضاء الواقعي يقدم لنا مدارس فنية ذات صبغة جمالية غير مخترقة من الذين لا يمتلكون موهبة وعملاً فنياً وجمالياً مميزاً بأسلوبه وتكنيكه الفني الذي يصبح معياراً للآخرين الذين يؤدون دور الفن في مختلف تخصصاته. وهذه الحقب الفنية والأسماء والأعمال ليست القائمة النهائية، بل يوجد في فضاءات الفنون الأخرى من مسرح وموسيقى وسينما، وكذلك في فن الكتابة الشعرية والقصصية والروائية وغيرها، مما يدعو إلى أن هذا الفضاء الواقعي كان حافلاً بأعمال فنية أصبحت هي المعيار للتقييم الفني والجمالي الذي يرتكز عليه كل من يريد أن يسهم في الحركات الفنية عالمياً ومحلياً.

لكن مع ظهور الفضاء الرقمي، وهو فضاء جديد أصبح مسيطراً ومنافساً للفضاء الواقعي، أصبح التنافس بينهما على أشده منذ بدايات الظهور الأولى إلى الآن، لكن الإشكالية أصبحت في المقاييس ذات المعايير الجمالية التي تحكم الفضاء الرقمي، والتي أصبحت غير واضحة المعالم كما هي في الفضاء الواقعي وحقبه الفنية والجمالية التي تمتد إلى تاريخ بعيد، وكان لا بد أن يكون لهذا التاريخ أثر واضح في الإنتاج الفني ومعاييره الجمالية.

في الفضاء الواقعي كانت هنالك أعمال خالدة أصبحت مؤسسة للنظرة الجمالية في مختلف الفنون والآداب حسب طبيعة العمل الفني والفنان الذي يقدم هذا العمل والتزامه بالمعايير التي توضع إزاء اشتغاله الفعلي وأدائه المرتبط بطبيعة العمل ذاته وظهوره في مساحة فنية تميزه، وتسقط كل عمل يدّعي الفن قبالته. أما في الفضاء الرقمي فالعملية مختلفة تماماً، ولكن قبل أن نتطرق لهذا الاختلاف، لا بد أن نوضح طبيعة الفضاء الافتراضي.

الفضاء الرقمي هو المساحة التي تتميز ببيئة رقمية محددة، تتصف بتشكلها من الوسائط المتعددة التي تضم منصات التواصل؛ فيها يتداول المشترك الذي يصبح رقمياً من خلال اختيار هويته وصورته سواء أكانت حقيقية أيقونية دالة عليه، أم كانت صورة رمزية وغير ذلك. ويضم هذا الفضاء الفنون الرقمية وغيرها مما يصبح مكاناً يرتاده المستخدم لهذا الفضاء الافتراضي من خلال خوارزميات تتدخل التكنولوجيا المرتبطة في هذا المجال الافتراضي في صياغتها. وهذا الفضاء الرقمي غير محدد ويقع في المجال اللامحدود الذي لا يمكن أن يصل إلى مساحة معينة من وجهة نظر المستخدم، وليس من وجهة نظر القائمين على هذا الفضاء من شركات ومؤسسات عالمية تقود هذا المشروع الهائل في توجيه المستخدمين فيه حسب ما وُضع من مخططات ومعايير وقوانين خاصة بهذه الشركات العالمية. فالفضاء الرقمي هو ما يرتبط ببيئة ومساحة تشكل مسرح الظهور الافتراضي من قبل المستخدم.

إذن، فهذا الفضاء الرقمي الافتراضي هو نقيض تماماً للواقعي، أي هو ليس مكملاً له بل هو مناقض له، وتأتي هذه المناقضة بين هذين المجالين نتيجة لتعارضهما في الظهور للفرد المستخدم ذاته؛ أي أن المنطق يقول لا يجتمع النقيضان ولا يرتفعان، كذلك لا يمكن أن يكون هنالك ظهور وعدم ظهور للفرد في العالمين الواقعي والافتراضي الرقمي معاً، وبذلك فإن تعارضهما وتناقضهما يأتي من خلال إثبات وجود الفرد فيهما في آن واحد، وهذه القضية تجعل من قوانينهما يختلفان وفق الوجود المادي أو غير المادي.

فالجدلية قائمة بين هذين المجالين؛ فالجمال الذي يرتكز على النظام والتناسب والاعتدال وغيرها من الصفات الجمالية التي لا بد أن تتوافر في العمل الفني حتى يصبح جميلاً، قد تختلف هذه المعايير الجمالية في الفضاء الافتراضي وخاصة في الأعمال الفنية التي تنتمي إلى هذا الفضاء الرقمي. فالجمال وفق هذا الفضاء يتميز بارتباطه بالخوارزميات وما يمكن أن تحدده لنا، فالمعيار الخوارزمي يختلف عن المعيار الحقيقي في العالم الخارجي المادي أو كما نسميه الحياة الواقعية؛ فالخوارزميات من الممكن أن ننظر لها وفق استبدال ما هو واقعي بما هو رقمي، وهذا الرقمي يمكن أن ينتج لنا التناظر بصورته المطلقة القائم على التقنيات الرقمية وما يضاف لها من تقنيات مرتبطة بمشروع ملحق بالفضاء الرقمي وهو الذكاء الاصطناعي. فالتناظر المطلق هو يقابل ما هو مادي، فمثلاً يمكن أن أغير ما هو قبيح واقعياً في الشكل إلى ما هو جميل رقمياً من خلال استخدام المحسنات التي تضيفها الخوارزميات من خلال إنتاج ما يرتبط مثلاً بالمنقيات لصورة الوجه أو الجسد، وكذلك ما يرتبط بتلاعب وتحويل البشرة الإنسانية في الطبيعة من خلال الصورة وتحويل الألوان بما يجعلها متغايرة مع طبيعة الوجه الحقيقي؛ وهذه أمثلة بسيطة عن اشتغال المفردات الرقمية في العالم الافتراضي لتغيير صورة الإنسان من حالة إلى أخرى.

لهذا يظهر الجمال في العالم الرقمي ليس بكونه غاية لذاته كما هو في العالم الواقعي، بل هذا التغيير الذي تحدثه العمليات المرتبطة بالخوارزميات هو ما يجعل من الجمال والقبح خارج السياقات الواقعية، ويجعل قلب الحقائق وتزييفها أمراً رقمياً يمكن تحقيقه بسهولة ولا توجد هناك عوارض حقيقية لهذا العمل. فالجمال الرقمي هو وسيلة من أجل الوصول إلى غايات أخرى لا يمكن تحقيقها في العالم الواقعي.

فالجمال والقبح وفق المعايير الرقمية يقومان وفق مسألة مرتبطة بالتبسيط فيما يخص التصاميم المرتبطة بالهيئة الإنسانية وغير الإنسانية التي تعالج وفق العمليات الرقمية؛ فالاختزال المرتبط بالصورة هو اختزال بصري، والاختزال المرتبط بالصوت هو اختزال سمعي، يمكن أن يتغيرا وفق العمل الرقمي، فلا يوجد رابط بين القبح البصري والجميل البصري ولا القبح السمعي والجميل السمعي في الظهور الرقمي. لكن في الظهور الواقعي يوجد هناك رابط ومحددات للعلاقة بين الجميل والقبيح؛ فكل قبيح لا يمكن أن يكون جميلاً في الواقع بشكل دائم على مدار اليوم حتى وإن حاولنا تجميله بالمساحيق والألوان وغيرها، حتى وإن ارتبط ذلك بعمليات التجميل وكما يحدث اليوم في تحويل الأنثى لما يشبه الدمية باربي، فهذا بحد ذاته لا يجعل منها جميلة، بل يجعلها تقع في تصور ما، لكن هذا التصور لا يمكن أن يكون صادقاً إلى ما لا نهاية، فعند ارتباط هذه المرأة المحسنة بفعل عمليات التجميل سيكون أول طفل لها كاشفاً عن حقيقة الشكل الذي كانت عليه، ومن ثم فإن عملية الجمال لا تكون ذاتية بقدر كونها مضافة وستكشف ولو بعد حين، كذلك الجمال الرقمي يكشفه الظهور الواقعي ولو بعد حين حينما يواجه المستخدم الرقمي ظهوره الحقيقي مما يكشف ما كان يخفيه من قبح في هذا الظهور الواقعي.

إن الجمال وفق معايير الثبات والتشتت والتلاشي؛ فالجمال على مستوى الواقع يكون جمالاً ثابتاً بعد أن تكون هناك معايير تصنف العمل الفني بكونه عملاً جميلاً أو لا، بينما في الفضاء الرقمي يكون المعيار الجمالي غير ثابت ومتغيراً وينتمي إلى عالم التداخل والتغير وفق سيولة يتخذها هذا المعيار الرقمي قياساً للأعمال التي يحاول المستخدم الرقمي تقديمها من خلال الفضاء الرقمي، وهذا ما يجعل هوية الاشتغال الجمالي غير ثابتة الملامح وغير مستقرة وفق معيار جمالي ثابت؛ فالكثرة التي لا ترتبط بمعيار ستؤدي إلى تشتت كامل في الصورة المعيارية للجمال، كون أن هذه الكثرة غير المتجانسة لا تلتقي مع مشتركات يمكن أن يؤسس عليها مفهوم جمالي رقمي ولا يمكن أن تؤسس عليها هوية جمالية ثابتة أيضاً، بل كلاهما، أي الثبات والهوية، سيكونان في حالة تغير مستمر وغير مستقر في العالم الافتراضي عكس العالم الواقعي.

من خلال الثبات الواقعي والسيولة الرقمية، يتبين أن الجمال في الواقع يرتبط بما هو مؤسس وعميق الجذور ويمكن أن يضاف إليه حسب المتغيرات الفكرية والثقافية التي تعيشها المجتمعات المختلفة، لكن ما يربطها هو مرجعية المفهوم الذي يرتكز عليه المصداق في الخارج، وكمية المصاديق المتطابقة تعطينا مفهوماً ثابت المحددات في الذهن البشري ويمكن أن ينتقل هذا المفهوم حسب ثبات المصاديق وما يضاف إليها في المستقبل، لكن الثابت فيها يؤسس عليه من أجل اللاحق القادم في المستقبل دون أن يكون هنالك إلغاء تام لما هو سابق ومؤسس عليه. أما فيما يرتبط بالمسألة السيالة غير واضحة المعالم والمتغيرة بشكل سريع، فهي تمثل مرحلة جديدة في موضوعة الجمال والقبح الرقمي في كون أن الجمال الرقمي لا يخضع للصنعة الإنسانية المباشرة، بل يخضع لعالم الخوارزميات التي تحاكي عالماً موازياً للعالم الواقعي ليس له حدود في التجاوز على الثابت الجمالي الواقعي.

فالجمال الرقمي عادة ما يرتبط بما هو رقمي افتراضي غير واقعي، أي من خلال التناظر المثالي الرقمي وعالم التغيير الذي يخضع للمحسنات كالفلتر وغيره من الأدوات الرقمية التي تحسن الصورة البشرية أو غير البشرية، ويمكن أن ينتج عشرات الآلاف من الصور واللوحات والمنحوتات غير المجسمة، أي صورة ثنائية الأبعاد في داخل الشاشة الرقمية، أو قد ينتج الأشكال الافتراضية من خلال التجسيد المتحرك للشكل الجسماني الإنساني لكن بظهور رقمي كما هو في عالم الهولوجرام والتصوير بتقنية ثلاثية الأبعاد وغيره، وفن البكسل الذي يرتبط بالفن الرقمي والرسوم الحديثة، أو ما يشتغل عليه هذا الفن في تقديم ما يمكن أن يجعل من الاستخدامات الفنية أكثر براعة من الإنسان ذاته، لكنها جامدة لا يكون حاضراً فيها الفعل الإنساني.

أما القبح الرقمي الذي هو أيضاً يقع ضمن السيولة الرقمية وعالمها الافتراضي، فهذا القبح يصبح أيضاً سهل الاستخدام في ظل الثورة الرقمية، ويمكن أن يركن هذا القبح إلى التشويه الذي يمارسه المستخدم من جهة أو تمارسه الخوارزميات من جهة أخرى، وهو ما يرتبط بالتزييف والتلوث والتشتت والتعمد بعدم المصداقية الناتج عن فضاء هائل المعلومات والمسميات وغير متحكم فيه من قبل المستخدم ذاته لهذا العالم الافتراضي.

إذن، بين الثبات في الواقعي وبين السيولة في الرقمي تقع جدلية الجمال والقبح؛ فالجمال والقبح في الواقعي قد يكونان واضحي المعالم قياساً لما قُدم من رؤية خاصة عن معايير الحكم الجمالي وخاصة في الحقل الفلسفي والجمالي بداية من الفلسفات الأولى عند الإغريق وخاصة من خلال فلاسفتها وأبرزهم سقراط وأفلاطون وأرسطو، مروراً بالحكم الجمالي الكانطي والرؤية الهيجلية، وانتهاءً بفلاسفة العصر الحديث وما توصلوا إليه في قيمة الحكم الجمالي ومعاييره. أما في المجال الآخر الافتراضي فنحن في بداياته القريبة ولكننا في تداخلاته الضخمة ومعلوماته الهائلة التي جعلت من هذا الفضاء صعب السيطرة عليه، مما ولّد لدينا صعوبة بالغة في تحديد الحكم الجمالي وتبيان الجميل من القبيح كما هو في الواقعي. لهذا السبب نلاحظ اليوم في عالمنا الافتراضي كوننا الآن نعيش في عالمين: واقعي وافتراضي، ولكننا لا يمكن أن ندمج بينهما في الظهور والاختفاء معاً، لكننا يمكن أن نظهر في واحد منهما ومن ثم نرجع إلى العالم الثاني؛ فلحظة الظهور والغياب كلاهما يتعلقان بالواقعي والافتراضي هذا من جهة، ومن جهة ثانية فيما يخص الرقمية السائلة واللامحدودية فيها، فقد جعلت من المعيار الخاص بالجميل والقبيح يتلاشى أيضاً؛ كون من يقود هذين المعيارين الجمال والقبح هم عامة المستخدمين لهذا الفضاء الرقمي، ويمكن أن يستخدم أدوات هذا الفضاء ويظهر فيه فيكون هذا المستخدم المخدوع بهذه الجمالية الرقمية السائلة وغير المفصولة عن القباحة السائلة الرقمية المرتبطة بالخداع والزيف، هم المعايير التي يمكن أن نصل إليهم في هذا العالم الرقمي. وهنا أمثلة كثيرة؛ لو عملنا إحصائية لأفراد مستخدمين للعالم الرقمي يضعون كلمات دالة عليهم مثل: شاعر، إعلامي، فنان، روائي، أستاذ، دكتور، مفكّر، فيلسوف، وغيرها من الكلمات الدالة الكثيرة، سوف نجد أن الأغلبية منهم لا يتسمون بهذه الصفات أو الدلالات من كونهم شعراء أو فنانين أو أدباء أو علماء أو فلاسفة؛ كون الصفحة التي يظهر فيها هذا الاسم لا تنطبق عليها المعيار الجمالي الحقيقي الذي يرتبط بهذه الموهبة أو هذه الصفة أو هذا العمل الفني والثقافي وغير ذلك.

فعندما يقدم من يتصف بكلمة شاعر من يؤيد هذه الكلمة المرتبطة بالصفحة الفلانية، هم لا يعرفون من قواعد الشعر شيئاً، ولا يعرفون من قواعد الفن شيئاً، ولا يفقهون من المعايير المرتبطة بالجمال شيئاً، ويكتبون كلمات ترتبط بالإبداع والبراعة وهي لا تتوافق مع المنشور وصاحبه الذي يدعي كونه فناناً أو شاعراً أو روائياً وغير ذلك. أو أن المستخدم للصفحة الفنية أو الثقافية وغيرها يطلب من أدوات هذا العالم الافتراضي أن تنتج له من القصة، أو الرواية، أو الشعر، أو اللوحات الخاصة بالرسم، ما يمكن أن يُظهره من خلال هذا النتاج الرقمي بأنه هو صاحب هذا العمل ومبدعه.

لذا، فإن هذا العالم الافتراضي الذي يتميز بالسيولة الرقمية وينتج لنا الجمال والقبح الرقميين وينوب عن الكثير في الإبداع، يتمايز عن العالم الواقعي بنقاط تجعل من المستخدمين له يقعون في مجال أزمة المصداقية والشفافية فيما يقدمونه في هذا الفضاء الرقمي، وهذه النقاط هي:

1.  الفضاء الرقمي ليس فضاءً أصيلاً في تقديم النتاج الإبداعي؛ كون أن هذا الفضاء لا يخضع للمعايير الفنية والجمالية، ولا يخضع لأحكام مؤسسة وفق ذائقة جمالية ناتجة عن تاريخ من الإبداع الفني والجمالي.

2.  الفضاء الرقمي لا يتصف بالثبات في أحكامه، بل يتصف بالسيولة التي لا يمكن السيطرة عليها كونها لا ترتبط بظهور معين في مجال فني وثقافي يتصف بالأصالة، بل يتصف الفضاء الرقمي باللامحدودية التي تؤثر على طبيعة الظهور في هذا الفضاء الرقمي.

3.  الأحكام التي يستند إليها المستخدمون في الحكم على نتاجاتهم الفنية والإبداعية -إن صح أن نطلق عليها ذلك- تأتي عادة من الذين لا يمتلكون الحس الفني والأدبي الذي يقيم الإبداع ذاته، بل إن من يقيم هذه الأعمال هو من خارج هذه الدائرة، لكن الفضاء الرقمي جعل كلمات هي حكم زائف يستند إليه صاحب الصفحة في تقديم أعماله الفنية والأدبية.

4.  الفضاء الرقمي هو فضاء قد يقدم نيابة عن البعض أعمالهم من خلال استفادة المستخدم من الأدوات التي يوفرها هذا الفضاء من حيث رسم اللوحة أو كتابة القصة والمسرحية والرواية، أو حتى تأليف كتاب كامل، ويأتي الشخص المستخدم ويضع اسمه فقط ويروج لهذا المنتج على أنه منتج إبداعي من عمل هذا المستخدم، لكنه في الحقيقة ليس من عمله، بل من خلال الأدوات الرقمية التي يوفرها هذا الفضاء الافتراضي.

5.  الجمال والقبح في الفضاء الرقمي لا يخضعان لمعايير حقيقية، بل في بعض الأحيان من الممكن أن يجعل هذا الفضاء الرقمي القبيح جميلاً، لكن هذا الجمال ليس بصحيح، بل هو جمال مغشوش يفتضح بالظهور الواقعي، لكن المستخدم في هذا الفضاء الرقمي يريد من هذا الجمال وظهوره وسيلة وليس غاية يمكن أن تستمر معه إلى فترات طويلة من الزمن.

***

أ.د محمد كريم الساعدي

ليس السجن المكان الوحيد الذي يمكن أن يشعر فيه الإنسان بأنه مراقَب. قد يكون في المدرسة، أو في مكان العمل، أو في الشارع، أو جالساً وحده في غرفته، ومع ذلك يتصرف كما لو أنّ عيناً ما تتابعه. قد لا يكون هناك حارس أو كاميرا أو شخص يقف خلفه، لكنه يعرف أن هناك قواعد ينبغي ألا يتجاوزها، ونظرة اجتماعية يخشى مخالفتها، وحدوداً غير مكتوبة يعرف مسبقاً ثمن تجاوزها. من هذه الفكرة المقلقة ينطلق "ميشيل فوكو" في كتابه الشهير "المراقبة والمعاقبة: ولادة السجن"، أحد أكثر الكتب تأثيراً في الفكر الحديث. فالكتاب لا يقدم تاريخاً للسجون فحسب، وإنّما يحاول فهم الطريقة التي تغيّرت بها علاقة السلطة بالإنسان، وكيف انتقلت من العقاب العلني للجسد إلى أشكال أكثر هدوءاً من المراقبة والانضباط.

في المجتمعات القديمة، كان العقاب في كثير من الأحيان مشهداً عاماً تستعرض فيه السلطة قوّتها أمام الناس. كان الجسد هو المكان الذي تظهر عليه سلطة الحاكم، وكان العقاب يحمل رسالة تتجاوز الشخص المعاقَب إلى كل من يشاهد المشهد: هكذا تكون نهاية من يخالف السلطة. لكن مع العصر الحديث حدث تحوّل أساسي؛ فلم تعد السلطة بحاجة إلى استعراض قوتها بالطريقة نفسها، وأصبح العقاب أكثر تنظيماً وأقل استعراضية، وانتقلت العناية من الجسد إلى السلوك. لم يعد السؤال فقط: كيف نعاقب الإنسان بعد ارتكاب الخطأ؟ بل أصبح أيضاً: كيف نراقبه، ونقيسه، ونصنّفه، ونضبط سلوكه بحيث يلتزم بالقواعد قبل أن يقع في الخطأ؟

هنا تظهر إحدى أفكار "فوكو" الأساسية: السلطة الحديثة لا تحتاج دائماً إلى استخدام القوة المباشرة، لأنّها تستطيع أن تجعل الإنسان يضبط نفسه بنفسه. فالمدرسة، والمصنع، والثكنة، والمستشفى، والسجن مؤسسات مختلفة في وظائفها، لكنّها تشترك في اعتمادها على تنظيم الوقت والمكان والحركة والسلوك. هناك أوقات محدّدة، وقواعد للحضور والغياب، وطرق للتقييم، وتصنيفات تحدّد ما هو مقبول وما هو غير مقبول. ولا يعني هذا أنّ "فوكو" ينظر إلى هذه المؤسسات باعتبارها شرّيرة أو أنّ التنظيم في ذاته قمع؛ فالمجتمع يحتاج بطبيعة الحال إلى قدر من التنظيم. لكن ما يهمّه هو اللحظة التي يتحوّل فيها التنظيم إلى وسيلة لصناعة سلوك معين، بحيث لا يعود الإنسان يلتزم بالقواعد خوفاً من العقوبة فقط، بل لأنّه تعلّم مراقبة نفسه وفقاً لها.

ومن هنا تأتي أهمية البانوبتيكون، وهو النموذج الذي استلهمه "فوكو" من مشروع "جيريمي بنثام" للسجن. يقوم التصميم على برج مركزي يستطيع الحارس من خلاله مراقبة السجناء، بينما لا يستطيع السجين معرفة اللحظة التي تتمّ فيها مراقبته. هذه الفكرة تبدو بسيطة، لكنّها تحمل نتيجة عميقة: لا يحتاج الحارس إلى مراقبة الجميع طوال الوقت؛ يكفي أن يعرف السجين أنّه قد يكون مراقَباً في أي لحظة حتى يبدأ في ضبط سلوكه. وهكذا تنتقل المراقبة من الخارج إلى الداخل، ويصبح الحارس حاضراً حتى عندما يغيب. بالنسبة إلى "فوكو"، تكشف هذه الصورة عن آلية تتجاوز السجن، لأنّ السلطة تصبح أكثر فعالية عندما لا تضطر إلى الظهور باستمرار. يكفي أن يشعر الفرد باحتمال المراقبة حتى يتحول إلى مراقب لنفسه.

لهذا السبب لا يتوقف "فوكو" عند السجن، بل يلفت انتباهنا إلى مؤسّسات تبدو بعيدة عنه. فالامتحان، مثلا، ليس مجرّد وسيلة لمعرفة ما تعلّمه الطالب، بل هو أيضاً وسيلة لجعل الفرد قابلاً للملاحظة والقياس والمقارنة. هناك علامة وترتيب وملف وحضور وغياب وتقييم، فيصبح الفرد معروفاً للمؤسّسة من خلال مجموعة من المعلومات التي تصفه وتحدّد موقعه بينها. والأمر نفسه يمكن أن يظهر في مكان العمل من خلال تقييم الأداء، وساعات الحضور، والإنتاجية، والتقارير. لا مشكلة في القياس عندما يكون وسيلة ضرورية لتحقيق غرض واضح، لكن السؤال الذي يطرحه "فوكو" أكثر عمقاً: ماذا يحدث عندما يصبح الإنسان نفسه مشروعاً دائماً للتقييم، وعندما يشعر بأنّه مطالب باستمرار بأن يكون أكثر انضباطاً وإنتاجاً وتوافقاً مع النموذج المطلوب؟

بهذا المعنى، لا تعمل السلطة دائماً من الأعلى إلى الأسفل في صورة أمر ونهي. إنّها قد تعمل من خلال تفاصيل الحياة اليومية، ومن خلال المعايير التي تحدد لنا ما يعتبر طبيعياً وما يعتبر مختلفاً. قد لا يقول لك أحد صراحة: «لا تكن مختلفاً»، لكنك قد تشعر بأنّ اختلافك يحتاج إلى تبرير. وقد لا يمنعك أحد من اختيار طريق معين، لكنك تسمع في داخلك أسئلة من نوع: ماذا سيقول الناس؟ هل سيقبلونني؟ هل سيعتبرونني فاشلاً؟ هل سأبدو غريباً؟ هنا تصبح نظرة الآخرين قوة حقيقية، حتى لو لم تتحوّل إلى عقوبة مباشرة. فالإنسان قد يمتنع عن فعل شيء لا لأنّه مقتنع بأنّه خطأ، وإنّما لأنّه يخشى الحكم عليه، وقد يخفي جانباً من شخصيته لأنّه تعلّم أنّ المجتمع لا يحب الخروج عن المألوف.

وهذه النقطة تجعل كتاب "فوكو" قريباً من حياتنا اليومية أكثر ممّا قد يبدو في البداية. فالمراقبة لا تأتي دائماً من مؤسسة رسمية، بل يمكن أن تمرَّ عبر الأسرة، والمدرسة، والعمل، والعلاقات الاجتماعية، وحتى الفضاء الرقمي. في مواقع التواصل الاجتماعي، مثلاً، قد يعيد الإنسان التفكير في صورة أو كلمة أو رأي قبل نشره لأنّه يعرف أنّه سيكون عرضة لنظرات الآخرين وأحكامهم. وفي هذه الحالة لا يحتاج أحد إلى إصدار أمر مباشر؛ يكفي أن يعرف الفرد مسبقاً ما الذي سيُقبل وما الذي سيُرفض. نحن لا نعيش فقط أمام أعين الآخرين، بل أمام الصورة التي نعتقد أنّ الآخرين يروننا من خلالها، وهذه الصورة يمكن أن تتحوّل بدورها إلى سلطة.

لكن قراءة "فوكو" لا ينبغي أن تقودنا إلى الاعتقاد بأنّ كل قانون أو تنظيم أو مؤسسة ليست سوى وسيلة للقمع. هذه قراءة تختزل مشروعه وتفقده تعقيده. فالمجتمع لا يستطيع الاستمرار من دون قواعد، والمؤسسات تحتاج إلى تنظيم، والتعليم يحتاج إلى تقييم، والعمل يحتاج إلى معايير. المشكلة تبدأ عندما تصبح المعايير غير قابلة للمساءلة، أو عندما يتحوّل الانضباط إلى وسيلة لإلغاء الاختلاف، أو عندما يصبح الإنسان عاجزاً عن السؤال عن القواعد التي تشكل حياته. لذلك فإنّ قيمة "فوكو" ليست في دعوته إلى رفض كل أشكال السلطة، وإنّما في جعله السلطة موضوعاً للسؤال: كيف تعمل؟ أين توجد؟ كيف تدخل إلى حياتنا؟ وكيف تجعلنا نشارك أحياناً في إعادة إنتاجها دون أن نشعر؟

ومن هنا يصبح مفهوم الحرية أكثر تعقيداً. قد يكون الإنسان حرًّا من الناحية القانونية، لكنه يحمل داخله قواعد وتصوّرات تعلّمها منذ الطفولة. يعرف ما الذي سيجعله مقبولاً وما الذي قد يضعه خارج الجماعة، وقد يظن أنّه يختار بحرية بينما تؤثر في اختياراته معايير لم يتوقف يوماً للتفكير فيها. وهذا لا يعني أنّ الحرية وهم، وإنّما يعني أنّ الحرية تحتاج إلى وعي. أن تسأل عن القواعد التي تحكمك لا يعني أن ترفضها كلّها، وأن تكتشف تأثير المجتمع عليك لا يعني أن تنفصل عنه؛ بل يعني أن تعرف لماذا تفعل ما تفعل، وأن تميّز بين ما اخترته بالفعل وما اعتدت عليه حتّى ظننته اختياراً شخصياً.

ولعلّ هذا هو السبب الذي يجعل "المراقبة والمعاقبة" يتجاوز كونه كتاباً في تاريخ العقاب والسجون. "فوكو" يمنحنا طريقة مختلفة للنّظر إلى السلطة، لا باعتبارها شيئاً موجوداً فقط في يد الحاكم أو خلف أبواب السجن، وإنّما كشبكة من العلاقات والمعايير والممارسات التي يمكن أن تتسلّل إلى تفاصيل الحياة اليومية. إنّه يجعلنا ننتبه إلى الأشياء التي اعتدناها حتى لم نعد نراها، وإلى القواعد التي نطيعها دون أن نتذكّر متى اخترناها، وإلى الصورة التي نحاول باستمرار أن نطابق أنفسنا معها.

بعد قراءة "فوكو"، يصبح السؤال عن الحرية أكثر إلحاحاً. فالتحرّر من القيد الخارجي قد لا يكون كافياً إذا بقيت القيود غير المرئية تعمل في داخلنا. وربما لا تكون الحرية مجرد غياب السجن، وإّنما القدرة على رؤية السجون التي لا نعرف أنّنا نعيش داخلها. فالأمر لا يتعلّق بأن نرفض كل قاعدة، بل بأن نمتلك القدرة على مساءلتها؛ ولا بأن نعيش خارج المجتمع، بل بأن نكون داخله دون أن نفقد قدرتنا على التفكير.

لهذا تبدو الفكرة الأكثر إزعاجاً في الكتاب بسيطة في صياغتها وعميقة في نتائجها: قد تكون السلطة أكثر قوة عندما تجعل الإنسان يراقب نفسه بنفسه. فالحارس الذي يقف أمام السجين يمكن أن يغيب، أما القاعدة التي يستبطنها الإنسان فقد تبقى معه أينما ذهب. وعندما تصل السلطة إلى هذه المرحلة، لا تحتاج إلى أن تكرّر أوامرها باستمرار، لأنّ الإنسان يكون قد تعلّم كيف يضبط سلوكه وفقًا لها.

وهنا تكمن قيمة "فوكو" الحقيقية: إنّه لا يمنحنا وصفة جاهزة للتحرّر، ولا يطلب منّا أن نرفض كل ما يحيط بنا، بل يمنحنا سؤالاً ضرورياً: كم من الأشياء نعتقد أنّنا اخترناها بحرية، بينما نحن فقط نعيد ما تعلّمنا أن نفعله؟

قد لا يكون أخطر سجن هو ذلك الذي تحيطه الجدران، وإنّما ذلك الذي لا نراه لأنّنا تعوّدنا على العيش داخله.

***

زيـــد مـــراد

وبين المصالحة مع الطبيعة وتهذيب مقام الإنسان في العالم، مقاربة مستدامة

مقدمة: تتجلى الفلسفة التطبيقية بوصفها المجال الذي تنتقل فيه الأفكار من فضاء التأمل النظري المجرد إلى فضاء الممارسة الحية والفعل المسؤول. ليست هذه الفلسفة مجرد تطبيق آلي لمبادئ نظرية على وقائع خارجية، بل هي فعل مستمر لإعادة تشكيل العلاقة بين الذات والعالم، بين الفرد والجماعة، وبين الإنسان والطبيعة. وفي هذا الأفق تنفتح أروقة متعددة، يلتقي فيها مبحث العناية بالذات بمبحث تدبير المدينة، ويلتقي مبحث المصالحة مع الطبيعة بمبحث تهذيب مقام الإنسان في العالم. هذه الأروقة ليست منفصلة، بل متداخلة تشكّل في مجموعها مقاربة مستدامة تسعى إلى إعادة بناء الوجود الإنساني على أسس التوازن والمسؤولية والاستمرارية. فماهي أروقة الفلسفة التطبيقية؟ وماذا تضيف المقاربة المستدامة للتصورات المعهودة؟

أروقة الفلسفة التطبيقية

تشير عبارة «أروقة الفلسفة التطبيقية» إلى المسارات والمجالات العملية التي تنتقل فيها الفلسفة من فضاء التأمل النظري المجرد إلى فضاء الممارسة الحية والفعل المسؤول. ليست هذه الأروقة مجرد تطبيقات آلية لمبادئ فلسفية على وقائع خارجية، بل هي فضاءات متداخلة يعاد فيها تشكيل العلاقة بين الفكر والوجود، بين الذات والعالم، وبين المبادئ والممارسات. الفلسفة التطبيقية في جوهرها فلسفة تُمارَس، لا تُكتفى بتأملها. وهي تفتح عدة أروقة رئيسية، أبرزها: العناية بالذات وتدبير المدينة ورواق المصالحة مع الطبيعة. ورواق تهذيب مقام الإنسان في العالم. هذه الأروقة ليست منفصلة، بل متداخلة تشكّل في مجموعها مقاربة مستدامة. فالعناية بالذات شرط لبناء مدينة عادلة، والمدينة العادلة شرط لحماية الطبيعة، وحماية الطبيعة شرط للحفاظ على إمكانيات ازدهار الإنسان على المدى الطويل. الاستدامة هنا رؤية شاملة تربط بين استدامة الذات واستدامة الجماعة واستدامة العلاقة مع العالم. بهذا المعنى تصبح أروقة الفلسفة التطبيقية فضاءات للممارسة المستمرة للمساءلة والمراجعة والتجريب المسؤول. وهي ترفض الحلول الجزئية والوصفات الجاهزة، وتفتح أفق وجود إنساني أكثر وعياً وتوازناً ومسؤولية، يجمع بين الحرية والكرامة والاستمرارية.

العناية بالذات بوصفها أساساً أولياً للفلسفة التطبيقية

هو الرواق الأول والأساسي. ينطلق من الاعتراف بأن أي فعل خارجي يبقى هشاً إذا لم يرتكز على عمل داخلي متواصل على النفس. تشمل العناية بالذات مراقبة الأفكار والرغبات والانفعالات، وبناء علاقة واعية مع الجسد والزمن، وتحويل الوجود اليومي إلى فضاء للتمرين الأخلاقي. الذات هنا مشروع مفتوح يُشكَّل باستمرار، لا جوهر ثابت. تنطلق الفلسفة التطبيقية من الاعتراف بأن أي فعل خارجي يبقى هشاً إذا لم يرتكز على عمل داخلي متواصل على الذات. العناية بالذات ليست انغلاقاً نرجسياً أو انسحاباً من العالم، بل هي ممارسة مستمرة لتشكيل الذات ومساءلتها وتهذيبها. تشمل هذه العناية مراقبة الأفكار والرغبات والانفعالات، وبناء علاقة واعية مع الجسد والزمن والموت، وتحويل الوجود اليومي إلى فضاء للتمرين الأخلاقي والمعرفي. في هذا المستوى تصبح الذات مشروعاً مفتوحاً لا جوهراً ثابتاً. فالاهتمام بالنفس يعني الاعتراف بنقصانها وصيرورتها، والعمل على جعلها قادرة على الحكم السليم والاختيار الحر والمسؤولية. هذا العمل الداخلي يحرر الإنسان من ردود الفعل الآلية ومن الخضوع غير الواعي للأهواء أو للسلطات الخارجية، ويمهّد لانتقاله من دائرة الانفعال إلى دائرة الفعل المتبصر.

تدبير المدينة وامتداد العناية بالذات إلى الفضاء العمومي

لا تكتمل العناية بالذات إلا بامتدادها إلى تدبير المدينة. تمتد من العناية بالذات إلى الفضاء العمومي. المدينة ليست إطاراً إدارياً فحسب، بل فضاء مشتركاً للعيش والعدالة والحرية. تدبير المدينة يعني ممارسة السياسة والحكم بوصفها امتداداً طبيعياً للعناية بالنفس. من يعتني بذاته يصبح أقدر على العناية بالمصالح المشتركة، ومن يهمل ذاته يميل إلى تحويل السلطة إلى أداة سيطرة أو إهمال.  فالمدينة ليست مجرد تجمع سكاني أو إطار إداري، بل هي فضاء مشترك للعيش والعدالة والحرية. تدبير المدينة يعني ممارسة الحكم والتدبير والسياسة بوصفها امتداداً طبيعياً للعناية بالنفس. من يعتني بذاته يصبح أقدر على العناية بالآخرين وبالمصالح المشتركة، ومن يهمل ذاته يميل إلى تحويل السلطة إلى أداة للسيطرة أو الإهمال. في هذا الأروقة يتحول السؤال الأخلاقي الفردي إلى سؤال سياسي جماعي: كيف نعيش معاً؟ كيف نوزع الموارد والحقوق والواجبات؟ كيف نحمي الضعفاء ونحد من الغطرسة؟ تدبير المدينة يتطلب حكمة عملية تجمع بين الرؤية البعيدة والقدرة على التفاوض والتوازن بين المصالح المتضاربة. وهو يستدعي أيضاً وعياً تاريخياً بأن المؤسسات والقوانين ليست نهايات مطلقة، بل أدوات قابلة للمراجعة والتحسين المستمر. من هذا المنطلق تتجلى العلاقة بين العناية بالذات وتدبير المدينة كعلاقة جدلية. فالذات السليمة تساهم في بناء مدينة أكثر عدلاً، والمدينة العادلة توفر شروطاً أفضل لنمو الذوات الحرة والمسؤولة. وإهمال أحد الطرفين يضعف الآخر: انسحاب الأفراد إلى عوالمهم الخاصة يترك المدينة عرضة للفساد أو الاستبداد، والاستبداد السياسي يفسد إمكانيات العناية الحقيقية بالذات.

المصالحة مع الطبيعة بوصفها أفقاً ضرورياً

في العصر الذي أصبحت فيه آثار النشاط الإنساني تهدد توازن الكوكب، لم يعد بإمكان الفلسفة التطبيقية أن تتجاهل العلاقة مع الطبيعة. المصالحة مع الطبيعة ليست عودة رومانسية إلى حالة بدائية، ولا هي مجرد إدارة تقنية للموارد، بل هي إعادة صياغة جذرية للعلاقة بين الإنسان والعالم الطبيعي. تعني الاعتراف بأن الإنسان ليس سيداً مطلقاً على الطبيعة ولا منفصلاً عنها، بل جزء منها ومسؤول تجاهها. يفرضه الواقع المعاصر الذي أصبحت فيه آثار النشاط الإنساني تهدد توازن الكوكب. المصالحة مع الطبيعة ليست عودة رومانسية ولا إدارة تقنية للموارد فقط، بل إعادة صياغة جذرية للعلاقة بين الإنسان والعالم الطبيعي. تعني الاعتراف بأن الإنسان جزء من الطبيعة ومسؤول تجاهها، ونقد المركزية البشرية المتطرفة التي حولت الطبيعة إلى مجرد مخزن للاستغلال. لذلك تتطلب هذه المصالحة نقد المركزية البشرية المتطرفة التي حولت الطبيعة إلى مجرد مخزن للموارد أو مسرح للاستغلال. كما تتطلب تطوير أخلاق بيئية ترى في التنوع الحيوي والتوازن البيئي قيماً أصيلة لا أدوات فحسب. المصالحة تعني أيضاً إعادة التفكير في أنماط الإنتاج والاستهلاك والحياة اليومية، بحيث تصبح الاستدامة جزءاً من تعريف الخير الإنساني لا قيداً خارجياً عليه.

تهذيب مقام الإنسان في العالم

هذا الرواق يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالأروقة السابقة. المقام هنا ليس سيادة مطلقة ولا تفاهة مطلقة، بل موقع نسبي ومسؤول داخل شبكة العلاقات الكونية. تهذيب هذا المقام يعني تخليص الإنسان من وهم السيطرة المطلقة، وجعله قادراً على الإبداع والحرية دون تدمير الشروط التي تجعل وجوده ممكناً. ولذلك فهو يرتبط تهذيب مقام الإنسان في العالم ارتباطاً وثيقاً بالمصالحة مع الطبيعة وبالعناية بالذات. فالمقام هنا ليس مرتبة ثابتة أو سيادة مطلقة، بل هو موقع نسبي ومسؤول داخل شبكة العلاقات الكونية. تهذيب هذا المقام يعني تخليص الإنسان من وهم السيطرة المطلقة ومن وهم التفاهة المطلقة في آن معاً. إنه البحث عن توازن يجعل الإنسان قادراً على الإبداع والحرية دون أن يدمر الشروط التي تجعل وجوده ممكناً.

في هذا التهذيب يتحول الإنسان من مستهلك نهم إلى راعٍ مسؤول، ومن سيد متسلط إلى شريك واعٍ. ويصبح الوعي بالمحدودية شرط لا يمكن بدونه لأي كرامة حقيقية. فالمحدودية الزمنية والجسدية والبيئية ليست نقائص يجب تجاوزها بأي ثمن، بل هي ما يمنح الوجود معناه الأخلاقي والجمالي.

المقاربة المستدامة بوصفها نسيجاً جامعاً

تجمع المقاربة المستدامة بين هذه الأروقة الأربعة في نسيج واحد. الاستدامة هنا ليست مفهوماً بيئياً ضيقاً، بل رؤية شاملة تربط بين استدامة الذات واستدامة المدينة واستدامة العلاقة مع الطبيعة واستدامة مقام الإنسان في العالم. إنها ترفض الحلول الجزئية التي تعالج عرضاً وتترك الجذور، وتدعو إلى تحول متكامل في أنماط التفكير والعيش والتنظيم.

في هذه المقاربة تصبح العناية بالذات شرطاً لبناء سياسات حضرية عادلة، وتصبح السياسات العادلة شرطاً لحماية الطبيعة، وتصبح حماية الطبيعة شرطاً للحفاظ على إمكانيات ازدهار الإنسان على المدى الطويل. والاستدامة تعني أيضاً الاعتراف بالزمن الطويل: ما نفعله اليوم يشكل شروط حياة الأجيال القادمة، وما نهمله اليوم قد يصبح كارثة لا رجعة فيها. على هذا النحو تتحول الفلسفة التطبيقية في هذا الأفق إلى ممارسة مستمرة للمساءلة والمراجعة. فهي لا تقدم وصفات جاهزة، بل تفتح فضاءات للتفكير والحوار والتجريب المسؤول. وتدرك أن كل حل يحمل في طياته إمكانيات جديدة للإشكال، وأن الحكمة تكمن في القدرة على التكيف والتعلم دون التخلي عن المبادئ الأساسية للكرامة والعدالة والتوازن.

خاتمة

أروقة الفلسفة التطبيقية بين العناية بالذات وتدبير المدينة وبين المصالحة مع الطبيعة وتهذيب مقام الإنسان في العالم ليست مسارات منفصلة، بل طرق متقاطعة تؤدي إلى أفق مشترك: أفق وجود إنساني أكثر وعياً ومسؤولية واستدامة. في هذا الأفق يستعيد الإنسان قدرته على العناية بنفسه وبالآخرين وبالعالم الذي يسكنه، دون أن يقع في فخ السيطرة المطلقة أو الاستسلام السلبي. والمقاربة المستدامة هي الاسم المعاصر لهذه الحكمة العملية التي تجمع بين الحرية والمسؤولية، وبين الحاضر والمستقبل، وبين الذات والعالم في علاقة متوازنة قابلة للاستمرار. فهل يمكن للفلسفة البيئية المعمقة أن تحقق هذه الاستدامة؟ وكيف يمكن تطبيق العناية بالذات في السياسات الحضرية وفي العلاقات بين الدول والأمم؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

هل يمكن اختزال لغتنا العادية الى لغة منطق؟ هذا ما حاول بالضبط فلاسفة القرن العشرين الإجابة عليه. اللغة هي حول كيفية إيصال تجاربنا وافكارنا الى الاخرين. لذلك، من الطبيعي ان يسأل الفلاسفة عن كيفية عمل اللغة. فمثلا، هل من الممكن معرفة الكثير عن بنية الذهن من خلال فهم بنية اللغة العادية اليومية؟ هل يمكن دراسة اللغة علميا لمواجهة غموض الكلمات والعبارات؟ هل يمكننا استعمال تعبيرات اللغة الرياضية لفهم بنية اللغة العادية بشكل أفضل؟ هذه الأسئلة طرحها عدد من فلاسفة ومنطقيي ورياضيي القرن العشرين .

التحول اللغوي The Linguistic Turn

كان رينيه ديكارت - فيلسوف القرن السابع عشر يُعرف على نطاق واسع باتجاهه الراديكالي في الميتافيزيقا – دراسة الواقع – من خلال طريقة تحقيق عُرفت بطريقة الشك. هذه الطريقة هي الامتناع عن إعلان أي شيء غير مؤكد. التقليد الميتافيزيقي الذي بدأ مع ديكارت أثّر في التقليد الفلسفي الغربي حتى القرن العشرين.

عدم الاستقرار السياسي والحركات الاجتماعية التي شكلت علامة فارقة في القرنين التاسع عشر والعشرين حول اوربا قادت العديد من الفلاسفة الى رفض الميتافيزيقا التقليدية. الاهتمام المتزايد في العلوم الصلبة مثل الفيزياء والرياضيات بالإضافة الى الاهتمام الجديد في اللغة، اتخذ طريقه الى الخطابات الاكاديمية وغير الاكاديمية.

هذه الحركة بالذات، التي ارتبطت عادة بحلقة فيينا وفلاسفة أمثال غوتلوب فريجه و برتراند رسل و لودفيغ فيتجنشتاين ورودولف كارنب، اصبحت تُعرف  بـ التحول اللغوي.

ان رفض ميتافيزيقا ديكارت تزامن مع الاهتمام بلغة المنطق والرياضيات والعلوم. عدم نجاح طريقة ديكارات في الشك كان ملفتا مقارنة بالانتاجية المعرفية الهائلة للمنهج العلمي. لذلك، فان فرعا جديدا للفكر عُرف بالفلسفة التحليلية انبثق من الاستياء العام وعدم الرضا عن التحقيق الفلسفي.

الفلاسفة التحليليون استخدموا الطرق العلمية في التحقيق  للإجابة على أسئلة حول العالم. هم اعتقدوا ان اللغة العادية – اللغة التي يستعملها الانسان في اتصالاته اليومية – غير ملائمة بسبب غموضها المتأصل. الفلاسفة التحليليون اعتقدوا ان معظم المشاكل الفلسفية التي كافح الميتافيزيقيون لحلها ربما يسهل التعامل معها عبر توضيح المعنى الحقيقي للغة المستخدمة في توضيح تلك المشكلات.

حركة الوضعية المنطقية انبثقت من هذه الأفكار. مؤيدوها الرئيسيون كانوا أعضاءً في حلقة فيينا، وهي جماعة من الفلاسفة اهتموا بتطوير فلسفة للعلوم. النص الأساسي المرتبط بالوضعية المنطقية هو كتاب اللغة، الحقيقة والمنطق لـ  الفريد جول أير Alfred Jules Ayer. طبقا للوضعيين المنطقيين، ترجمة المشاكل الفلسفية من اللغة العادية الى لغة المنطق ربما يكون حلا مفيدا. هو جادل ان معظم المشاكل الفلسفية تبرز من غموض اللغة التي تُعرض فيها تلك المشاكل . من جهة أخرى، المنطق – لغة الرياضيات والعلوم – هو دقيق بشكل لا يُصدق ولا يترك أي مجال للغموض. لذلك، فان استعماله لتوضيح المعاني المعبّر عنها في اللغة العادية سيكون مفتاحا لكشف طبيعة الواقع.

استخدام لغة المنطق

لاحظنا ان الوضعية المنطقية برزت من الحاجة لتوضيح معنى اللغة لكشف معناها الحقيقي والوصول الى فهم أفضل لطبيعة المشاكل الفلسفية. لكن ماذا نعني بالضبط بغموض اللغة؟ عندما نتحدث الى بعضنا البعض، نحن نفهم بعضنا بوضوح تام، وفي أغلب الحالات، نحن لا نواجه العديد من المشاكل في تبادل الأفكار والآراء بطريقة مفهومة.

لكن، بينما تعمل اللغة جيدا كوسيلة اتصال، يصح أيضا ان نتوقف ونتأمل في الجمل التي نستعملها في محادثاتنا اليومية، نحن ربما نجدها محيّرة للغاية. الفلاسفة – الذين يجب ان يعبّروا عن أفكارهم من خلال وسيلة اللغة العادية - عادة يفكرون بعمق في اختيارهم للكلمات وتركيب الجمل. لذلك، هم لابد ان يشعروا بالحيرة إزاء غموض معين – او في بعض الاوقات – يُخدعون بمثل هذ الغموض.

لاحظ التعبير التالي:

الكلاب مخلصة (1)

يجادل الفلاسفة ان التعبير أعلاه مكوّن من جزئين. الأول هو الكائن المعني المشار اليه باسم عام، والثاني هو المسند او الصفة التي قُصد به قول شيء ما حول الاسم. لهذا، التعبير أعلاه يمكن تفكيكه كالتالي:

1a  توجد هناك كائنات مثل الكلاب...

1b هذه الكائنات لها سمات ان تكون وفية.

اذا كانت العبارة الواردة في (1) ونسختيها المفصلتين في 1a  و 1b لا يُحتمل ان تثير أي تساؤلات لدى الفلاسفة، فان العبارات او الجمل الإخبارية من هذا النوع كانت مصدر تحقيق فلسفي استمر لقرون طويلة.

هل هناك وجود للحيوان الخرافي؟ غموض اللغة العادية

اذا كانت الجملة الاخبارية في المقطع السابق بدت غير مثيرة للإشكال، لنلاحظ التالي:

الحيوان الخرافي هو وهمي (2)

العبارة (2) تعرض نفس البنية النحوية كالعبارة الأولى. لكن طبيعة الكائنات التي اشير اليها بهذه الكلمات أثارت العديد من النقاشات حول مفهوم الوجود.

كما في العبارة (1)، يمكن تحليل الجملة على انها كيان موضوعي وُصف بفعل يعبّر عن شيء ما يتعلق بطبيعته. لكن، وجود كائن مثل الحيوان الخرافي يتعارض مع معنى الصفة التي اريد بها وصفه، أي، وهمية. الكائن الوهمي لا يمكن ان يوجد، كونه وهمي يشير الى اللاوجود. الفلاسفة حاولوا حل المشكلة بالادّعاء ان وجود عالم غير تجريبي يمكن ان توجد فيه كائنات مثل الحيوان الخرافي.

التسمية والوجود

الفريد جول اير يدّعي اننا لا نستطيع الاعتماد على وجود عالم غير تجريبي، لأنه لا توجد طريقة لدينا للتحقق من هكذا وجود. بدلا من ذلك، يجادل اير اننا مخطئون في افتراضنا ان التسمية، التفكير، او تخيل كيان ما لا بد ان يستلزم وجوده. لا وجود لارتباط سببي او علاقة استلزام بين عبارات مثل العبارات التالية ووجود الحيوان الخرافي:

بناءً على ما يُعتقد في الحيوان الخرافي.

انا أحكم ان الحيوان الخرافي موجود.

يجادل اير ان الوجود ليس صفة او مسند يشير الى خاصية الكيان الموضوع. بدلا من ذلك، الوجود هو حالة يمكن ان تكون حقيقية او غير حقيقية بشكل مستقل عن أي شخص يزعمه او يحكم فيه او يفكر حوله او يتخيله. من المحتمل، الكيانات قد توجد للابد بدون ان يعرف عنها أي شخص. يتبع ذلك ان حالة الوجود ليست مقيدة باللغة باي حال من الأحوال رغم ما يبدو من أول نظرة.

بسبب هذه القضايا، يجادل الوضعيون المنطقيون مثل اير ان اللغة العادية يمكنها بسهولة ان تخدع أي شخص يتأملها لفترة طويلة جدا. هو اعتقد اننا نحتاج لتوضيح معنى اللغة العادية باستعمال لغة منطقية منهجية واضحة.

فلسفة اللغة العادية

بينما مقترح الوضعيين المنطقيين يبدو جذابا بسبب منهجيته ووضوحه، لا يُنكر ان اللغة العادية اكثر قوة وتعبيرا مما يمكن ان تكون عليه اللغة المنطقية. ولهذا، كثير من المعاني التي يتم ايصالها من خلال اللغة العادية تضيع عندما تُترجم العبارة الى لغة منطقية. كذلك، اللغة المنطقية هي فقط وسيلة مصطنعة تُستخدم للتوضيح. الأفكار الواقعية، الآراء، والتأملات تولد ويُعبر عنها باللغة العادية. ومن هنا، يجب ان يكون هناك شيء ضمن اللغة العادية ذاتها يسمح لنا لنولّد طبيعيا افكارا مشتركة وآراءً بطريقة متفردة بطبيعتها. لهذه الأسباب برز في القرن العشرين تيار فلسفي جديد، يُعرف بفلسفة اللغة العادية كرد فعل للوضعية المنطقية.

فلاسفة اللغة العادية مقتنعون بان اللغة اليومية تقدم رؤى عظيمة الى الفكر والذهن، وبهذا هم يسعون لإستعمالها ضمن ممارساتهم الفلسفية. هم غير مقتنعين ان الغموض المحتمل للغة العادية يشكل مشكلة للتحقيق الفلسفي ويعتقدون ان الفهم الصحيح لتعقيدية اللغة يساعدنا للإجابة على الأسئلة الفلسفية التي تواجهنا. كما في أي عملية ترجمة، اختزال اللغة العادية الى نظام ثنائي من الصحيح والزائف تعتمد عليه اللغة المنطقية ربما يؤدي الى تبسيط مفرط للغاية للفكرة الأصلية. لهذا السبب، هم يجادلون ان الناس يجب ان يستكشفوا الطبيعة الواقعية للفكر والذهن مستعملين لغة عادية.

لغة عادية ام لغة منطق؟

حاول الفلاسفة التحليليون وفلاسفة اللغة واللغويون ولايزالون يحاولون تطوير وصف علمي ومنهجي للغة. لغة العلوم والرياضيات، باستعمالها المنطق هي طريقة طبيعية لتوضيح وفهم أفضل لسمات اللغة النحوية والدلالية. ان غموض اللغة العادية – خاصة عندما تحلل الجمل بمعزل عن سياقها في العمل – هو شيء مؤكد، وهذا الغموض يشكل عائقا لفهم المعنى المعبّر عنه في اللغة. هذا بلا شك يقلل من إمكانية إيجاد أجوبة للاسئلة التي يريد الفلاسفة الإجابة عليها.

مع ذلك، بينما يمكن تخفيف مظاهر معينة للتحقيق الفلسفي التحليلي عبر توضيح معاني اللغة العادية من خلال المنطق، فان مظاهر أخرى تتطلب التعقيد والمرونة التي تتسم بها اللغة العادية. لا يمكن اختزال جميع القضايا التي تشغل بال الفلاسفة الى لغة منطقية دون استبعاد جزء من العناصر السياقية المرتبطة بهذه القضية. قد يصح هذا، مثلا، في الاخلاق والفلسفة الأخلاقية. يتبع ذلك ان هناك ميزة او مبررا لكلا الجانبين وان ظروفا متميزة وحججا فلسفية يُحتمل ان تتطلب أحد الاتجاهين او الآخر.  

***

حاتم حميد محسن

ـ قيمة التوليد الباقية:

نعودُ إلى ما كنا بدأناه، إلى "القيمة" الباقية التي تتراءى لنا فيما كان الرافعي يذكره عن سر النبوغ الأدبي، وهو "التوليد". ولا يظهر التوليد في الأدب فقط، بل هو كذلك في عالم الأفكار أشدّ ظهوراً. على أن الجديد في الفكرة هو نسبة الرافعي لها إلى النبوة أو على أقل تقدير يشبِّهها بوحي النبوة.

فإنّ امتلاك الناظر في الأدب والفكر لمفتاح التوليد لا يجد حرجاً في توخي العبقرية في مصادرها الأولى، ويقصد بها "الوحي"؛ فكما يكون الوحي مصدراً من مصادر النبوة، كذلك تكون العبقرية مصدراً من مصادر الوحي مع اختلاف الدرجة لا النوع. رحم الله "الرافعي" كان يرى أن " ... جهاز التوليد متى استمر واستحكم في الإنسان، أصبح له بمقام ملك الوحي من النبيّ، وهو عندنا دليل من أقوى الأدلة على صحّة النبوّة وحدوث الوحي وإمكانه، إذ لا تتصرّف به إلا قوة غيبيّة لا عمل للإنسان فيها، بل هي تبدع إبداعها وتلقى عليه إلقاءً.

وهذه القوة إنْ أرادت معاني الجمال أخرجت الشاعر، وإنْ أرادت كشف السّر عن الأشياء، أخرجت الأديب، وإنْ أرادت حقائق الوجود أخرجت الحكيم، فإن كان الأمر أكبر من هذا كله، وكان أمر تغيير الحياة وصبّ أزمان جديدة للإنسانية والوثوب بهذه الدنيا درجة أو درجات في الرقي؛ فهنا تكون الوسيلة أكبر من البصيرة.

فليس لها من قوة الغيب إلا الوحي، ويكون الغرض أكبر من الشاعر والأديب والحكيم، فلا يختار إلا النبيّ، ثم لا يوحي إليه إلا وهو في حسِّ لساعة الوحي وحدها، وهى ساعة ليست من الزمن، بل من الروح المنصرف عن الزمن وما فيه؛ ليتلقى عن روح الخلد، وقريبٌ من ذلك خلوة النابغة بنفسه في ساعة التوليد، فسرّ النبوغ من سرّ الوحي، لا ريب في ذلك ...".

لسنا نريد أن نبخس الرجل حقه، وقد قلنا فيما تقدّم إنّ الجديد في الفكرة هو نسبة "الرافعي" لها إلى ”النبوة“؛ فلو إننا استدركنا لقلنا إنّ شيئاً ما يلمُّ بالنفس عند قراءة هذا الكلام، فيذكرنا ويذكر الباحثين أجمعين بالفروق الفارقة بين مراتب الولاية ومقاصد النبوّة عند صوفية الإسلام؛ فمنهم من كان يعرج بتلك القوة الغيبية المُلهمة في الارتقاء بالولاية إلى المورد الأعلى الذي تستمد منه النبوة روافدها مع التفرقة الظاهرة بين إلهام الأولياء ووحي الأنبياء.

ومنهم من جعل المعراج النبوي أسوة وهداية: أنموذجاً مباركاً لمعراج الأولياء. ومنهم من جعل النبوة واسطة بين الحق والخلق، إذ (لولا الواسطة لذهب كما قيل الموسوط)، فنحن بالنبي، والنبيّ بالله، بمعنى أن مدد النور الإلهي مُوجَّه إلى النبيّ خاصّة، فهو صلوات الله وسلامه عليه يستمد من الله مباشرة، والمخلوقين يستمدون نور الوحود منه عليه السلام، فهو الواسطة بين الحق والخلق.

كذلك؛ لسنا نريد أن نأخذ بمنهج "الأشباه والنظائر"، فنمدّ جذور الفكرة إلى أفلاطون، ونحرم من ثمّ الرافعي منها فيما خطه بقلمه ووعاه. ولو إنك تعقبته إلى منتهاه، لوجدته يستخدم ألفاظاً فلسفية عامة، ومصطلحات أفلاطونيّة على خصوصية دلالاتها؛ كأن تقرأ في مفرداته اصطلاح "ما وراء الطبيعة" " وآلة النور" " والتناسخ"، وما شابه ذلك من الألفاظ والعبارات التي ترى أشباهها ظاهرة بوضوح في كتب الفلسفة والتصوف.

وإنّما الإنصاف ـ لا الإجحاف ـ يحتم علينا أن نقول إنّ الرافعي، طيّب الله ثراه، كان تشبّع بالآثار الروحيّة في الإسلام، واستقى من مشكاة النبوة ما حال بينه وبين نوافذ البصر إلى المصادر البعيدة، واكتفى بذلك أي اكتفاء. فلو أنه كان منفتحاً على ثقافات الأمم الأخرى، لعرف أنه لا يخلو عصر من عصور التاريخ من ثقافة روحيّة تكاد تمثل عقيدة بمفردها يتعبّد بها المتعبدون، ويجلُّونها أحياناً ويهبطون بها أحياناً على التفاوت فيما بينهم في موازين النقصان والإجلال.

لندع عوامل التأثير والتأثر جانباً، ولنؤمن ـ ونحن بصدد سرّ النبوغ كما تولِّده لنا قريحة أديبنا الكبير مصطفى صادق الرافعي ـ بخصائص العقل في إبداعاته الفردية وكيانه الوَحْدَويّ؛ فتوليد العقل للأفكار إنمّا يتأتى من نضج الذهن المُهيأ بأدواته العصبية، يتّجه إلى المجهول ومعانيه كما تتجه كل آلآت المرصد الفلكي إلى السماء وأجرامها، إذ ذاك يعتمد "النابغة" في المقام الأول على صدق النظر وإدامة العمل وانقطاع التفكير عن كل شيء إلا الشيء الذي يفكر في إنتاجه، وسوى أن يؤدي فريضة البحث وضريبة الإبداع؛ مدمناً الصبر على التعب، والدقة في النصب، والاهتمام بالتفاصيل.

ـ النابغة مبدعٌ على الأصالة مسكونٌ بالتفاصيل:

ولم يكن التوليد، وهو على ذلك الوصف، إلا ملكة خاصّة تتوافر للدارس الجاد والباحث الأريب والمتلقي المجتهد، فتتركب فيه من طول النظر ودوام الدُّرْبَة والتمرين؛ حتى إذا ما وافقت طبعاً سليماً وحسّاً مرهفاً، بلغت به مبلغاً عظيماً شريطة أن يكون ذلك بين الناس على قانون التفاوت وقسطاس الاختلاف من حيث القوة في الملكة العامرة ومن حيث الضعف فيها، فبعض الناس فيها أكمل من بعض بحسب أحوال أزمانهم ومعايشهم وحوادثهم ونحوها.

قال الرافعي:" وبهذه المُباينة؛ تجتمع لكل منهم شخصية وتتسق له طريقة، وبذلك تتنوّع الأساليب، ويُعاد الكلام غير ما كان في نفسه، وتتجدّد الدنيا بمعانيها في ذهن كل أديب يفهم الدنيا، وتتخذ الأشياء الجارية في العادة غرابة ليست في العادة، ويرجع الحقيقي أكثر من حقيقته".

ولهذه الإشارة دلالة من طبع المبدع أو طبع النابغة لا تخلو من تصديق؛ فالكتابة الجيدة لا شك ثمرة القراءة الجيدة للكاتب الجيد. والعلوم والأفكار، والمذاهب والمباحث، والحكم والأشعار، والآراء والنظريات، والمقروء عموماً من المنظوم والمنثور؛ كل هذا كله لا قيمة له ما لم يعترك في الطبع اعتراكاً فتنصقل به القريحة وتتفاعل حواشي النفس معه، تتلقاه كما الطعام السائغ يمر بمراحل في أجهزة الجسم إلى أن يصير عصارة طيبة تمد الجسم بمقوّم الحياة.

وكذلك المعاني المقروءة، والأفكار المهضومة، تختمر في باطن العقل، وتظل مع قوة تأمل عالية إلى أن تخرج بعد ذلك في صورة جيدة على إثر حادث عارض أو مقصود.

سئل مُصوّر مبدع: بماذا يمزج ألوانه، فتأتي ولها إشراقها وجمالها، ونبوغ مبانيها، وزهوّ الحياة بها في الصورة؟ فقال: إنمّا أمزجها بمخي؛ فإن الألوان عند الناس جميعاً، ولكن مُخّه عنده وحده، وله تركيبه الخاص به وحده. وسر الصناعة في توليد هذا الدماغ؛ فكأن ألوانه في صناعته جاءت منه خاصّة به دوناً عن سواه. وكذلك كل ما يتناوله العبقري إنما هو نسيج وحده:" فإنك لتجد الشعر في وزن خاص يدل عليه ويتمّم الغرض منه، ويضيف إلى معانيه أُنقاً من الجمال وحُسْنه، وإلى صوته نغماً من الموسيقى وطربها. فما أشبه الجهاز العصبي في دماغ كل نابغة أن يكون وزناً شعريّاً لهذا النابغة بخاصّته. ألا ترى أنك لا تقرأ الأديب الحق إلا وجدت كل ما يكتبه يجئ في وزن خاص به، لا يخرج عنه مرة أو تزيد أنت فيه أو تنقص إلا ظهر لك أنه مكسور ...".

وإذا سألت الرافعي: أتستطيع أن تفرّق بين الذهن "العبقري" والذهن "الذكي" الذي لا يرتفع إلى درجة العبقرية في عملية التوليد؟

يجيبك، وهو على ثقة بما يقول: الذهن العبقري ليس له من المعاني إلا مادة عمل، فلا تكاد تلابسه حتى تتحول فيه وتنمو وتتنوع وتتساقط له أشكالاً وصوراً في مثل خطرات البرق، وربما غمر بالمعنى الواحد في جماله وسموه وقوة تأثيره مقالات عدّة لأولئك الأذكياء". ولعلك تتذكر معي قول "دافنشي": "تعمل العبقريات قليلاً وتفكر كثيراً"، الأمر الذي يدعوك إلى دهشة التساؤل: لِمَ لَمْ تهطل كتب العباقرة هطلاً كالمطر؟!

أمّا الذهن الذكيّ، فهو يتخذ المعاني موضوع بحث ونظر وتعقب، يستخرج منها أو يعلق عليها وكفى. وقد لا تجد فيما يستخرج أو يعلق شيئاً من دلالة الطبع على الذكاء والنبوغ تماماً كما هو حال أدعياء القلم وأشباه الكاتبين في هذا العصر الممسوخ: عصر الزيف والفساد والتزوير والنقل الحرفي من البرامج اللغويّة والذكاء الاصطناعي وادعاء الكتابة بالمجهود الذهني الشخصي.

في زمن المسخ ليس من قيم، تتطاول الدعوى ويتبجّح أصحابها بالرزيلة، وليس من قيم.

غاية الغايات في عمل الذهن الذكي هي أن يبحث وينظر ويتصفح ويجمّع من هنا ويحصر من هناك، ثم يعرض ويعارض ويصحح ويأتيك ـ كما يقول الرافعي ـ بالمقالة يحسبُ فيها ك بالشموع ل شيء وما فيها إلا أشياؤه هو، وأمثاله.

وليس هذا عمل العبقري بحال؛ لأن العبقري يأخذ مقالات هؤلاء جميعاً، فتراه وقد نسجها نسجاً وجعلها منه كالشموع الموقدة بإزاء الشمس، فإذا ذهبتَ توازن بين مثل هذا المعنى، ومثل هذه المقالات في الروعة والجلال، ورأيت عربدة المقالة وغرورها لم تستطع إلا أن تقول لها: يا حصاة الميزان في إحدى كفتيه ألا يكفيك الجبل في الكفة الأخرى...؟!

ولكن لا بدّ من سؤال أخير أيها العبقري الفذ، ونحن بصدد كنه البحث عن التوليد: كيف تستطيع الأذهان أن تستخرج من قرأتها للمقروء والمحفوظ أشياء جديدة بهذه الصورة الغريبة التي تكاد تكون شيطانية أو قريبة من عمل الشيطان؟!

فقال: "عرف الأدباء جميعاً أن كاتب فرنسا العظيم "أناتول فرانس" كان يكتب الجملة ثم ينقّحها، ثم يهذّبها، ثم يعيدها، ثم يرجع فيها، وهكذا، خمس مرات إلى ثمان، ويقدّم ويؤخر من موضع إلى موضع، ويحتسبون هذا تمكيناً وتهذيباً، وما هو منها في شيء، ولا أحسب الأوروبيين أنفسهم تنبّهوا إلى سر هذه الطريقة...".

ولأن الأديب الكبير سيكشف لك عن سر النبوغ فلا بدّ هنا من أن تظهر عليك علامات الترقب ولهفة التنبه والانتظار ... أتراك تنبهت وأصغيت، فاستمع إذن لما يقول:" ... إنما سرها من جهاز التوليد في رأس ذلك الكاتب العظيم، فإذا قرأ كتابة حولها فكره وأبدع له منها من غير أن يعمل أو يتكلف له إلا ما يتكلف من يهز إليه بجذع الشجرة لتساقط عليه ثمراً ناضجاً حلواً جنياً ... فكلما قرأ، ولّد ذهنه، فيثبت ما يأتيه فلا تزال صورة تخرج من صورة حتى يجيء المعنى في النهاية وأنه لأغرب الغرائب، لا يكاد العقل يهتدي إلى طريقته وسياق الفكر فيه إذ كان لم يأت إلا محوّلاً عن وجهه مرات لا مرة واحدة".

ففي ذلك كلة يكمن سر النبوغ وهو التوليد. تلك هي القيمة التي أطلقنا من أجلها القلم ولم نستطع حبسه، لنكتب عنها هذه الدراسة المطولة.

ولنا الآن بعد هذا العناء الممضّ، أن نضع أمام القارئ علامات استفهام، لا بل علامات استنكار ليحتكم إلى الرافعي فيما كان خطه بقلمه ووعاه!

فنقول: إنه إذا كان الرافعي عرف أن في أدمغة الناس أجهزة تسمى بالتوليد، وأن النوابغ منهم بُله العباقرة من شأنهم أن يولّدوا ما شاء لهم التوليد من كل قديم جديداً يجيء علامة خاصة عليهم وعلى عصرهم الذي يعيشون فيه، وعلى سماتهم وطابعهم المميز لهم فيما أرادوا له أن يكون؛ فلماذا أصرّ صاحبنا على أن يكون من أنصار القديم وهو الأديب الذي عرف أن أجهزة التوليد من شأنها أن تعتصر آثار الفكر والشعور عصراً ليكون عبقاً جديداً تستنشقه أنوف الأجلاف وغير الأجلاف من الذين يفهمون أو لا يفهمون؟!

ألا يكون ذلك تناقضاً في العقل الذي أدرك، وفي الجهاز الذي ولّد، وفي الحياة التي تعاش وفيها ما فيها من سبل الجدة الجديدة المبتكرة ما لا يستطيع إنكاره إلا ذو عقل بليد؟

لا شك عندي أن فكرة التوليد إنما هي فكرة تدعم عصر النور، وتخدم ثقافة التنوير، وتؤسس لفلسفة قائمة على الوعي والتفكير لا على التقليد والمحاكاة؛ فلئن كان الرافعي رحمه الله قال بها وهو من أنصار القديم، فحسبه من التناقض الذي لا يجيزه منطق العقل إنه كان يضرب بقلمه في أوهاق التضليل.

***

بقلم: د. مجدي إبراهيم

لم تعد الهرمينوطيقا، في صورتها الحديثة، مجرد تقنية لشرح النصوص وتأويل مغاليقها، ولا بقيت حبيسة وظيفتها الأولى في تفسير النصوص الدينية أو استعادة المعاني الغامضة في المدونات القديمة؛ فقد تحولت تدريجيًا إلى وعي فلسفي يبحث في شروط الفهم ذاته: كيف نفهم؟ ومن أين يأتي المعنى؟ وهل يوجد معنى نهائي يستقر في النص، أم أن المعنى يتشكل في المسافة المتحركة بين النص والقارئ والسياق والتاريخ؟ ومن هنا غدت الهرمينوطيقا سؤالًا عن الإنسان بقدر ما هي سؤال عن النص؛ لأن كل قراءة تحمل وراءها أفقًا معرفيًا وثقافيًا وتاريخيًا يشارك، بصورة واعية أو خفية، في إنتاج الدلالة. وإذا كان المسار الهرمينوطيقي قد انتقل من تأويل النص المقدس إلى تأويل النص الأدبي والقانوني، ثم إلى نظرية عامة في الفهم، فإن وصوله إلى مجال النص الديني الإسلامي يطرح سؤالًا أكثر حساسية: هل يمكن نقل أدوات التأويل من سياقها التاريخي والفلسفي الغربي إلى النص الإسلامي دون إعادة فحص مقدماتها ومفاهيمها وشروط اشتغالها؟

من تأويل النص إلى سؤال الفهم

يصعب اختزال تاريخ الهرمينوطيقا في خط مستقيم أو سردية تطورية بسيطة؛ فهي لم تنتقل من مرحلة إلى أخرى بإلغاء السابق وإحلال اللاحق مكانه، وإنما تراكمت داخلها أسئلة متعددة، ظل بعضها حيًا في المراحل اللاحقة، وإن تغيرت وظائفه وأدواته.

في بداياتها ارتبطت الهرمينوطيقا ارتباطًا وثيقًا بتفسير النصوص الدينية، ولا سيما النصوص المسيحية، حيث كان الهم الأساسي هو الكشف عن المعنى الصحيح للنص، ورفع الالتباس عن عباراته، ومواجهة تعدد القراءات والتفسيرات. وكان السؤال المركزي يدور حول كيفية الوصول إلى المعنى المقصود، وما القواعد التي ينبغي أن تضبط عملية التأويل حتى لا تتحول إلى إسقاط ذاتي على النص.

وفي هذه المرحلة كان النص المقدس يتمتع بمكانة مرجعية استثنائية؛ ولذلك لم يكن التأويل مجرد ممارسة معرفية، بل كان يتصل بقضايا العقيدة والسلطة الدينية وحدود المشروعية في فهم النص.

غير أن التاريخ لم يترك الهرمينوطيقا داخل هذا السياج طويلًا.

الهرمينوطيقا الدنيوية واتساع مجال النص

مع تطور الاهتمام بالتراث الكلاسيكي، اتسع مجال التأويل ليشمل النصوص اليونانية واللاتينية والأدبية والفلسفية. وهنا بدأت الهرمينوطيقا تتحرر تدريجيًا من اختصاصها الديني الضيق، لتصبح أداة لفهم النصوص التي أنتجتها عصور وثقافات مختلفة.

لم يعد السؤال: كيف نفسر النص المقدس؟ فقط، وإنما أصبح: كيف نفهم نصًا ينتمي إلى زمن آخر، وثقافة أخرى، وأفق معرفي مختلف؟

وهنا تظهر مشكلة المسافة التاريخية؛ فالقارئ لا يدخل النص خاليًا من خلفياته، وإنما يحمل معه لغته ومفاهيمه وأسئلته وتصوراته. ومن ثم فإن فهم النص القديم لا يمكن أن يكون مجرد استخراج آلي لمعنى جاهز، لأن القارئ نفسه جزء من العملية التأويلية.

وهذه النقلة كانت حاسمة؛ إذ بدأ التأويل ينتقل من مجرد البحث عن معنى النص إلى البحث في شروط إمكان فهم النص.

الهرمينوطيقا القانونية: النص حين يتحول إلى فعل

أما الهرمينوطيقا القضائية، فقد طرحت إشكالية مختلفة؛ لأن النص القانوني لا يعيش في الكتب وحدها، بل يدخل في مجال التطبيق، وتترتب على تفسيره آثار عملية واجتماعية وقضائية.

وهنا يصبح التأويل فعلًا يربط النص بالواقعة.

فالقاضي لا يواجه عبارة قانونية مجردة فحسب، وإنما يواجه واقعة محددة تحتاج إلى تنزيل القاعدة عليها. ومن هنا تبرز أسئلة اللغة والسياق والمقصد وحدود الدلالة وعلاقة النص بظروف إنتاجه وبالواقعة التي يراد تطبيقه عليها.

وقد ساهم هذا المجال في تعميق فكرة أساسية ستصبح لاحقًا من صميم الوعي الهرمينوطيقي: أن فهم النص لا ينفصل عن السؤال الذي يُطرح عليه، ولا عن السياق الذي تتم فيه عملية الفهم.

من شلايرماخر إلى ديلتاي: الهرمينوطيقا بوصفها نظرية عامة

تمثل أعمال فريدريش شلايرماخر منعطفًا مهمًا في تاريخ الهرمينوطيقا؛ إذ سعى إلى تجاوز خصوصية التأويل الديني أو الكلاسيكي، والنظر إلى التأويل بوصفه ممارسة عامة لفهم الخطاب.

ومن هنا برزت أهمية اللغة، والسياق، والمؤلف، والعلاقة بين الجزء والكل فيما يعرف لاحقًا بالدائرة الهرمينوطيقية: لا نفهم الجزء إلا في ضوء الكل، ولا يتضح الكل إلا من خلال أجزائه.

ثم جاء فيلهلم ديلتاي ليوسع المجال باتجاه العلوم الإنسانية، واضعًا مسألة الفهم في مواجهة النموذج التفسيري الذي ساد العلوم الطبيعية. فبينما تميل العلوم الطبيعية إلى تفسير الظواهر وفق علاقات سببية، تحتاج العلوم الإنسانية إلى فهم التجربة الإنسانية من الداخل، واستيعاب المعنى الذي تمنحه الذوات لأفعالها وتاريخها.

وهنا لم تعد الهرمينوطيقا مجرد منهج لتفسير النصوص، بل أصبحت مدخلًا لفهم الإنسان وعالمه التاريخي.

هايدغر: من تأويل النص إلى تأويل الوجود

مع مارتن هايدغر حدث تحول أعمق؛ إذ انتقلت الهرمينوطيقا من كونها نظرية في فهم النص إلى كونها مرتبطة ببنية الوجود الإنساني ذاته.

فالإنسان لا يبدأ الفهم من نقطة الصفر؛ إنه موجود داخل عالم، ويحمل تاريخًا وتجارب ولغة وتوقعات سابقة. ولذلك فإن الفهم ليس نشاطًا عرضيًا يمارسه الإنسان عندما يقرأ كتابًا، بل هو طريقة أساسية في وجوده.

ومن هنا أصبح السؤال الهرمينوطيقي أكثر جذرية:

ليس كيف نفهم النص فحسب، بل كيف يكون الفهم ممكنًا أصلًا؟

وهذه النقلة جعلت التأويل يتجاوز حدود المنهج ليصبح فلسفة في الإنسان والعالم واللغة.

غادامير: أفق الفهم واندماج الآفاق

يواصل هانس جورج غادامير هذا التحول، ولا سيما في كتابه الحقيقة والمنهج، حيث يعيد التفكير في علاقة القارئ بالنص والتاريخ.

فالقارئ لا يدخل النص بعقل محايد، لأن كل قارئ يحمل معه ما يمكن تسميته أفقًا تاريخيًا يتشكل من لغته وثقافته وتجاربه وأسئلته وتقاليده. والنص نفسه ينتمي إلى أفق تاريخي آخر.

لكن الفهم لا يستلزم محو أحد الأفقين؛ بل يمكن أن يحدث ما يسميه غادامير اندماج الآفاق، أي أن ينشأ من الحوار بين أفق القارئ وأفق النص أفق جديد للمعنى.

وهنا يصبح التأويل حوارًا لا استخراجًا؛ فالقارئ لا ينتزع المعنى من النص كما ينتزع معدنًا من صخر، وإنما يدخل معه في علاقة سؤال وجواب.

من النص المغلق إلى القارئ الشريك

مع هذه التحولات أخذت صورة النص تتغير. لم يعد النص كيانًا مغلقًا يحتوي معنى واحدًا جاهزًا ينتظر قارئًا ماهرًا ليستخرجه، كما لم يعد القارئ مجرد متلقٍ سلبي.

غير أن هذا لا يعني أن القارئ يستطيع أن يجعل النص يقول ما يشاء.

وهنا تكمن إحدى أكثر القضايا حساسية في الوعي الهرمينوطيقي: الفرق بين التأويل والإسقاط.

فالتأويل المنتج يفتح إمكانات المعنى التي يسمح بها النص، بينما الإسقاط يجعل النص مجرد شاشة نرى عليها أفكارنا السابقة.

ومن ثم فإن حرية التأويل لا تعني فوضى التأويل، وتعدد المعنى لا يعني غياب القيود الدلالية، وانفتاح النص لا يعني إلغاء تاريخيته ولغته وبنيته.

عندما تصل الهرمينوطيقا إلى النص الديني الإسلامي

هنا تبدأ المسألة الأكثر تعقيدًا.

فانتقال أدوات الهرمينوطيقا الغربية إلى مجال النص الديني الإسلامي لا ينبغي أن يُفهم بوصفه انتقالًا تقنيًا محايدًا من منهج إلى نص. فالمنهج نفسه يحمل تاريخًا فلسفيًا ولاهوتيًا ومعرفيًا، وينطلق من تصورات معينة عن اللغة والنص والقارئ والتاريخ والحقيقة.

والنص القرآني، من جهته، نشأ داخل منظومة لغوية وثقافية ودينية وتاريخية خاصة، وتكوّن حوله تراث طويل من علوم اللغة والتفسير وأصول الفقه والقراءات والناسخ والمنسوخ وأسباب النزول والمكي والمدني وغيرها.

ومن ثم فإن استدعاء الهرمينوطيقا الغربية لا ينبغي أن يبدأ بالسؤال: كيف نطبقها على القرآن؟ وإنما بالسؤال الأكثر تأسيسًا:

ما الذي يمكن أن تضيفه الهرمينوطيقا إلى علوم القرآن، وما الذي تحتاج هي نفسها إلى إعادة النظر فيه عندما تدخل مجالًا معرفيًا مختلفًا؟

وهنا يتحول الحوار من عملية استيراد منهج إلى مقابسة معرفية نقدية.

بين الهرمينوطيقا وعلوم التأويل في التراث الإسلامي

ليس من الدقة أن نتصور أن الحضارة الإسلامية عاشت تاريخًا بلا أسئلة تأويلية حتى جاءت الهرمينوطيقا الغربية لتقدم لها مفهوم الفهم. فقد عرف التراث الإسلامي جدلًا واسعًا حول العلاقة بين اللفظ والمعنى، والمحكم والمتشابه، والظاهر والباطن، والحقيقة والمجاز، والسياق، والمقصد، ودلالة اللغة، وطرق الاستنباط.

وفي علوم أصول الفقه خصوصًا، نشأت منظومات دقيقة لفهم النص وتحديد دلالاته وشروط حمل ألفاظه على معانيها المختلفة. وفي علم التفسير ظهرت مدارس واتجاهات متعددة، وتبلورت أسئلة تتصل باللغة والسياق والقراءة والتاريخ.

لكن الاعتراف بهذا التراث لا يعني رفض الهرمينوطيقا الغربية، كما أن الاستفادة منها لا تعني إعلان القطيعة مع التراث الإسلامي.

المطلوب هو بناء حوار معرفي بين تقاليد التأويل

فالهرمينوطيقا الغربية يمكن أن تساعد في طرح أسئلة جديدة حول تاريخ الفهم، وأفق القارئ، وشروط إنتاج المعنى، وعلاقة النص بالسياق؛ بينما يستطيع التراث الإسلامي أن يرفد هذا الحوار بخبرة طويلة في تحليل اللغة والتشريع والتفسير والمقاصد.

نحو وعي هرمنيوطيقي عربي

إن الحاجة اليوم ليست إلى استنساخ الهرمينوطيقا الغربية، ولا إلى رفضها باسم الخصوصية الثقافية، وإنما إلى تأسيس وعي هرمنيوطيقي عربي نقدي.

وعي يعرف الغرب دون أن يتبعه، ويعرف التراث دون أن يتجمد داخله.

فالوعي التأويلي الحقيقي لا يسأل فقط: ماذا يقول النص؟ وإنما يسأل أيضًا: من الذي يقرأ؟ وبأي أدوات؟ وتحت أي شروط تاريخية ولغوية وفكرية؟

إنها أسئلة تجعل القارئ مسؤولًا عن قراءته، وتجعل المنهج موضوعًا للنقد مثلما يكون أداة للنقد.

وهنا تكتسب الهرمينوطيقا معناها الأعمق: ليست سلطة جديدة تفرض نفسها على النص، بل دعوة إلى كشف السلطات الخفية التي تتحكم في فعل القراءة.

من امتلاك المعنى إلى محاورة المعنى

لقد قطعت الهرمينوطيقا مسافة طويلة: من تفسير النص المقدس، إلى قراءة النصوص الكلاسيكية، إلى التأويل القانوني، ثم إلى نظرية عامة في الفهم، وصولًا إلى فلسفة تجعل الفهم جزءًا من الوجود الإنساني نفسه.

غير أن أهم ما يمكن استخلاصه من هذا المسار ليس منهجًا واحدًا جاهزًا، بل فضيلة السؤال.

فالنص لا يصبح حيًا بكثرة القراءات التي تُسقط عليه، وإنما بقدرتنا على الإصغاء إليه دون أن نفقد قدرتنا على مساءلته. والقارئ لا يكون واعيًا لأنه يمتلك المعنى، وإنما لأنه يدرك أن طريقه إلى المعنى يمر عبر اللغة والتاريخ والثقافة والأسئلة السابقة.

ومن هنا فإن التعامل مع النص الديني الإسلامي في ضوء الهرمينوطيقا الغربية ينبغي أن يكون حوارًا نقديًا لا تبعية منهجية، ومقابسة معرفية لا استيرادًا آليًا، وانفتاحًا على الآخر دون التفريط في خصوصية النص وسياقه.

فالمطلوب في النهاية ليس أن نختار بين التراث والحداثة، أو الشرق والغرب، أو التفسير والتأويل، بل أن ننتقل إلى مستوى أعمق: أن نمتلك القدرة على قراءة مناهجنا كما نقرأ نصوصنا.

ذلك هو جوهر الوعي الهرمينوطيقي:

أن نعرف أن المعنى لا يسكن النص وحده، ولا القارئ وحده، وإنما يولد في المسافة الحية بينهما؛ وأن نعرف، قبل أن نفسر النص، كيف نصنع نحن فعل التفسير.

***

عماد خالد رحمة - برلين

إستكمالا لحديثنا السابق في الجزء الأول من مقالتنا عن التوحيد الإنساني   https://www.almothaqaf.com/aqlam-3/989699نقول: إذا كان التوحيد قد أعاد إلى الإنسان وحدة مقصده، وحرره من التشتت بين الغايات المتنافسة، فإن أثره الأعمق لا يتوقف عند تحرير الإرادة، وإنما يمتد إلى إعادة بناء علاقة الإنسان بنفسه وبالعالم وبالحياة كلها. فحين يستقر في القلب أن الله هو الغاية العليا، تتغير قيمة الأشياء في وعي الإنسان؛ فلا يعود ما في العالم قادرا على أن يمنح وجوده معناه النهائي، ولا يعود فقدان شيء من متاعه قادرا على أن يسلب حياته قيمتها، ولا يصبح امتلاك الأشياء دليلا على كماله، ولا فقدانها دليلا على نقصه. وهنا يتحرر الإنسان من أن يجعل قيمته فيما يملك، أو فيما يراه الآخرون فيه، أو فيما يستطيع أن يحققه من نفوذ ومكانة.

ومن هذه الحرية الداخلية يولد معنى آخر من أعمق معاني التوحيد، هو السكينة. فالإنسان الذي تتعدد في داخله الغايات تتعدد معه أسباب القلق؛ يخشى فقدان ما يحب، ويقلق على ما يملك، ويطارد ما لا يملك، ويظل أسيرا لما يمكن أن يحدث غدا. أما حين يستقر المقصد الأعلى في قلبه، فإنه لا يفقد مشروعية الخوف أو الحذر، لكنه يتحرر من أن يتحولا إلى سلطان دائم على وجوده. فهو يسعى، ويخطط، ويأخذ بالأسباب، لكنه لا يجعل النتائج شرطا لطمأنينته.

وهنا يعود التوكل ليأخذ مكانه الطبيعي داخل البناء كله. فقد تعلم الإنسان بالتوكل أن يتحرك في العالم دون أن يعلق قلبه بالأسباب، ويأتي التوحيد ليكشف له الأساس الأعمق لهذا التوازن، وهو أن الأسباب لا تستقل بذاتها، وأن الإنسان مهما بلغت قدرته يظل محدودا، وأن الاعتراف بهذا الحد ليس ضعفا، بل تحرير للروح من وهم السيطرة المطلقة. ومن هنا تصبح السكينة ثمرة للوعي بالحدود، لا هروبا من المسؤولية.

وكذلك الرضا الذي بلغناه في مرحلة سابقة لا يعود حالة منفصلة، وإنما يظهر في أفق التوحيد باعتباره ثمرة من ثمار وحدة المقصد. فالإنسان قد لا يفهم كل ما يقع له، وقد لا يحب كل ما يمر به، لكنه يستطيع أن يظل متماسكا حين يدرك أن وجوده ليس متروكا للعبث، وأن ما يجهل حكمته لا يلزم أن يكون خاليا من الحكمة. وهكذا يتحول الرضا من مجرد سكون أمام ما وقع إلى ثقة أعمق بمعنى الوجود، دون أن يتحول إلى استسلام للظلم أو تعطيل للفعل.

وإذا كان التوحيد يحرر الإنسان من عبودية الأشياء، فإنه لا يدفعه إلى احتقارها. وهذه نقطة جوهرية؛ لأن التحرر من العالم لا يعني الهروب منه، كما أن عدم عبادة الأشياء لا يعني عدم الانتفاع بها. فالإنسان الموحد يعيش في العالم، ويعمل فيه، ويبني ويزرع ويتعلم ويحب ويعطي، لكنه لا يجعل شيئا من ذلك غاية مطلقة تستولي على قلبه.

وهنا يظهر الوجه الحضاري للتوحيد، فحين لا يصبح المال إلها، لا تتحول الحياة إلى سوق للإنسان؛ وحين لا تصبح القوة غاية، لا يتحول الآخر إلى مادة للاستغلال؛ وحين لا تصبح الشهرة معيارا للقيمة، لا يتحول الإنسان إلى أسير لنظرة الجمهور؛ وحين لا تصبح المنفعة المعيار الوحيد، يبقى للعدل والرحمة والكرامة مكان في حياة الناس.

ومن هنا فإن التوحيد لا يحرر الإنسان من الداخل فقط، وإنما يؤسس لإعادة النظر في علاقته بالآخر. فالذي لا يرى في نفسه عبدا إلا لله لا يحتاج إلى استعباد غيره لكي يشعر بقيمته، ولا يحتاج إلى إذلال الآخر ليحصل على الشعور بالتفوق. وكلما استقرت وحدة المقصد في قلبه، صار أكثر قدرة على الاعتراف بكرامة الآخرين، وأكثر استعدادا للعدل معهم، لأن الإنسان عنده لا يتحول إلى وسيلة لتحقيق غاية شخصية.

وهنا تتصل الحرية بالتوحيد اتصالا عميقا. فالحرية الحقيقية ليست أن يتحرر الإنسان من كل قيد، وإنما أن يتحرر من القيود التي تستعبده من الداخل. فقد يكون الإنسان حرا في الحركة، لكنه عبد لشهوته؛ وقد يكون مستقلا في قراره، لكنه أسير لرضا الناس؛ وقد يمتلك الكثير، لكنه لا يستطيع أن يفقد شيئا دون أن ينهار. أما التوحيد فيمنح الإنسان نوعا أعمق من الحرية، وهو أن يسترد مركزه الداخلي، وألا يجعل أي شيء من الأشياء المحدودة مطلقا في حياته.

ومن هنا تتكامل الحرية مع المعرفة، فالمعرفة كشفت للإنسان حقيقة ذاته وحدوده، والتوحيد وضع هذه المعرفة في إطار غائي يجعلها أكثر اتساقا. فلم تعد المعرفة وسيلة للسيطرة على العالم، بل وسيلة لفهمه وإعمار الحياة فيه. ولم تعد قوة العقل مبررا للاستعلاء، بل أمانة تستوجب المسؤولية. وهكذا تتحول المعرفة من مجرد قدرة إلى حكمة، لأن الحكمة هي أن يعرف الإنسان ليس فقط ما يستطيع أن يفعله، وإنما ما ينبغي له أن يفعله.

وتعود المحبة هنا أيضا إلى موقعها الأصيل. فإذا كانت المحبة قد وحدت القلب، فإن التوحيد ينقي هذه الوحدة من كل ما يمكن أن ينافس المحبوب الأعلى. وبذلك لا تصبح محبة الوالدين والأبناء والوطن والناس والجمال والعلم منافسة لمحبة الله، بل تأخذ قيمتها من انتظامها في أفق أوسع. فيحب الإنسان الأشياء دون أن يستعبد لها، ويحب الناس دون أن يجعلهم آلهة صغيرة في قلبه، ويحب الجمال دون أن ينسى مصدر الجمال، ويحب الخير لأنه يرى فيه أثرا من المعنى الذي يتجه إليه وجوده.

وهنا يكتسب الجمال في الرحلة معناه النهائي، فقد بدأ الإنسان يتذوق الجمال في التجربة، ثم أدركه في المحبة، ثم أخذ يتأمل معانيه في المعرفة، حتى يصل في التوحيد إلى إدراك أن الجمال المتفرق في العالم لا يستقل عن مصدر الجمال. فلا يعود الجمال مجرد لذة حسية، وإنما يصبح بابا من أبواب التأمل في المعنى، ودافعا إلى الارتقاء من الجميل المحدود إلى الجمال المطلق.

وكذلك الكمال؛ فالإنسان لا يبلغ الكمال المطلق، ولا يمكن لوجود محدود أن يحيط بما هو مطلق، لكن التوحيد يعيد تعريف الكمال الإنساني نفسه. فالكمال ليس أن يصبح الإنسان مكتفيا بذاته، وإنما أن يعرف افتقاره، ويعرف موضعه، ويستقيم في إرادته، ويتحرر من عبودية ما سوى الله، ويجعل ما أوتي من قدرة وعلم ومحبة وخير وسيلة للعمران والإحسان.

وبهذا يصبح الكمال الإنساني كمالا في الاتجاه قبل أن يكون كمالا في الامتلاك. فالإنسان قد لا يبلغ كل ما يريد، لكنه يستطيع أن يستقيم في ما يريد؛ وقد لا يحيط بكل المعرفة، لكنه يستطيع أن يجعل طلب المعرفة طريقا إلى الحكمة؛ وقد لا يستطيع تغيير العالم كله، لكنه يستطيع أن يجعل وجوده فيه أكثر عدلا ورحمة وجمالا.

وهنا تكتمل صورة التوحيد باعتباره غاية للوجود الإنساني، إنه لا يجعل الإنسان إلها على العالم، ولا يجعله كائنا منفصلا عنه، وإنما يعيده إلى موقعه الصحيح؛ إنسانا حرا من العبودية لغير الله، مسؤولا عن وجوده، أمينا على ما أوتي من نعم، ومتحركا في العالم بوعي الغاية.

ومن هذه النقطة نستطيع أن نعود إلى الرحلة كلها لنكتشف أن كل مرحلة من مراحلها لم تكن منفصلة عن الأخرى. فالعمر كان أول تنبيه إلى أن الوجود الإنساني محدود، وأن قيمة الحياة لا تقاس بطولها وإنما بما يتحقق فيها من معنى.

ثم جاء الألم ليوقظ الإنسان من وهم الحياة السهلة، ويكشف له أن الوجود لا يخلو من امتحان، وأن الألم يمكن أن يتحول من جرح إلى سؤال.

ثم جاء الصبر ليعلمه كيف يحتمل ثقل الطريق دون أن ينكسر، وكيف يحول الإرادة من انفعال عابر إلى قدرة على الثبات.

وجاء التوكل ليعلمه أن السعي لا يناقض الاعتماد على الله، وأن الإنسان يستطيع أن يتحرك بكل طاقته دون أن يحمل نفسه وهم التحكم في النتائج.

ثم جاء الرضا ليمنح النفس سكينة أمام ما لا تستطيع تغييره، ويعلمها أن السلام الداخلي لا يعني غياب الألم، وإنما القدرة على ألا يتحول الألم إلى اعتراض دائم على معنى الوجود.

ثم جاءت المحبة، فانتقلت الرحلة من احتمال الحياة إلى اكتشاف ما يجعل الحياة جديرة بأن تعاش؛ إذ وحدت القلب، وأورثته الأنس والقرب، وجعلت الإنسان يتجاوز حدود ذاته نحو محبوب يتطلع إليه.

ثم جاءت المعرفة، فلم تترك المحبة في حدود الوجدان، وإنما منحتها البصيرة، وكشفت للإنسان أن الحب يحتاج إلى معرفة، وأن المعرفة الحقيقية لا تكتمل إلا حين تتحول إلى وعي يغير صاحبه.

ثم جاء التوحيد، لا ليضيف مدرجا منفصلا إلى ما سبق، وإنما ليكشف وحدة الطريق كله.

إن هذه المدارج لم تكن إلا صورا متعددة لرحلة واحدة، رحلة الإنسان من التشتت إلى الوحدة، ومن الغفلة إلى الوعي، ومن الألم إلى المعنى، ومن الخوف إلى السكينة، ومن التعلق إلى الحرية، ومن المحبة إلى المعرفة، ومن المعرفة إلى التوحيد.

فالتوحيد هو الذي يكشف أن العمر لم يكن مجرد امتداد زمني، وأن الألم لم يكن مجرد وجع، وأن الصبر لم يكن مجرد احتمال، وأن التوكل لم يكن مجرد تسليم، وأن الرضا لم يكن مجرد سكون، وأن المحبة لم تكن مجرد عاطفة، وأن المعرفة لم تكن مجرد إدراك. لقد كانت جميعها طرائق يتشكل بها الإنسان في طريق عودته إلى الغاية التي من أجلها وجد.

ومن هنا فإن التوحيد لا يغلق باب الرحلة، بل يفتح للإنسان معنى جديدا للحياة، فبعد أن تتوحد الغاية، يستطيع الإنسان أن يعود إلى عمره فيعي قيمته، وإلى ألمه فيفهم درسه، وإلى صبره فيرى ثمرته، وإلى توكله فيستعيد طمأنينته، وإلى رضاه فيجد سكينته، وإلى محبته فيراها أكثر نقاء، وإلى معرفته فيجعلها أكثر تواضعا وحكمة.

وهكذا يعود الإنسان إلى العالم، لكنه لا يعود إليه كما كان، إنه يعود إليه وهو أكثر وعيا بحدوده، وأكثر تحررا من عبوديته، وأكثر قدرة على محبته، وأكثر مسؤولية عن إصلاحه.

وهنا يلتقي التوحيد بالكمال والجمال في أعمق نقطة من نقاط الرحلة، فالكمال ليس بلوغ الإنسان منزلة لا نقص فيها، وإنما أن يبلغ من النضج ما يجعله يعرف حقيقته وحدوده وغايته. والجمال ليس مجرد ما تراه العين أو تستحسنه النفس، وإنما أن يصبح الوجود الإنساني نفسه قادرا على إنتاج الجمال من خلال الخير والعدل والمحبة والحكمة.

ومن ثم فإن الإنسان لا يكتمل بكثرة ما يملك، ولا بكثرة ما يعرف، ولا بطول ما يعيش، وإنما بقدر ما تتوحد في داخله الغاية التي من أجلها يعيش.

وهنا نعود إلى حيث بدأنا، إلى العمر، إذ بدأنا بالسؤال عن عمر الإنسان، لأن العمر هو الوعاء الذي تجري فيه الرحلة. وانتهينا إلى التوحيد، لأن التوحيد هو الذي يمنح هذا العمر وجهته ومعناه. وبين البداية والنهاية مر الإنسان بالألم، والصبر، والتوكل، والرضا، والمحبة، والمعرفة، حتى اكتشف أن الزمن وحده لا يصنع قيمة الحياة، وأن قيمة الحياة تتحدد بما يودعه الإنسان في الزمن من معنى.

فالعمر بلا غاية امتداد، والألم بلا وعي جرح، والصبر بلا معنى احتمال، والتوكل بلا فهم استسلام، والرضا بلا بصيرة خمود، والمحبة بلا معرفة تعلق، والمعرفة بلا غاية تراكم. أما حين تنتظم هذه كلها في وحدة المقصد، فإنها تتحول إلى رحلة إنسانية نحو الكمال والجمال.

فالإنسان الذي عرف أن وجوده ليس عبثا، وأن عمره ليس ملكا مطلقا له، وأن آلامه يمكن أن توقظ وعيه، وأن صبره يهذب إرادته، وأن توكله يحرره من وهم السيطرة، وأن رضاه يمنحه السكينة، وأن محبته تفتح قلبه، وأن معرفته تنير بصيرته، ثم وحد غايته في الله؛ هذا الإنسان لا يكون قد أنهى رحلة وجوده، وإنما يكون قد بدأ يعيشها على بصيرة.

ومن هنا يكون التوحيد غاية الرحلة لا نهايتها؛ لأن الإنسان حين تتوحد غايته لا يتوقف عن السير، وإنما يتوقف عن التيه. ويصبح العمر بعد ذلك فرصة، والألم درسا، والصبر قوة، والتوكل طمأنينة، والرضا سكينة، والمحبة أنسا وقربا، والمعرفة بصيرة، ويصبح الوجود كله مجالا تتجلى فيه معاني الكمال والجمال.

وهكذا يكتمل القوس الذي بدأ بالعمر وانتهى بالتوحيد، من سؤال الإنسان عن معنى وجوده إلى اكتشاف الغاية التي تمنح وجوده معناه، ومن تفرق المقاصد إلى وحدة المقصد، ومن ظلمة الغفلة إلى نور البصيرة، ومن اضطراب النفس إلى سكينتها، ومن التعلق بما يفنى إلى التوجه إلى من له البقاء والكمال والجمال.

ذلك هو الإنسان حين يسترد وحدة وجوده؛ لا يخرج من العالم، ولا يتعالى عليه، وإنما يعيش فيه بقلب متصل بالغاية، وعقل مستنير بالمعرفة، وإرادة متحررة من العبودية لغير الله، ونفس تتذوق من الكمال والجمال بقدر ما تستطيع، حتى يصبح وجوده نفسه شهادة حية على أن أسمى صور اكتمال الإنسان ليست في أن يمتلك العالم، وإنما في أن يعرف لمن ينتمي، ولماذا يعيش، وإلى أين يتجه.

وهنا لا تنتهي الرحلة.. بل يبدأ الإنسان، للمرة الأولى، في السير وهو يعرف الطريق.

خاتمة الرحلة:

وهكذا، ومع بلوغنا آخر حلقات رحلة الوجود الإنساني التي حملت عنوان "الوجود الإنساني ومدارج الكمال والجمال- قراءة فلسفية وروحية"، والتي عرضناها في صورة مقالات متتابعة، نستطيع أن نقول إن هذه الرحلة، كما تكشفت لنا عبر مدارجها، لم تكن بحثا عن حياة تخلو من الألم، ولا سعيا إلى كمال يستقر فيه الإنسان استقرارا نهائيا، وإنما كانت بحثا عن المعنى الذي يجعل الإنسان قادرا على أن يحيا وجوده بوعي، وأن يحول محدوديته إلى مجال للنضج، وتجربته إلى طريق للمعرفة، وحركته في العالم إلى سعي يستمد غايته من مقصد أعلى. فمنذ اللحظة الأولى، كان العمر أكثر من مجرد امتداد زمني؛ كان أمانة ووعاء للمعنى، وكانت قيمته لا تقاس بعدد أيامه، وإنما بما يودعه الإنسان فيها من عمل وخير ومعرفة وأثر. وحين ينكشف للإنسان أن الزمن لا يعود، يبدأ وعيه الحقيقي بوجوده، ويغدو السؤال عن كيفية العيش أعمق من مجرد الرغبة في إطالة الحياة.

ثم يأتي الألم ليكشف الوجه الآخر لهذا الوجود؛ فيخرج الإنسان من وهم الاكتفاء والقوة المطلقة إلى وعي الحاجة والحدود. وليس معنى ذلك أن الألم خير في ذاته، وإنما أن التجربة الإنسانية قادرة، حين تستقبل الألم بوعي، على أن تحول الجرح إلى سؤال، والسؤال إلى معرفة، والمعرفة إلى حكمة. وفي هذه النقطة تحديدا يبدأ الإنسان في اكتشاف أن قيمة التجربة لا تتحدد بما يقع له وحده، وإنما بما يصير إليه من خلالها. ومن هنا كان الألم إمكانا من إمكانات الارتقاء، لا لأنه مطلوب، وإنما لأن الإنسان يستطيع أن يمنحه معنى يتجاوز وجعه المباشر.

غير أن الألم وحده لا يصنع الارتقاء؛ إذ يحتاج الإنسان إلى قدرة تحفظ له توازنه أمام ما لا يستطيع دفعه، وهنا يتشكل الصبر بوصفه تربية للإرادة ومصالحة واعية مع الزمن. فالصبر لا يلغي الألم، ولا يطلب من الإنسان أن يتجرد من مشاعره، وإنما يمنحه القدرة على ألا تتحول هذه المشاعر إلى قوة تستبد بوجوده. وبالصبر يتعلم الإنسان أن المعنى لا يظهر دائما في اللحظة التي تقع فيها الأحداث، وأن بعض الحقائق لا تنضج إلا بمرور الزمن، وأن الثبات ليس سكونا، بل استمرار في السير مع بقاء الوجهة.

ثم يتقدم الإنسان من الثبات إلى الحركة، ومن احتمال ما يقع إلى حسن التعامل مع ما لا يملك نتائجه، فيولد التوكل بوصفه توازنا بين حركة الإرادة وطمأنينة القلب. وهنا يتعلم الإنسان أن مسؤوليته تكمن في صدق السعي وإحكام العمل، لا في امتلاك النتائج. فالتوكل لا ينتقص من الإرادة، وإنما يحررها من وهم السيطرة المطلقة؛ ولا يدعو إلى ترك الأسباب، وإنما إلى ألا تتحول الأسباب إلى معبودات خفية تستولي على القلب. وبذلك يستعيد الإنسان قدرته على الفعل دون أن يجعل مصيره النفسي رهنا بما يحققه فعله من نتائج.

ومن التوكل تنشأ السكينة التي تتعمق في مقام الرضا. وهنا لا يتغير العالم بالضرورة، وإنما تتغير علاقة الإنسان به. فالرضا لا يعني قبول الظلم أو تعطيل الإصلاح، وإنما يعني أن يميز الإنسان بين ما يقع داخل دائرة مسؤوليته وما يتجاوز قدرته، فيبذل وسعه فيما يستطيع، ويسلم ما لا يستطيع إلى حكمة الله. وبهذا يتحرر من الصراع المستنزف مع ما لا يملك تغييره، ويتفرغ لما يستطيع أن يصنعه. فالرضا ليس انطفاء للإرادة، بل اتزانها؛ وليس خمودا للنفس، بل انتقالا بها من مقاومة الواقع بوصفه واقعا إلى فهمه في أفق أوسع من اللحظة.

لكن السكينة لا تستنفد إمكانات الوجود الإنساني؛ إذ إن الإنسان لا يكتفي بأن يسكن إلى ما هو كائن، بل يبحث عما يستحق أن يتجه إليه. وهنا تظهر المحبة باعتبارها القوة التي تنقل الإنسان من مجرد احتمال الحياة إلى اكتشاف ما يجعلها جديرة بأن تعاش. فالمحبة تجمع ما تفرق في القلب، وتمنح الإرادة وجهة، وتجعل الإنسان يتجاوز حدود ذاته نحو ما يراه أكمل وأجمل وأحق بالتعلق. وحين تتجه المحبة إلى الله، لا تعود مجرد انفعال وجداني، وإنما تصبح قوة تعيد ترتيب علاقة الإنسان بكل محبوباته، فتتحول الأشياء من غايات تستعبد القلب إلى موجودات تأخذ قيمتها في ضوء الغاية الأعلى.

ومن المحبة تفتح المعرفة أبوابها؛ لأن القلب الذي وجد وجهته يحتاج إلى بصيرة تهديه، ولأن التعلق بالحقيقة لا يكتمل إلا بالسعي إلى إدراكها. وهنا تنتقل الرحلة من حرارة الوجدان إلى نور البصيرة، ومن امتلاك المعلومات إلى اكتشاف المعنى. فالمعرفة الحقيقية ليست ما يزداد في الذهن فحسب، وإنما ما يتغير في الإنسان بسبب ما عرف. ولذلك كانت المعرفة في أفق هذه الرحلة تحولا في الوعي قبل أن تكون تراكما في المعلومات؛ فهي التي تجعل الإنسان يرى ذاته في حدودها، والعالم في دلالاته، والجمال وراء مظاهره، والكمال وراء صوره الجزئية. وكلما اتسعت المعرفة الحقيقية، ازداد الإنسان تواضعا أمام الحقيقة، لأن انكشاف بعض الحقيقة يكشف في الوقت نفسه اتساع ما يجهله الإنسان.

وعند هذا الحد تبدأ المدارج كلها في الكشف عن وحدتها الداخلية. فالعمر علم الإنسان أن وجوده محدود، والألم كشف له هشاشته، والصبر هذب إرادته، والتوكل حرره من وهم السيطرة، والرضا منحه السكينة، والمحبة وحدت وجهة قلبه، والمعرفة أنارت بصيرته. ولم تكن هذه تحولات منفصلة، وإنما كانت حركات متتابعة في اتجاه واحد: من التشتت إلى الجمع، ومن الغفلة إلى الوعي، ومن الانفعال إلى البصيرة، ومن التعلق المتفرق إلى وحدة المقصد. ولهذا لم يكن التوحيد إضافة إلى الرحلة، بل كان انكشافا لمعناها الكامن منذ بدايتها.

فالتوحيد، في أفق الوجود الإنساني، لا يقف عند حدود المعرفة الذهنية بوحدانية الله، على جلالة هذه الحقيقة وأصلها، وإنما يتجاوزها إلى أن تصبح الوحدة مبدأ ناظما للوجود كله. إنه أن تتحرر الإرادة من التشتت، والقلب من الاستعباد، والعقل من الغرور، وأن تستعيد الأشياء مواضعها الصحيحة في حياة الإنسان. فلا يصبح المال غاية، ولا المكانة معيارا للقيمة، ولا الشهرة مصدرا للمعنى، ولا المعرفة وسيلة للاستعلاء، ولا المحبة الجزئية بديلا عن المحبوب الأعلى. وبذلك لا يلغي التوحيد كثرة العالم، وإنما يكشف وحدتها في المقصد والمعنى.

ومن هنا تتضح إحدى أعمق نتائج الرحلة: أن الإنسان لا يتحرر حين يتخلص من كل تعلق، وإنما حين يعرف ما الذي يستحق أن يكون غايته العليا. فالحرية ليست غياب القيود فحسب، وإنما التحرر من أن تتحول الأشياء المحدودة إلى غايات مطلقة. وحين تتوحد الغاية، تستقيم الإرادة، ويهدأ القلق، وتتحول المعرفة إلى حكمة، والمحبة إلى صفاء، والسكينة إلى قوة على العمل، ويصبح الإنسان أكثر قدرة على العودة إلى العالم دون أن يصبح عبدا له.

وهنا يتكشف معنى الكمال الإنساني على نحو مختلف. فالكمال ليس بلوغ حالة مطلقة لا نقص فيها، فهذا مما يتجاوز طبيعة الوجود الإنساني المحدود، وإنما هو استقامة الإنسان في اتجاهه، وصدق حركته نحو الغاية التي تمنح وجوده معناه. قد يخطئ، ويتعثر، ويضعف، وقد لا يبلغ من المعرفة إلا بعضا، ولا يستطيع أن يغير من العالم إلا قدرا محدودا، لكنه يستطيع أن يظل سائرا في الاتجاه الصحيح. ومن ثم فإن الكمال الإنساني ليس كمال الامتلاك، وإنما كمال التوجه؛ وليس أن يصبح الإنسان مكتفيا بذاته، وإنما أن يعرف حقيقته وحدوده وافتقاره، وأن يجعل ما أوتي من عقل وإرادة ومحبة ومعرفة وسائل للخير والعمران والإحسان.

وكذلك الجمال لا يعود مجرد صفة في الأشياء أو لذة تستقبلها الحواس، وإنما يصبح قيمة تتجسد في طريقة الإنسان في الوجود. فحين تتحول المعرفة إلى حكمة، والإرادة إلى مسؤولية، والمحبة إلى رحمة، والحرية إلى عدل، والقدرة إلى أمانة، يصبح الإنسان نفسه قادرا على إنتاج الجمال في العالم. وهكذا ينتقل الجمال من أن يكون شيئا يتأمله الإنسان إلى أن يصبح شيئا يشارك في صناعته.

ولذلك فإن التوحيد، وإن كان غاية الرحلة، ليس نهايتها بمعنى توقف السير؛ إنه اكتمال الاتجاه. فالإنسان بعد التوحيد لا يغادر الحياة، وإنما يعود إليها بوعي آخر. يعود إلى عمره فيدرك قيمته، وإلى ألمه فيستخرج منه معناه، وإلى صبره فيرى فيه قوة الإرادة، وإلى توكله فيستعيد طمأنينته، وإلى رضاه فيجد فيه سكينة القلب، وإلى محبته فيجعلها أكثر صفاء، وإلى معرفته فيجعلها أكثر تواضعا وحكمة. إنه يعود إلى العالم، لكنه لا يعود إليه كما كان؛ لأن العالم لم يعد غاية تستعبده، بل أمانة يتحمل مسؤوليتها.

وهكذا يتبين أن رحلة الوجود الإنساني تبدأ من الوعي بأن العمر محدود، وتنفتح عبر الألم والصبر والتوكل والرضا على تهذيب الإرادة وتطهير القلب، ثم تتسع بالمحبة والمعرفة حتى تبلغ وحدة المقصد في التوحيد. وما بين البداية والغاية لا يكون الإنسان مجرد كائن يعبر الزمن، بل كائنا يصنع من عبوره معنى، ومن تجربته وعيا، ومن وعيه بصيرة، ومن بصيرته سلوكا، ومن سلوكه أثرا.

وفي النهاية، لا يكون السؤال الأهم: كم عاش الإنسان؟ ولا كم عرف؟ ولا كم امتلك؟ وإنما: في أي اتجاه عاش، ولأي غاية وجه قلبه وعقله وإرادته؟ فالعمر بلا غاية امتداد، والألم بلا وعي جرح، والصبر بلا معنى احتمال، والتوكل بلا فهم استسلام، والرضا بلا بصيرة خمود، والمحبة بلا معرفة تعلق، والمعرفة بلا غاية تراكم. أما حين تنتظم هذه كلها في وحدة المقصد، فإن الوجود الإنساني يتحول من مجرد حياة تمر إلى رحلة لها معنى، ومن تعدد مشتت إلى وحدة واعية، ومن البحث عن الكمال إلى الاستقامة في طريقه.

وهنا لا تنتهي الرحلة، بل ينكشف معناها؛ إذ يصبح التوحيد غاية يتجه إليها الإنسان، ومعنى يعود به إلى الحياة، ونورا يعيد قراءة كل ما سبق في ضوئه. فليس اكتمال الوجود أن يبلغ الإنسان نهاية الطريق، وإنما أن يعرف وجهته، وأن يستقيم في السير إليها، وأن يجعل من عمره المحدود مجالا للخير، ومن معرفته سبيلا إلى الحكمة، ومن محبته بابا إلى القرب، ومن وجوده نفسه شاهدا على أن أجمل ما في الإنسان ليس ما يملك، بل ما يتجه إليه.

***

بقلم: أ. د. ياسر البتانوني

أستاذ الفلسفة الإسلامية بكلية الآداب جامعة المنوفية

1- مدخل: تعتبر الفلسفة الواقعيّة ضرورة تاريخيّة لمواجهة الامتثال والتبعيّة الفكريّة، حيث تشكل أداة نقديّة حاسمة لتفكيك الأوهام ومواجهة ضغوط المجموعات أو القوى التي تدفع الأفراد نحو التقليد الأعمى. ومن أبرز الممارسات والآليات الفكريّة والسلوكيّة التي تقدمها الواقعيّة لمواجهة الامتثال يأتي:

أولاً: التحليل النقدي للمسلّمات، والتعامل معها بعقلانيّة. أي تفكيك الأفكار السائدة في المجتمع وعدم قبولها كحقائق مطلقة لمجرد أن الأغلبيّة تؤمن بها.

ثانياً: ضرورة الاشتباك مع الواقع المعيوش ومدى تأثيره ودوره في انتاج أو تحديد وعي الإنسان أوبناء وعي ذاتي له يستند إلى معطيات الواقع.

ثالثاً: التركيز على الحقائق العيانيّة والنتائج الملموسة، بدلاً من الجري وراء الشعارات الأيديولوجيّة أو الوعود الطوباويّة. ورابعاً: تعزيز الفردانيّة المسؤولة التي تمنح الفرد الشجاعة الفكريّة في اتخاذ مواقف مستقلة حتى لو كانت مغايرة للمجموع.

رابعاً: مقاومة التنميط الاجتماعي أو النمذجة، أي رفض القوالب الجاهزة وسياقات الامتثال التي تفرضها ثقافة الاستهلاك لتوجيه سلوك الفرد والجماهير.

2- الإرهاصات الأوليّة للتفكير العقلاني:

نقول: إذا نظرنا إلى الواقعيّة كرؤى أو مواقف ذهنيّة (عقلانيّة) تؤمن بدور التجربة والاستنتاج والاستقراء والخبرة الاجتماعيّة وبالتالي الوصول إلى البرهان في معرفة حياة الإنسان وما يحيط به من ظواهر عبر تاريخه الطويل، فسنجد إرهاصتها الأوليّة لدى كثير من الشعوب، ممثلة في البنية الفكريّة لبعض منتجي أساطيرها، أو لدى حكمائها الأولين، كما هو الحال مثلاً في رد " أناناتبشم" على "جلجاميش" في (ملحمة جلجاميش) عندما اشتكى "جلجاميش" لـ " أنانا تبشم" عجزه عن إيجاد سر الخلود بعد أن بحث عنه طويلاً، حيث قال له "أناناتبشم" مواسيّاً: (متى بيننا بيتاً دام إلى الأبد!؟، ومتى صنعنا ختماً دام إلى الأبد..!؟.). فمثل هذه المقولات الدالة على دور التجربة والخبرة الاجتماعيّة في معرفة طبيعة الحياة وقوانين تطورها وتبدلها، كثيراً ما نجدها في ملاحم الشعوب القديمة وأساطيرها كما أشرنا أعلاه.

أما إذا نظرنا إلى الواقعيّة كموقف فلسفي، فيبدو أنها جاءت عبر سياقها التاريخي كرد فعل على الفلسفة المثاليّة التي كانت تمجد المطلق والمجرد والغيبي والجبري والمستبد، والمؤمنة بكل تياراتها بأن الواقع يأتي بعد الفكرة التي تعتبر منبع الحقيقة مهما يكن مصدر هذه الفكرة (ما وراء الطبيعة – الروح- الفطرة - البنية النفسيّة - العقل المجرد..الخ.). فالفلسفة المثاليّة - في نظرتها إلى العالم الخارجي والإنسان، تخالف في الحقيقة الفلسفة الواقعيّة التي تؤمن بالنسبي والملموس والعياني والتجربة وحرية الاختيار. وأن الواقع المادي المحسوس عندها هو مصدر الحقيقة، وأن الحواس والتجربة هما أداتا المعرفة، التي توصلنا إلى هذه الحقيقة في نسبيتها الدائمة، كون الحقيقة تقوم دائماً على معرفة ناقصة.

عموماً إذا كان " أفلاطون" هو مؤسس المدرسة الفلسفيّة المثاليّة، التي تأثر في أفكارها، أو قال بما يؤيدها، أو يقاربها فيما بعد، فإن العديد من الفلاسفة والمفكرين، أمثال جورج باركلي، ودافيد هيوم، وكانت، وأبو حامد الغزالي، والفارابي وابن سينا وغيرهم الكثير أيضاً ممن آمن بالتأمل العقلي واعتقد بأن عالم الفكر يسبق عالم الواقع. فإن " أرسطو" يعتبر رائد الواقعيّة كتيار فلسفي، حيث جاء فيما بعد أيضاً، العديد من الفلاسفة الذين أسسوا على أفكاره أو قالوا بما يقاربها أو شبيهاً بها، أمثال القديس توما الأكويني، وفرانسيس بيكون، وابن رشد، وابن حزم، والكندي، وابن خلدون، وجون لوك، وديكارت وغيرهم الكثير من الذين كانوا واقعي النظرة، وتجريبي النزعة، ويقرون بأهمية العقل والإحساس في تشكيل المعارف للوصول إلى الحقيقة. مثلما كان لمسألة الربط بين العلم والتطبيق العملي، وللتربية في نظر بعضهم الدور الكبير والفاعل في إعداد الفرد لحياة سعيدة، وبمثل هذه المواقف الفكريّة التي آمنوا بها، جاء الواقع عندهم سابقاً على الفكر إلى حد ما.

3- دور الفلسفة الواقعيّة في تحليل الواقع وكشف قوانين حركته:

إن الفلسفة الواقعية إذاً، هي التي تقر في المحصلة بأن معرفتنا بحقائق الواقع تتزايد بالاكتشاف والتحليل الموضوعي والتفسيرات العلميّة، فالظواهر الطبيعية بشكل خاص تسير وفق قوانين طبيعيّة/ موضوعيّة، ودور الإنسان فيها هو الكشف عن هذه القوانين والتحكم بها وتسخير آليّة عملها لمصلحته، وفي الظواهر الاجتماعيّة لا شك أن الناس يصنعون تاريخهم بأيديهم ولكنهم لا يصنعونه دائماً على هوائهم. فغالباً ما تتحكم بهم قوانين الطبيعة، أو غرائزهم ومصالحهم الأنانيّة الضيقة.

4- مبادئ وأسس منهج الفلسفة الواقعيّة المعاصرة:

في عصرنا الحاضر وأمام ما انتاب الحقيقة عموماً والفكر وتياراته على وجه الخصوص من ضياع وتهميش وتداخل تحت ظل النظام العالمي الجديد، وأهمها ذاك التداخل الذي حصل لتيارات الحداثة بكل تجلياته والفلسفة العقلانيّة من ضمنها، مع تيارات ما بعد الحداثة، ممثلة بموت ونهاية كل شيء (الفن، الأدب، الفلسفة، الأخلاق، الدين التاريخ وغير ذلك من مفردات الحياة)، ليتشكل تيار فكري هجين (ما بعد حداثوي)، غابت فيه ملامح العقلانيّة والمثاليّة معاً، لتسود فيه رؤى فكريّة يغلب عليها طابع الفوضى الفكريّة، والعبث، واللامعقول، والتجزيئيّة، واللاأدريّة، وعدم الإيمان بجدوى القيم الأخلاقيّة الجوهريّة، والتمسك بالشكلي، والدعوى إلى النمذجة التي تحاول أن تجعل من الظاهرة، وفي مقدمتها الإنسان، ذرة معزولة عن غيرها من الظواهر ليس لها لون أو طعم أو رائحة، إلا لون وطعم ورائحة ما يخدم مصالح قادة هذا النظام الكوني الجديد، كما يقول باسكال.. الخ.

5- أهمية التعامل مع المنهج الواقعي في عالمنا العربي المعاصر:

من هنا وأمام مواجهة هذه الحالة من اللامعقول، وبخاصة ما يمارس اليوم تجسيداً عمليّاً لكل هذا اللامعقول في عالمنا العربي من قبل قوى الظلام ومًنْ يساندهم على الساحة العربيّة والعالميّة، يفرض علينا المنطق والواجب تجاه إنسانيتنا، ضرورة التمسك بما هو إيجابي وعقلاني، وإعادة إنتاج ما من شأنه أن يعيد إنتاج إنسانيتنا، وبخاصة الفكر التنويري بعد تنقيته من جراثيم ما بعد الحداثة، ونفض غبار الجهل والامتثال والتسليم عنه، وكل ما اعتراه من تفاهات فكريّة هدامة وتخريبيّة تريد النيل من جوهر الإنسان، والعودة به إلى حياة العصور الوسطى، عصور الظلام والجهل واللامعقول، هذا ويأتي في مقدمة الجهود الايجابيّة التي يجب أن تبذل الآن من أجل إعادة الإنسان العربي بشكل خاص إلى جوهر إنسانيته، هي رد الاعتبار للفلسفة العقلانيّة أو الفكر التنويري، ومحاولة إغنائه برؤى فكريّة جديدة تضفي عليه طابعاً أكثر عقلانيّة وعلميّة تتناسب وتحديات المرحلة الراهنة، منطلقين من إعادة التأسيس لمبادئ وقواعد أكثر علميّة وعقلانيّة لفلسفة واقعيّة معاصرة تتناسب وطبيعة التحديات المعصرة، يمكننا تحديد أهمها بالتالي:

6- مبادئ وقواعد الفلسفة العقلانيّة في تاريخنا المعاصر:

1 - إن للظواهر قوانينها الخاصة بها والتي تتحكم بآليّة عملها، وهي موجودة بشكل مستقل عن الإنسان – أي الظاهر - تؤثر فيه ويؤثر فيها، وتأثيره فيها يأتي بعد ملاحظتها واكتشاف قوانينها وآليّة عملها.

2- إن الإنسان في طبيعته ليس ضرورة فحسب، بل وحريّة أيضاً، وهنا تكمن استقلاليته النسبيّة عن الضرورة وبقية الظواهر الأخرى المحيطة به، وقدرته على التحكم فيها وتسخيرها لمصلحته.

3- الظاهر بمجموعها ومن ضمنها الإنسان ذاته، ليست ثابتة جامدة في معطياتها، بل هي في حالة سيرورة وصيرورة دائمتين، أي هي في حالة حركة وتطور وتبدل وتشكل دائم، وهذا بالتالي ما يمنحها نسبيتها وينفي إطلاقيتها، ويؤكد أن حقيقتها تقوم دائماً على معرفة ناقصة.

4- الفلسفة العقلانيّة المعاصرة لا تؤمن بوجود أفكار فطريّة موروثة خلقت مجردة عن تاريخ الإنسان قبل الولادة، بل تؤكد على أن الإنسان محكوم بتأثير البيئة الطبيعيّة والاجتماعيّة المحيطة به على تفكيره وسلوكياته، دون أن ننكر أن هناك استعداداتٍ وراثيةً أوليةً لعبت فيها تلك الظروف الدور الأساس في حياة الإنسان.

5- الفلسفة الواقعية المعاصرة تؤمن بأن الفرد هو أساس الكيان الاجتماعي، وأن المجتمع ما هو إلا مجموعة الأفراد، وعليه فإن حريّة الفرد لا يمكن لها أن تتحقق إلا في حالة تمتع الفرد بجميع الامتيازات والحقوق الخاصة، وهذا لا يتم إلا بانعتاق الإنسان وتخليصه من كل ما يعيق تطوره وتطور المجتمع معاً، وذلك عبر تجاوزه للكثير من المحرمات السلبيّة التي يفرضها المجتمع المتخلف والدولة المستبدة معاً على تفكيره وتصرفاته.

6- لا تقر الفلسفة العقلانيّة المعاصرة بالأخلاق المعياريّة المسبّقة، والتي غالباً ما تسلبه حريته وإبداعاته، وإنما تقر بنسبية الأخلاق وضرورة مواءمتها للمرحلة التاريخيّة المعيوشة، فهي ضد القوالب الأخلاقيّة والفكريّة الجامدة أو الجاهزة التي غالباً ما تدخل الإنسان في عوالم (دنكوشيتية) تحد من انعتاقه وتطور ونمو إنسانيته.

7- العقل الإنساني في معطيات الفلسفة العقلانيّة المعاصرة ليس معطىً بيولوجيّاً تقوم آليّة عمله بشكل مستقل عن مجموع علاقات الإنسان مع المحيط الاجتماعي والطبيعي الذي يتفاعل وينشط فيه، بل هو مجموعة الرؤى والأفكار والمعارف والمهارات التي شكلها الإنسان عن طريق إدراكه وحواسه وتجربته الفرديّة والاجتماعيّة تاريخيّاً، وراح يرفض أو يتبنى من خلالها ما يناسبه أو ما لا يناسبه من أفكار وسلوكيات وفقاً لطبيعة المرحلة التاريخيّة التي يعيشها، والتي غالباً ما تفرضها طبيعة مصالحه الخاصة والعامة.

8- تؤمن الفلسفة العقلانيّة المعاصرة بدور وأهميّة التربية في تدريب الإنسان وإكسابه المهارات النظرية والعملية القادر من خلالها على التفاعل بإجابيه مع الواقع الذي يعيش فيه، وحالات تبدل وتطور هذا الواقع .

9- الفلسفة العقلانيّة المعاصرة فلسفة ترفض تقسيم العالم بشكل تعسفي وجذري إلى مادة وصورة.. روح ومادة، فللجانب الروحي عندها أهميّة في إغناء الجانب العملي، على الرغم من أن البداية للفعل كما يقول "فاوست" والعكس صحيح بالنسبة لتأثير الجانب العملي على الجانب الروحي، فالعلاقة بين طرفي المعادلة جدليّة، والروح عندها هي المعرفة المكتسبة بالخبرة والتجربة وما تولده لدى الإنسان من مهارات ذهنيّة، وإحساسات داخليّة تتجلى في شعوره بالحب والكره، والجمال والقبح تجاه الظواهر التي تحيط به ويتعايش معها .

7- ملاك القول:

هذه هي أبرز القواعد التي يجب أن ترتكز عليها الفلسفة العقلانيّة المعاصرة في عالمنا المعاصر برأيي، والتي تشكل المنطلقات الفكريّة لكل تفكير عقلاني تنويري يرمي إلى تجاوز عقليّة وثقافة الجمود والتكفير والزندقة ورفض الأخر، إضافة إلى عقليّة وثقافة المجتمع الاستهلاكي بكل ما تحمله من تفرد سلبي هدفه تنمية الغريزة على حساب العقل، وقتل روح الإنسان وإبداعاته، وبالتالي العمل على نمذجته وحيونته معا.

***

د. عدنان عويّد - كاتب وباحث وناقد أدبي من سوريا

مقاربة تحررية جذرية

مقدمة: يشكّل بروز ما سُمّي بالفلاسفة الجدد في الفضاء الفكري الفرنسي خلال سبعينيات القرن العشرين لحظة فارقة في تحول الفلسفة القارية من موقع الالتزام الثوري والشك الجذري في البنى القائمة إلى موقع آخر يرفع شعار نقد الشمولية ويدافع عن حقوق الإنسان بوصفها أفقاً أخلاقياً أعلى. جاء هذا البروز في سياق تاريخي مشحون: تداعيات أحداث 1968، وانكشاف جرائم الأنظمة التي كانت تُحسب على المعسكر التقدمي، وتراجع جاذبية السرديات الكبرى اليسارية. غير أن قراءة هذه اللحظة من زاوية تحررية جذرية تفرض تجاوز السردية السطحية التي تقدم الفلاسفة الجدد بوصفهم محررين للفكر من أسر الأيديولوجيا، لتطرح أسئلة أعمق حول طبيعة التحرر الذي دعوا إليه، وحول ما إذا كانوا قد فتحوا أفقاً جديداً للانعتاق أم أعادوا تموضع الفكر داخل توازنات سلطة مغايرة. فمن هم الفلاسفة الجدد؟ وكيف حاولوا مواجهة فلاسفة القارة القديمة؟ وعما تمخضت هذه المواجهة بين الفريقين؟ وبأي معنى استفاد الفكر الفلسفي من ذلك؟

أولاً: السياق التاريخي وشروط الإمكان

لم ينشأ خطاب الفلاسفة الجدد من فراغ نظري خالص. فقد تزامن صعودهم مع أزمة عميقة في اليسار الأوروبي، ومع تراجع الثقة في النماذج الثورية التي كانت تُقدَّم بوصفها طريق الخلاص. أصبح نقد المعسكر السوفييتي والأنظمة المشابهة ممكناً علناً وبحدة غير مسبوقة داخل الأوساط التي كانت سابقاً تتحفظ أو تبرر. في هذا المناخ ظهر جيل يعلن القطيعة مع «الفلاسفة المعلمين» ومع التراث الذي ربط الفلسفة بالثورة أو بالصراع الطبقي أو بتفكيك البنى بوصفها مهمة سياسية مباشرة.

تميز هذا الجيل بقدرته على استخدام الوسائط الإعلامية الجديدة آنذاك، محولاً الفلسفة من شأن أكاديمي أو نضالي نخبوي إلى حدث عمومي. هذه النقلة الإعلامية لم تكن تفصيلاً شكلياً؛ بل أعادت تعريف موقع الفيلسوف في الحقل العام، وجعلت من الحضور التلفزيوني والصحافي جزءاً من الشرعية الفكرية. في المقابل بدا فلاسفة القارة الأقدم، بثقلهم النظري وتعقيدهم المفاهيمي، أقل قدرة على منافسة هذا النمط الجديد من التدخل العمومي السريع والحاد.

ثانياً: موضوعات المواجهة وحدود القطيعة المعلنة

تمحورت مواجهة الفلاسفة الجدد مع التراث القاري السابق حول عدة محاور أساسية. أولها رفض ما اعتبروه تورطاً فلسفياً في تبرير العنف الثوري أو الصمت عن الجرائم باسم الغايات الكبرى. وثانيها نقد فكرة المثقف الملتزم الذي ينصب نفسه ناطقاً باسم الحقيقة التاريخية أو الطبقة أو الشعب. وثالثها الإعلاء من قيمة الفرد وحقوقه في مواجهة السرديات الجماعية التي تبتلعه. ورابعها اتهام جزء كبير من الفلسفة القارية الحديثة بالمساهمة، عن وعي أو غير وعي، في تهيئة التربة الفكرية للاستبداد عبر مفاهيم مثل الإرادة العامة أو الصراع الحتمي أو نقد الليبرالية بوصفها وهماً بورجوازياً.

غير أن هذه المواجهة لم تكن دائماً على مستوى الندية النظرية. فكثيراً ما اعتمد الخطاب الجديد على تبسيط خصومه، وتحويل تيارات معقدة ومتباينة إلى صورة واحدة لـ«الفيلسوف المعلم» المسؤول عن الكوارث. هذا التبسيط سمح بسرعة الانتشار وبقوة التأثير الإعلامي، لكنه أضعف القدرة على محاورة التراث القاري من داخله، وحوّل النقد أحياناً إلى إدانة أخلاقية شاملة أكثر مما هو تفكيك فلسفي دقيق.

من زاوية تحررية جذرية يُطرح السؤال: هل كان رفض الشمولية كافياً لتأسيس أفق تحرري حقيقي؟ أم أن التركيز الأحادي على نقد الاستبداد الشرقي والثوري أدى إلى تغييب أشكال أخرى من الهيمنة الناعمة والبنيوية التي تمارسها قوى السوق والأجهزة الإعلامية والدول الديمقراطية ذاتها؟ هنا يبدأ التوتر الأساسي في مشروع الفلاسفة الجدد.

ثالثاً: التحرر المعلن وازدواجية المحمول السياسي

رفع الفلاسفة الجدد راية التحرر من الأيديولوجيات الكبرى ومن وهم الثورة الخلاصية. في ظاهر الأمر بدا هذا الخطاب تحررياً لأنه يستعيد حق الفرد في الوجود خارج السرديات المغلقة، ويفتح المجال لنقد الجرائم باسم المثاليات. غير أن القراءة الجذرية تكشف عن ازدواجية عميقة. فالتحرر الذي بُشر به مال في كثير من الأحيان إلى التماهي مع الليبرالية السياسية والاقتصادية الصاعدة آنذاك، وإلى اعتبار نقد اليسار الأولوية الأخلاقية الوحيدة تقريباً.

هذا الميل جعل بعض أصوات ذلك التيار تبدو أقرب إلى إعادة تموضع داخل الحقل الأيديولوجي الجديد منه إلى مواصلة الشك الجذري في كل أشكال السلطة. فالسلطة لا تُختزل في الدولة الشمولية أو في الحزب الثوري؛ هي تعمل أيضاً عبر الاقتصاد والعلاقات الاجتماعية والمعرفة والإعلام. حين يتركز النقد على شكل واحد من أشكال السيطرة ويتساهل مع أشكال أخرى أو يتجاهلها، يفقد التحرر طابعه الجذري ويتحول إلى تحرر انتقائي.

كما أن الاعتماد الكثيف على الوسائط الإعلامية طرح إشكالية فلسفية حقيقية. فهل يمكن لخطاب يدّعي فضح آليات السيطرة أن يستعين بأدوات الصناعة الإعلامية دون أن يخضع لمنطقها ولشروطها في التبسيط والإثارة وبناء النجومية؟ العلاقة بين الفيلسوف والإعلام في حالة الفلاسفة الجدد لم تكن مجرد استخدام ذكي للأداة، بل ساهمت في إعادة تعريف الفلسفة ذاتها بوصفها أداءً عمومياً سريعاً أكثر مما هي فكر بطيء ومقاوم للسهولة.

رابعاً: العلاقة مع فلاسفة القارة القديمة وإعادة توزيع الشرعية

لم يكن فلاسفة الجيل السابق كتلة واحدة. بينهم من انخرط في نقد الستالينية مبكراً، وبينهم من ظل أقرب إلى الالتزام الثوري، وبينهم من طور أدوات تفكيك السلطة والمعرفة بعيداً عن السرديات الخلاصية. اختزال هذا التنوع في صورة واحدة للخصم سهّل بناء هوية الفلاسفة الجدد بوصفهم البديل الأخلاقي والفكري. غير أنه أضعف إمكان حوار نقدي حقيقي كان يمكن أن يثمر تجاوزاً مركباً للأزمة.

من منظور تحرري جذري يمكن القول إن بعض إنجازات الفلسفة القارية السابقة، خاصة ما تعلق بتحليل آليات السلطة وتاريخية الحقيقة وارتباط المعرفة بالمصالح، ظلت أكثر قدرة على فضح الهيمنة في صورها المتعددة مما قدمه الخطاب الجديد الذي ركز على فضح الشر المطلق في الأنظمة الشمولية. التحرر الجذري لا يكتفي بإدانة المعسكر المقابل؛ هو يسعى إلى تعرية الشروط التي تجعل السيطرة ممكنة في كل معسكر، بما في ذلك المعسكر الذي يرفع شعارات الحرية وحقوق الإنسان.

خامساً: حدود الأفق التحرري وإمكانات الاستعادة النقدية

تكمن أهمية لحظة الفلاسفة الجدد في كونها كسرت صمتاً أو تردداً طويلاً حول جرائم ارتُكبت باسم المثل العليا، وأعادت إلى الواجهة سؤال المسؤولية الأخلاقية للمثقف. هذا مكسب لا يمكن إنكاره. غير أن حدود الأفق الذي فتحوه تظهر في عدة مستويات: الميل إلى الأخلاقية المجردة على حساب التحليل البنيوي، والاعتماد على الإدانة أكثر من إعادة البناء المفاهيمي، والتحول السريع من نقد الثورة إلى نوع من المصالحة مع النظام الليبرالي القائم بوصفه الأقل سوءاً أو الإطار الوحيد الممكن للحرية. المقاربة التحررية الجذرية لا ترفض نقد الشمولية، بل ترفض أن يكون هذا النقد نهاية المطاف. هي تطالب بمواصلة الحفر في أشكال الهيمنة الاقتصادية والثقافية والإعلامية والجنسية والعرقية التي لا تأخذ دائماً صورة المعسكر أو الحزب الواحد.

كما تطالب بالحفاظ على مسافة نقدية تجاه كل خطاب يدّعي تمثيل الحرية وهو متورط في شبكات السلطة الرمزية والمادية لعصره. في هذا الضوء يمكن إعادة قراءة المواجهة بين الفلاسفة الجدد وفلاسفة القارة القديمة لا بوصفها انتصاراً للحرية على الأيديولوجيا، بل بوصفها إعادة توزيع لمواقع الشرعية داخل الحقل الفكري والسياسي الأوروبي في مرحلة تحول رأسمالي وأيديولوجي عميق.

بعض عناصر النقد الذي وجهه الجدد كانت ضرورية ومشروعة، لكن تحويلها إلى سردية خلاصية جديدة أضعف إمكان بناء فكر تحرري مركب قادر على مواجهة تعدد وجوه السيطرة.

خاتمة

تفضي القراءة الجذرية إلى ضرورة تجاوز الثنائية التي فرضتها تلك المرحلة: إما فلاسفة ملتزمون بثورة تحمل بذور الاستبداد، أو فلاسفة جدد يدافعون عن حقوق الإنسان في إطار ليبرالي يتجاهل كثيراً من أشكال اللامساواة والسيطرة. الأفق التحرري الأعمق هو الذي يستفيد من نقد الأوهام الثورية دون أن يسقط في أوهام الحرية الشكلية، ويستفيد من أدوات تفكيك السلطة التي طورتها الفلسفة القارية دون أن يبرر الصمت عن الجرائم، ويحفظ للفكر قدرته على الانتماء إلى معسكر الضحايا أينما كانوا دون أن يتحول إلى أداة في صراع الدول أو المعسكرات. بروز الفلاسفة الجدد كان علامة على أزمة حقيقية وعلى حاجة ملحة لإعادة النظر في علاقة الفلسفة بالسياسة والعنف والمثالية. غير أن قيمة هذه اللحظة اليوم لا تكمن في تكرار سرديتها، بل في مساءلتها جذرياً: أي تحرر كانت تبشر به حقاً؟ وأي أشكال من السلطة أعانت على إخفائها أو تطبيعها؟ فقط عبر هذه المساءلة يمكن استعادة ما كان فيها من جرأة نقدية، وتجاوز ما انطوت عليه من اختزال وتحالفات غير معلنة مع روح العصر الجديد آنذاك. التحرر الجذري لا يكتفي بتغيير الخصم؛ هو يغير طريقة فهم الخصومة ذاتها، ويرفض أن يستبدل سيداً بسيد آخر حتى لو رفع الراية المضادة. فكيف نسير نحو أفق تحرري يتجاوز الثنائية؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

أطروحة 1770 وولادة السؤال النقدي

تحتل أطروحة إيمانويل كانط اللاتينية الصادرة سنة 1770، والمعروفة اختصارًا باسم «الأطروحة الافتتاحية»، موقعًا فريدًا في تطوره الفكري. فهي خاتمة المرحلة السابقة على النقد من جهة، والنواة المباشرة للمشروع الذي سيتبلور في «نقد العقل المحض» سنة 1781 من جهة أخرى . وفيها ينجز كانط قطيعة حاسمة مع التصور اللايبنتزي-الفولفي الذي يردّ الاختلاف بين الحس والعقل إلى اختلاف في درجة الوضوح؛ إذ يجعل الحساسية والفهم مصدرين متمايزين للمعرفة، لكل واحد منهما قوانينه ومجاله وموضوعه صدرت الترجمة العربية تحت عنوان: "شكلانية ومبادئ العالم الحسّي والعقلاني "عن دار أبكالو الطبعة الأولى 2026 من ترجمة: سعاد حمداش. ومراجعة: الزواوي بغورة

تذهب الأطروحة إلى أن الزمان والمكان صورتان قبليتان خالصتان للحساسية الإنسانية، وليسا خاصيتين للأشياء كما توجد في ذاتها ولا مفهومين مستخلصين من التجربة. وبذلك تصبح الضرورة الرياضية ممكنة؛ لأن كل ظاهرة لا بد أن تنتظم سلفًا داخل هاتين الصورتين. ومع ذلك يظل كانط سنة 1770 متمسكًا بإمكان استعمال حقيقي للعقل الخالص يمنح معرفة بالعالم المعقول وبالله والنفس.

يحلل هذا المقال بنية الأطروحة ومفاهيمها المركزية: العالم، والمادة والصورة، والظاهرة والشيء المعقول، والاستعمال المنطقي والاستعمال الحقيقي للفهم، والزمان والمكان، ومبدأ اتصال الجواهر، ومغالطة الاستدخال الميتافيزيقي. كما يقارن بين موقف 1770 وموقف «نقد العقل المحض»، ويبين أن القيمة التاريخية للعمل تكمن في أنه اكتشف ذاتية شروط الظهور قبل أن يكتشف الشروط التي تمنح مفاهيم الفهم صلاحيتها الموضوعية. ومن هنا تبدو الأطروحة جسرًا غير مكتمل: لقد فصلت بين مصدري المعرفة، لكنها لم تفسر بعدُ كيف يتحدان في تجربة واحدة ذات موضوع.

لا تُقرأ أطروحة 1770 بوصفها نصًا تمهيديًا صغيرًا سبق الكتاب النقدي الكبير وحسب؛ فهي اللحظة التي غيّر فيها كانط موضع السؤال الفلسفي. قبلها كان النزاع يدور غالبًا حول ماهية المكان والزمان: أهما موجودان مطلقان كما في القراءة النيوتنية، أم نظام علاقات بين الأشياء كما عند لايبنتز؟ أما في الأطروحة فيتحول السؤال إلى شرط إمكان تمثل الأشياء مكانيًا وزمانيًا لدى ذات بشرية محدودة. وبذلك ينتقل البحث من وصف بنية العالم المفترضة إلى فحص البنية التي تجعل العالم قابلًا للظهور لنا.

لكن الانعطاف لم يكتمل بعد. فإذا كان كانط قد جعل صورة العالم المحسوس ذاتية، فإنه ظل يعتقد أن الفهم الخالص يستطيع أن يتجه إلى الأشياء كما هي وأن يكوّن معرفة إيجابية بالعالم المعقول. لهذا يجمع النص بين حدس نقدي بالغ الخصوبة وبقايا ميتافيزيقا عقلانية قوية. إن توتره الداخلي، لا اتساقه وحده، هو الذي يمنحه قيمته؛ فهو يتيح أن نرى ولادة النقد في أثناء انفصاله التدريجي عن الدوغمائية.

تتمثل الإشكالية في السؤال الآتي: كيف أعاد كانط في أطروحة 1770 توزيع العلاقة بين الحس والعقل؟ وكيف أسس قبلية الزمان والمكان؟ ولماذا ظل هذا التأسيس عاجزًا عن حل مشكلة الصلاحية الموضوعية للمفاهيم العقلية؟

المقال يقوم على فرضية أن الأطروحة أنجزت نصف الثورة النقدية: فقد كشفت أن الحس لا يستقبل عالمًا مكتمل الصورة، وإنما ينظم المعطى وفق صور قبلية؛ لكنها لم تصل بعد إلى أن مفاهيم الفهم لا تنتج معرفة إلا داخل مجال التجربة الممكنة.

أولًا: البيانات التاريخية وموقع الأطروحة في مسار كانط

قدّم كانط هذه الرسالة سنة 1770 عند توليه كرسي المنطق والميتافيزيقا في جامعة كونيغسبرغ، ودافع عنها في الحادي والعشرين من أغسطس، وكان ماركوس هيرتس مشاركًا في المناقشة الأكاديمية. كُتبت باللاتينية وفق تقاليد الرسائل الجامعية، وجاءت في خمسة أقسام وثلاثين فقرة. وتقع في طبعة الأكاديمية ضمن المجلد الثاني، في الصفحات 385–419، ولذلك يُشار إليها عادة بصيغة AA 2 متبوعة برقم الصفحة.

سبق الأطروحة مسار طويل اشتغل فيه كانط بالطبيعة والكون والقوة والمكان. ففي بحثه عن الاتجاهات في المكان سنة 1768 وجد في ظاهرة اليدين اليمنى واليسرى، المتشابهتين تمامًا وغير القابلتين للتطابق، ما يصعب تفسيره عبر العلاقات المفهومية وحدها. وقد صار هذا المثال في أطروحة 1770 حجة على أن المكان حدس مفرد سابق على المفاهيم، وأن معرفة الاختلاف المكاني تحتاج إلى حضور حدسي لا يستطيع التحليل المنطقي أن يستنفده.

ولا تعني أهمية سنة 1770 أن كانط صار نقديًا بالمعنى الناضج دفعة واحدة. فبين الرسالة و«نقد العقل المحض» يمتد ما يسمى عادة بالعقد الصامت، وهو زمن إعادة بناء المشروع. وفي رسالة شهيرة إلى هيرتس في 21 فبراير 1772 أقرّ كانط بأنه لم يفسر في الأطروحة كيف يمكن لتمثل عقلي، لا ينتج عن تأثر الذهن بالشيء، أن يتعلق مع ذلك بموضوع. كان هذا السؤال، أي أساس مطابقة التمثل القبلي للموضوع، المدخل إلى مشكلة الاستنباط الترانسندنتالي للمقولات.

تأتي الأطروحة، إذن، في نقطة فاصلة من تطور كانط. فهي من ناحية ما تزال تستعمل مفردات الميتافيزيقا المدرسية، مثل الجوهر والعلة والكل والكمال والموجود الضروري؛ ومن ناحية أخرى تبدأ في تحويل وظيفة الفلسفة من بناء نسق عن الموجودات إلى فحص مصادر التمثلات وحدود صلاحيتها.

ثانيًا: بنية الكتاب وخطته الحجاجية

لا يتقدم النص من نظرية المعرفة إلى الميتافيزيقا في خط مستقيم؛ بل يبدأ بمفهوم العالم، ثم يعود إلى شروط معرفته، وبعد ذلك يميز صورة العالم المحسوس من مبدأ العالم المعقول، وينتهي بمنهج يمنع خلط المجالين.

يبحث القسم الأول، الذي يضم الفقرتين الأولى والثانية، في فكرة العالم بوجه عام. ويعرّف العالم بوصفه كلًا لا يكون جزءًا من كل أكبر، ثم يحلل مادته وصورته وكليته.

ويتناول القسم الثاني، الممتد من الفقرة الثالثة إلى الفقرة الثانية عشرة، التمييز بين المحسوس والمعقول. وفيه يفصل كانط الحساسية عن الفهم، ويعرّف الظاهرة والنومين، ويميز بين الاستعمال المنطقي والاستعمال الحقيقي للعقل.

أما القسم الثالث، الممتد من الفقرة الثالثة عشرة إلى الخامسة عشرة، فيبحث في صورة العالم المحسوس، ويقيم الحجج على أن الزمان والمكان حدسان قبليان خالصان وقانونان ذاتيان لكل ظهور ممكن.

وينتقل القسم الرابع، من الفقرة السادسة عشرة إلى الثانية والعشرين، إلى مبدأ العالم المعقول، باحثًا عن الأساس الموضوعي لاتصال الجواهر ووحدة العالم، ليرد هذه الوحدة إلى علة مشتركة.

ويختتم القسم الخامس، من الفقرة الثالثة والعشرين إلى الثلاثين، البحث بمناقشة منهج الميتافيزيقا وتشخيص المغالطة التي تنشأ عن نقل شروط الحس إلى الأشياء المعقولة.

تكشف هذه الخطة أن المسألة المحورية لا تتمثل في تعداد موجودات عالمين منفصلين، وإنما في تعيين نوعين من المبادئ: مبادئ ذاتية تشكل كيفية ظهور الأشياء للحس، ومبادئ يدّعي كانط سنة 1770 أنها موضوعية وتفسر اتصال الأشياء في ذاتها. ومن هذه الثنائية ينشأ نجاح الأطروحة وحدّها في آن واحد.

ثالثًا: مفهوم العالم بين الكل والتركيب

يفتتح كانط الرسالة بتعريف العالم على أنه كل لا يكون جزءًا من كل آخر. وكما ينتهي تحليل المركب الجوهري إلى البسيط، تنتهي عملية تركيب الأجزاء إلى كلية نهائية هي العالم. ولا يُراد بالعالم هنا كوكب أو مجموع ما وقع تحت الملاحظة، وإنما كلية الجواهر التي تتبادل علاقات التنسيق، بحيث تكون كل واحدة منها محدِّدة ومتحددة داخل نسق واحد.

يميز التحليل ثلاثة عناصر في مفهوم العالم. المادة هي الجواهر التي تؤلفه، والصورة هي تنسيق تلك الجواهر واتصالها المتبادل، لا خضوع بعضها لبعض في سلسلة علة ومعلول، ثم تأتي الكلية التي تجعل المجموع واحدًا تامًا لا مجرد حشد. وهذه التفرقة بين المادة والصورة ستتكرر على مستوى التمثل الحسي: فالإحساس يمنح المادة، وقانون الذهن يمنح الصورة.

ويظهر منذ البداية اختلاف بين ما يستطيع العقل تصوره وما يستطيع الحس تمثله في حدس متعين. يستطيع العقل أن يفكر في كل مركب بوصفه مؤلفًا من أجزاء، وفي العالم بوصفه كلية؛ لكن الخيال الحسي لا يستطيع إتمام تركيب عدد غير متناهٍ من الأجزاء داخل زمن محدود. لذلك لا تساوي عدم القدرة على العرض الحسي الاستحالة العقلية.

تمثل هذه الفكرة نواة مبكرة لما سيصبح لاحقًا تعارضات العقل في «نقد العقل المحض». فالنزاع ينشأ حين تُعامل شروط التمثل المتعاقب كما لو كانت شروطًا لوجود العالم في ذاته. عجز الخيال عن إتمام سلسلة غير متناهية لا يبرهن بذاته على أن العالم متناهٍ، كما أن قدرة العقل على تصور استمرار الانقسام لا تقدم حدسًا مكتملًا للامحدود.

يتضح هنا أن مفهوم العالم يؤدي وظيفتين. فهو مفهوم ميتافيزيقي يدل على وحدة الموجودات، ومشكلة معرفية تكشف محدودية ملكاتنا. العالم بوصفه كلية يمكن أن يكون موضوعًا للعقل، لكنه لا يُعطى للحس دفعة واحدة. ومن ثم فإن المسافة بين التفكير في الكل وحدسه ستبقى مصدرًا دائمًا للأوهام الكوسمولوجية.

رابعًا: القطيعة مع اختزال الحس إلى فكر غامض

1. الحساسية والفهم مصدران مختلفان

يعرف كانط الحساسية بأنها قابلية الذات لأن تتأثر حالتها التمثيلية بحضور موضوع، ويعرف العقل أو الفهم بأنه قدرة الذات على تمثل ما لا يستطيع، بحسب صفته، أن يدخل في الحواس. موضوع الحس هو المحسوس أو الظاهرة، وموضوع العقل الخالص هو المعقول أو النومين. ووفق هذا التعريف لا يكون الحس عقلًا ضعيفًا، ولا يكون العقل حسًا شديد الوضوح؛ إنهما نمطان مختلفان في أصل التمثل وقانونه.

كان المذهب اللايبنتزي-الفولفي يميل إلى اعتبار الفرق بين المعرفة الحسية والعقلية فرقًا منطقيًا في الوضوح والتميّز. تكون المعرفة حسية عندما تكون غامضة أو مختلطة، وتصير عقلية حين تصبح واضحة ومتميزة. يعترض كانط بأن التمثل الحسي قد يكون بالغ التميّز، كما في الهندسة، بينما قد تكون المفاهيم الميتافيزيقية شديدة الالتباس.

المعيار الحقيقي للتمييز بين الحس والعقل هو مصدر التمثل، لا درجة وضوحه. وهذه الحجة تهدم تصورًا طبقيًا للمعرفة يجعل الصعود من الحس إلى العقل مجرد تنقية متزايدة للمحتوى نفسه. فالاختلاف بينهما اختلاف في النوع: الحس يستقبل موضوعه بحسب كيفية تأثر الذات، بينما يفكر الفهم بواسطة مفاهيم عامة.

2. مادة التمثل الحسي وصورته

في كل تمثل حسي مادة وصورة. مادته هي الإحساس الذي يشهد بتأثير شيء في الذات، أما صورته فهي القانون الذي ينسق تعدد الانطباعات في هيئة قابلة للظهور. ولا ترسم الصورة نسخة من الشيء، ولا تأتي إلى الذهن كإحساس إضافي؛ إنها مبدأ داخلي ثابت يجعل الانفعالات المتفرقة تتآلف في تمثل واحد.

يفتح هذا التمييز طريقًا ثالثًا بين واقعية ساذجة تعتبر الإدراك استنساخًا مباشرًا للشيء، ومثالية نفسية تجعل التجربة وهمًا خاصًا. فالظاهرة مرتبطة ببنية الذات، لكنها ليست اختراعًا اعتباطيًا؛ ثمة شيء يؤثر فينا، وثمة قوانين مشتركة وثابتة لتنظيم أثره. لذلك يستطيع كانط القول إن معرفتنا بالظواهر معرفة حقيقية، لأن الموضوع كما يظهر والحكم عليه يخضعان للشروط نفسها.

ومن هنا تتضح دلالة «الصورة» وليس "شكلانية" كما في الترجمة في عنوان الأطروحة. فصورة العالم لا تعني هيئته الخارجية المرئية فقط، وإنما مبدأ التنسيق الذي يجعل تعدد الموجودات أو تعدد الانطباعات يظهر في صورة كل مترابط. الصورة هي شرط الوحدة، سواء تعلق الأمر بوحدة العالم المعقول أو بوحدة المجال الحسي.

3. الاستعمال المنطقي والاستعمال الحقيقي للفهم

يميز كانط استعمالين للفهم. في الاستعمال المنطقي يرتب الفهم تمثلات معطاة من أي مصدر، فيعمم ويقارن ويخضع الجزئي للكلي وفق مبدأ عدم التناقض. وهذا الاستعمال لا يغير أصل المعرفة؛ فالمفهوم التجريبي يظل حسيًا مهما ارتفعت درجة تجريده.

أما الاستعمال الحقيقي فيُفترض أنه يمنح، من طبيعة الفهم نفسها، مفاهيم خالصة مثل الإمكان والوجود والضرورة والجوهر والعلة. ولا تكون هذه المفاهيم، بحسب موقف 1770، مجرد طرائق لترتيب الظواهر، وإنما وسائل لتمثل الأشياء كما هي في ذاتها.

لهذه الثنائية أثر بالغ. فهي تمنع، من جهة أولى، الخلط بين التجريد من التجربة والمفهوم القبلي. فكون المفهوم عامًا لا يجعله عقلي الأصل؛ قد يكون مفهومًا تجريبيًا جرى تعميمه. وهي، من جهة ثانية، تمنح الفهم في الأطروحة حقًا إيجابيًا في معرفة المعقول.

هنا تحديدًا ستقع المراجعة النقدية اللاحقة. سيحتفظ كانط بالمفاهيم القبلية، لكنه سيعيد تفسير وظيفتها بوصفها شروطًا لتوحيد معطيات الحس في موضوع تجربة، لا نوافذ تكشف جواهر مستقلة عن كل تجربة.

4. حدود الحدس الإنساني

يقرر كانط أن الإنسان لا يمتلك حدسًا عقليًا. معرفتنا الحدسية انفعالية: لا تدرك موضوعًا مفردًا إلا حين تتأثر به، وتظل محكومة بصور الحس. أما المفاهيم العقلية فمعرفتنا بها رمزية وخطابية وعامة.

ويقابل كانط الحدس الإنساني بحدس إلهي نموذجي يكون علة لموضوعاته، لا نتيجة لتأثره بها. فالإله، في التصور الكانطي لهذه المرحلة، لا ينتظر أن يؤثر فيه الشيء كي يدركه؛ بل يكون إدراكه الأصلي متصلًا بإيجاد الموضوع نفسه.

تضع هذه المقابلة تناهي الإنسان في قلب النظرية. الذات البشرية لا تخلق مادة وجود الأشياء، لكنها تسهم في صورة ظهورها. ومحدوديتها ليست نقصًا طارئًا يمكن أن يزول بزيادة المعلومات، وإنما بنية تحدد معنى الموضوع الممكن لها. ولهذا ستكون فكرة العقل البشري المحدود أساس التمييز اللاحق بين التفكير في الشيء في ذاته ومعرفته.

خامسًا: الزمان بوصفه الصورة الأولى للعالم المحسوس

يعرض كانط في الفقرة الرابعة عشرة سلسلة حجج ستنتقل، بعد تعديلها، إلى الاستطيقا الترانسندنتالية في «نقد العقل المحض».

أولًا/لا ينشأ مفهوم الزمان من تعاقب الوقائع؛ لأن فهم التعاقب نفسه يفترض سلفًا التمييز بين «قبل» و«بعد». التجربة توقظ استعمال الزمان، لكنها لا تنتجه بالتجريد. فلكي نلاحظ أن حدثًا أعقب حدثًا آخر، يجب أن يكون لدينا مسبقًا الإطار الذي يجعل التقدم من السابق إلى اللاحق قابلًا للتمثل.

ثانيا/ الزمان تمثل مفرد. الأزمنة المختلفة ليست أفرادًا مستقلة تندرج تحت مفهوم عام يسمى الزمان، وإنما أجزاء أو تحديدات من زمان واحد غير محدود. العلاقة بين الزمان والأزمنة الجزئية تشبه العلاقة بين الفضاء الواحد والأمكنة الجزئية؛ الكل يسبق أجزاءه من حيث إمكان التمثل.

ثالثا/ يترتب على مفردية الزمان أنه حدس خالص لا مفهوم خطابي. المفهوم العام يحتوي أفرادًا تحته، أما الحدس فيحتوي أجزاءه فيه. حين نفكر في «إنسان» بوصفه مفهومًا عامًا، لا يكون الأفراد أجزاء مادية منه؛ أما اللحظات الزمنية فتوجد داخل زمان واحد بوصفها تحديدات له.

رابعا/ الزمان مقدار متصل. اللحظات ليست أجزاء بسيطة تؤلفه بالطريقة التي تؤلف بها الحبات كومة، وإنما حدود داخل استمراره. ومن هذه الاستمرارية يستمد كانط قانون اتصال التغير: فالانتقال بين حالتين متضادتين يمر بسلسلة وسطى من الحالات.

خامسا/ الزمان غير موضوعي بالمعنى الميتافيزيقي. فهو ليس جوهرًا قائمًا بنفسه، ولا عرضًا قائمًا في الأشياء، ولا علاقة مستخرجة من تعاقب حالاتها. إنه شرط ذاتي ضروري لتنسيق كل ما يقع تحت الحس.

ينتقد كانط بذلك تصورين متعارضين. ينتقد تصور الزمان بوصفه مجرى مطلقًا قائمًا حتى لو لم توجد أحداث، وينتقد في الوقت نفسه رده اللايبنتزي إلى علاقات التعاقب؛ لأننا لا نستطيع تعريف التعاقب من دون افتراض الزمان.

لكن مثالية الزمان لا تسلبه الحقيقة التجريبية. فما دام كل حدث يمكن أن يظهر لنا لا بد أن يخضع لقانون الحس الزماني، فإن قضايا الزمان صادقة بالضرورة في كامل مجال الظواهر الممكنة. هنا يولد البناء الذي سيُصاغ لاحقًا بعبارتي «المثالية الترانسندنتالية» و«الواقعية التجريبية»: الزمان لا يصف الأشياء في ذاتها، لكنه صالح بصورة كلية وضرورية لكل ما يمكن أن يكون موضوع خبرة بشرية.

وتحتوي الأطروحة على صياغة انتقالية دقيقة؛ إذ يشير كانط إلى أن الزمان والمكان «مكتسبان» من فعل الذهن حين تنبهه الإحساسات، لكنهما غير مستخلصين منها، وأن الفطري هو قانون النفس الذي ينسق الانطباعات. يريد كانط تفادي نظرية الأفكار الفطرية الجاهزة، غير أن هذه اللغة تترك توترًا بين قبلية الصورة وبين اكتساب تمثلها. وسيصبح الحديث في «نقد العقل المحض» أكثر تركيزًا على كونهما صورتين قبليتين للحساسية.

سادسا/ المكان والهندسة وحدود المفهوم

يبدأ برهان المكان من أولوية الموضع على الإدراك الخارجي: لا أستطيع تمثل شيء خارجًا عني إلا بوضعه في مكان مختلف عن مكاني، ولا أستطيع تمثل أشياء خارج بعضها إلا في فضاء يسبق علاقاتها. لذلك لا تخلق الأحاسيس الخارجية مفهوم المكان، وإنما تفترضه.

والمكان، مثل الزمان، تمثل مفرد يحتوي الأمكنة الجزئية في داخله. ليست الأمكنة أفرادًا مستقلة يجمعها مفهوم كلي، وإنما تحديدات وحدود في فضاء واحد. ولهذا يعدّه كانط حدسًا خالصًا.

وتقدم الهندسة الشاهد الأوضح على طبيعة هذا الحدس. فقضايا مثل إمكان رسم خط مستقيم واحد بين نقطتين أو القول بأبعاد المكان الثلاثة لا تُستنبط من تحليل مفهوم عام للمكان، وإنما تُرى في بناء حدسي. الضرورة الهندسية، وفق كانط، لا تأتي من تكرار الملاحظة، لأن الملاحظة لا تمنح سوى عمومية احتمالية، بينما تزعم الهندسة ضرورة كلية.

ويستخدم كانط الأجسام المتشابهة غير المتطابقة، وفي مقدمتها اليد اليمنى واليد اليسرى، لإظهار قصور الوصف المفهومي. يمكن أن تتساوى العلاقات الداخلية بين أجزاء اليدين، ومع ذلك يستحيل أن تشغل إحداهما موضع الأخرى من دون انعكاس. الفرق بينهما اتجاهي ولا يُستخرج من صفات مفهومية عامة؛ إنه يُدرك داخل حدس الفضاء.

ومن هنا يكتسب المكان سلطة معرفية لا تختزل إلى منطق العلاقات. يمكن للعقل أن يقدم وصفًا مطابقًا لكل جزء في اليدين، لكنه لا يفسر اختلاف اتجاههما. لا يُعطى اليمين واليسار بواسطة مفهوم مجرد، وإنما عبر وضع الجسم داخل المجال المكاني الكلي.

يرفض النص تصورين متنافسين. التصور النيوتني يجعل المكان وعاءً مطلقًا لا نهائيًا قائمًا حتى لو لم توجد أشياء، والتصور اللايبنتزي يجعله علاقة بين أشياء موجودة. يرى كانط أن الأول يحول علاقة بلا أطراف إلى كيان غامض، بينما يجعل الثاني يقين الهندسة تابعًا للاستقراء التجريبي.

البديل الكانطي هو مكان ذو بنية كلية وضرورية، لكنه مثالي وذاتي من حيث منشؤه؛ إنه الإطار الذي تضفيه الحساسية على كل إدراك خارجي. وهكذا يحتفظ كانط من نيوتن بوحدة الفضاء وأسبقيته على العلاقات الجزئية، ويحتفظ من لايبنتز برفض تحويله إلى جوهر مستقل، ثم يعيد تأسيسه بوصفه صورة للحساسية.

ولا تعني «الذاتية» أن لكل فرد فضاءه الخاص، ولا أن المكان خيال يمكن تغييره بإرادة نفسية. المراد أن صلاحيته مشروطة بنمط الحساسية البشرية، وأن ضرورته تنبع من ثبات هذا النمط. ونتيجة ذلك أن الطبيعة، بقدر ما تظهر للحس، توافق الهندسة؛ فالذهن لا يفرض قوانين اعتباطية على مادة صامتة، وإنما لا يستطيع استقبال موضوع خارجي أصلًا إلا ضمن البنية التي تجعل العلاقات الهندسية ممكنة.

سابعا/ العالم المعقول ومبدأ اتصال الجواهر

إذا كان العالم المحسوس يستمد صورته من قانون ذاتي للتنسيق، فإن العالم المعقول يحتاج، بحسب كانط سنة 1770، إلى مبدأ موضوعي يفسر لماذا تدخل جواهر متعددة في اتصال متبادل فتؤلف عالمًا واحدًا.

لا يكفي وجود الجواهر منفردة كي تنشأ بينها علاقات. فالعلاقة بين العلة ومعلولها قد تكون علاقة تبعية أحادية، بينما صورة العالم تتطلب تأثيرًا متبادلًا بين أجزائه. العالم ليس مجرد مجموعة موجودات، وإنما نسق تتحدد عناصره من خلال ارتباطها بعضها ببعض.

يقرر كانط أن العالم لا يتألف من جواهر ضرورية؛ لأن الموجود الضروري قائم بذاته ولا يعتمد في حالاته على غيره. مكونات العالم، إذن، موجودات ممكنة أو حادثة، وتقوم وحدتها على اعتمادها جميعًا على علة مشتركة واحدة.

هذه العلة خارج العالم، لا بوصفها موجودًا يشغل مكانًا وراء حدوده، وإنما لأنها ليست جزءًا داخل شبكة الاعتماد المتبادل. وهي خالق مادة العالم ومنشئ صورته في آن واحد: تمنح الجواهر وجودها وتؤسس إمكان دخولها في اتصال متبادل.

يناقش النص ثلاثة تصورات لاتصال الجواهر: التأثير الفيزيائي الحقيقي، والانسجام السابق التأسيس، والمناسبية. ويفضل كانط صورة معدلة من التأثير الحقيقي، حيث تؤسس العلة المشتركة إمكان التبادل بين الجواهر، لكنه يعترف بأن البرهان غير مكتمل.

تكشف هذه الصفحات مقدار ما بقي في الأطروحة من الميتافيزيقا العقلانية. فالله يؤدي وظيفة أنطولوجية تفسر وحدة العالم المعقول، لا وظيفة تنظيمية لفكرنا وحسب. ولا يقف العقل هنا عند حد التفكير في إمكان العلة الأولى، وإنما معرفة دورها في بناء نسق الموجودات.

ويقترح كانط في هامش تأملي أن المكان يمكن أن يسمى «الحضور الكلي الظاهري» للعلة الأولى، والزمان «أبديتها الظاهرية»، ثم يتراجع بحذر عن هذا المسار القريب من مالبرانش. وتبين هذه اللغة أن ذاتية الزمان والمكان لم تُفهم بعد ضمن نظرية متكاملة لتكوين الخبرة، وأن كانط كان ما يزال يبحث عن جسر لاهوتي بين شروط الحس وبنية الموجودات.

ثامنًا: منهج الميتافيزيقا ومغالطة الاستدخال

القسم الخامس هو أكثر أجزاء الرسالة اقترابًا من الروح النقدية. ففي الرياضيات والطبيعيات يتشكل المنهج بعد تراكم الممارسة؛ لأن مبادئها معطاة في حدس خالص أو تجريبي. أما الميتافيزيقا، حيث يدّعي العقل أنه يمنح المفاهيم والمبادئ من ذاته، فينبغي أن يسبق المنهج العلم؛ إذ لا توجد تجربة خارجية تصحح انتقالاته.

لذلك تصبح مراقبة حدود الملكات شرطًا لإمكان الميتافيزيقا، لا ملحقًا بها. قبل أن نستعمل مفهومًا ما، ينبغي أن نحدد مصدره: هل جاء من الحس؟ أم من الفهم؟ وفي أي مجال تصح أحكامه؟

يسمي كانط الخطأ الرئيس «مغالطة الاستدخال الميتافيزيقي». والمقصود بها تمرير شرط ذاتي للمعرفة الحسية على أنه محمول موضوعي للأشياء المعقولة. فإذا كان كل ما يمكننا حدسه يظهر في مكان وزمان، فلا يلزم من ذلك أن كل موجود ممكن في ذاته مكاني وزماني.

الخطأ لا يكمن في استعمال الزمان والمكان داخل الخبرة، وإنما في توسيع نطاق صلاحيتهما من الظاهرة إلى الوجود بإطلاق. إننا نعرف أن كل موضوع حسي ممكن لنا يخضع لهما، لكننا لا نملك الحق في القول إن كل موجود، بصرف النظر عن علاقته بالحساسية الإنسانية، يجب أن يخضع لهما.

يرد كانط صور المغالطة إلى أنماط متعددة. ففي النمط الأول يتحول شرط إمكان حدس الموضوع إلى شرط لإمكان الموضوع نفسه. ومن أمثلته القول إن كل موجود يوجد في مكان وزمان، وما يترتب عليه من سؤال عن موضع النفس أو عن حضور الله المكاني.

وفي النمط الثاني يتحول شرط مقارنة المعطيات وبناء مفهوم إلى شرط إمكان الشيء. ومن أمثلته توهم أن كل كثرة فعلية قابلة للعد، أو أن كل ما لا يتناقض منطقيًا ممكن واقعيًا. عدم التناقض شرط منطقي ضروري، لكنه لا يكفي وحده لإثبات الإمكان الحقيقي.

وفي النمط الثالث يتحول شرط التعرف التجريبي على انطباق مفهوم إلى شرط وجود موضوعه. ومن أمثلته الاستدلال من أن ما لم يوجد في وقت ما حادث إلى أن كل حادث يجب أن يكون قد سبقه زمان لم يكن موجودًا فيه. مثل هذا الحكم قد يصح على الأشياء الواقعة داخل الخبرة الزمنية، لكنه لا يطبق تلقائيًا على كل موجود ممكن.

يميز كانط أيضًا «مبادئ الملاءمة» التي يتبعها العقل لأن التخلي عنها يعطل البحث، لا لأنها حقائق أنطولوجية مثبتة. ومن ذلك افتراض انتظام الطبيعة، والاقتصاد في المبادئ، وثبات المادة عبر التغيرات.

تمهد هذه المبادئ لفكرة الاستعمال التنظيمي للعقل. إنها توجه الاستقصاء نحو الوحدة والنظام، لكن فائدتها المنهجية لا تكفي لإثبات أن الواقع في ذاته مطابق لها. نجاح مبدأ ما في تنظيم المعرفة لا يعني بالضرورة أنه وصف كامل لبنية الموجود المستقل عن المعرفة.

بهذا القسم يقترب كانط من معنى النقد بوصفه محكمة للحدود. العقل لا يُدان لأنه يطلب الكلي وغير المشروط، وإنما لأنه ينسى المصدر الذي منح تمثلاته صلاحيتها. تصبح الميتافيزيقا علمًا ممكنًا فقط حين تميز بين ما يخص موضوع الخبرة، وما يخص طريقة حضوره للذات، وما يمكن التفكير فيه دون أن يكون قابلًا للمعرفة.

تاسعًا: حوار الأطروحة مع أفلاطون ولايبنتز ونيوتن وفولف

1. العنصر الأفلاطوني

يستعيد كانط التمييز القديم بين الظاهرة والنومين، ويمنح المثال العقلي وظيفة معيارية. فالكمال النوميني الأقصى هو مقياس درجات الواقع؛ ويتمثل نظريًا في الله، وعمليًا في الكمال الأخلاقي.

ويرفض كانط تأسيس الحكم الأخلاقي على اللذة والألم، مؤكدًا أن مبادئ الأخلاق تُعرف بالعقل الخالص. هذا هو الجانب الأفلاطوني الذي سيبقى منه لاحقًا استقلال المعيار الأخلاقي، بينما ستُقيد دعوى المعرفة النظرية بالعالم المعقول.

2. نقد لايبنتز وفولف

تتمثل القطيعة الأعمق مع المدرسة العقلانية في رفض جعل الحس معرفة عقلية مشوشة. لا يمكن الوصول من الظاهرة إلى النومين بمجرد إزالة الغموض؛ لأن لكل منهما مصدرًا وقانونًا مختلفين.

كذلك ينتقد كانط رد المكان والزمان إلى علاقات بين الأشياء، ويرى أن هذا الرد يهدد الضرورة الرياضية. فإذا كانت العلاقات المكانية مستخرجة من ملاحظة الأشياء، فلن تمنحنا إلا معرفة تجريبية قابلة للتعديل، بينما تطالب الهندسة بضرورة سابقة على التجربة.

ومع ذلك يحتفظ كانط بمفردات الجواهر والإمكان والضرورة والعلة، ويستبقي الاعتقاد بأن الفهم الخالص يفتح طريقًا إلى ميتافيزيقا خاصة. ولهذا لا تكون الأطروحة قطيعة مكتملة مع العقلانية، وإنما إعادة بناء داخلها.

3. تجاوز البديل النيوتني

لا يعود كانط إلى نيوتن ببساطة. فهو يستفيد من فكرة وحدة المكان وبنيته السابقة على العلاقات الجزئية، لكنه يرفض وجوده كوعاء مطلق مستقل عن الذهن.

يمكن وصف موقف 1770 بأنه يجمع بنية قريبة من الإطلاق الرياضي مع مثالية من حيث الاعتماد على الذات. وهذا التركيب هو الذي يسمح لكانط بحفظ يقين الهندسة مع تفادي تحويل المكان إلى جوهر أو محمول قائم بذاته.

4. أثر الميتافيزيقا المدرسية

تظل لغة النص مشبعة بقاموس باومغارتن وفولف: الجوهر، والكل، والبسيط، والممكن، والضروري، والكمال. غير أن كانط ينقل الثقل من ترتيب المفاهيم إلى نقد مصدرها.

لم تعد سلامة التعريف ومبدأ عدم التناقض كافيين؛ فالسؤال هو: من أي ملكة صدر التمثل؟ وفي أي مجال يملك صلاحية؟ بهذا التحول تبدأ الفلسفة الترانسندنتالية داخل جهاز اصطلاحي لم تتحرر منه بعد.

عاشرًا: من أطروحة 1770 إلى «نقد العقل المحض»

يمكن قياس المسافة بين النصين من خلال بيان ما احتفظ به كانط، وما أعاد بناءه، وما تخلى عنه.

1. الحس والفهم

في أطروحة 1770 يظهر الحس والفهم بوصفهما مصدرين متغايرين يتجه كل منهما، في الأصل، إلى مجال مختلف: الحس إلى الظواهر، والفهم إلى الأشياء المعقولة.

أما في «نقد العقل المحض» فيصبحان مصدرين متغايرين لا تنتج المعرفة إلا من اتحادهما داخل التجربة الممكنة. الحس يمنح المعطى، والفهم يوحده بواسطة المفاهيم. الحدس من دون مفهوم يظل غير موحد، والمفهوم من دون حدس يظل خاليًا من الموضوع.

2. الزمان والمكان

في 1770 يُقدَّم الزمان والمكان بوصفهما حدسين خالصين ذاتيين وصورتي العالم المحسوس.

وفي الموقف النقدي الناضج يصبح المكان صورة الحس الخارجي، بينما يكون الزمان صورة الحس الداخلي والشرط الأعم لكل الظواهر. ويصفهما كانط بأنهما مثاليان ترانسندنتاليًا وواقعيان تجريبيًا: لا يصفان الأشياء في ذاتها، لكنهما صالحان لكل موضوع يمكن أن يظهر لنا.

3. المفاهيم الخالصة

تفترض الأطروحة استعمالًا حقيقيًا للفهم يتيح تصورًا إيجابيًا للنومينات. مفاهيم الجوهر والعلة والضرورة، وفق هذا الموقف، تستطيع أن تتجه إلى الأشياء المعقولة نفسها.

أما «نقد العقل المحض» فيحول هذه المفاهيم إلى مقولات لا تملك صلاحية معرفية إلا بتطبيقها على معطى حسي ممكن. لا تستطيع المقولات أن تنتج معرفة بشيء يقع خارج كل تجربة؛ لأنها لا تمنح الموضوع، وإنما توحد ما تقدمه الحساسية.

4. النومين

يظهر النومين في أطروحة 1770 بوصفه موضوعًا يمكن أن يمثله الفهم باعتباره الشيء كما هو، مستقلًا عن شروط الحس.

أما في الفلسفة النقدية فيتحول النومين إلى مفهوم حدي يقيّد دعوى الحس. يمكن التفكير في الشيء في ذاته من حيث إنه غير مستنفد بظهوره، لكن لا يمكن تكوين معرفة نظرية إيجابية به؛ لأن المعرفة البشرية تحتاج إلى حدس، وحدسنا حسي.

5. الله والعالم

تجعل الأطروحة العلة المشتركة أساس اتصال الجواهر ووحدة العالم المعقول. ويدخل الله داخل البرهان الميتافيزيقي بوصفه مبدأ أنطولوجيًا يفسر مادة العالم وصورته.

أما في «نقد العقل المحض» فتصبح أفكار الله والنفس والعالم أفكارًا للعقل لا تمنح معرفة نظرية بأشياء متعالية. يكون لها استعمال تنظيمي يدفع المعرفة نحو الوحدة، ويظهر لها لاحقًا الدور العملي.

6. مشكلة الموضوعية

لا تتضمن أطروحة 1770 استنباطًا يفسر كيف يطابق المفهوم القبلي موضوعًا مستقلًا عنه. وهي تفترض أن المفاهيم العقلية تكشف الأشياء كما هي، من دون بيان أساس هذه المطابقة.

أما الاستنباط الترانسندنتالي في «نقد العقل المحض» فيربط المقولات بوحدة الوعي وشروط إمكان الخبرة. تكون المقولات صالحة موضوعيًا لأن أي شيء يمكن أن يكون موضوعًا لنا يجب أن يخضع لوظائف التركيب التي تؤسس وحدة التجربة.

7. الخيال والتركيب

يظل دور الخيال والتركيب في أطروحة 1770 جزئيًا وغير منظم داخل نظرية موحدة.

وفي الموقف النقدي تصبح عمليات التركيب والمخيلة والوحدة الأصلية للإدراك الذاتي شروطًا لتكوّن موضوع الخبرة. الموضوع ليس معطى مكتملًا تستقبله الذات، وإنما وحدة تتشكل من خلال تركيب المتعدد وفق قواعد الفهم.

التحول الأهم، إذن، أن كانط لم يعد يقسم المعرفة بين عالمين مفتوحين لكل من الحس والفهم، بل جعل الحس والفهم وظيفتين متكاملتين في معرفة عالم الظواهر. وبذلك تنتقل المقولات من وصف الأشياء المعقولة إلى تأسيس موضوعية الخبرة.

أما الشيء في ذاته فلا يختفي؛ إنه يذكّر بأن الظاهرة ليست الواقع كما يمكن أن يكون مستقلًا عن شروط حساسيتنا. لكنه لا يعود موضوع معرفة نظرية إيجابية. لذلك ينبغي الحذر من القول إن كانط الناضج يثبت وجود عالمين منفصلين بالطريقة نفسها التي توحي بها أطروحة 1770؛ فكثير من القراءات ترى التمييز النقدي تمييزًا بين طريقتين في اعتبار الشيء، وإن ظلت المسألة موضع خلاف تفسيري.

تكشف رسالة هيرتس سنة 1772 سبب هذا التحول. فإذا لم تكن المفاهيم الخالصة آثارًا سببية للأشياء في الذهن، وإذا لم يكن الفهم البشري يخلق موضوعاته كالفهم الإلهي، فمن أين تأتي مطابقتها للموضوع؟

جواب «نقد العقل المحض» سيكون أن الموضوع القابل للخبرة نفسه لا يتحدد إلا وفق وظائف التركيب والمقولات. لا تُفسر المطابقة بنسخ الذهن لشيء جاهز، وإنما ببيان الشروط التي لا يكون من دونها شيء ما موضوعًا لنا أصلًا.

الحادي عشر: القيمة الإبستمولوجية للأطروحة

أول إنجاز إبستمولوجي للأطروحة هو إعادة تعريف الموضوعية. الموضوعية ليست خروجًا سحريًا من الذات، وإنما صلاحية مشتركة وضرورية داخل الشروط التي تجعل الموضوع ظاهرًا. وحين تكون صورة الحس ثابتة وكلية، تخضع لها كل ظاهرة ممكنة، فتكتسب القضايا الرياضية ضرورة لا يوفرها التعميم الاستقرائي.

والإنجاز الثاني هو تحرير الحس من مرتبة النقص. للحساسية نظام إيجابي ومحتوى لا يستطيع المفهوم تعويضه. يمكن للفكر أن يصف اليدين اليمنى واليسرى بالصفات نفسها، لكن الحدس المكاني يكشف اختلافًا لا يلتقطه الوصف. بذلك يمنح كانط للحدس دورًا معرفيًا أصيلًا، وهو ما سيصبح لاحقًا أساس القول إن المعرفة الإنسانية تحتاج دائمًا إلى إعطاء الموضوع وإلى التفكير فيه معًا.

والإنجاز الثالث هو تأسيس فلسفة للحدود. إن عبارة «لا نستطيع تمثل شيء إلا زمانيًا ومكانيًا» لا تساوي عبارة «كل شيء في ذاته زماني ومكاني». يفصل كانط بين ضرورة تخص بنيتنا المعرفية وضرورة تخص الوجود نفسه.

هذه المسافة هي أصل المنهج الترانسندنتالي: تحليل ما يجب أن يكون صادقًا قبليًا عن خبرتنا، من غير تحويله مباشرة إلى أنطولوجيا مطلقة. فالفلسفة الترانسندنتالية لا تسأل أولًا عما تكون عليه الأشياء في ذاتها، وإنما عما يجعل معرفتنا القبلية بالأشياء ممكنة.

والإنجاز الرابع هو التمييز بين المبادئ التأسيسية والمبادئ التنظيمية. انتظام الطبيعة، ووحدة التفسير، والاقتصاد في الفروض، ضرورية لعمل البحث، لكن نجاحها الإجرائي لا يبرهن وحده على أنها أوصاف مكتملة للواقع في ذاته. يسبق القسم الأخير نظرية أفكار العقل بوصفها مطالب توجه المعرفة نحو النسق من دون أن تمنح موضوعًا متعاليًا.

والإنجاز الخامس يتمثل في تحرير السؤال الفلسفي من الاختيار المباشر بين الواقعية والمثالية. لم يعد السؤال: هل المكان موجود خارج الذات أم داخلها؟ وإنما: ما نوع الصلاحية التي يملكها المكان؟ وفي أي مجال يمكن تطبيق أحكامه؟ إن المكان مثالي من حيث علاقته بالأشياء في ذاتها، وواقعي من حيث صلاحيته لكل تجربة خارجية ممكنة.

الثاني عشر: قراءة نقدية في حدود المشروع

1. غياب تفسير الصلاحية الموضوعية للمفاهيم

المشكلة الأشد في الأطروحة هي أنها تعلن وجود مفاهيم عقلية خالصة، ثم تنتقل سريعًا إلى القول إنها تكشف الموجود كما هو. لكنها لا تفسر لماذا ينبغي لقوانين صادرة من الفهم أن تطابق جواهر مستقلة عنه.

كان الفصل بين الحس والفهم ضروريًا، لكنه جعل علاقة كل منهما بالموضوع أكثر تعقيدًا. فإذا كانت الحساسية لا تكشف الأشياء كما هي في ذاتها، وإذا كان الفهم لا يتأثر بالأشياء المعقولة، فبأي حق نقول إن مفاهيمه تصفها؟

هذا الفراغ هو الذي سمّاه كانط لاحقًا «مفتاح سر الميتافيزيقا». ومنه ستنشأ الحاجة إلى الاستنباط الترانسندنتالي بوصفه برهانًا على الصلاحية الموضوعية للمقولات داخل حدود التجربة.

2.نظرية غير مكتملة في الخبرة

تظهر الخبرة في الرسالة بوصفها انعكاسًا منطقيًا يقارن الظواهر ويجمعها تحت قوانين عامة. ولا نجد بعدُ نظرية تفصيلية في التركيب، ولا وحدة الإدراك الذاتي، ولا المخيلة الترانسندنتالية، ولا مخططية تصل المقولات بالحدس.

يستطيع النص تفسير صورة المعطى الحسي، لكنه لا يفسر بصورة كافية كيف يصير هذا المعطى موضوعًا واحدًا يمكن الحكم عليه. إن القول إن الزمان والمكان ينظمان الانطباعات لا يكفي لتفسير وحدة الشيء واستمرار هويته ودخوله في علاقات سببية موضوعية.

3.الهندسة الإقليدية بعد الهندسات اللاإقليدية

ربط كانط يقين الهندسة ببنية المكان الخالص كما تصوغها هندسة إقليدس. وقد جعل ظهور الهندسات اللاإقليدية ثم النسبية العامة الدعوى القائلة إن الفضاء الفيزيائي يجب أن يطابق البناء الإقليدي موضع مراجعة.

لكن هذا التطور لا يلغي السؤال الترانسندنتالي نفسه: ما الشروط التمثيلية والمفهومية التي تجعل القياس المكاني والخبرة الفيزيائية ممكنين؟ الذي ضعف هو تعيين بنية واحدة نهائية لهذه الشروط، لا ضرورة البحث في شروط التمثيل.

ويمكن، تبعًا لذلك، فصل الحدس الكانطي العام عن الصياغة العلمية التاريخية التي ارتبط بها. يبقى السؤال عن إسهام البنية الإدراكية في تشكيل الفضاء المعيش قائمًا، حتى لو لم تعد الهندسة الإقليدية وصفًا ضروريًا وحيدًا للفضاء الفيزيائي.

4.غموض مفهوم «الذاتي»

قد توحي كلمة «الذاتي» بأن المكان والزمان حالتان نفسيتان فرديتان، وهو فهم مضلل. فهما عند كانط قانونا حساسية مشتركان يحددان مجال الموضوعية الممكنة.

ومع ذلك لم تطور الأطروحة بعدُ تمييزًا كاملًا بين الذاتي النفسي والذاتي الترانسندنتالي؛ ولهذا يسهل أن تُقرأ مثاليتها كإنكار للعالم الخارجي، مع أن كانط يصر على أن الإحساس يشهد بحضور مؤثر وأن معرفة الظواهر صادقة.

الذاتي الترانسندنتالي لا يعني المحتوى الخاص بوعي فرد، وإنما البنية الضرورية التي يجب افتراضها في كل ذات بشرية يمكن أن تكون لها خبرة موضوعية. المكان والزمان ذاتيان من حيث مصدر صورتهما، لكنهما موضوعيان من حيث انطباقهما الضروري على كل ما يمكن أن يظهر لنا.

الثالث عشر: إمكان قراءة فينومينولوجية ومعاصرة

يمكن النظر إلى الأطروحة من منظور فينومينولوجي بوصفها انتقالًا من سؤال «مم يتكون العالم؟» إلى سؤال «كيف يتشكل معنى العالم في الظهور؟». إلا أن كانط لا يصف التجربة المعيشة من داخلها كما سيفعل هوسرل؛ فالزمان والمكان عنده شرطان قبليان عامان، بينما ستبحث الفينومينولوجيا في بنية القصدية، والاحتفاظ والاستباق، والأفق، والجسد المعيش، وكيفية تكون الموضوع عبر مجرى الوعي.

تتصل الأطروحة خصوصًا بفينومينولوجيا الزمن. فالزمان ليس شيئًا يواجه الوعي، وإنما شرط ترتيب التعاقب والتزامن. غير أن هوسرل سيحوّل هذا الشرط العام إلى تحليل دينامي للآن الحي واحتفاظه بالماضي القريب وتوقعه للمقبل. يمكن القول إن كانط يحدد ضرورة الصورة الزمنية، بينما يحلل هوسرل كيفية اشتغال التزمين في التجربة.

ويظهر اختلاف آخر في مفهوم الذات. الذات الكانطية في أطروحة 1770 مصدر لقوانين الترتيب الحسي، لكنها لا تزال غير محللة بوصفها مجرى قصدية حية. أما الفينومينولوجيا فستجعل من العلاقة بين الوعي والموضوع محورًا للتحليل، بحيث لا يظهر الموضوع بوصفه معطًى ساكنًا، وإنما بوصفه وحدة تتكون عبر منظورات واحتفاظات وتوقعات متعاقبة.

وفي حوار مع علوم الأعصاب المعاصرة يمكن التمييز بين ثلاثة مستويات. المستوى العصبي يبحث في الآليات التي تتيح التنسيق المكاني والزماني، والمستوى الفينومينولوجي يصف كيف يُعاش المكان والزمان، والمستوى الترانسندنتالي يسأل عن الشروط التي تجعل التمثل ذا صلاحية موضوعية.

لا يجوز اختزال الصورة القبلية مباشرة إلى شبكة عصبية محددة؛ لأن البرهان الكانطي تبريري لا سببي. كانط لا يسأل عن العضو أو الدارة التي تنتج الإدراك المكاني، وإنما عن الشرط الذي يجعل تمثل موضوع خارجي ممكنًا من حيث المبدأ.

لكن الاكتشاف العام بأن التجربة ليست استقبالًا خامًا، وأن الجهاز المعرفي يفرض تنظيمًا سابقًا على المعطيات، يظل نقطة حوار خصبة مع النماذج البنائية والتنبؤية للإدراك. فهذه النماذج ترى أن الدماغ لا ينتظر وصول معلومات مكتملة، وإنما يشارك في بناء التمثلات عبر التوقع والتقدير وتصحيح الخطأ.

ولا يعني هذا التطابق بين كانط وعلم الأعصاب. فالبنية العصبية واقعة تجريبية يمكن فحصها وتعديل الفرضيات المتعلقة بها، بينما الشرط الترانسندنتالي يتعلق بما يجب افتراضه كي تكون الخبرة الموضوعية ممكنة. الخلط بين المستويين يحول السؤال الفلسفي إلى وصف فيزيولوجي، أو يحول الوصف الفيزيولوجي إلى ادعاء ميتافيزيقي.

وبالنسبة إلى مشروع فينومينولوجيا عصبية مستقبلية، تمنح الأطروحة تحذيرًا منهجيًا ثمينًا: شروط الظهور ليست بالضرورة صفات للأشياء في ذاتها، وشروط القياس العصبي ليست بالضرورة ماهية الخبرة المعيشة. المطلوب وصل المستويات دون خلطها؛ أي تفسير كيف تسند البنى العصبية إمكان التجربة، مع إبقاء الوصف الظاهراتي والسؤال الترانسندنتالي متميزين من التفسير الفيزيولوجي.

يمكن كذلك ان يتمد الحوار حول مفهوم الجسد المعيش. المكان عند كانط صورة للحس الخارجي، لكن ظاهرة اليمين واليسار تكشف ضمنيًا أن الاتجاه المكاني لا ينفصل عن تموضع ذات متجسدة. فما يظهر يمينًا أو يسارًا يتحدد انطلاقًا من جسد ذي اتجاه. وسيوسع ميرلو-بونتي هذا الحدس، فيجعل الجسد مركزًا عمليًا للاتجاه والحركة، لا مجرد موضوع يقع داخل فضاء متجانس.

ومن هنا يمكن القول إن أطروحة 1770 تقف في بداية مسار طويل: من المكان بوصفه حدسًا خالصًا، إلى الفضاء بوصفه بنية للخبرة المتجسدة، ثم إلى البحث العصبي في الخرائط الحسية-الحركية التي تسند التوجيه والإدراك. ومع ذلك يحتفظ كل مستوى بسؤاله الخاص، ولا يغني أحدها عن الآخر.

الرابع عشر: النتائج الرئيسة

يمكن استخلاص النتائج الآتية:

1. أسست أطروحة 1770 التمييز الجيني بين الحساسية والفهم، ونقلت الفرق بينهما من درجة الوضوح إلى اختلاف المصدر والقانون.

2. أثبتت أن الزمان والمكان حدسان خالصان مفردان يسبقان الخبرة ويؤسسان صورتها، مع الجمع بين مثاليتهما بالنسبة إلى الأشياء في ذاتها وصدقهما الضروري في مجال الظواهر.

3. حررت المعرفة الحسية من اعتبارها صورة ناقصة من المعرفة العقلية، ومنحت الحدس وظيفة معرفية لا يستطيع المفهوم أن يحل محلها.

4. جعلت نقد تعدي الحدود جزءًا من منهج الميتافيزيقا، وصاغت في مغالطة الاستدخال نموذجًا مبكرًا للوهم الترانسندنتالي.

5. ميزت بين المبادئ المؤسسة للموضوع والمبادئ المنهجية التي توجه البحث نحو الوحدة والانتظام، ممهدة لفكرة الاستعمال التنظيمي للعقل.

6. أبقت للفهم، مع ذلك، استعمالًا إيجابيًا في معرفة النومينات، وردت وحدة العالم إلى علة إلهية مشتركة؛ ولذلك بقيت معلقة بين الميتافيزيقا المدرسية والنقد.

7. أظهر تطور كانط بعد 1770 أن الفصل بين ملكات المعرفة لا يكفي؛ إذ يلزم بيان كيفية اتحادهما وكيف تكتسب المفاهيم القبلية صلاحية على الموضوعات.

8. من هذه الحاجة نشأت المقولات والاستنباط الترانسندنتالي ونظرية التركيب ووحدة الإدراك الذاتي في «نقد العقل المحض».

9. تحتفظ الأطروحة بقيمة معاصرة لأنها تميز بين بنية الظهور وبنية الأشياء في ذاتها، وهو تمييز يفيد الحوار بين الفينومينولوجيا وعلوم الأعصاب وفلسفة الإدراك.

10. لا تكمن أهميتها في الأجوبة التي قدمتها فقط، وإنما في المشكلة التي تركتها مفتوحة: كيف يمكن لذهن محدود أن ينتج أحكامًا قبلية ذات صلاحية موضوعية؟

خاتمة

تكمن عظمة «في صورة العالم المحسوس والعالم المعقول ومبادئهما» -وهو العنوان الأدق للأطروحة- في كونها نصًا يقف على العتبة. لقد خرج كانط فيها من الاعتقاد بأن الحس نسخة غامضة من الفكر، فاكتشف أن الظهور يمتلك شروطًا لا تُستمد من الأشياء ولا من التجربة، وأن المكان والزمان قانونان يكوّنان أفق العالم المحسوس.

ومنذ تلك اللحظة لم يعد السؤال: كيف يبلغ العقل واقعًا جاهزًا؟ وإنما صار: ما الذي يجب أن تسهم به الذات حتى يكون ثمة موضوع وخبرة وعالم؟

غير أن كانط سنة 1770 لم يسحب النتيجة إلى نهايتها. فقد جعل الحساسية ذات مجال محدود، ثم منح الفهم جواز مرور إلى العالم المعقول. وحين سأل بعد عامين عن أساس علاقة التمثل العقلي بموضوعه، انكشف أن هذا الجواز بلا تبرير.

عندئذ بدأ العمل الذي سيقلب الميتافيزيقا: المفاهيم الخالصة لا تصف عالمًا خلف الظواهر، وإنما تشارك في تكوين وحدة التجربة الممكنة. لا يكون العقل مرآة تنسخ موضوعًا جاهزًا، ولا تكون الذات خالقة لوجود الأشياء؛ بل تتحدد المعرفة في المجال الذي يلتقي فيه المعطى الحسي بوظائف التركيب.

لهذا لا تمثل الأطروحة مسودة ناقصة لـ«نقد العقل المحض» فقط. إنها مختبر يظهر فيه الفرق بين اكتشاف قبليّة الصورة واكتشاف حدود المعرفة. تحقق الإنجاز الأول فيها بوضوح، وبدأ الإنجاز الثاني في منهجها، ثم احتاج إلى عقد كامل كي يتخذ صورة نقد للعقل نفسه.

وبين الإنجازين يتحدد معناها الدائم: العالم الذي نعرفه ليس معطًى بلا وسيط، والعقل الذي يطلب تجاوزه لا بد أن يفحص أولًا الشروط التي منحته إمكان السؤال.

***

عبد الله الهميلي

علينا، بدايةً، أن نُنَوِّهَ إلى أن النظرياتِ الفلسفيةَ ليست بالضرورة، ولا على الدَّوَام، ترتبطُ بتاريخٍ مُحدَّدٍ يكون بمثابة ميلاد لها مِن العدم، فهذه في ظنِّي طريقة غير دقيقةٍ في التأريخ للفلسفة؛ ومستندنا في ذلك: أن الأفكارَ -غالبًا- لا تُولد بمعزلٍ تمامٍّ عن السياقِ الذي سبقها؛ ولكنها -في كثير من الأحيان- تَسْري وتُولد في الظلِّ، وتأخذُ في النمو والتشكُّل عبْر مدة قد تطول أو تَقْصُرُ، وسيتضحُ قصدي مِن هذه المقدمة الاستهلالية فيما هو قادمٌ من السطور.

عند تناولنا فلسفات مثل «الحداثة» و «ما بعد الحداثة»، علينا أن ننظرَ إليها لا على أنها حِقَبٌ تاريخية، تبدأ في تاريخ، ثم تنتهي، ثم تَحُلُّ مكانها نظريةٌ فلسفية أخرى في تاريخ محدد، وإنما هناك، في رأيي، منظورٌ فلسفيٌّ فكري للتأريخ للأفكار والفلسفات، يتجاوزُ حصْرَ الأمور في مدة زمنية محددة بالسنة والشهر واليوم، نُعلنُ فيها عن ميلاد فكرة أو نظرية ما وأفول أخرى، الأمر من الناحية الفلسفية أعمق مِن هذا وأكثر تركيبًا؛ ومنظوري في التأريخ لظهور فكرة أو نظرية ما وأفولها يعتمد على الآتي:

تحديد الأسُس والمعالِم الفلسفية السائدة في هذه النظرية أو الفلسفة، التي تقوم عليها، وإذا عَرفنا الأسسَ والمرتكزاتِ التي تقوم عليها نظريةٌ ما؛ يمكننا حينئذ أن نتلمَّسَها بمجرد أن تقع أعيننا على هذه المرتكزات والأسُس، بغضِّ النظر عن الحقبة التاريخية التي وُجِدتْ فيها هذه المرتكزات، وموضوع هذه المقالة سيعطينا مثالًا تطبيقيًّا على هذه القضية، على الرغم من أن هذا الأمر ليس هو المقصود فقط من المقالة؛ بل يُقصَد منها التماس جذور فلسفة ما بعد الحداثة عند مؤسس مدرسة التحليل النفسي: سيجموند فرويد.

وإذا كان موضوعنا في هذه المقالةِ يتناول «جذور ما بعد الحداثة»، فعلينا أولًا التعرف على أبرزِ مرتكزات «الحداثة»؛ حتى إذا ما وجدنا تحولًا في هذه المرتكزات؛ يمكننا إذًا تتبُّع جذور الانتقالِ إلى «ما بعد الحداثة».

معالِمُ الحداثةِ ومرتكزاتها

تذهبُ بعضُ الآراء إلى وجود صعوبةٍ في تحديد مفهومٍ دقيق للحداثة(١)، ولذلك، فإن المُجْدي في هذه الحال ليس محاولة تتبع تعريف ليس عليه اختلاف للحداثة؛ ولكن علينا أن نلتمسَ ذلك من خلال أبرز المرتكزات التي قامتْ عليها الحداثة، وحينئذ، سنجد أن هناك بعض الخطوط العامة التي كانت واضحةً كفكرة بارزة في فلسفة الحداثة، وهذه الخطوط تتمثل في:

الذاتية: من أهم البُنى التي تقوم عليها الحداثة، فكرة: الذاتية، وتعني أن حرية الإنسان هي المبدأ الذي سيكون سائدًا في حقبة الحداثة، وهنا يمكننا القول إن الذات الإنسانية اكتسبتْ مركزيةً، وأصبح الإعلاء منها ضرورة في فلسفة الحداثة، إلا أن حرية الفرد في هذه الحقبة لابد أن يُراعى فيها وجود الآخرين، أي لابد ألا تكون حرية الفرد مناوئة لحرية غيره من الناس ومتعارضة معها(٢)، وهنا تظهر لنا سمة أخرى تميِّزُ فلسفةَ الحداثة، وهي: وجود اهتمام بفكرة القانون المُنظِّم، وعدم الفوضى الفكرية والاجتماعية.

العقلانية: مِن السمات التي ظهرت مع الحداثة: العقلانية الفائقة؛ فلقد اعتقد فلاسفةُ هذه الحقبة أن للعقل سُلطةً تعلو على أية سُلطة؛ إذ به يمكن التوصل إلى الحقيقة دون حاجة إلى الدين، بل إن الدين نفسه أصبح خاضعًا لسلطان العقل في تفسيره وتأويله(٣) ومحاكمة نصوصه من خلاله، ومن دعاوى الحداثة أيضًا، بخصوص الحقيقة التي يمكن التوصل إليها من خلال العقل: أن هذه الحقيقة موضوعية، تتعالى على الأهواء، وأنه بإمكان الشخص التحرر من الانحيازات ويكون محايدًا، وذلك من خلال المنهج العلمي التجريبي، الذي يكون قادرًا على الوصول إلى حقيقة موضوعية خالية من الانحيازات والأهواء(٤). ومن هنا نستنتج أن فلسفة الحداثة شَهِدَتْ ثقةً تكاد تكون مُطْلَقَة في العقل والإنسان؛ فقد أصبحت له مركزية بحيث إليه تُرَدُّ كلُّ الأشياء ليكون حاكمًا عليها.

سردية التقدم: كان من أبرز المرتكزات التي اتكأت عليها فلسفةُ الحداثة، هو أن حركة التاريخ في تقدمٍ مستمر، وأنه كلما استطعنا أن نستزيد من العِلم واكتشافاته؛ فحينئذ تزداد سيطرتنا على العالَم من حولنا، وهذا كله سبب في رفاهية الإنسان وراحته(٥). ويمكننا استخلاص عبارة جامعة مما تقدَّمَ، لنقول: إن جوهر الحداثة كان يقوم على الثقة المُطلقة في العقل، والإعلاء من الذات الإنسانية، والتطلع إلى الحقيقة الموضوعية من خلال حاكمية العقل، وأن مسارَ التاريخِ يسيرُ في خط تصاعدي، هذه المعالِم جوهرُ ما يمكن استخلاصه من فلسفة الحداثة.

وإذا عَلِمنا أبرزَ المرتكزاتِ والمعالِم التي تقوم عليها فلسفة الحداثة، فبإمكاننا إذًا الانتقال إلى تتبع جذور ما بعد الحداثة، بغض النظر عن الالتزام الحرفي بتاريخ محدد لظهورها؛ حيث إننا الآن نمتلك ملامح المعيار الذي من خلاله نستطيع الحُكمَ على فلسفة الحداثة بأن معالِمها التي تميزها قد آلَتْ إلى الأفول أم لا، وإذا كانت قد اتجهت بالفعل إلى الأفول؛ فمِن هنا علينا تتبع معالِم الحركة الفلسفية التي حلَّتْ مكانها، وهذا بدوره ينقلنا بتسلسل غير مبتور إلى ما نريد تتبعه عند سيجموند فرويد، وهو: جذور ما بعد الحداثة في فكره.

جذور ما بعد الحداثة عند فرويد

هناك نصٌّ لفرويد من الممكن أن نتتبعَ من خلاله جذورَ ما بعد الحداثة عنده، هذا النص يشير إلى أن: الكبرياء والنرجسية البشرية ضُرِبَتْ ثلاث مراتٍ في تاريخِ العِلْمِ:

الضربة الأولى: كانت على يد كوبرنيكوس، عندما كشَفَ أن الأرض ليست مركز الكون؛ بل إنها جزءٌ صغيرٌ مِن نظامٍ كونيٍّ شاسع؛ مما أشعرَ الإنسانَ بأن كوكبَه الذي يعيش فيه ليس هو محور الكون؛ وإنما جزء صغير فيه. أما الضربة الثانية: فكانت على يد تشارلز داروين، والذي أظهرَ في نظريته أن البشرَ متصلون بمملكة الحيوان، وأن طبيعتهم البيولوجية تشتركُ مع باقي الكائنات الحية في أصل واحد، مما قلَّل مِن المُطلق في موقعهم -البشر- بين الخلق، وأنهم ليسوا متميزين من ناحية الخلْق عن باقي الكائنات. والضربة الثالثة: كانت على يد فرويد، والذي أكدَ أن الأنا لا تتحكم بالكامل في سلوكياتها أو دواخلها، وأن اللاوعي/اللاشعور يلعب دورًا مركزيًّا في تكوين السلوك، مما أعاد رسْم حدود السيطرة الذاتية للإنسان على نفسه، وبالتالي على غيره، وأن العقل ليس هو السيِّد الذي يقود حياة الإنسان ويتحكم في حركة الفكر(٦).

وبما أن جوهر الحداثة كان قائمًا -كما عَرَضنا- على مركزية الذات الإنسانية، والثقة المُطلقة في العقل؛ فهنا يمكننا القول إن هذه السردية الحداثية سُحِبَ البساطُ من تحتها على يد فرويد، وذلك بسبب إقصائه للعقل من حالة المركزية، وإحلال اللاشعور بدلًا منه، وهنا تكمن أهمية عدم الاتباع الحرفي -أحيانًا- لفكرة التأريخ لظهور الأفكار والفلسفات وأفولها؛ حيث إننا من خلال نص فرويد نرى أن الأرضية التي قامت عليها الحداثة تتآكَل، وهذا مؤذِنٌ بظهور الحقبة التي تليها: فلسفة ما بعد الحداثة، ولكن التأريخ لفلسفة ما بعد الحداثة يشيرُ إلى ظهورِها في نهاياتِ الخمسينيات من القرن العشرين(٧)، وإذا عَلِمنا أن فرويد توفي سنة ١٩٣٩م، أي قبل التاريخ المذكور لظهور ما بعد الحداثة؛ فإننا حينئذ نزداد قناعةً بأن التحديد الصارم لتاريخ ظهور الأفكار غالبًا لا يعبر عن حقيقة الأمر؛ بدليل أن هناك جزءًا من مبادئ ما بعد الحداثة ظهرت على يد فرويد، رغم وفاته قبل إعلان ظهور فلسفة ما بعد الحداثة.

وأود الإشارة هنا إلى أنني لست معارضًا لفكرة التأريخ لظهور الفلسفات والأفكار، فقد يكون الغرض من التأريخ الدقيق لها هو ظهورها كحالة ونظرية متكاملة، دون ممانعة في وجود جذور لها حتى قبل الإعلان الرسمي عن ظهورها، إلا أنني أردتُ من ناحية أخرى الإشارةَ إلى عدم التقيد الحرفي بهذه التواريخ، وأنه على الباحث في تاريخ الأفكار والفلسفات أن يتتبعَ الجذورَ الفكرية والفلسفية للقضية، وهذا يساعده في تجاوز حالة الاختزال، التي من الوارد أن يقع فيها حال تقيده الحرفي بتاريخ ظهور النظريات، فهذا التقيد من شأنه أيضًا ألا يكشفَ عن الملابساتِ الاجتماعيةِ والسياسية والفكرية التي صاحَبَتِ التحولَ من نظريةٍ إلى نظرية، ومن اتجاه فلسفي إلى آخَر، فحينها قد يظن الناظرُ، الذي قيَّدَ نفسَه بتاريخٍ محددٍ بدقة لظهور الأفكار والنظريات، أن هذه النظرياتِ بينها جُزُرٌ منعزلة، تختفي النظرية وتَحُل الأخرى دون أية مقدمات أو إرهاصات أو سياق اجتماعي وثقافي ونفسي ساعد في إفرازها، ولكن تتبُّعنا، بمثال مقالتنا، لجذور ما بعد الحداثة عند فرويد، يكشف خلافَ ذلك؛ إذ يكشفُ وجودَ جذور لفلسفة ما بعد الحداثة حتى داخل الحداثة نفسها، وذلك حين أشار فرويد إلى أن أول ضربة للكبرياء البشرية في العصرِ الحديثِ كانت على يد كوبرنيكوس، وكوبرنيكوس هذا من حيث التاريخُ والزمنُ ينتمي إلى حقبةِ القرن السادسَ عشرَ، أي أنه قد سبق عصرَ التنوير، ولكن بتطور التاريخ، كانت ضربته، التي وجهها إلى الاعتقاد السائد بمركزية الأرض، حلقةً في سلسلةِ تنحيةِ الإنسانِ عن مركزيته في الكون، والتي بلغت ذروتها مع فلسفة ما بعد الحداثة.

هذا عن الملامح العامة التي قدَّمها فرويد في نصِّه الذي أوردناه، واستنتجنا أنها كانت نقطة مهمة في التأسيس لِما بعد الحداثة، غير أن هناك بعض الملامح الأخرى مبثوثة في كتابات فرويد، نتناولها في السطور الآتية.

أثر موقفه من الدين في التأسيس لفلسفة ما بعد الحداثة

لفرويد موقفٌ خاصٌّ يُحلل من خلاله الأسباب والدوافع في نشأة الأديان، وهذه الأسباب، بطبيعة الحال، كانت تنحو منحى سيكولوجي، باعتبار أن صاحبها هو المؤسس لنظرية التحليل النفسي، فقد رأى فرويد أن نشأة الأديان تعود إلى شعور الإنسانِ بالضعفِ أمام قوى الطبيعةِ؛ الأمر الذي جعله يبحثُ عن شيءٍ يُشْعِرُهُ بالأمان في مواجهة هذه المخاطر التي يعجز عن مواجهتها، كما أن هناك عاملًا آخر يَعزو فرويد إليه سببَ نشأة الأديان، هذا السبب يتمثل في: رغبة الإنسانِ في سد النقْص الثقافي والحضاري في المجتمع الذي يعيش فيه، ولذلك فإن الإنسان احتاجَ أن يُضْفي طابع القداسة على الدين، بحيث يجعله وحيًا مُنزَّلًا، يتسامى على النقد والخضوع للتطورات التاريخية(٨).

ويستلهمُ الإنسانُ فكرةَ الدين، والقوة العليا، التي يلجأ إليها لمواجهة المخاطر التي يعجز عن التصدي لها، مِن تجرِبتِه التي مر بها أثناء الطفولة؛ حيث كانت شبيهة بهذا الموقف؛ وذلك حين كان الإنسانُ في طفولته ينظرُ إلى والده على أنه الحامي له بما يمتلكه من قوة، ولذلك يلجأ هذا الطفلُ إلى طاعة أبيه والانصياع إلى أوامره ونواهيه؛ لِمَا يوفره له من حماية، وهذه الدوافع لنشأة الأديان وُجدت عندما كان الإنسانُ لم يبلغ بعدُ مرحلةً من التطور تجعله قادرًا على تحكيم عقله بدلًا من اللجوء إلى القوى العاطفية(٩).

سأذكرُ ملاحظتي على رؤية فرويد لدوافع نشأة الأديان، ثم أببِّنُ عَلاقةَ ذلك بجذور ما بعد الحداثة، فأما عن رؤية فرويد للأديان، من كونها تنشأ بسبب عوامل نفسية لدى الإنسان في محاولة لتغطية عجزه في مواجهة قوى الطبيعة والمخاطر الأخرى والنقص الذي يعتريه، فأقولُ: هذه الرؤية إذا فسَّرَتْ بعضَ الأديانِ القديمة والتوجهات الفكرية، أو الأديان الوضعية -بعضها لا على التعميم-، فإنها لا تطَّرِد وتصلح لتفسير أديان سماوية أخرى؛ ولنأخذ الدين الإسلامي كمثال لِما نريد قوله: عند النظر إلى ظهور الدين الإسلامي؛ نجد أن نشأته كانت مُحاطة بصعوبات بالغة واضطهاد -في بداية الأمر- لمعتنقي هذا الدين وصاحب الرسالة الذي جاء بها، وهو سيدنا محمد، صلى الله عليه وآله وسلَّمَ.

حيث إن صاحب الرسالة كان عزيزًا في قومه، ولم يكن يعاني مخاوف أو ضعف يجعله يلجأ إلى ما قاله فرويد من نشأة دين لسد هذا الضعف والعجز؛ بل الحاصل كان نقيض ذلك، وأنه، صلى الله عليه وآله وسلَّمَ، تعرضَ لأذى شديدٍ بسبب صَدْعه بالرسالة، وواجه اتهاماتٍ عديدةً من قومه وعشيرته، ولذلك، لا تستطيع رؤيةُ فرويد لنشأة الأديان تفسير الدين الإسلامي ونشأته، خاصة في لحظته الأولى على يد صاحب الرسالة، بسبب أن ما قاله فرويد من أن الإنسان يلجأ إلى نشأة الأديان لحمايته تجاه مخاوف الطبيعة لم يكن متوفرًا في حالة نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلَّمَ؛ فقد حدث العكس؛ إذ عندما أعلن هذا الدينَ؛ تحولت حياتُه إلى تهديداتٍ ومخاطرَ كثيرة من قومه، وبهذا لم يتحقق شرْط فرويد -في هذه الحالة- من أن لجوء الإنسان إلى الدين يكون بسبب ضعف الإنسان والرغبة في تقديم حماية له.

ثم نعود لنقول: ما عَلاقة نظرة فرويد للدين بفلسفة ما بعد الحداثة؟ إذا كانت فلسفة ما بعد الحداثة تقوم على الثقة المُطلقة بالعقل، والإيمان بالسرديات الكبرى الناظمة لحركة الفكر في المجتمعات، فإن نقْد فرويد للأديان(١٠)، وتحويله إياها إلى مجرد ظواهر نفسية أيديولوجية، تختلف من ثقافة إلى أخرى، وتخضعُ لحركة التطور التاريخي؛ هذه الرؤية تمثل جزءًا أصيلًا من المرتكزات التي تقوم عليها فلسفة ما بعد الحداثة؛ إذ من هذه المرتكزات: السعي إلى نفْي المُطلق والموضوعية، وأن ما يوجد من أفكار هو خاضع للبُنى الأيديولوجية يؤثر ويتأثر بها، وعدم المركزية وعدم الثبات، ورفْض الغاية والقصْد -التي هي جزء رئيس من الأديان السماوية- لحساب المصادفة والفوضى(١١)، هذا كله يدلنا على أثر نظرية التحليل النفسي عند فرويد -في بعض جوانبها- في ظهور مفاهيم ما بعد الحداثة والتأصيل لها.

***

بِقَلَم: محمد خليفة أحمد ـ باحث دكتوراة بكليةِ دارِ العلوم

....................

هوامشُ المقالةِ:

(١) د. محمد سَبِيلا، «مدارات الحداثة»، (ط١، بيروت، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، ٢٠٠٩م)، ص ١٢٣.

(٢) يورجن هابرماس، «القول الفلسفي للحداثة»، ترجمة: د. فاطمة الجيوشي، (ط١، دمشق، منشورات وزارة الثقافة، ١٩٩٥م)، ص ٣٠: ٣٢.

(٣) صلاح سالم، «جدل الدين والحداثة»، (ط١، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ٢٠١٨م)، ص ١١٩.

(٤) يونس صالح، «حركة ما بعد الحداثة»، (مجلة المعرفة، سوريا، العدد ٦٦٦، ٢٠١٩م)، ص ٧٧.

(٥) سوزان حرفي، «حوارات مع الدكتور عبد الوهاب المسيري: العلمانية ـ الحداثة ـ العولمة»، (د.ط، دمشق، دار الفكر، ٢٠١٣م)، ص ٦.

(٦) سيجموند فرويد، «محاضرات تمهيدية في التحليل النفسي»، ترجمة: د. أحمد عزت راجح، (ط١، القاهرة، مكتبة الأنجلو المصرية، ٢٠٠٨م)، ص ٢٦٣: ٢٦٤.

(٧) جان فرانسوا ليوتار، «الوضع ما بعد الحداثي»، ترجمة: أحمد حسان، (ط١، دار شرقيات للنشر، ١٩٩٤م)، ص ٢٧.

(٨) سيجموند فرويد، «مستقبل وَهْم»، ترجمة: جورج طرابيشي، (ط٤، بيروت، دار الطليعة، ١٩٩٨م)، ص ٢٩: ٣٠.

(٩) إريك فروم، «الدين والتحليل النفسي»، ترجمة: فؤاد كمال، (ط١، القاهرة، دار غريب، ١٩٧٧م)، ص ١٦.

(١٠) لا أريد بهذا أن أقول إن نقْد الأديان لم يظهر إلا في فلسفة ما بعد الحداثة؛ فقد كان هناك نقد كبير «للتصورات» الكلاسيكية للأديان في مطلع عصر النهضة والإصلاح ثم قرْن التنوير، ولكن هذه الحقبة على الرغم من نقْدها للأديان، فإنها كانت تتسمُ بوجود العقلانية ومركزية الإنسان، والإيمان بالمُطلق -وليس بالضرورة أن يكون المُطلق دينًا مُقدَّسًا إلهيَّ المصدر-، ووجود نظم وأطر وشمولية، بينما حركة ما بعد الحداثة -كما بيَّنا في متن هذه المقالة- كانت تقوم على نفْي المُطلقات، والانتقال إلى عدم الثبات، وعدم المركزية، والسيولة الفائقة، التي ترفض الارتكاز إلى مصدر أو نظام أو توجه بعينه.

(١١) ديڤيد هارڤي، «حالة ما بعد الحداثة»، ترجمة: د. محمد شيا، (ط١، بيروت، المنظمة العربية للترجمة، ٢٠٠٥م)، ص ٦٤: ٦٦.

ان الهوس بالقوة والنفوذ يوقع الأشخاص في فخ المنظور الاحادي. القوة هي حول المنافسة والربح والخسارة. القيمة هي حول المبادئ الأخلاقية والعقائد التي ترشد السلوك والعلاقات. ان دراسة ديناميكيات القيمة – خلق وحماية القيم – يمكنها ان تغيّر المجتمعات والعوائل.

اما ديناميكيات القوة فقد أصبحت العدسة التي من خلالها يرى المؤلفون والتربويون والمؤيدون والسياسيون والمعالجون وشركاء العلاقة للعالم بشكل عام وللعلاقات بشكل خاص. واذا كان من المفيد إلقاء الضوء على ديناميكيات السلطة، يجب ان نكون واعين بان ذلك الضوء يخلق ظلالا. معظم التفاعلات الإنسانية تحدث في منطقة الظلال بين السلطة والقيمة.

تقليديا، مصطلح "ديناميكيات القوة" يشير الى النفوذ،السلطة، التحكم بالموارد، وتحديد سلوكيات معينة عبر صنع القوانين وتأسيس المعايير. في السنوات الأخيرة، اتّسع مفهوم القوة ليسيطر على ما يفكر ويشعر ويقول به الناس، وهذا يختلف كثيرا عن ديناميكيات القيمة.

تشير القيمة الى المبادئ الأخلاقية والمعتقدات التي ترشد وتوجّه الأفعال الفردية والعلاقات والقرارات. انها بوصلة داخلية تعكس ما يجده المرء هادفا وأخلاقيا وجماليا او هاما. ومع ان معظم الناس استعملوا المصطلح "قيمة" كإسم لكنه يُفهم أفضل كفعل. حين تقيّم يعني انك تعتبر شيئا ما او شخصا ما هاما، جدير بالتقدير، مهما كان الجهد والوقت والتضحية ضروريا للحفاظ عليه وحمايته. ديناميكية القيمة تتعلق بعملية خلق القيمة، والحماية، والتحطيم.

القوة هي حول المنافسة التي يحصل فيها رابحون وخاسرون. القيمة هي حول مبادئ الكرامة الإنسانية والانصاف. السعي نحو القوة عادة يُستغل من جانب الانا مما يؤدي الى تضخم مؤقت في تقدير الذات وتهيئتها الى انخفاض حتمي. الوفاء للقيم يربّي ويصون القيمة الذاتية. ان السعي للقوة يتجذر في الحاجة للآمان والاعتراف والتحكم بظروف الحياة. جانبه القبيح هو الرغبة في الهيمنة، عادة للحصول على الاحترام والاعجاب من الاخرين. الناس الذين يسعون للقوة يميلون الى الحقد اكثر من الرحمة.

في السعي للقيمة، نحن نوائم سلوكنا مع القيم الإنسانية الأساسية – الرعاية جيدة، الأذى سيئ. انها اكثر جوهرية وذاتية. الناس الذين يفضلون القيم هم عادة مندفعون بالشعور بالمسؤولية الأخلاقية، راغبون في المساهمة بالعالم بشكل هادف. هم عاطفيون اكثر مما هم حانقون.

الحفاظ على القوة هو أصعب من تحقيقها. اللاعبون يميلون للحفاظ على نفوذهم عبر بيع قيمهم على المكشوف. هذا لا ينجح ابدا لأن نفس أساليب القوة التي تحمل الأحزاب السياسية الى السلطة هي ذاتها التي تطردهم منها. وبالمثل، علاقات الشركاء عرضة لصراع القوة والذي عادة ما تستمر فيه علاقاتهم الثانية لفترة أقصر مما كانت عليه في علاقتهم الأولى.

التوتر بين القوة والقيمة يصبح واضحا عندما يتعارض السعي نحو احداهما مع السعي للاخرى. السعي نحو القوة يمكن ان يقود الى تنازلات ومساومات أخلاقية وعدم احترام للقيم الأخلاقية الأساسية. يمكن ان يقود الى الفساد والجشع والتباهي الذي يقوّض التقدم المجتمعي ورفاهية العائلة. يمكنه أيضا ان يؤدي الى تآكل الثقة والى انقسام اسري ومجتمعي.

الحقيقة الشائكة

ان العالم الذي يسوده التنافس من غير المرجح ان يزدهر عبر التركيز حصريا على القيم بدون النظر الى الحاجات البراجماتية للقوة. مع ذلك، تكتيكات القوة التي تجلب النجاح في العمل هي مدمرة لحياة العائلة. كلما زاد السعي للقوة في العمل، كلما قلّت القيمة التي نميل للشعور بها في المنزل.

القوانين والقواعد هي وسائل للقوة. انها غير ناجحة عندما تستهدف التفكير والمشاعر والكلام بدلا من السلوك. نحن نميل على الأرجح للامتثال للقوانين والقواعد التي تركز على سلوكيات معينة، حيث اننا ندرك الحاجة المجتمعية لها. محاولة السيطرة على ما يفكر او يشعر او يقوله الناس محكوم عليها بالفشل في المجتمع الحر. تخيّل رد فعلك العفوي عندما يخبرك شخص ما بما يجب ان تفكر او تشعر او تقول، ويحاول إحراجك في دفعك للتفكير والشعور والقول بطريقة أخرى.

فمثلا، في الخمسينات من القرن الماضي، حاول الدعاة والمشرعون في الشمال تغيير المواقف الداعية الى الفصل العنصري لسكان الجنوب. النتيجة كانت زيادة عامة في مواقف الفصل العنصري. ولكن عندما اصبح التكامل والاندماج قانونا، مجبرا السلوك على التغيير، أدى هذا الى تحسين المواقف المتعلقة بالتكامل .

ومؤخرا، كانت برامج التنوع والاندماج والمساواة DEI التي حاولت تغيير التفكير والمشاعر غير ناجحة، مقابل تلك التي اكدت على السلوك النزيه والمحترم. اللجوء الى القيم كان ناجحا في الحالات التي فشل فيها فرض القوة عن طريق الاحراج. التركيز على تغيير السلوك يؤدي الى تغيير في المواقف، ولكن ليس العكس. السعي نحو القيمة ينطوي على احترام حقوق الافراد في التفكير والشعور وقول ما يرغبون، وفي نفس الوقت يعترف بالمسؤولية الأخلاقية للنظر في تأثيرات سلوكنا على الاخرين.

السلوك المؤذي غير مسموح به، بينما حرية التفكير والشعور والكلام هي حقوق غير قابلة للتصرف.

السلطة والمسؤولية

الفايروس المختبئ الذي يصيب امتنا وعلاقاتنا هو فصل السلطة عن المسؤولية. نحن فقط جعلنا الموقف أسوأ عبر التأكيد على المساءلة. المسؤولية هي جوهرية وتحفيزية وجزء حيوي من القيم الاجتماعية والشخصية. انها تقودنا لعمل الشيء الصحيح. المساءلة هي خارجية، تُقاس بواسطة أحكام الاخرين. انها تفيدنا في تجنب القبض علينا.

على الصعيد الشخصي، المساءلة تشبه الانصاف – معيار نطلبه من الاخرين مع قلة الحافز للتمسك بمبادئنا. انه لا يعني اننا منافقون بوعي. بل فقط اننا لدينا ردود فعل خارجية عندما يكون الاخرون غير عادلين او مسؤولين، ولكن تقدير مدى انصافنا بدقة يتطلب تفكيرا معمقا وتقييما ذاتيا. نحن عمليا نحتاج الى رحلة استجمام في نهاية الأسبوع لتقييم مدى انصافنا الذاتي ومقدار المساءلة.

نحن يجب ان نكون قدوة لأطفالنا في عمر مبكر والتأكيد بان السلطة والمسؤولية لا ينفصلان. يمكننا انجاز هذا لو اعترفنا باننا نشعر أفضل حول أنفسنا عندما نكون مسؤولين ونكون قدوة لأطفالنا في تحمّل المسؤولية. السعي للقيمة يمكن ان يغيّر المجتمعات والعوائل. الانشغال بالسلطة يفكك الاسر ويستقطب المجتمعات.

***

حاتم حميد محسن

....................

Psychology today, August 22,2026

إن نيتشه ليس فيلسوفًا يمكن اختزاله في مفهوم واحد، ولا مفكرًا يسمح لنفسه بأن يُحاصر داخل نسق مغلق. ولعل هذا هو سرّ بقائه حيًّا في الفلسفات التي جاءت بعده؛ إذ لم يرثه الفكر المعاصر بوصفه «مذهبًا» مكتملًا، وإنما استعاد منه إمكانات في التفكير والكتابة والاختلاف والانفلات من مركزية الأصل. ومن هنا تبدو العودة إلى نيتشه، مع دولوز وغاتاري من جهة، ومع دريدا من جهة أخرى، أشبه بمحاولة الإصغاء إلى أثر لا يزال يتحرك تحت سطح النص. فنيتشه لا يقدّم لنا شجرة معرفية ذات جذع وأصل وفروع، بل يترك وراءه كتابة تتشعب، وتلتوي، وتنسلّ، وتعود من مواضع غير متوقعة. ومن هذه الزاوية يمكن أن نفهم العلاقة التأويلية بين الجذمور Rhizome والمهماز Éperon: الأول صورة للانتشار غير الشجري، والثاني صورة للقوة التي تدفع الفكر إلى الأمام من دون أن تمنحه نهاية مستقرة.

غير أن الدقة المفهومية تقتضي التنبيه منذ البداية إلى أن الجذمور ليس مصطلحًا نيتشويًا بالمعنى الاصطلاحي المباشر. إنه مفهوم صاغه دولوز وغاتاري، خصوصًا في ألف هضبة، ليعارضا به النموذج الشجري في الفكر؛ أي النموذج الذي يفترض أصلًا، وجذرًا، ومركزًا، وتسلسلًا هرميًا. فالجذمور لا ينطلق من نقطة أولى لكي ينتهي إلى نتيجة نهائية، وإنما يتحرك في الوسط، ويقيم شبكة من الاتصالات المتعددة. ولهذا يقول دولوز وغاتاري إن الجذمور لا يملك «بداية ولا نهاية»، بل يوجد دائمًا «في الوسط»؛ وهو بذلك ليس صورة نباتية فحسب، وإنما اقتراح لإعادة بناء صورة الفكر ذاته. [1]

إن أهمية هذا المفهوم في سياق نيتشه تكمن في أن فلسفة الأخير كانت قد زعزعت، قبل دولوز وغاتاري، ذلك التصور الذي يجعل الفكر تابعًا لأصل ثابت أو حقيقة نهائية. فنيتشه لا يبدأ من «ماهية» مستقرة، بل من صيرورات القوى، ومن تعدد المنظورات، ومن صراع التأويلات. لذلك لا يعود السؤال: ما الحقيقة في ذاتها؟ بل: من يتكلم؟ ومن أي موقع؟ وتحت أي قوة؟ وبأي منظور؟ إن الحقيقة، في هذا السياق، لا تكون جوهرًا يقيم في مكان ما وراء التاريخ، وإنما حدثًا تأويليًا يتشكل داخل علاقات القوى. ومن هنا يصبح الفكر النيتشوي أحد المداخل الأساسية لفهم الانتقال من فلسفة الأصل إلى فلسفة التعدد.

في ما وراء الخير والشر يكتب نيتشه: «لقد بدأنا نتوقف عن التفكير في كل الأشياء التي تُقال لنا...لقد اكتشفت شيئاً فشيئاً ما كانت عليه كلّ فلسفة كبيرة حتى الآن: أعني أنّها اعتراف ذاتي لصاحبها، ونوع من المذكرات من غير أن يقصد أو يلاحظ، وأنا النوايا الأخلاقية (أو اللاأخلاقية) شكّلت في كل فلسفة بذرة الحياة الأصلية التي انبثقت عنها، في كل مرة، النبتة برمتها. وإذا ما أردنا   أن نفسِّر كيف أقيمت أبعد المزاعم الميتافيزيقة لفيلسوف ما، فمــن الأحسن (ومن الحكمـة) فعلاً أن نتساءل في البداية دائماً: ما هي الأخلاق التي يُسعى (أو يسعى هو) إليها؟» [2]

من خلال هذا الطرح الفلسفي، نرى أن نيتشه، بطريقة أو بأخرى، يشجعنا على التشكيك في الأفكار السائدة، وبالتالي تفكيك الآلية التي تجبر الفكر على البحث الدائم عن مركز يضمن شرعيته. يريد نيتشه تحرير الفكر من نير "الأصل" ووهم وجود نقطة ثابتة قادرة على استيعاب كل الاختلافات. هذا ما يجده دولوز وغاتاري في أكثر تعبيراته تعقيدًا: الجذمور. فليس هناك أصل واحد، ولا مركز مهيمن، ولا تسلسل هرمي ضروري، بل شبكة من العلاقات والروابط والاختلافات.

ومن هنا يمكن القول إن الجذمور ليس «نيتشه» نفسه، ولكنه أحد الامتدادات الدولوزية الممكنة للنيتشوية. فقد قرأ دولوز نيتشه لا باعتباره فيلسوف إرادة القوة فحسب، وإنما باعتباره مفكرًا غيّر صورة الفلسفة نفسها. ففي نيتشه والفلسفة، يحاول دولوز أن ينقل نيتشه من فضاء الميتافيزيقا إلى فضاء القوى والعلاقات، فيجعل الاختلاف سابقًا على الهوية، والقوة مرتبطة بالتأويل، والقيمة مرتبطة بنمط الحياة الذي ينتجها. [3] ومن هنا يصبح الفكر النيتشوي قابلًا لأن يُقرأ جذموريًا: ليس لأنه يستخدم كلمة «الجذمور»، وإنما لأن حركته الداخلية تقاوم الاختزال في أصل واحد.

الجذمور: الفكر حين يخلع جذره

الجذمور هو، في عمقه الفلسفي، تمرّد على منطق الجذر. والجذر ليس مجرد صورة نباتية؛ إنه استعارة فلسفية كاملة. فالجذر يفترض أصلًا، والأصل يفترض شرعية، والشرعية تفترض مركزًا يوزع المعنى على الفروع. ولذلك كان النموذج الشجري، في قراءة دولوز وغاتاري، صورة للفكر الهرمي الذي يشتق فروعه من مبدأ أول. أما الجذمور فينقل الفكر من العمودية إلى الأفقية، ومن التسلسل إلى التعدد، ومن النسب إلى الاتصالات.

ولهذا يؤكد دولوز وغاتاري أن الجذمور «يوصل نقطة ما بأي نقطة أخرى»، وأن عناصره لا تنتمي بالضرورة إلى الطبيعة نفسها؛ إنه يربط بين سلاسل دلالية، وتنظيمات سلطوية، وأحداث، وفنون، وعلوم، وأشكال من الصراع الاجتماعي. [4] وهنا تتضح المسافة بين الجذمور والجذر: الجذر يؤسس، أما الجذمور فيوصل؛ الجذر يبحث عن الأصل، أما الجذمور فيبحث عن العلاقة؛ الجذر يريد الهوية، أما الجذمور فيفتح المجال أمام الاختلاف.

وهذا المعنى هو الذي يجعل استدعاء نيتشه ضروريًا. فنيتشه نفسه كان يشتغل ضد فكرة الهوية التي تسبق الاختلاف، وضد التصور الذي يجعل الأشياء قابلة للفهم من خلال جوهر ثابت. إن «التعدد» عنده ليس مجرد تعدد في الأشياء، بل تعدد في القوى والمنظورات والقيم. ولهذا فإن دولوز حين يقرأ نيتشه لا يكتفي بشرحه؛ بل يحوّله إلى قوة مولدة لفلسفة جديدة. فنيتشه عند دولوز ليس موضوعًا تاريخيًا، بل آلة لإنتاج الاختلاف.

الجذمور، إذن، ليس مجرد شبكة من العلاقات؛ إنه طريقة في التفكير لا تعترف بأن الطريق الوحيد إلى الحقيقة يمر عبر مركز واحد. ولهذا يمكن أن يكون الكتاب نفسه جذمورًا، كما حاول دولوز وغاتاري أن يجعلا من ألف هضبة كتابًا غير هرمي، لا يفرض على القارئ بداية واحدة ونهاية واحدة، بل يسمح له بالدخول من أي موضع تقريبًا. وتلك ليست مجرد تقنية في التأليف؛ إنها، في العمق، فلسفة في الكتابة: أن تكون طريقة الكتابة متناسبة مع الفلسفة التي يدافع عنها الكتاب. [5]

من الجذمور إلى المهماز: نيتشه بوصفه أسلوبًا

إذا كان الجذمور يحرر الفكر من الجذر، فإن المهماز يحرره من السكون. وهنا نصل إلى دريدا. فكتاب Éperons. Les styles de Nietzsche لا يقرأ نيتشه بوصفه صاحب «مذهب» فقط، وإنما بوصفه صاحب أساليب. والمصطلح الفرنسي Éperon يحيل إلى المهماز الذي يستعمله الفارس لدفع الحصان، لكنه يحمل أيضًا شبكة من الدلالات المتعلقة بالحركة، والدفع، والحافة، والأثر، والجنس، والكتابة، والاختلاف. وقد صدر النص الفرنسي في سياقات متعددة، وأصبح من النصوص الأساسية في القراءة التفكيكية لنيتشه[6].   

المهماز هنا ليس أداة خارجية فحسب؛ إنه صورة لفعل الكتابة ذاته. الكتابة النيتشوية لا تسير بهدوء نحو نتيجة محددة، وإنما تدفع القارئ، تستفزه، تربكه، وتدفعه إلى إعادة السؤال. إنها كتابة ذات حدّ، ذات وخز، ذات حركة. ولذلك لا يستطيع القارئ أن يقرأ نيتشه كما يقرأ نصًا فلسفيًا تقليديًا يبحث عن أطروحة ثم يثبتها بمقدمات ويستخلص منها نتائج.

إن نيتشه يكتب كما لو أنه يضع أمام الفكر مهمازًا: «تحرك!» لا تستقر. لا تجعل من الحقيقة مأوى نهائيًا. لا تحول التأويل إلى عقيدة. لا تحوّل الفيلسوف إلى صاحب نظام. ولذلك فإن دريدا يركز في قراءته على الأسلوب Styles بالجمع، لا على الأسلوب بالمفرد. فالأسلوب النيتشوي متعدد، مراوغ، متشظٍّ، يتخذ هيئة الشذرة والاستعارة والسؤال والمفارقة والأمثولة والضربة الشعرية.  [7]

وهنا تظهر إحدى أجمل المفارقات: الجذمور يصف بنية الانتشار، والمهماز يصف قوة الدفع. الأول يجيب عن سؤال: كيف يتوزع الفكر؟ والثاني يجيب عن سؤال: ما الذي يدفع الفكر إلى الحركة؟ الأول أفقي، متعدد، شبكي؛ والثاني حاد، دافع، استفزازي. لكنهما يلتقيان في نقطة عميقة: كلاهما يرفض الفكر الساكن الذي يطلب لنفسه مركزًا نهائيًا.

نيتشه بين الخريطة والمهماز

يمكننا الآن أن نعيد بناء نيتشه من خلال صورتين لم يضعهما هو بالصيغة الاصطلاحية نفسها: الخريطة الجذمورية والمهماز التفكيكي. فالجذمور يجعل الفكر خريطة، لا شجرة نسب؛ والمهماز يجعل الفكر حركة، لا إقامة. وفي الحالتين تسقط فكرة الفلسفة بوصفها بناءً مغلقًا.

إن مفهوم «القوى» عند نيتشه يسمح بهذا الانتقال. فالقوة ليست جوهرًا ثابتًا، بل علاقة. وما دامت القوة علاقة، فإنها لا توجد في عزلة، وإنما داخل شبكة من القوى. ومن هنا يصبح الوجود نفسه أقرب إلى شبكة من التأثيرات والتوترات والتأويلات. وقد كان دولوز من أكثر من التقطوا هذه النقطة حين قرأوا إرادة القوة باعتبارها عنصرًا تفاضليًا لا مجرد إرادة للسيطرة. [8]

وهنا تتقاطع قراءة دولوز مع قراءة دريدا، رغم اختلاف المشروعين. فدولوز يستخرج من نيتشه إمكان فلسفة الاختلاف والقوى والصيرورة، بينما يستخرج دريدا من نيتشه أزمة الحضور، وعدم استقرار الدلالة، وتعدد الأساليب، واستحالة رد النص إلى معنى واحد نهائي. وكأن نيتشه، في القراءتين، يصبح فيلسوفًا لا ينتهي إلى نفسه؛ إنه يظل مفتوحًا على قراءات أخرى، وهذه القراءات لا تخونه بالضرورة، بل تكشف عن قوة النص الذي لا يستنفد في قراءة واحدة.

المهماز والمرأة والكتابة: الوجه التفكيكي

من أكثر جوانب المهماز إثارة للتأويل أن دريدا يجعل من علاقة نيتشه بالمرأة والأنوثة والكتابة مجالًا لكشف عدم استقرار الدلالة. فالمرأة عند نيتشه ليست مفهومًا يمكن القبض عليه بسهولة؛ إنها في نصوصه استعارة، وقناع، ولغز، وموضوع للرغبة، وأحيانًا صورة للحقيقة ذاتها. ولهذا تصبح محاولة تثبيت «موقف نيتشه من المرأة» في تعريف واحد نوعًا من العنف التأويلي. [9]

وهنا يؤدي المهماز وظيفته: إنه لا يسمح للنص بأن ينام داخل معنى نهائي. فكلما ظن القارئ أنه أمسك بالمعنى، وخزه النص من جديد. وهذا هو جوهر القراءة التفكيكية: المعنى ليس شيئًا موجودًا في النص ثم يأتي القارئ لاستخراجه، وإنما هو أثر يتشكل من شبكة من الاختلافات والإحالات.

ولهذا فإن عبارة نيتشه الشهيرة «لقد نسيت مظلتي*J'ai oublié mon parapluie» تصبح عند دريدا نموذجًا لعدم قابلية الكتابة للإغلاق. فالعبارة موجودة، لكن سياقها النهائي غير متاح، ولا يمكننا أن نضمن ما أراده نيتشه بها على نحو نهائي. لقد حاول جاك دريدا تفسير أسلوب نيتشه من عبارة، قول مأثور: «لقد نسيت مظلتي» لا نعرف من أين أتت هذه العبارة، ولن نعرف أبدًا ما أراد نيتشه أن يفعله أو يقوله بها. إنها معزولة عن سياقها الأصلي، عن أي نية. لا يمكننا أبدًا الكشف عن حقيقتنا أو إفشاء سرّنا. وينطبق الأمر نفسه على هذا الأسلوب: فهو ليس دائمًا قابلًا للفهم، ويجب أن يتكاثر -هذه هي إرادته للهيمنة. لكي يظهر مثل هذا المصطلح، لا يكفي أن يكون هناك "أنا" واحدة؛ بل يجب أن تكون هناك "أنا" أخرى تُقيم علاقة ما بعد الموت مع نفسها. يتناول دريدا هذه المسألة في كتابه "المهماز" كمثال على استحالة امتلاك النية النهائية للنص. [10]

إن «نسيان المظلة» ليس تفصيلًا هامشيًا؛ إنه صورة مذهلة عن النص الذي يترك شيئًا خلفه ولا يمكن للقارئ أن يستعيده كاملًا. هنا تتحول الكتابة إلى أثر، والأثر إلى سؤال، والسؤال إلى تأويل لا ينتهي.

الجذمور والمهماز: نحو قراءة واحدة للاختلاف

إذا جمعنا المفهومين، أمكننا أن نقول إن الجذمور يمنحنا جغرافيا نيتشه، والمهماز يمنحنا ديناميته. الجذمور يقول إن الفكر لا يملك مركزًا واحدًا؛ والمهماز يقول إن الفكر لا ينبغي أن يستقر في مركز. الجذمور يفتح شبكة الاتصالات، والمهماز يدفع إلى الحركة داخلها.

وبهذا المعنى يمكن قراءة نيتشه باعتباره فيلسوفًا سبق المفهومين دون أن يكون قد صاغهما اصطلاحيًا. فقد فكك منطق الأصل، وأربك ثنائية الحقيقة والخطأ، ونقل الفكر من البحث عن الجوهر إلى تحليل القوى، ومن اليقين إلى المنظور، ومن النظام إلى الصيرورة. ثم جاء دولوز وغاتاري ليمنحا هذا الإرث صورة نباتية-أنطولوجية هي الجذمور، وجاء دريدا ليمنحه صورة أسلوبية-تفكيكية هي المهماز.

إن الفارق بينهما مهم: دولوز يريد أن يجعل من نيتشة. [11] قوة إيجابية لإنتاج فلسفة الاختلاف؛ دريدا يريد أن يكشف في نيتشه قوة النص التي تقاوم كل محاولة لإغلاقها. الأول يقرأ نيتشه من جهة القوى والصيرورات، والثاني يقرأه من جهة الكتابة والأسلوب والأثر. لكن كليهما يرفض تحويل نيتشه إلى تمثال فلسفي.

وهذا هو سرّ نيتشه: أنه كلما حاولنا أن نضعه في مركز، تحرك؛ وكلما حاولنا أن نمنحه تعريفًا نهائيًا، انفلت؛ وكلما جعلناه أصلًا، أنتج فروعًا جديدة. إنه، بلغة تأويلية، فيلسوف لا يسكن في مفهومه، بل يسكن في إمكانات المفهوم.

خاتمة: نيتشه الذي لا يتجذّر

لعل أجمل ما يمكن أن نستخلصه من الجذمور والمهماز هو أن نيتشه لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره «جذرًا» لفلسفات ما بعده، لأن تحويله إلى أصل مؤسس يعيد إنتاج النموذج الذي كان نيتشه نفسه يعمل على خلخلته. الأفضل أن نفهمه بوصفه جذمورًا من حيث الأثر، ومهمازًا من حيث الدفع: جذمورًا لأن أفكاره لا تنمو من مركز واحد، ومهمازًا لأنها لا تسمح للفكر بالبقاء في موضعه.

وهكذا لا يكون نيتشه بداية خطية لدولوز ودريدا، بل حقلًا مفتوحًا تتقاطع فيه مسارات متعددة. دولوز يأخذ منه الاختلاف والقوة والصيرورة، ودريدا يأخذ منه الأسلوب والقناع والتأويل وعدم انغلاق الدلالة. وبين الاثنين يبقى نيتشه حاضرًا لا كأبٍ فلسفي، بل كقوة إزاحة.

إن الجذمور يقول لنا: لا تبحث عن الجذر، بل عن الاتصالات. والمهماز يقول: لا تستقر في المعنى، بل دع النص يدفعك إلى معنى آخر. وبينهما تتشكل نيتشوية تأويلية جديدة: فلسفة لا تبحث عن أرض نهائية للمعنى، بل عن إمكانات جديدة للعبور.

ولعل هذا هو الدرس النيتشوي الأعمق: أن الفكر لا يكون حيًا حين يمتلك الحقيقة، بل حين يمتلك القدرة على إعادة خلق السؤال.

***

بقلــم: د. معروفي العيد

.........................

الهوامش والمراجع:

[1] جيل دولوز وفليكس غاتاري، ألف سطِيحة: الرأسمالية والفصام 2، ترجمة وتقديم: عبد العزيز العيادي، منشورات الجمل/ العراق بغدد، الشارقة/ الإمارات العربية المتحدةط1 20223 في ترجمة «الجذمور»، وانظر خصوصًا المقدمة المعنونة «الجذمور». والنص الفرنسي: Gilles Deleuze et Félix Guattari, Mille plateaux. Capitalisme et schizophrénie 2, Paris, Les Éditions de Minuit, 1980, pp. 9–37. وتؤكد المصادر الفرنسية أن «Rhizome» ظهر أولًا في نص مستقل سنة 1976 ثم صار مقدمة Mille plateaux.

[2] فريدريك نيتشه، ما وراء الخير والشر : تباشير فلسفة للمستقبل، ترجمة : جيزيلا فالور حجّار، مراجعة: موسى وهبة، دار الفارابي،2003، ص. 27 وما يليها؛ وانظر الأصل الفرنسي : Friedrich Nietzsche, Par-delà bien et mal, trad. Patrick Wotling, Paris, Flammarion, 2000.

[3] Gilles Deleuze, Nietzsche et la philosophie, Paris, Presses Universitaires de France, 1962, notamment pp. 7–15.

[4] Deleuze et Guattari, Mille plateaux, op. cit., pp. 13–14، حيث يقدمان الجذمور بوصفه نظامًا يربط نقطة بأي نقطة، ويعارضان به النموذج الشجري. وتؤكد المصادر المتاحة صيغة «connecte un point quelconque avec un autre point quelconque».

[5] المرجع نفسه، ص. 33 بالطبعة الفرنسية؛ وتظهر في النص العبارة التي يربط فيها المؤلفان بين شكل الكتاب وطبيعة الجذمور، إذ يؤكدان أنهما باشرا كتابة الكتاب «كجذمور.

[6] Jacques Derrida, Éperons. Les styles de Nietzsche, Paris, Flammarion, 1978. وقد ظهرت للكتاب ترجمات عربية، منها: ترجمة، عزيز توما وتقديم ومشاركة في الترجمة ابراهيم محمود، بعنوان المهماز: أساليب نيتشه، دار الحوار للنشر والتوزيع-سوريا_ اللاذقية، ط١ ٢٠١٠.

[7] Jacques Derrida, Éperons. Les styles de Nietzsche, op. cit.، ولا سيما الصفحات التي يشتغل فيها دريدا على تعدد «الأساليب» وعلاقة الكتابة بالاختلاف الجنسي والاستعارة والقناع. ويمكن الرجوع إلى الطبعة الفرنسية المنشورة لدى Flammarion.

[8] Gilles Deleuze, Nietzsche et la philosophie, op. cit., pp. 49–57، حيث يطور دولوز قراءته لإرادة القوة باعتبارها علاقة بين قوى متمايزة لا مجرد إرادة سيطرة بالمعنى المبسط.

[9]    جاك دريدا المهماز أساليب نيتشه : ترجمة، عزيز توما وإبراهيم محمود، دار الحوار للنشر والتوزيع، سوريا ـــــــ اللاذقية ـــــ ط 1 2010، ص، 128. يقول في هذا السياق جاك دريدا:" إن جميع النعوت والسمات والجاذبية التي عرفها نيتشه عن المرأة كالمسافة المضللة، كالمنيعة التي تجذب الأنظار، كالوعــد المتخفي وراء الحجاب، كالتعالي الذي يصنـع الرغبة، كالــــ Enferung تنتمي إلى تاريخ الحقيقة بوصفه تاريخ عثرة. " الصفحة ذاتها.

[10] المرجع ذاته، ص، 163-173.

[11] Frédéric Porcher, La question-Nietzsche. Les normes au carrefour du vital et du social, Paris, Vrin, 2023. وتفيد الدراسة في تأكيد المكانة التي احتلها نيتشه في الفكر الفرنسي المعاصر، ولا سيما عند فوكو ودولوز وغاتاري.

قراءة في ضوء دراسات ديداكتيكية وفلسفية معاصرة

فرش إشكالي: لا يزال الدرس الفلسفي في الجزائر منذ الانتقال من بيداغوجيا الأهداف إلى بيداغوجيا الكفايات، يعيش انفصاما بين نصوص الوثائق الرسمية وذهنية التدريس، إذ بقي رهين منطق قديم وقد وضع المرحوم البشير ربوح إصبعه على هذا الجرح حين ميز بين العقول والذهنيات، فالذهنيات التي تعودت إجراء الدرس بطريقة الأهداف نقلت ذهنيتها معها، وأرادت أن تضع الدرس الجديد في قالب قديم بحركة مقصّية(1)، هذه الملاحظة لا تختزل الأزمة في تقصير إجرائي يعالج بالتكوين التقني، بل ترتبط بسؤال أعمق: ما المفهوم الفلسفي في ذاته؟ وكيف يبنى داخل الدرس والمقال الفلسفي؟ وإذا كان المفهوم كما سيتبين كائنا ترحاليا لا ينحصر في تعريفه، فإن كل بيداغوجيا تبدأ بالتعريف الجاهز وتنتهي عنده تكون قد أخطأت في موضوعها قبل أن تخطئ في منهجها، وقد أكدت دراسات مغاربية هذه الفجوة، فالمقاربة بالكفايات تفترض تدرجا في بناء القدرات الفلسفية (الاستشكال، بناء المفاهيم، الحجاج)، لكن الممارسة ما تزال غالبا أسيرة منطق الأهداف(2).

أزمة الانتقال البيداغوجي عند البشير ربوح

كانت بيداغوجيا الأهداف بمرجعيتها السلوكية (بافلوف وواطسون)، تفترض مساراً خطياً محكوماً، تعريف يفتتح به الدرس، ثم إشكال ثم نظريات تعرض جدلياً وهي من حيث بنيتها، تعمل على تنشيط الذاكرة لا الفكر، إذ من أبرز سماتها أنها «تنشط الذاكرة ولا تنشّط الخيال»، ولا تنتج طالباً أفضل بقدر ما تنتج مريدين وأتباعاً.

أما بيداغوجيا الكفايات، بمصادرها المتعددة (البيداغوجيا الفارقية، فكرة المقاربة عند باشلار، أعمال جانييه وتشومسكي)، فتفترض درساً عامراً بالنتوءات، معدا لطلبة مختلفي الذكاءات، وتشتغل على بناء المفهوم من خلال معالجة الإشكال وفق ترتيب دقيق هو إشكال، فمفهمة، فحجاج، لا مفهمة ثم إشكال كما يفعل المتأخرون.

وقد أنتج هذا الالتحام غير المكتمل أعراضاً ظاهرة، أستاذ تعوّد افتتاح درسه بـ«التعريف» لا يجد في الدرس المصاغ بالكفايات تعريفاً مفتتحاً فيدور في حلقة مفرغة، وسؤال بكالوريا الفلسفة لا يزال يصاغ لمشكلة جزئية واحدة بدل إشكالية جامعة تربط عدة مشكلات في أفق واحد. والخلاصة عند ربوح أن البيداغوجيا هي الخلفية الفكرية التي تسيّر الدرس، وأن المنسوب الذي يصعد به المدرس في هذه الخلفية هو الذي يحدد مقدرته على التدريس. وهذا يتوافق مع بحوث ديداكتيكية حديثة أبرزت أن المقاربة بالكفايات تتطلب تفعيل ثلاث كفايات: المفهمة، والأشكلة، والمحاججة، وأن غياب الخلفية الفلسفية للمدرّس يحوّلها إلى إجراءات شكلية. (3)

تأصيل المفهوم في ضوء دراسة مهدي قوام صفري والدراسات المعاصرة

تنطلق قراءتنا من كتاب مهدي قوام صفري «المفهوم: ماهيته ودلالته الاصطلاحية والمعرفية والفلسفية» ، وهو من أكثر الدراسات العربية حداثة وأناةً في هذا الموضوع، والمفهوم عند صفري «اسم للوجود الذهني» له غرض التفاتي وحكائي، فلا يمكن التوقف عنده بالحفاظ على حيثيته المفهومية إلا بصرف النظر عما يحكي عنه، «وهذا بحد ذاته يعني سبقَ المحكيِّ عنه على الحاكي»(4). وبهذا يقدم أساسا منطقياً للتمييز الذي اقام عليه البشير ربوح محاضرته حول أهمية المفهوم في الدرس الفلسفي، فالمفهوم ليس لفظاً محفوظاً بل فعل معرفي ذو اتجاه، ويجد التمييز شاهده في حوار صفري مع توماس ترموس المصطلح «وحدات معرفية ذات محتوى قار»، أما المفهوم فليس قاراً بل «أكثر استقلالاً عن السياق»؛ فالمصطلح ثابت قابل للاتفاق، والمفهوم حركي يقبل المساءلة والتطوير.

ويستحضر صفري المقولة المنسوبة إلى الفارابي «المفهوم نصف مفهوم ما لم يُعرَّف»، معتبراً التعريف شرطاً لازماً لإدراك صورة المعلوم. وهنا يتفق الصفري مع البشير ربوح: «التعريف هو تنزيل المفهوم في ألفاظ» غايته «تقريب المعنى إلى الطالب»، ومن اعتبر التعريف هو المفهوم فقد قام بقتل المفهوم وليس بقتل التعريف»(5) . ويذهب شفيق اكريكر بهذا التمييز إلى أقصاه، فالمفهمة إذا اختزلت في تعريف يلقى على المتعلم تحكمياً في بداية الدرس، تجعل الفهم متحققا منذ اللحظة الأولى، فتنتفي ضرورة استمرار الدرس أصلاً. مستعيراً من هيغل عبارة عمل المفهوم ويستشهد ببرغسون الذي اكد ان مطالبة الفيلسوف بتعريفات واضحة منذ البداية تتناسى أن تعريف الكلمة هو بالضبط الغاية التي نسعى إليها في نهاية المطاف، وحتى تعريفات إسبينوزا المسبقة في الأخلاق لا تكتسب قوتها إلا بالتطور الخطابي اللاحق الذي يبرّرها بأثر رجعي(6).

ويمنح طه عبد الرحمن هذا الشرط صياغة أدق حين يميز، ضمن مشروعه «فقه الفلسفة»، شرطين لتحقق ما يسمّيه «الانفهام التداولي» للمفهوم الفلسفي: أن يقترن المفهوم بلفظ يمكن أن يوضَع من فعل الإفهام والفهم معاً، وأن يقترن بسياق استعمالي أو "مقام" يحقق له صفة الانتساب إلى مجال تداولي مخصوص(7). فالمفهوم، بخلاف اللفظ المعجمي الثابت، لا يكتمل معناه إلا داخل حركة تواصل فعلية بين منشئ ومتلق.

المفهوم يخلق لا يعطى

يذهب دولوز وغتاري في كتابهما «ما هي الفلسفة؟» إلى أن الفلسفة ذاتها فعل ابداع المفاهيم، فتتميز بذلك عن العمل بالوظائف عند العلم وعن العمل بالإحساسات عند الفن، والمفهوم عندهما لا يعطى جاهزا بل يخلق، وهو تعددية ذات مكونات تتوزّع على مستوى محايثة يمثّل صورة الفكر ذاته(8). وكل مفهوم فلسفي موقع باسم مبدعه مثلا جوهر أرسطو، كوجيتو ديكارت، مونادا لايبنتز ... بحيث يفقد معناه إن اقتطع من نسقه، وهو ما يفسّر معضلة ديداكتيكية يرصدها عبد العاطي فنان، فالكتاب المدرسي المغربي مثلا يوظف نص ديكارت في درس «الشخص» رغم أن ديكارت لم يتحدث قط عن «الشخص» بل تحدث عن «الذات». والحل الذي يقترحه فنان هو طرح سؤال أعمّ «ما الإنسان؟» يفتح المجال لاستدعاء ديكارت شرعياً دون تزييف نسقه(9). وهذا يمنح عبارة البشيرربوح «المحضن ليس سجناً ولا أسراً للمفهوم» سنداً نظرياً دقيقاً، فمفهوم اللاشعور مثلا يترحّل من لايبنيز إلى نيتشه إلى فرويد إلى اللاشعور المعرفي عند فوكو، متجدداً في كل محطة دون أن ينتمي نهائياً إلى أيٍّ منها(10).

غير أن هذه الدعوى الدولوزية أن الفلسفة وحدها صانعة المفاهيم ليست مسلمة بإجماع. حيث يعرض عبد الرزاق بلعقروز، في مقاله «سؤال المفهوم في الفلسفة»، اعتراض الإبستمولوجي الفرنسي جيل غاستون غرانجيه، والمتمثل في ان حصر الفلسفة بإبداع المفاهيم يفترض إقرارا بانفصالها عن المعرفة العلمية وتخليصها من التمثلات الفردية والمشاعر الخيالية، والحال أن جابر بن حيان والخوارزمي وابن الهيثم، وكذلك داروين وكانتور، أبدعوا مفاهيم علمية لا يمكن إنكار قيمتها المعرفية رغم أنهم لم يكونوا فلاسفة بالمعنى التخصصي(11). ولا يحل غرانجيه الإشكال بإلغاء خصوصية المفهوم الفلسفي، بل باستعارة فكرة التشابه العائلي من فتغنشتاين، فالمفاهيم الفلسفية كالمفاهيم العلمية، تجمع صفات مشتركة بين الأشياء دون أن تستغرقها جميعاً من التجربة الحية، فتتشابه كما يتشابه أفراد العائلة الواحدة بعضها ببعض في صفة، دون أن يشترك الجميع في صفة واحدة جامعة(12). وهذا يعني أن المفهوم الفلسفي، خلافاً لدولوز، ليس نوعاً خالصاً من جنس المفهوم العلمي المحض، ولا هو من جنس المدرك الذوقي الأدبي، بل يتوسل بالنظر العقلي والاستدلال البرهاني كالعلم، ويستثمر لغته الطبيعية ومجاله الاستشكالي الخاص كالأدب وهذا بالضبط ما يجعل ترحاله ممكنا بين مذاهب الفلاسفة دون أن يتحول إلى ثابت علمي جامد.

الجذر الحسّي والتأثيل اللغوي للمفهوم

يبيّن فنان أن كثيراً من المفاهيم الفلسفية، رغم تجريدها التام، تحتفظ بجذر حسّي في لغتها الأصلية: فـالحدس (Intuition)، الذي يعربه طه عبد الرحمن بـ«الاستبصار»، مشتق من بصر الدالة على الرؤية؛ والإدراك مشتق من أدرك المرتبطة بالحواس. وكما بنى أفلاطون مفهوم المثال انطلاقاً من استعارة بصرية في أسطورة الكهف، يمكن للمدرّس أن ينطلق من الأساس المحسوس قبل التجريد(13). ويُفصِّل فنان الآلية اعتماداً على أرسطو وابن سينا، يصبح الشيء مفهوما حين تنزع عنه العوارض غير اللازمة لوجوده، مع الإبقاء على ما تقوّم الماهية وهذا التجريد أو الانتزاع هو الآلية المشتركة لبناء كل المفاهيم، وإن اختلفت دلالاتها باختلاف الأنساق الفلسفية.

ويصوغ علي حرب هذه الآلية بلغة أكثر ديناميكية يستحضرها بلعقروز، فيصف بناء المفهوم بـ«المنطق التحويلي»: عملية مزدوجة أو مركبة، تحويل للموضوع بقدر ما هو تكوين للمفهوم، وتحويل للواقع بقدر ما هو توليد للغة، بحيث لا يكون المفهوم إلا ذا مفعول تحويلي على الذات والتجربة معاً(14). أما طه عبد الرحمن فيضيف بعداً تأثيلياً حاسماً، إذ يرفض أن تكون معاني الفلسفة خالدة أو كونية بمعزل عن البنية اللفظية الخاصة التي ولد فيها المفهوم، ويرى أن اقتران المفهوم الفلسفي بمحسوسه يشتمل أساساً على ثلاثة عناصر: الأفراد المشخَّصة التي يندرج تحتها المفهوم، واللفظ الخاص الدالّ عليه، والاستعمال المقامي الذي يجعله مختصاً به دون سواه(15). ومن ثم فالمفهوم عنده لا ينفصل عن أصله اللغوي انفصالاً تاماً.

من الفلسفة إلى بناء الدرس

هنا تأتي الترجمة العملية لهذا التأسيس النظري. حيث يقدم ميشال توزي تعريفاً تشغيلياً للتفلسف بوصفه تركيباً لثلاث قدرات: المفهمة (تعريف المفاهيم والتمييز بينها)، والأشكلة (فتح مسافة نقدية إزاء الرأي المطروح)، والمحاججة (تأسيس الموقف عقلياً)(16). ويضيف حميد اعبيدة أن القدرة على المفهمة تستلزم، للمعنى العام بوصفه أرضية للتفلسف، علاقةً مع اللغة حين يعبر عنه بكلمة، وعلاقةً مع الفكر حين يحيل إلى فكرة، وعلاقةً مع الواقع بوصفه موضوعاً للفكر، مع ملاحظته صعوبة رسم حدود فاصلة بين المفهمة والأشكلة والمحاججة عملياً في الممارسة التطبيقية داخل القسم رغم وضوح التمييز نظرياً وهي ملاحظة تبقي باب النقد مفتوحاً أمام أي تطبيق آلي جامد لترتيب «إشكال ثم مفهمة ثم حجاج» كما لو كان وصفة صارمة17.

وتبيّن دراسات ديداكتيكية مغربية أن هذه الثلاثية ليست وليدة الإصلاحات الأخيرة؛ فقد اعتمد في المغرب لفترة برنامج فرنسي باسم «المفاهيم» قبل أن يستبدل باستراتيجية الكفايات المستندة إلى النظرية البنائية عند بياجيه(18). وهذا يمنح السياق الجزائري عمقاً إقليمياً أوسع، فالانتقال من الأهداف إلى الكفايات ليس قطيعة محلية، بل حلقة في مسار مغاربي أشمل. ويقترح فنان استراتيجية مركّبة مستوحاة من ثلاثة فلاسفة–مدرّسين: سقراط، الذي يفحص تمثّلات المتعلمين ويبيّن قصورها تدريجياً كما في تعريفات العدالة المتعاقبة بالجمهورية، أرسطو الذي يبني درسه بخطوات منهجية صارمة من خلال تحديد الموضوع، عرض الصعوبات، فحص آراء السابقين نقدياً، ثم التعريف والتفصيل كما في كتاب النفس؛ وابن رشد، الذي ينظم فصل المقال في خمس لحظات تنتهي بانفتاح الموضوع على إشكال جديد(19). وهذا التنويع يسند خلاصة ربوح بأن شرعية التنويع في بناء المفهوم لا تتناقض مع الانضباط المنهجي، بل هي أثر طبيعي لتعدد الفلسفات نفسها؛ وكما يذهب محمد متوكيل، فكل فيلسوف مُلزَم منطقياً بابتكار مفاهيمه الخاصة التي تجسّد مسار اشتغاله وتنظّم خطابه(20).

خاتمة

تُظهر هذه القراءة أن أزمة تدريس الفلسفة في الجزائر ليست أزمةَ تقنيات بيداغوجية فحسب، بل أزمة تصور لماهية المفهوم الفلسفي ذاته. فما دام المفهوم يعامل بوصفه معطى جاهزا يعرف فيفتتح به الدرس ويحفظ فيستظهر في الامتحان، ستظل بيداغوجيا الكفايات شكلاً بلا مضمون مهما تبدلت الوثائق الرسمية، أما إذا أُدرك المفهوم بوصفه فعلاً ترحالياً يولد من إشكال يؤسسه، ويبنى بمفهمة تتدرج من الحسي إلى المجرَد ومن الاقتران باللفظ إلى الاقتران بالمقام، ويثبَت بحجاجٍ يمنحه قوته الإقناعية، ويعاد خلقه كلما انتقل من نسق فلسفي إلى آخر دون أن يذوب في نسق علمي محض أو ذوق أدبي محض أمكن حينئذٍ أن يصير الدرس الفلسفي ورشةً لخلق المفاهيم، لا متحفاً لعرضها.

***

عمرون علي

.........................

قائمة المراجع

1.  ربوح، البشير، محاضرة «المفهوم الفلسفي في الدرس»، جمعية الدراسات الفلسفية — مكتب ولاية سطيف.

2.  شرقي، محمد، «تدريس الفلسفة بين التنظير والممارسة: قراءة في التجربة المغربية.

3.  المرجع نفسه؛ وانظر أيضاً: توزي، ميشال، وآخرون، أعمال حول الكفايات الفلسفية.

4.  صفري، مهدي قوام، المفهوم: ماهيته ودلالته الاصطلاحية والمعرفية والفلسفية، تعريب حيدر نجف، مركز الفهرسة ونظم المعلومات — العتبة العباسية المقدسة، 2019.

5.  ربوح، مرجع سابق.

6.  اكريكر، شفيق، «دروس وديداكتيك الفلسفة»، منشور 27 ديسمبر 2021.

7.  طه عبد الرحمن، القول الفلسفي: كتاب المفهوم والتأثيل (ضمن مشروع «فقه الفلسفة»)، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ص 120؛ كما ورد في: بلعقروز، عبد الرزاق، «سؤال المفهوم في الفلسفة: أو مقدّمة لكل مفهمة يمكن أن تصير إبداعاً»، جامعة فرحات عباس – سطيف.

8.  دولوز، جيل وغتاري، فيليكس، ما هي الفلسفة؟، ترجمة مطاع صفدي، مركز الإنماء العربي، 1997؛ وانظر أيضاً ترجمة حسونة المصباحي: جيل دولوز، مسار فيلسوف: حوارات ونصوص في الفلسفة، دار المعرفة للنشر، تونس، 2005.

9.  فنان، عبد العاطي، «المفهوم الفلسفي: التحديد الأكاديمي والتوظيف الديداكتيكي»، أنفاس نت، 5 فبراير 2016.

10.        ربوح، مرجع سابق؛ صفري، مرجع سابق.

11.        بلعقروز، عبد الرزاق، مرجع سابق، عن: G.G. Granger, Pour la connaissance philosophique, Odile Jacob, Paris, 1988.

12.        المرجع نفسه.

13.        فنان، مرجع سابق.

14.        حرب، علي، الماهية والعلاقة – نحو منطق تحويلي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، 1998؛ كما ورد في: بلعقروز، مرجع سابق.

15.        طه عبد الرحمن، مرجع سابق، ص 177 و185؛ كما ورد في: بلعقروز، مرجع سابق.

16.        توزي، ميشيل، "مقاربة بالكفاءات في الفلسفة؟"، أبحاث في الديداكتيك.

17.        اعبيدة، حميد، «إشكالية المفهمة في الفلسفة وفي تدريسها»، aljabriabed.net.

18.        دراسات حول الاستراتيجية البنائية عند بياجيه في التدريس بالكفايات، كما وردت في الدراسات المغاربية المشار إليها في الهامش (2).

19.        فنان، مرجع سابق.

20.        متوكيل، محمد، «انفهامية المفهوم الفلسفي»، أنفاس نت.

مقدمة: ليست علاقة الفرد بالآخر علاقة تقع بين كيانين مكتملين، يقف أحدهما في مواجهة الآخر كما تقف الأشياء المتجاورة في المكان؛ فالفرد لا يوجد أولًا ثم يلتقي بالآخر لاحقًا، بل إن جزءًا أساسيًا من وجوده يتشكل في العبور نحو الآخر. فالإنسان لا يكتشف ذاته في عزلة تامة، وإنما يكتشفها عندما يرى نفسه في مرآة الآخر، ويصطدم به، ويحاوره، ويحبه، ويختلف معه، ويخضع له أو يقاومه، ويمنحه اعترافًا أو يحجبه عنه.

ومن هنا يمكن لفلسفة العبور أن تقترح قراءة مختلفة للعلاقة بين الفرد والآخر: الآخر ليس خارج الذات بصورة مطلقة، كما أن الذات ليست جزيرة مغلقة؛ إنهما يدخلان في حركة عبور مستمرة، يعيد فيها كل طرف تشكيل الآخر وتشكيل نفسه.

1. من الفرد المغلق إلى الفرد العابر

تبدأ المشكلة من التصور التقليدي للفرد بوصفه وحدة مستقلة: «أنا» في جهة، و«الآخر» في جهة أخرى. ويبدو المجتمع، وفق هذا التصور، وكأنه فضاء يأتي بعد اكتمال الفرد. لكن فلسفة العبور تقلب هذه العلاقة.

فالفرد لا يصل إلى المجتمع بعد أن يكتمل، وإنما يتكون عبر المجتمع. اللغة التي يقول بها «أنا» لم يصنعها وحده، والقيم التي يحكم بها على الأشياء لم تولد كلها داخله، والصور التي يكونها عن نفسه تتشكل عبر نظرات الآخرين، وحتى مفهومه عن النجاح والفشل والقوة والضعف والفضيلة والرذيلة يحمل آثار البيئة التي عبر من خلالها.

إن «أنا» الفرد تحمل دائمًا شيئًا من «هم». ولهذا يمكن صياغة مبدأ أول: الفرد ليس نقطة بداية العلاقة بالآخر، بل هو أحد نتائجها. فالآخر لا يظهر فقط عندما أقابله؛ إنه حاضر في الطريقة التي أفكر بها عن نفسي حتى عندما أكون وحيدًا.

2. الآخر بوصفه مرآة للذات

حين ينظر الإنسان إلى نفسه، فإنه لا يرى دائمًا ذاته كاملة. يحتاج إلى مسافة يستطيع من خلالها أن يكتشف ما لا يستطيع رؤيته من الداخل.

وهنا يصبح الآخر مرآة. لكن المرآة ليست محايدة؛ فالآخر قد يمنحني صورة عن نفسي تختلف عن الصورة التي صنعتها عن ذاتي. قد يراني قويًا وأنا أرى نفسي ضعيفًا، أو يراني متسلطًا وأنا أعتقد أنني عادل، أو يراني كريمًا وأنا أعتقد أن ما أفعله مجرد واجب. لذلك فإن العلاقة بالآخر يمكن أن تتحول إلى اختبار للذات. ومن هنا يصبح «عبور الذات إلى ذاتها» ممكنًا عبر المرور بالآخر.

فالذات لا تعود إلى نفسها مباشرة؛ إنها تغادر نفسها أولًا، تدخل فضاء الآخر، ثم تعود محملة بصورة جديدة عن ذاتها. أحيانًا لا نعرف أنفسنا إلا بعد أن نعبر من خلالها إلى الآخر. وهذا أحد أهم المعاني التي يمكن أن تضيفها فلسفة العبور إلى سؤال الفرد.

3. الآخر ليس مجرد شخص

الآخر في هذه المقاربة لا يعني الإنسان المقابل لي فقط. إنه أوسع من ذلك. قد يكون الآخر: * شخصًا. " جماعة. " أسرة. " مجتمعًا. " ثقافة. " دينًا. " مؤسسة. " سلطة. " فكرة. " وحتى صورة متخيلة عن الإنسان الذي ينبغي أن أكونه. وبذلك تصبح علاقة الفرد بالآخر شبكة من الممرات.

فالأسرة تعبر إلى الفرد من خلال التربية، والمجتمع يعبر إليه من خلال العادات، والدين يعبر إليه من خلال القيم والطقوس، والدولة تعبر إليه من خلال القانون، والسلطة تعبر إليه من خلال المراقبة والانضباط، والثقافة تعبر إليه من خلال اللغة والرموز.

وفي الاتجاه الآخر يعبر الفرد إلى هذه البنى من خلال الممارسة والرفض والاختيار والتأويل والمقاومة. وهنا تظهر علاقة أكثر تعقيدًا: المجتمع يعبر إلى الفرد، والفرد يعبر إلى المجتمع. إنها ليست علاقة اتجاه واحد، وإنما حركة ذهاب وإياب.

4. من الاعتراف إلى الصراع

غير أن العبور نحو الآخر ليس دائمًا عبورًا هادئًا. فالآخر قد يكون مصدر اعتراف، لكنه قد يكون أيضًا مصدر تهديد. وقد يكون شرطًا لوجود الذات، لكنه قد يحاول في الوقت نفسه إلغاء استقلالها. وهنا يظهر الصراع.

يريد الفرد أن يكون معترفًا به بوصفه فردًا، لكن الجماعة قد تطلب منه أن يكون نسخة منها. ويريد المجتمع أن يحافظ على تماسكه، في حين يريد الفرد مساحة للاختلاف. ومن هنا تولد واحدة من أقدم مشكلات الاجتماع الإنساني: كم يستطيع الفرد أن يختلف دون أن يتحول اختلافه إلى قطيعة؟ وكم يستطيع المجتمع أن يطلب من الفرد الانتماء دون أن يتحول الانتماء إلى إلغاء؟

فلسفة العبور لا تحل المشكلة بإلغاء أحد الطرفين، بل تبحث عن الممر بينهما. فالمطلوب ليس فردًا بلا مجتمع، ولا مجتمعًا بلا فرد، وإنما علاقة تسمح بالانتقال بين الخصوصية والمشترك.

5. الحب بوصفه أرقى أشكال العبور

إذا كان الصراع أحد أشكال العلاقة بالآخر، فإن الحب يمثل شكلًا آخر أكثر عمقًا. الحب يجعل الآخر حاضرًا في بنية الذات، لكنه يضع أمامنا سؤالًا أخلاقيًا خطيرًا: هل أحب الآخر لأنه آخر، أم أحاول امتلاكه وتحويله إلى جزء مني؟ هنا يمكن لفلسفة العبور أن تميز بين شكلين: العبور إلى الآخر وابتلاع الآخر. في الأول، تقترب الذات من الآخر مع إبقاء المسافة التي تحفظ اختلافه. أما في الثاني، فإن الذات تريد أن تلغي المسافة، فتجعل الآخر ملكًا لها. ولهذا فإن الحب الأخلاقي ليس إلغاءً للآخر، بل اعترافًا باختلافه. ومن ثم يمكن أن نقول: الحب هو عبور الذات نحو الآخر دون مصادرة حق الآخر في أن يبقى آخر. وهذه الفكرة تجعل العلاقة بالآخر قضية أخلاقية لا عاطفية فقط.

6. الجسد: حين يصبح الآخر قريبًا من الداخل تزداد المسألة تعقيدًا عندما ننتقل إلى الجسد.

فالجسد ليس ملكًا خاصًا للفرد بالمعنى البسيط؛ إذ إن المجتمع يضع عليه قواعده، ويحدد المقبول والمرفوض، ويصوغ معايير الاحتشام والجمال والذكورة والأنوثة والعمل والانضباط والرغبة. وهنا تحدث عملية عبور شديدة الأهمية: تعبر القاعدة الاجتماعية إلى الجسد، فيتحول الخارج إلى سلوك داخلي.

قد لا يحتاج المجتمع إلى مراقبة الفرد في كل لحظة؛ يكفي أن تصبح القاعدة جزءًا من وعيه حتى يبدأ الفرد بمراقبة نفسه. وهنا نصل إلى أحد أعمق ممرات فلسفة العبور: حين تعبر السلطة من الخارج إلى الداخل، لا تعود بحاجة إلى أن تقف خارج الفرد. وهذا يجعل علاقة الفرد بالآخر مرتبطة أيضًا بعلاقة الفرد بالسلطة. فالآخر قد يكون شخصًا، وقد يكون عينًا اجتماعية، وقد يكون مؤسسة، وقد يكون سلطة أصبحت مقيمة في داخل الفرد.

7. قول الحقيقة: الفرد أمام الآخر هناك مستوى آخر للعلاقة يتمثل في الحقيقة.

عندما يقول الفرد الحقيقة، فهو لا يعبّر عن فكرة فحسب؛ إنه يضع ذاته أمام الآخر. ولذلك فإن قول الحقيقة قد يحمل مخاطرة، لأن الحقيقة يمكن أن تهدم الصورة التي يريد الآخرون المحافظة عليها.

الفرد هنا يعبر من الصمت إلى الكلام، ومن الخوف إلى المواجهة، ومن الذات الخاصة إلى الفضاء العام. لكن العبور لا يحدث بلا ثمن. قد يخسر الفرد موقعه، أو علاقته، أو امتيازه، أو أمانه، لأنه اختار أن يجعل ما كان مخفيًا مرئيًا. ومن هنا تصبح الحقيقة نفسها ممرًا: قول الحقيقة هو عبور الفرد من حماية ذاته إلى اختبارها أمام الآخر.

8. هل يمكن أن يوجد الفرد دون الآخر؟

ربما يكون السؤال الأكثر جذرية هو: هل نستطيع تصور فرد مستقل تمامًا عن الآخر؟ تبدو الإجابة سلبية. حتى الفرد الذي يرفض المجتمع يحتاج إلى المجتمع لكي يكون رفضه ذا معنى. وحتى من يريد العزلة يحمل معه لغة المجتمع وذكرياته وقيمه وتجارب علاقاته السابقة.

الإنسان لا يستطيع أن يخرج من الآخر بسهولة؛ لأن الآخر ليس دائمًا شيئًا خارجيًا.

إنه يسكن في اللغة، والذاكرة، والجسد، والعادة، والضمير، والصورة التي نكونها عن أنفسنا. لكن هذا لا يعني أن الفرد مجرد انعكاس للمجتمع. فهنا تبدأ الحركة المعاكسة.

الفرد يستطيع أن يعيد تفسير ما ورثه، وأن يرفضه، وأن يحوله، وأن ينتج معنى جديدًا، وبذلك يعبر هو أيضًا إلى المجتمع. ولهذا فإن العلاقة ليست: المجتمع والفرد فقط، بل: المجتمع ⇄ الفرد. وهذه العلامة المتبادلة ربما تكون من أبسط الصيغ التي يمكن أن تختصر فلسفة العبور الاجتماعي.

خاتمة:

من منظور فلسفة العبور، لا ينبغي أن ننظر إلى الآخر بوصفه جدارًا يقف في نهاية الذات، ولا بوصفه نسخة أخرى منها، وإنما بوصفه ممرًا تتشكل الذات من خلاله وتعيد تشكيله.

الفرد يعبر إلى الآخر لكي يعرف نفسه، والآخر يعبر إلى الفرد لكي يشارك في تكوينه؛ المجتمع يعبر إلى الجسد، والسلطة تعبر إلى السلوك، والقيمة تعبر إلى الفعل، والحب يعبر من الذات إلى الآخر، والحقيقة تعبر من الصمت إلى المجال المشترك.

وبذلك يصبح الإنسان كائنًا عابرًا بالمعنى العميق للكلمة: لا يعيش داخل حدود ذاته، وإنما تتكون ذاته من الأشياء التي تعبر إليها، ومن الأشياء التي يعبر هو إليها. ولعل المسألة كلها يمكن اختصارها في قاعدة تصلح أن تكون إحدى قواعد «فلسفة العبور»: لا أكون أنا إلا بقدر ما أستطيع العبور إلى الآخر دون أن أفقد ذاتي، وبقدر ما أستطيع استقبال الآخر دون أن ألغيه.

فالمشكلة ليست في وجود الآخر، بل في كيفية العبور بيني وبينه؛ إذ قد يكون هذا العبور جسرًا للاعتراف، وقد يتحول إلى جدار للهيمنة، وقد يصبح في الحب مشاركة، وفي السلطة إخضاعًا، وفي المجتمع اندماجًا، وفي الحقيقة مواجهة.

***

د. عامر عبد زيد الوائلي

 

تفكيك خرافة الألقاب وسلطة الحشود

يمثل السؤال في التقاليد الفلسفية الجذرية خرقاً معرفياً مربكاً لسكينة الوعي الجامد والمستكين للبداهات؛ فهو ليس مجرد صيغة لغوية عابرة لاستدعاء معلومة غائبة، بل فاعلية نقدية سالبة، دأبها تفكيك تماسك المنظومات الفكرية المغلقة التي تدعي حيازة الحقيقة المطلقة. تتجسد مركزية السؤال في ثقله الوجودي الصادم للأنساق العقائدية المستقرة؛ إذ ينزل كالقلق المباغت على صدور الخطابات الشمولية التي توهمت اكتمال بنائها، محولاً أمنها المعرفي المصطنع إلى مدارات ارتياب مستمر. وكما رأى موريس بلانشو، فإن السؤال ينبثق دوماً بوصفه كلاماً يستند إلى النقص والافتقار الذاتي؛ إنه خطاب يأبى الانغلاق، ويرفض الخضوع لمنطق الأجوبة الناجزة والنهائية التي تضع حداً للتفكير وتعلن وفاة حركة المعنى.

تتعامل المنظومات العقائدية المتصلبة مع بزوغ السؤال بوصفه تهديداً بنيوياً يزعزع أمنها الرمزي وهيبتها التأسيسية. فالجواب المغلق يقدم نفسه في هيئة ترس وقائي يحمي الأفراد من مكابدة القلق الوجودي وسؤال المصير، في حين يعمل السؤال النقدي على نكء الجروح المعرفية وكشف هشاشة القواعد التي تستند إليها قداسة المنظومة وسلطتها المزعومة. إن السؤال الفلسفي هو الممارسة الواعية التي تفضح رغبة الجماعة في الاستسلام المريح للمسلّمات، دافعاً العقل الحر إلى مغادرة حظائر التبعية والانسياق الأعمى، والارتحال نحو فضاء الاختلاف المفتوح، حيث يسود الشك التوليدي الخلاق واللايقين الذي يخصب الوعي الإنساني.

 محنة الوعي وخرافة الألقاب في بنية الدولة الرخوة

في هذا الأفق المتوتر، أحدث المفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي قطيعة حاسمة مع التفسيرات الآلية الضيقة التي حصرت حركية الصراع التاريخي في الدوائر الاقتصادية المحضة؛ إذ بين أن دوام السيطرة لا يقوم في جوهره على القمع المادي المباشر الذي تستعمله أجهزة السلطة، بل يتجذر عبر نسج "هيمنة ثقافية وأخلاقية" تنفذ في مسامات المجتمع وأنسجته اليومية. تنجح هذه الهيمنة في انتزاع القبول الطوعي من الفئات الخاضعة ذاتها، محوّلة تصورات الطبقة الحاكمة إلى ما يشبه "الحس المشترك" السائد، الذي يُعاش ويُتداول كأنه قانون طبيعي غير قابل للنقاش أو المراجعة.

يقوّض هذا التحليل الفلسفي وهم "الحياد المعرفي" الذي طالما احتمى خلفه "المثقف التقليدي"، موضحاً أن الفعل الثقافي ليس ترفاً تجريدياً، بل هو وظيفة مشتبكة موضوعياً بترسيخ موازين القوى القائمة أو العمل على تفكيكها. وضد هذا التواطؤ، اجترح غرامشي مفهوم "المثقف العضوي"؛ وهو الفاعل التاريخي الذي لا يقف على هامش محيطه، بل ينبثق من صميم طبقته وبيئته ليمنحها الوعي بذاتها وتاريخها، موجهاً حركتها نحو بناء كتلة تاريخية تنتج التغيير الفعلي، رافضاً أن يكون أداة تبريرية تسوّغ العطب البنيوي، وتجمّل الهفوات العقائدية بذرائع تقنية إجرائية تخشى الخوض في أصل العلة وجذور الاستبداد.

وعند نقل هذا المفهوم إلى واقع "الدول الرخوة"، يتكشف عوار استنساخ الشكليات المعرفية؛ حيث تطفو ظاهرة "التخندق خلف الألقاب الأكاديمية" بوصفها غطاءً لفقر فكري مدقع. إن حيازة اللقب الأكاديمي في مجتمعات تفتقر إلى المعايير العلمية الرصينة وتخضع فيها الجامعات لآليات التبعية والزبائنية، يتحول إلى ريع أيديولوجي تمنحه السلطة لمن يبدي الولاء لشروطها ويضمن استمرار تدجين المجتمع. إن هؤلاء المتسترين بالرتب والشهادات الشرفية لا ينتجون في الحقيقة إلا إعادة إنتاج لجهلهم المركب؛ إذ يعجزون عن ابتداع أفق نقدي مستقل، مكتفين بالاضطلاع بدور الحراس العقائديين للمنظومة الحاكمة. يتحول هؤلاء الأكاديميون المزيفون إلى أدوات وظيفية لتخدير الوعي الجمعي وإفراغ السؤال المعرفي من شحنته التحررية، لتصبح "العلمية الزائفة" مجرد قناع تكنوقراطي يخفي ارتهان المؤسسة لخدمة الدعاية السياسية، وإشاعة ثقافة الامتثال والبلادة.

يتولى المثقف العضوي الأصيل في هذا المشهد خوض ما دعاه غرامشي "حرب المواقع"؛ وهي نضال معرفي دؤوب لبناء مراكز هيمنة ثقافية مضادة تُعري زيف هؤلاء الوسطاء، وتفكك سلطة الألقاب الجوفاء عبر إعلاء قيمة الإبداع والاشتباك العملي مع قضايا المجتمع. وتتبلور هذه الفاعلية في فكرة "الأمير الحديث"، الذي لم يعد فرداً ميكيافيلياً متسلطاً، بل غدا إرادة جمعية عقلانية تتجسد في تنظيم نقدي فاعل يدمج طموحات المقهورين بفلسفة التحرر والممارسة اليومية.

سيكولوجيا الحشود: من قلق الجسد إلى نشوة التلاشي الجمعي

إن فهم نزوع الأفراد نحو الانسياق خلف الهتافات الجاهزة وتخندقهم في أنساق وثوقية مغلقة، يقتضي العودة إلى السلوك النفسي والأنثروبولوجي للجماعات البشرية، كما درسه إلياس كانيتي في أثره المرجعي "الحشود والسلطة". يوضح كانيتي أن الكائن البشري محكوم في أصله بما يُعرف بـ "الخوف من اللمس"؛ وهي حالة دفاعية غريزية يصون بها الفرد مجاله الحيوي ومسافته الطبقية والاجتماعية من اقتراب الآخرين. غير أن هذا الرهاب الملازم ينقلب بصورة مباغتة داخل "الحشد" إلى شعور عارم بالخلاص والتحرر، حيث تنهار السدود الذاتية في ما أطلق عليه كانيتي "لحظة التفريغ".

تمثل لحظة التفريغ هذه الحدث التأسيسي للحشد؛ ففيها تتساقط المراتب المصطنعة، وتتهاوى الامتيازات الفردية والألقاب الشكلية في تجربة مساواة مطلقة، غير أنها مساواة زائفة ومؤقتة، تُدفع قيمتها تنازلاً طوعياً عن العقل الفاحص لفائدة الانقياد لغريزة الجماعة البدائية المتكتلة في صورة "عُصبة". تكتسب هذه الكتلة البشرية تماسكها الخارجي عبر اختلاق خصم مشترك تصب عليه جموح غضبها المادي والرمزي، مما يمنح الفرد ملاذاً سريعاً للفرار من هشاشته وعزلته الذاتية، ليغرق في كيان جمعي باطش يمنحه إحساساً مضللاً بالقوة، والحصانة، والأمان.

استدراج الرغبة وسلطان الاستبداد الخفي

لم يتوقف التحليل الفلسفي المعاصر عند المظاهر الخارجية للسلوك الجمعي، بل نفذ إلى تلافيف الرغبة وأغوار النفس. ففي كتابهما "معاداة أوديب"، تجاوز الفيلسوف جيل دولوز والمحلل النفسي فيليكس غاتاري الفرضيات التقليدية التي نسبت خضوع الجماهير للأنظمة الشمولية إلى آليات القهر البوليسي والترهيب المادي فقط؛ حيث بيّنا أن الرغبة الإنسانية يمكن برمجتها وتطويعها لتعشق قيودها وتسعى إلى استعباد ذاتها. إن التقوقع في خنادق العقائدية الصلبة والاستظلال بحصون الألقاب الموهومة هو في حقيقته مناورة نفسية للتهرب من ثقل الحرية ومسؤولية التفكير؛ إذ يؤثر المرء الاستكانة داخل أسوار القطيع المطمئن، على أن يلقي بوعيه في مهب الرياح، ويخوض غمار التجدد المستمر وتفكيك الأصنام العقلية السائدة.

من الجسد المتراص إلى السرب الرقمي المعزول

ومع انتقال المجتمعات إلى العصر الشبكي، تحول التخندق الجمعي إلى نسق مستحدث حلله الفيلسوف بيونغ تشول هان في مؤلفه "في السرب، آفاق رقمية". لاحظ هان أن الحشود الكلاسيكية كانت تنتج جسداً جمعياً وإرادة تلتقي في الميادين المادية المشتركة، في حين يتشكل "السرب الرقمي" الراهن من ذوات منعزلة ومبعثرة، يقبع كل منها خلف شاشته الخاصة دون رابط مصيري أو رؤية سياسية مستدامة قادرة على إحداث تحول تاريخي جذري في بنية المجتمع.

يتحرك الفرد داخل هذا السرب بوصفه كياناً نرجسياً غارقاً في استعراض ذاته واستهلاكه اللحظي، مستسلماً لموجات الانفعال العابر و"مجتمع التشهير" التي تفتقر إلى العمق الاستراتيجي لتعديل موازين القوى. وتأتي الخوارزميات الرقمية لتفرض نوعاً من "التجهيل المنظم" والرقابة الخفية؛ عبر نسج ما يشبه "غرف الصدى" المغلقة التي لا تبث للمستخدم إلا ما يلائم قناعاته المسبقة، مما يحرم الفكر من فرصة الاختبار والمسافة النقدية، ويحول الفضاء العام التواصلي إلى حلبة للاستقطاب العنيف والتخندق الهوياتي المشتعل الذي يعطل التفكير الحر لحساب تفاعلات حسية وقتية لا تبني وعياً ولا تحرر مجتمعاً.

أفق التفكيك واستعادة الفاعلية التاريخية

تنهض الممارسة التفكيكية على تعرية التناقضات البنيوية الكامنة بين نزعات الانغلاق الجمعي وأوهام الألقاب الأكاديمية المصنوعة من جهة، وبين مشروع التحرر المعرفي من جهة ثانية، وتتضح هذه الفوارق عبر مستويات متكاملة:

المرجعية المعرفية: في مواجهة النسق المغلق الذي يدعي امتلاك "توقيع الأصل" والحقيقة النهائية المكتملة، يطرح الأفق التفكيكي فلسفة الصيرورة والتحول، وتأجيل المعنى، واستحالة احتكار الصواب، مؤكداً أن الحقيقة درب لا يُغلق.

وظيفة السؤال: في حين تنبذ المنظومات الوثوقية السؤال وتعده خطراً يهدد سكينتها وامتيازاتها، تستعيد الفلسفة النقدية قوة السؤال بوصفها أداة لتطهير الذهن من المسلّمات وتقويض التماثيل الفكرية المصطنعة.

الموقع الاجتماعي والأخلاقي: بينما ينحدر وعي القطيع ومعه "حملة الألقاب المزيفة" إلى تبرير الأمر الواقع والتماهي مع آليات السيطرة في الدول الرخوة، يتولى الوعي النقدي المقاومة الواعية ضد تدجين العقول وخداع الشعوب.

الدينامية النفسية: يُغرق الانتماء الأعمى الفرد في صخب الحشود أو ضجيج العالم الافتراضي للهروب من قلقه الذاتي، في حين يسعى العقل المتنور إلى تحرير الرغبة واستعادة مسافة التأمل المتزنة التي تمنح الفرد استقلاله الفكري.

المنظور القيمي والإنساني: ينحصر النسق الوثوقي في أسئلة الماهية الصلبة ذات المنزع الإقصائي المستند إلى حصر الأحقية في صفوة معينة، بينما ينفتح الوعي النقدي على الفضاء الأخلاقي المعترف بالتعدد والغيرية، مقدماً خدمة الكرامة الإنسانية المشتركة على حساب تقديس الشكليات والمراتب.

إن التصدي لمحنة الانقياد المعاصر يتطلب إسقاط الهالات المصطنعة عن "المثقف التبريري" والتحرر من ربقة الألقاب المجانية التي تزين التخلف والتبعية في المنظومات المتهاوية. لا خلاص إلا بالنزول إلى معترك الواقع التداولي الحقيقي، متسلحين بفاعلية السؤال وجرأة الشك المنهجي، كاستراتيجية دائمة لليقظة، وتفكيكاً لأوهام القداسة المزيفة، واستعادةً لإنسانية الإنسان في عالم لا يكف عن محاولة صياغته رقماً مطيعاً في قطيع منقاد.

***

غالب المسعودي

«أعظم الأحداث ليست ساعاتنا الأكثر صخبًا، بل ساعاتنا الأكثر صمتًا»

 فريديريك نيتشة (هكذا تكلم زرادشت)

"ليس كلُّ ما يُعلَن حقيقةً، ولا كلُّ ما يُخفى وهما فقد قد يكون المُعلَن ستارًا لما يُراد له أن يظلَّ خفيًّا" - الكاتب.

1- مقدمة: بلغت البنائيّة الوظيفيّة أوج نشاطها الفكريّ على يد تالكوت بارسونز (Talcott Parsons) في سبعينيّات القرن الماضي، ولكن سرعان ما خبا وهجها وضعف تأثيرها في ثمانينيّاته تحت مضارب النقد الشديدة الّتي أوقعت بها، فأطاحت بتصوّراتها، وأسقطت كثيرا من مفاهيمها، كاشفةً فيض مثالبها، وعمق قصورها ومواطن ضعفها. وفي معترك هذا السقوط الكبير لنظريّة بارسونز، واهتزاز الراية الوظيفيّة، خرج روبرت ميرتون من بين الصفوف ليخطف الراية الوظيفيّة، وينهض بها من جديد على ركائز سوسيولوجيّة جديدة، تمتاز إلى حدّ كبير بالتوازن الفكريّ والتماسك المنهجيّ، وقد تمكّن، بما قيّض له من قدرات إبداعيّة ومهارات منهجيّة، أن يعيد للوظيفيّة بعضاً من ألقها الفكريّ ووميضها المنهجيّ الّذي عرفت به في ثمانينيّات القرن الماضي.

حلّق ميرتون في فضاء السوسيولوجيا الحديثة بأجنحة منهجيّة جديدة، واستطاع أن يطوّر النظريّة الوظيفيّة، وأن يمنحها بعضاً من القوّة على الاستمرار والقدرة على الحضور مجدّداً بما قدّمه لها من عناصر فكريّة جديدة على أسس نقديّة متجدّدة، ويرى كثير من النقّاد اليوم أنّ نظريّة روبرت ميرتون تشكّل الحلقة الأكثر نضجاً وعمقاً في النظريّة البنائيّة الوظيفيّة على وجه الإطلاق، ولا غرو في القول: إنّ الوظيفيّة بلغت أوج نضجها وتألّقها على يد ميرتون الّذي حمل رايتها المنتكسة، ونهض بها خفّاقة في عالم السوسيولوجيا الوظيفيّة المعاصرة.

ومن المعروف، أنّ الوظيفيّة الكلاسيكيّة قبل ميرتون، كانت تحلّق في أبراجها النظريّة الشموليّة، دون أن تلامس الواقع الاجتماعيّ الحيويّ، أو أن تقترب من الحقل الأمبيريقيّ الواقعيّ للحياة الاجتماعيّة، ولذا كانت تتعرّض دائماً للاهتزاز والسقوط بين الحين والآخر، وذلك لأنّها كانت غالباً ما تحلّق بجناح التنظير التأمّليّ الوحيد، إلى أن جاء ميرتون فأصلح من شأنها ودفعها إلى التحلّيق بجناحي الواقع والنظريّة لتحقّق توازنها المنهجي والفكري.

وتتجلّى عبقريّة ميرتون في نهجه النقديّ الّذي تبنّاه في ترميم النظريّة الوظيفيّة وإعادة بنائها وصقل مفاهيمها وتدوير زواياها الحادّة وتأصيل مقولاتها على نحو نقديّ، وقد تجلّت قدرته في الأخذ بالمنهج النقديّ للنظريّة الّذي حرّره نسبيّاً من القيود الأيديولوجيّة الطاغية الّتي تظهر في مختلف المداخل الفكريّة للنظريّة الوظيفيّة منذ بداياتها الأولى.

وقد تميّز ميرتون عن غيره من علماء الاجتماع الوظيفيّين بالخلفيّة العلميّة الّتي تركت بصمتها في نظريّته الوظيفيّة، ومن المعروف أنّ نظريّة العلوم كانت واحدة من الاهتمامات المركزيّة في نظريّته السوسيولوجيّة، وقد رسّخ الأسس الأولى لعلم اجتماع العلوم الّذي بدأ مسيرته الحقيقة انطلاقاً من أعمال ميرتون الّتي كرّسها لدراسة العلاقة بين العلوم والظواهر الاجتماعيّة. ومن الواضح أنّ النزعة العلميّة قد مكّنت ميرتون من تأصيل النظريّة الوظيفيّة على نحو علميّ، واستطاع بذلك أن يحرّرها من سطوة النظريّات الكبرى الّتي بدت ظاهرة في وظيفيّة بارسونز وغيره من المنظّرين الوظيفين. وانطلاقاً من الأسس العلميّة استطاع ميرتون أن يصقل المفاهيم الوظيفيّة في حلّة جديدة متماسكة، وأن يضفي عليها الطابع العلميّ العقلانيّ الرصين الّذي بدأ في مختلف مناحيّ نظريّته العقلانيّة. وباختصار يمكن القول بأنّ ميرتون أضفى على النظريّة الوظيفيّة طابعاً عقلانيّاً وعلميّاً، واستطاع أن يحرّرها نسبيّاً من سطوة التأمّلات الفلسفيّة، وأن ينطلق بها بعيداً عن هيمنة التوجّهات الأيديولوجيّة المباشرة، وأن يستخدم سحره السوسيولوجيّ – الّذي عرف به- في تقديم النظريّة الوظيفيّة بصيغة رقيقة جميلة موشّاة برصانة العلم وسحر الفلسفة في آن واحد.

ويسجّل لميرتون نسبيّاً أيضاً أنّه حاول جاهداً إخراج النظريّة من مأزقها الأيديولوجيّ، أو من دورانها الحتميّ حول محورها الأيديولوجيّ الّذي شكّل موضع مقتلها وسقوطها مراراً وتكراراً، إذ لم يستطع روّادها الكلاسيكيّين التخلّي عن تحيّزهم الواضح والصريح للنظام الرأسماليّ، وولائهم للطبقة الرأسماليّة البرجوازيّة ودفاعهم المستميت عن مصالح النظام الرأسماليّ، وتأكيدهم المستمرّ على عناصر الاستقرار والتوازن والتضامن في المجتمع الرأسماليّ الليبراليّ. ولم يكن ميرتون جاهلاً بمخاطر هذا التشدّد الأيديولوجيّ ومخاطره، فعمل جاهداً على تنقية نظريّته من التوجّهات الأيديولوجيّة متأثّراً بنزعته العلميّة وبوصفه أحد أبرز مؤسّسي علم الاجتماع العلميّ الّذي يتحرّى الموضوعيّة في البحث بعيداً عن التوجّهات الأيديولوجيّة القاتلة للعلم والمعرفة.

ومن يتأمّل اليوم في السيرة العلميّة لميرتون سيجد أنّه سجّل تراثاً علميّاً مترامي الأطراف عميق الجذور بعيد الأغوار، ويشكّل البحث اليوم في السوسيولوجيا الميرتونيّة (نسبة إلى ميرتون) مهمّة صعبة وشاقّة لما تنطوي عليه نظريّته من آفاق بعيدة وتضاريس فكريّة معقّدة ترتفع فيها القمم، وتعلوها الشواهق وتخترقها الأخاديد، وتنحتها المنحدرات وتمتدّ سفوحها اتّساعاً بالسهول والهضاب.

ومن يلقي اليوم نظرة على التناول الفكري لسوسيولوجيا ميرتون في الفكر السوسيولوجي العربي سيجد أن هذا التناول المتواتر يعاني من الضعف والقصور، فما يقدم لا يعدو أن يكون شذرات غامضة خاطفة لا يمكن الاعتماد عليها في فهم نظرية ميرتون، وفي تحديد أبعادها، أو تقديمها بصورة علمية سياقية واضحة المعاني فسيحة الأرجاء. وقد نبهنا هذا الغموض الكبير والقصور الهائل الذي وجدناه في المواقع الفكرية، أو في فصول الكتب، أو حتى في بعض الدراسات العلمية التي تناولت نظرية ميرتون، إلى ضرورة العمل على تقديم نظرية ميرتون بطريقة نتوخاها أن تكون منهجية وواضحة ومفيدة للطلاب والباحثين والدارسين في مجال علم الاجتماع. وسنعمل في هذا السياق على تناول نظرية ميرتون البنائية في سياقها التاريخي والسوسيولوجي نظرا لما تمتاز به هذه النظرية من أهمية وخطورة في حقل السوسيولوجيا بصورة عامة، وفي مجال النظرية البنائية الوظيفية بصورة خاصة.

مما لا شك فيه أن نظرية ميرتون تشكل اليوم مشهدا فكريا لا يمكن تجاهله في السوسيولوجيا المعاصرة، كما تشكل عصبا أساسيا ومحوريا في مختلف التوجهات السوسيولوجية المعاصرة، ولا ريب أنها تشكل حلقة أساسية مركزية في عملية التواصل ما بين السوسيولوجيا الكلاسيكية القديمة وبين السوسيولوجيا المعاصرة في عالم اليوم.

ومن أجل مزيد من الوضوح سنعمل في هذه الدراسة على تقديم ميرتون منهجيا وفكريا في مختلف المشاهد الأساسية والمركزية لنظريته البنائية، وسنبحث في مختلف الكيفيات التي اعتمدها لإضفاء المشروعية التاريخية على البناية الوظيفية، بعدما شهدته من عواصف النقد التي كادت أن تسقطها بصورة نهائية.

ممّا لا شكّ فيه أنّ نظريّة ميرتون تشكّل اليوم مشهداً فكريّاً لا يمكن تجاهله في السوسيولوجيا المعاصرة، كما تشكّل عصباً أساسيّاً ومحوريّاً في مختلف التوجّهات السوسيولوجيّة المعاصرة، ولا ريب أنّها تشكّل حلقة أساسيّة مركزيّة في عمليّة التواصل ما بين السوسيولوجيا الكلاسيكيّة القديمة وبين السوسيولوجيا المعاصرة في عالم اليوم.

2- الوظائف الظاهرة والمضمرة:

ابتدع ميرتون مفهومي الوظائف المعلنة (Manifest functions) والوظائف الكامنة (Latent functions) وميّز بينهما على وجهي التناقض. ويشكّل هذان المفهومان إحدى المقولات الأساسيّة المركزيّة في نظريّته الوظيفية. وقد ولدت هذه المقولة في السياق النقديّ ضدّ المسلّمات الثلاثة الكلاسيكيّة للنظريّة الوظيفيّة المتمثّلة في: الوحدة الوظيفيّة، والعالميّة الوظيفيّة، والضرورة الوظيفيّة. وقد اعتمد ميرتون هذه المقولة لتكون أساساً منهجيّاً أصيلاً في التحليل السوسيولوجيّ للظواهر الاجتماعيّة في مختلف تجلّياتها في المجتمع، وقد جعل منها ضرورة حيويّة منهجيّة للباحثين في علم الاجتماع، وقد وجد أنّ مهمّتهم الأساسيّة تتمثّل في الكشف عن الوظائف الكامنة الخفيّة للظواهر الاجتماعيّة (1).

3- تعريف الوظائف الكامنة:

ويمكن تعريف الوظائف المعلنة الصريحة بأنّها الوظائف الإيجابيّة المقصودة والمتوقّعة للأنظمة الاجتماعيّة، وتتمثّل الوظائف الكامنة على خلاف ذلك في الوظائف الغامضة غير المتوقّعة وغير المقصودة لهذه الأنظمة. ويمكننا من أجل التمييز بين النمطين الوظيفيّين - أي بين الوظائف الكامنة والوظائف المعلنة - أن نأخذ المثال الوظيفيّ للنظام التعليميّ، فالوظائف المعلنة للتعليم تتمثّل بعمليّة إعداد الأطفال وتحضيرهم للحياة علميّاً ومعرفيّاً واقتصاديّاً. ولكنّ النظام التعليميّ قد يؤدّي وظائف كامنة خفيّة غير منظورة أو معلنة أو غير متوقّعة مثل تأصيل التفاوت بين الجنسين، أو تعميق الفوارق الطبقيّة، أو ترويض الأطفال ثقافيّاً لخدمة النظام الرأسماليّ. ويبدو من خلال هذا المثال الوظيفيّ أنّ الوظائف الواضحة تتمثّل في النوايا الحقيقيّة الواعية للفاعلين، أمّا الوظائف الكامنة فلا تكون أكثر من النتائج الموضوعيّة غير المتوقّعة أو المنظورة لأفعالهم، الّتي غالباً ما تكون غير مقصودة. ويرى ميرتون في هذا السياق معظم الأخطاء في التحليل الوظيفيّ ناجمة عن الخلط بين المعلن والخفيّ في الوظائف المدروسة (2).

وعندما ننظر إلى وظيفة الجامعة على سبيل المثال أيضا سنجد بأن الهدف الواضح المعلن للطلّاب الّذين يلتحقون بالجامعة هو التعلّم واكتساب مجموعة من المهارات العلميّة الّتي تساعدهم في الحصول على عمل ووظيفة وثقافة، ولكنّ الجامعة قد تمارس وظائف كامنة خفيّة غير مقصودة، إذ توفّر لطلّابها للطالب فرصاً جديدة للتواصل والتفاعل الاجتماعيّين، كما توفّر لهم فرص اكتساب منظومة من القيم الفكريّة والثقافيّة الّتي تمكّنهم من التكيّف الاجتماعيّ والثقافيّ بشكل أفضل، وقد تمارس وظيفة التمييز الاجتماعي، وقد تعمل على ترويض الطلاب أيديولوجيا، وقد تستخدم فضاء للحركات السياسية، وقد تكون مكانا للتفاعل السياسي والنقابي.

4- الكامن والظاهر في الطقوس الدينية:

ويستخلص ميرتون أمثلة حيويّة من الطقوس الدينيّة الّتي تهدف ظاهريّاً وبشكل معلن ومقصود إلى تعزيز الإيمان والمعتقدات الدينيّة لدى المشاركين في هذه الطقوس، ولكنّ هذه الطقوس قد تفعل فعلها، وتؤدّي وظيفة كامنة أخرى غير منظورة وغير مقصودة في الأصل، وهي: تعزيز الهويّة الثقافيّة للمشاركين، وتعميق وشائج التواصل والتفاعل الاجتماعيّ بينهم، وقد تشكل نوعا من التعبئة السياسية المحضة، كما أنها قد تشكل أداة للاستلاب الذهني والترويض الأيديولوجي...الخ. وقد أشار دوركهايم منذ فترة طويلة إلى مثل هذه الوظيفة الكامنة للطقوس الدينيّة عندما وجد أنّ الاحتفالات الدينيّة هي وسيلة يتمّ من خلالها تعزيز مشاعر الانتماء إلى الجماعة وتأصيل الهويّة الاجتماعيّة للأفراد المشاركين. وهذا يعني أن بعض السلوكات غير العقلانيّة قد تكون مفيدة وفعّالة اجتماعيّاً أحيانا كثيرة (3).

ويمكن أن نورد أمثلة أخرى تتعلق بالمعابد الدنية، فبناء المعابد أو الكنائس يعد ضرورة حيوية لممارسة الطقوس الدينية، ولكنّ هذه المباني قد تشكل فضاء حقيقيا لتشجيع الفنّ أو العلم والتنشئة الاجتماعية. وفي مثال آخر، يقوم المبشّرون الدينيون المسيحيون بتقديم المساعدات الإنسانيّة للفقراء والمرضى والمحتاجين، كما يقومون بتعليم الأطفال مجّاناً كأهداف واضحة، ولكنّهم في جوهر الأمر يرغبون في نشر إيمانهم الدين في جميع أنحاء العالم. إنّهم يفتحون المستشفيات والمدارس، ويساعدون الفقراء أو المحتاجين ماليّاً، لكنّ هدفهم الحقيقيّ هو نشر الديانة المسيحيّة وهنا تكمن الوظائف الكامنة الخفيّة لهذه الفعاليّات الدينيّة. ومن الطبيعي أن هذا الأمر ينسحب على جميع فعاليات التبشير الديني في مختلف الأديان والمذاهب.

ويلفت ميرتون النظر إلى أنّ الأفراد العاديّين يدركون الوظائف المعلنة المقصودة ويعرفونها، بينما لا يستطيعون إدراك الوظائف الخفيّة الكامنة وتلقّى مسؤوليّة إدراك هذه الجوانب الوظيفيّة الخفيّة وتحليلها وكشف ملابساتها على عاتق علماء الاجتماع.

5- عواقب الوظائف الكامنة:

وفي هذا السياق أيضاً يميّز ميرتون بين نوعين من العواقب الّتي تنتج عن ممارسة الوظائف الكامنة غير المقصودة؛ وعلى هذا الأساس يحدّثنا عن الوظائف الكامنة الإيجابيّة الّتي تؤكّد وحدة المجتمع وتماسكه، وهناك الوظائف الكامنة السلبيّة الّتي تنذر بالخطر، وتؤدّي إلى نتائج ضارّة بوحدة المجتمع وتماسكه، وقد تؤدّي في نهاية الأمر إلى توليد الاختلالات الوظيفيّة.

وفي هذا السياق يرى ميرتون وجود اختلاف بين النتائج غير المتوقّعة والوظائف الكامنة، إذ لا يمكن للنتائج غير المتوقّعة أن تكون وظائف كامنة، وهو في هذا المسار يميّز بين نوعين من النتائج غير المتوقّعة: "تلك الّتي تعمل في إطار نظام معيّن، وتلك الّتي لا تمتّ بصلة إلى النظام، ولا تؤثّر فيها وظيفيّاً أو بصورة غير وظيفيّة " ويطلق على هذا النوع: تسمية "العواقب غير الوظيفيّة" (4).

ويضرب لنا أمثلة منها ما يتعلّق باحتفالات المطر عند قبائل هنود الهوبي (Hopi) ويرى بأنّ هدف هذه الاحتفالات الواضح هو توسّل الغيث أو سقوط المطر الضروريّ للزرع والضرع، أمّا الهدف الكامن الخفيّ غير المقصودة لهذه الاحتفالات الطقوسيّة يتمثّل في المحافظة على هويّة الجماعة وتماسكها (5). ويضرب لنا مثالاً آخر يتعلّق بوظيفة السجن، فالسجن يؤدّي عدّة وظائف معلنة ومقصودة، مثل: معاقبة المجرمين وحماية المجتمع من عواقب السلوك الإجراميّ، ولكن وعلى خلاف الوظيفة المعلنة والمقصودة، فإنّ السجن قد يؤدي دوراً وظيفيّاً مضادّاً للمجتمع، إذ يمكن أن يشكّل بؤرة إجراميّة لتنمية الإجرام في نفوس السجناء، ويمكن أن يتحوّل إلى مؤسّسة مضادّة للمجتمع إذ فيه تتمّ عمليّة إنتاج ثقافة الإجرام بين السجناء (6).

6- من السطح إلى العمق - منهج للفهم:

وفي هذا السياق يقرّ ميرتون أهمّيّة دراسة الوظائف الكامنة، ويرى أنّ البحث في هذا الجانب الخفيّ يساعد على فهم الظواهر الاجتماعيّة وتحليلها سوسيولوجيا، وعلى هذا المنوال، فإنّ التمييز السوسيولوجيّ بين الوظائف الظاهرة والكامنة يمكّن عالم الاجتماع منهجياً من فهم أعمق للمجتمع، ويجعله أكثر قدرة على تحليل مختلف الظواهر الاجتماعيّة، كما يمكنه في الوقت نفسه من تخطّي الفهم العامّ البسيط للظواهر الاجتماعيّة، وتجاوز التفسيرات السطحية الّتي يقدّمها الأفراد لأفعالهم، كما يتيح له فرصة البحث عن العوامل الاجتماعيّة والعواقب الّتي توجد في أصل الظواهر الاجتماعيّة والسلوكيّة القائمة في المجتمع.

وكما أشرنا سابقا، فإنّ التمييز بين المفهومين يمكّن الباحث من تجاوز وضعية الإدراك الحسّيّ البسيط، ويساعده على إدراك المعاني والدلالات الخفيّة الكامنة في وظائف التكوينات الاجتماعيّة. وهذا بدوره يساعد الباحث على ممارسة التحليل النقديّ للظواهر الّتي يدرسها، كما يمكّنه من تجاوز المظاهر الوظيفيّة المعلنة للمؤسّسات الاجتماعيّة، واختراق هذه المظاهر للتوغّل في عمق الحقيقة الاجتماعيّة، واكتشاف مجاهلها. ويمكن لهذا الفصل بين الخفيّ والمعلن أن يساعد الباحثين في فهم وإدراك استمرار الظواهر غير العقلانيّة في الوجود، لأنّها ببساطة تنطوي على وظائف خفيّة لا تظهر مباشرة للعيان، ولا تبدو على السطح الخارجي للظواهر الاجتماعية.

ويمكننا العودة إلى مثالنا السابق حول الاحتفالات الخرافيّة والطقوس غير العقلانيّة الّتي تقوم بها قبائل "الهوبي" توخياً لسقوط المطر في أوقات الجفاف. إذ إنه لمن المؤكّد أنّ هذه الرقصات لا تجلب المطر، ومع ذلك فإنّ هذه الطقوس - كما أشرنا سابقاً - تؤدّي دوراً حيويّاً في تحقيق التماسك الاجتماعيّ، والتفاعل الأخلاقيّ والإنسانيّ، وتجلب الرفاهية بين أفراد قبائل "الهوبي". وبعبارة مختصرة نقول: إنّ الوظيفة الظاهرة للطقوس الهوبية هي استجلاب المطر، ولكنّ وظيفتها الكامنة تتمثل في تحقيق التضامن الاجتماعيّ والترفيه الثقافيّ.

وهنا يريدنا ميرتون أن نرى شيئاً أعمق في هذه الاحتفالات الهوبيّة، يريد أن يقول لنا: إنّ الاحتفالات لا تنتج هطول الأمطار، ولكنّها تمكّن الأعضاء المتناثرين المتنافرين في القبيلة من التجمّع معاً، والانخراط في نشاط اجتماعيّ ثقافيّ مشترك، يؤدّي إلى تعزيز هويّتهم الجماعيّة وتأصيل تضامنهم الروحيّ والثقافيّ، وتلك هي الوظيفة الكامنة الخفيّة لهذه الطقوس الاحتفاليّة.

 وقد لاحظ ميرتون أنّ بعض الباحثين يكتفون بتحليل الظواهر السطحيّة للقضايا الاجتماعيّة، وقلّما يبحثون في المناطق العميقة الخفيّة، ويستكشفون ما هو كامن ومستتر وملتبس في مستويات البنى والوظائف الاجتماعيّة الثقافيّة وأعمق. وعلى هذا المبدأ يدعو ميرتون الباحثين إلى البحث في أعماق الظواهر، واستكشاف الجوانب الخفيّة للعناصر الثقافيّة والممارسات الاجتماعيّة.

يمكن أن نضرب مثالاً بسيطاً ومعبّراً عن الوظائف الكامنة والظاهرة للفن السينمائي: قد يهاجم أحد أنصار "الفنّ الهادف "الأفلام "التجاريّة" ويرى بأنّها سخيفة وضارّة ومؤذية للذوق والعقل والأخلاق. ولكن إذا أخذنا بمنهجيّة ميرتون في البحث عن الوظائف الكامنة، فمن المرجّح أنّ الأفلام التجاريّة الضارّة قد تنطوي في ذاتها على جوانب إيجابيّة لا تظهر بوضوح على السطح، فقد يكون لبعض من قصصها وجوانب من رقصاتها ورواياتها الرومانسيّة بعض الوظائف الإيجابيّة؛ فقد تعزّز هذه الأفلام دور الأمومة، وقد تحتفي بانتصار الخير على الشرّ، وقد تعزّز المثل العليا الّتي يخشى كثير من الناس ضياعها في عالم سريع التغيّر. وهذا يعني أنّه قد يكون للأفلام التجاريّة وظيفة كامنة تعمل كصمّام أمان ثقافيّ في المجتمع. وأيضاً وفي المقابل قد يكون للأفلام الجادّة بعض الجوانب السلبيّة الّتي يجب على الباحثين دراستها والتأمّل في مضامينها. ومن الواضح الآن أنّ البحث في الوظائف الكامنة يمكن عالم الاجتماع من تنمية أبحاثه ودراساته وفهمه للمجتمع. وهذا ما يؤكّده ميرتون دائماً وهو أنّ التمييز بين الوظيفة الكامنة والوظيفة الواضحة يساعد عالم الاجتماع على فتح آفاق جديدة في مجال المعرفة الاجتماعيّة والبحوث السوسيولوجيّة.

7- نظريّة الترفيه الطبقيّ:

 يستمدّ ميرتون لتعميق رؤيته لمسألة الوظائف الكامنة أمثلة عديدة من كتاب فيبلين (Thorstein Veblen.) الموسوم بـنظريّة الترفيه الطبقيّ (Theory of the Leisure Class (1899) وهو العمل الّذي يقوم فيه فيبلن بدراسة الوظيفة الكامنة لنمط الاستهلاك الواضح. ويبحث في مظاهر الإنفاق والتبذير والهدر الّذي يقوم به بعض الأفراد في محاولة لاستعراض المكانة الاجتماعيّة والمباهاة بالمال والمفاخرة بالثروة والمباهاة بالتملّك، مثل: استعراض السلع الفخمة، وأساليب الحياة المترفة الفخمة. وعلى الرغم من الطابع السلبيّ جدّاً لظاهرة التبذير والهدر الاقتصاديّ والماليّ الّذي يقوم به بعض الأفراد في المجتمع للمفاخرة والمباهرة، يرى فيبلن بأنّ هذه العادات لها جوانب إيجابيّة، وذلك لأنّ الرغبة في الحصول على المكانة الاجتماعيّة الّتي تتمّ بإنفاق الأموال تؤدّي إلى نوع من الانتعاش الاقتصاديّ في المجتمع.

والسؤال البسيط الّذي يطرح نفسه لماذا يعلّق بعض الناس أهمّيّة كبيرة على الموديلات الجديدة من السيّارات أو أجهزة التلفزة والهواتف الذكيّة أو غيرها من المنتجات؟ لماذا يريد بعض الناس شراء سلع استهلاكيّة باهظة الثمن طوال الوقت؟ ألا يمكن القول ببساطة إنّ الأفراد يشترون السيّارات في الأصل لغاية التنقّل، ويشترون الهواتف النقّالة لغاية الاتّصال بالآخرين، ويشترون أجهزة التلفزيون لمعرفة أخبار العالم، وهذه هي الوظائف الحقيقيّة الظاهرة لهذه المنتجات. والمستهلكون على دراية جيّدة بهذه الوظائف. ولكن يترتّب على عالم الاجتماع تجاوز البحث عن الوظائف الواضحة الظاهرة الّتي يعرفها الجميع حول نمط الاستهلاك المترف، ويقدّم لنا تحليلاً عميقاً ينطوي على أفكار جديدة تتجاوز المعرفة السطحيّة للاستهلاك المترف، إذ يترتّب على الباحث أن يغوص في أعماق الظاهرة، ويبحث في مضامينها الخفيّة المغلقة أو الكامنة.

 ويمكن أن نستفيد من شرح فيبلين لهذه الظاهرة، إذ يرى بأنّ الأفراد لا يشترون سيّارات فارهة أو تلفازات فاخرة؛ لأنّهم يريدون التنقّل بالسيّارات ومعرفة العالم من خلال شاشات التلفزيون فحسب، بل لأنّ هذا الترف الاستهلاكيّ يمكّنهم من استعراض مكانتهم الاجتماعيّة، ويساعدهم على تأكيد تفوّقهم الاجتماعيّ، وهذا ما يمكن أن يطلق عليه بالوظيفة الكامنة للترف الاستهلاكيّ. فشراء السلع الباهظة يخدم الوظيفة الكامنة المتمثّلة في إعادة تأكيد الوضع الاجتماعيّ للفرد؛ وعلى هذا النحو - كما فعل فيبلن - يقوم علماء الاجتماع بتعميق معرفتنا بالعالم، ويحلّلون بعمق معتقدات الناس وممارساتهم الثقافيّة وأنماط حياتهم ووجودهم.

8- خاتمة:

يطيب لنا أن نختتم بمقولة تُنسب إلى ابن خلدون دون سند مرجعي موثَّق، جاء فيها:

"لا يكفي أن تصف موج البحر وظهور السفن حين تريد أن تتكلم عن حياة البحر. لا بد لك أن تفهم ما في القاع؛ قاع البحر المليء بالغرائب والتيارات والوحوش، وقاع السفينة حيث يجلس عبيد وملاحون إلى المجاديف أيامًا كاملةً، يدفعون بسواعدهم بضائع تحملها السفن، وثروات وركابًا، وينزفون عرقًا، وتتمزق أجسامهم تحت السياط. أجل! ينبغي أن تعطيني الصورة كاملة عندما تريد أن تقنعني بأمر من الأمور" .

وهذا القول يعبّر عن طبيعة العلاقة بين الظاهر والكامن، أو بين الخفي والمُعلَن، في دراسة الظواهر الاجتماعية وتفكيك معطياتها. وهذا المبحث يعطي الباحثين في علم الاجتماع فرصة منهجية للتأمل العميق في طبيعة الظواهر الاجتماعية؛ فقد يكون ما نراه مجرد مظاهر سطحية، لأن الحقيقة تختفي في الطبقات العميقة للظواهر الحياتية والاجتماعية. وعلى هذا النحو، يجب على الباحث أن يتوغّل في عمق الحقيقة الاجتماعية، وأن يحفر في الطبقات الخفية كي يكتشف المعنى والدلالة في طبيعة الظواهر المدروسة. ومن هنا، علينا أن ندرك أن كثيرًا من الاكتشافات العبقرية قد حدثت عندما بحث المفكرون والعلماء في بواطن الأشياء وجوهرها، ولم يكتفوا بظواهرها.

لقد اعتقد الناس دهرًا أن الأرض مركز الكون، وهذا ما كان يبدو للأعين، وقد انخدع كبار العلماء والفلاسفة بالحركة الظاهرية للأجرام السماوية، إلى أن جاء كوبرنيكوس، ومن بعده غاليليو، ليسهما في بيان أن الأرض تتحرّك حول الشمس، بعد أن عُدَّت مركزًا للكون. فالظواهر الاجتماعية، كالظواهر الطبيعية، فيها ما يظهر، وفيها ما يستتر ويحتاج إلى البحث والكشف.

وهنا تكمن مهمة عالم الاجتماع أو الباحث الاجتماعي، الذي يجب ألّا يكتفي بما يشاهده من ظواهر الأمور، بل عليه أن يبحث في أعماقها، وفي جوانبها الخفية وغير المرئية، كي يكتشف بعضًا من حقيقتها. وللحقيقة طبقات عميقة جدًّا، فحريٌّ بنا ألّا نُسلِّم بصحّة كل ما نراه أو نسمعه أو نلاحظه، بل علينا، بوصفنا باحثين، أن نفكّك ونحلّل، ونغوص في الأعماق، ونحفر في الطبقات الخفية للحقيقة. وهذا يقودنا في علم الاجتماع إلى الانتقال من وصف الظواهر إلى تحليل وظائفها الظاهرة والكامنة، وفهم الأحداث التي تحيط بنا.

***

د. علي اسعد وطفة

كلية التربية - جامعة الكويت

...........................

 هوامش المقالة:

(1) - Merton, Robert K. (1949/1968). “Manifest and Latent Functions.” Pp. 73-138 in So-cial Theory and Social Structure, edited by R. K. Merton. New York:

(2) - Merton, R. K. (1957). Social theory and social structure. Glencoe, Ill., Free Press.

(3) - Merton, Robert K. (1968). Social Theory and Social Structure. New York: Free Press.

(4)- Ritzer, George (2007-07-23). Sociological Theory (7 ed.). McGraw-Hill Higher Educa-tion. pp. 251–257.

(5) - فيليب كابان وجان فرانسوا دورتيه، من النظريات الكبرى إلى الشؤون اليومية، ترجمة إياس حسن، ط1، دمشق، دار الفرقد، 2010. ص 112.

(6) - فيليب كابان - جان فرانسوا دورتيه، المرجع نفسه ، ص 112.

إن سبينوزا ليس مجرد فيلسوف من فلاسفة القرن السابع عشر يُمكن إدراجه بسهولة في سردية العقلانية الحديثة، إلى جانب ديكارت ولايبنتز، ثم الانتقال إلى ما بعده وكأن المسألة قد أُغلقت. إن سبينوزا، في تقديري، يُمثل ظاهرة فلسفية كاملة؛ ظاهرة لا تكمن فرادتها في نسقها الميتافيزيقي وحده، ولا في أطروحتها الشهيرة حول وحدة الله والطبيعة، ولا في دفاعها الجريء عن حرية التفلسف، وإنما في الطريقة التي استطاعت بها أن تنقل السؤال الفلسفي من منطقة الخوف إلى منطقة الفهم، ومن سلطان المعجزة إلى انتظام الطبيعة، ومن الإله الذي يتدخل في العالم إلى الإله الذي يتجلى في نظام العالم ذاته. ولعل هذا هو المعنى العميق لما يمكن تسميته هنا بـ«المعجزة السبينوزية» : أن يصبح نفي المعجزة نفسه طريقًا إلى اكتشاف دهشة أعمق، هي دهشة وجود الطبيعة وانتظامها وقدرتها على إنتاج ما لا يكف الإنسان عن تسميته عجيبًا.

لقد ظهر سبينوزا في لحظة تاريخية كان فيها الفكر الأوروبي لا يزال يتلمس طريقه بين إرث لاهوتي كثيف وصعود عقلانية جديدة أخذت تعيد ترتيب العلاقة بين الإنسان والطبيعة والله. ولم يكن الصراع الذي خاضه سبينوزا مجرد صراع بين الإيمان والإلحاد، كما حاولت بعض القراءات المتعجلة أن تصوره، وإنما كان صراعًا على معنى الحقيقة ذاتها: من يمتلك حق تفسيرها؟ ومن يحدد ما هو ممكن وما هو مستحيل؟ وهل ينبغي أن نفسر الطبيعة انطلاقًا من الغاية التي نرغب فيها، أم أن علينا أن نفهمها من داخل ضرورتها الخاصة؟

هنا تبدأ المعجزة السبينوزية.

لا يكتفي سبينوزا بالقول إن الطبيعة تمقت الفراغ، ولا إن الأشياء محكومة بقوانينها الخاصة، بل إنه يقلب البنية التقليدية للبحث الفلسفي رأسًا على عقب. فبالنسبة له، الطبيعة ليست مسرحًا تتدخل عليه قوة خارجية كيفما تشاء، ولا مادة خام تنتظر أمرًا خارجيًا لتتحرك، بل هي نظام الوجود نفسه. لذا، فإن ما نسميه "استثناءً" أو "انتهاكًا" أو "معجزة"، ليس من وجهة نظر سبينوزا إلا اسمًا يُطلق على ظاهرة لم نفهم سببها بعد. فالمعجزة، بهذا المعنى، لا تكمن في الأشياء نفسها بقدر ما تكمن في عجزنا عن تفسيرها.

هنا، تكتسب كلمة "معجزة" دلالة تفسيرية عميقة. لا يكتفي سبينوزا بالسؤال: "هل حدثت المعجزة؟" بل يتساءل بالدرجة الأولى: "كيف يتحول حدث ما إلى معجزة في الوعي الإنساني؟" بعبارة أخرى، كيف يصبح المجهول خارقًا للطبيعة، وكيف يتحول الجهل بالسبب إلى إيمان بسبب خارق للطبيعة؟ بالنسبة لسبينوزا، فإن الانتقال من "لا أعرف" إلى "إنها معجزة" هو انتقال من تواضع المعرفة إلى وهمها. عندما نعجز عن فهم السبب، نملأ فراغ الجهل بإرادة إلهية أو قوة خارقة للطبيعة، محولين بذلك نقص معرفتنا إلى سمة من سمات العالم.

لذا، يمكننا القول إن سبينوزا يمارس شكلاً بدائياً من "تأويل الجهل". فهو لا يفسر المعجزة كحدث خارق للطبيعة، بل بتكوين فكرة المعجزة في الوعي. وهذا تمييز جوهري. فموضوعه الحقيقي ليس المعجزة بحد ذاتها، بل البنى العقلية والنفسية والتاريخية التي تدفع الأفراد إلى إدراك أحداث معينة على أنها انتهاكات للنظام الطبيعي. لاحظ سبينوزا أن الجماهير تميل إلى أن تنسب إلى الله ما لا تفهمه؛ ولذلك، تصبح المعجزة، بطريقة ما، مرآة للبشرية بدلاً من أن تكون نافذة على الله. 

لعل هذا ما يجعل سبينوزا أكثر حداثةً مما يبدو عليه. فهو لا يهاجم المعتقدات الشائعة مباشرةً ليسخر منها، بل يسعى إلى كشف آلياتها. فالخوف يولد الخرافات، والجهل يُفضي إلى تفسيراتٍ خارقةٍ للطبيعة، ورغبة الإنسان في السيطرة على المجهول تدفعه إلى إسقاط إرادته على الطبيعة. ونتيجةً لذلك، يبحث من لا يفهمون النظام الطبيعي عن غايةٍ كامنة، عن إرادةٍ تتدخل فيه، عن تصميمٍ يُشبه تصميمهم. وهكذا، تتحول الطبيعة من نظامٍ ضروري إلى سردٍ لإراداتٍ خفية.

يطمح سبينوزا إلى إعادة الطبيعة إلى جوهرها الحقيقي.

تحمل هذه العبارة البسيطة ثورة فلسفية عميقة. فبالنسبة له، لا تُعارض الطبيعة الله، بل تُشكّل المجال الذي يتجلى فيه ما يُسمّيه "الله أو الطبيعة" (Deus sive Natura) . لذا، لا يُمكن أن يكون تجاوز قوانين الطبيعة دليلاً على القدرة الإلهية، لأن هذه القوانين هي التعبير الصريح عن ضرورة الطبيعة الإلهية. فإذا كانت الطبيعة تعبيراً عن الجوهر الإلهي، فكيف يُمكن لله أن يُناقض نفسه؟ وكيف يُمكن أن يشهد تجاوز النظام القائم على وجود خالقه إذا كان النظام نفسه تعبيراً عن الضرورة الإلهية؟

يستنتج سبينوزا من هذا أن قوانين الطبيعة ثابتة وأزلية، وأن كل ما يحدث يتم وفقًا لها. وفي كتابه "رسالة في اللاهوت والسياسة"، يجادل بأن ما نسميه معجزة لا يُظهر قدرة الله بقدر ما يُظهر حدود فهمنا للأسباب الطبيعية. ووفقًا لهذا المنظور، فإن المعجزة ليست "حدثًا غير طبيعي"، بل هي ظاهرة لا نستطيع تفسيرها بالقوانين والأسباب التي اعتدنا عليها .

هذه هي المفارقة الأولى لـ"معجزة سبينوزا": كلما ازداد علمنا بالطبيعة، قلّ إدراكنا للمعجزة، ومع ذلك، يتعمق إحساسنا الفلسفي بالدهشة.فبالنسبة لسبينوزا، لا يقتل العلم الدهشة، بل يحررها من الخرافات. فالذين يفهمون أسباب الأشياء لا يفقدون القدرة على الدهشة، بل يختبرونها بطريقة أكثر عقلانية. لا تكمن الدهشة في توقف الشمس بسبب حدث خارق للطبيعة، بل في امتلاك الكون نظامًا يمكن للعقل اكتشافه. ولا تكمن الدهشة في تجاوز قوانين الطبيعة، بل في وجود القوانين، وفي كون الأشياء قابلة للفهم، وفي قدرة العقل على الربط بين الفكر والوجود.وهنا تبرز إحدى أجمل مفارقات الفلسفة السبينوزية: حين يطرد سبينوزا المعجزة من الطبيعة، فإنه لا يطرد الدهشة منها؛ بل ينقل الدهشة من الخارق إلى العادي، ومن الاستثناء إلى النظام، ومن المعجزة إلى الضرورة.

هذا التغيير ليس بالأمر الهين. فهو يعني أن الفلسفة لم تعد تبحث عن لحظات الخلل في النظام، بل تسعى إلى فهم النظام نفسه. فالمعرفة الحقيقية لا تبدأ عندما نقول: "هذا أمرٌ استثنائي"، بل عندما نسأل أنفسنا: "ما الذي تسبب في ذلك؟". وهكذا، فإن العقل السبينوزي لا يقبل الجهل غايةً في حد ذاته، بل يجعله نقطة انطلاقه.

وهكذا، فإن مقولة سبينوزا الشهيرة بأن الإنسان يعتقد أنه حر لأنه واعٍ لأفعاله ولكنه جاهل بأسبابها، تكشف عن المنطق نفسه الذي يقوم عليه مفهومه للمعجزات. فالإنسان يعتقد أنه حر عندما يجهل الأسباب التي تحدد أفعاله، ويعتقد أن معجزة قد حدثت في الطبيعة عندما يجهل السبب الذي يفسر حدثًا ما. في كلتا الحالتين، نواجه البنية المعرفية نفسها: الجهل بالأسباب يتحول إلى وهم الاستثناء.

هنا، تتلاقى الأنطولوجيا والإبستمولوجيا. لا يكتفي سبينوزا بالتأكيد على أن لكل شيء سبب، بل يسعى أيضًا إلى إعادة بناء علاقتنا بالوجود استنادًا إلى مبدأ ضرورة فهم الأشياء من خلال أسبابها. ويتمثل الانتقال من الخيال إلى العقل، في جوهره، في التحول من إدراك الأشياء كحقائق منفصلة وغامضة إلى إدراك شبكة الضرورة التي تربطها.

هذا ما يجعل كتاب "الأخلاق" أكثر بكثير من مجرد عمل بسيط في الأخلاق بالمعنى التقليدي. إنه مشروع يهدف إلى تحرير البشرية من جهلها بعلاقات السبب والنتيجة. أولئك الذين يعيشون في عالم من المشاعر والآراء الجزئية يرون الأشياء مجزأة، متناقضة، مفاجئة، بل وحتى معجزة. أما أولئك الذين يتقدمون في المعرفة فيبدأون بإدراك الترابط والضرورة بين كل الأشياء. من هذا المنظور، لا تُعدّ المعرفة ترفًا نظريًا، بل تحوّلًا عميقًا في طريقة وجودنا.

في كتابه "الأخلاق"، الذي ترجمه جلال الدين سعيد إلى العربية، يبدأ سبينوزا بمفهوم الجوهر، ومن خلال شبكة دقيقة من التعريفات والقضايا والبراهين، يصل إلى الحرية والنعيم والمحبة الفكرية لله. تُظهر الترجمة العربية أن تعريف الله والجوهر أساسي لتطور النظام السبينوزي؛ إذ يُقدّم سبينوزا الله كجوهر مطلق لا يُمكن تصور وجوده خارج ذاته .

وهكذا، بالنسبة لسبينوزا، لم يعد "الله" كائناً شخصياً خارجياً عن العالم يتدخل فيه، بل أصبح الوجود نفسه لانهائياً. ولهذا السبب، تُعدّ مسألة المعجزة محورية في فلسفته الدينية: فقبول المعجزة باعتبارها انتهاكاً للطبيعة يُؤدي إلى تصوّر الله والطبيعة ككيانين منفصلين، بينما يُفضي النظام السبينوزي إلى وحدة الجوهر والضرورة.

لا ينبغي تفسير العبارة اللاتينية "Deus sive Natura" على أنها مجرد معادلة رياضية بين كلمتين، بل هي تمثل تحولاً جذرياً في فهمنا للمقدس. فالله ليس موجوداً في مكان آخر ليتدخل في العالم، لأن العالم ليس منفصلاً عن الوجود الإلهي. والطبيعة ليست آلة مستقلة تعمل في غياب الله، لأنها في حد ذاتها تعبير عن الجوهر الإلهي.

لذا، فإن السؤال "هل يستطيع الله أن يتجاوز قوانين الطبيعة؟" يستند إلى مفهوم ميتافيزيقي يرفضه سبينوزا رفضًا قاطعًا. فإذا كانت الطبيعة هي التعبير الضروري عن الجوهر، فإن تجاوز قوانينها ليس فعلًا إلهيًا، بل تناقض متأصل في مفهوم الله نفسه.

لذلك، يجادل سبينوزا في كتابه "رسالة لاهوتية سياسية" بأن الإيمان بالمعجزات لا يؤدي إلى معرفة الله، بل يمكن أن يؤدي إلى الشك فيه؛ لأن إثبات حدث يتعارض مع النظام الطبيعي يرقى، وفقًا له، إلى افتراض وجود نظام غير مستقر، وهو ما يتعارض مع كمال الطبيعة الإلهية .

هنا، يمكننا قراءة سبينوزا بطريقة تأويلية تتجاوز المستوى اللاهوتي المباشر. فبالنسبة له، لا تُعدّ المعجزة مجرد مشكلة في فلسفة الدين، بل هي بالأحرى مشكلة في اقتصاد المعنى. فعندما يعجز الإنسان عن فهم حدث ما، لا يستطيع تحمل فراغ المعنى طويلًا، فيسارع إلى ابتكار معنى آخر: إرادة إلهية، عقاب، ثواب، علامة، رسالة، نبوءة. من هذا المنظور، تُعدّ المعجزة محاولةً لسدّ الفجوة بين الحدث وتفسيره.

لكن سبينوزا يدعونا إلى قبول هذه الفجوة.

وفي ذلك تكمن شجاعة فلسفته.

ليس الفيلسوف الحقيقي من يملك إجابة لكل شيء، بل من يعرف كيف يُبقي السؤال مفتوحًا دون أن يُفسده بالخرافات. لهذا السبب، لا يُحارب سبينوزا المجهول في حد ذاته، بل يُحارب الطريقة التي نحوله بها إلى يقين زائف. إنه يُريد أن يكون الجهل مؤقتًا، لا مُتأصلًا.

بالنسبة له، هذا هو المعنى العميق للنور الفطري: العقل ليس أداةً لإلغاء المُقدس، بل أداةً لتحرير البشرية من الخوف الذي يُحجب نظام الوجود. وهكذا، يرتبط نقد سبينوزا للمعجزات ارتباطًا وثيقًا بنقده للخرافات. في مُقدمة كتابه "رسالة في اللاهوت والسياسة"، يُربط الخرافة بالخوف، ويُصبح تحرير البشرية من الخوف شرطًا أساسيًا لتحريرها من الأوهام التي استعبدتها. 

إن الخوف هو ما يجعل الطبيعة مصدرًا للرعب.فعندما يخشى الإنسان المستقبل، يبحث عن دلائل؛ وعندما يعجز عن تفسير الأحداث، يبحث عن إرادة؛ وعندما تستنفد قدرته على التحمل، يحوّل ما يبدو مصادفة إلى رسالة. وهكذا، ينظر سبينوزا إلى الخرافة لا كمجرد خطأ فكري، بل كظاهرة إنسانية متجذرة في العاطفة. هذه النقطة جوهرية، لأنها تقرّب فلسفته من قراءة نفسية واجتماعية للإنسانية، حتى قبل أن يصبح علم النفس الاجتماعي فرعًا قائمًا بذاته.

وإذا كانت المعجزة في صورتها الشعبية هي استثناء للطبيعة، فإنها في صورتها السياسية يمكن أن تصبح أداة للسلطة. فحين يعلن رجل الدين أن حادثة ما «معجزة»، فإنه لا يصف فقط حدثًا، بل قد يمنح نفسه سلطة تفسيرية عليه. وحين تصبح المعجزة دليلًا على صدق نبي أو جماعة أو مؤسسة، يتحول الخارق إلى رأسمال رمزي وسياسي. ولذلك فإن نقد المعجزة عند سبينوزا لا ينفصل عن نقد تسييس المقدس.

يُبرز هذا أهمية كتاب سبينوزا "رسالة في اللاهوت والسياسة". فبالنسبة له، لا يوجد الدين بمعزل عن غيره، بل هو متجذر في علاقة معقدة مع السلطة والخوف والطاعة والتفسير. وتتلخص مسألة المعجزات في جوهرها في تحديد من يملك الحق في تعريفها، ومن يملك سلطة تفسيرها، ومن يستطيع إقناع الناس بأن حدثًا ما قد تجاوز النظام الطبيعي. لذا، يمكن القول إن سبينوزا لم يكن ناقدًا للمعجزات فحسب، بل كان ناقدًا لسياسات المعجزات أيضًا.

إذا كانت المعجزات تستمد قوتها من جهل العامة، فإن الفيلسوف يسعى لهدايتهم من الخوف إلى الفهم. لا يطلب منهم التوقف عن الدهشة، بل يدعوهم إلى التعجب مما هو حق. المعجزة الحقيقية ليست في حدوث ظاهرة منافية للطبيعة، بل في اكتشاف أن ما اعتقدنا أنه مستحيل يمكن فهمه عندما نعيد بناء علاقات السبب والنتيجة.

وهكذا، يصبح سبينوزا نفسه "فيلسوف الظواهر". ليس لأنه أسس الفينومينولوجيا قبل هوسرل -فهذا إسقاط تاريخي غير مشروع -بل لأنه يُجبرنا على العودة من الحدث الغامض إلى كيفية تجليه في الوعي. يتساءل: لماذا يبدو شيء ما معجزة؟ لماذا يبدو الإنسان حراً؟ لماذا يبدو الله متعالياً على الطبيعة؟ لماذا تبدو الأشياء منفصلة عن بعضها؟ لماذا ندرك أنفسنا كذوات مستقلة عن شبكة الأسباب؟

إن فلسفة سبينوزا هي في جوهرها محاولة لتفكيك "الحدس الزائف".

يظن الإنسان نفسه مركز الطبيعة لأنها تبدو وكأنها خُلقت لأجله. ويظن أنه يمتلك إرادة حرة مطلقة لجهله بالأسباب التي تُحدد رغباته. ويظن أن الله يتدخل في الطبيعة لجهله بضرورة هذا التدخل. ويظن أن المعجزات خرقٌ للقانون لجهله بالقانون الذي أوجدها. هكذا يعمل الوهم في أكثر مجالات الوعي وضوحًا.

لعل هذا ما يفسر استمرار أهمية سبينوزا في الفلسفة المعاصرة. فمع التقدم العلمي، لم تتضاءل الحاجة إلى سبينوزا، بل ربما ازدادت. نعيش في عصرٍ باتت فيه قدرتنا على تفسير الظواهر هائلة، ومع ذلك لم يختفِ التفكير الخرافي، وإنما تطورت أشكاله فحسب. لم تعد المعجزات مرتبطة دائمًا بالمقدس التقليدي؛ بل قد تتخذ اليوم شكل مؤامرة، أو تفسير سحري، أو الاعتقاد بأن حدثًا معقدًا لا بد أن يكون وراءه فاعلٌ خفيٌّ واحد. ولا يزال البناء النفسي الذي درسه سبينوزا قائمًا، حتى وإن تطورت مفرداته.

وهكذا، يمكننا اليوم إعادة اكتشاف سبينوزا ليس فقط كفيلسوف تاريخي، بل أيضاً كدرسٍ في الحذر من التأويل المتسرع. ففلسفته تُعلّمنا ألا نحول الغموض إلى يقين، والجهل إلى حقيقة، والخوف إلى ميتافيزيقا.

في هذا السياق، يصبح تأكيده الشهير في كتابه "الأخلاق النيقوماخية" بأن الإنسانية جزء لا يتجزأ من الطبيعة أكثر من مجرد أطروحة وجودية. إنه دعوة إلى التواضع المعرفي. فالإنسانية ليست مملكة داخل مملكة أخرى، ولا كائناً منفصلاً عن الضرورة الكونية. بل هي جزء لا يتجزأ من نسيج الطبيعة، خاضعة لقوانينها كغيرها من الكائنات. لذلك، يتطلب فهم الإنسانية فهم علاقتها بالطبيعة، لا وضعها خارجها .

هذا هو جوهر مشروع سبينوزا: استبدال الوهم بالضرورة، والخوف بالفهم، والعاطفة العمياء بالمعرفة، والعبودية بالحرية. يرى سبينوزا أن الحرية لا تعني التهرب من الضرورة، بل فهمها. فمن يتجاهل الأسباب يبقى أسيراً لها، حتى وإن توهم أنه سيدها. أما من يفهم الضرورة، فينتقل من الخضوع السلبي إلى القدرة على تنظيم علاقته بها. لذا، لا تكمن الحرية في فعل ما يشاء المرء، بل في اكتساب مهارة أكبر في التصرف وفقاً لطبيعة يفهمها.

وهذا يقودنا إلى المفارقة الثانية لـ"معجزة سبينوزا": لا يتحرر الإنسان حين يُحرر نفسه من الضرورة، بل حين يُدرك أنه جزءٌ منها.هذه الفكرة تُقرّب فلسفة سبينوزا من أخلاق الفهم لا أخلاق الهيمنة. فهو لا يقول للإنسان: "قاوم الطبيعة"، بل: "افهمها". ولا يقول: "اهرب من تشابك الأسباب"، فهذا مستحيل، بل: "افهم مكانك فيها". ولا يقول: "اقتل أهوائك"، بل: "انتقل من الانفعال السلبي إلى القوة الفاعلة".

إن «الكونatus» »، أو نزوع كل شيء إلى الاستمرار في الوجود، يصبح هنا مفهومًا مركزيًا لفهم الحياة البشرية. فالبشر ليسوا كيانات منعزلة، بل قوى متغيرة. لذا، فالفرح ليس مجرد حالة نفسية عابرة، بل هو زيادة في القدرة على الفعل، بينما الحزن هو انخفاض فيها. وعلى هذا المستوى، تتحول الأخلاق إلى فن تنظيم القوى، لا إلى قائمة من الوصايا الخارجية.

وإذا كان سبينوزا قد أحدث ثورة في تاريخ اللاهوت، فليس ذلك فقط من خلال تأكيده على "الله أو الطبيعة"، بل أيضاً لأنه أعاد تعريف مفاهيم مثل الحرية والإرادة والخير والشر والغاية والمعجزة. فقد انتزعها من نطاق الميتافيزيقا الغائية وأعاد إدخالها في منظومة الضرورة الطبيعية.

يساعدنا هذا على فهم سبب كون سبينوزا ظاهرة فلسفية، وليس مجرد فيلسوف. فقد أعاد تعريف العلاقات بين الإنسانية، والله، والطبيعة، والعقل، والسياسة، والدين. ولذلك، استمر تأثيره في الفلسفات اللاحقة، من النقد التاريخي للدين إلى الفكر السياسي الحديث، ومن فلسفة الحياة إلى بعض التيارات المعاصرة التي تعيد اكتشافه كفيلسوف للسلطة، والرغبة، والعلاقات الإنسانية .

بينما نظر القرن السابع عشر إلى سبينوزا باعتباره تهديدًا، اعتبرته القرون اللاحقة أحد أكثر الفلاسفة قدرةً على تحدي الحقائق الراسخة. هذا هو سر "ظاهرة سبينوزا": فيلسوف أُدين ونُبذ في حياته، استطاع بعد مماته أن يصبح نقطة التقاء لفلسفات متنوعة، بل ومتناقضة.

سعى سبينوزا إلى تمكين العقل من فهم العالم دون الهروب منه واللجوء إلى عالم آخر. ولعل هذه هي أعظم جرأته. فهو لا يحتاج إلى عالم خارج العالم لإضفاء معنى على الوجود؛ فالوجود نفسه، إذا فُهم في ضرورته، يصبح هو جوهر المعنى. ومن هنا فإن «المعجزة السبينوزية» ليست معجزة دينية، بل معجزة فلسفية: أن يستطيع العقل أن يعيد الإنسان إلى العالم بعد قرون من النظر إليه باعتباره غريبًا عنه.

لا يُجرّد سبينوزا العالم من طابعه المقدس بقدر ما يُعدّل معناه. لم يعد المقدس يكمن في تجاوز الطبيعة، بل في فهمها؛ لم يعد يكمن في خرق قوانينها، بل في إدراك نظامها؛ لم يعد يكمن في البحث عن إله خارج عن ذاته، بل في إدراك الوجود كتعبير عن ضرورة لا متناهية.

 هنا، يندهش الفيلسوف أكثر من صانع المعجزات. لا يحتاج الأول إلى مخالفة القانون ليُذهل؛ يكفيه أن يفهمه. لا يحتاج إلى تعطيل الطبيعة ليجد الله؛ يكفيه أن يدرك في الطبيعة نظامًا لا نهائيًا من العلاقات. لا يحتاج إلى الفرار من العالم لينال الخلاص؛ بل يجده في نوع من المصالحة الفكرية مع ضرورة الوجود .

هذا ما يضفي على إعلان سبينوزا في ختام كتابه "الأخلاق" هذا المعنى العميق، حين يربط السعادة بالحرية والمعرفة ومحبة الله الفكرية. فالمعرفة ليست نهاية مفاجئة للرحلة الفلسفية، بل هي ذروتها، وشكل من أشكال البهجة. انتقل سبينوزا من سؤال "ما الذي يحدث؟" إلى "كيف نفهم ما يحدث؟" ثم إلى السؤال التالي: "كيف يتغير وجودنا حين نفهم؟".

إنه مسار يقود من الحدث إلى المعنى، ومن المعنى إلى القوة، ومن القوة إلى الحرية.

وهكذا، فإن سبينوزا، "الفيلسوف الظاهرة"، ليس مجرد من أكد على الترابط الجوهري بين الله والطبيعة، ولا مجرد المدافع عن هندسة ميتافيزيقية صارمة، بل هو الفيلسوف الذي جعل من الفهم نفسه فعل تحرر.

لذا، بالنسبة لسبينوزا، المعجزة العظمى ليست في أن تتوقف الطبيعة عن كونها طبيعة، بل في أن تتوقف البشرية عن إسقاط خوفها وجهلها عليها.

لا تكمن المعجزة في تجاوز القانون، بل في فهمنا له. لا يتعلق الأمر بانفتاح العالم على ما وراء الطبيعة، بل بانفتاح العقل على العالم.

لا يتعلق الأمر بترك الطبيعة وحدها للوصول إلى الحقيقة، بل باكتشاف أن الحقيقة كانت دائمًا في صميم الطبيعة، وأن ما كنا نبحث عنه في السماء يتطلب قراءة أعمق للأرض.

لكل هذه الأسباب، يمكننا القول إن سبينوزا كان، بحق، فيلسوفًا للظواهر: ظاهرة في تاريخ الفلسفة، وظاهرة في تاريخ العقل الحديث، وظاهرة في تاريخ العلاقة بين الدين والعقل والسياسة، وقبل كل شيء، ظاهرة لقدرة الفلسفة على إعادة صياغة السؤال بدلًا من مجرد الإجابة عليه.

إنها معجزة الفلسفة نفسها: أن يتحول ما كان مصدرًا للخوف إلى موضوع للفهم، وما كان يُعدُّ خرقًا للنظام إلى سؤال عن النظام، وما كان يُفسَّر بالخارق إلى بحث عن العلة، وما كان يقود إلى العبودية الروحية إلى طريق نحو الحرية .

فيما يتعلق بالكتاب المقدس، لم يعتبره سبينوزا نصًا مقدسًا خارجًا عن التاريخ، بل نصًا ينبغي قراءته مع مراعاة نشأته وتكوينه ولغته وسياقه التاريخي. ومن هنا تكمن مفارقة سبينوزا: فاحترام الكتاب المقدس لا يعني تعليق العقل أمامه، بل تحرير قراءته من سلطة التأويلات المسبقة. لفهم

النص، لا بد من وضعه في سياقه التاريخي، وفي اللغة التي كُتب بها، وفي مقاصد مؤلفيه وجمهوره 

ولذلك أسّس سبينوزا لما يمكن تسميته هرمينوطيقا تاريخية للكتاب المقدس ؛ جادل سبينوزا بأن فهم النصوص الدينية ينبغي أن يبدأ بالنص نفسه وظروف تأليفه، لا بالعقائد التي تُفرض عليه لاحقًا. من هذا المنظور، لا يفقد الكتاب المقدس قيمته عندما يصبح موضوعًا للدراسة الفكرية؛ بل على العكس، تبدأ قيمته التأويلية تحديدًا عندما نتوقف عن اعتباره نظامًا مغلقًا من المعاني المُسبقة. وهكذا، يواجه سبينوزا سؤالًا معاصرًا سيصبح فيما بعد محوريًا في علم التأويل: كيف لنا أن نفهم نصًا قبل أن نفرض عليه المعنى الذي نرغب في إعطائه إياه؟

لم تكمن جرأة سبينوزا في نقده لليهودية فحسب، بل في تحويله لشروط قراءة النصوص الدينية: من قدسية تمنع أي تساؤل إلى نص يسمح به، ومن سلطة التأويل إلى تاريخ التأويل، ومن إيمان يفرض المعنى على عقل يسعى لفهم شروط تكوينه. ونتيجة لذلك، يمكن اعتبار كتابه "رسالة في اللاهوت والسياسة" عملاً تأسيسياً للفكر التأويلي الحديث.

***

بقلم: د. معروفي العيد

.......................

الهوامش:

 أ ـــــــ المصادر العربية:

[1] باروخ سبينوزا، رسالة في السياسة، ترجمة، عمر مهيبل، موفم للنشر ــــــ الجزائر ــــ ط1 1995.

 [2] باروخ سبينوزا، رسالة في اللاهوت والسياسة، ترجمة وتقديم حسن حنفي، مراجعة فؤاد زكريا، بيروت، دار التنوير، الطبعة الأولى، 2005.،

[3] باروخ سبينوزا، علم الأخلاق، ترجمة جلال الدين سعيد، مراجعة جورج كتورة، بيروت، المنظمة العربية للترجمة، الطبعة الأولى، 2009.

ب ــــــــ المصادر الفرنسيــة:

[1] Baruch Spinoza, Traité théologico-politique, trad. Charles Appuhn, Paris, Garnier-Fréres, 1965

[2] Baruch Spinoza, Éthique, trad. Charles Appuhn, Paris, Garnier Frères, 1913.  

 [3] Baruch Spinoza, Éthique, trad. Jules Gustave Prat Prat, recherches et texte établi par Bernard Pautrat, Paris, Éditions Allia, 2020. 

2 ــــ المراجع:

أ ــــ المراجع العربية:

[1] فؤاد زكريا، سبينوزا، بيروت، دار التنوير، الطبعة الثانية، 1981.

[2] جلال الدين سعيد، سبينوزا والكتاب المقدس، مؤسسة مؤمنون بلا حدود، الطبعة الأولى، 2017، ولا سيما مباحث التأويل التاريخي والنقد العقلاني للنص المقدس والمعجزة.

 [3] فريدريك لونوار، المعجزة السبينوزية فلسفة لإنارة حياتنا، ترجمة، محمد عادل مطميط، دار التنوير للنشر والتوزيع، تونس، ط1 2020.

 

قد يكون مِن اليسير علينا الآن أن نتناول الفيلسوفَ الهولندي «إسبينوزا» وآراءَه بالتحليلِ والانبهار به أو الاختلاف معه، غير أن هناك أمرًا لا يجب أن يغيب عن حسباننا، وهو: السياق الذي ظهرَ فيه إسبينوزا، فمِن هنا يمكننا أنْ نُنْزِلَه منزلته التي يستحقها، لأننا لو نظرنا إلى كتاباته بعيون اليوم، وما استقر مِن فكر في الغرب؛ لَمَا استطعنا إذًا أن نعرِفَ حجمَ الثورةِ التي أحدثها في الفلسفة الغربية، فقد تكون أفكاره محلَّ قبولٍ وأُلْفة اليوم في الغرب وغيره من المناطق، إلا أن السياق الأصولي المتزمِّت الذي عاشَ فيه، ومدى الانغلاق الفكري والتربص بكل مَن على نهْجه، ومحاكم التفتيش والمطاردات التي تعرَّضَ لها، وترْكه لجماعته اليهودية والخروج عليها(١)؛ يجعل نظرتنا إليه تختلفُ، فأنْ يكون المجتمعُ الذي تحيا فيه يتسمُ بالتزمت والظلامية، ثم يخرج عليه شخصٌ مثل إسبينوزا، بأفكار ونقْد ثوري جذري صادم لكثير مما كان يُعَد من قبيل البَدَاهات والمُسلَّمات؛ فهنا نقول إننا أمام حالة غير معتادة يمثلها هذا الفيلسوف.

معالِمُ منهجه النقْدي.

يمكننا تناول ذلك في النقاط الآتية:

- قلْبُ دلالة المصطلحات.

مِن أهم المعالِمِ التي قد تكون كامنةً في فلسفة إسبينوزا: قلْبُ دلالة الألفاظ، بمعنى أن هناك لفظًا مثل: «الله»، له تصورات محددة في أذهان الناس قبل إسبينوزا؛ إلا أن استخدام إسبينوزا لمصطلح «الله» لا يُفهم منه أنه أراد الدلالة القديمة الشائعة قبله لهذا المصطلح؛ بل أراد دلالةً مغايرةً تمام المغايرَة، وذلك بإشارته إلى أن فكرة «الله» مساوية لـ «الطبيعة»(٢)، لاعتقاده بأنه لا بُمكِن لجوهر أن يُنتِجَ جوهرًا آخر، بمعنى أن الوجود كله جوهرٌ واحدٌ لا ينقسم؛ وعلى هذا لن يصبح هناك فرق بين الله والطبيعة، طالما أنهما شيءٌ واحد(٣)، ومن هنا نجد أنه لا عَلاقة دلالية بين مصطلح «الله» بمعناه الشائع القديم، ومعناه الذي أضْفاه عليه إسبينوزا، فالتطابق واقع في المصطلح فقط من حيث كونه مصطلحًا، أما دلالته، فقد اكتسبتْ وجهًا مختلفًا تمامًا.

وهنا تظهر مشكلة لدى كثيرين مِن قُرَّاء إسبينوزا، وهي أن تحويل دلالة ألفاظ مستقرة على مدى قرون مديدة، من شأنها أن تُحدِثَ ارتباكًا كبيرًا للقارئ؛ فحتى إذا كان إسبينوزا قد أشار إلى معنى دلالي جديد للفظٍ قديم سيستعمله، تكون هذه الإشارة عابرة، ولا يكررها في كل موضع يتكلم فيه عن هذه المصطلحات ذي الدلالة الجديدة، وهنا لابد لقارئ إسبينوزا من الانتباه العميق إلى هذه النقطة؛ حتى لا يقعَ في خطأ يتمثل في فهْم مصطلحات إسبينوزا على غير ما أرادها تمامًا، ومن النقاط التي تساعد في تفادي هذا الأمر: القراءة المتأنية العميقة لمقدمات كتب إسبينوزا.

إن القلْبَ في دلالةِ المصطلحاتِ الذي أحدَثَه إسبينوزا، هو اختبارٌ عسيرٌ لقدرة الإنسان على التخلص من الدلالاتِ المألوفةِ للمصطلحات الشائعة، وهو اختبارٌ عسيرٌ لأن الألفاظَ التي قام إسبينوزا بتحويل جذري في دلالتها كانت راسخة بشدة في الأذهان، وموغِلة في القِدَمِ، إلى درجة أنه قد أصبح لها تأثيرٌ نفسيٌّ وانفعالي قوي على الإنسانِ، وما سعى إليه إسبينوزا هو القضاء على حالة الحتمية والضرورة لدلالاتِ كثيرٍ من المصطلحات، وعلى الرغم من كثرة الكتابات التي أُنْجِزَت عن إسبينوزا، إلا أن قليلين هم الذين انتبهوا إلى هذا الأمر في فلسفته(٤)، إلى درجة أن فيلسوفًا مثل برتراند رَسِل عند حديثه عن إسبينوزا يقول: «وُلِدَ يهوديًّا، ولكن اليهودَ حَرَموه مِن الانتماءِ إليهم، وقد مَقَتَهُ المسيحيون أيضًا مَقْتًا شديدًا، ورغم أن فلسفتَه بأسْرها تهيمِن عليها فكرةُ الله؛ فقد اتهمه أصحابُ العقيدةِ التقليديين بالكفر»(٥).

في النص السابق نجد أن برتراند رَسِل يتعجبُ مِن معاداة إسبينوزا واتهامه بالكفر على الرغم من حضور فكرة «الله» وهيمنتها على فلسفته، وهنا يكون رَسِل قد وقع في فخ سطوة الدلالة القديمة لمصطلح «الله»، فتعامل معه، في موضع كلامه في هذا النص، على أنه يَحمِلُ نفْسَ الدلالاتِ القديمة، ومِن هنا جاء تعجبه مِن مطاردة إسبينوزا واتهامه بالكفر، غير أن دلالة مصطلح «الله» قد تحولَ تحوُّلًا جذريًّا على يد إسبينوزا، كما أشرنا سابقًا من كونه يساوي بين «الله» و «الطبيعة»، فإذا أطلقَ مصطلح «الله» في كتاباته، فهو -غالبًا- يريدُ الدلالةَ الجديدةَ له من كونه مساويًّا للطبيعة، وأنه فَقَدَ أيَّ ارتباطٍ بمدلولاتِه القديمة، خاصة عند أصحاب الديانات المقدسة، ومِن ثَمَّ، فإن العبرةَ ليست بورودِ مصطلح: «الله» في كتابات إسبينوزا؛ بل بالمضمون الجديد الذي أضْفاه إسبينوزا على هذا المصطلح وغيره مِن المصطلحات.

القطيعة بين الفلسفة والدين

الناظرُ في فلسفة ديكارت؛ يجد أنه لم يَدخل في صدامٍ جذري مع رجال الدين، ولا أدل على ذلك أكثر من أنه أهدى كتابه: «تأملات ميتافيزيقية في الفلسفة الأولى» لعلماء أصول الدين في كلية اللاهوت المقدسة في باريس، حيث أكدَ في هذا الإهداء على إيمانه العميق بالله، وأن ما يسعى إليه من محاولة إثبات وجود الله بالأدلة العقلية، فهذا ليس لأنه يشكُّ في وجودِ اللهِ ولا يقتنع إلا بالأدلة العقلية؛ وإنما يسوق ذلك لغير المؤمنين بالله، والذين لا يمكن الحوار معهم وإقناعهم بغير الدليل العقلي(٦)، وهذا يشير إلى أنه على الرغم من حركةِ التجديد التي قام بها ديكارت وغيره في هذه الحقبة، إلا أن سطوة رجال الدين لم تختف؛ بل كان تأثيرهم ما زال قويًّا، والخشية منهم حاضرة عند كثير من الكُتَّاب، كما يتضح أن ديكارت قد يكون اختار هذه الطريقة تجنُّبًا منه لحال التزمت الحاصلة في وقته، كما يتضح لنا أن ديكارت لم يكن صاحب مزاج صدامي بالطريقة الجذرية؛ وإنما تقوم طريقته على التدرُّجِ في تحديث المجتمع ومواجهة الجمود.

ولكن ما علاقة هذا بـ إسبينوزا؟ إن إسبينوزا يكاد يكون الوحيد من الديكارتيين الذي استطاع أن يطبِّقَ منهجَ ديكارت في الشك على الحقول التي استبعدها ديكارت بنفسه من أن تندرج تحت منهج الشك؛ فلقد قام إسبينوزا بثورة في تطبيق منهج الشك الديكارتي على الحقل الديني والعقائد والكتب المقدسة؛ ولذلك حدثَتْ عدة محاولات لاغتياله مِن قِبَلِ رجال الدين(٧).

وهنا يجدر بنا أن نقول إن التطويرَ الحقيقيَّ لفلسفة ديكارت كان أوضح ما يكون على يد إسبينوزا؛ ففي حين أن ديكارت لم يستطع أن يصطدم بشدة مع رجال الدين، وراح يبرِّر لهم بعضَ كتاباته الفلسفية، وأن جزءًا منها كان من أجل إثبات العقائد الدينية وكذلك إثبات وجود الله من الناحية العقلية، كان إسبينوزا على الجانب الآخر يتحرر من كل هذه الحمولة والتبرير، ولذلك فقد أحدثَ صدمةً معرفيَّةً في الوسط الاجتماعي آنذاك، وفي الحقيقة، فإن هذه الصدمات المعرفية تكون مطلوبةً في بعض الأحيان، خاصة في البيئات التي انطبع الظلامُ والجمودُ عليها، نعم هناك ضريبة كبيرة يتعرض لها مَن يقوم بهذه الصدمات المعرفية لمجتمعه؛ ولكن مَن قال إن الوصولَ إلى الأشياء المتميزة في حياتنا ليس له ضريبة؟ كل شيء -غالبًا- جميل في هذه الحياة له ضريبة تُدْفَعُ، والتنوير الأوروبي لم يشذ عن هذه القاعدة، فلقد تعرضَ كثيرون للتنكيل بهم في سبيل التخلص من العصور المظلمة التي عاشتها أوروبا، وكان إسبينوزا من أشد الفلاسفة الذين تعرضوا للتنكيل والمطاردة والنفْي، وكان جزء من شدة ما تعرض له تعود إلى منهجيته الصادمة التي فاقت احتمالَ مجتمعِه آنذاك، ولكن ما قام به من ثورة فلسفية اختصرَ كثيرًا من السنين التي كان يمكن أن يمر بها الفكرُ الأوروبي لو كان يسيرُ بالتدرج البطيء في التصدي لظلام العصور الوسطى، ومداهنة رجال الدين.

وهناك عامل مهم في هذا السياق نشيرُ إليه، وهو: أن بعض الترجمات العربية لكتابات إسبينوزا، لم تُقدِّمْه بنفس القدر من الجرأة في الطرح التي كان عليها في كتاباته الأصلية قبل الترجمة، ويعود ذلك إلى أن بعض المجتمعات، التي تُتَرجَمُ فيها كتاباتُ إسبينوزا، لم تبلغ درجةً من التطور والتنوير تجعلها تتقبل الطرْح الجديد، والجريء، عليها بسهولة، وهناك سبب آخر كامنٌ، وهو: أن المُترجِم، أحيانًا، يريد التعبيرَ عن نفسِهِ من خلالِ الآخرين، فتكون ترجمته بذلك تحمل بصمةً من تفكيره الخاص، عبَّرَ عنها من خلالِ شخصية مَن يترجِم له كتاباته(٨)، وقد يكون هذا التوجه مِن بعض الكُتَّاب المترجِمين بسبب التزمت الأصولي في مجتمعاتهم.

ومن خلال ما سبق، يتضح أن إسبينوزا لم يسعَ، كغيره، للتوفيق بين الفلسفة والدين؛ ولكنه كان واضحًا في توجهه ونزوعه الفلسفي، الذي لا يقبل وصاية النصوص عليه، وهذا المنهج حرَّرَه من حمولة التكلُّف في إيجاد تأويل للنصوص المقدسة يتناسب مع الطرح الفلسفي والعلمي؛ وهذا جعلَ كتاباته مباشرة وواضحة في كثيرٍ من أجزائها.

البُعد الاجتماعي في فلسفة إسبينوزا

إن ديكارت لم يستبعد العقيدة والله فقط من منهج الشك؛ فقد استبعدَ أيضًا النُّظُم السياسية، والتشريعات الوطنية، وعادات البلد؛ وبذلك يكون ديكارت قد أخرجَ الجانب الاجتماعي كلَّه من الوقوع تحت طائلة منهج الشك، أي كان منهج الشك لديه يقتصرُ على بعضِ التوجهات فقط في الفكر، أما إسبينوزا، فقد أحدثَ نقلةً جديدةً في الربْط في الفكر والمجتمع؛ فكما طبَّقَ منهجَ الشك على العقائد الدينية والنصوص المقدسة، فقط طبَّقه أيضًا على المجال السياسي والاجتماعي، وبهذا يكون إسبينوزا قد سبَقَ كانط وهيجل في هذا اللون من الفكر السياسي والاجتماعي(٩)، ومن خلال هذا الطرْح، يتضح مدى الشمولية التي أضْفاها إسبينوزا على منهج الشك الديكارتي، وأنه يعود إليه فضل كبير في الربْط بين الفكر والواقع، وبذلك لم يُهمَّش الجانبُ الاجتماعي في فلسفته، ويُعَد هو الممهِّد الأكبر لعصر التنوير وما تلاه مِن ثورات فلسفية وعلمية، كان مِن نتاجها: إفرازُ نمط الحضارة الأوروبية، التي ما زالت تنتعشُ وتجدد وتطوِّر نفسها.

إسبينوزا من منظور التحليل النفسي

لحياة الفرْد -غالبًا لا بالضرورة الحتمية- أثرٌ في توجهه الفكري وكتاباته، وما يمر به الإنسانُ من صراعات نفسية أو عاطفية أو اجتماعية، من الممكن أن تولِّد بصمةً ما في سلوكه وأفكاره، وإسبينوزا يمثل مادةً ثرية في هذا الصدد؛ إذ إن حياته مليئةٌ بالأحداث والتحولات والصراعات المتنوعة.

وإذا نظرنا إلى لمحةٍ من هذه القضية؛ نجد أن إسبينوزا قد طُرِدَ من طائفته اليهودية وهو لا يزال شابًّا، وأصبح منبوذًا حتى من بين أفراد عائلته وأسرته، ولا يمكن تجاهل كل هذا وتأثيره المحتمَل على إسبينوزا وفكره وحياته، خاصة إذا عَلِمنا أنه قد خصصَ ما يقرب من ربع كتابه عن الأخلاق لمسألة «التغلب على عبودية العواطف»، وما كان لهذا الجزء من الكتاب أن يوجد إلا بوجود صراع في مشاعره عانى منه(١٠)، ومما يدعم هذا الرأي، أن إسبينوزا قد مرَّ بتجرِبةٍ عاطفيَّةٍ قاسية، وهي أنه كان يحبُّ كلارا ماريا ابنة أستاذِهِ فرانسيسكو فان دين إندن، وقد كانت تساعد والدها في تدريسِ اللاتينية لـ إسبينوزا، ولكنها لم تُبادلْه نفس الحب؛ حيث وقعتْ في حب طالبٍ آخَر زميل إسبينوزا(١١).

وهذا يدلُّنا على أثر التجارِب الشخصية والحياتية في كتاباتِ المرء، فالقارئ لكتاب الأخلاق لـ إسبينوزا، وخاصة الفصل الذي تكلمَ فيه عن «التغلب على عبودية العواطف»، إذا لم يكن لديه عِلْمٌ بتجرِبة إسبينوزا العاطفية؛ فقد يظن للوهلة الأولى أن هذه الآراء له مجرَّدة عن أية تأثيرات خاصة، إلا أنه بعد الاطلاع على تجرِبته الخاصة في الحب، يتبين لنا كيف يمكن لمواقف خاصة في حياة الشخص أن تجعله يتبنى رؤية فكرية بعينها، لا أقول ذلك على سبيل الحتمية، ولا أن هذه الأسباب هي الوحيدة في توجيه الكاتب والتأثير عليه، ولكني أشيرُ إلى قابلية هذه التجارِبِ الشخصية للتأثير في حياة الفرد الفكرية، وإلا فكيف لـ إسبينوزا بعد أن كان يهوى ويحب كلارا ماريا يتحول كل هذا التحول ليكتب: «التغلب على عبودية العواطف»؟ لابد أن هذا التحول نبَعَ، أو جزء منه، بسبب تجرِبته القاسية التي مر بها، ورفْض ابنة أستاذه له، وعدم مبادلتها له بنفس حبه لها.

***

بِقَلَم: محمد خليفة أحمد ـ باحث دكتوراة بكليةِ دارِ العلوم

.....................

هوامشُ المقالةِ:

(١) بيار فرنسوا مورو، «إسبينوزا والإسبينوزية»، ترجمة: د. جورج كتوره، (ط١، بيروت، دار الكتاب الجديد المتحدة، ٢٠٠٨م)، ص ١٠، ١٥.

(٢) إسبينوزا، «رسالة في إصلاح العقل»، ترجمة: جلال الدين سعيد، (ط٢، المغرب، مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث، ٢٠١٧م)، ص ٨٣: ٨٥.

(٣) د. فؤاد زكريا، «إسبينوزا»، (ط١، القاهرة، مؤسسة هنداوي، ٢٠١٨م)، ص ١٣.

(٤) د. فؤاد زكريا، «إسبينوزا»، ص ١٣: ١٤.

(٥) برتراند رَسِل، «تاريخ الفلسفة الغربية»، ترجمة: د. محمد فتحي الشنقيطي، (ط١، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ١٩٧٧م)، ص ١٢٠.

(٦) رينيه ديكارت، «تأملات ميتافيزيقية في الفلسفة الأولى»، ترجمة: كمال الحاج، (ط١، بيروت، منشورات عويدات، ١٩٨٨م)، ص ٣ من المقدمة، صفحة الإهداء.

(٧) إسبينوزا، «رسالة في اللاهوت والسياسة»، ترجمة: د. حسن حنفي، (ط١، بيروت، دار التنوير، ٢٠٠٥م)، مُقدمة الترجمة للدكتور حسن حنفي، ص ٩.

(٨) إسبينوزا، «رسالة في اللاهوت والسياسة»، مُقدمة الترجمة للدكتور حسن حنفي، ص ٥.

(٩) إسبينوزا، «رسالة في اللاهوت والسياسة»، مُقدمة الترجمة للدكتور حسن حنفي، ص ١١.

(١٠) إيرفين د. يالوم، «مشكلة إسبينوزا»، ترجمة: خالد الجبيلي، (ط١، بيروت، منشورات الجمل، ٢٠١٩م)، ص ٨: ٩.

(١١) دان تايلور، «إسبينوزا ومَشاق القلب»:

https://mana.net/spinoza-and-love/

حين يتحرر العقل يبدأ الإنسان في خلق عالمه

ليست الحرية ترفًا فكريًا، ولا الإبداع نزوةً جماليةً معزولة عن شروط الحياة؛ إنهما في العمق وجهان لحقيقة إنسانية واحدة: قدرة الإنسان على أن يكون أكثر مما هو عليه. فالحرية تفتح المجال أمام العقل لكي يسأل، والإبداع يمنح السؤال القدرة على التحول إلى معرفة وصورة واكتشاف وفعل. وحين تُغلق أبواب الحرية، لا يُمنع الإنسان من الكلام وحده، وإنما يُدفع عقله إلى الانكماش، وتُدفع مخيلته إلى الصمت، وتتحول طاقته الخلاقة إلى طاقة دفاعية منشغلة بالخوف والحذر بدل الاكتشاف والتجاوز.

لهذا يمكن القول، دون الوقوع في التعميم، إن الإبداع الحقيقي يحتاج إلى فضاء حر؛ لأن الجديد لا يولد عادةً من عقلٍ يخشى السؤال، ولا من وجدانٍ يخاف الاختلاف، ولا من ثقافة تجعل المألوف معيارًا نهائيًا للحقيقة.

الإبداع بوصفه خروجًا من المألوف

الإبداع ليس مجرد إنتاج شيء لم يكن موجودًا، وإنما هو طريقة جديدة في رؤية ما هو موجود. فقد تكون المادة قديمة، لكن زاوية النظر إليها جديدة؛ وقد يكون السؤال قديمًا، لكن طريقة صياغته تقود إلى إجابة لم تخطر من قبل. ومن هنا فإن المبدع لا يعيش خارج التاريخ، بل يدخل إلى التاريخ من بوابة إعادة قراءته.

إنه يعيد ترتيب الأشياء، ويكشف العلاقات الخفية بينها، ويمنح المألوف غرابته الأولى. ولذلك فإن الإبداع لا يعني قطع الصلة بالماضي، كما لا يعني تقديس الماضي؛ إنه عملية نقدية خلاقة، يأخذ فيها الإنسان من التراث ما يستطيع أن يعيش في الحاضر، ويعيد تشكيله بما يستجيب لحاجات المستقبل.

الإبداع، بهذا المعنى، ليس هدمًا للموروث لمجرد الهدم، ولا تقديسًا له لمجرد أنه موروث، وإنما هو قدرة على التمييز بين ما ينبغي أن يبقى بوصفه قيمة، وما ينبغي أن يتغير لأنه أصبح عائقًا أمام الحياة.

وهنا تبدأ الحرية.

الحرية: الشرط الأول للعقل الخلاق

لا يستطيع العقل أن يبدع وهو محاصر من الداخل. وقد تكون السجون الحقيقية أقل خطرًا أحيانًا من السجون التي يبنيها الإنسان داخل نفسه: الخوف من رأي الآخرين، الخضوع للمألوف، الرهبة من السلطة، تقديس ما لا يقبل السؤال، أو الاعتقاد بأن مخالفة الجماعة جريمة فكرية.

فالحرية تبدأ من الداخل قبل أن تتحول إلى حق في الخارج.

إن الإنسان الحر هو الذي يمتلك شجاعة السؤال، وشجاعة الشك، وشجاعة مراجعة أفكاره نفسها. وليس المقصود بالحرية أن يفعل الإنسان ما يشاء بلا مسؤولية، وإنما أن يمتلك القدرة على التفكير والاختيار والتعبير دون إكراه، وأن يتحمل في الوقت نفسه نتائج خياراته.

ومن هنا فإن الحرية المسؤولة ليست نقيض الحرية، بل أحد أرقى أشكالها؛ لأن الإنسان الذي لا يضبط حريته بوعيه قد يتحول من التحرر إلى الفوضى، ومن النقد إلى الهدم، ومن الاختلاف إلى العدوان.

فالحرية التي يحتاجها الإبداع ليست حرية العبث، وإنما حرية العقل في أن يبحث عن الحقيقة، وحرية الخيال في أن يتجاوز الممكن المألوف، وحرية الضمير في أن يرفض القبح والظلم، وحرية الإنسان في أن يقول: ربما يكون ما اعتقدناه حقيقةً مجرد عادةٍ فكرية طال عمرها.

سجون الداخل أخطر من جدران الخارج

قد تتحرر المجتمعات من بعض أشكال الاستبداد، لكن الفرد يظل أحيانًا أسيرًا لسلطات أخرى أكثر خفاءً: سلطة الخوف، وسلطة العادة، وسلطة الجماعة، وسلطة التفسير الواحد، وسلطة الماضي حين يتحول من ذاكرة إلى وصاية.

ولهذا فإن أول مهمة للمثقف والمبدع هي تحرير وعيه.

فالتمرد الإبداعي ليس تمردًا غوغائيًا على كل شيء، وإنما هو تمرد المعرفة على الجمود. المبدع لا يرفض القديم لأنه قديم، ولا يقبل الجديد لأنه جديد؛ إنه يسأل عن القيمة، وعن القدرة على الحياة، وعن مدى اتصال الفكرة بالإنسان.

وهذا ما يجعل الإبداع فعلًا أخلاقيًا بقدر ما هو فعل جمالي أو معرفي؛ لأنه يرفض أن يتحول الإنسان إلى نسخة مكررة من الآخرين.

حين تتحول السلطة إلى خصم للخيال

الإبداع يحتاج إلى بيئة تحمي الاختلاف، لأن كل سلطة تحاول احتكار الحقيقة تتحول، بصورة أو بأخرى، إلى عائق أمام التفكير الحر.

وقد تأتي القيود من السلطة السياسية حين يصبح السؤال تهديدًا، ومن السلطة الاجتماعية حين يصبح الاختلاف خروجًا على الجماعة، ومن التعصب الديني حين يُغلق باب الاجتهاد ويُستبدل التفكير بالتلقين. كما يمكن أن تأتي من الأعراف والتقاليد حين تتحول من قيم حية إلى قوالب جامدة تمنع الإنسان من إعادة النظر في واقعه.

لكن النقد هنا ينبغي أن يكون دقيقًا: المشكلة ليست في الدين بوصفه إيمانًا وقيمة روحية، ولا في التراث بوصفه ذاكرة حضارية، ولا في المجتمع بوصفه فضاءً للعيش المشترك؛ وإنما في تحويل أي منها إلى سلطة مغلقة تمنع السؤال وتحتكر المعنى.

حين يتحول المقدس في وعي الإنسان إلى ذريعة لمنع التفكير، يصبح الخلاف الفكري خطيئة؛ وحين تتحول التقاليد إلى قوانين فوق التاريخ، يصبح التجديد خروجًا؛ وحين تتحول السلطة السياسية إلى مالكة للحقيقة، يصبح المثقف مطالبًا بالصمت بدل أن يكون شريكًا في صناعة المستقبل.

وهنا يموت الإبداع قبل أن يولد.

الحرية لا تعني غياب الحدود

ومع ذلك، فإن القول بأن الإبداع يحتاج إلى الحرية لا يعني أن كل قيد عدو للإبداع.

فاللغة نفسها لها قوانين، والفن له تقاليد وتقنيات، والمجتمع له منظومة قيم، والإنسان يعيش داخل شبكة من المسؤوليات. وقد يكون القيد الفني أحيانًا حافزًا للإبداع؛ لأن الفنان حين يعرف الحدود يستطيع أن يبتكر طرقًا أذكى لتجاوزها أو إعادة تشكيلها.

المشكلة إذن ليست في وجود الحدود، وإنما في تحول الحدود إلى جدران تمنع التفكير.

هناك فرق بين الضابط الذي يحمي حرية الآخرين، والقيد الذي يخنق حرية الفرد؛ وبين المسؤولية الأخلاقية التي تنبع من وعي الإنسان، والمنع الذي يُفرض عليه بالقوة؛ وبين القانون الذي ينظم الحياة، والسلطة التي تستخدم القانون لإلغاء الإنسان.

ولهذا فإن المجتمع المتوازن لا يطلب من المبدع أن يكون بلا مسؤولية، وإنما يمنحه المجال لكي يختلف دون أن يُسحق بسبب اختلافه.

لحظة الإبداع: حين يضيء المجهول

ثمة لحظات غريبة في حياة المبدعين والعلماء والفنانين؛ لحظات يبدو فيها أن فكرة كاملة قد أضاءت فجأة في العقل. لكنها، في الغالب، ليست وليدة المصادفة وحدها، وإنما ثمرة تراكم طويل من القراءة والتجربة والملاحظة والتأمل والعمل.

لحظة الاكتشاف تبدو خاطفة، لكن الطريق إليها قد يكون طويلًا.

ولهذا فإن الموهبة وحدها لا تكفي. الإبداع يحتاج إلى معرفة، والمعرفة تحتاج إلى تدريب، والتدريب يحتاج إلى صبر، والصبر يحتاج إلى حرية تسمح للعقل بأن يخطئ ويجرب ويعيد المحاولة.

وقد يفسر الإنسان هذه اللحظة بوصفها إلهامًا أو ومضةً روحية، وقد يفسرها العلم بوصفها نتيجةً لعمليات معرفية وعصبية معقدة. وفي الحالتين تظل المسألة واحدة: العقل الإنساني يمتلك قدرة مدهشة على إنتاج ما لم يكن ظاهرًا من قبل.

وهنا لا يعود السؤال: من هو المبدع؟ بل يصبح السؤال الأعمق: كيف نهيئ الإنسان لكي يكتشف المبدع الكامن فيه؟

كل إنسان مشروع إبداع

الإبداع ليس امتيازًا حصريًا لفئة من الشعراء والفنانين والعلماء. قد يظهر في المختبر، وفي المدرسة، وفي المصنع، وفي الإدارة، وفي الزراعة، وفي التكنولوجيا، وفي طريقة حل مشكلة يومية.

إنه قدرة الإنسان على إيجاد حل أو فكرة أو طريقة تتجاوز المعتاد وتضيف قيمة حقيقية.

ولهذا فإن المجتمعات التي تريد صناعة المستقبل لا ينبغي أن تكتفي بتكريم المبدعين بعد ظهورهم، بل عليها أن تصنع شروط ظهورهم: تعليمًا يحفز السؤال بدل الحفظ وحده، ومؤسسات تقبل الخطأ المنتج، وثقافة تحترم الاختلاف، واقتصادًا يستثمر في المعرفة، وفضاءً عامًا يسمح للأفكار الجديدة بأن تتنافس دون خوف.

فالإبداع لا يعيش طويلًا في مجتمع يعاقب التجربة ويكافئ التكرار.

الحرية والإبداع وبناء المجتمع

حين تجتمع الحرية مع المعرفة، يتحول الإبداع إلى قوة اجتماعية. فالابتكار لا يغير حياة الفرد وحده، وإنما يعيد تشكيل المجتمع.

التكنولوجيا، والطب، والفنون، والفلسفة، والعلوم الإنسانية، والصناعات الحديثة، كلها نتاج قدرة الإنسان على تخطي ما كان قائمًا. ومن هنا فإن تخلف المجتمعات لا يرتبط فقط بنقص الموارد، وإنما قد يرتبط أيضًا بنقص المساحة التي تسمح للعقل باستخدام موارده.

الثروة الحقيقية ليست في ما تملكه الأمم من مواد خام فقط، بل في قدرتها على تحويل المعرفة إلى قيمة، والفكرة إلى مشروع، والمشكلة إلى فرصة، والخيال إلى مستقبل.

ولهذا فإن الاستثمار في الحرية الفكرية ليس ترفًا ثقافيًا؛ إنه استثمار في التنمية نفسها.

من الحرية إلى المسؤولية

لكن الإبداع إذا انفصل عن الإنسان يمكن أن يتحول إلى قوة مدمرة. فالتكنولوجيا مثلًا تستطيع أن تنقذ حياة، كما تستطيع أن تُستخدم في تدميرها. والعلم يمكن أن يوسع آفاق المعرفة، لكنه لا يحدد وحده كيف ينبغي استخدام المعرفة.

من هنا تظهر الحاجة إلى الأخلاق.

فالحرية تمنح الإنسان القدرة، والإبداع يمنحه الوسيلة، لكن الأخلاق تسأل: إلى أين؟ ولأجل من؟

وهنا يصبح الإبداع أكثر نضجًا حين يكون في خدمة الإنسان، لا في خدمة تدميره. فالمعيار الحقيقي للتقدم ليس مقدار ما نستطيع فعله فقط، بل مقدار ما نستطيع فعله دون أن نفقد إنسانيتنا.

الإبداع بوصفه تجاوزًا للواقع

الإنسان لا يبدع لأنه راضٍ تمامًا عن الواقع، بل لأنه يرى فيه إمكانيةً أخرى.

كل إبداع يحمل ضمنًا اعتراضًا على شكل سابق من أشكال الوجود. القصيدة تقول إن اللغة تستطيع أن تكون أجمل، والفكرة تقول إن المعرفة تستطيع أن تكون أعمق، والاختراع يقول إن الحياة تستطيع أن تكون أسهل، والفن يقول إن العالم يمكن أن يُرى بطريقة مختلفة.

لهذا فإن الإبداع هو أحد أشكال الصراع الإنساني المشروع من أجل تجاوز الواقع.

إنه لا ينكر الواقع، وإنما يعيد صياغته. ولا يهرب من الممكن، وإنما يوسع حدوده. وربما ما نسميه اليوم مستحيلًا هو مجرد ممكن لم يجد بعدُ الأدوات التي تحققه.

وهنا تبلغ الحرية ذروتها: أن يستطيع العقل أن يرى ما لم يره الآخرون، ثم يحاول أن يمنحه وجودًا.

بين الموروث والمستقبل

لا يمكن لمجتمع أن يبني مستقبله بإلغاء ماضيه، كما لا يمكنه أن يصنع مستقبلًا إذا ظل يعيش داخل الماضي.

المطلوب ليس القطيعة ولا التقديس، بل النقد الخلاق.

أن نقرأ التراث بعين الحاضر، وأن نقرأ الحاضر بوعي المستقبل. أن نحتفظ بما يمنح الإنسان معنى، ونتجاوز ما أصبح عائقًا أمامه. فالحضارة لا تتقدم عندما تنسى ذاكرتها، ولا عندما تتحول الذاكرة إلى قيد؛ وإنما تتقدم عندما يصبح الماضي مادةً للوعي، لا سجنًا للوعي.

وهنا يتجلى دور المثقف الحقيقي: ليس حارسًا للماضي فقط، ولا مبشرًا بالمستقبل فقط، بل وسيطًا نقديًا بينهما.

الخالق الأول والإبداع الإنساني

ومن منظور إيماني، يمكن النظر إلى الإبداع الإنساني بوصفه إحدى النعم التي أودعها الخالق في الإنسان. فالإنسان، مهما بلغ من العلم والقدرة، يظل محدودًا ونسبيًا، بينما يظل الإبداع الإلهي مطلقًا.

ومن هنا لا يكون إبداع الإنسان منافسةً للخالق، وإنما ممارسةً لقدرة منحها الله له؛ قدرة العقل على الفهم، والخيال على التصور، واليد على الصنع، واللغة على التعبير.

إن الإنسان لا يخلق من العدم المطلق، لكنه يعيد تركيب ما أودع في الكون من إمكانات، ويكتشف قوانين لم يكن يعرفها، ويمنح الأشياء صورًا جديدة.

وهذا المعنى يجعل الإبداع مسؤولية قبل أن يكون امتيازًا: أن يستخدم الإنسان ما مُنح من قدرة في بناء الحياة، لا في إفسادها.

نحو ثقافة تجعل الحرية حاضنة للإبداع

إذا أردنا مجتمعًا عربيًا قادرًا على اللحاق بالمستقبل والمشاركة في صناعته، فإن المعركة الحقيقية ليست مع التكنولوجيا وحدها، ولا مع نقص الموارد وحده، وإنما مع بنية التفكير التي تخاف من الجديد.

نحتاج إلى مدرسة تعلم الطفل كيف يسأل، لا كيف يكرر الإجابة فقط.

ونحتاج إلى جامعة تجعل البحث العلمي ممارسةً حية، لا مجرد شهادة.

ونحتاج إلى إعلام يحترم العقل، لا يستهلكه.

ونحتاج إلى مؤسسات ثقافية تفتح الأبواب أمام التجارب الجديدة، لا أن تجعل الاعتراف بالمبدع امتيازًا تمنحه دوائر مغلقة.

ونحتاج قبل ذلك كله إلى إنسان لا يخاف من عقله.

فالمجتمع الذي يربي أبناءه على الخوف من السؤال يربيهم، من حيث لا يدري، على الخوف من الإبداع.

خاتمة: الحرية ليست بابًا للإبداع، بل روحه

في النهاية، لا يمكن اختزال العلاقة بين الحرية والإبداع في عبارةٍ وظيفية تقول إن الحرية تساعد المبدع على العمل. العلاقة أعمق من ذلك؛ لأن الحرية هي المناخ الوجودي الذي يتيح للإنسان أن يكتشف إمكاناته، والإبداع هو إحدى أكثر الطرق وضوحًا التي يعبّر بها الإنسان عن حريته.

حين يكون العقل حرًا، يستطيع أن يشك ويسأل ويجرب. وحين يكون الخيال حرًا، يستطيع أن يتصور ما لم يوجد. وحين يكون الضمير حرًا، يستطيع أن يقول «لا» في وجه القبح والاستبداد. وحين تجتمع هذه الطاقات، يصبح الإنسان قادرًا على إنتاج معرفة وفن وفكرة وحياة جديدة.

لذلك فإن قتل الحرية لا يعني فقط إسكات الأصوات؛ إنه إطفاءٌ للمختبر الداخلي الذي تُولد فيه الأفكار.

والمجتمعات التي تريد مستقبلًا مختلفًا لا يكفيها أن تطلب من أبنائها أن يكونوا مبدعين؛ عليها أولًا أن تمنحهم الحق في السؤال، وحق الاختلاف، وحق التجربة، وحق الخطأ، وحق العودة إلى الفكرة ونقدها.

فالحرية تفتح نافذة العقل، والإبداع يطل منها على المستقبل.

وحين تُغلق النافذة، لا يتوقف الهواء عن الدخول فحسب؛ بل يتوقف الأفق عن الاتساع.

ولهذا يمكن أن تكون المعادلة الأكثر اختصارًا:

لا إبداع بلا حرية، ولا حرية مكتملة بلا مسؤولية، ولا مسؤولية حقيقية بلا إنسان حر قادر على التفكير.

ومن هنا تبدأ الحضارة.

***

بقلم: عماد خالد رحمة ـ برلين

كيف يمكن توضيح التجربة الإنسانية؟ هذا السؤال جرت معالجته من خلال حقلين منفصلين، اتخذ كل واحد منهما مسارا مختلفا للوصول الى هناك. كل من الفلسفة وعلم النفس يهتمان بالانسانية – بالناس وما يدفعهم للمعاناة، للتغيير، للتصرف، للتفكير. الفلسفة تصل الى هناك من خلال التأمل الذاتي، اما علم النفس يصل من خلال التجربة الميدانية. في هذا الاطار، الفلسفة وهي الشقيق الأكبر بينما علم النفس الشقيق الأصغر، يحاولان الإجابة على أسئلة طرحها الأخ الأقدم لأول مرة. كلا الحقلين يسعيان لفهم الأفكار والذات والعالم الذي يعيشان فيه بدءاً من ديكارت الى فرويد، كلاهما يطرحان أسئلة حول طبيعة الذات. فمثلا، الاخلاق جرى استكشافها بواسطة فلاسفة منذ سقراط وارسطو، لكن التطور الأخلاقي للأطفال جرى التحقق منه تجريبيا بواسطة عالِم النفس السويسري بياجيه piaget. وبكلمة أخرى، نستطيع القول ان الفلسفة توفر ركائزا لماهية الانسان، بينما علم النفس يوفر الأحجار او الصخور التي تُبنى عليها. لذا سننظر في ماذا نعني ان يكون الشخص انسانا وكيف اكتشفنا هذا من خلال هاذين الاتجاهين.

علم النفس الفلسفي المبكرر

"إعرف نفسك" التي قالها سقراط وقيلت له أيضا، هي تقريبا قيادة نفسية قبل قرون من ان يصبح علم النفس علما. في القرن الخامس قبل الميلاد، كان سقراط يتجول في أثينا بين المواطنين (الذين أغلبهم من الارستقراطيين)، محاولا جمع الحقيقة من خلال المحادثة والنقاش، وطرح الأسئلة عليهم. هذه "الطريقة السقراطية" في السؤال حاولت كشف التناقضات في عقائد الناس. تلميذ سقراط – افلاطون – في حوارات مثل مينو و يوثيفرو جعل سقراط يقول: "انا لا استطيع تعليم أي شخص أي شيء. انا استطيع فقط جعله يفكر".

افلاطون، في حواره الجمهورية، طور نظرية ثلاثية للروح. هو قسّم النفس الى عقل، وروح، وشهية. هذا كان انجازا تاريخيا سبق نظرية الشخصية الحديثة. لو قارناها مع نظرية فرويد في الايغو والانا الأعلى والهو، سنرى ان التقسيم مشابها.

في حوار مينو، افلاطون جعل سقراط يؤكد "نحن لم نُصنع خيّرين بواسطة الطبيعة، وانما بواسطة التدريب". الفكرة الأساسية هنا هي في الطبيعة مقابل التربية، وتأثيرات البيئة على السلوك. يمكن مقارنتها  بنظرية التعلم في علم النفس.

في تلك الاثناء، كان ارسطو وهو تلميذ افلاطون اول من نظر في النفس من وجهة نظر بايولوجية وادراكية، الامر الذي جعله أحد الأصوات المؤسسة لعلم النفس البايولوجي. وقبل وقت طويل من بدء نظرية الادراك في إعطاء أفكار مشتقة تجريبيا حول الكيفية التي يفكر بها الناس، كتب ارسطو،"لا وجود لشيء بدون صورة" (De Anima، الكتاب الثالث، فصل 7). هو يقول ان التمثيلات الذهنية تعتمد على الحواس – البصر بالذات، بمعنى انك لا تستطيع التفكير حول أي شيء مالم تكون تعاملت سلفا مع ذلك الشيء من خلال حواسك.

الرواقيون في اليونان وروما القديمة قالوا ان السبب في وجود الانسان هو العقل الإلهي (لوغوس). هم قالوا أيضا اننا لدينا خيار إعادة تفسير معاناتنا عبر تطبيق قوة عقلية تعيد السلام النفسي والوضوح . ما يجعل الناس متضررين ليس بيئتهم وانما القصص التي يخلقونها لأنفسهم حولها. يذكر الرواقي سينيكا كيف ان الناس أحيانا يعمّقون تعاستهم بشكل غير ضروري: "نحن نعاني من التصور اكثر مما نعاني من الواقع"(سينيكا، رسائل أخلاقية الى ليسيوس، رسالة 13،"حول مخاوف لا أساس لها").

بلغة بسيطة، الرواقيون يقولون نحن نستطيع ان نتحكم في استجاباتنا العاطفية للحصول على هدوء الذهن. وكما يقول ماركوس اروليوس، "انت لديك السلطة على ذهنك وليس على الأحداث الخارجية"(التأملات). نحن لا نستطيع السيطرة على بيئتنا وهو ما يسبب لنا عدم السعادة، لكن عقلانيتنا تكمن في الكيفية التي نستجيب بها للتغيرات التي تحدث حولنا. الرواقيون اعتقدوا ان أحسن طريقة لتكون انسانا هي ان تشعر، تفكر، تخضع للاختبارات، تؤدي واجبك، وتكون قادرا على التفكير بهدوء حتى عندما تتعرض للتحديات من حولك ومن أي نوع.

هذا يقود مباشرة الى العلاج السلوكي المعرفي، او CBT، والذي يرى ان الناس يضخّمون مشاكلهم من خلال التفكير غير السليم المختل وظيفيا، لكن يمكن إعادة تدريب هذا التفكير ليعمل بشكل جيد. انه أيضا يتضمن ربط الأفكار النفسية حول الذاكرة الترميمية والتصور، لأن الناس يفسرون ما يحدث لهم استنادا على تجاربهم السابقة.

الدراسة التجريبية للذهن

لنعد الان الى القرن التاسع عشر حين اصبح علم النفس علما. في عام 1879 أوجد الفيلسوف وليم وندت williem wundt(1832-1920) اول مختبر للتجارب في حقل علم النفس. وفجأة تمت الإجابة على الأسئلة المطروحة من جانب الفلاسفة بطرق تجريبية، والسلوك جرى تسجيله كبيانات.

ان كلمة "psychology" هي ذاتها تعود الى اليونان حيث تحدّث عنها سقراط وافلاطون: النفس تعني الذهن او الروح، واللوغس تعني العقل او التوضيح، وبهذا فان  "ology" تعني دراسة: لذا "علم النفس" حرفيا تعني "دراسة الذهن". لنقارن هذا بالفلسفة التي تعني حب الحكمة. من خلال علم النفس، تتم دراسة التجربة الإنسانية الان بطرق قابلة للاختبار حيث يمكن مقارنة البيانات. هذا نوع من الكشف لأنه فجأة تظهر هناك أجوبة، فمثلا، التحليلات الإحصائية للبيانات تساعدنا في قياس الاختلاف بين الناس وبهذا نستطيع تقرير الطبيعي او غير الطبيعي في سمة معينة. بهذه الطريقة، يعطينا علم النفس موضوعية اكبر في التحليل. انه أيضا يعطي للاستنتاجات السايكولوجية مصداقية فكرية بواسطة الدليل.

عند تعريف التجربة الإنسانية في علم النفس نحن نستعمل مختلف الاتجاهات مثل اتجاه التعليم الاجتماعي، الاتجاه البايولوجي، الاتجاه الادراكي، الاتجاه الاجتماعي، او الاتجاه السلوكي، فتتوفر مجموعة متنوعة من النماذج الفكرية للنظر الى السلوك البشري وكيف تُمارس الحياة، ولماذا مورست بتلك الطريقة. علماء الاعصاب رسموا خارطة الدماغ ونظروا في علم تشريح الاعصاب والكيمياء العصبية لفهم التجربة الإنسانية بيولوجيا. باستعمال هذا الاتجاه البيولوجي نستطيع ان نرى ان الكلام مرتبط بالفعالية في الفص الصدغي من الدماغ، وبالذات منطقتي بروكا و فيزنيكي اللتان تتحكمان بإنتاج اللغة والفهم.

ولو نظرنا في السلوكية behaviourism: نجد عالِم النفس الامريكي B.F. Skinner ، وتجربته في التعلم الشرطي على الجرذان والتي سمحت لنا بدراسة كيف يمكن ان يتقرر السلوك بالمكافآت والعقوبات (المعلومات جرى تبنّيها واستخدامها من جانب مؤسسات للحصول على السلوك الإنساني المرغوب). او في العالِم السلوكي بافلوف في تجربته الشرطية الكلاسيكية التي درست ردود فعل الكلب وكيف تتأثر بالاشارات، معطيا لنا فكرة حول ردود أفعال الناس. في تلك الاثناء، علماء النفس الادراكي نظروا في العمليات الفكرية، مثلا، كيف يؤثر التحيز والاستعداد السايكولوجي المبكر والذاكرة على الطريقة التي يعيش بها الناس. كذلك، التكنلوجيا مثل التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي FMRI يمكن ان يساعدنا لرؤية الفعالية في الدماغ والذي يساعدنا في تشخيص الاضطراب العصبي مثل الزهايمر.

استنتاجات فلسفية

من كل هذا، نحن ربما نقول ان الفلسفة هي قياس نوعي للتجربة الإنسانية، بينما علم النفس هو قياس كمي. ان أصل الفلسفة هو في الفكر وحده، في الرغبة بإيجاد أجوبة من خلال التفكير، كما لوحظ في افلاطون ونظرياته حول الروح او سقراط من خلال اسئلته لتحفيز الناس للتفكير بطريقة نقدية تستنطق عقائدهم وربما تحدد اطارهم حول الحياة والأخلاق. بالمقابل، أساس علم النفس هو التجارب والبيانات، بأمل ايجاد أجوبة من خلال وسائل اكثر موضوعية. انه ليس مثاليا كما هي الفلسفة لأنه لا ينظر للامور كما ينبغي ان تكون بل كما هي في الواقع.

عند النظر الى دراسة التجربة الإنسانية، نجد أمامنا علم النفس والفلسفة كمادتين للاختيار. هما كلاهما يحققان في الهوية، التحفيز، والرغبة في فهم ما الذي يجعل الانسان انسانا. الفرق هو، احدهما يقوم بذلك عبر التوضيح العقلاني، والأخر من خلال العلم.

***

حاتم حميد محسن

أركيولوجيا القلق والالتصاق بديمومة المستنقع

يقبع الكائن البشري في صميم مأزِق أنطولوجي مركَب يتحدد بالرعب الوجودي من المجهول وهشاشة الحاضر أمام غدٍ محتجب بالظلمة والتهديد، حيث تدفعه غريزة البقاء الصرفة إلى الالتصاق بأي بنية نظامية تمنحه الحد الأدنى من حفظ الديمومة، حتى وإن تجسدت تلك البنية في صورة مستنقع موبوء بالقهر والاستلاب. تتأسس هذه الوضعية على مفارقة غائرة في الذات الإنسانية؛ فالزمن لا يتبدى هنا بوصفه أفقًا تاريخيًا لتحقيق الإمكانات واكتمال الحرية، بل كقوة باطشة تجر الكيان نحو الفَنَاء، مما يولد ارتدادًا نفسيًا حادًا يفضل الاستقرار في الحضيض على مغامرة التحرر المحفوفة بالعدم. ينشأ عن ذلك تواطؤ صامت بين الضحية وشروط قهرها؛ إذ يجري اختزال معنى الوجود برمته في مجرد تجنب الفَنَاء الفيزيائي.

تكمن الدلالة التفكيكية لهذا الارتهان في الكيفية التي يعيد بها الوعي المستلب تأويل قعر المستنقع وتسميته؛ فالعجز عن كسر شروط القهر يدفع الإنسان المقهور، عبر عمليات دفاعية لاواعية، إلى إسقاط صفات القداسة والأبدية على واقع التردي، متحايلًا على بؤسه بتفسير البقاء العاري بوصفه "خلودًا". لا يمثل البقاء هنا انتصارًا نوعيًا للذات، بل يجسد تكيفًا قسريًا مع الإهانة المنظمة؛ إذ يتحول الامتثال إلى فضيلة وجودية، وتُستبدل الإرادة الحرة بنزوع جبري يخلع على المستنقع طابع الضرورة الميتافيزيقية. إن هذا النزوع نحو التماهي مع الهوان يفرغ مفهوم الحياة من أي محتوى أخلاقي أو سياسي، محيلًا إياها إلى مجرد آلية بيولوجية مستمرة تُغلق دونها سبل التجاوز والتعالي التاريخي.

 زيت الكاهن وسيف السلطان

حين ينهض الفكر النقدي، ممثلًا في صوت الفيلسوف، محاولًا اختراق هذه العَتَمَة وإشعال سراج العقل لكشف عوار الواقع وتفكيك أصنامه، يصطدم تاريخيًا وبنيويًا بحلف راسخ لا يتردد في خنقه. هذا التحالف الذي يجمع بين المؤسسة الدينية والسلطة الزمنية لا يمثل تقاطعًا سياسيًا عارضاً، بل هو اشتغال عضوي يُوظف فيه "زيت الكاهن" لترويض النفوس وإسباغ القداسة على سيف السلطان، ليغدو قمع التفكير الحر واجبًا دينيًا وضرورة لاستقرار المجتمع.

آليات القمع الرمزي ونكبة العقل البرهاني

يقدم المسار التاريخي للفلسفة، كما تجسد جليًا في نكبة أبي الوليد بن رشد في الأندلس، نموذجًا ساطعًا لكيفية توظيف الرأسمال الرمزي لسحق التفكير التنويري؛ إذ لم تكن محاكمة ابن رشد وإحراق كتبه ونفيه سوى تعبير عن أزمة سياسية عميقة وظفت فيها السلطة تحريض الفقهاء واستعداء الجماهير لحسم صراعاتها والحفاظ على شرعيتها المتداعية. يكشف نقد بنية العقل التراثي أن نكبة الفلسفة كانت في جوهرها "محاكمة للسياسة بغطاء ديني"، حيث يجري تقديم الفيلسوف كقربان لتهدئة هياج العامة وضمان ولائها للمركز الحاكم.

يتطابق هذا المنحى مع أطروحة محمد أركون حول "السياج الدوغمائي المغلق"، الذي تشيده المؤسسة العقائدية لتسييج الفكر داخل نصوص مقدسة وتأويلات سلطوية متعالية عن النقد والتاريخية. يصبح الفكر النقدي داخل هذا الفضاء تدنيسًا للمقدس وتهديدًا لتماسك الجماعة، ويتحول الحاكم إلى حامٍ للأرثوذكسية القائمة، مما يجعل استئصال صوت الفيلسوف عملًا مباركًا يلقى تأييد المقهورين أنفسهم، الذين يدافعون عن قيودهم باستماتة تحت راية حماية الإيمان.

السلطة الرعوية وهندسة الانقياد الإيماني

يتعمق هذا القمع حين يُقرأ عبر مفهوم "السلطة الرعوية" لدى ميشيل فوكو، وهي تلك التقنية السلطوية التي ولدت في الرحم اللاهوتي للكنيسة ورجال الدين لتنتقل لاحقًا إلى صميم أجهزة الحكم السيادي. تمارس هذه السلطة وصايتها عبر ادعاء معرفة دخائل النفوس وتوجيه الضمائر الفردية والجمعية نحو الخلاص الأخروي.

يقوم الكاهن بمراقبة وتشكيل المعنى وتطويع الرغبات الدفينة تحت مظلة "الرعاية الروحية"، بينما تتولى السلطة السياسية تنظيم الإخضاع المادي للأجساد وضبط حركتها في الفضاء العام. ينسج هذا التضافر شبكة هيمنة متكاملة تخنق مشعل الفيلسوف قبل أن ينتشر ضوؤه؛ ذلك أن النور الفلسفي يهدد بنزع القداسة عن هذه الرعاية المصطنعة ويكشف عن طابعها الانضباطي القمعي، مما يضع المؤسسة والسلطة في خندق دفاعي واحد يستثمر في استدامة جهل الرعية وتأطير وعيها ضمن حدود الطاعة المسلّم بها.

اختزال الوجود إلى "الحياة العارية"

يؤدي تضافر القهر السياسي واللاهوتي إلى تفكيك مقومات الوجود الإنساني المركَب، حيث تنحدر التجربة المَعِيشة تدريجيًا لتفقد كل زخم فكري أو أخلاقي، وتتحول الجموع إلى مجرد أجساد معلقة عند حدود البقاء البيولوجي الأدنى.

إن هذا التراجع نحو الغريزة الحيوية يجد جذوره النفسية والسياسية في تشريح إتيان دي لا بويسيه لظاهرة "العبودية الطوعية"، حيث تساءل بدهشة فلسفية عن السر الكامن وراء خضوع شعوب وأمم بكاملها لحكم طاغية فرد لا يستمد سلطانه إلا مما يمنحه إياه المقهورون من طاعة وتنازل. لا يتأسس استقرار الطغيان في مراحله المتقدمة على العنف الخارجي المباشر والسياط، بل على تحول القهر بفعل الزمن والتوارث إلى "عادة" متحدرة تفعل في الأرواح فعل السم السائغ، بحيث يولد الأفراد داخل بنية القمع فيعدّونها نظامًا طبيعيًا وأزليًا.

تنطلق هذه السلسلة من ممارسة العنف المادي والرمزي الصادم، الذي يُفضي إلى شل الفاعلية السياسية وتجريد الذات من أفق الفعل التاريخي لتكتفي بحفظ كيانها الحيوي. ومع مرور الأجيال، تتبلد مشاعر السخط وتتحول شروط الإذلال إلى تقاليد اجتماعية راسخة تتواطأ فيها الأسرة والمؤسسة التربوية والدينية لتطبيع النشء مع الانقياد. في هذه المرحلة، تنتقل التبعية من حيز الإكراه إلى فضاء الإرادة الواهمة؛ حيث يستبطن الإنسان قيوده، ويعشق خدمته لجلاده، بل ويقاتل دفاعًا عن سيده، مفضلًا أمن الأصفاد المألوف على حرية المجهول المحفوفة بالمخاطر.

 الميكانيزم الذبائحي والضحية البديلة

يكشف رينيه جيرار في كتابه العنف والمقدس عن المحرك الخفي للاجتماع البشري عبر مفهوم "الرغبة المحاكاتية"؛ فالأفراد لا يرغبون في الموضوعات لذاتها، بل يحاكون رغبات نظرائهم، مما يدخل المجتمع في متوالية صراعية مدمرة تلغي الفروق الفردية وتهدد بانفجار عنف شامل لا يبقي ولا يذر.

لتفادي هذا التدمير الذاتي، تلجأ الجماعات البشرية غريزيًا إلى "آلية كبش الفداء"؛ حيث تتفق فجأة على تركيز كل العنف الداخلي المشحون وتوجيهه ضد "ضحية بديلة" مستضعفة أو خارجة عن النسق المألوف. يُلقى باللائمة على هذه الضحية في كل ما أصاب الجماعة من بؤس وانهيار، وتصبح تصفيتها الجسدية أو الرمزية وسيلة لاستعادة السلم الأهلي والتماسك الداخلي.

يمثل الفيلسوف، أو المفكر المستقل الذي يشذ عن سياج الجماعة، النموذج المثالي لهذه الضحية البديلة؛ إذ يتطابق صوته المخالف مع ملامح المهدد المفترض، وتوفر تصفيته متنفسًا للجماهير المقهورة لإفراغ شحنات غضبها المتراكمة دون المساس بالبنية الحقيقية للسلطة. وبموت الضحية البديلة أو نفيها، يهدأ العنف مؤقتًا، وتُولد هالة جديدة من القداسة تبرر للمجتمع استقراره المستعاد وتكرس انقياده للمؤسستين الدينية والسياسية اللتين رعتا الطقس الذبائحي.

تأبيد الطوارئ كقاعدة تاريخية

تتضافر هذه الرؤية الأنثروبولوجية مع ما سجله فالتر بنيامين في تأملاته حول التاريخ، مؤكدًا أن "حالة الاستثناء" التي ترزح تحتها الشعوب المقهورة ليست واقعًا طارئًا أو انقطاعًا عن مسار سوي، بل هي القاعدة البنيوية التي يقوم عليها تاريخ الهيمنة. إن المستبد يوظف شبح الماضي وصدماته المتوارثة لإبقاء المجتمع في رعب مستمر من خطر وشيك أو فتنة ماحقة، مما يسوغ تعليق الحقوق واستمرار الإجراءات الاستثنائية كأمر دائم.

يتوارث المقهورون الخوف عبر الأجيال كنسق تربوي ونفسي لا فكاك منه، وتغدو حماية الجماعة من أشباح الماضي مبررًا للرضوخ التام لسلطة الحاضر. يُعاد هنا تدوير العنف الممنهج عبر التاريخ ليس بوصفه شرًا، بل درعا وحيد يحمي من العودة إلى الفوضى البدئية، وتتحول رغبة البقاء في المستنقع إلى خِيار عقلاني وحيد يضمن النجاة من دمار أعظم، مما يُحكم إغلاق الدائرة التاريخية على الإنسان المستلب.

تقويض الميتافيزيقا الهرمية

تقوم هندسة الاستلاب اللاهوتي والسياسي على ثنائيات هرمية صارمة تدعي النقاء والاكتمال في طرف، وتلقي بالطرف الآخر في مهاوي النقص والرذيلة.

تتجسد الثنائية الأولى في تقابل النور والظلمة؛ إذ تحتكر السلطة الرعوية والسياسية النور والحقيقة المطلقة، وتصف محاولات الفيلسوف المستقل بأنها إشاعة للظلمة والضلال والفتنة، متناسية أن هذا "النور" المؤسسي ليس سوى جمرات حارقة تُسفح بها الدماء ويُخنق بها الوعي.

وتتجلى الثنائية الثانية في تقابل السعادة والشقاء؛ حيث تُعرف السعادة بالامتثال والخضوع الصامت، ويُجرّم الشقاء والحزن النقدي بوصفهما عجزًا نفسيًا أو تمرداً خيانياً، متجاهلة أن الألم المعاش هو الصرخة الحقيقية لانتهاك الكرامة.

أما الثنائية الثالثة فتتمثل في تقابل الخلود والعدم؛ حيث توظف الديمومة الميتافيزيقية وتبريرات الخلاص لتسويغ الانسحاق التاريخي للإنسان، وتحويل موته الفعلي تحت وطأة القهر إلى وهم استمرار مقدس لا فَنَاء له.

يعلمنا التفكيك الدريدي أن هذه الأزواج الضدية محكومة بآلية "التأجيل والمفارقة"، وأن المعاني لا تستقر في كينونة مغلقة؛ فمفهوم النور المؤسسي يتغذى باطنًا على القمع والظلام، ومفهوم السعادة الاستهلاكية والامتثالية ليس إلا شقاءً محجوبًا بتخدير الحواس. إن تعرية هذه التناقضات تكسر قداسة المركز المهيمن وتفتح فضاء النص والواقع على إمكانات قراءة مغايرة تقوض شرعية المستبد وكاهنه من أساسها.

يستلزم هذا التحول الشجاعة على اتخاذ موقع "الغريب عاطفيًا" الذي يرفض ابتلاع آلامه، ويعلن صراحة فساد السلم الاجتماعي المبني على جماجم الضحايا وتدجين العقول. إن الانفصال عن المستنقع لا يتحقق بالهروب نحو خلود متخيل أو بالالتصاق بديمومة خادعة، بل بالمواجهة المباشرة مع عَتَمَة الغد وقلق المصير. عند هذه النقطة الفاصلة، يدرك الوعي الإنساني أن الفَنَاء في دروب الانعتاق والبحث عن النور لهو أكثر امتلاءً بالحياة والكرامة من بقاءٍ مديد في قاع الهوان يُتوهم فيه الخلود وهو الموت المعجل بذاته.

إن التحالف التاريخي بين زيت الكاهن وسيف السلطان لم يكن مجرد واقعة عابرة في تاريخ الأمم كحادثة ابن رشد، بل هو آلية مستمرة لإنتاج الطاعة وإخماد مشاعل التنوير في مهدها، مستثمرة في تحويل السعادة من غاية وجودية إلى ترياق مخدر يُجهض التفكير السلبي ويُكرس العبودية الطوعية. كما أثبت التحليل أن استدعاء الماضي وصدماته الجمعية يهدف إلى تأبيد حالة الاستثناء، وتوجيه العنف المحاكاتي نحو الفيلسوف ككبش فداء يُذبح لإبقاء المجتمع في سياجه الدوغمائي المغلق.

***

غالب المسعودي

أو حين تتحول الحكمة من معرفة إلى أسلوب في الوجود

فرش تمهيدي: ليست الفلسفة عند فريدريك لونوار[1] معرفةً تُحفظ، ولا تاريخًا للأفكار يُستعاد من رفوف الكتب، ولا تمرينًا ذهنيًا يظل معلقًا في فضاء التجريد، وإنما هي، قبل كل شيء، محاولة لاستعادة السؤال القديم الذي يبدو لنا اليوم أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى: كيف ينبغي للإنسان أن يعيش؟ هنا تحديدًا تتحدد قيمة كتابه فن الحياة؛ فهو لا يعامل الحياة باعتبارها معطًى مكتملًا، بل باعتبارها إمكانية مفتوحة على التشكيل، وكأن الإنسان لا يولد مكتمل الصورة، وإنما يتعلم بالتدريج كيف يصير ما هو عليه. ومن ثم فإن عبارة «فن الحياة» لا تعني أن للحياة وصفة جاهزة، وإنما تعني أن الوجود الإنساني نفسه قابل للتربية والتهذيب والتأويل، وأن الإنسان لا يرث طريقة عيشه كما يرث ملامح وجهه، بل يصنعها عبر اختياراته وعلاقاته ونظرته إلى ذاته وإلى العالم. وهذا ما يضع لونوار في قلب تقليد فلسفي قديم يجعل الحكمة أقرب إلى ممارسة يومية منها إلى نسق نظري مغلق؛ فالفلسفة، بهذا المعنى، لا تبدأ حين نفتح كتابًا، وإنما حين يصبح العيش نفسه موضوعًا للسؤال.

يستعيد لونوار في هذا السياق المعنى العملي للحكمة، وهو معنى عرفته الفلسفات القديمة حين لم تكن الحكمة منفصلة عن طريقة الحياة. سقراط لم يجعل الفلسفة خطابًا عن الحياة فحسب، بل جعلها امتحانًا للحياة؛ وأبيقور لم يتحدث عن السعادة باعتبارها مفهومًا مجردًا، وإنما باعتبارها نمطًا في ترتيب الرغبات؛ وإبيكتيتوس[2] لم يفصل الحرية عن قدرة الإنسان على التمييز بين ما يدخل في دائرة إرادته وما يقع خارجها؛ ومونتين جعل التأمل في الذات تدريبًا على مصادقة الحياة؛ أما سبينوزا [3] فحوّل الفلسفة إلى طريق للانتقال من الانفعال إلى الفعل ومن العبودية الداخلية إلى الحرية. ولونوار لا يكرر هؤلاء الفلاسفة، وإنما يعيد تركيب بعض عناصر حكمتهم داخل شروط الإنسان المعاصر. لذلك يقول في تقديمه لكتابه إن السؤال المركزي هو: كيف يستطيع الإنسان أن يعيش حياة صالحة وسعيدة في انسجام مع نفسه ومع الآخرين؟[4]

إن أهمية هذا السؤال لا تكمن في بساطته الظاهرة، بل في كونه يعيد الفلسفة إلى أصلها الحي: أن نتعلم كيف نسكن وجودنا قبل أن ننشغل بتفسير العالم. وإذا كان لونوار يسمي ذلك «فنًا»، فلأن الحياة لا تُعطى لنا في صورتها النهائية. إن الوجود واقعة، أما كيفية الوجود فهي اختيار ومسار وتربية. ولذلك فإن العبارة التي يقدم بها الكتاب فكرته الأساسية، ومفادها أن وجود الإنسان واقعة حقيقية، بينما أسلوب عيشه فن من الفنون، تفتح بابًا تأويليًا بالغ الأهمية.[5] فالإنسان لا يستطيع أن يختار أن يوجد أو ألا يوجد، لكنه يستطيع، ضمن حدود وضعه التاريخي والنفسي والاجتماعي، أن يختار شيئًا من الطريقة التي يوجد بها. وهنا تظهر المسافة بين العيش بوصفه بقاءً بيولوجيًا والحياة بوصفها مشروعًا للمعنى. قد يعيش الإنسان سنوات طويلة دون أن يسأل نفسه عن معنى الطريقة التي يعيش بها، وقد يمتلك الكثير من الأشياء دون أن يمتلك سببًا مقنعًا للاستمرار. ومن هنا تصبح الأزمة الحديثة، في أحد وجوهها، أزمة في فن العيش: نحن نعرف كيف ننتج ونستهلك ونتواصل بسرعة، لكننا لا نعرف دائمًا كيف نكون.

إن لونوار يواجه بذلك إحدى مفارقات الحداثة المتأخرة: لقد اتسعت إمكانات الإنسان الخارجية بينما ضاقت، في أحيان كثيرة، قدرته على السكن الداخلي. فالمجتمع الاستهلاكي يعد الفرد بالسعادة عبر الأشياء، والإعلان يحول الرغبة إلى حاجة، والسوق يحول الحاجة إلى سلعة، ثم يجد الإنسان نفسه في حركة لا تنتهي من الامتلاك والاستبدال والمقارنة. لكن وفرة الأشياء لا تعني بالضرورة وفرة في المعنى. وهنا يصبح سؤال السعادة سؤالًا فلسفيًا لا استهلاكيًا؛ لأن السعادة لا يمكن اختزالها في مقدار ما نملك، بل تتصل بالطريقة التي نعيش بها ما نملك، وبنوع العلاقة التي نقيمها مع ذواتنا ومع الآخرين ومع الزمن. وهذا المعنى يتضح بصورة أكبر في كتابه في السعادة: رحلة فلسفية، حيث يرفض اختزال السعادة في اللذة العابرة أو الظروف الخارجية، ويبحثها من خلال أبيقور وأرسطو وأبيكتيتوس وسبينوزا ومونتين وغيرهم[6].

ومن المنظور الهرمينوطيقي، يمكن القول إن لونوار لا يسأل فقط: «ما السعادة؟»، بل يسأل ضمنيًا: كيف نفهم السعادة التي نبحث عنها؟ وهذا فرق جوهري. فالمشكلة ليست دائمًا في غياب السعادة، بل في سوء تأويلها. قد يعتقد الإنسان أن سعادته كامنة في امتلاك ما ينقصه، بينما يكون ما ينقصه في الحقيقة هو القدرة على فهم ما يملك. وقد يتصور أن السعادة تبدأ عندما تتغير الظروف، بينما قد يكون التغيير المطلوب في علاقته بالظروف. إننا لا نعيش الوقائع عارية، وإنما نعيشها داخل تأويلاتنا لها؛ ولذلك فإن تغيير الحياة يبدأ أحيانًا من تغيير القراءة التي نقرأ بها الحياة. وهنا يقترب مشروع لونوار من الحس التأويلي: فالإنسان لا يعيش داخل العالم فحسب، بل يعيش داخل معنى العالم كما يتشكل في وعيه.

يرى لينوار أن السعادة ليست حالة نهائية يصل إليها المرء ويستقر فيها للأبد، بل هي القدرة على بناء علاقة أكثر توازناً مع الوجود. وفي هذا الصدد، يقول جورج برنارد شو: «هناك مأساتان في الحياة: الأولى في عدم الحصول على ما نتوق إليه، والأخرى، في الحصول عليه[7]».

في كتابه في السعادة يجعل من «حب الحياة التي نعيشها» نقطة انطلاق، ثم ينتقل إلى معنى الحياة والرغبة والانتباه والزمن والعلاقة بالآخرين، وصولًا إلى السعادة الفردية والجماعية.[8] وهذا الترتيب ليس اعتباطيًا؛ لأنه يكشف أن السعادة ليست جزيرة منعزلة في الذات، وإنما شبكة من العلاقات والمعاني. الإنسان السعيد ليس الإنسان الذي ألغى الألم، بل الذي استطاع أن يمنح تجربته معنى لا ينهار بمجرد اصطدامه بالهشاشة. لذلك لا تصبح الحكمة عند لونوار هروبًا من الحياة، وإنما شكلًا أعمق من أشكال المصالحة معها.

ومن هنا يمكن فهم عبارته الأخرى التي تجعل الانتقال من الجهل إلى المعرفة ومن الخوف إلى المحبة طريقًا أساسيًا في الحياة.⁵ إن الأمر لا يتعلق هنا بالمعرفة بمعناها المدرسي، وإنما بمعرفة الذات والعالم والرغبات. فالجهل الذي يقصده لونوار ليس مجرد غياب للمعلومات، وإنما عجز عن رؤية الذات في حقيقتها. قد يعرف الإنسان الكثير عن العالم ويظل غريبًا عن نفسه. وقد يمتلك شهادات كثيرة لكنه لا يعرف لماذا يعيش، وماذا يريد، وما الذي يجعله يتألم، وما الذي يمنحه الطمأنينة. لذلك فإن الحكمة تبدأ عندما يتحول الإنسان من سؤال «ماذا أملك؟» إلى سؤال «من أكون؟»، ومن سؤال «ماذا ينقصني؟» إلى سؤال «كيف أعيش ما لديّ؟».

وهنا تكتسب المحبة مكانتها المركزية. فالانتقال من الخوف إلى المحبة ليس مجرد نصيحة أخلاقية، بل هو انتقال أنطولوجي من الانغلاق إلى الانفتاح. الخوف يجعل الآخر تهديدًا، بينما تسمح المحبة برؤيته بوصفه شريكًا في هشاشة الوجود. ولهذا لا يمكن لفن الحياة أن يكون فردانيًا صرفًا؛ فالإنسان لا يتعلم الحياة في عزلة مطلقة. نحن نصير ذواتنا عبر الآخرين، ونكتشف حدودنا من خلال العلاقات، ونتعلم التسامح حين نواجه اختلافًا لا نستطيع إلغاءه، ونتعلم المحبة حين ندرك أن وجودنا نفسه متشابك مع وجود غيرنا.

ومن هنا أيضًا نفهم لماذا لا يكتفي لونوار بالحديث عن السعادة الفردية، بل يفتح السؤال على السعادة المشتركة. فالسعادة التي تقوم على إقصاء الآخرين تحمل في داخلها بذرة نقيضها. لا يستطيع الإنسان أن يبني سلامًا داخليًا كاملًا في عالم يصر فيه على النظر إلى الآخرين باعتبارهم مجرد وسائل لتحقيق رغباته. ولذلك تصبح الأخلاق امتدادًا طبيعيًا لفن الحياة. إن العيش الجيد لا يعني فقط أن أشعر أنا بالرضا، وإنما أن تكون علاقتي بالآخرين أقل عنفًا وأكثر اعترافًا. وفي هذا المعنى، فإن «فن الحياة» ليس فنًا للذات المنعزلة، وإنما فن إقامة العالم المشترك.

وتظهر أهمية هذا التصور بصورة خاصة حين نضعه في مواجهة ثقافة السرعة. فالإنسان المعاصر يعيش تحت ضغط الزمن: سرعة العمل، سرعة التواصل، سرعة الاستهلاك، سرعة الحكم، وحتى سرعة النسيان. لكن الحياة العميقة لا تُعاش بالسرعة نفسها التي تنتقل بها المعلومات. الحكمة تحتاج إلى زمن، والتأمل يحتاج إلى بطء، وفهم الذات يحتاج إلى إنصات. ولذلك فإن فن الحياة هو، في أحد أبعاده، استعادة للزمن الإنساني في مواجهة الزمن التقني. أن نعيش لا يعني أن ننجز أكبر عدد ممكن من الأشياء، بل أن نكون حاضرين في ما نفعله. ومن هنا يكتسب الانتباه قيمة أخلاقية وفلسفية؛ لأن الإنسان الذي لا ينتبه إلى حياته قد يكتشف، بعد سنوات، أنه عاشها من دون أن يكون حاضرًا فيها.

إن هذه الفكرة تجعل لونوار قريبًا من الفلسفة القديمة في تصورها للحكمة باعتبارها تدريبًا. فالحكمة لا تصبح جزءًا من الإنسان بمجرد الإعجاب بها؛ إنها تحتاج إلى ممارسة[9]. لا يكفي أن نعرف أن الغضب مؤذٍ، بل ينبغي أن نتعلم كيف نضبطه. ولا يكفي أن نعرف أن المقارنة بالآخرين تستنزفنا، بل ينبغي أن نتعلم كيف نحرر أنفسنا منها. ولا يكفي أن نؤمن بأن الحياة محدودة، بل ينبغي أن نحيا على نحو يجعل محدوديتها سببًا في تقديرها لا في إهدارها. ولهذا فإن «فن الحياة» ليس فلسفة شعارات، بل فلسفة تمارين داخلية: الانتباه، قبول الذات، فهم الرغبة، بناء العلاقة، تجاوز الخوف، وتعلم المحبة.

وإذا كان لونوار يستدعي عددًا كبيرًا من الحكماء والفلاسفة، فإنه لا يفعل ذلك ليصنع موسوعة تاريخية، وإنما ليبني معهم حوارًا حول السؤال الواحد: كيف نحيا؟ وهذه النقطة بالذات تجعل مشروعه أقرب إلى الهيرمينوطيقا منه إلى تاريخ الفلسفة بالمعنى المدرسي. فهو لا يضع أبيقور في الماضي ثم يغلق عليه باب التاريخ، بل يسأل ماذا يمكن أن يقول أبيقور للإنسان الذي يعيش اليوم في مجتمع الاستهلاك. ولا يترك سبينوزا داخل القرن السابع عشر، وإنما يستخرج من فلسفته إمكانًا لفهم الفرح والتحرر. ولا يستعيد أبيكتيتوس بوصفه وثيقة تاريخية، وإنما باعتباره صوتًا يمكن أن يساعد الإنسان المعاصر على التمييز بين ما يستطيع تغييره وما لا يستطيع.

ومن هنا فإن لونوار يمارس نوعًا من التأويل العملي للتراث الفلسفي. الماضي لا يكون ميتًا ما دام قادرًا على أن يتكلم في الحاضر. والحاضر لا يكون مكتفيًا بذاته ما دام يحتاج إلى ذاكرة الحكمة لكي يفهم أزماته. هذه الحركة بين الماضي والحاضر هي جوهر الفهم التأويلي: لا نعود إلى الفلاسفة لكي نهرب من عصرنا، بل نعود إليهم لكي نرى عصرنا بصورة مختلفة. ولذلك فإن قيمة أبيقور، وسقراط، وأرسطو، وسبينوزا، ومونتين، وبوذا، وأبيكتيتوس عند لونوار لا تكمن في كونهم أصحاب أجوبة نهائية، وإنما في كونهم رفاقًا في السؤال.

وفي هذا السياق يمكن فهم حضور «المعنى» في فلسفة لونوار. فالحياة التي تخلو من المعنى قد تتحول إلى تراكم من الوقائع، مهما بلغت من الرفاه. إن الإنسان يستطيع أن يتحمل الألم إذا وجد له معنى، لكنه قد يعجز عن تحمل الفراغ ولو كانت شروطه المادية ممتازة. ولهذا فإن سؤال السعادة لا ينفصل عن سؤال المعنى. وقد جعل لونوار «إعطاء معنى للحياة» أحد المحاور الأساسية في كتابه: Du bonheur, un voyage philosophique إلى جانب أسئلة الهوية والزمن والآخر والرغبة.[10]

والفلسفة[11] هنا لا تمنح الإنسان معنى جاهزًا، وإنما تساعده على اكتشاف إمكان المعنى في تجربته الخاصة. وهذا ما يجعل لونوار بعيدًا عن الوصفات الجاهزة للسعادة. فهو لا يقول للإنسان: افعل هذه الأشياء وستصبح سعيدًا حتمًا، بل يدعوه إلى الاشتغال على ذاته وعلى نظرته إلى العالم. فالسعادة ليست ضمانة، وإنما إمكانية؛ والحكمة ليست حصانة ضد الألم، وإنما قدرة على ألا يتحول الألم إلى عبث. و«الفرح لا يُؤمر، لكن تتم دعوته[12]». وفي هذا المعنى يمكن أن نقرأ لونوار تأويليًا بوصفه فيلسوفًا يحاول إعادة بناء العلاقة بين الحياة والمعنى بعد أن أصبحت الحياة الحديثة تميل إلى اختزال الإنسان في الإنتاج والاستهلاك والنجاح والإنجاز.

إن أجمل ما في «فن الحياة» أنه يعيد الاعتبار إلى البعد التربوي للفلسفة. فالفلسفة ليست فقط أن نسأل عن الحقيقة، وإنما أن نسأل ماذا تفعل الحقيقة في حياتنا. ما قيمة أن أعرف معنى الحرية إذا كنت عاجزًا عن تحرير نفسي من الخوف؟ وما قيمة أن أعرف معنى الحب إذا كانت علاقاتي قائمة على الامتلاك؟ وما قيمة أن أعرف معنى السعادة إذا كنت أعيش دائمًا في انتظار مستقبل لن يأتي؟ هنا تتحول الفلسفة إلى امتحان ذاتي، ويصبح السؤال الفلسفي موجّهًا إلى صاحبه قبل أن يكون موجهًا إلى العالم.

ومن ثم فإن «فن الحياة» يمكن أن يُقرأ بوصفه محاولة للانتقال من فلسفة الحياة إلى ممارسة الحياة[13]. وهذا الانتقال هو الذي يمنح مشروع لونوار راهنيته. إنه لا يريد للفلسفة أن تبقى في الجامعة فقط، ولا أن تتحول إلى خطاب نخبوي، بل أن تعود إلى الشارع، إلى البيت، إلى العلاقات، إلى الخوف اليومي، إلى الشيخوخة، إلى الحب، إلى الفقد، إلى سؤال الزمن. وهذا هو المعنى العميق لفكرة «فن الحياة»: أن يصبح اليومي نفسه مجالًا للتفلسف، وأن يتحول العيش العادي إلى مادة للتأمل.

وفي المحصلـة، ربما لا تكمن أصالة لونوار في أنه اكتشف سرًا جديدًا للسعادة، بل في أنه أعاد طرح السؤال القديم في لحظة حديثة فقدت شيئًا من القدرة على الإصغاء إليه. فالحياة لا تحتاج فقط إلى مزيد من المعرفة، وإنما إلى حكمة في استعمال المعرفة؛ ولا تحتاج فقط إلى مزيد من الإمكانات، وإنما إلى قدرة على اختيار ما يستحق أن نريده؛ ولا تحتاج فقط إلى إطالة العمر، وإنما إلى تعميق معنى العيش. وهنا يصبح «فن الحياة» فنًا في اختيار ما يجعل الحياة جديرة بأن تُعاش.

إن الإنسان، في المنظور الذي يتيحه لنا لونوار، ليس كائنًا مكتملًا يسير داخل حياة مكتملة، بل كائن يتشكل وهو يعيش. نحن لا نصل إلى ذواتنا مرة واحدة؛ إننا نعيد تأويلها باستمرار. كل تجربة تضيف معنى، وكل خسارة تعيد ترتيب الأشياء، وكل لقاء يفتح إمكانًا جديدًا لفهم الذات[14]. ولذلك فإن الحياة نفسها تصبح نصًا مفتوحًا، لا يمكن اختزاله في قراءة واحدة. إننا نكتب هذا النص بأفعالنا، ونراجعه بذاكرتنا، ونؤوله من جديد كلما تغير موقعنا في العالم.

ولهذا فإن «فن الحياة» ليس وعدًا بالسعادة الدائمة، بل دعوة إلى حياة أكثر وعيًا بذاتها. أن نعرف متى نرغب، ومتى نتخلى؛ متى نتكلم، ومتى نصمت؛ متى نتمسك، ومتى نترك؛ متى نبحث عن التغيير، ومتى نتعلم قبول ما لا يمكن تغييره. وبين هذه المسافات الصغيرة يتشكل ما نسميه الحكمة. وربما تكون الحكمة، في معناها الأكثر تواضعًا والأكثر عمقًا، أن نتعلم كيف نحب الحياة لا لأنها خالية من الألم، بل لأنها، رغم الألم، تظل قابلة للمعنى.

ومن هنا يمكن أن نختم بأن سؤال لونوار ليس: كيف نربح الحياة؟ وإنما: كيف نسكنها؟ والفرق بين السؤالين هو الفرق بين امتلاك الحياة والعيش فيها. الأول ينتمي إلى منطق الإنجاز والمنافسة، أما الثاني فينتمي إلى الحكمة. وفي زمن يكثر فيه الحديث عن النجاح ويقل فيه الحديث عن المعنى، وعن السرعة ويقل فيه الحديث عن الحضور، وعن الاستهلاك ويقل فيه الحديث عن الاكتفاء، تأتي فلسفة لونوار لتذكرنا بأن أعظم إنجاز يمكن أن يحققه الإنسان ليس أن يمتلك حياة مثالية، وإنما أن يتعلم كيف يصنع من حياته، بكل هشاشتها ونقصها وتناقضاتها، عملًا إنسانيًا قابلًا للفهم والمحبة.

وهنا تحديدًا يلتقي لونوار مع الأفق الهرمينوطيقي: فالحياة لا تمنحنا معناها جاهزًا، وإنما تطلب منا أن نفهمها ونحن نعيشها. الإنسان ليس قارئًا للحياة من الخارج، بل هو جزء من النص الذي يقرأه. وكلما تغير فهمه لذاته تغير معنى العالم بالنسبة إليه. ولذلك فإن فن الحياة ليس تقنية للسعادة، بل تربية على الفهم؛ والفهم ليس نهاية الطريق، بل طريقة في الوجود. إننا لا نتعلم كيف نعيش لكي ننتهي من سؤال الحياة، بل نتعلم كيف نعيش لكي يصبح السؤال نفسه أكثر عمقًا.

***

بقلم الدكتور: معروفي العيد

..........................

الهوامش:

أ- المصادر العربية:

لونوار، فريدريك، فن الحياة، ترجمة جوزف كالوستيان، دار الخيال للطباعة والنشر، 2013.

لونوار، فريدريك، في السعادة: رحلة فلسفية، ترجمة خلدون النبواتي، دار التنوير للطباعة والنشر، تونس، 2016.

لونوار، فريدريك، قوة الفرح، ترجمة، أيمن عبد الهادي، دار التنوير، تونس، ط1 2017.

لونوار، فريدريك، الحكمة لمن يبحث عنها، ترجمة عبير محمود، منشورات الهيئة العامة السورية للكتاب، دمشق، 2019.

لونوار، فريدريك، المعجزة السبينوزية فلسفة لإنارة حياتنا، ترجمة، محمد عادل مطميط، دار التنوير للنشر والتوزيع، تونس، ط1 2020.

لونوار، فريدريك، فلسفة الرغبة، ترجمة؛ إسكندر حبش، دار الساقي، ط1 2024.

٢- المصادر الفرنسية:

Lenoir, Frédéric, Petit traité de vie intérieure, Paris, Plon, 2010.

Lenoir, Frédéric, Du bonheur, un voyage philosophique, Paris, Fayard, 2013.

Lenoir, Frédéric, La Puissance de la joie, Paris, Fayard, 2015

Lenoir, Frédéric, La Sagesse expliquée à ceux qui la cherchent, Paris, Seuil, 2018.

هوامش

[1] فيلسوف فرنسي معاصر (ولد سنة 1962 في مدغشقر)، تخرج من المعهد العالي للدراسات الاجتماعية في باريس. ألّف ما يقرب عن الخمسين كتابا في علم الاجتماع وتاريخ الاديان والفلسفة والحكمة الشرقية وروايات مترجمة الى أكثر من لغة.

[2]  )إبكتيتوس (باليونانية: Ἐπίκτητος، بالإنجليزية: Epictetus؛ 55م-125م أو 130م) فيلسوف رواقي روماني، قال أن معين السعادة هو النفس لا الأشياء الخارجية. دعا إلى الأخاء، ولم يكتب شيئاً، فروى عنه تلميذه آريانوس. ينتمي إلى المدرسة الفلسفية التي أسسها زينون الرواقي صاحب نظرية المدينة الكونية.

[3]  يقول لونوار في كتابه: المعجزة السبينوزية:" فإذا أردنا أن نعرف معنى المعجزة السبينوزية، يكفي أن ندرك أننا أمام شخص له سمات خاصة: شخص «ظلّ وفيًّا لحبّ الحقيقة، مفضّلًا حرية التفكير على طمأنينة العائلة والطائفة وعلى الانسياق للفكر السائد». لقد كان ضحية أبشع الانتهاكات، ثم التّنكّر له من قبل أهله وعاش تحت التهديد المتواصل، ولكنه بقي وفيًّا دائمًا للخط الموجّه لمسيرته. كان عُرضة للكراهية وللسخرية ولكنه لم يكره أحدًا قط. تعرّض للغدر ولكنه لم يغدر أبدًا. تعرّض للخيرية ولكنه لم يستَخِفّ بأحد قط. ثم شتمه في كثير من الأحيان، لكن ردّه كان دائمًا هو الاحترام. عاش دائمًا باعتدال وكرامة وفي انسجام مع أفكاره» (الخاتمة). في هذه السمات التي طبعت شخص «سبينوزا» على مدى حياته، تتراءى لنا فلسفته كلها التي أرادها أن تكون طريقًا إلى الغبطة، أو بالأحرى درسًا يتكرّم به على بني جلدته، حتى يصبح كل واحد منهم قادرًا على أن يصير نبيًّا، نبيًّا على طريقة المسيح، ولكن خصوصًا على طريقة «سبينوزا".  ينظر في كتاب: فريدريك لونوار: المعجزة السبينوزية فلسفة لإنارة حياتنا، ترجمة، محمد عادل مطميط، دار التنوير للنشر والتوزيع، تونس، ط1 2020، ص، 11.

[4] فريدريك لونوار، فن الحياة، ترجمة جوزف كالوستيان، دار الخيال للطباعة والنشر، 2013، ص. 7-8. وقد ورد في تقديم الكتاب أن المؤلف يريد تقديم «معرفة عملية» تتمحور حول كيفية عيش حياة صالحة وسعيدة في انسجام مع الذات والآخرين.

المصدر نفسه، ص. 9. [5]

[6] Frédéric Lenoir, Du bonheur, un voyage philosophique, Paris, Fayard, 2013, pp. 15-30. والكتاب، بحسب فهرسه، ينتقل من سؤال حب الحياة إلى معنى الحياة والرغبة والانتباه والزمن والعلاقة بالآخرين والسعادة الفردية والجماعية.

فريدريك لونوار، فلسفة الرغبة، ترجمة؛ إسكندر حبش، دار الساقي، ط١ ٢٠٢٤، ص ،٢١. [7]

[8] Frédéric Lenoir, Du bonheur, un voyage philosophique, op. cit., notamment les chapitres « Aimer la vie qu’on mène », « Donner du sens à sa vie », « Le temps d’une vie » et « Peut-on être heureux sans les autres ? »

[9] على سبيل المثال، بالنسبة إلى أبيقور، فإن هذا المثل يمكن بلوغه بفضل الفكر العملي phronesis الذي يساعدنا على الاعتدال والاحساس باللّذات من أجل البقاء في حالة صفاء، وغياب الاضطراب ntaraxie. بالنسبة إلى بوذا، يتعلق الأمر بالتخلي عن رغبة الارتباط بالأشياء، التي تولّد الإحباط والألم، وبذلك فإن الطريقة الوحيدة للوصول إلى حالة السعادة، تكون عبر اليقظة، يعني الوعي بأنني لست الأنا التي أتحد معها بشكل عفوي. لونوار، فريدريك، الحكمة لمن يبحث عنها، ترجمة عبير محمود، منشورات الهيئة العامة السورية للكتاب، دمشق، 2019.ص،36.

[10] Frédéric Lenoir, Du bonheur, un voyage philosophique, op. cit., chap. 3, « Donner du sens à sa vie ».

[11] يتساءل لونوار في كتابه: " في السعادة؛ رحلة فلسفية" قائلا: " هل يعني ذلك أن أي تفكـّـر في السعادة سيكون أمراً لا طائل منــهُ؟ يجيب:" لا أعتقـد ذلك أبداً. فبقدر ما هو مهم التأكيـد على خصائصها غير القابلة للحصر وصعوبة فهمها، فإن خصائص السعادة العَصيّة على الضبط، والنسبية، والذاتية، لا تستنفد المسألة. ففي السعادة أيضاً شيءٌ من قوانين الحياة ومن الفعالية الإنسانية التي تؤثّر فيها بقوة، والتي يمكن القبض عليها بالتأمل الفلسفيّ مثلما بالمقاربات العلمية: كعلم النفس، وعلم الاجتماع، والبيولوجيا وعلوم المعرفة...".  فريدريك لونوار، في لسعادة: رحلة فلسفية، ترجمة خلدون النبواتي، دار التنوير للطباعة والنشر، تونس، ط1 2016، ص ص،7-8.

فريدريك لونوار، قوة الفرح، ترجمة، أيمن عبد الهادي، دار التنوير، تونس، ط1 2017، ص47.[12]

[13] Lenoir, Frédéric, La Sagesse expliquée à ceux qui la cherchent, Paris, Seuil, 2018, p. 26.

[14] Lenoir, Frédéric, La Puissance de la joie, Paris, Fayard, 2015, p. 40.

 

في المثقف اليوم