عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام فكرية

يمثل الاستحواذ على رأس المال في الثقافة المعاصرة ظاهرة تتجاوز أبعادها الوظيفية والاقتصادية المباشرة، لتشكل تجلياً وجودياً عميقاً لصراع الإنسان مع الفناء وبحثه عن الأبدية. إن السعي اللانهائي لتراكم الثروة ليس مجرد آلية لتأمين البقاء المادي، بل هو مشروع خلود تتبناه الذات المعاصرة لتشييد جدار واقٍ ضد قلق الموت الوجودي، ورعب الهامشية أو عدم الأهمية.

في المقابل، عندما تحول البنى الطبقية والمؤسسية القائمة دون وصول الفئات المستضعفة مادياً إلى هذا المشروع الاحتكاري، ينزاح الصراع من مستواه العيني الملموس إلى فضاء الوعي والمتخيل. هنا، يتحول المتخيل إلى ساحة استهلاك تعويضية لإنتاج أحلام القوة والسيادة البديلة، بالتوازي مع تشكيل بنية أخلاقية موازية تسعى لتفكيك شرعية الملكية وتبرير السرقة؛ بوصفها أداة لاسترداد الحقوق، أو فعلاً عنيفاً يخلخل أوهام القانون الوضعي.

يقدم الباحث ساندي برايان هاجر مقارنة جوهرية بين نمطين من الاقتصاد والتعامل مع الموت:

اقتصاد الهبة التقليدي، والمنظومة الرأسمالية التراكمية. فبينما يرتكز اقتصاد الهبة البدائي على تدمير وتبديد الفائض دورياً ضمن طقوس جماعية مقدسة تدمج الموت في صيرورة الحياة وتسدد الديون الوجودية، يتميز الاقتصاد الرأسمالي بتراكم منهجي لا نهائي للفائض وإعادة استثمار الأرباح، مما يجعله يقع في الطرف الأقصى لإنكار الموت.

في هذا السياق، يصبح التراكم الرأسمالي بمثابة آلية دفاعية نفسية مستمرة لصد الرعب الوجودي؛ إلا أن هذا الإنكار المنفرد، والمنزوع من طقوس التكفير والتحرر الجماعي، يؤدي إلى تراكم موازٍ للذنب والقلق النفسي. وتتحول هذه الديناميكية إلى دوامة عصابية دؤوبة تدفع المنظومة نحو اللانهائية. ويتجلى الوجه الأكثر تطرفاً لمشروع الخلود هذا في المساعي المعاصرة لرموز التكنولوجيا والأثرياء في "وادي السيلكون" لتحقيق الخلود البيولوجي الفعلي، وهو مشروع هروب فردي يرمي إلى عزل الطبقة الحاكمة مادياً وجسدياً عن مصير العامة الفانين.

يتلاقى هذا الطرح مع نقد كارل ماركس للاستلاب المالي في "مخطوطات عام 1844"، حيث يحلل ماركس المال بوصفه القوة السحرية القادرة على تشويه الحقائق وتبديل الخصائص الإنسانية إلى نقيضها. في ظل الرأسمالية، لا يعود المال أداة للتبادل، بل يتحول إلى جوهر مغترب يستلب نشاط الإنسان الإبداعي ويحوله إلى قيمة موضوعية خارجية يمتلكها رب العمل البرجوازي. وبذلك يصبح الفرد مغترباً عن منتجه، وعن عملية الإنتاج، وعن كينونته النوعية، وحتى عن أقرانه البشر.

ويوضح الفيلسوف جورج لوكاتش لاحقاً كيف تحول هذا الاغتراب المادي إلى حالة من "التشيؤ" التي طالت وعي الإنسان ذاته؛ فبعد أن كان التشيؤ يمس جسد العامل في خطوط التجميع التقليدية، صار يلتهم عقل العامل الحديث وتفكيره الإبداعي، كالمبرمج الذي ينتج خوارزميات معقدة تستلب منه على الفور لتتحول إلى رأس مال للشركات الكبرى.

استهلاك المتخيل ووظيفة التخييل التعويضية لدى الضعفاء

عندما يصطدم الضعفاء بانسداد أفق التراكم المادي وعجزهم عن مجاراة مشاريع الخلود التي تتيحها الرأسمالية للأقوياء، فإنهم يفعّلون الوظيفة التعويضية للخيال كاستراتيجية نفسية ووجودية بديلة. يوضح جان بول سارتر في أطروحته الظاهراتية (الفينومينولوجية) حول التخيل أن الوعي المتخيل ليس مجرد مستودع للصور الباهتة المشتقة من الحواس، بل هو فعل حر بامتياز يهدف إلى نفي الواقع العيني وبناء عالم موازٍ لا وجود له في اللحظة الراهنة.

الخيال هو شرط إمكان الحرية؛ إذ يتيح للوعي تجاوز المعطيات الإدراكية المباشرة وصياغة معانٍ بديلة تمكن المستضعف من استشراف أفق آخر يتجاوز بؤسه الحالي. ويرى جان بورغوس أن الصورة الشعرية المتخيلة تمتلك طاقة ديناميكية استشرافية منفتحة على المستقبل، عكس الاستعارة الذاكراتية المرتدة للماضي، مما يجعلها قادرة على تغيير نظم الأشياء ذهنياً وتمهيد الطريق نحو واقع بديل.

يتطابق هذا التحليل مع نظريات علم النفس التحليلي لسيجموند فرويد وكارل يونغ؛ حيث يؤكد يونغ أن للأحلام والمتخيل وظيفة مزدوجة:

تعويضية ومستقبلية. تعمل الوظيفة التعويضية للاشعور على تمثيل الجوانب الخفية والمكبوتة من المعيش اليومي في صور ورموز أسطورية لإعادة التوازن النفسي والوظيفي للذات المهددة بالصدمات وتوترات الحياة القاسية. وتلعب الأساطير الشعبية والخرافات دوراً مماثلاً على المستوى الجمعي؛ إذ تمثل أداة تعويضية تحرر الإنسان من شعوره البنيوي بالنقص والضعف الجسدي والاجتماعي عبر تصور كائنات خارقة ومشاريع بطولية تعوض تهميشه الفعلي.

وفي سياق علم النفس الفردي، يؤصل ألفرد أدلر لهذه الديناميكية من خلال مفهوم "عقدة الدونية" وإرادة القوة. يولد كل إنسان بدرجة من الشعور بالدونية الأولية الناشئة عن ضعف الطفولة واعتماديتها. ومع نضج الذات واصطدامها بعلاقات الإنتاج والقوة غير المتكافئة، يفشل البالغ في تحقيق أهدافه اللاشعورية الخيالية للأمان والنجاح، مما يولد "شعوراً بالدونية الثانوية". تقع الذات هنا في مأزق عصابي يشبه "المتاهة المغلقة"، حيث تقود المحاولات اليائسة للتخلص من الدونية بأساليب وهمية إلى تعميق الشعور بالعجز والاكتئاب.

تتضح خطة الحياة هذه عند الشخصيات الإنسانية التي شوه الإقصاء خطط نموها النفسي، كما يظهر في سلوك شخصية "فوينتسكي" في مسرحية "الخال فانيا" لأنطون تشيخوف، حيث انحرف مسار حياته وأصيب بعقدة دونية بالغة نتيجة لغياب الحب والتقدير والاهتمام الموجه إليه من محيطه الأسري المنشغل بالشعارات الجوفاء.

في مسار جينالوجيا الأخلاق، يرى نيتشه في المسيحية اللاهوتية النموذج التاريخي الأوضح لأخلاق الحقد الموجهة ضد غرائز الحياة وفورانها. وبالمقابل، يقدم فريدريش إنغلز قراءة مادية تاريخية مناقضة، واصفاً المسيحية المبكرة بأنها كانت بمثابة "شيوعية العصر الروماني"؛ إذ مثلت حركة ثورية واعية للعبيد والمضطهدين لترتيب صفوفهم ومقاومة الاستبداد الإمبراطوري الروماني، مما يحولها في نظر الماركسية من حركة حقد سلبي إلى أداة للتنظيم والمقاومة التاريخية الفعالة.

المقاربة التفكيكية لتبريرات السرقة أخلاقياً وقانونياً

تعد معضلة السرقة وتبريراتها الأخلاقية والسياسية واللاهوتية واحدة من أكثر الساحات الفكرية كشفاً عن التناقض البنيوي بين القانون الوضعي ومفهوم العدالة المطلقة. وتتعدد المقاربات الفلسفية التي سعت لتفكيك هذا التناقض وإعادة صياغة مفهوم "السرقة" لا بوصفها اعتداءً آثماً، بل بوصفها تعبيراً عن خلل بنيوي في توزيع الموارد.

في الفكر اللاهوتي المدرسي، يقدم القديس توما الأكويني صياغة جذرية تتجاوز المفهوم القانوني الجامد للملكية الخاصة. ينطلق الأكويني من فرضية أن العناية الإلهية قد رتبت الطبيعة والموارد المادية لخدمة احتياجات البشرية ككل، مما يجعل الملكية المشتركة هي الأصل الطبيعي والإلهي. أما تقسيم الممتلكات وحيازتها الفردية، فهما إضافتان من صنع العقل البشري والقانون الوضعي لتنظيم العمل والحد من النزاعات، ولا يمكن لهذا التدبير البشري بأي حال من الأحوال أن يلغي أو ينتقص من الحق الطبيعي للإنسان في الحياة وسد رمقه.

الرديف التفكيكي ونقد العنف القانوني

يقدم جاك دريدا في تفكيكه للسياسة والسيادة وقوة القانون مدخلاً مهماً لإدراك أن القوانين الوضعية ليست تجسيداً للعدالة الحرة والمطلقة، بل هي بنيات تاريخية تم تأسيسها عبر العنف واستدامتها بقوته. يفرق دريدا بين "القانون" القابل للتفكيك والتحليل لأنه نتاج توازنات وصراعات بشرية، وبين "العدالة" غير القابلة للتفكيك لأنها تمثل تجربة المستحيل والإحراج الأصيل الذي يجتاز القواعد الجاهزة.

ويمكن تفسير هيمنة تبريرات السرقة من خلال "منطق الرديف" الذي بلوره دريدا في قراءته لروسو؛ فالرديف ليس مجرد إضافة خارجية لكيان مكتمل، بل هو تعويض لنقص أصيل مسجل بدءاً في قلب الحضور.

ملحمة البؤساء وتطور الضمير الإنساني

يقدم فيكتور هوغو في "البؤساء" تجسيداً أدبياً وفلسفياً فذاً لهذه الجدلية بين جمود القانون ورحمة العدالة، من خلال تفكيك التحولات النفسية لجان فالجان ومطاردة المفتش جافيير له. ويمثل الصدام الأخلاقي ذروته في مشهد سرقة جان فالجان لقطعة نقود معدنية من الفتى الصغير "بيتي جيرفيس" عقب خروجه من منزل الأسقف ميريل. في هذه اللحظة، يضع فالجان قدمه على القطعة دون وعي كامل، مدفوعاً ببقايا غريزة السجين المنبوذ والمستلب التي تسيطر عليه.

ولكن بمجرد مغادرة الفتى واصطدامه بوعي الأسقف المتسامي، يصحو ضمير فالجان ويدرك فداحة فعلته ويشرع في البحث عن الفتى باكياً دون جدوى. هذه الواقعة تعد "عتبة التحول الروحي" الحقيقي في الرواية؛ حيث ينزاح فالجان من حيز الجريمة الناتجة عن بؤس الحاجة والقمع، إلى رحاب الالتزام الأخلاقي الذاتي والمسؤولية الكلية تجاه الآخرين، ليتحول لاحقاً إلى السيد مادلين المحسن والعميد الذي ينقذ فانتين ويسلم نفسه طوعاً لإنقاذ بريء اتهم زوراً بأنه جان فالجان.

بالمقابل، ينتهي المطاف بالمفتش جافيير، الحارس الصارم للقانون الوضعي الذي لا يعرف الرحمة، إلى الانتحار غرقاً في نهر السين، بعد أن عجز عقله وجهازه الأخلاقي الصلب عن التوفيق بين واجبه المهني الصارم في القبض على فالجان، وبين اعترافه الإنساني بالجميل والرحمة والنبل التي جسدها فالجان بإنقاذه لحياة جافيير وماريوس في متاريس الثورة.

البنية المفاهيمية المقارنة لفلسفة الاستحواذ والاسترداد

لغرض تقديم تحليل مهيكل ومقارن للمرجعيات الفكرية المتعددة التي قاربت مفهوم الملكية وعلاقتها بالسرقة والاسترداد، يمكننا رصد التباينات الفلسفية على النحو التالي:

تنطلق المدرسة اللاهوتية المدرسية (الأكويني) من أصلانية الملكية المشتركة للموارد بموجب الحق الإلهي الطبيعي، وتعتبر الملكية الفردية مجرد تنظيم وضعي يسقط تلقائياً أمام "عنف الضرورة وحفظ البقاء". في حين تحلل المادية التاريخية (ماركس وإنغلز) الملكية الخاصة بوصفها أداة إنتاجية تؤدي لاغتراب الذات وتشيؤ الوعي، وتتحول معها المسيحية المبكرة أو الثورة العمالية إلى أدوات تنظيم ومقاومة تاريخية لاسترداد القيمة المستلبة.

من جهة أخرى، تقدم التفكيكية (دريدا وبنيامين) رؤية تكشف زيف طبيعية الملكية، مظهرةً إياها كبنية تاريخية محمية بعنف الدولة المحافظ على القانون، لتغدو السرقة أو الإضراب بمثابة "الرديف" العنيف الذي يفضح النقص التأسيسي للنظام. وأخيراً، تذهب اللاشرعوية اللاحكومية نحو الرفض المطلق للقوانين البرجوازية، وتحويل السرقة والنهب إلى استراتيجية واعية وفعل كفاحي مباشر تحت مسمى "الاسترداد الفردي".

تداعيات السفسطة وتزييف الوعي في تبرير التعدي الاجتماعي

على الرغم من القوة التفكيكية التي تحملها المقاربات الفلسفية واللاهوتية المعارضة للملكية الرأسمالية الخاصة، فإن تبريرات السرقة أخلاقياً تنزلق في كثير من الأحيان نحو نمط من "السفسطة" التي تزيف الوعي وتبرر التعدي الاجتماعي الأناني تحت ستار المظلومية الرمزية. تعود السفسطائية في تاريخ الفلسفة الإغريقية إلى نهاية القرن الخامس وبداية القرن السادس قبل الميلاد، حيث لم تكن مذهباً فلسفياً متسقاً، بل كانت فناً في الكلام وصناعة للإقناع ومهارة عملية في قلب الحقائق وتزييف الوعي الجمعي لتحقيق مكسّب ذاتي أو سياسي.

في السياق المعاصر، يبرز خطر "السفسطة الأخلاقية" عندما تعمد بعض الفئات المستضعفة - أو النخب المدعية لتمثيلها - إلى توظيف نظريات الاسترداد الفردي ومناهضة الرأسمالية لتبرير السرقة الجنائية المحضة والنهب العشوائي الذي يطال ممتلكات فئات اجتماعية كادحة أخرى لا صلة لها بالبنية الاحتكارية الكبرى. يتحول المتخيل هنا من أداة للتسامي وبناء الوعي النقدي الفعال إلى آلية لتوليد "الأحقاد الأيديولوجية" وتزييف الواقع الوجودي. وبدلاً من السعي لتغيير علاقات الإنتاج وتأسيس تضامن مجتمعي واعٍ قادر على مجابهة اغتراب رأس المال، ينحبس الوعي المستضعف في حلقة مفرغة من العنف المتبادل والنهب الصغير الذي يدمر شروط التعاقد والترابط الاجتماعي.

إن مأزق الضعفاء الراهن يكمن في حاجتهم إلى تجاوز مشاريع الخلود الفردية الزائفة التي يتيحها الاستهلاك والتراكم المالي، وتجاوز الاستهلاك السلبي لأوهام المتخيل العاجز، نحو صياغة أطر عملية ورمزية مشتركة تبني تضامناً إنسانياً حقيقياً يرفض الاستلاب المادي والتشيؤ. وبهذا فقط، ينعتق الوعي من أوهامه المكبوتة، ويتحول الفكر من مهارة إقناعية لتبرير التعدي الاجتماعي إلى أداة فاعلة لتأسيس عدالة كونية قادمة تتجاوز قهر القانون وسرقة المادة.

***

غالب المسعودي

حين يتحدث إدموند هوسرل عن أزمة العلوم الأوروبية، فهو لا يعلن انهيار العلم من الداخل، ولا يشكّك في منجزاته الرياضية والتقنية والتجريبية. الأزمة عنده أعمق من خطأ فيزيائي أو نقص منهجي؛ إنها أزمة معنى. لقد صارت العلوم الحديثة قادرة على قياس العالم، وضبطه، وتحويله إلى معادلات ونماذج وقوانين ورسوم بيانية، لكنها فقدت القدرة على الإجابة عن السؤال الذي يهم الإنسان بوصفه كائنًا يعيش، ويتألم، ويختار، ويتذكّر، ويأمل، ويموت: ما معنى هذا العالم بالنسبة إلينا؟

كتاب هوسرل «أزمة العلوم الأوروبية والفينومينولوجيا الترانسندنتالية»، وهو آخر مشاريعه الكبرى، كُتب في سنوات 1934–1937، ونُشرت أجزاؤه الأولى سنة 1936، ثم صدر بصيغته اللاحقة بعد وفاة هوسرل سنة 1954، مع ملحقات مهمة، ومن أشهرها نص «أصل الهندسة» الذي نُشر سنة 1939. أما الترجمة الإنجليزية المعروفة لديفيد كار فقد صدرت عن Northwestern University Press سنة 1970، وهي ترجمة للنص الألماني الذي حرّره والتر بيمِل سنة 1954 وقد نُقل الكتاب للعربية عن دار المنظمة العربية للترجمة سنة ٢٠٠٨ من الإلمانية من ترجمة اسماعيل مصدق.

أهمية هذا الكتاب أنه يمثل المرحلة الأخيرة من فكر هوسرل: مرحلة انتقل فيها من تحليل القصدية والوعي والزمن والمنهج الفينومينولوجي إلى مساءلة المصير الروحي للحضارة الأوروبية الحديثة. هوسرل، بوصفه مؤسس الفينومينولوجيا، ارتبط اسمه بتحليل القصدية، والإدراك، والزمانية، والجسد، والغيرية، وعالم الحياة، ونقد الاختزالية والعلموية والموضوعانية.

1. معنى الأزمة عند هوسرل:

الأزمة عند هوسرل أزمة مزدوجة: أزمة في العلم من جهة، وأزمة في الإنسان الأوروبي الحديث من جهة أخرى. لكن المقصود بالعلم هنا ليس المختبر أو المعادلة أو الرصد التجريبي، وإنما الصورة الفلسفية التي كوّنها العلم الحديث عن نفسه. لقد تحوّل العلم من مشروع عقلاني لتحرير الإنسان من الغموض إلى جهاز موضوعاني يختزل العالم إلى كمية، والإنسان إلى موضوع، والحياة إلى نظام قابل للحساب.

هوسرل يرى أن العلوم الحديثة بلغت نجاحًا هائلًا في التنبؤ والسيطرة، لكنها فقدت علاقتها بالأسئلة الكبرى: سؤال الغاية، والقيمة، والمصير، والحرية، والمسؤولية، والمعنى. إنها علوم تنتج حقائق جزئية دقيقة، لكنها تعجز عن منح الإنسان توجيهًا وجوديًا. ومن ثمّ، فالأزمة لا تنبع من فشل العلم في مجال اختصاصه، وإنما من تمدد نموذجه حتى صار معيارًا وحيدًا للحقيقة.

بكلمات أخرى: الفيزياء تستطيع أن تصف سقوط الجسد، لكنها لا تستطيع أن تصف سقوط المعنى. والرياضيات تستطيع أن تبني فضاءً مثاليًا، لكنها لا تستطيع وحدها أن تفسّر كيف صار هذا الفضاء ذا معنى داخل خبرة بشرية معيشة. وعلم الأعصاب يستطيع أن يصف نشاط الدماغ، لكنه يحتاج إلى أفق فينومينولوجي كي يفهم كيف يظهر الألم والخوف والذاكرة والقرار من جهة التجربة الحية.

2. غاليليو ورياضة الطبيعة:

يرجع هوسرل بجذر الأزمة إلى لحظة حاسمة في تاريخ العلم الحديث: لحظة غاليليو. لم يكن غاليليو، في نظر هوسرل، مجرد عالم فيزيائي عظيم؛ كان مؤسسًا لتحول أنطولوجي كامل في فهم الطبيعة. مع غاليليو، صارت الطبيعة تُفهم بوصفها بنية رياضية قابلة للقياس. اللون، والرائحة، والحرارة، والصلابة، والنعومة، والثقل، والقرب، والبعد؛ كلها صارت تُعاد صياغتها ضمن نسق رياضي كمي.

هذا التحول منح العلم قوة هائلة، لكنه صنع نسيانًا خطيرًا: نسيان أن العالم الرياضي ليس العالم الأول الذي نحياه، بل طبقة مثالية مبنية فوق عالم الخبرة. هوسرل يسمّي هذا العالم الأول «عالم الحياة»: العالم السابق على التنظير، العالم الذي نمشي فيه، ونلمس الأشياء، ونخاف، وننتظر، ونحب، ونعمل، ونقيم علاقاتنا اليومية.

توضح مراجعات فلسفية معاصرة لكتاب «الأزمة» أن مفهوم عالم الحياة Lebenswelt هو المفهوم المركزي في الكتاب، وأن هوسرل يربط الأزمة بانتصار العلم الغاليلي، أي وصف الطبيعة بقوانين رياضية موضوعية خالصة.

الخطأ عند هوسرل لا يقع في استخدام الرياضيات، بل في تحويل النموذج الرياضي إلى الحقيقة الوحيدة للعالم. النموذج الرياضي ينجح لأنه يجرّد، ويقيس، ويثبّت، ويستبعد الكيفيات الحسية المتغيرة. غير أن هذا النجاح يتحول إلى مأزق عندما ينسى العلم أنه بنى مثاليته فوق خبرة سابقة: خبرة الجسد والعين واليد والاتجاه والحركة والزمن المعيش.

3. الموضوعانية ونسيان الذات:

الموضوعانية Objectivism هي الاعتقاد بأن العالم الحقيقي هو العالم كما تصفه العلوم الطبيعية وحدها: عالم مستقل، كمي، ممتد، محايد، خالٍ من كل علاقة بالذات. لكن هوسرل لا يريد ردّ العالم إلى خيال ذاتي؛ إنه يريد كشف العلاقة الأصلية بين العالم كما يظهر والذات التي ينكشف لها العالم.

العالم العلمي ليس عالمًا آخر خلف العالم المعيش؛ إنه طريقة مخصوصة في ظهور العالم نفسه. عندما يرى الفيزيائي الطاولة بوصفها تركيبًا من ذرات وقوى، فهو لا يغادر الطاولة التي نضع عليها الكتاب والكوب، بل يعيد تأويلها ضمن موقف نظري. وهنا تكمن دقة هوسرل: العلم موقف من العالم، لا العالم في ذاته مكتملًا بلا علاقة بالظهور.

 هوسرل يرى فرقًا بين العالم كما نخبره إدراكيًا والعالم كما تحدده العلوم الطبيعية، لكنه لا يجعله فرقًا بين «عالم لنا» و«عالم في ذاته» منفصلين؛ بل فرقًا بين طريقتين في ظهور العالم نفسه.

الموضوعانية تنسى أن كل موضوعية تحتاج إلى ذاتية ترانسندنتالية تمنحها أفق الظهور والتحقق والمعنى والصدق. لا توجد معادلة علمية معلّقة في فراغ ميتافيزيقي. كل معادلة تُكتب، وتُفهم، وتُدرّس، وتُختبر، وتُورّث داخل جماعة بشرية ولغة وتاريخ ومؤسسات وأفق مشترك من المعنى.

4. العلموية بوصفها أزمة عقل:

ينتقد هوسرل العلموية Scientism، وهي تحويل العلم الطبيعي إلى معيار مطلق لكل حقيقة. العلموية تختلف عن العلم؛ فالعلم ممارسة معرفية منضبطة، أما العلموية فهي أيديولوجيا فلسفية تقول إن كل ما لا يُقاس، أو لا يدخل في نموذج طبيعي صارم، فاقد للقيمة المعرفية.

من منظور هوسرل، هذا الاختزال يطرد الأسئلة التي صنعت الفلسفة منذ بدايتها: ما الحقيقة؟ ما العقل؟ ما الخير؟ ما معنى الحياة؟ ما الحرية؟ ما العدالة؟ ما الإنسان؟ العلوم الجزئية تدرس قطاعات من الواقع، لكنها حين تصير بديلًا عن الفلسفة تتحول إلى قوة عمياء، لأنها تعرف الوسائل وتفقد الغايات.

هكذا تصبح الأزمة أزمة عقل لا أزمة مختبر. العقل الحديث لم ينقصه الذكاء الحسابي، بل نقصته القدرة على الرجوع إلى منابعه. لقد امتلك التقنية وفقد الحكمة، وامتلك القياس وفقد التأويل، وامتلك الدقة وفقد السؤال عن معنى الدقة نفسها.

5. عالم الحياة Lebenswelt:

مفهوم عالم الحياة هو قلب كتاب «الأزمة». عالم الحياة هو العالم السابق على العلم، والسابق على النظرية، والسابق على التجريد. إنه العالم الذي نعيش داخله قبل أن نحوّله إلى موضوع بحث. لا ندخل العالم أولًا كعلماء فيزياء، بل كأجساد حية تتحرك، وتلمس، وتقاوم، وتتجه، وتخاف، وترغب، وتبني علاقات.

عالم الحياة عند هوسرل هو العالم الذي نعيش فيه ونشعر بالألفة داخله، عالم التجربة اليومية المأخوذ غالبًا كمعطى، والذي يؤسس أفعالنا اليومية. كما تبيّن أن اختزال كل موجود إلى حقائق علمية طبيعية قاد إلى تقليل شأن هذا العالم، وإلى أزمة العلم الحديث واغترابه عن التجربة الإنسانية وأسئلة المعنى والقيمة.

عالم الحياة ليس مجرد «حياة يومية» سطحية، بل هو البنية العميقة التي تجعل العلم نفسه ممكنًا. فالقياس يحتاج إلى أدوات، والأدوات تحتاج إلى أجساد تستخدمها، والجسد يحتاج إلى اتجاهات مكانية، والنتيجة العلمية تحتاج إلى لغة وتواصل وتحقق بين ذوات. حتى أكثر العلوم تجريدًا تحمل أثرًا من عالم الحياة: الورقة، والسبورة، والمختبر، والجسد الذي يقرأ، والعين التي ترى المؤشر، واليد التي تضبط الجهاز، والجماعة التي تصدّق أو تراجع.

لهذا، فالعلم لا يعلو فوق عالم الحياة بطريقة انفصال مطلق؛ إنه ينمو منه، ثم يعود فيغيره. النظريات العلمية تتحول مع الزمن إلى جزء من فهمنا اليومي للعالم. الطفل اليوم يتحدث عن «الكهرباء» و«الجاذبية» و«الدماغ» بوصفها معطيات مألوفة، وهذه مفاهيم كانت يومًا ما نتائج نظرية. هوسرل يرى أن العلاقة بين العلم وعالم الحياة علاقة نشوء وترسّب وتحوّل متبادل.

6. الإيبوخيه وإعادة تعليق العالم العلمي:

في أعمال هوسرل الأولى، كانت الإيبوخيه تعني تعليق الموقف الطبيعي كي ندرس كيف يُعطى العالم للوعي. وفي كتاب «الأزمة»، يأخذ المنهج منعطفًا جديدًا: علينا تعليق هيمنة العالم العلمي الموضوعاني كي نعود إلى عالم الحياة الذي انبثقت منه العلوم.

الإيبوخيه عند هوسرل لا تعني الشك الديكارتي بمعناه النفسي، ولا إنكار الواقع، ولا الهروب إلى داخل ذات مغلقة. إنها تعليق السذاجة التي تجعلنا نأخذ العالم كما هو مفترض مسبقًا من غير مساءلة. موسوعة ستانفورد توضّح أن الإيبوخيه لا تهدف إلى استبعاد الواقع، بل إلى تعليق موقف دوغمائي تجاهه، والانتقال إلى تحليل كيفية ظهور الواقع ضمن منظور وتجربة.

في «الأزمة»، يصبح المطلوب تعليق بداهة العلم الحديث نفسه. فالفيزياء والرياضيات ليستا مشكلة بسبب دقتهما، بل بسبب تحولهما إلى بداهة لا تُسأل عن أصلها. الإيبوخيه هنا تفتح سؤالًا جذريًا: كيف صار العالم قابلًا للرياضة أصلًا؟ كيف انتقلت الهندسة من خبرة الأرض والقياس والحدود والمسافة والامتداد إلى عالم مثالي من الأشكال الخالصة؟ كيف صار العقل الحديث يظن أن ما ينتجه التجريد هو الأصل، وأن التجربة المعيشة مجرد مظهر ثانوي؟

7. من ديكارت إلى هوسرل:

هوسرل يقدّر ديكارت لأنه أدرك ضرورة الرجوع إلى الذات. لكن ديكارت، في نظر هوسرل، لم يذهب بعيدًا بما يكفي. لقد اكتشف الكوجيتو، ثم أعاده سريعًا إلى ميتافيزيقا الجوهرين: نفس مفكرة وجسم ممتد. وبذلك بقي أسيرًا لتصور ثنائي يقطع الذات عن العالم.

هوسرل يريد تعميق الكوجيتو لا تكراره. الذات عنده ليست جوهرًا نفسيًا داخل الجسد، بل مركز ظهور العالم ومعناه. إنها ذات قصدية، أي إنها دائمًا متجهة إلى شيء: ترى شيئًا، وتتذكر شيئًا، وتخاف من شيء، وترغب في شيء، وتحكم على شيء. الوعي ليس صندوقًا داخليًا مغلقًا، بل انفتاح بنيوي على العالم.

لهذا، فالأزمة الحديثة تبدأ حين صارت الذات إما شيئًا نفسيًا داخل العالم الطبيعي، وإما مبدأً ميتافيزيقيًا منفصلًا عن العالم. هوسرل يقترح طريقًا ثالثًا: الذات الترانسندنتالية بوصفها شرط إمكان المعنى والموضوعية، لا بوصفها شيئًا من أشياء العالم.

8. هوسرل وكانط:

يشترك هوسرل مع كانط في أن الموضوعية لا تُفهم بلا شروط قبلية، لكنه يختلف عنه في طريقته. كانط بحث في شروط إمكان التجربة من جهة البنى القبلية للعقل: المكان، والزمان، والمقولات. أما هوسرل فيعود إلى التجربة نفسها، إلى كيفية إعطاء الشيء، وإلى القصدية، والأفق، والجسد، والزمن الداخلي، والغيرية.

كانط أقام نقدًا للعقل، وهوسرل يقيم وصفًا ترانسندنتاليًا للخبرة. كانط يسأل: ما شروط إمكان المعرفة العلمية؟ وهوسرل يسأل: كيف يظهر العالم أصلًا بحيث يمكن أن يكون موضوع معرفة وعلم وقيمة وتاريخ وتواصل؟

في «الأزمة»، تصبح الفينومينولوجيا عند هوسرل صورة نهائية للفلسفة الترانسندنتالية، لأنها تكشف أن الموضوعية ليست معطاة خارج كل ذاتية، بل تتأسس عبر علاقة قصدية بين الذات والعالم. تذكر موسوعة ستانفورد أن هوسرل يصف الفينومينولوجيا في كتاب «الأزمة» بوصفها الصورة النهائية للفلسفة الترانسندنتالية، وأنها تتحدد بنقد الموضوعانية وبإيضاح الذاتية كمكان لتشكّل المعنى والصلاحية الموضوعية.

9. التاريخية وترسّب المعنى:

من أهم إضافات كتاب «الأزمة» أن هوسرل لم يعد يكتفي بتحليل الوعي الفردي، بل صار يحلل التاريخ بوصفه مجالًا لترسّب المعاني. العلم لا ينشأ دفعة واحدة؛ إنه يُبنى عبر تقاليد ونصوص ومؤسسات وتعليم ورموز ونقل بين الأجيال.

الهندسة، مثلًا، تبدأ من قياس الأرض والحدود والمساحات والبناء، ثم تتحول إلى علم مثالي مستقل عن الأرض الحسية. ومع الزمن ينسى العقل الحديث هذا الأصل العملي–الحياتي. تنفصل الرموز عن منابعها، وتبدو وكأنها حقائق أزلية قائمة بذاتها. هذه هي الأزمة بوصفها نسيانًا للأصل.

كتاب «الأزمة» أدخل تأكيدًا جديدًا على التاريخية، حيث يعترف هوسرل بالعلم بوصفه منتجًا ثقافيًا تاريخيًا، ويبحث عن أصول عالم الحياة للهندسة الصورية والعلم الطبيعي الرياضي.

الهندسة، وفق هذا التحليل، ليست مجرد نسق صوري؛ إنها ذاكرة ثقافية تعلّمت كيف تنسى جسدها الأول. كل مفهوم علمي يحمل تاريخًا مطمورًا: تاريخ اليد التي قاست، والعين التي قارنت، واللغة التي سمّت، والجماعة التي ثبّتت المعنى.

10. الأزمة بوصفها اغترابًا عن الجسد:

لو قرأنا هوسرل من منظور فلسفي-عصبي، أمكن القول إن أزمة العلوم الحديثة هي أيضًا أزمة في علاقة المعرفة بالجسد. العلم الحديث يميل إلى تحويل الإدراك إلى تمثيل، والجسد إلى جهاز بيولوجي، والعالم إلى معطيات خارجية. أما هوسرل فيعيد الاعتبار إلى الجسد المعيش Leib: الجسد الذي لا أملكه كما أملك شيئًا، بل أعيش من خلاله.

الجسد هو مركز الاتجاهات: يمين، ويسار، وفوق، وتحت، وقريب، وبعيد. وهو أصل القياس العملي قبل أن تظهر الرياضيات، وحامل العادة والمهارة والتوقع والخوف والانتباه والإيقاع الزمني. علم الأعصاب المعاصر، حين يدرس الإدراك المتجسد، والتنبؤ الدماغي، وخرائط الجسد، والارتباط بين الحركة والمعنى، يقترب من حدس هوسرل: الوعي لا يسبح فوق الجسد، والمعرفة لا تبدأ من معادلة، بل من تماس حي بين كائن حساس وعالم مقاوم.

من هذه الجهة، تبدو أزمة هوسرل صالحة لقراءة عصرنا: الذكاء الاصطناعي، والبيانات الضخمة، ونماذج التنبؤ، والخوارزميات، والقياس النفسي الرقمي؛ كلها تعيد إنتاج السؤال الهوسرلي: ماذا يحدث حين يتحول الإنسان إلى نمط قابل للحساب؟ ماذا يبقى من الخبرة حين تُختزل إلى بيانات؟ وماذا يحدث للمعنى حين تسيطر أدوات القياس على أفق الفهم؟

11. الأزمة والإنسان الأوروبي:

هوسرل يتحدث عن «العلوم الأوروبية»، لكنه لا يقصد أوروبا بوصفها جغرافيا ضيقة. أوروبا عنده اسم لمشروع روحي بدأ مع اليونان: مشروع العقل الكوني، والسؤال الحر، والنظرية بوصفها طلبًا للحقيقة. الأزمة تقع حين يخون هذا المشروع ذاته، أي حين يتحول العقل إلى تقنية خالية من التأمل في غاياتها.

لذلك، فالأزمة سياسية وأخلاقية أيضًا. حين تتحول العلوم إلى أدوات سيطرة بلا سؤال عن المعنى، يمكن للعقل أن يخدم التدمير كما يخدم البناء. يمكن للتقنية أن تنظم الحياة أو تسحقها، ويمكن للدقة أن تصبح عمياء. هوسرل كتب في زمن صعود الفاشية، وانهيار أوروبا الروحي، وتحول العقل التقني إلى قوة تاريخية مخيفة. لذلك يحمل كتاب «الأزمة» نبرة إنقاذية: إنقاذ العقل من صورته المختزلة.

12. نقد هوسرل وحدوده:

رغم عمق تشخيص هوسرل، يمكن توجيه عدة اعتراضات إليه.

أولًا، مفهوم أوروبا عنده يحمل أثرًا مركزانيًا واضحًا؛ فهو يجعل العقل النظري الكوني مرتبطًا غالبًا باليونان وأوروبا. يمكن اليوم توسيع أطروحته عبر إدخال الفلسفات الإسلامية والهندية والصينية والبوذية في تاريخ العقل، كي لا يصبح مشروع الكونية محصورًا في ذاكرة حضارية واحدة.

ثانيًا، هوسرل ينتقد العلموية بدقة، لكنه أحيانًا يبدو شديد الثقة في قدرة الفينومينولوجيا على تأسيس معنى كلي. التجربة البشرية متعددة، وتاريخية، ولغوية، ومشحونة بالسلطة. من هنا جاءت اعتراضات لاحقة عند هايدغر، وميرلو-بونتي، وفوكو، ودريدا، ولاكان: الوعي لا يملك شفافية مطلقة تجاه نفسه، والمعنى يتشكل أيضًا عبر اللغة واللاوعي والسلطة والجسد الاجتماعي.

ثالثًا، عالم الحياة عند هوسرل قد يُقرأ أحيانًا بوصفه أصلًا بريئًا سابقًا على العلم، مع أن عالم الحياة نفسه مشبع بالتقاليد والأساطير والهيمنة والتحيزات واللامساواة. لذلك يلزم استكمال هوسرل بنقد اجتماعي: العودة إلى عالم الحياة لا تكفي؛ لأن عالم الحياة قد يكون مجالًا للمعنى ومجالًا للقمع في الوقت نفسه.

مع ذلك، تبقى قوة هوسرل في أنه كشف الجرح الأصلي للحداثة: أن العقل حين ينسى جذره المعيش يتحول إلى آلة دقيقة، وأن العلم حين يفقد صلته بالمعنى يصبح كفاءة بلا حكمة.

أزمة هوسرل هي أزمة العالم الحديث حين يربح السيطرة ويخسر التأويل. إنها أزمة علم يعرف كيف يقيس ولا يعرف دائمًا لماذا يقيس؛ وعقل يملك التقنية ويفقد مساءلة الغاية؛ وحضارة تتقدم في الأدوات وتتراجع في المعنى.

الحل عند هوسرل لا يقوم على رفض العلم، وإنما على إعادة العلم إلى أصله الفينومينولوجي: عالم الحياة، والجسد المعيش، والقصدية، والتاريخ، والغيرية، والذاتية الترانسندنتالية. فالعلم، مهما بلغ من دقة، يظل نشاطًا إنسانيًا متجذرًا في خبرة مشتركة. والموضوعية، مهما بدت مستقلة، تحتاج إلى أفق ذاتي–بينذاتي يمنحها المعنى والصلاحية.

من هنا تصبح الفينومينولوجيا عند هوسرل علاجًا للأزمة: لا لأنها تمنحنا نظرية جديدة بين النظريات، بل لأنها توقظ في العقل ذاكرته المنسية. إنها تعيد السؤال إلى ما قبل المعادلة، وتعيد العالم إلى ما قبل النموذج، وتعيد الإنسان إلى موضعه الأصلي: كائنًا لا يكتفي بأن يعرف العالم، بل يسأل عن معنى أن يكون في عالم.

***

عبد الله الهميلي

.......................

المراجع:

1. إدموند هوسرل، أزمة العلوم الأوروبية والفينومينولوجيا الترنسندنتالية، ترجمة إسماعيل المصدّق، بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2008.

2. إدموند هوسرل، تأملات ديكارتية أو المدخل إلى الفينومينولوجيا، ترجمة تيسير شيخ الأرض، بيروت: دار بيروت للطباعة والنشر، 1958.

3. إدموند هوسرل، أفكار ممهدة لعلم الظاهريات الخالص وللفلسفة الظاهرياتية، ترجمة أبو يعرب المرزوقي، بيروت: جداول للنشر والتوزيع، 2011.

4. إدموند هوسرل، مباحث منطقية، ترجمة موسى وهبة، ثلاثة أجزاء، أبوظبي: مشروع «كلمة»، 2010.

5. فتحي إنقزّو، هوسرل ومعاصروه: من فينومينولوجيا اللغة إلى تأويلية الفهم، بيروت والدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2006.

6. شون غالاغر ودان زهافي، العقل الظاهراتي: مقدمة لفلسفة العقل والعلوم المعرفية، ترجمة بدر الدين مصطفى، القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2019.

7. أنطوان خوري، مدخل إلى الفلسفة الظاهراتية، بيروت: دار التنوير، 1984.

8. موريس ميرلوبونتي، ظواهرية الإدراك، ترجمة فؤاد شاهين، بيروت: معهد الإنماء العربي، 1998. بيانات الطبعة

9. مارتن هايدغر، الكينونة والزمان، ترجمة فتحي المسكيني، مراجعة إسماعيل المصدّق، بيروت: دار الكتاب الجديد المتحدة، 2012.

10. محمد سبيلا، الحداثة وما بعد الحداثة، الدار البيضاء: دار توبقال للنشر، 2006.

في التحولات الإبستمولوجية للفلسفة المعاصرة

في زمن تسارعت فيه إيقاعات المعرفة وتشظت فيه الآفاق المعرفية إلى أطياف متباعدة وتناثرت فيه اليقينيات كزجاج تحطمته يد الشك، لم يعد من الممكن للعقل أن يوهم نفسه بأنه يمسك بجوامع الحقيقة في قبضة واحدة أو أنه يقف على أرض صلبة ترتكز عليها معارفه كلها دونما تصدع أو اهتزاز. فالحقيقة التي كانت في الفلسفة الكلاسيكية بمثابة النجم الثابت الذي تستدير حوله المدارات المعرفية كلها صارت في الفلسفة المعاصرة أشبه بمنظومة كونية متحركة لا مركز لها بل هي عوالم متعددة تتقاطع وتتباعد، لكل منها جاذبيتها الخاصة ولكل منها قوانينه التي تحكم حركة الأجرام المعرفية داخله. لقد كان العصر الحديث بامتداداته الديكارتية والكانطية قد كرس فكرة العقل الواحد الموحد الذي يملك قدرة فطرية على إنتاج المعرفة الصحيحة وفق قوانين كلية لا تتبدل بحيث أصبحت الحقيقة مرادفة للكلية والضرورة وأصبح السعي وراءها بمثابة السعي وراء نقطة أرخميدس التي يرفع بها الفكر العالم. لكن هذا التصور النقي الذي تغذيه المثالية الألمانية وتسنده علوم الطبيعة الناشئة لم يلبث أن تصدع على وقع نقد الفلسفة لنفسها ونقد العلم لأسسه ونقد اللغة لقدراتها حتى أضحى الحديث عن حقيقة واحدة وكأنه حلم جميل لكنه مستحيل التحقق أو أسطورة قديمة لا تليق بعقلٍ بات يعرف حدود نفسه ويعرف هشاشة أدواته.

وفي خضم هذه التحولات العنيفة تبرز أمامنا مهمة إبستمولوجية جديدة لا تقل صعوبة عن المهمات الكبرى التي واجهتها الفلسفة عبر تاريخها وهي مهمة التفكير في الحقيقة بعد أن تفككت وحدتها والبحث عن معنى للمعرفة بعد أن فقدت المعرفة ضماناتها الميتافيزيقية واستكشاف إمكانية التعدد دون الانزلاق إلى فوضى اللاأدرية أو الوقوع في شرك النسبية التي تسوي بين الغث والسمين. إن هذه المهمة تتطلب منا أن نعيد النظر في كل ما ورثناه من مفاهيم حول العقل والواقع واللغة وأن نجرؤ على طرح أسئلة جديدة كانت الفلسفة التقليدية تظن أنها قد أجابت عنها إجابة نهائية، هل يمكن أن تكون الحقيقة نسقا من الأنساق ونظاما بين أنظمة وكيف يمكن لنظامين مختلفين أن يتجادلا حول الصدق والخطأ إذا كان لكلٍّ منهما معاييره الخاصة؟ وهل من سبيل إلى التفاهم بين هذه الأنساق دون أن نضطر إلى اختزالها في نسق واحدٍ مهيمن؟ هذه الأسئلة وغيرها هي التي ستحاول هذه الأسطر مقاربتها سائرة في دروب الفلسفة المعاصرة حيثما تقودنا مستعينة بأقوال من أناروا الطريق من فلاسفة العلم والتأويل والتفكيك غير مدعية الوصول إلى حلول نهائية بل طامحة إلى رسم خارطة لرحلة العقل في زمن التعدد، رحلة لا تخلو من متاهات لكنها في عمقها رحلة اكتشاف لا رحلة ضياع.

تلك اللحظة التي يشرع فيها العقل في تأمل علاقته بالحقيقة لا يلبث أن يجد نفسه منقسما بين رغبة جامحة في الإمساك بجوهر ثابت وروعَة تكتنفه حين يتبين أن ما كان يظنه حقيقةً مطلقةً إنما هو بناءٌ لغويٌّ أو تشكيلٌ ثقافيّ أو أثرٌ تاريخيّ. الفلسفة المعاصرة في أعمق تحولاتها الإبستمولوجية لم تأت لتقرر انهيار مفهوم الحقيقة بل جاءت لتكشف عن أن الحقيقة لم تكن يوما وحدةً منسجمةً في ذاتها بل كانت دائما أثرا لتجليات متعددة وأن ما نسميه "وحدة الحقيقة" ليس سوى وهمٍ نشأ عن سطوة نموذج معرفي معين استطاع أن يفرض نفسه بوصفه النموذج الوحيد الممكن للعقلانية. ولعل أبلغ ما يعبر عن هذا التحول هو ذلك السؤال الذي يظل يتردد في نصوص الفلاسفة المحدثين، أليس في إمكاننا أن نفكر في حقائق متعددة لا بمعنى النسبية الفوضوية بل بمعنى تعدد الأنساق المعرفية التي تنتج كلٌّ منها حقيقتها ضمن شروطها الخاصة؟

إذا رجعنا إلى الجذور الأولى لهذا التحول نجد أنه سبق وأن كانط قد مهّد الطريق حين فصل بين العقل النظري والعقل العملي وجعل لكلٍّ منهما مبادئه وقوانينه التي لا تختزل في الأخرى. ففي حين كان العقل النظري يسعى إلى قوانين الطبيعة الكلية، كان العقل العملي ينفتح على مجال الحرية والأخلاق، وهنا تكمن البذرة الأولى لتعدد أنظمة الحقيقة إذ لم يعد العقل مطالبا بأن ينتج حقيقة واحدة موحدة بل أصبحت مهمته أن ينسق بين أنماط مختلفة من المعرفة، لكلٍّ منها منطقها الداخلي. لكن التحول الحقيقي لم يأت مع كانط وحده بل مع من جاءوا بعده ممن قرؤوه قراءة مختلفة وعلى رأسهم نيتشه الذي أعلن بجرأة أن "الحقيقة هي ذلك الجيش المتحرك من الاستعارات والمجازات والكنايات"، مقلبا بذلك كل التصورات التقليدية التي كانت تنظر إلى الحقيقة بوصفها مرآة تعكس الواقع كما هو.

وإذا كانت فلسفة نيتشه قد أطلقت العنان لتفكيك مفهوم الحقيقة الواحدة فإن فلسفة فتغنشتاين في مرحلتيها المختلفتين، قد قدّمت نموذجا آخر لهذا التعدد. ففي "رسالة المنطق-الفلسفية" كان لا يزال أسيرا لفكرة أن اللغة تعكس بنية الواقع وأن هناك حدودا للعالم تتطابق مع حدود اللغة، لكنه في "بحوث فلسفية" نقض كل ذلك حين تحدث عن "أشكال الحياة" وألعاب اللغة المتعددة، مؤكدا أن لكل لعبة لغوية قواعدها الخاصة وأنه ليس هناك ما يُدعى "جوهرا" مشتركا بين جميع الألعاب بل ثمة تشابهات عائلية تسمح لنا بأن نتحدث عن اللغة بوصفها ظاهرة إنسانية متعددة الأوجه. إن الحقيقة لم تعد شيئا واحدا يمكن أن يُختزل في صيغة نهائية بل أصبحت نتاجا لممارسات لغوية تختلف باختلاف السياقات والمواقف.

غير أن التحول الإبستمولوجي الأكثر حسما في الفلسفة المعاصرة يتمثل فيما يمكن أن نسميه "الانتقال من نظرية المعرفة إلى فلسفة العلم"، حيث أصبح العلم نفسه الذي كان يُعتبر النموذج الأسمى للمعرفة اليقينية موضعا للنقد والمراجعة. فهذا التحول الذي بدأ مع بوبر ونظريته حول قابلية التكذيب واستمر مع توماس كوهن وفيرابند قد كشف أن المعرفة العلمية ليست بناءً تراكميا متجانسا بل هي تاريخٌ من الثورات والانقطاعات، وأن ما يُعتبر حقيقة علمية في عصر ما قد يصبح مجرد أسطورة في عصر آخر. لقد أظهر كوهن في كتابه "بنية الثورات العلمية" أن العلم يتقدم عبر نماذج يفرض كلٌّ منها رؤيته الخاصة للعالم وأن الانتقال من نموذج إلى آخر ليس عملية عقلانية محضة بل يشبه التحول الجشطالتي، حيث يرى العالم بعيون جديدة. وإذا كان الأمر كذلك فليست هناك حقيقة علمية واحدة نهائية بل هناك أنساق متعاقبة من المعرفة كلٌّ منها ينتج حقائقه في ضوء افتراضاته الأساسية.

إن هذا التفكيك المستمر لمفهوم الحقيقة الواحدة لم يأت من فراغ بل كان ثمرةً لتراكمات نقدية متصلة بدأت مع هيوم الذي شكك في فكرة السببية كضرورة عقلية ثم مع كانط الذي أعاد تعريف العلاقة بين الذات والموضوع وبلغت ذروتها مع هوسرل وظاهرة الوعي حيث بيّن أن كل معرفة هي معرفة لذات مفارقة وأن العالم الذي نعرفه ليس عالما في ذاته بل عالما كما يظهر للوعي. لكن الظواهرية نفسها بمشروعها الرامي إلى الوصول إلى "الأشياء نفسها" كانت لا تزال أسيرة لحلم الوحدة، وهو الحلم الذي سيتفكك تماما مع هيدغر الذي أعلن أن الكينونة نفسها تتجلى في أزمنة ولغات متعددة وأن كل عصر تاريخي له فهمه الخاص للكينونة، والحقيقة عند هيدغر ليست صفةً من صفات القضايا بل هي حدثٌ يقع في التاريخ وهي انكشافٌ للكينونة في آنٍ معا وهذا الانكشاف ليس واحدا بل متعدد بحسب أفق كل عصر.

ولعل ما يعزز هذا التعدد الإبستمولوجي هو ذلك التوجه الذي يسميه البعض "ما بعد الحداثة"، والذي يجمع بين نقد العقلانية الغربية ونقد الميتافيزيقا التقليدية في الآن نفسه. لقد ذهب جيل دولوز وفليكس غتاري في مؤلفهما "ما الفلسفة؟" إلى أن الفلسفة ليست تأملاً في الحقيقة الواحدة بل هي إبداع لمفاهيم جديدة وكل مفهوم هو حقيقة في حد ذاته يتشكل ضمن سياقه التاريخي والمشكلاتي. وبذلك فإن الحقيقة الفلسفية ليست انعكاسا لواقع متعال بل هي بناءٌ مفهومي له فعاليته في تحويل الرؤى وإعادة تشكيل الأسئلة. أما ميشيل فوكو فقد مضى بعيدا في هذا الاتجاه حين كشف عن علاقة المعرفة بالسلطة مؤكدا أن كل نظام معرفي لا ينتج حقائق فحسب بل ينتج أيضا أشكالاً من السيطرة والإقصاء وأن ما يُعد حقيقة في مجتمع ما ليس سوى نتاج لتشكيلات خطابية تاريخية محددة. صحيح أن فوكو لم يكن نسبيا بالمعنى الساذج لكنه كان يرى أن الحقيقة ليست شيئا يُكتشف بل شيئا يُنتج عبر ممارسات خطابية ومؤسسية تخضع لتغيرات تاريخية مستمرة.

ويتبدى لنا أن التحول من وحدة الحقيقة إلى تعدد أنظمتها ليس مجرد تغير في المواقف الفلسفية بل هو تحول جذري في طريقة فهم العقل لذاته ولعلاقته بالعالم. العقل لم يعد تلك المحكمة الكلية التي تزن كل القضايا بميزان واحد بل أصبح مضطرا إلى الاعتراف بأن هناك عقولاً متعددة بل أن العقل الواحد نفسه ينقسم إلى أنماط متباينة من الممارسة المعرفية. فالعقل الرياضي يختلف عن العقل التأويلي والعلمي يختلف عن الأدبي والمنطقي يختلف عن الجمالي وكلٌّ منها ينتج حقيقته بما يتناسب مع أسئلته ومناهجه وغاياته. وإذا كان هذا الاعتراف بالتعدد قد خلق مشكلة جديدة وهي مشكلة التواصل بين هذه الأنساق المعرفية المختلفة، فإنه في الوقت نفسه حرّر الفلسفة من هيمنة نموذجٍ واحدٍ للحقيقة وفتح أمامها آفاقا جديدة لإعادة التفكير في العلاقة بين المعرفة والعالم، بين الذات والموضوع وبين اللغة والواقع.

لكن السؤال الذي يظل ماثلاً بكل ثقله هو إذا كانت الحقيقة متعددة فكيف يمكننا أن نميز بين المعرفة الصادقة والمغالطة، بين الحقيقة والوهم وبين الإنتاج المعرفي المشروع والسفسطة؟ هذا السؤال الذي يلح على الفلسفة المعاصرة بإلحاح لا يمكن الإجابة عليه بالعودة إلى معايير كلية أو أسس مطلقة بل يتطلب منا إعادة التفكير في مفهومنا للعقلانية ذاتها. فلعل العقلانية لم تعد تعني الخضوع لنموذج معرفي واحد بل تعني القدرة على التمييز بين الأنساق المختلفة وفهم شروط كلٍّ منها والقدرة على النقد والمراجعة في ضوء تلك الشروط. وهذا ما يجعل الموقف الإبستمولوجي المعاصر ليس موقفا هداما أو فوضويا بل موقفا نقديا يدرك أن التعدد ليس نقصا بل ثراءً وأن الحقيقة الواحدة التي كان العقل يبحث عنها قد تكون مجرد وهمٍ ناتج عن رغبة قديمة في التماسك والاطمئنان.

يمكننا في هذا السياق أن نفهم لماذا أصبحت فلسفة العلم وفلسفة اللغة والتأويل والتفكيك كلُّها تلتقي على أرضية نقد فكرة الحقيقة الواحدة. فبينما تسعى فلسفة العلم إلى تفكيك الأساطير التي تحيط بالمعرفة العلمية، تسعى فلسفة اللغة إلى كشف الأوهام التي تتعلق بقدرة اللغة على تمثيل الواقع ويذهب التأويل إلى أن كل فهم هو دمج لأفق المفسر في أفق النص وأن الحقيقة التأويلية ليست انطباقا على معنى واحد بل هي سلسلة من التأويلات المفتوحة. أما التفكيك بمعناه الدريدي فيكشف أن كل نص يحمل في طياته ما ينقض وحدته وأن المعنى لا ينضب في حضور واحد بل يتأجل في سلسلة من الإحالات التي لا تنتهي. والفلسفة المعاصرة في مجموع هذه التيارات لم تكن مجرد نقدٍ للحقيقة الواحدة بل كانت إعادة بناء لمفهوم الحقيقة نفسها بحيث أصبحت الحقيقة شيئا يحدث ويتجلى ويتعدد بدل أن تكون شيئا يُعرف ويُثبت ويُختزل.

لقد أصبح واضحا أن كل محاولة للإمساك بحقيقة نهائية خالدة كلية هي محاولة يعتورها القصور، وذلك لأن الحقيقة كما يراها هانس جورج غادامر هي شيء يتشكل في عملية الحوار والتفاهم، وهي دائما أفقية ترتبط بزمانية الفهم وشرطية التاريخ.

ومفهوم "التعدد" ليس مفهوما سلبيا أو نقصا عن الوحدة بل إيجابيا بامتياز، لأنه يعكس غنى الواقع وتنوع تجلياته ويعكس أيضا قدرة العقل البشري على التكيف مع سياقات متعددة دون أن يخسر هُويته. وحين ننظر إلى الفلسفة المعاصرة من هذه الزاوية نجد أنها لم تتخلَّ عن مشروع العقلانية بل أعادت تعريفه وجعلته أكثر تواضعا وأكثر انفتاحا على اختلاف الثقافات والأزمنة والألسن. والتحول الإبستمولوجي الذي نعيشه اليوم ليس قطيعة مع الماضي بل هو استمرار للنقد الذاتي الذي طالما ميز الفلسفة الغربية عن غيرها من الخطابات، وهو امتداد لذلك التساؤل السقراطي الذي لا يكل عن حدود المعرفة وإمكانياتها.

والسؤال الذي يطرح هنا هو إذا كنا قد تجاوزنا فكرة الحقيقة الواحدة إلى فكرة تعدد أنظمتها فهل يعني ذلك أن الحقيقة أصبحت مجرد مصطلح فارغ؟ كلا بل إن الحقيقة في منظور هذا التحول هي مفهوم لا يقل ثراءً وقوة لكنه تحرّر من الأسطورة التي كانت تريد له أن يكون واحدا. وإذا كان الفيلسوف المعاصر قد تخلّى عن حلم الحقيقة المطلقة فإنه لم يتخلَّ عن السعي نحو الفهم الأعمق بل إن تخليه عن هذا الحلم يجعله أكثر قدرة على الإنصات لاختلاف الأصوات وأكثر استعدادا للاعتراف بأن كل نظام معرفي يحمل في داخله قيمته وحقيقته النسبية وأكثر وعيا بأن الحقيقة ليست وجهةً نصل إليها بل هي طريقٌ نسلكه ونسلك فيه دون أن نبلغ نهايته.

ولقد حاول هيغل أن يحل هذه المعضلة من خلال فكرة الجدل الذي يتجاوز التناقضات في تركيب أعلى حيث تتحقق الحقيقة النهائية في نهاية المطاف كوحدة جدلية تنبثق من تضافر كل الاختلافات. لكن هذه الحل الهيغلي مهما كانت عبقريته يظل أسيرا لفكرة "النهاية" و"التمام" التي لا تليق بمناخ فلسفي معاصر يعتبر الانفتاح واللامحدودية من خصائص الفكر الحي. إن الفلسفة المعاصرة كما يراها إيمانويل ليفيناس قد تخلت عن طموح الكل والشمول، ليس لأنها عاجزة عنه بل لأنها تدرك أن كل كلية تحمل في طياتها عنفا ضد المختلف وأن أي محاولة لاختزال تعدد الحقائق في حقيقة واحدة هي محاولة إقصائية تمحو خصوصية الأنساق الأخرى وتفرض عليها منطقا لا ينتمي إليها، وتعدد أنظمة الحقيقة ليس فوضى معرفية بل هو اعتراف بأن الآخر سواء كان نظاما معرفيا أو ثقافة أو لغة يحمل في داخله حقيقة خاصة به تستحق أن تفهم بشروطها لا بشروطنا نحن.

وهذا يجرنا بالضرورة إلى دور اللغة بوصفها الوسيط الأساسي الذي تتحقق من خلاله الحقيقة أو بالأحرى الحقائق. فإذا كانت اللغة في تصور الفلاسفة المعاصرين ليست أداة شفافة تنقل المعاني وتصور الواقع بل هي نظام يفصل ويشكل ويسهم في تكوين ما نسميه حقيقة فإن تعدد اللغات ليس مجرد تعدد أصوات بل هو تعدد عوالم. لقد ذهب فلهلم فون هومبولت إلى القول بأن كل لغة تحمل في داخلها رؤية خاصة للعالم وأن الترجمة بين اللغات ليست نقلاً للمعاني بل هي إعادة خلق لها في أفق لغوي مختلف. وهذا الطرح يجد صدى عميقا في فلسفة العلوم المعاصرة حيث يرى العديد من فلاسفة العلم وعلى رأسهم بول فايرابند أن النظريات العلمية المختلفة تشبه اللغات المختلفة، كل منها ينظم العالم بطريقته الخاصة ولا يوجد ما يبرر القول بأن لغة علمية معينة يمكن أن تختزل كل اللغات الأخرى أو أنها تمثل "الواقع في ذاته" بينما الأخرى تمثل انحرافا عنه. إن ما يسمى بـ"التناسب في الترجمة" الذي تحدث عنه كواين أو "اللامقايسة" التي أشار إليها كوهن، كلها تشير إلى حقيقة واحدة، وهي أن المعرفة لا تنمو في خط مستقيم نحو حقيقة مطلقة بل هي تنمو في فروع متشعبة، كل فرع يتطور وفق قوانينه الداخلية وكل فرع ينتج حقائق لا يمكن قياسها بمعايير الآخرين.

إن الاعتراف بهذا التعدد الجذري لا يعني كما يتوهم البعض، الوقوع في هوة النسبية المطلقة التي تسوي بين المعرفة والعلم والخرافة. بل إن التعدد الذي نعنيه هو تعدد مرجعي بمعنى أن كل نظام معرفي يحمل معيار صدقه داخله وأن الحقيقة في كل نظام هي تحقيق لشرائطه الخاصة وليس خرقا لها. فالقضية العلمية صادقة إذا كانت متوافقة مع المنهج العلمي ومعطيات التجربة في سياق نموذج معين، والقضية الأخلاقية صادقة إذا كانت متوافقة مع مبادئ الفعل الخيري في سياق أخلاقي معين، والقضية الجمالية صادقة إذا كانت محققة لجمالية الفن في سياقها التذوقي. وليس من الحكمة أن نحاكم القضية الأخلاقية بمعايير العلم أو القضية الجمالية بمعايير المنطق فكل نظام يحمل مشروعيته في منهجه وليس في انطباقه على نظام آخر. وربما كان في هذا تحديدا ما يمكن أن نسميه "التعدد المسؤول" أي تعدد لا ينفي وجود معايير بل ينوعها ويوسع مجالها بحيث يصبح المثقف أو الفيلسوف قادرا على التنقل بين الأنساق دون أن يختزل أحدها في الآخر بل وهو قادر في الوقت نفسه على إقامة جسور من التفاهم بينها دون أن يطمس خصوصياتها.

لكن السؤال العميق الذي لا مفر منه هو إذا كان كل نظام معرفي مغلقا على منطقه الداخلي فكيف يمكن الفهم بين الأنظمة وكيف يمكن النقد وكيف يمكن التقدم المعرفي الذي لا يستغني عن الحوار بين التخصصات المختلفة؟ هنا نصل إلى المفارقة المركزية في التحول الإبستمولوجي المعاصر.

 إن تعدد الأنظمة لا يمنع التواصل بل يجعله أكثر ضرورة وأكثر إبداعا. فالتواصل لا يعني التطابق أو الانصهار بل يعني القدرة على فهم الآخر من موقعه دون التخلي عن موقع الغير، وهو ما يسميه غادامير "اندماج الآفاق"، بحيث يلتقي أفق القارئ بأفق النص دون أن يلغى أحدهما الآخر بل ينتجان معا معنى جديدا لم يكن موجودا في أفق أي منهما على انفراد.

إن الفلسفة المعاصرة لم تعد تبحث عن معايير متعالية أو أسس نهائية بل أصبحت تبحث عن "آليات الترجمة" بين الأنساق أو عن "مناطق التداخل" التي تسمح بالتفاهم المتبادل دون إلغاء الاختلاف. وهذا هو بالضبط ما يميز العقلانية الجديدة عن العقلانية الكلاسيكية، الأولى تعترف بالاختلاف وتعده مصدرا للإثراء بينما كانت الثانية تخشى الاختلاف وتحاول إخضاعه للوحدة.

إن هذه الرؤية الجديدة للعقلانية تجد تعبيراتها في فلسفة بول ريكور الذي ربط بين التأويل والأنطولوجيا مؤكدا أن فهم الذات لا يتم في عزلة بل من خلال الطريق الطويل للتأويل حيث نمر عبر الأعمال الثقافية والرموز والأنساق المختلفة لنصل إلى إعادة بناء الذات في ضوء هذه المصادر المتعددة، والذات نفسها في فلسفة ريكور ليست وحدة بسيطة بل هي وحدة متعددة تتشكل من خلال حوار داخلي بين الأصوات المختلفة، وهو حوار يعكس التعدد الإبستمولوجي في مستوى وجودي عميق. وهذا يقودنا إلى الاعتقاد بأن التعدد ليس مجرد سمة من سمات المعرفة بل هو سمة من سمات الوجود البشري نفسه، فالوجود البشري كما يراه ميرلوبو بونتي هو وجود جسدي في العالم، والجسد نفسه هو مركز وجهات نظر متعددة لا يختزل إلى زاوية واحدة ولا يستنفد في رؤية واحدة. والوعي في هذا المنظور ليس وعيا بمادة واحدة بل وعيا بالتشابك والتعقيد وبالحضور المتعدد للعالم في اللحظة الواحدة.

والانتقال من وحدة الحقيقة إلى تعدد أنظمتها ليس رحلة تخل عن الحقيقة بل هو رحلة نحو حقيقة أوسع وأعمق، حقيقة لا تتجلى في معادلة أو مبدأ بل في حوار الأنساق وفي توتر العلاقات بينها وفي القدرة الإنسانية على احتمال هذا التوتر والعيش معه دون أن نستسلم لليأس من المعرفة ودون أن نتمسك بأوهام اليقين البسيط. لقد أثبتت الفلسفة المعاصرة في منعرجاتها المختلفة أن العقل عندما يتخلى عن طموح الهيمنة والكلية يصبح أكثر قدرة على الإنصات وأكثر حكمة في حكمه وأكثر شفافية في اعترافه بحدوده. صحيح أننا فقدنا الأمان الذي كانت تمنحه الحقيقة الواحدة، ذلك الأمان الذي يشبه سكنى بيت محكم الأركان، لكننا ربحنا في المقابل فضاءً مفتوحا حيث يمكننا أن نتنقل بين أنساق المعرفة كمسافرين يكتشفون في كل أفق جديد وجها جديدا للوجود وحيث يمكننا أن نعيش كينونتنا في انفتاح دائم غير منغلقين على وهم الاستقرار النهائي.

وما يمكن أن نستشفه في هذه الأسطر هي أن مفهوم الحقيقة قد تحوّل من ماهية مستقرة إلى حدث متجدد ومن جوهر مكتشف إلى بناء متفاعل ومن ملكية خاصة لعقل مفارق إلى حقل مشترك بين الأنساق المختلفة. إن الحقيقة في سياقنا هذا لم تعد سؤالاً عن المطابقة بين القول والواقع بل صارت سؤالاً عن الفعل والأثر، عن كيفية تحول الأقوال إلى ممارسات وكيفية تشكل الواقع في ضوء الأسئلة التي نطرحها والأطر التي نبنيها. إن الفلسفة المعاصرة لا تقدم لنا يأسا معرفيا بل تقدم لنا تواضعا معرفيا ممزوجا بالجرأة، تواضعا يعترف بعدم امتلاك الحقيقة النهائية وجرأةً تدفعنا إلى مواصلة السؤال والبحث والإبداع في ظل هذا الاعتراف. ولعل أجمل ما في هذا التحول أنه أعاد للفلسفة دورها الأصلي، ذلك الدور الذي بدأ مع سقراط والذي لم يكن يوما دور المعلّم الذي يمتلك الحقيقة بل دور المحاور الذي يبحث عنها مع الآخرين مدركا أنه كلما اقترب منها ابتعدت لتظهر في أفق جديد داعية إياه إلى مواصلة الرحلة. والحقيقة في فلسفة اليوم تظل تلك النجوم البعيدة التي نرسم عليها مساراتنا لا لنصل إليها بل لتكون النور الذي يضيء دروب بحثنا الدائم ويدفعنا إلى احترام اختلاف الرؤى والانفتاح على كل ما هو جديد وغريب ومغاير، مؤمنين بأن غنى الوجود لا يمكن أن يحويه نظام واحد وأن جمال العقل يكمن في قدرته على العيش مع التعدد لا في هروبه إلى أوهام الوحدة.

***

د. حمزة مولخنيف

تتبع نشأة التحول

يفتتح المفكر والاقتصادي اليوناني يانيس فاروفاكيس قراءته النقدية للاقتصاد السياسي المعاصر بمفارقة مبنية على حوارية جيلية مع والده الراحل؛ إذ طرح عليه والده سؤالاً جوهرياً في بداية عهد الإنترنت حول ما إذا كانت شبكات الحاسوب ستقضي على النظام الرأسمالي أم ستعزز قبضته.

يقدم فاروفاكيس إجابة تفكيكية تجادل بأن الرأسمالية لم تعد تحتضر بفعل ثورة عمالية خارجية تقودها الطبقات الكادحة، بل ماتت بفعل آلية انتحار داخلي تسبب فيها رأس المال نفسه، وتحديداً من خلال طفرة بنيوية أنتجت نموذجاً اقتصادياً واجتماعياً جديداً يُطلق عليه "الإقطاع الرقمي". ولفهم هذا التحول البنيوي الخفي، يستدعي التحليل استعارة أينشتاين الشهيرة حول الجاذبية؛ حيث يرى أينشتاين أنه لفهم الجاذبية يجب الكف عن رؤية الفضاء كصندوق مادي والبدء في فهمه كنسيج متعرج رباعي الأبعاد. وبالمثل، يتعين علينا الكف عن رؤية الفضاء الرقمي كأداة تواصل مجردة، والبدء في فهمه كبنية مكانية واجتماعية قاهرة تعيد صياغة علاقات الإنتاج والسيطرة.

يرتبط صعود هذا النمط الجديد من رأس المال، والذي نطلق عليه "رأس المال السحابي"، بسياقات تاريخية وجيوسياسية محددة شكلت جسر العبور من الرأسمالية المتأخرة إلى الإقطاع المحدث. بدأت هذه الملامح التكوينية بالتشكل عقب قرار فصل الدولار عن الذهب عام 1971، وما تلاها من ظهور نموذج "الطاغوت المالي الكوني" حيث تحول وول ستريت إلى مركز لامتصاص الفوائض المالية العالمية لتمويل العجز الأمريكي.

مع ذلك، فإن المنعطف الحاسم تمثل في الأزمة المالية العالمية لعام 2008، وسياسات "التسهيل الكمي المفرط" (التوسع النقدي) التي ضخت عبرها البنوك المركزية الكبرى ما يقارب 35 تريليون دولار لإنقاذ النظام المصرفي المتهاوي، بينما فُرضت سياسات تقشفية قاسية على بقية المجتمع. أدى هذا إلى تراجع الاستثمارات المادية في الأصول الأرضية التقليدية، لتوجه الكتل النقدية الضخمة نحو بناء بنية تحتية رقمية احتكارية غير مسبوقة في قلاع التقنية الغربية.

يختلف رأس المال السحابي جوهرياً عن رأس المال الأرضي الصناعي في نقطتين حاسمتين:

أولاً: معايرة السلوك والسيطرة الفردية؛ فلم يعد رأس المال مجرد آلات لإنتاج السلع المادية، بل تحول إلى نسق خوارزمي آلي يتدخل في صياغة الرغبات وتوجيه الخيارات الإنسانية الفردية بصورة مستمرة.

ثانياً: الاستغناء عن العمل المأجور في عملية التراكم؛ فعلى عكس الآلات الصناعية الكلاسيكية التي تتطلب عمالاً يتقاضون أجوراً لتشغيلها، ينمو رأس المال السحابي ويتراكم عبر العمل المجاني التلقائي الذي يقدمه مليار من المستخدمين يومياً من خلال تفاعلهم مع هواتفهم وتطبيقاتهم، مساهمين بلا وعي في تغذية خوارزميات المالك الرقمي وتوسيع ثروته.

إن هذه العملية تعيد إحياء تحذير الشاعر الإغريقي هسيود بأن الحديد لا يقوي الأدوات والآلات فحسب، بل يغير الروح الإنسانية ذاتها؛ إذ يتحول المستخدم المعاصر بفعل رأس المال السحابي من عامل حر يبيع قوة عمله في السوق إلى "قنّ رقمي" تندمج حياته وهويته بالكامل في وسائل التحكم التي يستعملها.

التبعية الرقمية وهندسة الحروب في الشرق الأوسط

أدى هذا التحول من الربح الإنتاجي التقليدي إلى "الريع السحابي" (جني الأرباح من تأجير المنصات والمساحات الرقمية) إلى تحويل الرأسماليين التقليديين إلى تابعين خاضعين لإملاءات المنصات الكبرى لتصريف سلعهم. وتتزعم هذا المشهد صناديق إدارة الأصول الكونية الكبرى التي تركز القوة الاقتصادية في أيدي قلة تستخلص الريع دون إضافة قيمة حقيقية للاقتصاد المادي.

لكن هذا "السحاب الرقمي" ليس افتراضياً هلامياً، بل هو بنية فيزيائية مكثفة تتكون من شبكات الكابلات البحرية العابرة للمحيطات، ومراكز البيانات العملاقة التي تستهلك طاقات وموارد هائلة. ومن هنا ينبثق الرابط العضوي بحروب الشرق الأوسط عبر مستويين رئيسيين:

كممر فيزيائي للسحاب الكوني: تمثل منطقة الشرق الأوسط (وبخاصة البحر الأحمر، ومضيق باب المندب، وقناة السويس) العنق الجغرافي الحرج الذي تمر عبره كابلات الإنترنت البحرية التي تربط الغرب بالشرق. لذا، فإن الحروب والاضطرابات العسكرية في هذه المنطقة هي صراع غير معلن لتأمين أو تهديد خطوط تدفق البيانات الحيوية لرأس المال السحابي.

حقول تجارب للتحكم العسكري الخوارزمي: تحولت ساحات الحروب في الشرق الأوسط إلى "مختبرات حية" للشركات الاحتكارية الكبرى لتجريب خوارزميات القتل الممنهج، وأنظمة الرقابة الحيوية، والطائرات المسيرة المدارة بالذكاء الاصطناعي. حيث يعاد إنتاج الإنسان في هذه الحروب كـ "بيانات مستهدفة" تُحلل وتُعالج لتطوير دقة الآلات الغربية والشرقية على حد سواء، مما يجعل المنطقة حقل الاختبار الأول لـ "الاستعمار الرقمي العسكري".

من الانضباط إلى التحكم: بديل فلسفي معاصر

يقدم الفيلسوف الفرنسي جيل ديلوز في أطروحته التنبؤية حول "مجتمعات التحكم" بديلاً فلسفياً عميقاً لتفسير هذه التحولات دون الحاجة للاستعانة باستعارات عصر الإقطاع القديم. يرى ديلوز أن مجتمعات الانضباط التقليدية القائمة على الاحتجاز والتأديب داخل أسوار مغلقة (المصنع، المدرسة، السجن) قد تآكلت بنيوياً لتفسح المجال لآليات مراقبة وتحكم مرنة تعمل عبر "التعديل المستمر" والمفتوح.

لم يعد الفرد فاعلاً يتم تدجينه داخل أسوار المصنع، بل تحول إلى "فرد مجزأ" يجري تفتيته إلى حزم بيانات وشفرات رقمية تتداولها الشبكات. إن قوة السيطرة هنا لا تتأسس على المنع والحظر الفيزيائي، بل على التحفيز الإيجابي وتوظيف آليات "التوجيه الناعم" التي تجعل المستخدم شريكاً متطوعاً في عملية استغلاله الخاصة، مدفوعاً برغبة الاستهلاك وتحصيل الاعتراف الرمزي عبر الفضاء الافتراضي.

انزياح اليسار الغربي والوقوع في شرك الليبرالية الحديثة

تتوازى هذه التحولات مع إعادة تشكيل الخارطة السياسية العالمية؛ حيث شهد اليسار التقليدي انزياحاً دراماتيكياً نحو تبني أطروحات اليمين الاقتصادي تحت عباءة ما يمكن تسميته "الليبرالية الحديثة المتسترة بالتقدمية". تشير القراءات النقدية إلى أن هذه الليبرالية الحديثة لم تفرض هيمنتها بالاقتصاد الصرف والترهيب، بل من خلال "الهيمنة بالرضا". وتأسس هذا عبر تحالف تاريخي نشأ في أواخر القرن العشرين بين تيارين متباينين:

النخب التكنوقراطية المدافعة عن عولمة الشركات، والحركات الاجتماعية الهوياتية

في ظل هذا التحالف، منحت القوى التقدمية "شرعية أخلاقية وكاريزما تحررية" لسياسات الخصخصة وتدمير الصناعات الوطنية. وجرى تفريغ مشاريع التحرر الإنساني من مضمونها المادي والطبقي، واستبدالها برؤية فردانية متمحورة حول "الجدارة الشخصية" والتنوع التجميلي داخل هياكل السلطة. وبدلاً من السعي لإعادة توزيع الثروات، أصبح أفق التحرر ينحصر في تمكين نخبة صغيرة للوصول إلى مناصب قيادية في شركات التقنية والتمويل.

صعود أيديولوجيا "الساحل الغربي"

يرتبط هذا الانزياح الفكري بظهور أيديولوجيا تقنية منطلقة من الساحل الغربي الأمريكي (وادي السيليكون)، نجحت في دمج النزعة التحررية المناهضة للسلطة التي ميزت حركات الشباب الفوضوية في الستينيات مع اليمين الاقتصادي المتطرف الحامي للسوق الحرة. روجت هذه الأيديولوجيا لوهم ديمقراطية التكنولوجيا والحرية الفردية، بينما كانت تعمل كغطاء لتثبيت أصول الاحتكارات الرقمية وتسهيل استيلاء رأس المال على الحيز العام.

ونتيجة لتخلي اليسار عن قضية الحماية الاجتماعية للطبقة العاملة والشرائح الفقيرة، تفاقم إحساس هذه الفئات بالاغتراب والمهانة الاجتماعية؛ إذ واجهت هذه الطبقات تهميشاً اقتصادياً مزدوجاً بالتقريع الأخلاقي من قبل النخب الأكاديمية والليبرالية التي وصمتها بالتخلف الثقافي. وقد مهد هذا الشرخ الطريق لصعود تيارات "الشعبوية الحمائية" واليمين المتطرف، التي وجهت السخط العمالي نحو جداول أعمال قومية إقصائية تعادي المهاجرين وتطالب ببناء جدران فيزيائية لمواجهة التدفقات السحابية الكونية العابرة للحدود.

الشمولية الرقمية الوطنية: النموذج الشرقي البديل

إذا كان النموذج الغربي يمثل زواج الليبرالية الحديثة بالمنصات الاحتكارية التي تتجاوز سلطة الدولة وتضعف السيادة القانونية، فإن الطرف الآخر من المشهد الكوني يتجلى في تحول الأنظمة الاشتراكية السابقة نحو نموذج "الشمولية الرقمية الوطنية ورأسمالية الدولة فائقة التحكم".

وعلى النقيض من ذلك، تم تطوير نموذج في المعسكر الشرقي يستهدف الضبط الاجتماعي الأحادي والتوجيه العمودي تحت مسمى "الحوكمة الاجتماعية الرقمية". في هذا الإطار، لا تستخدم البيانات الضخمة لتلبية احتياجات الفرد، بل لتوجيه سلوك الأفراد والمجتمع بأكمله لضمان الاستقرار السياسي المطلق واستمرار هيمنة الحزب الواحد، دامجةً البنية الرقمية ومزودي الخدمات في جهاز رقابة موحد تشرف عليه أعلى سلطة قيادية في الدولة.

أدوات الإقصاء والضبط الاستبدادي الرقمي

يشتغل هذا النظام الاستبدادي المحدث عبر تحويل التكنولوجيا الرقمية من أداة تواصل اختيارية إلى "طوق إلكتروني" إجباري للعيش، مفعلاً آليات ضبط متعددة المستويات كالتالي:

رصد كافة التفاعلات المالية والنشاط الرقمي للمواطن لتوليد تقييم رقمي يحدد حقوقه الأساسية كالسفر، أو الاقتراض، أو تعليم أبنائه.

نشر ملايين الكاميرات المرتبطة بخوارزميات التعرف اللحظي على الوجوه لتتبع الحركة الفيزيائية للأفراد وإحباط أي احتجاجات.

إجبار المنصات المحلية على ممارسة رقابة استباقية صارمة للمحتوى السياسي عبر توظيف جيوش من المراقبين الفعليين والآليين لحذف المحتوى المخالف.

توظيف المنصات والذكاء الاصطناعي بنشاط لتأجيج المشاعر القومية المتطرفة والخطابات المعادية لحقوق الأقليات، لخلق التفاف شعبي حول الدولة القومية القوية.

آفاق وصياغة البدائل المشتركة

تُظهر هذه القراءة التفكيكية أن المجتمعات المعاصرة تعيش فترة انتقالية حرجة يصدق عليها قول المفكر غرامشي: "إن القديم يموت والجديد لا يمكنه أن يولد بعد"، وهي البيئة الخصبة لظهور وحشية تقنية ونزعات استبدادية قومية معاصرة.

إن تشخيص هيمنة الريع السحابي وتآكل العمل المأجور يلمس تحولات حقيقية في طبيعة الاقتصاد العالمي، ولكنه قد يقع في فخ الاختزال؛ فالأدق هو فهم هذه التحولات باعتبارها أقصى تجليات "الرأسمالية المعرفية المعولمة" والتراكم الكلي لفائض القيمة السلوكية.

يتطلب الخروج من هذا المأزق التاريخي الثنائي إعادة تأسيس جبهة سياسية واجتماعية نقدية تركز على تحرير البنية التحتية والمادية للاقتصاد الرقمي. إن مواجهة غول التحكم الرقمي تقتضي تجريد التقنية من صفتها الاستبدادية الأدواتية وإعادتها كأداة لتحرير الإمكانيات الإنسانية والعيش المشترك. وبغير هذا التحول البنيوي العميق، ستبقى البشرية أسيرة لجاذبية نسيج إقطاعي رقمي يعيد تشكيل روح الإنسان ويسلبه حريته بذريعة الرفاهية والتحسين اللامتناهي للوجود الافتراضي.

***

غالب المسعودي

.......................

الإحالات

فاروفاكيس، يانيس (2023). الإقطاع التقني: ما الذي قتل الرأسمالية (Technofeudalism: What Killed Capitalism). لندن: دار بينغوين. (تتبع لنشوء مفهوم "رأس المال السحابي" وأثره في القضاء على العمل المأجور التقليدي وتحويل المستخدمين إلى أقنان رقميين)

هسيود (قرن 8 ق.م). الأعمال والأيام (Works and Days). (تحليل أثر الأدوات والمخترعات الحديدية على تبدل الروح الإنسانية وسلوك الكائنات البشرية)

ديلوز، جيل (1992). "ملحق حول مجتمعات التحكم" (Postscript on the Societies of Control). مجلة أكتوبر (October)، المجلد 59، ص 3-7. (الورقة الفلسفية التأسيسية لتجاوز فكرة مجتمعات الانضباط المغلقة نحو مجتمعات التعديل المستمر والمراقبة الخوارزمية المفتوحة)

غرامشي، أنطونيو (1971). كراسات السجن (Selections from the Prison Notebooks). نيويورك: دار النشر العالمية. (صاحب المقولة الفلسفية الشهيرة حول الفترات الانتقالية الحرجة وموت الأنظمة القديمة وعجز الأنظمة الجديدة عن الولادة بعد).

"إِنَّ مَوْتَ الْفَلْسَفَةِ يَكْمُنُ فِي تَخَلِّيها عَنْ وَظِيفَتِها النَّقْدِيَّةِ الْمُتَمَثِّلَةِ فِي تَحْرِيرِ الْوَعْيِ مِنَ الْأَوْهَامِ، وَرَفْضِ الْأَوْضَاعِ السَّائِدَةِ وَالِانْعِتَاقِ مِنْها. إِنَّ مُهِمَّةَ الْفَلْسَفَةِ هِيَ صَوْنُ الْحَقِيقَةِ مِنَ الضَّيَاعِ، وَتَمْجِيدُ الْعَقْلِ، وَالِاحْتِفَاءُ بِدَوْرِهِ، وَإِعْلَاءُ مَكَانَتِهِ بِوَصْفِهِ الْوَسِيلَةَ الَّتِي تَكْشِفُ زَيْفَ الْوَاقِعِ وَأَوْهَامَهُ الْمُضَادَّةَ لِلْإِنْسَانِ وَالْإِنْسَانِيَّةِ". هِرْبَرْت مَارْكُوز [1]

مُنْذُ عَصْرِ التَّنْوِيرِ، أَصْبَحَ النَّقْدُ (Criticism) جُزْءًا أَسَاسِيًّا في بنية الْفَلْسَفَةِ وحركتها المعرفية . وَلَمْ يَكُنِ النَّقْدُ نَشَاطًا مُنْفَصِلًا، بَلْ كَانَ جُزْءًا مِنَ التَّفْكِيرِ الْعَقْلَانِيِّ نَفْسِهِ. وَكَانَ كَانْطُ، فَيْلَسُوفُ النَّقْدِ، يَرَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْعَقْلِ أَنْ يَنْتَقِدَ نَفْسَهُ، وَأَنْ يَتَحَرَّى حُدُودَهُ، وَيَتَلَمَّسَ أَبْعَادَ وُجُودِهِ، وَمِنْ ثَمَّ أَنْ يَتَحَرَّرَ مِنَ الطَّاعَةِ الْعَمْيَاءِ لِلسُّلْطَةِ، وَهَذَا النَّقْدُ هُوَ الطَّاقَةُ الَّتِي تُشَكِّلُ جَوْهَرَ مَشْرُوعِهِ الْفَلْسَفِيِّ فِي كِتَابِه الشهير  "نَقْدِ الْعَقْلِ الْمَحْضِ" (Critique of Pure Reason).  فَالنَّقْدُ عِنْدَ كَانْطَ لَيْسَ مُجَرَّدَ اعْتِرَاضٍ، بَلْ قُدْرَةُ الْعَقْلِ عَلَى فَحْصِ نَفْسِهِ، كَيْ لَا يَتَحَوَّلَ الْعَقْلُ نَفْسُهُ إِلَى أَدَاةٍ لِلْهَيْمَنَةِ، أَوْ إِلَى عَقْلٍ سَلِيطٍ سَطْحِيٍّ أَصَابَهُ الْعَمَاءُ والجمود .

وعلى خطى كانط عَرَّفَ مَارْكْسُ الْفَلْسَفَةَ بِرُمَّتِها بِأَنَّها نَقْدٌ لَا يَرْحَمُ لِكُلِّ الْبُنَى الِاجْتِمَاعِيَّةِ الظَّالِمَةِ، وَهُوَ نَقْدٌ لَا يُخَافُ مِنْ نَتَائِجِهِ، وَلَا يَخْشَى الصِّدَامَ مَعَ السُّلْطَةِ. وَفِي سِيَاقٍ آخَرَ، وَصَفَ الْفَلْسَفَةَ بِأَنَّها النَّقْدُ الْعِلْمِيُّ لِلِاقْتِصَادِ السِّيَاسِيِّ. وَعَلَى هَذَا الْأَسَاسِ، يُمْكِنُ الْقَوْلُ إِنَّ مَارْكْسَ يَقِفُ دَاخِلَ تَقْلِيدِ التَّنْوِيرِ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَخْدِمُ الْعَقْلَ وَالنَّقْدَ، لَكِنَّهُ يَتَجَاوَزُهُ فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ عِنْدَما يُطَبِّقُ النَّقْدَ عَلَى التَّنْوِيرِ نَفْسِهِ. فَهُوَ يَرَى أَنَّ الْبُرْجُوَازِيَّةَ وَالْمُؤَسَّسَاتِ السِّيَاسِيَّةَ الدِّيمُقْرَاطِيَّةَ الْحَدِيثَةَ تَقُومَانِ عَلَى افْتِرَاضَاتٍ اقْتِصَادِيَّةٍ تُنَاقِضُ ادِّعَاءَهُما بِالتَّحَرُّرِ الشَّامِلِ. فَالِاسْتِغْلَالُ يَتَمَرْكَزُ فِي صُلْبِ الْمُجْتَمَعِ الْبُرْجُوَازِيِّ، وَيُشَكِّلُ جُزْءًا أَصِيلًا فِي بِنْيَةِ الرَّأْسِمَالِيَّةِ؛ لِأَنَّ الْعُمَّالَ يُشَكِّلُونَ التَّكْوِينَ الْأَعْظَمَ مِنْ تَشْكِيلَةِ الْمُجْتَمَعِ الْإِنْسَانِيِّ، وَمَعَ ذَلِكَ فَإِنَّ الرَّأْسِمَالِيَّةَ تَسْتَبْعِدُهُمْ؛ فَهُمْ، مِنَ الْوِجْهَةِ الْحُقُوقِيَّةِ، أَحْرَارٌ قَانُونِيًّا، لَكِنَّهُمْ لَا يَمْلِكُونَ إِلَّا قُوَّةَ عَمَلِهِمْ، وَيُضْطَرُّونَ لِبَيْعِها فِي السُّوقِ، فِي الْوَقْتِ الَّذِي يَسْتَوْلِي فِيهِ الْمُلَّاكُ عَلَى الْفَائِضِ الَّذِي يُنْتِجُونَهُ قَهْرًا وَتَسَلُّطًا وَكَبْتًا.

وَفِي هَذَا السِّيَاقِ، يَرَى كَانْطُ (Immanuel Kant) أَنَّ النَّقْدَ لَيْسَ مُجَرَّدَ مَقُولَةٍ فَلْسَفِيَّةٍ مَحْضَةٍ فَحَسْبُ، بَلْ هُوَ فَعَّالِيَّةٌ مَعْرِفِيَّةٌ تُمَارِسُ تَأْثِيرَها فِي الْحَيَاةِ الْفِكْرِيَّةِ وَالِاجْتِمَاعِيَّةِ بِقُوَّةٍ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ. فَالنَّقْدُ يُمَارِسُ دَوْرَهُ فِي الْحَيَاةِ الْعَامَّةِ؛ إِذْ يُؤَدِّي دَوْرًا فِي تَعْلِيمِ أَفْرَادِ الْمُجْتَمَعِ، وَصَقْلِ وَعْيِهِمْ، وَتَثْقِيفِهِمْ، كَما أَنَّهُ يُحَوِّلُ الْمُجْتَمَعَ إِلَى كَيَانٍ فَاعِلٍ وَاعٍ لِذَاتِهِ وَبِذَاتِهِ، وَيَجْعَلُ النَّاسَ قَادِرِينَ عَلَى تَقْرِيرِ مَصِيرِهِمْ بِأَنْفُسِهِمْ. وَعَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ، يَرَى كَانْطُ أَنَّهُ، مِنْ أَجْلِ تَحْقِيقِ مَشْرُوعِ التَّنْوِيرِ - أَيْ إِخْرَاجِ الْإِنْسَانِ مِنْ "قُصُورِهِ الَّذِي اقْتَرَفَهُ بِنَفْسِهِ" – إذ  لَا بُدَّ مِنْ حُرِّيَّةِ الِاسْتِخْدَامِ الْعَلَنِيِّ لِلْعَقْلِ، وَإِمْكَانِيَّةِ التَّعْبِيرِ النَّقْدِيِّ فِي كُلِّ الْمَجَالَاتِ؛ وَمِثْلُ هَذِهِ الْحُرِّيَّاتِ لَا تُعْطَى تِلْقَائِيًّا، بَلْ يَتِمُّ تحقيقها بِالنِّضَالِ الْفِكْرِيِّ وَالِاجْتِمَاعِيِّ، وَيُضَافُ إِلَى ذَلِكَ أَنَّهُ يَجِبُ الدِّفَاعُ عَنْها.وَبِاخْتِصَارٍ، فَإِنَّ النَّقْدَ عِنْدَ كَانْطَ هُوَ اسْتِخْدَامُ الْعَقْلِ عَلَنًا لِتَحْرِيرِ الْإِنْسَانِ. وَهُوَ عِنْدَ مَارْكْسَ تَحْلِيلٌ جَذْرِيٌّ يَكْشِفُ التَّنَاقُضَاتِ الِاقْتِصَادِيَّةَ الَّتِي تُقَوِّضُ ادِّعَاءَ الْمُجْتَمَعِ الْبُرْجُوَازِيِّ بِالْحُرِّيَّةِ. وَعَلَى هَذَا النَّحْوِ، يُمْكِنُ الْقَوْلُ إِنَّ النَّقْدَ لَيْسَ مُجَرَّدَ اعْتِرَاضٍ، وَلَيْسَ مُجَرَّدَ هَدْمٍ، بَلْ هُوَ عَمَلِيَّةٌ عَقْلِيَّةٌ وَأَخْلَاقِيَّةٌ تَهْدِفُ إِلَى تَحْرِيرِ الْإِنْسَانِ، لَكِنَّهُ يَكْشِفُ أَنَّ الْحُرِّيَّةَ الْمُعْلَنَةَ قَدْ تُخْفِي عَلَاقَاتِ هَيْمَنَةٍ عَمِيقَةً.

فِي عَامِ 1969، كَتَبَ أَدُورْنُو مَقَالًا فِي الْأُسْبُوعِيَّةِ "دِي تْسَايْت" (Die Zeit) بِعُنْوَانِ "النَّظَرِيَّةِ النَّقْدِيَّةِ" (Kritische Theorie) ([2])  يَشْرَحُ فِيهِ مَعْنَى "النَّظَرِيَّةِ النَّقْدِيَّةِ" وَدَوْرَها فِي الْفَلْسَفَةِ وَفِي الْحَيَاةِ الْعَامَّةِ. كَانَ يُرِيدُ مِنْ خِلَالِها أَنْ يُدَافِعَ عَنِ النَّقْدِ الْحَقِيقِيِّ ضِدَّ نَوْعَيْنِ مِنَ التَّشْوِيهِ: يَتَمَثَّلُ الْأَوَّلُ فِي قَمْعِ النَّقْدِ (مَنْعِ التَّفْكِيرِ النَّقْدِيِّ أَوْ مُهَاجَمَتِهِ)، وَيَتَمَثَّلُ الْآخَرُ فِي اسْتِعْمَالِ النَّقْدِ بِشَكْلٍ وَظِيفِيٍّ أَيْدِيُولُوجِيٍّ لِخِدْمَةِ أَهْدَافٍ سِيَاسِيَّةٍ جَاهِزَةٍ. وَقَدْ شَكَّلَتْ هَذِهِ النُّقْطَةُ مَثَارَ انْتِقَادٍ شَدِيدٍ مِنْ قِبَلِ الْمُفَكِّرِينَ الَّذِينَ اسْتَغْرَبُوا دَعْوَتَهُ إِلَى عَدَمِ الِانْخِرَاطِ النَّقْدِيِّ فِي الْعَمَلِ السِّيَاسِيِّ مُبَاشَرَةً. وَمِنْ جَانِبِهِ، فَسَّرَ أَدُورْنُو هَذَا الْمَوْقِفَ بِأَنَّهُ يَعْكِسُ تَقْلِيدًا أَلْمَانِيًّا قَدِيمًا يَطْلُبُ مِنَ النَّاقِدِ أَنْ يَكُونَ "إِيجَابِيًّا" دَائِمًا، أَيْ أَنْ يُقَدِّمَ حُلُولًا جَاهِزَةً.

لَكِنَّ أَدُورْنُو، وَعَلَى خِلَافِ ذَلِكَ، كَانَ يَرَى أَنَّ وَظِيفَةَ النَّقْدِ لَا تَتَمَثَّلُ فِي تَقْدِيمِ وَصَفَاتٍ سِيَاسِيَّةٍ وَأَيْدِيُولُوجِيَّةٍ مَصْقُولَةٍ جَاهِزَةٍ، بَلْ كَانَ يَنْظُرُ إِلَيْهِ بِوَصْفِهِ قُوَّةً فَاعِلَةً تَعْمَلُ عَلَى كَشْفِ التَّنَاقُضَاتِ وَالْمُفَارَقَاتِ وَالْمُشْكِلَاتِ الْكَامِنَةِ فِي صُلْبِ الْمُجْتَمَعِ. وَقَدْ وَجَدَ نَفْسَهُ فِي مُوَاجَهَةِ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ النَّقْدَ الصَّحِيحَ هُوَ فَقَطْ "النَّقْدُ الْبَنَّاءُ" الَّذِي يَقْتَرِحُ بَدَائِلَ عَمَلِيَّةً، وَأَنَّ النَّقْدَ الَّذِي يَكْتَفِي بِكَشْفِ الْخَطَإِ لَيْسَ نَقْدًا حَقِيقِيًّا، بَلْ هُوَ نَقْدٌ سَلْبِيٌّ. وَمِنَ الطَّبِيعِيِّ أَنْ يُعَارِضَ أَدُورْنُو هَذَا الْفَهْمَ، وَيَعْتَرِضَ عَلَى هَذِهِ الرُّؤْيَةِ؛ لِأَنَّ النَّقْدَ فِي جَوْهَرِهِ هُوَ فِعْلُ نَفْيٍ تَتَمَثَّلُ مُهِمَّتُهُ فِي الْكَشْفِ، وَالْوَعْيِ، وَاسْتِجْلَاءِ الْحَقِيقَةِ، وَرَفْضِ الْوَاقِعِ الْمُهِينِ قَبْلَ أَيِّ إِصْلَاحٍ. وَعَلَى هَذِهِ الْحَالِ، لَيْسَ مِنَ الضَّرُورِيِّ أَنْ يَكُونَ النَّاقِدُ هُوَ مَنْ يَمْلِكُ الْحَلَّ، وَفْقًا لِمَقُولَةِ هِيغِلَ الْمَشْهُورَةِ: "إِنَّهُ لَيْسَ عَلَيْكَ أَنْ تَكُونَ إِسْكَافِيًّا لِتَعْرِفَ أَنَّ الْحِذَاءَ لَا يُنَاسِبُكَ". وَفِي هَذَا السِّيَاقِ، يُحَذِّرُ أَدُورْنُو مِنْ أَنْ يَتَحَوَّلَ النَّقْدُ إِلَى مُمارَسَةٍ سَطْحِيَّةٍ إِذَا تَخَلَّى عَنْ أُسُسِهِ الْأَخْلَاقِيَّةِ وَالْمِعْيَارِيَّةِ، وَهَذَا يَعْنِي أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى النَّاقِدِ أَنْ يَعْرِفَ لِمَاذَا يَنْتَقِدُ، وَكَيْفَ، وَمَا أُصُولُ النَّقْدِ وَمَبَادِئُهُ، لَا أَنْ يَكْتَفِيَ بِالرَّفْضِ لِمُجَرَّدِ النَّقْدِ وَالرَّفْضِ.

وَغَالِبًا مَا يَرْتَبِطُ مَفْهُومُ النَّقْدِ بِمَفْهُومِ الْأَزْمَةِ؛ لِأَنَّ النَّقْدَ غَالِبًا يَظْهَرُ فِي مَوَاسِمِ الْأَزَمَاتِ، أَيْ عِنْدَمَا يُصْبِحُ الْوَضْعُ حَرِجًا وَمَأْزُومًا وَمُهَدَّدًا وَغَيْرَ مَقْبُولٍ. وَعَلَى هَذِهِ الْحَالِ، فَإِنَّ النَّقْدَ يَنْفِي الْوَاقِعَ الْقَائِمَ، لَكِنَّ هَدَفَهُ النِّهَائِيَّ لَيْسَ النَّفْيَ الْمُجَرَّدَ، بَلِ الْوُصُولُ إِلَى وَضْعٍ أَفْضَلَ، حَتَّى لَوْ لَمْ يَكُنْ هَذَا الْوَضْعُ وَاضِحًا بَعْدُ.

وَبِاخْتِصَارٍ، فَإِنَّ النَّظَرِيَّةَ النَّقْدِيَّةَ عِنْدَ أَدُورْنُو تَعْنِي رَفْضَ الْوَاقِعِ كَمَا هُوَ بِتَنَاقُضَاتِهِ وَظَلَامِيَّتِهِ، وَكَشْفَ التَّنَاقُضَاتِ الْكَامِنَةِ فِي أَعْمَاقِهِ، وَتَحَرِّيَ طَبِيعَةِ الْهَيْمَنَةِ الْقَائِمَةِ فِيهِ، وهو إذ ذاك يرى أنه يَجِبُ عَلَى النَّقْدِ أَنْ يَقُومَ بِرَصْدِ الظَّوَاهِرِ الْفِكْرِيَّةِ وَالْوُجُودِيَّةِ الْقَائِمَةِ فِي صُلْبِ الْحَيَاةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ. وَقَدْ رَفَضَ بِقُوَّةٍ، كَمَا أَسْلَفْنَا، الْفِكْرَةَ الَّتِي تَحُثُّ النَّاقِدَ وَالْمُثَقَّفَ النَّقْدِيَّ عَلَى تَقْدِيمِ حُلُولٍ جَاهِزَةٍ لِمُشْكِلَاتِ الْمُجْتَمَعِ وَتَحَدِّيَاتِهِ الْمُعَقَّدَةِ، وَهَذَا يَعْنِي أَنَّ النَّقْدَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ سَلْبِيًّا بِطَبِيعَتِهِ، مَعَ أَنَّهُ يَهْدِفُ فِي النِّهَايَةِ إِلَى تَحَرُّرِ الْإِنْسَانِ.

وَمِنْ هَذَا الْمُنْطَلَقِ، يَرَى أَدُورْنُو أَنَّ النَّقْدَ عُنْصُرٌ جَوْهَرِيٌّ فِي كُلِّ دِيمُقْرَاطِيَّةٍ، بَلْ إِنَّ الدِّيمُقْرَاطِيَّةَ لَا تَكَادُ تُعَرَّفُ إِلَّا بِهِ وَمِنْ خِلَالِهِ. وَيَرَى، فِي هَذَا السِّيَاقِ، أَنَّ فِكْرَةَ فَصْلِ السُّلُطَاتِ - مِنْ لُوكَ إِلَى مُونْتِسْكْيُو وَالدُّسْتُورِ الْأَمِيرِكِيِّ - تَقُومُ فِي أَسَاسِهَا عَلَى عَمَلِيَّةِ نَقْدٍ مُتَبَادَلٍ تَمْنَعُ احْتِكَارَ السُّلْطَةِ.

وَقَدْ تَبَيَّنَ بِوُضُوحٍ أَنَّ النَّقْدَ فِي عَصْرِ التَّنْوِيرِ سَلْبِيٌّ؛ لِأَنَّهُ يَنْفِي الْوَاقِعَ الْقَائِمَ، وَهُوَ فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ إِيجَابِيٌّ؛ لِأَنَّهُ يُمَهِّدُ الطَّرِيقَ لِبِنَاءِ مُجْتَمَعٍ أَفْضَلَ، وَذَلِكَ لِأَنَّ النَّقْدَ يَهْدِمُ الزَّائِفَ وَالسَّطْحِيَّ وَالْوَهْمِيَّ، وَيُؤَسِّسُ لِمَا هُوَ حَقِيقِيٌّ وَعَادِلٌ. وَقَدْ أَشَارَ مَارْكْسُ، فِي هَذَا السِّيَاقِ، إِلَى أَنَّ النَّقْدَ لَيْسَ شَغَفًا لِلْعَقْلِ، بَلْ هُوَ عَقْلُ الشَّغَفِ. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هُنَاكَ عُنْصُرَيْنِ أَسَاسِيَّيْنِ فِي عَمَلِيَّةِ النَّقْدِ؛ إِذْ يَنْطَوِي عَلَى صِرَاعٍ عَاطِفِيٍّ ضِدَّ أَوْضَاعٍ اجْتِمَاعِيَّةٍ غَيْرِ مَقْبُولَةٍ، وَعَلَى تَحْلِيلٍ عَقْلَانِيٍّ يَفْهَمُ جَوْهَرَ هَذِهِ الْأَوْضَاعِ وَحَرَكَتَهَا الدَّاخِلِيَّةَ. وَمِنَ الْمُؤَكَّدِ أَنَّهُ، مِنْ دُونِ الْفَهْمِ الْعَقْلِيِّ، يَتَحَوَّلُ الْغَضَبُ إِلَى طَاقَةٍ ضَائِعَةٍ، وَمِنْ دُونِ الِالْتِزَامِ الْعَاطِفِيِّ، يُصْبِحُ الْفِكْرُ بَارِدًا وَعَدِيمَ الْفَاعِلِيَّةِ.

وَكَمَا  يرى هَابِرْمَاسُ مُوَضِّحًا، فَإِنَّ تَحَرُّرَ الْبُرْجُوَازِيَّةِ مِنَ الْحُكْمِ الْأَرِسْتُقْرَاطِيِّ الْإِقْطَاعِيِّ الْقَدِيمِ لَمْ يُلْغِ عَلَاقَاتِ الْقُوَّةِ، بَلْ خَلَقَ عَلَاقَاتِ قُوَّةٍ جَدِيدَةً أَكْثَرَ رَهْبَةً وَصَوْلَةً بَيْنَ مَالِكِي الْعَمَلِ وَالْعُمَّالِ الْمَأْجُورِينَ. وَعَلَى هَذَا النَّحْوِ، تَتَكَشَّفُ أَوْهَامُ "الْمُجْتَمَعِ الْمَدَنِيِّ"؛ إِذْ لَمْ يَعُدِ الْمُجْتَمَعُ الْبُرْجُوَازِيُّ يُمَثِّلُ الْمُجْتَمَعَ كُلَّهُ، مَعَ أَنَّهُ يَدَّعِي الْكَوْنِيَّةَ، لَكِنَّهُ فِي الْوَاقِعِ قَائِمٌ عَلَى انْقِسَامٍ طَبَقِيٍّ.

وَيَنْطَوِي كِتَابُ "جَدَلِ التَّنْوِيرِ" (Dialectic of Enlightenment)، لِمُؤَلِّفَيْهِ أَدُورْنُو وَهُورْكْهَايْمَر، عَلَى نَظَرِيَّةٍ اجْتِمَاعِيَّةٍ نَقْدِيَّةٍ مُسْتَلْهَمَةٍ فِي جَوْهَرِهَا مِنْ نَظَرِيَّتَيْ كَارْل مَارْكْسَ (Karl Marx) وَمَاكْس فِيبَر (Max  Weber).  و َيَتَّضِحُ أَنَّ أَدُورْنُو اعْتَادَ أَنْ يَقْرَأَ مَارْكْسَ بِوَصْفِهِ مَادِّيًّا هِيغِلِيًّا، وَيَرَى فِي هَذَا الْمَدَدِ الْفِكْرِيِّ أَنَّ نَقْدَ الرَّأْسِمَالِيَّةِ يَتَضَمَّنُ، عَلَى نَحْوٍ لَا مَفَرَّ مِنْهُ، نَقْدًا لِلْأَيْدِيُولُوجِيَّاتِ الرَّأْسِمَالِيَّةِ بِمَا تَنْطَوِي عَلَيْهِ مِنْ أَفْكَارٍ وَمَفَاهِيمَ وَتَصَوُّرَاتٍ وَتَلْمِيحَاتٍ وَإِشَارَاتٍ. وَقَدْ رَكَّزَ أَدُورْنُو، فِي نَقْدِهِ لِلرَّأْسِمَالِيَّةِ، عَلَى مَقُولَةِ مَارْكْسَ "فِتْشِيَّةِ السِّلْعَةِ" (Fetishism of commodities): وَالْفِتْشِيَّةُ، أَوْ "صَنَمِيَّةُ السِّلْعَةِ"، هِيَ انْقِلَابٌ فِي الْوَعْيِ تُنْسَبُ فِيهِ إِلَى السِّلَعِ صِفَاتٌ وَقُوًى تَبْدُو ذَاتِيَّةً وَطَبِيعِيَّةً، بَيْنَمَا تُخْفَى فِي الْوَاقِعِ الْعَلَاقَاتُ الِاجْتِمَاعِيَّةُ وَالْعَمَلُ الْإِنْسَانِيُّ اللَّذَانِ يُنْتِجَانِهَا. فَتَظْهَرُ الْعَلَاقَةُ بَيْنَ النَّاسِ كَمَا لَوْ كَانَتْ عَلَاقَةً بَيْنَ أَشْيَاءَ. وَهُوَ الْمَفْهُومُ الَّذِي يَتَبَنَّاهُ مَارْكْسُ فِي الْكَشْفِ عَنْ أَحَدِ أَخْطَرِ جَوَانِبِ الْإِنْتَاجِ الرَّأْسِمَالِيِّ لِلِاسْتِلَابِ وَالِاغْتِرَابِ، وَيَتَمَثَّلُ ذَلِكَ فِي تَقْدِيسِ السِّلْعَةِ الْمُنْتَجَةِ وَازْدِرَاءِ قِيمَةِ الْإِنْسَانِ الْمُنْتِجِ لَهَا. فَالسِّلْعَةُ تَأْخُذُ مَكَانَهَا فِي دَائِرَةِ الْمُقَدَّسِ، وَتَظْهَرُ بِقُوَّتِهَا وَفَرَادَتِهَا وَأَهَمِّيَّتِهَا، بَيْنَمَا يَخْتَفِي الْإِنْسَانُ الْمُنْتِجُ الَّذِي أَنْتَجَهَا بِعَرَقِهِ وَجُهْدِهِ، وَتَخْتَفِي مَعَهُ قِيمَتُهُ الْإِنْسَانِيَّةُ؛ إِذْ يَتَشَيَّأُ الْإِنْسَانُ، وَتُؤَنْسَنُ السِّلَعُ وَالْمُنْتَجَاتُ الْمُنْتَجَةُ، وَهَذَا يُمَثِّلُ أَقْصَى دَرَجَةٍ مِنْ دَرَجَاتِ الِاسْتِلَابِ وَالِاغْتِرَابِ وَالْعَذَابِ الْإِنْسَانِيِّ. وَقَدْ وَجَّهَ مَارْكْسُ نَقْدَهُ ضِدَّ عُلَمَاءِ الِاجْتِمَاعِ الْبُرْجُوَازِيِّينَ الَّذِينَ يَكْتَفُونَ بِوَصْفِ الِاقْتِصَادِ الرَّأْسِمَالِيِّ كَمَا لَوْ كَانَ وَاقِعًا طَبِيعِيًّا، لَكِنَّهُمْ، بِذَلِكَ، يُسِيئُونَ وَصْفَهُ فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ، وَيَفْرِضُونَ رُؤْيَةً اجْتِمَاعِيَّةً زَائِفَةً. فَبِحَسَبِ مَارْكْسَ، يَتَجَاهَلُ الِاقْتِصَادِيُّونَ الْبُرْجُوَازِيُّونَ، بِالضَّرُورَةِ، الِاسْتِغْلَالَ الْكَامِنَ فِي صُلْبِ الْإِنْتَاجِ الرَّأْسِمَالِيِّ. وَهُمْ يَفْشَلُونَ فِي إِدْرَاكِ أَنَّ الْإِنْتَاجَ الرَّأْسِمَالِيَّ، رَغْمَ كُلِّ مَا يَبْدُو عَلَيْهِ مِنْ "حُرِّيَّةٍ شَكْلِيَّةٍ" وَ"مُسَاوَاةٍ فِي التَّبَادُلِ"، لَا بُدَّ أَنْ يَسْتَخْلِصَ فَائِضَ الْقِيمَةِ مِنَ الْعَمَلِ الْمُكْرَهِ لِلطَّبَقَةِ الْعَامِلَةِ. وَمِثْلَ الْمُنْتِجِينَ وَالْمُسْتَهْلِكِينَ الْعَادِيِّينَ فِي ظِلِّ الشُّرُوطِ الرَّأْسِمَالِيَّةِ، يَتَعَامَلُ الِاقْتِصَادِيُّونَ الْبُرْجُوَازِيُّونَ مَعَ السِّلْعَةِ بِوَصْفِهَا مُقَدَّسًا "صَنَمًا"، أَوْ بِوَصْفِهَا الْغَايَةَ وَالْقِيمَةَ الْعُلْيَا لِلْعَمَلِيَّةِ الْإِنْتَاجِيَّةِ؛ إِذْ يُعَامِلُونَهَا كَمَا لَوْ كَانَتْ مُعْطًى إِيجَابِيًّا وَمُحَايِدًا، ذَا قِيمَةٍ كَامِنَةٍ فِي ذَاتِهِ، وَتَرْتَبِطُ مُبَاشَرَةً بِسِلَعٍ أُخْرَى، بِمَعْزِلٍ عَنِ التَّفَاعُلَاتِ الْإِنْسَانِيَّةِ الَّتِي تَقُومُ عَلَيْهَا جَمِيعُ السِّلَعِ فِعْلِيًّا. وَعَلَى النَّقِيضِ مِنْ ذَلِكَ، يُجَادِلُ مَارْكْسُ بِأَنَّ كُلَّ مَا يَجْعَلُ الْمُنْتَجَ سِلْعَةً يَعُودُ إِلَى الْحَاجَاتِ وَالرَّغَبَاتِ وَالْمُمَارَسَاتِ الْإِنْسَانِيَّةِ. فَالسِّلْعَةُ تَمْتَلِكُ قِيمَتَهَا الِاسْتِعْمَالِيَّةَ (use value)؛ لِأَنَّهَا تُشْبِعُ حَاجَاتٍ وَرَغَبَاتٍ إِنْسَانِيَّةً، وَهِيَ، بِالتَّالِي، لَا تَمْتَلِكُ قِيمَةً تَبَادُلِيَّةً (exchange value) إِذَا لَمْ يَرْغَبْ أَحَدٌ فِي مُبَادَلَتِهَا بِشَيْءٍ آخَرَ. كَمَا لَا يُمْكِنُ حِسَابُ قِيمَتِهَا التَّبَادُلِيَّةِ إِذَا لَمْ تَشْتَرِكْ مَعَ غَيْرِهَا مِنَ السِّلَعِ فِي "قِيمَةٍ" تُنْتَجُ بِإِنْفَاقِ قُوَّةِ الْعَمَلِ الْإِنْسَانِيِّ، وَتُقَاسُ بِزَمَنِ الْعَمَلِ الضَّرُورِيِّ اجْتِمَاعِيًّا، الْمُجَرَّدِ مِنْ مُتَوَسِّطِ الْعَمَلِ الْمَلْمُوسِ اللَّازِمِ لِإِنْتَاجِ سِلَعٍ مِنْ أَنْوَاعٍ مُخْتَلِفَةٍ.

وَفِي هَذَا السِّيَاقِ، يَتَبَنَّى أَدُورْنُو نَظَرِيَّةَ مَارْكْسَ حَوْلَ السِّلْعَةِ وَمُقْتَضَيَاتِ وُجُودِهَا، وَيُطَبِّقُ فَحْوَاهَا عَلَى الرَّأْسِمَالِيَّةِ الْمُتَأَخِّرَةِ (late capitalism)، وَقَدْ ذَهَبَ فِي تَنَاوُلِهِ لِهَذِهِ الْقَضِيَّةِ إِلَى أَبْعَدَ مِنْ مَارْكْسَ؛ إِذْ يَرَى أَنَّ نَقْدَ فِتْشِيَّةِ السِّلْعَةِ عِنْدَ مَارْكْسَ لَا يَذْهَبُ بَعِيدًا بِمَا يَكْفِي؛ فَقَدْ طَرَأَتْ، مُنْذُ زَمَنِ مَارْكْسَ، تَغَيُّرَاتٌ جَوْهَرِيَّةٌ عَلَى بِنْيَةِ الرَّأْسِمَالِيَّةِ، الْأَمْرُ الَّذِي يَتَطَلَّبُ إِعَادَةَ النَّظَرِ فِي عَدَدٍ مِنَ الْمَفَاهِيمِ الْمَارْكْسِيَّةِ، مِثْلَ: الْجَدَلِ بَيْنَ قُوَى الْإِنْتَاجِ وَعَلَاقَاتِ الْإِنْتَاجِ؛ وَالْعَلَاقَةِ بَيْنَ الدَّوْلَةِ وَالِاقْتِصَادِ؛ وَسُوسِيُولُوجِيَا الطَّبَقَاتِ وَالْوَعْيِ الطَّبَقِيِّ؛ وَطَبِيعَةِ الْأَيْدِيُولُوجِيَا وَوَظِيفَتِهَا؛ وَدَوْرِ الْفَنِّ الْحَدِيثِ وَالنَّظَرِيَّةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ.

وَقَدِ اعْتَمَدَ أَدُورْنُو، فِي نَقْدِهِ لِلْمَارْكْسِيَّةِ، نَظَرِيَّةَ التَّشَيُّؤِ (Reification) الَّتِي قَدَّمَهَا الْفَيْلَسُوفُ الْمَجَرِيُّ جُورْج لُوكَاتْش (Georg Lukács) فِي عِشْرِينِيَّاتِ الْقَرْنِ الْعِشْرِينَ، وَاسْتَنَدَ أَيْضًا إِلَى نَظَرِيَّةِ التَّكَامُلِ الْمَعْرِفِيِّ بَيْنَ الِاخْتِصَاصَاتِ الْعِلْمِيَّةِ الَّتِي نَادَى بِهَا أَعْضَاءُ مَعْهَدِ الْبُحُوثِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ (Institute for Social Research) فِي ثَلَاثِينِيَّاتِ وَأَرْبَعِينِيَّاتِ الْقَرْنِ الْعِشْرِينَ.

لَقَدِ اسْتَنَدَ لُوكَاتْش إِلَى نَظَرِيَّةِ الْعَقْلَنَةِ (rationalization) عِنْدَ مَاكْس فِيبَر. وَبِنَاءً عَلَى ذَلِكَ، وَجَدَ أَنَّ الِاقْتِصَادَ الرَّأْسِمَالِيَّ لَمْ يَعُدْ مُجَرَّدَ قِطَاعٍ مِنْ قِطَاعَاتِ الْمُجْتَمَعِ إِلَى جَانِبِ قِطَاعَاتٍ أُخْرَى، بَلْ إِنَّ تَبَادُلَ السِّلَعِ قَدْ أَصْبَحَ الْمَبْدَأَ التَّنْظِيمِيَّ الْمَرْكَزِيَّ لِجَمِيعِ قِطَاعَاتِ الْمُجْتَمَعِ. وَيُتِيحُ ذَلِكَ لِصَنَمِيَّةِ السِّلْعَةِ أَنْ تَتَغَلْغَلَ فِي جَمِيعِ الْمُؤَسَّسَاتِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ (الِاقْتِصَادِيَّةِ، وَالْقَانُونِيَّةِ، وَالسِّيَاسِيَّةِ، وَالثَّقَافِيَّةِ، إِلَخْ)، وَكَذَلِكَ فِي جَمِيعِ التَّخَصُّصَاتِ الْأَكَادِيمِيَّةِ، بِمَا فِي ذَلِكَ الْفَلْسَفَةُ. وَيُشِيرُ مَفْهُومُ "التَّشَيُّؤِ" (Reification) إِلَى الْوَضْعِ التَّارِيخِيِّ الَّذِي تُصْبِحُ فِيهِ صِيغَةُ السِّلْعَةِ الصَّنَمِيَّةُ "الْفِئَةَ الْأَسَاسِيَّةَ فِي الْمُجْتَمَعِ كَكُلٍّ"، بِحَيْثُ "يَغْدُو نَشَاطُ الْإِنْسَانِ ذَاتُهُ، وَعَمَلُهُ الْخَاصُّ، شَيْئًا مَوْضُوعِيًّا وَمُسْتَقِلًّا عَنْهُ، شَيْئًا يُسَيْطِرُ عَلَيْهِ بِفِعْلِ اسْتِقْلَالٍ غَرِيبٍ عَنِ الْإِنْسَانِ" ([3]) .

وَعَلَى خِلَافِ لُوكَاتْش، شَكَّكَ أَدُورْنُو فِي قُدْرَةِ الطَّبَقَةِ الْعَامِلَةِ الثَّوْرِيَّةِ عَلَى تَحْقِيقِ الْعَدَالَةِ وَتَجَاوُزِ وَضْعِيَّاتِ التَّشَيُّؤِ. وَقَدْ وَجَدَ أَنَّ الْمُهِمَّةَ الْأَسَاسِيَّةَ الَّتِي يَنْبَغِي عَلَى النَّظَرِيَّةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ النَّقْدِيَّةِ أَنْ تَتَنَاوَلَهَا حَقًّا هِيَ الْبَحْثُ فِي عَوَامِلِ اسْتِمْرَارِ الْجُوعِ وَالْفَقْرِ وَالْبُؤْسِ وَالْحِرْمَانِ وَأَشْكَالِ الْمُعَانَاةِ الْإِنْسَانِيَّةِ الْأُخْرَى، عَلَى الرَّغْمِ مِنْ تَوَفُّرِ الْإِمْكَانَاتِ التِّكْنُولُوجِيَّةِ وَالْعِلْمِيَّةِ الْقَادِرَةِ عَلَى التَّخْفِيفِ مِنْهَا أَوِ الْقَضَاءِ عَلَيْهَا كُلِّيًّا. وَهُوَ، فِي هَذَا الْمَدَارِ، يَرَى أَنَّ السَّبَبَ الْجَذْرِيَّ يَكْمُنُ فِي الْكَيْفِيَّةِ الَّتِي هَيْمَنَتْ بِهَا عَلَاقَاتُ الْإِنْتَاجِ الرَّأْسِمَالِيَّةُ عَلَى الْمُجْتَمَعِ بِأَسْرِهِ، الْأَمْرُ الَّذِي أَدَّى إِلَى تَمَرْكُزٍ كَبِيرٍ لِلثَّرْوَةِ وَالسُّلْطَةِ بَيْنَ أَيْدِي الطَّبَقَةِ الرَّأْسِمَالِيَّةِ. وَعَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ، تَمَرْكَزَ الْمُجْتَمَعُ وَانْتَظَمَ حَوْلَ إِنْتَاجِ الْقِيَمِ التَّبَادُلِيَّةِ، وَهُوَ الْأَمْرُ الَّذِي اسْتَلْزَمَ، بِالضَّرُورَةِ، اسْتِحْوَاذًا صَامِتًا عَلَى فَائِضِ الْقِيمَةِ. وَيُطْلِقُ أَدُورْنُو عَلَى هَذَا التَّرَابُطِ بَيْنَ الْإِنْتَاجِ وَالسُّلْطَةِ اسْمَ "مَبْدَإِ التَّبَادُلِ" (Tauschprinzip)، وَسَمَّى الْمُجْتَمَعَ الرَّأْسِمَالِيَّ الَّذِي يَسُودُ فِيهِ هَذَا التَّرَابُطُ "مُجْتَمَعَ التَّبَادُلِ" (Tauschgesellschaft). وَفِي هَذَا السِّيَاقِ، يَرَى أَدُورْنُو أَنَّ "مُجْتَمَعَ التَّبَادُلِ" يَقُومُ وَفْقَ تَصَوُّرٍ بِنْيَوِيٍّ شَامِلٍ لَا يَخْتَزِلُ الظَّاهِرَةَ فِي بُعْدِهَا الِاقْتِصَادِيِّ، بَلْ يَكْشِفُ عَنْ اشْتِغَالِ مَبْدَإِ التَّبَادُلِ فِي ثَلَاثَةِ مُسْتَوَيَاتٍ مُتَرَابِطَةٍ: سِيَاسِيٍّ–اقْتِصَادِيٍّ، وَثَقَافِيٍّ، وَاجْتِمَاعِيٍّ–نَفْسِيٍّ. فَعَلَى الْمُسْتَوَى السِّيَاسِيِّ–الِاقْتِصَادِيِّ، يَغْدُو إِنْتَاجُ الْقِيَمِ التَّبَادُلِيَّةِ مِنْ أَجْلِ التَّبَادُلِ ذَاتِهِ الْمَنْطِقَ الْحَاكِمَ لِتَنْظِيمِ الْمُجْتَمَعِ، بِمَا يُؤَدِّي إِلَى إِخْضَاعِ الدَّوْلَةِ وَالْمُؤَسَّسَاتِ لِمَنْطِقِ الْحِسَابِ وَالْكَفَاءَةِ وَاسْتِمْرَارِ الِاسْتِغْلَالِ فِي أَشْكَالٍ غَيْرِ مَرْئِيَّةٍ. يَمْتَدُّ هَذَا الْمَنْطِقُ التَّبَادُلِيُّ لِيُغَطِّيَ مَجَالَاتِ الْفَنِّ وَالْمَعْرِفَةِ وَالْإِعْلَامِ، وَعَلَيْهِ تَتَحَوَّلُ الثَّقَافَةُ إِلَى سِلْعَةٍ وَتَفْقِدُ بُعْدَهَا النَّقْدِيَّ، كَمَا يَتَجَلَّى ذَلِكَ فِي ظَاهِرَةِ "صِنَاعَةِ الثَّقَافَةِ". وَيَشْتَدُّ هَذَا التَّوَجُّهُ التَّبَادُلِيُّ لِيَتَحَوَّلَ إِلَى قُوَّةٍ تَفْرِضُ حُضُورَهَا الْكَبِيرَ فِي وَعْيِ النَّاسِ وَسُلُوكِهِمُ التَّبَادُلِيِّ، وَعَلَى هَذَا الْأَسَاسِ تُعَادُ صِيَاغَةُ الْعَلَاقَاتِ الْإِنْسَانِيَّةِ وَفْقَ مَعَايِيرِ الْمَنْفَعَةِ وَالْمَصْلَحَةِ وَالْقَابِلِيَّةِ لِلتَّبَادُلِ، وَتَغْدُو الذَّاتُ نَفْسُهَا مَوْضُوعًا لِلتَّشَيُّؤِ وَالِاغْتِرَابِ، بِمَا يُفْضِي، فِي الْمُحَصِّلَةِ، إِلَى إِعَادَةِ إِنْتَاجِ مَنْظُومَةِ الْهَيْمَنَةِ عَبْرَ الِاقْتِصَادِ وَالثَّقَافَةِ وَالْوَعْيِ مَعًا.

***

عَلِيّ أَسْعَد وَطْفَة - جَامِعَةُ الْكُوَيْتِ

.........................

هوامش المقالة:

[1]- Herbert Marcuse, Reason and Revolution: Hegel and the Rise of Social Theory, 2nd ed. (Boston: Beacon Press, 1954), 322.

[2]- Theodor W. Adorno, “Kritische Theorie und Gesellschaft,” Die Zeit, June 1969.

[3]- Georg Lukács, History and Class Consciousness: Studies in Marxist Dialectics, translated by Rodney Livingstone, (Cambridge, MA: MIT Press, 1971 [1923]). P.87.

أبتعد اليوم عما دأبت عليه في السنوات الأخيرة من الانشغال بالأنظمة الذكية والتحولات الرقمية، وما تفتحه التقنية من أسئلة حول الإنسان والعقل والمستقبل، لأعود إلى حقل لا يقل تعقيدًا وخطورة، هو حقل الدين والمعنى وتأويل المقدس. والعودة هنا ليست انتقالًا من سؤال إلى آخر، بقدر ما هي عودة إلى الجذر الذي تتفرع منه أسئلة الإنسان كلها: كيف نفهم وجودنا؟ وكيف يتشكل معنى العالم في وعينا؟ وكيف تتحول النصوص من كلمات مقروءة إلى سلطات ورؤى ومؤسسات وأنماط عيش؟

وقبل أن أدخل في هذه القراءة، أود الإشارة إلى ملاحظة أراها ضرورية. قد يتساءل بعض الأصدقاء: ما الذي يدفع رجلًا جاء من عالم علوم الحاسوب والهندسة إلى قراءة مشروع في علم الكلام الجديد؟ وهو سؤال مشروع، غير أنه يفترض أن الأفكار الكبرى لا يجوز الاقتراب منها إلا من داخل حدود التخصص الضيقة، وأنا لا أشارك في هذا الافتراض.

لا أكتب هذه القراءة بوصفي متكلمًا أو فقيهًا أو متخصصًا في الدراسات الدينية، ولا أناقش مسائل العقيدة من داخل علم الكلام التقليدي، وإنما أقرأ مشروعًا فكريًا من منظور الفلسفة ونقد الخطاب والتفكيك، وهي أدوات لا تقل شرعية في مقاربة المشاريع الفكرية الكبرى. وحين يتحول علم الكلام الجديد إلى مشروع فلسفي يستعين بالهرمنيوطيقا وفلسفة الدين والأنثروبولوجيا وعلم النفس والعلوم الإنسانية، فإنه يغادر بطبيعته حدود التخصص المغلق، ويدعو إلى حوار متعدد الحقول.

لعل خلفيتي العلمية نفسها منحتني حساسية خاصة في قراءة البنى المعرفية، وكيف تتشكل المفاهيم، وكيف تعمل الأنظمة الفكرية، وما الذي تفترضه مقدماتها قبل أن تعلن نتائجها. لا أبحث هنا عن صحة قضية كلامية أو خطئها، وإنما أحاول تفكيك منطق الخطاب نفسه، والكشف عن افتراضاته وحدوده وإمكاناته، وهذا هو مجال الفلسفة بامتياز. لقد تعلمت خلال سنوات دراستي في فرنسا أن الفكر لا يعترف بالحدود الصارمة بين التخصصات، وأن الفلسفة كانت، ولا تزال، مساحة يلتقي فيها الفيزيائي بعالم الاجتماع، والمهندس باللاهوتي، والمؤرخ بعالم اللغة. فالأفكار الكبرى لا تنتمي إلى أصحاب الاختصاص وحدهم، وإنما إلى كل من يمتلك أدوات قراءتها قراءة رصينة ومسؤولة.

من هنا، ليست هذه المقالة محاولة للحديث باسم علم الكلام، وإنما هي محاولة للحوار مع أحد أبرز مشاريعه المعاصرة، بالاستفادة من أدوات التفكيك الفلسفي التي أجدها قادرة على الكشف عما تقوله النصوص، وما تؤجله، وما تفترضه، وما تتركه مفتوحًا أمام القارئ. أفعل ذلك وأنا أقرأ مشروع صديقي، المفكر العراقي الدكتور عبد الجبار الرفاعي، من دون أن أتعامل معه مشروعًا مكتملًا ينبغي الاحتفاء به من خارجه، أو خصمًا فكريًا ينبغي نقضه، وإنما نصًا حيًا يستحق أن ندخل معه في حوار عميق، وأن نفكك منطقه الداخلي، ونستخرج توتراته، وننصت إلى ما يقوله وما يتعذر عليه قوله في الوقت نفسه. إن تكريم مشروع فكري كبير لا يكون بتحويله إلى موضوع للمديح، وإنما بجعله قادرًا على تحمل الأسئلة التي يثيرها، وربما الأسئلة التي يحاول تأجيلها أيضًا.

ينطلق الرفاعي في مشروعه من تشخيص واضح لمأزق علم الكلام القديم. لا يكتفي بالدعوة إلى إدخال مسائل جديدة في منظومته، وإنما يطالب بتجديد موضوعاته وأهدافه ومناهجه ولغته ومبانيه وهندسته المعرفية. كما يميز بوضوح بين الإحياء والإصلاح والتجديد؛ فالإحياء عنده يعيد القديم كما كان، والإصلاح يرمم البناء من دون أن يمس أسسه العميقة، أما التجديد فهو تفكيك البنية التحتية التي أنتجت معارف الدين، ثم إعادة بنائها في ضوء الفلسفات والعلوم الإنسانية والمعارف الحديثة.

يجعل الرفاعي "الفهم الجديد للوحي" معيارًا للتمييز بين علم الكلام القديم وعلم الكلام الجديد. ليست هذه النقلة بسيطة في بيئة اعتادت أن تنظر إلى علوم الدين الموروثة وكأنها امتداد مباشر للمقدس ذاته. تكمن أهمية مشروع الرفاعي في فصله بين نص الكتاب المقدس والأدوات البشرية التي أنتجت فهمه التاريخي، وتأكيده أن مناهج التفكير ونظريات المعرفة وأدوات النظر التي صاغت معارف الدين ليست نصوصًا مقدسة، وإنما اجتهادات بشرية مشروطة بزمانها وثقافتها. من هنا يفتح نافذة واسعة لإعادة التفكير في التراث، لا باعتباره كتلة واحدة ينبغي قبولها أو رفضها، وإنما مجالًا للصراع بين ما هو حي ومحيي، وما هو ميت ومميت.

القراءة التفكيكية لا تتوقف عند الإقرار بهذه الجرأة، وإنما تبدأ منها. إنها تسأل: هل ينجح المشروع بالفعل في مغادرة البنية التي ينتقدها، أم أنه يعيد إنتاج بعض افتراضاتها بلغة جديدة؟ هل يكفي أن نستبدل أدوات علم الكلام القديم بأدوات الهرمنيوطيقا والأنثروبولوجيا وعلم النفس وفلسفة الدين لنكون قد غادرنا منطقه؟ أم أن المركز القديم قد يتراجع اسمه ويعود في صورة مركز آخر، أكثر مرونة وجمالًا وإنسانية، لكنه يظل مركزًا يتحكم في إنتاج المعنى؟ التفكيك، كما تعلمناه من دريدا، لا يعني هدم النص من خارجه، ولا البحث عن ثغرات لغوية لإسقاطه، وإنما يعني تتبع الحركة التي يعمل بها النص ضد استقراره المعلن. كل نص يؤسس نظامه على تمييزات: أصل وفرع، حضور وغياب، حقيقة وتأويل، دين وتدين، مقدس وبشري، حي وميت، جوهر وعرض. لكنه لا يستطيع المحافظة على نقاء هذه الحدود إلى النهاية؛ فكل طرف يحتاج إلى الآخر ليتحدد، ثم يتسرب الآخر إليه ويزعزع استقلاله. النص يقول شيئًا، لكن طريقة قوله تفتح إمكانًا يتجاوز ما يريد تثبيته.

يمكن أن نبدأ بالسؤال عن التمييز المركزي في مشروع الرفاعي بين الدين ومعارف الدين، أو بين المقدس وفهم البشر للمقدس. هذا التمييز ضروري للتحرر من هيمنة التراث؛ إذ ينزع القداسة عن الفقه والكلام والتفسير والتصوف، ويعيدها إلى مصدرها. لكنه يفترض، في الوقت نفسه، إمكان وجود دين خلف تراكمات الفهم التاريخي، دين يمكن إعادة اكتشاف وظيفته الأصلية في إمداد الحياة بالمعنى الروحي والأخلاقي والجمالي. هنا تتقدم القراءة التفكيكية لتسأل: أين يوجد هذا الدين قبل أن يتحول إلى فهم ولغة وتأويل؟ كيف يمكن الوصول إليه خارج الوسائط البشرية التي يظهر من خلالها؟ وهل نستطيع التمييز بالفعل بين الدين في ذاته وأشكال حضوره في التاريخ؟

لا نعرف الدين إلا عندما يدخل اللغة، ولا يصل النص إلينا إلا عبر قراءة، ولا تتحول التجربة الروحية إلى معنى إلا عندما تسكن رمزًا، أو حكاية، أو مفهومًا، أو طقسًا. التأويل ليس مجرد غطاء بشري يضاف لاحقًا إلى حقيقة دينية مكتملة، وإنما هو أحد شروط ظهورها لنا. لا يعني هذا إنكار وجود الوحي أو اختزاله إلى اللغة، وإنما يعني أن حضور الوحي في العالم البشري لا يحدث خارج التاريخ واللسان والذاكرة والتلقي. وبذلك تصبح الحدود بين المقدس وتأويله أقل صلابة مما تبدو عليه. حين يقول الرفاعي إن كل عصر ينطق بفهمه الخاص للنصوص المقدسة، فإنه يضع بيده المبدأ الذي يمكن أن يزعزع فكرة المعنى الأصيل القابل للاستعادة. فإذا كان كل عصر ينتج فهمه، فإن المعنى لا يكون وديعة ساكنة داخل النص تنتظر قارئًا أكثر كفاءة ليستخرجها، وإنما يكون حدثًا يتشكل في العلاقة المتغيرة بين النص والقارئ والتاريخ. وعندئذ يتحول السؤال من: ما المعنى الحقيقي الذي ينبغي استرداده؟ إلى: كيف ينتج المعنى في كل مرة؟ ومن يملك شروط إنتاجه؟ وما السلطات والمؤسسات واللغات التي تسمح لبعض المعاني بالظهور، وتدفع معاني أخرى إلى الهامش أو الصمت؟

الرفاعي واع بسلطة إنتاج المعنى، ومن هنا يمنح المتخيل الديني مكانة أساسية في مشروعه. ويرى أن من يمتلك وسائل إنتاج هذا المتخيل يمتلك السلطة والتحكم في حاضر الناس ومستقبلهم، وأن المقدس نفسه يتسع تاريخيًا تحت تأثيره. وهذه واحدة من أخصب أفكار المشروع؛ إذ تنقل النقاش من مضمون المعتقد إلى الشروط الثقافية والنفسية والسياسية التي تصنع حضوره. غير أن التفكيك يدفع بهذه الفكرة إلى مداها الأبعد: إذا كان المتخيل يسهم في تكوين المقدس واتساعه، فهل يبقى بالإمكان رسم حد نهائي بين ما هو مقدس في ذاته وما أنتجته المخيلة الدينية؟ وهل المتخيل مجرد غشاوة ينبغي للعقل النقدي أن يضعها في حدودها، أم أنه عنصر لا غنى عنه في كل علاقة بالمقدس؟

ليس الإنسان كائنًا يعيش بالمفاهيم العقلية وحدها، فهو يسكن الاستعارات والرموز والصور والطقوس والذكريات المؤسسة. حتى أكثر الخطابات عقلانية لا تعمل من دون متخيل خاص بها. العقلانية نفسها قد تبني صورة خلاصية عن العقل، والحداثة قد تنتج أساطيرها، والتجديد قد يتخيل أصلًا نقيًا أو مستقبلًا متصالحًا لم يوجد قط. ومن ثم، ليس المطلوب وضع المتخيل في مقابل العقل، كأن الأول مصدر التضليل والثاني مصدر الخلاص، وإنما تفكيك الطريقة التي يسكن بها المتخيل كل ممارسة عقلية، بما فيها ممارسة التجديد نفسها.

يعلن الرفاعي أن بوصلة التجديد هي إعادة تعريف الإنسان والدين ووظيفة الدين، وأن ما يمكن للدين أن يقدمه يتمثل في إشباع الاحتياجات الروحية والأخلاقية والجمالية، ومنح الروح السكينة، والقلب الطمأنينة، والحياة الرحمة والرفق. ويذهب إلى أن ما يقع خارج ذلك ينبغي أن يستمده الإنسان من العقل والعلوم والمعارف والخبرات البشرية. تمثل هذه الرؤية انقلابًا إنسانيًا على لاهوت الهيمنة الذي جعل الإنسان تابعًا للمؤسسة والعقيدة والسلطة. إنها تنقل مركز الاهتمام من الدفاع عن المعتقدات إلى حماية الحياة الداخلية للإنسان، ومن تضخم الدين في المجالين السياسي والاجتماعي إلى استعادته أفقًا للمعنى.

لكن السؤال التفكيكي هنا هو: من الإنسان الذي يصبح بوصلة للتجديد؟ وهل "الإنسان" مفهوم محايد ومستقر، أم أنه بدوره نتاج تاريخي وفلسفي؟ حين نعيد تعريف الدين انطلاقًا من احتياجات الإنسان، فإننا نفترض تصورًا سابقًا لماهية الإنسان واحتياجاته الأصيلة. لكن الإنسان ليس جوهرًا واحدًا يظل ثابتًا عبر الثقافات والعصور. حتى مفاهيم الروح والسكينة والجمال والكرامة والحرية ليست خارج التاريخ، فدلالاتها تتغير وخبراتها تتعدد.

 ربما يكون مشروع الرفاعي قد انتقل من مركزية العقيدة إلى مركزية الإنسان، لكنه لم يتخل تماما عن الحاجة إلى المركز، والمركز الجديد، وإن كان أكثر إنسانية من المركز القديم، يظل معرضًا لأن ينتج استبعاده الخاص. فمن يحدد حاجات الإنسان الروحية؟ وما الذي يجعل تجربة دينية ما أصيلة وأخرى زائفة؟ وما معيار التمييز بين "تصوف الحرية" و"تصوف الاستعباد"؟ لا شك في أن التمييز بينهما يمتلك قيمة أخلاقية وتحررية واضحة، خاصة حين يتحول التصوف إلى طاعة عمياء لشيخ الطريقة واستسلام يفتك باستقلال الفرد. لكن كل ثنائية من هذا النوع تحتاج بدورها إلى تفكيك؛ فالحرية قد تنشأ، في أغلب الأحيان، داخل تقاليد الطاعة، كما قد تتحول خطابات التحرر نفسها إلى سلطات رمزية جديدة.

لا يقلل هذا من أهمية الانحياز الأخلاقي في مشروع الرفاعي، ويكشف الرهان العميق الكامن فيه. فهو لا يقدم نظرية وصفية محايدة في الدين، إذ ينحاز إلى صورة محددة له: دين الرحمة والحب والسلام والكرامة والمعنى والجمال. هذا الانحياز مصدر قوة المشروع، ويمثل في الوقت نفسه افتراضه الذي ينبغي التصريح به. المشروع لا يستخرج هذه القيم من النصوص وحدها؛ إذ يدخل إليها حاملًا حساسية أخلاقية حديثة، تشكلت تحت تأثير فلسفات الإنسان والحرية والحقوق والكرامة. إنه يعيد قراءة الدين من داخل أفق إنساني معاصر، لا من خارج كل أفق. هنا لا ينبغي التعامل مع هذا الأمر على أنه نقص ينبغي إخفاؤه، على العكس، تصبح قوة المشروع أكبر عندما يعترف بأن التجديد ليس اكتشافًا لمعنى صاف كان موجودًا منذ البداية، وإنما هو إنتاج مسؤول لمعنى ديني يحتاجه الإنسان اليوم. والفرق مهم بين من يزعم أنه يستعيد الجوهر الأبدي للدين، ومن يقر بأنه يدخل في عملية تأويل تاريخية وأخلاقية لا تستطيع الادعاء بأنها الكلمة الأخيرة.

إن رؤية "الفهم الجديد للوحي"، التي يجعلها الرفاعي معيارًا لعلم الكلام الجديد، تحمل في داخلها هذا التوتر. فالجديد لا يكون جديدًا إلا إذا اختلف عن القديم، لكنه يريد في الوقت نفسه أن يظل فهمًا للوحي ذاته. وهذا يعني أن المشروع يتحرك بين الوفاء والاختلاف، بين المحافظة على هوية المرجع وتغيير نظام دلالاته. لا يمكنه الانفصال تماما عن القديم، وإلا فقد اسمه كلامًا دينيًا، ولا يمكنه البقاء داخله، وإلا تحول إلى تكرار. إنه يقيم في منطقة برزخية، لا تنتمي بكلياتها إلى التراث ولا تنفصل عنه، ولا تذوب في فلسفة الدين الحديثة ولا تبقى أسيرة لعلم الكلام الموروث. هذه المنطقة الوسطى ليست عيبًا، فهي موضع الخصوبة الحقيقي في المشروع.

 غير أن الخطابات التجديدية تميل عادة إلى إخفاء هذا التردد، إذ تحتاج إلى رسم حدود واضحة بين القديم والجديد. يعيد التفكيك الاعتبار إلى التردد، لا باعتباره ضعفًا، فهو اعتراف باستحالة القطع النهائي مع ما ننتقده. نحن لا نغادر التراث كما يغادر المرء بيتًا قديمًا؛ فاللغة التي ننتقده بها مشبعة بآثاره، والأسئلة التي نوجهها إليه ولدت في داخله أو في الصراع معه. كما أننا لا نستورد الحداثة أداة محايدة؛ فالهرمنيوطيقا والأنثروبولوجيا وعلم النفس والفلسفة الغربية تحمل هي الأخرى تاريخها وتحولاتها ومركزياتها وأزماتها.

عندما يدعو الرفاعي إلى توظيف الفلسفة والعلوم الإنسانية الحديثة في قراءة النص الديني، فإنه يقوم بخطوة ضرورية، لكنه يترك سؤالًا مفتوحًا: هل هذه العلوم أدوات خارجية نستخدم منها ما يصلح ثم نعيدها إلى مكانها، أم أنها خطابات تعيد تشكيل موضوعها بمجرد دخولها إليه؟ لا يمكن للأنثروبولوجيا أن تدرس الدين من دون أن تغير مفهومنا عنه، ولا يمكن للتحليل النفسي أن يقترب من التجربة الروحية من دون أن يعيد توزيع العلاقة بين الوعي واللاشعور والرغبة والرمز. كذلك لا تدخل الهرمنيوطيقا إلى التفسير أداة كالمطرقة أو المجهر، فهي تمثل تحولًا في مفهوم الحقيقة والفهم واللغة. من هنا يبدو مشروع الرفاعي أكثر ثورية مما يصرح به في الغالب. فالقبول الحقيقي بهذه المناهج لا يقتصر على تغيير أجوبة علم الكلام، وإنما يغير طبيعة أسئلته وحدود موضوعه، وربما يزعزع اسمه نفسه. وقد لا تنتهي العملية إلى "علم كلام جديد" بالمعنى الدقيق، وإنما إلى حقل يقع بين فلسفة الدين والهرمنيوطيقا والأنثروبولوجيا واللاهوت والنقد الثقافي. يلاحظ الرفاعي نفسه غياب الحدود الدقيقة بين علم الكلام الجديد وفلسفة الدين، لكنه يبقي على اسم علم الكلام، ربما حفاظًا على الصلة بالذاكرة الإسلامية، واستمرارًا للحوار مع المؤسسة الدينية.

غير أن الاسم ليس تفصيلًا بريئًا، فالاحتفاظ باسم "علم الكلام" يمنح المشروع شرعية داخل التراث، لكنه يحمل معه أيضًا آثار تاريخ طويل ارتبط بالدفاع عن العقيدة، وترسيم حدود الإيمان، والفرقة الناجية، والخصم المخالف. فهل يستطيع الاسم القديم احتواء تحول معرفي جذري من دون أن يعيد إخضاعه لذاكرته؟ أم أن الجديد يظل معرضًا لخطر التحول إلى هامش داخل بنية القديم؟ هنا يظهر الاختلاف بين التجديد والتفكيك. التجديد يفترض إمكان إعادة بناء المنظومة على أسس أصلب وأكثر ملاءمة للعصر. أما التفكيك فيتردد أمام فكرة البناء النهائي؛ إذ يرى أن كل بنية جديدة تحمل في داخلها شقوقها، وأن كل مركز يؤسس هامشه، وكل تعريف ينتج ما يستبعده. التجديد يريد نظامًا بديلًا لإنتاج المعنى الديني، بينما يسأل التفكيك: هل يمكن امتلاك نظام يحكم المعنى من دون أن يتحول إلى سلطة جديدة عليه؟

لكن التفكيك الذي أدافع عنه هنا لا يدعو إلى ترك المعنى في فوضى مطلقة، ولا إلى مساواة التأويلات بعضها ببعض. إنه يطالب فقط بأن تظل عملية إنتاج المعنى واعية بحدودها، ومتواضعة أمام ما تستبعده، وقادرة على مراجعة نفسها. لا نحتاج إلى معنى بلا قرار؛ نحتاج إلى قرار يعرف أنه ليس أبديًا. ولا نحتاج إلى تأويل بلا معيار؛ نحتاج إلى معيار أخلاقي لا يدعي أنه خارج التاريخ أو فوق السؤال. في هذا الجانب يلتقي مشروع الرفاعي مع الروح الأعمق للتفكيك، حتى حين يختلف معها فلسفيًا. فالدعوة إلى دين يحمي الكرامة، ويمنح الإنسان الحب والرحمة والسكينة والجمال والسلام، ليست مجرد إعادة تعريف لعلم الكلام؛ إنها مقاومة لأنظمة دلالية استعملت المقدس في إنتاج الخوف والطاعة والإذلال. والتفكيك، في جوهره الأخلاقي، هو أيضًا انحياز إلى من تستبعدهم البنى المغلقة، وإلى الأصوات التي لا يسمح المركز بسماعها.

من هنا لا أقرأ عبد الجبار الرفاعي مجددًا يبحث عن طلاء حديث لبناء قديم؛ أقرأه مفكرًا يحاول نقل الفكر الديني من سؤال: كيف نحمي العقيدة؟ إلى سؤال: كيف نحمي الإنسان من التأويلات التي تحطم روحه وكرامته؟ وهذه النقلة هي الإنجاز الأهم في مشروعه. غير أنه، مثل كل مشروع كبير، يفتح أسئلة تتجاوز الأجوبة التي يقدمها: هل يمكن تحرير الدين من التاريخ من دون أن نفقد تاريخية ظهوره؟ هل نستطيع فصل الوحي عن سلسلة تأويلاته؟ هل الدين أفق للمعنى نعثر عليه، أم أفق نسهم في بنائه باستمرار؟ وهل الانتقال من مركزية العقيدة إلى مركزية الإنسان يلغي المركز، أم يمنحه اسمًا جديدًا؟

ربما لا تتمثل قيمة مشروع الرفاعي في تقديم أجوبة نهائية عن هذه الأسئلة؛ إذ تكمن قيمته في جعل طرحها ممكنًا من داخل الثقافة الدينية نفسها. لقد فتح الباب من داخل البيت، لا ليحرقه، ولا ليعيد ترتيب أثاثه فقط، وإنما ليسمح بدخول هواء لم تعتده غرفه المغلقة. أما مهمة القراءة النقدية فهي أن تبقي الباب مفتوحًا، وألا تسمح للغة التجديد بأن تتحول بدورها إلى يقين جديد أو مؤسسة جديدة تحتكر تعريف الدين والإنسان والمعنى.

أكتب هذه القراءة تكريمًا لمشروع صديقي الدكتور عبد الجبار الرفاعي، وأفهم التكريم هنا اعترافًا بحق المشروع في أن نقرأه بجدية، ونفككه بحب، ونضعه في مواجهة أصعب الأسئلة التي يوقظها. المشاريع الصغيرة وحدها تحتاج إلى المديح كي تبقى، أما المشاريع الحية فتزداد حيوية كلما دخلت في حوار واختلاف.

لعل أفضل ما يمكن قوله عن مشروع الرفاعي أنه لم يعد يسمح لنا بأن نتحدث عن الدين بعده بالطريقة نفسها التي كنا نتحدث بها قبله. غير أن الوفاء الحقيقي لروحه التجديدية يقتضي ألا نتعامل حتى مع مفاهيمه كنهايات. الدين، مثل اللغة، لا يمنح معناه دفعة واحدة، والإنسان لا يستقر في تعريف، والنص لا يغلق أبوابه بعد قراءة واحدة. وما نسميه تجديدًا لا يعني الوصول إلى المعنى الأخير؛ إنه إبقاء المعنى قادرًا على الولادة، وإبقاء السؤال حيًا في وجه كل سلطة تريد أن تعلن أن الكلام قد اكتمل.

***

د. تحسين الشيخلي

أكاديمي عراقي، حاصل على شهادة دكتوراه الدولة في هندسة المعلوماتية من فرنسا، وأستاذ مشارك في جامعة كينغستون في لندن، ومدير مركز دراسات وبحوث المستقبل في لندن.

مقدمة: تُمثل الفلسفة الهندية تياراً حياً يتجدد عبر العصور، لا كمجرد أفكار نظرية، بل كطريق حياة وتحول للوعي. في العصر الحديث، يمثل الانتقال من فلسفة المهاتما غاندي إلى فلسفة أوشو (راجنيش) تحولاً عميقاً داخل هذا التيار، يعكس استجابة الروح الهندية لتحديات الحداثة والعولمة. من منظور مشرقي، لا يُنظر إلى هذا التطور كقطيعة أو تناقض، بل كاستمرارية للوعي الهندي الأصيل الذي يسعى دائماً إلى تحقيق الحرية (موكشا) من خلال الواقع المتغير. غاندي يمثل مرحلة الالتزام الأخلاقي الاجتماعي والسياسي المبني على التقاليد الهندية القديمة، بينما يمثل أوشو مرحلة التحرر الفردي الراديكالي والاحتفاء بالحياة في مواجهة الزيف المؤسساتي. بينهما يتجلى تطور الفلسفة الهندية من الساتياغراها (قوة الحق) الجماعية إلى التأمل الفردي الذي يفجر الوعي. بما نفسر استمرارية الروح المشرقية في الفلسفة الهندية الحديثة؟ وما الذي تغير عند الانتقال من تجربة غاندي السياسية السلمية الى تجربة أوشو الحكمة؟

فلسفة غاندي: الأخلاق كمقاومة روحية

يُجسد المهاتما غاندي قمة الفلسفة الهندية الحديثة في سياق الاستعمار. لم تكن فلسفته نظرية مجردة، بل ممارسة حية لمبادئ «البهاغ أفاد غيتا» و«الأوبنشاد» وتقاليد الجانية والبوذية. جوهرها «الأهيمسا» (عدم العنف) ليس سلبياً، بل قوة إيجابية نابعة من الحقيقة (ساتيا). «الساتياغراها» – التمسك بالحق – هو التعبير العملي عن هذه الفلسفة. يرى غاندي أن الإنسان جزء من كل متصل (براهمان)، وأن أي عنف يمارَس ضد الآخر هو عنف ضد الذات. لذا، تحولت مقاومته للاستعمار البريطاني إلى تجربة روحية جماعية، تعتمد على الصوم، والصلاة، والعمل اليدوي (خادي)، والاكتفاء الذاتي. من المنظور المشرقي، يُعيد غاندي صياغة مفهوم «الدارما» (الواجب الكوني) ليصبح أداة تحرر سياسي وأخلاقي. يرفض فصل الدين عن السياسة، معتبراً السياسة خدمة روحية. كما ينتقد الحضارة الصناعية الغربية لأنها تقوم على الاستهلاك والعنف المادي، ويدعو إلى العودة إلى البساطة الريفية التي تتوافق مع التوازن الكوني. فلسفته تجمع بين اللاعنف والإرادة الحديدية، بين التقاليد والحداثة، مما جعلها نموذجاً عالمياً للمقاومة الروحية.

مرحلة الانتقال: الجسور بين السياسي والروحي

بين غاندي وأوشو، شهدت الفلسفة الهندية تيارات جسور مهمة. أثر رابندرانات طاغور في التوفيق بين الروح الهندية والإنسانية العالمية، بينما طور أوروبندو غوش مفهوم «اليوغا المتكاملة» التي تسعى إلى تحول الوعي البشري نحو «السوبرمان» (الإنسان الفائق) الذي يتجاوز الحدود المادية. هذه المرحلة الانتقالية تعكس تحول الفلسفة الهندية من مواجهة الاستعمار الخارجي إلى مواجهة الاستعمار الداخلي: استعمار العقل والرغبات والمؤسسات الدينية الجامدة. بدأت الروح المشرقية تتحرر من السياق السياسي المباشر لتغوص في أعماق الوعي الفردي، استعداداً لمرحلة أوشو.

فلسفة أوشو: التحرر من الذات والاحتفاء بالحاضر

يمثل أوشو (1931-1990) قمة التطور الراديكالي في الفلسفة الهندية المعاصرة. ينطلق من التراث الهندي العميق – التانترا، والزن، والتاو، واليوغا، والسوفية – لكنه يرفض كل أشكال السلطة الدينية والفكرية. من المنظور المشرقي، ليس أوشو «معلماً» تقليدياً بل «ميستر» يذيب التلميذ في الوعي نفسه.جوهر فلسفته هو «التأمل الديناميكي» الذي يجمع بين التنفس العميق، والحركة الجسدية، والسكون. يرى أن الإنسان الأصيل يجب أن يتحرر من «العقل» الذي هو مجموعة من البرمجيات الاجتماعية والدينية والثقافية. خلافاً لغاندي الذي يؤكد على الالتزام الأخلاقي والضبط الذاتي، يدعو أوشو إلى الاحتفاء بالحياة بكل أبعادها، بما فيها الجنس والرغبات، معتبراً إدانتها مصدر كل الاضطراب النفسي.يرفض أوشو كل «-إيزم» (مذهب)، بما في ذلك الغاندية إذا تحولت إلى دوغمائية.

  يقول إن الحقيقة لا يمكن أن تُؤسَّس، بل تُعاش في الحاضر. فلسفته «زانية» في جوهرها: الضحك، والرقص، والحب، والسكون هي الطرق إلى الإنوار (إنلايتنمنت). من منظور مشرقي، يُعيد أوشو اكتشاف جوهر التانترا الهندية القديمة: تحويل الطاقة الدنيا إلى وعي عليا، لا بقمعها بل بوعيها الكامل.

التطور: من الساتياغراها إلى الثورة الداخلية

يمثل الانتقال من غاندي إلى أوشو تطوراً من الخارج إلى الداخل، ومن الجماعي إلى الفردي، ومن الأخلاق إلى ما وراء الأخلاق. غاندي واجه العنف الخارجي بالأهيمسا الجماعية، بينما يواجه أوشو العنف الداخلي (الكبت، الخوف، الذنب) بالتحرر الفردي الكامل. 

مع ذلك، يبقى الاستمرار واضحاً في المنظور المشرقي: كلاهما ينبع من الروح الهندية التي ترفض فصل الروح عن المادة، وتسعى إلى الوحدة (أدفايتا). غاندي جسَّد اللاعنف في السياسة، وأوشو جسَّد اللاعنف في العلاقة مع الذات والرغبات. كلاهما ينتقد الحضارة المادية: غاندي من خارجها بالبساطة، وأوشو من داخلها بالوعي.

هذا التطور يعكس تغير السياق التاريخي: بعد الاستقلال، لم تعد المشكلة الرئيسية هي الاستعمار السياسي، بل الاستعمار النفسي والروحي للإنسان الحديث. لذا تحولت الفلسفة من أداة تحرير وطني إلى أداة تحرير وجودي.

دلالات التطور في الحقبة المعاصرة

يمثل هذا المسار من غاندي إلى أوشو قدرة الفلسفة الهندية على التجدد دون خيانة أصولها. في عالم اليوم المضطرب بالتطرف والمادية والتقنية، تقدم غاندي نموذجاً للمقاومة الأخلاقية الجماعية، بينما يقدم أوشو طريقاً للتحرر الفردي من الوهم الداخلي. من المنظور المشرقي، لا تناقض بينهما؛ بل هما مرحلتان في رحلة الوعي الهندي نحو الحرية الكاملة. غاندي أعد الأرض بالأخلاق، وأوشو زرع فيها بذور الوعي المتفجر. هذا التطور يؤكد أن الفلسفة الهندية ليست تراثاً جامداً، بل نهر حي يتكيف مع كل عصر دون أن يفقد جوهره: البحث عن الحقيقة من خلال التجربة الداخلية والخارجية معاً.

خاتمة:

من غاندي إلى أوشو، تطورت الفلسفة الهندية من الالتزام بالحق في مواجهة الظلم إلى الاحتفاء بالحياة في مواجهة الزيف. هذا التطور ليس انحرافاً، بل نضجاً مشرقياً يذكر الإنسانية بأن الطريق إلى الحرية يمر دائماً عبر القلب والوعي، لا عبر المذاهب الجامدة. في عصرنا الذي يعاني من أزمة المعنى، تبقى هذه الفلسفة شاهداً حياً على قدرة الروح الشرقية على إعادة اختراع نفسها، مقدمة للعالم نموذجاً يجمع بين السلام الداخلي والتغيير الخارجي، وبين الصمت والاحتفال، وبين القدم والجديد. الفلسفة الهندية، بهذا المعنى، ليست تاريخاً، بل دعوة مستمرة للاستيقاظ. بأي يمكن اعتبار الفلسفة الهندية كطريق مفتوح؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

من مركزية الحقيقة إلى تعددية العوالم الفكرية

تلك هي اللحظة التي توقف فيها الفكر الإنساني كالمسافر الذي بلغ مفترق طرق ليجد أن الخرائط التي رسمها أسلافه لم تعد تصوّر تضاريس الوجود وأن البوصلة التي اهتدى بها قروناً لم تعد تشير إلى جهةٍ واحدة بل إلى كل الجهات في آنٍ. هنا في هذا المفترق الحادّ حيث تتهاوى مراكز الحقيقة القديمة كالتماثيل التي تحطّمها رياح التاريخ ويتبدّد وهج اليقينيات المطلقة في فضاءات التشكيك وحيث يتلاشى الأفق الواحد لتحل محله آفاقٌ متكاثرةٌ لا تحصى، يبرز سؤالٌ جوهريٌّ يطارد الفلسفة الحديثة والمعاصرة كشبحٍ لا يُردع كيف يمكن للفكر أن يُعيد بناء صرحٍ كونيّ في عالمٍ فقدَ وحدةَ معناه وتعددتْ فيه وجهاتُ النظر وتناثرتْ حقائقه كالمرايا المحطّمة التي يرى كلٌّ فيها انعكاساً مختلفاً لنفس الحقيقة المتشظّية؟

إن تاريخ الفلسفة منذ نشأتها الأولى في لحظة الدهشة الإغريقية، لم يكن سوى رحلةٍ متصلةٍ نحو البحث عن ذلك الكوني الجامع، عن المبدأ الأوحد الذي يفسّر تعدد الظواهر وعن الحقيقة التي لا تتغيّر بمرور الزمان أو اختلاف الأمكنة، كان الفلاسفة في محاولاتهم المتعاقبة يبنون صروحاً ميتافيزيقيةً شامخةً ويعتقدون أنها تصمد أمام كل نقدٍ وتحتضن كلّ جزئيٍّ في كليّتها الباذخة، أفلاطون وضع مثالَه الأعلى وأرسطو بنى قاطعاتِه المنطقية وكانط حاول في نقديه أن يجد أرضيةً ثابتةً للمعرفة الإنسانية ضمن حدود العقل الخالص وديكارت أسّس على الشكّ اليقين، وهذه المحاولات كلّها بمآلاتها الجليلة كانت تبحث عن مركزٍ لا يتزعزع، عن نقطة أرخميدية يمكن للفكر أن يرفع بها العالم. غير أن هذا المسار المتصل الذي بدا منظمّاً وكأنه سيرورةٌ طبيعيةٌ نحو الاكتمال، فاجأته في منتصف القرن التاسع عشر هزّةٌ نيتشويةٌ عنيفة جعلته يعيد النظر في أقدامه كلّها بل في شرعيةِ المسير ذاتها، فليس في الأمر مجرّد شكٍّ ديكارتيٍّ منهجيّ بل هو نقضٌ جذريٌّ لكل مرجعية وإعلانٌ بأن ما ظنناه حقيقةً ليس سوى انعكاسٍ لرغباتنا العمياء وما حسبناه كونيّاً مطلقاً هو مجرّد صدىً لإرادة قوّةٍ بعينها، ثم توالت الهزّات مع التفكيكية والهرمنيوطيقا وما بعد البنيوية والأنثروبولوجيا الفلسفية لينكشف للجميع أن الحقيقة ليست جوهراً يُكتشف بل هي بناءٌ يُنتَج وأن المعرفة ليست مرآةً تعكس العالم بل هي أداةٌ تشكّله وتُشوّهه في آن.

وصار السؤال عن "إعادة بناء الكوني" هو سؤالُ العصر الفلسفي بامتياز ليس بوصفه اشتياقاً حنيناً إلى ماضٍ ميتافيزيقيٍّ فُقد ولكن بوصفه مشروعاً مستقبلياً ينبثق من رحم التعدد والاختلاف، مشروعاً لا يطمح إلى إلغاء التعدد بل إلى تأسيس كونيّةٍ هشّةٍ ومفتوحةٍ، كونيّةٍ لا تفرض ذاتها بالقوّة بل تُقترح كأفقٍ للحوار وكإمكانٍ للتفاهم وكالتزامٍ أخلاقيٍّ بالآخر، في هذا السياق المعقّد تبرز الفلسفة ليس كملكةٍ للحقائق بل كفنٍّ للعيش مع الأسئلة وكفعلٍ لا ينتهي من البحث عن المعنى في بحرٍ من المعاني المتصارعة وكجسرٍ بين عوالم فكريةٍ لا يمكن اختزالها في بعضها، لكنها في الآن نفسه لا يمكن أن تبقى متباعدةً دون محاولةٍ دؤوبةٍ للتفاهم، إنها في جوهرها ذلك الحلم الإنساني النبيل الذي يظل رغم كل شيء مضيئاً في دروب الشكّ والريبة.

تلك لحظةٌ فارقةٌ في تاريخ الفكر، لحظةٌ أعلن فيها نيتشه بلسانٍ ناريّ "موت الإله"، لم تكن مجرد نعي لكينونةٍ متعالية بل كانت إيذاناً بانهيار مركز الثقل الذي دارت في فلكه الحقيقةُ والمعنى والقيمة. فهذا "الإله"، الذي لم يعد إلهاً بالمعنى اللاهوتي الضيق، كان يمثّل الرمزَ الأسمى للنظام الكوني الذي ينتظم فيه كل شيء وفق غايةٍ ومعنى، كان الضامنَ الأسمى لوحدة الحقيقة ومركزيتها، فبموته كما تنبأ نيتشه تهشّم ذلك البناءُ الميتافيزيقي الهائل وانهارت معه الإحداثيات التي كانت توجّه الإنسانَ في مسعاه لفهم العالم، وبدأت رحلةُ التيه في صحراء العدمية التي لم تكن مجرد فقدانٍ للإيمان بل فقداناً للإطار الذي يمنح الأشياء معناها، فأعلن نيتشه في قولةٍ أخرى لا تقل قسوةً "أفول الأخلاق"، ليس بمعنى سقوطها بل بانكشاف حقيقتها الوضعية كخليقةٍ إنسانية، أداة في صراع القوى والإرادات، فانكشف أن ما ظنناه حقيقةً مطلقةً إنما هو منظورٌ أو كما أسماها هو "إرادةُ قوة" تتخفّى خلف ثوبٍ أخلاقيّ جامدٍ، وهنا عند حافة هذا الهاوية التي فتحها نيتشه في صميم الفكر الغربي يبدأ السؤالُ الفلسفي الحقيقيُّ بجدّته القصوى كيف يمكن إعادةُ بناء كونيّتنا بعد أن تفكّكت صورةُ الكون الواحد ذي المعنى الواحد والحقيقة الواحدة؟

إن نقد نيتشه الجذري الذي كان بمثابة زلزالٍ هزّ أسس الفلسفة لم يكتفِ بهدم الأوثان بل كان في جوهره محاولةً لتحرير الفكر من هيمنة مفهومٍ واحدٍ للحقيقة وكان إيذاناً بولادةٍ جديدةٍ أو على الأقل بداية مخاضٍ عسيرٍ لفلسفةٍ أخرى. وهذا المخاض الذي سيأخذ أشكالاً متعدّدةً في مسار الفلسفة يجد صداه العميق في أعمال فلاسفةٍ كثر، ربما كان ميشيل فوكو من أبرزهم في كشف العلاقة الخفيّة بين الحقيقة والسلطة فلم يعد السؤال ما هي الحقيقة؟ بل كيف تنتج الحقيقة؟ وما هي الآليات المؤسسية والخطابية التي تجعل من قولٍ ما حقيقةً ومن قولٍ آخر هرطقةً أو ضلالاً؟ لقد قلب فوكو المسألة رأساً على عقب إذ لم يرَ في الحقيقة كشفاً لموضوعٍ سابقٍ عليها بل هو نتاجٌ لممارساتٍ وقواعدَ ولعبةٍ سلطويةٍ، فالحقيقة ليست في انتظارنا لكي نكتشفها بل نحن ننتجها عبر خطاباتنا وعبر شبكات السلطة والمعرفة التي ننسجها. وهذا يعني كما يقول في كتابه "تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي"، أن ما نسميه "العقل" وما نسميه "الجنون" ليسا جوهرين ثابتين بل هما نتاجٌ لخطاباتٍ تاريخيةٍ متغيّرةٍ؛ حيث يُمارس نوعٌ من الإقصاء والعنف الرمزيّ على كل ما لا يتناسب مع معيار العقلانية السائد. وانتقل السجال الفلسفي من البحث عن معايير الحقيقة المطلقة إلى كشفٍ أرثيولوجيٍّ للقوى التي تشكّلها، فلم تعد الفلسفة على نحو ما أرادها ديكارت رحلةَ يقينٍ فرديّ بل حفراً في جيولوجية المعرفة ذاتها وكشفاً للطبقات المتصلّبة التي بنيت عليها مفاهيمنا الأساسية، وهذا التحوّل من الحقيقة بوصفها وحدةً كونيةً إلى الحقيقة بوصفها نتاجاً تاريخياً وضعياً، يمهّد الطريق نحو تعدديةٍ معرفيةٍ كان لا بدَّ لها أن تتصدّر المشهد الفلسفي في النصف الثاني من القرن العشرين.

وإذا كان نيتشه قد أعلن موت الإله وفوكو قد كشف عن وجه السلطة في الحقيقة، فإن جاك دريدا أتى ليكمل عمليّة التفكيك ويضرب في صميم اللغة ذاتها، تلك الوسيط الذي تظن الفلسفة أنها من خلاله تمسك بالمعنى والحقيقة. فمن خلال التفكيك أو "ديكونستركسيون"، كشف دريدا عن أن اللغة لا تعكس المعنى ولا تنقله بشفافيّة بل هي لعبةٌ من الإحالات والاختلافات اللانهائية، فالمعنى ليس كامناً في الكلمة بل هو نتاجٌ لسلسلةٍ من الفروق (الاختلاف) والتأجيل (التأخير)، وهو ما صاغه في مفهومه المحوري "الاختلاف" (Différance)، الذي يجمع بين معنى الاختلاف ومعنى التأجيل، فالدلالةُ لا تستقرّ أبداً والدالُّ يحيل إلى دالٍّ آخر والوجودُ ذاته كما قد يقول ليس حضوراً كاملاً بل هو أثرٌ يتشكّل في شبكةٍ من الغيابات والإحالات. ضربت فلسفة دريدا في العمق فكرةَ مركزية المعنى، تلك الفكرة التي جعلت من الفلسفة الغربيّة بحثاً عن "حضورٍ" متعاليٍ، "لوغوس" يمنح الكلامَ والوجودَ نظامَهما ووحدهما فتفكيكُ هذه المركزية يعني تفكيكَ كل البنى الثنائية التي تقوم عليها الفلسفة التقليدية، حضور/غياب، روح/مادة، خير/شر، عقل/جنون، وكلها بنىٌ تقوم على تفضيل أحد طرفيها على الآخر وتأسيس مركزيةٍ ضمنيةٍ للأول. وما قام به دريدا لم يكن مجرد منهجٍ نقديّ بل كان قطيعةً أنطولوجيةً مع التصوّر التقليدي للوجود والحقيقة، إذ يتحوّل العالم من كونٍ منتظمٍ في وجوده ومعناه إلى نسيجٍ من النصوص، والقراءة ليست اكتشافاً لمعنى مختبئ بل هي لعبةٌ إبداعيةٌ تنتج معانيَ جديدةً في كل لقاءٍ مع النص. إنها فلسفةٌ تفتح الباب على مصراعيه لتعدّدٍ لا نهائي من التأويلات، ففي عالمٍ حيث كل شيءٍ هو نص، كل قراءةٍ هي كتابةٌ جديدة وكل معنى هو تأجيلٌ لمعنى آخر وكل استقرارٍ هو وهمٌ سرعان ما يتبدد أمام سيل الإحالات اللانهائي. وهذه الرؤية الجذرية للغة والمعنى هي التي تشكّل الأرضية الفلسفيّة التي قامت عليها النزعةُ "ما بعد الحداثيّة" التي لم تعُد ترى في التعدّد هوّةً يجب تجاوزها بل حقيقةً ينبغي الاحتفاء بها وتنوعاً يثري الفكر ولا يفقره.

إن الانتقال من فلسفة الحقيقة الواحدة المركزية إلى فلسفة التعدّد والاختلاف لم يكن مجرد تطوّرٍ أكاديميّ في تاريخ الأفكار بل هو انعكاسٌ لتحوّلٍ عميقٍ في وعي الإنسان المعاصر بوجوده في العالم، فبعد أن فقدت السرديّات الكبرى تلك الحكايات الشاملة التي كانت تمنح التاريخَ معنىً والوجودَ غايةً وزهوها وقداستها، وجد الإنسان نفسه أمام متاهةٍ من القصص الصغرى، أمام حقائق متعددةٍ، تتعايش في زمنٍ واحد وتتنافس على فرض رؤاها، وهذه الحالة التي وصفها جان فرانسوا ليوتار بـ "شرط ما بعد الحداثة" لم تكن نهايةً للفلسفة بل هي بدايةٌ لنوعٍ آخر من التفلسف، تفلسف لا يبحث عن يقينٍ جامد بل عن حكمةٍ في العيش مع التعدّد، عن أخلاقٍ لا تُبنى على أسسٍ مطلقة بل على مسؤوليّةٍ تجاه الآخر، على وعيٍ بالاختلاف الجذريّ الذي يشكّل هويّةَ الذات كما هويّة الآخر. وهذا يتطلّب من الفلسفة أن تغيّرَ أدواتها وأن تتخلّى عن طموحها القديم في الوصول إلى جوهرٍ نهائيّ وأن ترضى بأن تكون تأويلاً مستمرّاً ومحاولةً متواضعةً لفهم عالمٍ لا يقبل اختزالاً واحداً بل هو كما عبّر بودريار عالمٌ من "المحاكاة" حيث الحدودُ بين الحقيقة والوهم، بين الأصلي والنسخة وبين الواقعي والخيالي. وقد أصبحت مشتبكةً إلى حدٍّ يصعب معه التمييز بل يصبح الوهم في كثيرٍ من الأحيان أكثر حضوراً من الواقع نفسه. فإذا لم تعد الفلسفة قادرةً على أن تقدّم مرآةً صافيةً تعكس حقيقةَ العالم، فعليها أن تصبح أداةً لتفكيك تلك المرايا المزيّفة وكشف الخيوط الخفيّة التي تنسج شبكات المعنى في عصرٍ تغيّرت فيه علاقة الإنسان بالعالم وبذاته وبالآخرين.

وتتجلّى قضيّةُ "إعادة بناء الكونيّ" في هذا السياق بوصفها تحدّياً فلسفيّاً من الدرجة الأولى، ليس بمعنى العودة إلى كونيّةٍ تقليديّةٍ جامدةٍ تقوم على إقصاء كل ما يخالفها وإنما بمعنى البحث عن أرضيةٍ مشتركةٍ جديدة، أرضيةٍ لا تقوم على "التطابق" أو "التوحيد"، بل على "التوافق" و"التفاهم" في ظلّ الاختلاف. وهذه المهمة إن كانت تبدو مستحيلةً في ظلّ التيارات التفكيكية التي تنفي إمكانية أيّ معنىً جامع إلا أنها تمثل ضرورةً وجوديةً وأخلاقيةً للإنسان المعاصر الذي لم يعد بإمكانه أن يعيش منغلقاً في عالمه الذاتيّ الصغير ولا أن يفرض عالمه قسراً على الآخرين، فالتحدّي الآن هو في كيفيّة إعادةِ بناءِ مفهومِ الكونيّ من الداخل أي من داخل الاعتراف الجذريّ بالاختلاف والتعدّد، كونيّ يستوعب الاختلاف ولا يلغيه ويرى في التعدّد ثراءً لا فوضى وفيه تلتقي الرؤى المختلفة دون أن تفقد خصوصيّتها، وكأنه محاولةٌ لصياغة "لغةٍ" مشتركةٍ للفهم لا لوحدةٍ كاملةٍ في الفكر بل لتفاهمٍ قائمٍ على احترام عميقٍ لكلّ منظورٍ، هذا ما حاولت هرمنيوطيقا التأويل وعلى رأسها هانز جورج غادامير الذي لم يرَ في التأويل مجرّد تقنيةٍ لفهم النصوص بل هو بُعدٌ أنطولوجيّ للوجود الإنساني إذ الفهم عند غادامير هو الطريقة التي نكون بها في العالم والكونيّ الذي ينشده ليس كونيّاً مجرّداً، بل كونيّاً يتحقّق في عملية الفهم نفسها حيث يندمج أفقُ القارئ بأفقِ النصّ ويتجاوز كلٌّ منهما حدوده الذاتيّة منتجاً معنىً جديداً، وهذا المعنى الجديد ليس حقيقةً مطلقة بل هو حلقةٌ في سلسلةٍ لا نهائيةٍ من التأويل، فالتقليد والفهم ليسا جموداً بل حوارٌ ممتدٌ عبر الزمن، حوارٌ تتشكّل فيه الهويّة والكونيّ معاً، وهذا هو معنى "إعادة البناء" التي يتحدّث عنها مقالنا هذا، ليست بناءً من الصفر بل إعادةُ تشكيلٍ دائمةٍ وحيّةٍ للكونيّ من خلال حوارٍ لا ينقطع مع تراثنا ومع الآخرين ومع إشكالات عصرنا.

غير أن هذه الهمة التأويلية لدى غادامير على اتساع أفقها وعمق بعدها الأنطولوجي ظلت محتفظة بجذوة إيمانيةٍ خافتة بإمكانية الانصهار في أفقٍ واحدٍ للفهم، وكأنها تبحث وراء كل حوار عن أرضيةٍ صلبةٍ تلتقي عليها الأرواح والعقول. وهذا ما دفع بفلاسفةٍ آخرين على شاكلة إيمانويل ليفيناس، إلى نقض هذه النزعة التوحيدية من جذورها معلنين أن العلاقة بالآخر ذاك الغريب المطلق، لا يمكن اختزالها في أي عملية فهمٍ أو تأويل، لأن الآخر في تجلّيه الأصلي يتجاوز كل إطارٍ معرفيّ ويكسّر كل أفقٍ مألوف، إنه "الوجه" الذي يأمرني ويستفزّ مسؤوليتي لا بصفته موضوعاً للمعرفة بل بصفتة حدثاً أخلاقياً يسبق كل معرفة ويؤسس لكونيّة من نوع مغاير، كونيّة لا تقوم على وحدة المعنى بل على لامتناهي المسؤولية تجاه الغريب، حيث يصير السؤال الفلسفي المركزي ليس "كيف أعرف؟" بل "كيف أتحمل مسؤوليتي تجاه الآخر؟". وهنا تتبدّل معالم الكوني جذرياً إذ لم يعد كونياً يستوعب الاختلاف في فهمٍ مشترك بل كونياً يرتكز على عدم التماثل، على الانكسار الذي يحدثه وجه الآخر في أنانيّتي المعرفية وعلى القطيعة التي تخلقها مسؤوليته المحمّلة عليّ. هذا الكوني الأخلاقي الأصيل عند ليفيناس، لا ينبثق من تشابه الآفاق بل من عمق الاختلاف الجذري، من تلك الهوة التي تفصل بيني وبين الآخر وتجعل من لقائي به حدثاً أخلاقياً لا نظير له، فالمسؤولية في هذا المنحى ليست اختياراً بين خيارات بل هي شرطٌ قبليّ للوجود الإنساني، وحين يحاول الفكر أن يتسامى في بنيانه النظري على هذه المسؤولية الأزلية فإنه يخون جوهره الإنساني ويقع في شرك الأنانية الميتافيزيقية التي جعلت من الذات مركز الكون ومقياس الحقيقة. لهذا كانت فلسفة ليفيناس نقلةً نوعيةً ليس فقط في الأخلاق بل في نظرية المعرفة ذاتها، إذ أن المعرفة في غياب هذه البعد الأخلاقي تصير استلاباً للآخر وتسييجاً له ضمن شبكات المفهوم، بينما الأخلاق بوصفها فلسفة أولى تعيد تعريف الحقيقة ذاتها كالتزامٍ وتضحية وإيثار لا كتطابقٍ ومطابقة.

من زاوية أخرى تتخذ مسألة التعدّد المعرفي والكوني الممكن بُعداً سياسياً حادّاً خصوصاً حين تنتقل من حيّز الفلسفة المحضة إلى حيّز العلاقات بين الثقافات والأمم، هنا يبرز دور مفكّرين كإدوارد سعيد الذي كشف في كتابه الموجّه "الاستشراق"، عن الآليات الخفيّة التي بنت بها المعرفة الغربيّة صورةَ "الشرق" كآخرٍ مغايرٍ ومتفوّقٍ عليه في آنٍ وكيف أن هذه المعرفة لم تكن بريئةً بل كانت جزءاً من استراتيجية سلطوية ومعرفية تهدف إلى تثبيت هيمنة الغرب وتبرير مشروعه الاستعماري. فما قدّمه سعيد ليس مجرد نقدٍ أكاديميّ لخطابٍ ما بل هو كشفٌ لجيولوجيا المعرفة الاستعمارية وكيف أن بناءَ "الشرق" كموضوعٍ للدراسة الغربية كان في جوهره عمليةَ إقصاءٍ وتهميشٍ وإعادة إنتاج لمركزيةٍ كونيةٍ أخرى، مركزيةٍ غربيةٍ تتخفّى خلف ثوب العلم والموضوعية. وتصبح الفلسفة نفسها والخطاب الإنساني عموماً ملتقىً لصراعات القوى وميداناً لإعادة إنتاج هياكل الهيمنة ويصير السؤال عن الكوني مطروحاً في سياقٍ سياسيّ ملتهب، هل يمكن الحديث عن كونيٍّ أخلاقيٍّ أو معرفيٍّ يتجاوز هذه الانقسامات التاريخية والجغرافية أم أن كل ادعاءٍ بالكونيّة هو تغطيةٌ لمصالحَ خاصّةٍ تختبئ وراء لغة الحياد والشمولية، هنا يتداخل النقد الفلسفي مع النقد السياسي ويصبح التفكيك الدريدي أداةً لفضح البنى الاستعمارية الخفيّة في اللغة والمفهوم، ويصير الحلمُ بكونيٍّ جديدٍ ليس مجرد حلٍ نظريّ بل مشروعاً سياسياً وثقافياً يتطلب إعادةَ تقييم شامل للتراث المعرفي البشري وتحريرَه من الرواسب السلطوية التي تخللت بناه على مر العصور.

وتبرز تساؤلات وجودية لا تقل عمقاً تتعلق بمكانة الإنسان ذاته في هذا الكون المتشظّي وكيف له أن يبني هويّته ويتّخذ قراراته ويؤسّس لحياته الفردية والجماعية في غياب مرجعياتٍ قطعيةٍ أو مبادئَ كونيةٍ مطلقة، هذه التساؤلات التي شغلت الفلاسفة الوجوديين من كيركغور إلى سارتر تلتقي الآن مع النقد التفكيكي ومع الأخلاق اللا تماثلية لتشكّل أزمةً حقيقيةً للإنسان المعاصر الذي أصبح يعيش في حالةٍ من "الترنّح المعرفي" أو ما يمكن وصفه بفقدان الثقل الميتافيزيقي فلم يعد بإمكانه أن يحتضن حقيقةً واحدةً أو ينتمي إلى سرديةٍ كبرى، لكنه في الوقت نفسه لا يستطيع العيش في الفراغ أو في فوضى المعاني المتناثرة، لذلك يجد نفسه مضطراً إلى اختراع معانيه الخاصة وإلى بناء كونيّته الصغرى من خلال قراراته والتزاماته ومن خلال علاقاته بالآخرين ومن خلال مسؤوليته تجاه العالم الذي يرثه ويؤثّر فيه، وهذا ما عبّر عنه سارتر بعبارته الشهيرة "الإنسان مشروعٌ يعيش مشروعه"، أي أنه لا يجد معنىً جاهزاً بل يصنعه بنفسه بفعل حريته، وفي هذا السياق لا يُنظر إلى التعدّد كعائق أو هزيمة بل يُنظر إليه كشرطٍ لإمكانية الإبداع والحرية، فلو كانت الحقيقة واحدةً ومغلقةً لما كانت للإرادة البشرية حاجةٌ إلى أن تختار أو تجتهد أو تتحمّل عناء المعنى، أما في ظل التعدّد المفتوح فإن مسؤولية الإنسان تتضاعف لأن عليه أن يختار من بين هذا السيل المتدفق من الرؤى والمعتقدات والقيم ما يشكّل بوصلته الخاصة، مدركاً أن اختياره ليس نهائياً وأنه يتحمّل تبعاته أمام نفسه وأمام الآخرين. وهذه الحرية التي تمنحها حالةُ غياب اليقين ليست نعمةً محضة بل هي عبءٌ ثقيل لأنها تعني أن الإنسان لا يستطيع إلقاء اللوم على قدرٍ متعاليٍ أو حقيقةٍ مطلقةٍ في فشله بل هو وحدَه من يصنع فشله أو نجاحه في عمليةٍ دائمةٍ غير مكتملةٍ، وتصبح الفلسفة بعد أن أفقدت يقينها القديم مدرسةً في الشجاعة ومدرسةً تعلّم الإنسان كيف يواجه المجهول وكيف يبني في قلب القلق الوجودي موطئَ قدمٍ للسلام الداخلي وكيف يتحوّل من كائنٍ يستمدّ معناه من الخارج إلى كائنٍ يصبح هو نفسه مصدر المعنى والأخلاق والجمال.

إن إعادة بناء الكوني في هذا العصر المتشظّي ليست مشروعاً يهدف إلى استعادة مركزيةٍ مفقودة ولا إلى تجميع شتات العوالم الفكرية تحت سقفٍ واحدٍ واهٍ، إنها في الواقع مشروعٌ متواضعٌ وجليلٌ في آنٍ، لأنه يقرّ بعجز الفلسفة عن امتلاك الحقيقة النهائية، لكنه في الوقت نفسه يمنحها أسمى مهماتها، أن تكون أخلاقاً للاختلاف وتأويلاً للحياة ووعياً بتاريخيتها المفتوحة على كل ممكن. إنها إعادة بناء لا تؤسس لمعبدٍ جديدٍ تسكنه الحقيقة الواحدة بل تؤسس لورشةٍ دائمةٍ يتعاون فيها الفلاسفة وكل البشر الذين يبحثون عن المعنى في بناءٍ متجدّدٍ من المعاني المتقاطعة، ورشة لا تخشى الانهيار لأنها تدرك أن كل بناءٍ هو مرحلةٌ في رحلةٍ لا نهاية لها وكل حقيقةٍ هي محطةٌ في سفرٍ لا يتوقّف، فلسفةُ الغد إن صحّ التعبير، لن تكون علماً باليقينيات بل فنا في العيش مع الأسئلة ومهارةً في تحويل التناقض إلى جدلٍ خصب ولن يكون الكونيُّ الذي تنشده هو أفقاً مغلقاً يضمّ كل شيء بل هو أفقٌ مفتوحٌ يتّسع باستمرار لاستقبال كل غريبٍ وكل مختلف وكل ما هو خارج التوقّع، إنه كونيةُ المسؤولية الأخلاقية كما أرادها ليفيناس وكونيةُ الحوار كما حلم بها غادامير وكونيةُ التفكيك التي لا تسكن في أيّ مركزٍ ثابت بل في حركة النقد الدائبة، إنها رحلة العقل في عوالمه الممكنة، رحلةٌ لا تبلغ مرسىً نهائياً بل تجد غايتها في سيرها ذاتها، ولا تكون الفلسفة قد فقدت شيئاً بفقدانها لمركزية الحقيقة بل على العكس تكون قد ربحت عالماً كاملاً من الاحتمالات وفهمت أخيراً أن حريتها الحقيقية تكمن لا في امتلاك الحقيقة بل في السعي الدائم نحوها، في حالةٍ من التواضع المعرفي والرهبة الأخلاقية من كلّ ما يقع خارج دائرة يقينها، وتظل الفلسفة، في أعمق تجلياتها ذلك النبض الحيَّ للإنسانية، صداها الأبدي عن الوجود والسؤال الذي لا يخبو والحوار الذي لا ينقطع مع الأزلية المتجدّدة في كل لحظة ومع البشرية التي لا تتوقف عن ابتكار عوالمها وتحويل التعدد من أزمةٍ إلى فرحٍ لا ينضب.

***

د. حمزة مولخنيف

 

بدأت الفلسفة الطبيعية اليونانية بمحاولة جذرية للانفصال عن التفسيرات الأسطورية، متجهة نحو إرساء مبدأ كوني مفسر للوجود يُعرف باسم "الأول" أو "المبدأ". فبينما قدم طاليس "الماء" بوصفه أصلاً مادياً تعود إليه سائر الموجودات، خطا أنكسيمندر خطوة تجريدية حاسمة باقتراحه "الأبيرون" (أي اللامتناهي أو غير المحدود) كمصدر أزلي نشأت منه الأكوان. ورأى أنكسيمندر أن الأصل الأول لا يمكن أن يكون عنصراً معيناً في الطبيعة كالماء أو النار؛ لأن تحديد خصائص عنصر ما يجعله نقيضاً لعناصر أخرى، مما يمنع قدرته على توليد الأضداد كلها. ولذلك، وجب أن يكون هذا المبدأ غير محدود بخصائص معينة، وأزلياً لا بداية له ولا فناء. ويشير أرسطو إلى أن أنكسيمندر أسبغ صفة "الألوهية" على الأبيرون، حيث اعتبره مبدأً يوجه كل شيء ويحيط بكل شيء، وهو ما يمثل النواة الأولى ل -اللاهوت الطبيعي الذي يربط البحث في الطبيعة بالبحث عن العلة الأولى المتعالية.

واجهت هذه الفلسفات الطبيعية المبكرة مأزقاً منطقياً حاداً مع ظهور المدرسة الإيلية؛ إذ جادل بارمنيدس وتلميذه زينون الإيلي بأن الوجود واحد، حقيقي، وثابت، وأن التغير والكثرة مجرد أوهام حسية. وسعى زينون عبر مفارقاته الجدلية إلى إثبات أن القول بوجود كثرة يؤدي إلى تناقضات منطقية مستعصية، مفترضاً أنه لا يوجد وسط بين القول بأن الوجود واحد والقول بأنه كثرة. وبلغ هذا الاتجاه الإيلي حداً متطرفاً مع مفكرين مثل ليكوفرون، الذي ذهب إلى إزالة رابطة الوجود ("هو" أو "يكون") من اللغة في استخداماتها الإخبارية، تجنباً للوقوع في مفارقة جعل الشيء الواحد كثرة عند وصفه بصفات متعددة.

عالج أرسطو هذا الانسداد الأنطولوجي في كتابيه "الفيزياء" و"ما وراء الطبيعة"، موضحاً أن أسلافه سقطوا في مغالطة لغوية ناتجة عن عدم إدراكهم أن لمصطلحي "الواحد" و"الوجود" دلالات ومعانٍ متعددة. وبسط أرسطو تمييزه الشهير بين "القوة" و"الفعل" كأداة لحل مفارقة الواحد والكثرة؛ إذ يمكن للشيء أن يكون واحداً بالفعل، لكنه ينطوي على كثرة بالقوة، مما يجعل حدوث التغير والصيرورة أمراً ممكناً ومنطقياً دون المساس بمبدأ الهوية أو الوقوع في التناقض.

هندسة الوجود والمحرك غير المتحرك عند أفلاطون وأرسطو

تطور البحث عن العلة الفاعلة والصورية مع نضوج النسقين الأفلاطوني والأرسطي. ففي محاورة "تيماوس"، قدم أفلاطون مفهوم "الصانع" أو "الديميورغ" كعلة فاعلة عاقلة تقوم بصياغة المادة الهيولية المشوشة وتشكيلها وفقاً للأنماط والمُثل الهندسية الأزلية. ولم يكن الديميورغ عند أفلاطون خالقاً للمادة من العدم، بل كان منظماً يُسقط الأشكال الهندسية على الفوضى المادية لإنتاج كون متسق. وارتبطت العلة هنا بالعلية الغائية والصورية؛ حيث تشكلت العناصر الأربعة (التراب، الماء، الهواء، النار) من مجسمات هندسية منتظمة تعكس الكمال الرياضي.

أما أرسطو، فقد أسس في المقالة الثامنة من "الفيزياء" و " المقالة الثانية عشرة" من "ما وراء الطبيعة" لبرهان "المحرك الذي لا يتحرك". وانطلق أرسطو من فكرة أن الحركة في العالم المادي أزلية ومستمرة، وبما أن كل متحرك لا بد له من محرك يخرجه من القوة إلى الفعل، فإن تفادي التسلسل اللانهائي يفرض وجود محرك أول أزلي لا يتحرك. ووصف أرسطو هذا المحرك بأنه جوهر لا مادي، بسيط، خالٍ من أي إمكانية أو قوة، كماله مطلق، ونشاطه الوحيد هو الفكر الخالص الذي يتأمل ذاته؛ لأنه لا يليق بكماله تأمل أشياء أدنى منه.

وتثير طبيعة العلية التي يمارسها هذا المحرك نقاشاً واسعاً في الشروح الفلسفية. فبينما يرى التفسير التقليدي، الذي دافع عنه معلقون مثل ديفيد روس، أن المحرك الأول يعمل كعلة غائية فقط؛ أي أنه يحرك الفلك الأقصى من خلال الحب والتشبه بكماله، كما يحرك المعشوقُ عاشقه دون أن يتحرك المعشوق نفسه، جادل آخرون بوجود أبعاد لعلية فاعلة ومحركة بالمعنى الفيزيائي. ويقترن هذا الجدل بتحقيق لغوي نصي حول الكلمة اليونانية "إينيرجيا" إذ تشير الأبحاث الحديثة في المخطوطات القديمة إلى أن النساخ المتأخرين في العصر البيزنطي أخطأوا في نقل الحرف اليوناني "أيوتا" الفرعي، مما أدى إلى قراءة اللفظ كاسم مرفوع يعني "الفعل الخالص"، في حين أن القراءة الصحيحة هي في حالة الجر الدال على الفاعلية المستمرة "في الفعل". ويعني هذا التعديل أن المحرك الأول عند أرسطو ليس مجرد مفهوم تجريدي جامد، بل هو كيان دائم النشاط والفاعلية والحضور الأنطولوجي. ولم يكن هذا المحرك فريداً بالمعنى المطلق، بل افترض أرسطو وجود عدد من المحركات الثانوية يطابق عدد الأفلاك السماوية المتحركة لتفسير حركاتها الدائرية المعقدة.

التسامي والفيض واللاهوت الوسيط

شهدت القرون الوسطى محاولة كبرى للتوفيق بين الفلسفة اليونانية واللاهوت التوحيدي. انطلقت هذه المحاولات من أطروحة أفلوطين والأفلاطونية المحدثة حول "الواحد" الذي يفيض عنه الوجود تدرجياً بالضرورة الميتافيزيقية دون إرادة أو تغير في ذاته، مما يخلق رابطاً أنطولوجياً دائماً بين العلة ومعلولاتها. تبنى ابن سينا هذا الإطار الفكري وطوره في صياغته الشهيرة لـ "برهان الصديقين" لإثبات وجود الله كـ "واجب الوجود". وأقام ابن سينا برهانه على التمييز الأنطولوجي بين الماهية والوجود؛ ورأى أن ماهية الأشياء الممكنة لا تستلزم وجودها، فمفهوم "الإنسان" مثلاً لا يقتضي بالضرورة وجوده في الخارج، وبالتالي، فإن الكائن الممكن يحتاج دائماً إلى علة خارجية ترجح وجوده على عدمه. وقسم ابن سينا الوجود عقلياً لتجنب التسلسل اللانهائي للعلل الممكنة، مستنتجاً ضرورة وجود ذات واجبة الوجود بذاتها، يكون وجودها عين ماهيتها، ولا تحتاج لعلة خارجية تمنحها الوجود.

أثارت هذه الرؤية السينوية، التي تصنف علاقة الله بالكون كعلاقة علية ضرورية وأزلية، اعتراضاً عنيفاً من أبي حامد الغزالي في "تهافت الفلاسفة". فجادل الغزالي بأن القول بأزلية العالم وصدوره عن الله بالضرورة الميتافيزيقية يسلب الإله صفة الفاعلية الحرة والمريدة، ويحيله إلى علة آلية مجردة. وقدم الغزالي دفاعاً عن نظرية "الحدوث" (الخلق من العدم زمانياً) مستنداً إلى أن الإرادة الإلهية الحرة هي التي خصصت وجود العالم بلحظة معينة بدلاً من غيرها.

وامتد نقده ليشمل مفهوم العلية الضرورية ذاته في الطبيعة؛ ففي تفسيره لظاهرة احتراق القطن عند ملامسته للنار، أكد الغزالي أن الاقتران بين الملامسة والاحتراق ليس تلازماً منطقياً أو سبباً ضرورياً، بل هو مجرد اقتران عادي متكرر بحكم العادة الإلهية؛ فالنار جماد لا إرادة لها، والفاعل الحقيقي والوحيد للاحتراق هو الله الذي يخلق الأثر عند تلاقي السبب الظاهري بالمسبب. وأسس هذا الطرح المعرفي للمذهب الأشعري في "المناسباتية" تجريد الطبيعة من أي قوى فاعلة ذاتية لصالح القدرة الإلهية المباشرة. وتلقت الفلسفة الغربية صدى هذا الفكر لاحقاً لدى فلاسفة فرنسيين مثل نيكولا مالبرانش، ومفكرين مثل نيكولا أولتريكورت الذي استخدم حججاً شبيهة لنفي إمكانية الاستدلال المنطقي على وجود صلة ضرورية بين شيئين منفصلين.

وفي السياق المسيحي واللاتيني، واجه اللاهوتيون التحديات نفسها؛ إذ اقترح بيتر لومبارد في كتاب "الأحكام" حلاً يؤكد فيه إمكانية وصول العقل البشري بمفرده إلى معرفة وجود الإله الواحد عبر تأمل كائنات الطبيعة المتغيرة، لكنه عارض بشدة أطروحة المادة الأزلية لبعض الفلاسفة، مؤكداً على الخلق من العدم كإرادة إلهية حرة.

وجاءت الصياغة الأكثر نضجاً للاهوت الطبيعي مع توما الأكويني، الذي تأثر بأرسطو وابن سينا، وحاول التوفيق بين برهان المحرك الأول وعقيدة الخلق المسيحية. صاغ الأكويني "الطرق الخمس" لإثبات وجود الله، منطلقاً من المعطيات الحسية المتغيرة للكون للوصول إلى علة أولى فاعلة ومحركة. وميز الأكويني بدقة بين السلاسل السببية المرتبة بالعرض (والتي يمكن أن تتسلسل إلى ما لا نهاية دون إحداث معضلة منطقية في تفسير الوجود الحالي)، والسلاسل السببية المرتبة بالذات التي تعتمد فيها العلل اللاحقة فورياً وفي اللحظة الزمنية نفسها على العلة الأولى، مثل اليد التي تحرك العصا التي تحرك الحجر. وجادل الأكويني بأن السلسلة الأخيرة يستحيل منطقياً تسلسلها إلى ما لا نهاية؛ لأن غياب المحرك الأول المستمر بالفاعلية يعني غياب الحركة الوجودية الحالية برمتها.

التفكيك المعرفي والمنطقي للعلية في الفلسفة الحديثة

تزعزعت الأسس الميتافيزيقية لبرهان العلة الأولى مع صعود الفلسفة النقدية والتجريبية التي أخضعت مفهوم السببية نفسه لمبضع التشريح المنطقي. فقد اعتبر ديفيد هيوم أن العقل البشري لا يمتلك أي انطباع حسي مباشر لما يُسمى "القوة السببية" أو "الرابطة الضرورية" بين الأحداث. ورأى أن فكرة السببية برمتها تنشأ من الترابط النفسي الناتج عن "الاقتران المطرد" وملاحظة تعاقب الأحداث في الزمان والمكان. وبما أن التجربة الحسية والتعود هما مصدر المعرفة بهذا المبدأ، فإنه يمتنع منطقياً قذف هذا المفهوم خارج حدود التجربة البشرية لتفسير نشأة الكون ككل. وانتقد هيوم الاستدلال الكوزمولوجي، معتبراً أن افتراض علة للكون ككل يمثل قفزة غير مبررة؛ إذ إن معرفتنا بالعلية تصلح لتفسير الأجزاء والظواهر المفردة داخل العالم، لكن لا يمكن سحبها منطقياً على العالم بوصفه كلاً فريداً لم يقع تحت التجربة المباشرة أبداً.

أما إيمانويل كانت، فقد عالج هذه القضية من خلال "الأنتينوميا الأولى" (متناقضة العقل المحض الأولى) في كتابه "نقد العقل المحض". وأوضح (كانت) أن العقل البشري عندما يتجاوز حدود التجربة الممكنة للتفكير في أصل الكون وحدوده، يجد نفسه قادراً على صياغة برهانين منطقيين متعادلين في القوة لكنهما متناقضان تماماً في النتيجة:

الأطروحة: تذهب إلى أن العالم له بداية في الزمن وحدود في المكان. والحجة هنا قائمة على أنه لو لم تكن للعالم بداية، لكانت هناك سلسلة غير متناهية من الحوادث المتعاقبة قد انقضت واكتملت قبل اللحظة الحاضرة، واكتمال السلسلة اللانهائية بالتتابع أمر مستحيل عقلاً.

النقيضة: تذهب إلى أن العالم ليس له بداية في الزمن وليس له حدود في المكان. وتستند الحجة إلى أنه لو كانت للعالم بداية زمنية، لكانت مسبوقة بزمن فارغ تماماً. وفي هذا الزمن الفارغ، لا توجد أي شروط مرجحة لوجود الشيء بدلاً من عدمه، مما يجعل بدء الخلق في لحظة محددة أمراً مستحيلاً لعدم وجود علة كافية.

"جاء حل هذه المعضلة عبر نموذج إيمانويل كانت المسمى 'المثالية الترانسندنتالية'؛ إذ بيّن أن التناقض يظهر عندما نعتبر العالم المادي 'شيئاً في ذاته' (مستقلاً عن العقل)، بينما هو في حقيقته مجرد 'ظاهرة' تتشكل وفقاً لشروط الإدراك البشري. فقد ذهب كانت إلى أن الزمان والمكان ليسا حقيقتين موضوعيتين، بل هما قالبان قبليان في العقل لتنظيم الانطباعات الحسية.

ونتيجة لذلك، فإن مبدأ السببية هو مقولة عقلية مخصصة لربط الظواهر التجريبية؛ وتحويلها للبحث عن علة أولى خارج الزمان والمكان يُعد تجاوزاً غير مشروع منطقياً يقع في دائرة 'الوهم المتعالي'. هذا المنظور يقود مباشرة إلى 'اللاحتمية المعرفية' وعجز الأدلة في الكوزمولوجيا؛ إذ يظل من الممتنع على العقل البشري صياغة برهان حاسم يثبت ما إذا كان العالم المادي متناهياً أم لامتناهياً في الزمان والمكان.

الميكانيكا والهندسة كمحرك للأشياء

شهد العصر الحديث تحولاً حاسماً تمثل في انتقال صفة "المحرك للأشياء" من الميتافيزيقا واللاهوت الطبيعي إلى القوانين الهندسية والميكانيكية الصارمة. بدأ هذا التحول مع غاليليو غاليلي الذي سعى إلى قراءة "كتاب الطبيعة" المكتوب بلغة الرياضيات وأشكال الهندسة كالمثلثات والدوائر. ووضع غاليليو اللبنات الأولى لعلم الحركة الحديث عبر دراسته التجريبية والرياضية للسقوط الحر وحركة المقذوفات، متجاوزاً التفسيرات الأرسطية الكيفية التي تعزو الحركة إلى النزوع الطبيعي للأجسام نحو مستقرها.

وجاء رينيه ديكارت ليحقق هذا الطموح المعرفي برد الفيزياء كلياً إلى الهندسة الرياضية؛ حيث اختزل العالم المادي بأكمله في "الامتداد" والحركة، نافياً وجود الذرات أو الخلاء (فالكون لديه ملآن تماماً). وأقصى ديكارت الصور الجوهرية والعلل الغائية والقوى الباطنية من الطبيعة، معتبراً العالم آلة ميكانيكية ضخمة تُفسر حركاتها بالتماس والتصادم المباشر بين الأجزاء الممتدة.

ووظف ديكارت مفهوم "الإله" لخدمة نسقه الفيزيائي والميكانيكي؛ فالإله هو العلة الأولى والفاعلة التي خلقت المادة وبثت فيها كمية محددة وثابتة من الحركة والسكون منذ البداية. وبسبب صفة الثبات المطلق للإله وعمله الدائم بنسق لا يتغير، فانه يحافظ من خلال المدد الإلهي المستمر على ثبات كمية الحركة في الكون. واشتق ديكارت من هذا الثبات الإلهي ثلاثة قوانين أساسية للحركة شكلت عصب الميكانيكا الكلاسيكية.

 العلة الأولى في مهب الكوزمولوجيا المعاصرة

مع مطلع القرن العشرين، أحدثت الفيزياء الحديثة تصدعاً عميقاً في المفاهيم الكلاسيكية للعلية، والمادة، والبداية المطلقة للزمن. فقد أظهرت ميكانيكا الكم أن العالم دون الذري لا يخضع للحتمية الميكانيكية الصارمة التي سادت العصر الحديث. فوفقاً لمبدأ اللاتحديد وقوانين الفيزياء الكمومية، يمكن لجسيمات أولية أن تنشأ وتظهر فجأة إلى الوجود من الفراغ الكمومي عبر ما يُعرف بـ "التموج الكمومي" دون وجود علة فاعلة كلاسيكية محددة تسبقها. واستخدم هذا الواقع الفيزيائي من قبل بعض المنظرين للقول بإمكانية نشوء الكون بأكمله كتذبذب كمومي تلقائي، مما يضعف الحجة الكلامية الكلاسيكية القائلة بأن كل حادث زمني يقتضي بالضرورة علة فاعلة خارجية أخرجته من العدم.

وفي الكوزمولوجيا المعاصرة، قدم ستيفن هاوكينغ وجيمس هارتل فرضية "لا-حدود" التي تسعى إلى إلغاء "المتفردة الأولى" للبداية الزمنية للكون. فبموجب النسبية العامة، ينبثق الكون من نقطة متفردة ذات كثافة لانهائية تمثل بداية الزمان والمكان، مما جعلها لاهوتياً بمثابة اللحظة المادية للخلق التي لا تتطلب تدخلاً خارجياً. ولتجاوز هذا الانهيار الفيزيائي عند نقطة البداية، اقترح هاوكينغ استخدام "الزمن التخيلي"، حيث يتصرف الزمان في اللحظات المبكرة جداً من عمر الكون كبعد مكاني إضافي. ونتيجة لذلك، يلتف الزمكان على نفسه مشكلاً هندسة مغلقة ومتصلة خالية من أي نقطة متفردة حادة أو بداية زمنية منقطعة، تماماً كسطح الكرة الأرضية الذي يمثل مساحة محدودة لكن بلا حافة أو نقطة بداية.

تلغي هذه الفرضية الحاجة لافتراض لحظة خلق أولى بالمعنى الزمني التقليدي، مقدمةً الكون ككيان مكتفٍ ذاتياً يخضع بالكامل لقوانين الفيزياء دون حافة تتطلب تدخلاً من علة متعالية. وتطرح نماذج كوزمولوجية أخرى، مثل كوزمولوجيا الكم الحلقية، فرضية "الارتداد الكمومي" التي تفترض أن كوننا الحالي نشأ من ارتداد كون سابق انكمش على نفسه ثم تمدد مجدداً، مما يضعف فرضية البداية المطلقة للزمان.

بوزون هيغز

في السياق المعاصر، يبرز دور "بوزون هيغز" "جسيم الإله" في تسمية تعود في أصلها لرفض دور النشر لعنوان كتاب الفيزيائي ليون ليدرمان الأصلي "الجسيم اللعين" لصعوبة رصده، واستبدلوه بالاسم الشائع لجذب القراء، وهو لقب يتحفظ عليه الفيزيائيون ليمثل كشفاً فيزيائياً بارزاً، تم التنبؤ به عام 1964 ورُصد فعلياً عام 2012 في مصادم الهادرونات الكبير الثاني.

لم تعد الفيزياء الحديثة (مثل نظرية الأوتار الفائقة ونظرية الحقول الكمومية) تنظر للكون كقطع كتل مصمتة تتحرك في الفراغ، بل تنظر إليه كـ "هندسة مرنة". وهنا يتجلى الدور الأنطولوجي لبوزون هيغز وحقله عبر مسارين:

أ) آلية منح الكتلة (كسر التناظر الهندسي): فبدون هذا الجسيم، ستكون كل الجسيمات الأساسية في الكون (مثل الإلكترونات والكواركات) عديمة الكتلة تماماً وتطير بسرعة الضوء، مما يعني استحالة تشكّل الذرات، أو الكواكب، أو البُنى الحية. وبوزون هيغز هو الكم الناشئ عن "حقل هيغز" الذي يملأ الكون؛ فعندما تتحرك الجسيمات عبر هذا الحقل الهندسي غير المرئي، فإنها تواجه مقاومة فوتونية (أشبه بالتحرك داخل وسط عالي اللزوجة)، وهذه المقاومة هي ما نُسميه فيزيائياً بالكتلة.

ب) الهندسة في الفيزياء الحديثة: في الهندسة الرياضية المطبقة على الفيزياء المعاصرة، يُنظر إلى الجسيمات وخصائصها على أنها خصائص هندسية للمكان؛ حيث إن وجود الكتلة (التي يتسبب بها حقل هيغز) يقوم بعمل انحناء وتشويه في هندسة الزمكان، وهذا الانحناء الهندسي هو ما نعرفه بالجاذبية حسب النظرية النسبية العامة لأينشتاين. وفي الأطروحات الهندسية الحديثة، يعود تفسير أجيال المادة وتفاوت كتلها (كالإلكترون والبروتون) إلى كيفية احتباس الطاقة داخل أبعاد هندسية وحلقات متباينة. ويمثل حقل هيغز هنا "الخلفية الهندسية" المستقرة التي تتيح لهذه البُنى الرياضية والهندسية أن تكتسب وزناً وثباتاً في كوننا، ليصبح حجر الزاوية الهندسي الذي يحول الطاقة السابحة بسرعة الضوء إلى مادة ملموسة ومستقرة.

 الخلاصة والتحليل النقدي لجدوى العلة الأولى

يكشف التتبع التاريخي والمنطقي لمفهوم العلة الأولى عن انتقال جذري في بنية المعرفة البشرية ووظيفتها؛ إذ تحول العقل من السعي وراء التفسيرات الغائية والميتافيزيقية الحاضنة لوجود الأشياء إلى الاكتفاء بالصياغات الرياضية والهندسية الواصفة لحركتها وعلاقاتها الميكانيكية.

ففي الحقب القديمة والوسيطة، مثل مفهوم "المحرك الأول" أو "واجب الوجود" أداة عقلية لحماية الكون من السقوط في عبثية التسلسل اللانهائي والافتراضات العدمية. أما في العصر العلمي الحديث، فقد أثبتت القوانين الرياضية والميكانيكية قدرتها على تفسير وتوجيه الظواهر الطبيعية وتوفير محركات ذاتية لحركة الأجسام دون الحاجة لإقحام مستمر لعلل ميتافيزيقية متعالية، مما جعل مفهوم العلة الأولى يتراجع في حقل العلوم التجريبية بوصفه مفهوماً غير قابل للاختبار أو الصياغة الرياضية المباشرة.

مع ذلك، يظل التمييز الأنطولوجي الذي أرساه فلاسفة مثل ابن سينا وتوما الأكويني محتفظاً بقيمته على الصعيد الميتافيزيقي، ويظل الكون الممتد والمتغير خاضعاً لقوانين وبنى رياضية مسبقة ومحددة لا تحمل في ذاتها مبرر وجودها الخاص. وبناء عليه، يظهر فرق جوهري بين مسألتين:

البداية الزمنية للكون: وهي مسألة كوزمولوجية وفيزيائية تخضع للاختبار والفرضيات العلمية المتغيرة، وتتأرجح بين النماذج ذات البداية الزمنية والنماذج المغلقة أو الدورية.

الاعتماد الأنطولوجي والوجودي: وهو سؤال فلسفي مفسر لما وراء القوانين الطبيعية، حيث تظل العلة الأولى في هذا الإطار كـ "واجب وجود" يفسر عقلانية القوانين الرياضية وتماسك الوجود المادي، حتى وإن كان هذا الوجود لامتناهياً في زمانه ومكانه.

هنا ينتهي مسار العلة الأولى إلى كونه ليس مجرد تراجع أمام العلم، بل هو إعادة ترسيم حدود؛ حيث تعيد الفلسفة النقدية تعريف "العلة الأولى" ليس كحقيقة علمية مبرهنة، بل كفرضية قصوى يبحث من خلالها العقل عن المعنى والتماسك الوجودي، في مواجهة كون يبدو في حد ذاته صامتاً ومستغنياً علمياً عن مبررات وجوده.

***

غالب المسعودي

غيّرت الفلسفة الرواقية المولوده في اليونان القديمة القيادة الرومانية وتركت بصماتها الدائمة على الأسس الأخلاقية والسياسية للحضارة الغربية. عندما انتصرت روما القديمة على اليونانين وواجهت افكارهم الفلسفية، أصبحت الرواقية اكثر من مجرد حركة فلسفية. الالتقاء بين صعود قوة روما والرواقية حدث وسط قسوة الانتصار والحرب، لكنه مع ذلك انتج واحدا من أعمق التحولات الفلسفية.

أمضى العلماء سنوات يحللون كيف صاغت مدرسة الأفكار في شوارع أثينا القديمة القوة الإمبراطورية لروما، مع تداعيات ترددت اصداؤها في انحاء اوربا وخارجها .

كيف دخلت الرواقية للمجتمع الروماني

عندما تحدّث ديوجين البابلي عن الفضيلة والواجب، كان الهواء يعج بالطاقة. أولئك الذين هم من النخبة الرومانية تسمّروا في مكانهم وهم يستمعون للرجل اليوناني. هناك كان هؤلاء القوم المقهورون، مدنهم التي كانت يوما ما عظيمة اختُزلت الى مقاطعات رومانية، ومع ذلك، فقد امتلكوا بطريقة ما شيئا عجزت القوة العسكرية الرومانية الهائلة عن الاستيلاء عليه: طريقة التفكير حول القوة التي أضفت معنى على الفوضى التي كانت سائدة في كل مكان.

لاحظ كاتو الأكبر Cato the Elder فورا الخطورة في هذا، وكان طلبه بطرد الفلاسفة اليونانيين يكشف عن هذا الرعب. عندما تؤسس امبراطورية على مبدأ ان القوة هي التي تفرض الحق، فان الاستماع للفلسفة التي تقترح ان السلطة يجب ان تخدم الفضيلة بدلا من العكس يجب ان يدفع للشعور بالقلق الحقيقي.

ما ينساه المعاصرون عادة هو كيف تلاءمت الرواقية تماما مع القلق والمخاوف الرومانية. كانت روما امبراطورية تنمو بوتيرة أسرع مما كان بوسع قادتها استيعابه، ممتدة من البرتغال الى سوريا. مبادئ روما القديمة - الشرف الشخصي، الولاء العائلي، الواجب المدني -عملت بشكل مثالي لدولة المدينة city state لكنها كانت خارج الموضة وغير كافية لامبراطورية عالمية ضمّت عدد كبير من الثقافات والأمم والأديان تحت سلطة واحدة. الرواقية قدمت للرومان شيئا ما مختلفا: اطارا عالميا يمكنه في نفس الوقت ان يفهم العالم، ويحكم الشعوب المتنوعة ويحافظ على التماسك الأخلاقي.

المتحولون الأوائل في روما الى الرواقية، مثل باتيتيوس panaetius، كانوا رجالا عمليين سعوا لحل المشاكل السياسية الواقعية. عندما التحق الباتيتيوس بحلقة سكيبيو، جلب معه فلسفة حياة يمكن ان تساعد قادة روما في حل المأزق الأخلاقي بينما هم يحكمون امبراطوريتهم الشاسعة بكفاءة. فقط تصوّر هؤلاء الناس وهم يناقشون ما اذا كان توسّع روما مبرر أخلاقيا ام خائن لمبادئ روما القديمة الراسخة.

ماركوس ارليوس والامبراطور الفيلسوف

ماركوس ارليوس ربما احد أشهر اباطرة روما لسبب معقول. هو كان الرجل الذي لم يرغب ابدا ان يكون امبراطورا، فضّل الحياة الهادئة للفيلسوف، ومع ذلك وجد نفسه يحاول موازنة ديناميكيات السلطة المطلقة على العالم المعروف. تأملاته – مخطوطة مؤلفة كليا من ملاحظات شخصية لنفسه ولذلك لم يقصد بها النشر ابدا – تكشف رجلا كافح مع التناقضات الأساسية لموقعه: كيف يبقى المرء جيدا عندما يمتلك السلطة لفعل أي شيء – حتى اكثر الأشياء فضاعة؟

القرّاء وهم يحاولون قراءة أفكاره بينما هو يقاتل القبائل البربرية على طول الدانوب، حصلوا على فكرة عن حجم الوحدة التي شعر بها. "تذكّر ان أشياء قليلة جدا تزعجك"، هو كتب لنفسه، لكنك تقريبا تستمع للارهاق الكامن في الأعماق. هذا لم يكن انفصالا هادئا عن الفلسفة الاكاديمية وانما تعبير عن الرجل الأكثر قوة على الأرض مستعملا المبادئ الرواقية كحبل نجاة سايكولوجي عند التعامل مع الوباء والحرب والتوتر المستمر لإتخاذ القرارات الإمبراطورية. الرواقية اليونانية أصبحت حبل نجاة في الحفاظ على التوازن العقلي لامبراطور روما وسط الضغط الهائل والمسؤوليات التي لا يمكن التغلب عليها.

انه لأمر ملفت للنظر ان نرى قائدا ينتمي لعدة قرون مضت يأخذ بجدية عالية مسؤولياته والتداعيات الأخلاقية لقراراته . عندما اكتسح الطاعون الانتوني الإمبراطورية، ليقتل ثلث السكان، استعمل ماركوس ارليوس حكمة الرواقي ليقرر الطريقة الصحيحة للفعل. هو بقي في روما ينظّم جهود الإغاثة ويبيع الممتلكات الإمبراطورية لبناء ومعالجة ما دمره الوباء . المبدأ الرواقي بان القائد يخدم الصالح العام اصبح ضرورة أخلاقية شكّلت كل القرارات التي اتخذها في ذلك الوقت.

اصلاحاته القانونية كانت مثالا اخرا عن الكيفية التي اثّرت بها الرواقية اليوانانية على حكم ماركوس ارليوس. رجل بسلطة مطلقة استخدم تلك السلطة ليس لمنفعة نفسه او حاشيته وانما لحماية العبيد وتوسيع حقوق المرأة واضفاء طابع انساني على النظام القانوني الذي كان قاسيا. من المفهوم، ان هذه لم تكن معايير مرغوبة بين النخبة الرومانية، لكن ماركوس ضغط نحوها باي طريقة لأن الفلسفة الرواقية هي التي طلبتها واقنعته فيها بوصلته الأخلاقية . عندما كتب "نحن وُلدنا لنعمل مجتمعين"، هو كان يصف منهجية حاكمة استمرت في كتب التاريخ منذ ذلك الحين.

عندما ننظر للسياسة الحديثة – المعلومات المضللة للتواصل الاجتماعي، ولاء قبلي، عبادة الشخصية، والسياسات الحزبية  يجدر التساؤل عن رأي ماركوس في كل ذلك. هل سيعترف باي شيء في اتجاهه الفلسفي للقيادة في المسرح السياسي الحالي؟

ان تأثير الرواقية على الفكر السياسي الغربي لا يمكن انكاره. مفهوم القانون الطبيعي، فكرة ان القادة يجب ان يخدموا الصالح العام بدلا من المصالح الشخصية، والتأكيد على الفضيلة بدلا من مجرد الكفاءة، كل هذا يمكن تعقبه رجوعا الى ذلك الاندماج بين الفلسفة اليونانية والبرجماتية الرومانية. مع ذلك، في مكان ما على طول الطريق، نحن يبدو فقدنا الخيط، خاصة في السنوات الأخيرة. كورسات القيادة الحديثة تعلّم الان "مبادئ الرواقية"، لكن واضح انهم يغفلون جوهر القضية. انها ليس فقط حول التعليمات العاطفية او إدارة الازمات، مع ان ماركوس تفوّق في كليهما. انها حول إعادة توجيه جوهرية لغاية السلطة ومن يُفترض بالسياسيين خدمتهم. عندما كتب بان "ما ليس جيدا لخلية النحل ليس جيدا للنحلة" هو كان يصف رؤية أخلاقية جعلت الطموحات الشخصية تخضع للرفاهية الجمعية، وهذا ما نفتقده اليوم.

الدليل الاركولوجي من الإمبراطورية الرومانية السابقة يبيّن مدى العمق الذي اخترقت به اللغة الرواقية الإدارة الإقليمية. الحكام المحليون هم أيضا اقتبسوا من ماركوس، امتدحوا الفضيلة، وتحدثوا عن واجباتهم نحو الصالح العام. لكن هل كانت هذه عقيدة فلسفية حقيقية ام مجرد بلاغة سياسية في ذلك الوقت؟ كيف يمكن للمرء تحديد الاختلاف بين القيادة الرواقية الأصيلة والأداء الرواقي؟

انعكاسات تأثير الرواقية على السياسة الرومانية

ما يلفت الانتباه كثيرا هو ان تلك الصراعات القديمة لاتزال هامة وملائمة. نحن لانزال نصارع مع نفس الأسئلة الأساسية: كيف يمارس المرء السلطة بمسؤولية ويحافظ على النزاهة الأخلاقية في أنظمة عادة ما تحترم المضاد لها؟ حقيقة اننا لانزال نسأل هذه الأسئلة يشير اما الى اننا لم نتعلم كثيرا في الالفي سنة الماضية ام ان هذه هي مجرد معضلات بشرية أزلية. ربما هذا هو الميراث الحقيقي لتحولات الرواقية من الفلسفة اليونانية الى استراتيجية سياسية رومانية. انها لم تكن فقط حول خلق مدراء أفضل – هي حول اظهار انه حتى منْ هم اكثر قوة بيننا هم بالنهاية كائنات بشرية يصارعون مع نفس التحديات الأخلاقية التي يواجهها الجميع. الفرق هو ان البعض، مثل ماركوس ارليوس اختار الصراع علنا وبصدق وبتبنّي حقيقي لشيء أكبر من ذاته – وهذا ربما يكفي.

***

حاتم حميد محسن

 

ليست المشكلة في الدين، وإنما في اللحظة التي يتحول فيها الدين إلى سلطة، ويتحول الإيمان إلى أيديولوجيا، ويتحول الله إلى شعار انتخابي. ففي تلك اللحظة يتوقف الدين عن كونه سؤالا أخلاقيا مفتوحا، ويصبح أداة لإدارة المجتمع وإخضاعه، وتغدو السياسة امتدادا للعقيدة لا مجالا للتفاوض بين المواطنين. وهنا تبدأ الأزمة التي عاشتها معظم تجارب الإسلام السياسي أزمة الخلط بين المقدس والبشري، وبين الوحي والتأويل، وبين العقيدة والحزب. لقد كان المشروع الذي رفعته الحركات الإسلامية قائما على فرضية تبدو بسيطة أن سبب تخلف المسلمين هو الابتعاد عن الدين، وأن العودة إلى الشريعة كافية لإنتاج العدالة والحرية والتنمية. غير أن هذه الفرضية لم تكن قراءة للتاريخ، بل كانت اختزالا له. فهي تعاملت مع الحضارة وكأنها نتيجة مباشرة للتدين، بينما تجاهلت أن ازدهار الأمم ارتبط أيضا ببناء المؤسسات، وتراكم المعرفة، وحرية العقل، وسيادة القانون. كان الشعار أكثر حضورا من الفكرة، وأكثر قوة من البرنامج. لكن الشعارات لا تبني دولة، لأن الدولة ليست عقيدة، بل شبكة معقدة من المؤسسات والقوانين والعلاقات الاقتصادية والإدارية. ولهذا اصطدمت الحركات الإسلامية بالواقع؛ إذ اكتشفت أن إدارة الاقتصاد لا تتم بالوعظ، وأن حل البطالة لا يكون بإحياء الخطاب التراثي، وأن العدالة لا تتحقق بمجرد إعلان تطبيق الشريعة، بل ببناء قضاء مستقل ومؤسسات خاضعة للمساءلة.

إن الخطاب الديني السياسي يرتكب خطأ فلسفيا عميقا حين يتعامل مع الحقيقة السياسية كما لو كانت حقيقة مطلقة. فالحقيقة الدينية، بالنسبة إلى المؤمن، تستمد مشروعيتها من الوحي، أما الحقيقة السياسية فلا تستمد مشروعيتها إلا من رضا الناس، لأنها تتعلق بإدارة الشأن العام لا بالخلاص الروحي. ولذلك فإن السياسة لا تعرف المقدسات، بل تعرف المصالح، والمراجعة، والخطأ، والتصحيح. وتصبح الديمقراطية أكثر من مجرد آلية انتخابية؛ إنها إعلان فلسفي بأن لا أحد يحتكر الحقيقة السياسية، وأن كل سلطة قابلة للنقد، وكل برنامج قابل للتعديل، وكل حاكم قابل للاستبدال. أما عندما يدخل المقدس إلى المجال السياسي، فإن السلطة تكتسب حصانة أخلاقية، ويصبح نقد الحاكم قابلا لأن يفسر على أنه نقد للدين نفسه. هذه هي أخطر نتائج تسييس الدين: حماية السلطة بالمقدس. فبدلا من أن يكون الحاكم مسؤولا أمام المواطنين، يصبح مسؤولا أمام تفسير يدعي امتلاك الإرادة الإلهية، وتتحول المعارضة من منافس سياسي إلى خصم ديني. وهكذا ينزلق المجتمع من التعددية إلى التخوين، ومن الحوار إلى التكفير، ومن المواطنة إلى الفرز العقائدي.

لقد نبه الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو إلى أن السلطة لا تحكم بالقوة وحدها، بل بإنتاج الحقيقة. ومن هذه الزاوية، يمكن فهم الخطاب الديني المؤدلج بوصفه جهازا لإنتاج الحقيقة الوحيدة. فهو لا يقول هذا رأينا السياسي، بل يقول هذا حكم الله. والفرق بين العبارتين هائل فالرأي يمكن مناقشته، أما ما ينسب إلى الله فيصعب الاعتراض عليه دون أن يتحول الخلاف إلى اتهام في العقيدة. أما محمد أركون فقد رأى أن الفكر الإسلامي دخل في منطقة مغلقة حين أحاط التراث بسياج من القداسة، فلم يعد ممكنا إخضاعه للنقد التاريخي والعقلي. وهكذا بقيت كثير من المفاهيم السياسية أسيرة شروط القرن الأول الهجري، بينما تغير العالم جذريا. ولم يكن الثبات فضيلة هنا، بل أصبح عائقا أمام إنتاج فكر سياسي حديث. وأشار نصر حامد أبو زيد إلى أن النص لا يتكلم وحده، وإنما يتكلم عبر الإنسان الذي يقرأه. ومن ثم فإن كل تفسير هو فعل بشري، لا نسخة مطابقة للإرادة الإلهية. لكن الحركات الإسلامية غالبا ما ألغت هذه المسافة، وقدمت قراءتها الخاصة باعتبارها الإسلام نفسه، لا اجتهادا من اجتهاداته. وبهذا انتقلت من الدفاع عن الدين إلى احتكار الحديث باسمه. لقد كشفت التجارب أن المشكلة لا تبدأ عند وصول الإسلاميين إلى السلطة، بل تبدأ منذ تصورهم للسلطة. فهم لا ينظرون إليها باعتبارها عقدا اجتماعيا بين مواطنين متساوين، بل باعتبارها وسيلة لتحقيق مشروع أخلاقي شامل. وعندما تصبح الدولة مسؤولة عن صناعة الفضيلة، فإنها تميل إلى مراقبة الضمائر أكثر من بناء المؤسسات، وإلى الانشغال بهوية الناس أكثر من حقوقهم.

إن الدولة الحديثة لا تسأل المواطن ماذا تؤمن؟ بل تسأله ما حقوقك وما واجباتك؟ أما الدولة المؤدلجة فتسأل أولا: من أنت؟ وما عقيدتك؟ وإلى أي جماعة تنتمي؟ وهكذا تتحول المواطنة إلى مرتبة ثانية، بينما تتقدم الهوية العقائدية لتصبح أساس توزيع الثقة والشرعية. وليس من قبيل المصادفة أن كثيرا من تجارب الإسلام السياسي أخفقت في إدارة التنوع. فالخطاب الذي يدعي امتلاك الحقيقة يجد صعوبة في الاعتراف بشرعية الاختلاف، لأن الاعتراف بالاختلاف يقتضي الاعتراف بإمكان الخطأ، بينما الأيديولوجيا الدينية تقدم نفسها باعتبارها معصومة من الخطأ السياسي، وإن لم تقل ذلك صراحة. إن الديمقراطية لا تعني أن يكون الناس بلا دين، وإنما تعني ألا يتحول الدين إلى امتياز سياسي. إنها تحرر الإيمان من أن يصبح أداة في يد السلطة، وتحرر السلطة من أن تدعي العصمة باسم الإيمان. ولذلك فإن العلاقة السليمة بين الدين والديمقراطية ليست علاقة صراع، بل علاقة حدود متبادلة؛ للدين مجاله الأخلاقي والروحي، وللدولة مجالها القانوني والمؤسسي.

لقد أثبت التاريخ أن المجتمعات التي قدست السلطة انهارت، وأن المجتمعات التي أخضعتها للنقد استطاعت أن تصحح أخطاءها. وما يميز الدولة الديمقراطية ليس أنها تنتج حكاما أفضل بالضرورة، بل أنها تمتلك آليات للتخلص من الحكام السيئين دون أن تنهار الدولة. إن أعظم خطأ ارتكبته الحركات الإسلامية أنها اعتقدت أن امتلاك الإجابة الدينية يمنحها تلقائيا القدرة على إدارة الدولة. لكنها تجاهلت أن الحكم علم، وأن الاقتصاد علم، وأن الإدارة علم، وأن السياسة فن للتسويات لا ميدان لليقين المطلق. فكانت النتيجة أن اصطدمت قداسة الشعار بقسوة الواقع. إن مستقبل المجتمعات الإسلامية لن يتحدد بكمية الشعارات الدينية التي ترفعها الأحزاب، بل بقدرتها على إعادة تعريف العلاقة بين الدين والسياسة. فكلما تحرر الدين من الاستخدام الحزبي، استعاد مكانته الأخلاقية، وكلما تحررت الدولة من ادعاء القداسة، أصبحت أكثر عدلا وأكثر قدرة على تمثيل جميع مواطنيها. ويبقى السؤال الفلسفي الحاسم: هل يمكن بناء ديمقراطية حقيقية إذا ظل أي حزب يعتقد أنه لا يمثل إرادة الناخبين فحسب، بل يمثل أيضا إرادة السماء؟ ما دام هذا الاعتقاد قائما، فإن التداول السلمي للسلطة سيظل مهددا، لأن من يظن أنه يتحدث باسم المطلق لن يقبل بسهولة أن يحكمه قرار نسبي يصدر عن صندوق اقتراع. ومن هنا تبدأ الطريق إلى الاستبداد، لا باسم القوة، بل باسم القداسة.

***

زكريا نمر

 

التأسيس الإبستمولوجي للكوجيتو والانغلاق الميتافيزيقي

شهد القرن السابع عشر في أوروبا ولادة الفلسفة الحديثة على يد رينيه ديكارت، الذي اتخذ من الشك المنهجي سبيلاً لتشييد أول قضية يقينية صلبة متمثلة في الكوجيتو، "أنا أفكر، إذن أنا موجود". سعى ديكارت من خلال هذا الطرح إلى تأسيس ذات معرفية مستقلة، قادرة على بلوغ اليقين دون الحاجة إلى وصاية لاهوتية أو مرجعيات تقليدية. ومع ذلك، فإن هذا الكوجيتو الكلاسيكي يحمل في طياته بنية "مغلقة" تعزل الذات عن محيطها العياني؛ حيث يوضح الفيلسوف بول ريكور أن الكوجيتو الديكارتي ينغلق على نفسه في لحظة معرفية محددة، مجرِّداً الذات من أبعادها الزمانية، واللغوية، والتاريخية، والغيرية، مما يمنعها من اللقاء الحقيقي بالآخر كما هو في ذاته.

أدى هذا المنحى المعرفي المنعزل إلى نشوء ما يمكن تسميته "ضلالات الكوجيتو"؛ حيث حاول ديكارت استخدام العقل كخط دفاع أول عن الإيمان المسيحي وإثبات الألوهية منطقياً، غير أن النتيجة جاءت على نقيض النية المضمرة. فبترجيحه مسلّمة الذهن البشري وجعل الفكر الذاتي شرطاً لدوام الوجود وبقائه، قطع السبل نحو المعرفة الإلهية المتعالية، لتسقط الحداثة الغربية لاحقاً في أزمة فراغ إتيقي (أخلاقي) وعزلة إبستمولوجية حادة.

تلا ذلك تحول الفلسفة المعاصرة نحو تفكيك هذه المركزية الذاتية؛ إذ انتقد فرانز فون بادر هذا الانفلات الأنطولوجي للأنا عن خالقها، في حين نُظر إلى الكوجيتو بوصفه "جسداً لغوياً" له كينونة ملموسة وليس مجرد فكر خالص. ومهد هذا الطرح للمنعطف البنيوي وما بعد الحداثي الذي عزل الكوجيتو عن عرشه، مستبدلاً محورية الفكر بسلطة اللغة وبنية النص التي تصنع الوعي والواقع الاجتماعي، وتعمل في الوقت نفسه كأداة للهيمنة.

في المقابل، يظهر التاريخ الفكري للشرق الأوسط عجزاً بنيوياً عن إنتاج قطيعة معرفية مماثلة للحداثة الغربية. ففي الحقبة التي كانت أوروبا تؤسس فيها لنهضتها العلمية، كان العالم الإسلامي يعيش غيبوبة منغمسة في تكرار النصوص والصراعات الإمبراطورية بين العثمانيين والصفويين؛ حيث استُخدم الدين كأيديولوجيا لتبرير الهيمنة السياسية والعرقية بدلاً من كونه قوة دافعة للتغيير الثوري. بناءً على ذلك، فشلت أطروحات الإصلاح والجامعة الإسلامية لأنها عجزت عن ابتكار مجال جديد للمسألة السياسية، وتأسيس فضاء حيوي للوجود الإنساني المعاصر، وجاء خطابها حماسياً يثير مشاعر المظلومية دون حيازة أرصدة قوة حقيقية أو طاقة فكرية تصدع السكون المألوف للمنظومات المغلقة.

تجليات الكوجيتو البديل

لقد حاولت الفلسفات النقدية تفكيك هذا المنظور الأحادي المغلق عبر طرح مقاربات بديلة تعيد الاعتبار للفعل، والوجود العياني، والغيرية. وفي هذا السياق، قلبت الفلسفة الوجودية كوجيتو ديكارت رأساً على عقب؛ حين أعلن جان بول سارتر أن "الوجود يسبق الماهية"، ليصبح الشعار، "أنا موجود، إذن أنا أفكر". وذهب مارتن هيدجر إلى تفكيك الكوجيتو مستبدلاً إياه بمفهوم "الدازاين" ليصوغ كوجيتو القلق، "أنا قلق، إذن أنا موجود"، في حين صاغ ألبير كامو كوجيتو التمرد كأداة لمواجهة عبثية العالم، "أنا أتمرد، إذن أنا موجود".

الانفتاح الإنساني والسياسي

دافعت حنة آرنت، بالتوازي مع كارل بوبر، عن مفهوم "المجتمع المفتوح" ورفضت النزعة الكلية الشمولية للأنظمة المغلقة التي تسعى للتحكم الكامل في المجتمع وإعادة إنشائه وفق أيديولوجيتها، مستخدمة رمزية "الواحة المفتوحة" للتعبير عن الليبرالية والقدرة الإنسانية الفاعلة.

كما قدم الفكر الصوفي (كما يتبدى لدى الحلاج والبسطامي) نموذجاً معرفياً خلخل كينونة الهوية المغلقة. فالمعرفة الصوفية تجربة حدسية إلهامية تتجاوز أدوات العقل المتناهي، وتتحرك فيها الهوية كعلاقة انفتاح دائم نحو الآخر؛ إذ لا تسافر الذات نحو كينونتها العميقة إلا بقدر سفرها نحو كينونة الآخر، مما يؤسس لتسامح كوني وانفتاح على الاختلاف المذهبي والديني.

موازين القوى على الرادار الجيوسياسي للشرق الأوسط

بينما يمثل الكوجيتو المغلق البنية الإدراكية المحركة للمشاريع الاستعمارية والإقليمية، فإن "الرادار الجيوسياسي" يعمل كمنصة رصد عينية لتحولات القوة والصراع المادي على الأرض. يحتل الشرق الأوسط موقعاً محركاً في النظام الدولي يجعله بؤرة دائمة للاستقطاب؛ حيث يرصد الرادار حالياً قلقاً متزايداً يتزامن مع وصول تعزيزات عسكرية أمريكية ضخمة تشمل حاملات طائرات وسفناً هجومية إلى المنطقة.

تعد مشاريع الهيمنة الإقليمية، مثل السعي لفرض واقع القطب الواحد العسكري واستثمار الفراغ الناجم عن تحجيم القوى المنافسة، محاولات حثيثة لإعادة هندسة الإقليم بالقوة وتصفية حركات المقاومة والمشاريع المناهضة. وتتبدى هذه الصراعات عسكرياً في السعي الأمريكي لدمج أنظمة الدفاع الجوي والصاروخي الإقليمية، ومراقبة التحركات الباليستية المحتملة عبر شبكات استراتيجية متطورة.

 الاختراقات الأمنية واستراتيجيات التفتيت الداخلي

يرصد الرادار الجيوسياسي ثغرات أمنية هيكلية تعاني منها بعض دول الإقليم؛ فعلى سبيل المثال، تفتقر هذه الدول حتى الآن إلى منظومات رادارية متطورة وقادرة على كشف ومراقبة الطائرات المسيرة والأجنبية التي تخترق مجالها الجوي، مما يجعلها ساحة مستباحة للعمليات الخارجية وفضاءً مفتوحاً للتفاوض والصراع.

يتزامن هذا الضعف التقني مع استراتيجية غربية ممنهجة تعتمد على "الترقيع الجيوسياسي" وتدبير الاحتضار السياسي للدول. تهدف هذه الاستراتيجية إلى الاستفادة القصوى من الخلافات الدينية، والنعرات المذهبية، والإثنية، والعشائرية، لإيصال المجتمعات إلى حالة كارثية يشعر فيها المواطن بأن الخطر الداخلي الناجم عن الاقتتال الأهلي يفوق بكثير حجم التهديد الخارجي الاستعماري. ويتم تفعيل ذلك عبر توظيف جيوش إلكترونية ووسائل إعلام موجهة، فضلاً عن جذب قوى محلية منخرطة في هذا المسار وربطها بأيديولوجيات تدميرية تابعة لشركات أمنية مشبوهة، كمنظمات الحروب الهجينة.

 الحروب خارج الرادار التقليدي

يسجل الرادار الجيوسياسي نمطاً متصاعداً من الصراعات الهجينة التي تدور تاريخياً "خارج الرادار الجيوسياسي المعتاد" قبل أن تنفجر إلى العلن كأزمات دولية حادة. ويعد تكتيك استخدام المهاجرين واللاجئين كأداة ضغط سياسي واستراتيجي مثالاً حياً على هذه المقاربة النفعية التي تحول الإنسان إلى سلاح في المعركة.

المؤشرات الجيواقتصادية وتأثير الدومينو على الأسواق العالمية

تنعكس هذه الصدامات العسكرية والسياسية بشكل فوري على المؤشرات الاقتصادية وأسواق المال والطاقة العالمية، وهو ما يرصده الرادار الجيوسياسي عبر الروابط التالية:

تذبذب أسواق المال العالمية:

 يتأثر مؤشرا "داو جونز" و"ناسداك" سلباً بالتوترات الجيوسياسية المتصاعدة في الشرق الأوسط؛ حيث تؤدي أخبار الحشود العسكرية الأمريكية وتهديدات إغلاق الممرات المائية إلى تراجع قطاع أشباه الموصلات والأسهم التكنولوجية، مما يدفع المستثمرين نحو الخيارات الدفاعية والتحوطية، لتسود حالة من التقلب والهبوط بدلاً من تسجيل قمم قياسية جديدة.

اضطراب الملاحة وسياحة الأعمال الإقليمية:

 تفرض العمليات العسكرية الجوية إغلاقاً متكرراً للمجالات الجوية في الشرق الأوسط، مما يهدد سلامة الطيران المدني ويدفع شركات السياحة العالمية لإطلاق تحذيرات أمنية صارمة.

شلل البنية التحتية والمنشآت الخدمية:

 يرصد الرادار الجيوسياسي تأثير الدومينو المدمر لهذه الإغلاقات على قطاعات السياحة والفنادق وسياحة الأعمال والمؤتمرات الدولية في المنطقة؛ إذ تتوقف الاستثمارات الفندقية الكبرى وتلغى الفعاليات الإقليمية نتيجة تدهور المناخ الأمني العام.

الاستقرار الإقليمي بين كوجيتو الهيمنة والرصد الذكي

تظهر القراءة المعمقة لتقاطع الفلسفة الإبستمولوجية مع العمليات الجيوسياسية في الشرق الأوسط أن الصراع في الإقليم ليس نزاعاً على الحدود والموارد الطبيعية فحسب، بل هو صدام محوري بين بنى معرفية مغلقة وممارسات عسكرية تسعى لفرض السيادة بالإلغاء. إن استمرار تبني القوى الإقليمية والدولية لـ "الكوجيتو المغلق"، سواء عبر العنف الصهيوني المستند إلى مبدأ القوة البحتة، أو عبر الانغلاق التراثي الإقليمي الذي يعجز عن عصرنة الفكرة الدينية وتأصيل مفاهيم حديثة للوجود السياسي، لن يؤدي إلا إلى تعميق حالة التفتت الداخلي والاستباحة الخارجية.

إن الرادار الجيوسياسي المعاصر، برصده للتحولات التكنولوجية الكبرى كالحرب الإلكترونية المدارية والأزمات الهجينة العابرة للحدود، يثبت أن زمن الهيمنة الأحادية المطلقة قد ولى لمصلحة توازنات دولية شبكية متعددة الأقطاب. ولتجاوز هذا الاحتضار السياسي والترقيع المستمر، يحتاج الشرق الأوسط إلى الانتقال نحو "كوجيتو منفتح" يعيد تأسيس الذات من خلال استبدال الشك المدمّر بالإقرار الأنطولوجي بالحقوق المشتركة.

إن بناء مظلة أمنية إقليمية مستدامة يتطلب دمج أدوات الرصد الذكي مع رؤية فلسفية منفتحة تقطع مع إرث الاستعمار والاستعلاء المعرفي، وتؤسس لتعاون تقني وتنموي يحمي السيادة الوطنية ويحقق السلام الدائم للجميع.

***

غالب المسعودي

بين الصورة والشكل، مقاربة ميديولوجية

مقدمة: يشكل التمييز بين «الصورة» (image) و«الشكل» (figure) إحدى الإشكاليات الأساسية في فلسفة الفن ودراسات الإعلام والثقافة البصرية. تبدو الكلمتان مترادفتين في الاستعمال اليومي، لكنهما تختلفان اختلافاً جوهرياً على المستويات المفهومية والأنطولوجية والفنية والسياقية. الصورة تشير إلى التمثيل البصري العام، الذي قد يكون ذهنياً أو مادياً أو افتراضياً، بينما يشير الشكل إلى البنية المنظَّمة، الملموسة، والمُشكَّلة التي تتجلى فيها الصورة كوجود فني أو وجودي محدد.

من هذا المنطلق، تعتمد هذه الدراسة على المقاربة الميديولوجية، التي طورها ريجيس ديبراي، والتي تنظر إلى الظواهر الثقافية لا كمحتوى مثالي منفصل عن وسائطه، بل كنتاج للتفاعل بين التقنيات المادية، والمؤسسات الاجتماعية، وأنظمة النقل الرمزي. الميديولوجيا تكشف كيف أن الوسيط (medium) ليس حاملاً محايداً، بل يُشكِّل طبيعة ما يحمله. من خلال هذه العدسة، سنستكشف المعايير الفنية والأنطولوجية التي تميز الصورة عن الشكل، وكيف تتغير هذه المعايير عبر السياقات التاريخية والتقنية. فكيف يمكن طرح إشكالية التمييز بين الصورة والشكل؟

التمييز المفهومي: الصورة كتمثيل والشكل كتجسيد

مفهومياً، الصورة هي ما يظهر أو يُمثِّل. إنها نسخة أو انعكاس أو إشارة إلى شيء آخر، سواء أكان ذلك الشيء موجوداً فعلاً أم متخيلاً. تمتلك الصورة طابعاً إيحائياً وغائباً: هي حاضرة غياباً. أما الشكل فيحمل طابع التجسيد والتحديد. الشكل ليس مجرد تمثيل، بل هو بنية مرئية منظمة تفرض نفسها على النظر كوجود قائم بذاته. في الخطاب الفلسفي، الصورة قريبة من «الصورة الذهنية» أو «التمثل» ، بينما الشكل أقرب إلى «الصورة التشكيلية» أو البنية الشكلية التي تمنح الهوية والوحدة. هذا التمييز يتجلى في اللغة نفسها: «image» في الإنجليزية والفرنسية تحمل دلالة النسخة والانطباع، بينما «figure» تشير إلى الخطوط، والمحددات، والتكوين. المقاربة الميديولوجية تضيف أن هذا التمييز ليس أبدياً بل مرتبط بوسائط الإنتاج: في اللوحة الزيتية التقليدية، يسيطر الشكل (التكوين، الخط، اللون المادي)، أما في الصورة الفوتوغرافية فتطغى الصورة كأثر ضوئي آلي.

المعايير الأنطولوجية: الوجود والحضور

أنطولوجياً، تختلف الصورة عن الشكل في طبيعة وجودهما. الصورة وجودها مشروط بالغياب: هي دائماً صورة «لـ» شيء، وتظل معلقة بين الواقع والوهم. وجودها ثانوي، مشتق، يعتمد على ما يمثله. أما الشكل فوجوده أولي أكثر: هو تجسيد يحضر نفسه ككيان مرئي مستقل. الشكل لا يشير فقط، بل يوجد كشكل. في الرسم، يصبح الشكل وجوداً فنياً قائماً بذاته، حتى لو كان مجرداً.

من منظور ميديولوجي، يرتبط هذا الاختلاف بالمادية التقنية. الصورة الرقمية هي صورة بامتياز: قابلة للتعديل اللامتناهي، غير مرتبطة بمكان أو زمان محدد، موجودة في حالة تدفق مستمر. أما الشكل في المنحوتة أو اللوحة التقليدية فيمتلك «هالة» مادية، وجوداً جسدياً يقاوم الاستنساخ. الشكل يحمل أنطولوجيا الحضور المباشر، بينما الصورة تحمل أنطولوجيا الغياب والتكرار. في عصر الذكاء الاصطناعي التوليدي، يتعمق هذا الاختلاف: الصورة المولدة تفقد أي ارتباط أصلي بالواقع، فتصبح صورة خالصة بدون مرجع، بينما يظل الشكل الفني التقليدي مرتبطاً بجسد الفنان وبماديته.

المعايير الفنية: الإدراك والتأثير

فنياً، تتميز الصورة بالقوة الإيحائية والعاطفية. الصورة تثير الخيال والذاكرة، وغالباً ما تعمل على مستوى اللاوعي. أما الشكل فيعمل على مستوى البنية والتركيب: التوازن، التناسب، التباين، الإيقاع. في النظرية الفنية، يُعد الشكل عنصراً تشكيلياً أساسياً ينظم الفضاء البصري، بينما الصورة هي المحتوى التمثيلي أو الدلالي. في الرسم الكلاسيكي، يخدم الشكل (الخطوط، الكتل، التركيب) في بناء الصورة (الموضوع الممثل). أما في الفن الحديث (كالتجريد أو التعبيرية) فيصبح الشكل نفسه موضوعاً، فيتحول إلى وجود أنطولوجي مستقل. المقاربة الميديولوجية تكشف أن هذه المعايير تتغير حسب الوسيط: في السينما، الصورة متحركة وتتدفق زمنياً، بينما الشكل يتجمد في اللقطة الثابتة أو في الإطار المعماري للمشهد. في الفيديو الرقمي، يذوب الشكل في تدفق الصور، مما يُضعف قدرته على الثبات الأنطولوجي.

التمييز السياقي: التاريخ والثقافة والتقنية

سياقياً، يختلف التمييز حسب العصور. في العصور القديمة والوسيطة، كان الشكل مهيمناً (الأيقونات البيزنطية، المنمنمات الإسلامية) لأن الصورة كانت محكومة بتحريم أو قيود دينية، فأصبح الشكل وسيلة للتعبير الرمزي. أما في عصر النهضة الأوروبية فتحررت الصورة التمثيلية، مدعومة بتقنيات المنظور والزيت، فأصبح الشكل أداة لخدمة واقعية الصورة.

في العصر الحديث، مع اختراع التصوير الفوتوغرافي، انتقلت الصورة إلى مجال الآلة، مما أجبر الفن على التركيز على الشكل كعنصر تعبيري خالص (كما في الانطباعية ثم التجريد). أما في عصرنا الرقمي فتسيطر الصورة المتدفقة، ويصبح الشكل تحدياً فنياً نادراً يسعى إلى استعادة الحضور المادي (كالفن التركيبي أو تركيز الـفن). الميديولوجيا تؤكد أن السياق التقني يحدد الأولويات: وسائط الاستنساخ (الطباعة، الرقمي) تعزز الصورة، بينما وسائط الإنتاج اليدوي (الرسم، النحت) تعزز الشكل. كما أن السياق الثقافي يلعب دوراً: في الثقافات الشرقية التقليدية، غالباً ما يحل الشكل الزخرفي محل الصورة التمثيلية، بينما في الثقافة الغربية الحديثة أصبحت الصورة أداة للهيمنة البصرية العالمية.

المقاربة الميديولوجية: الوسيط كمحدد أنطولوجي

تكمن قوة المقاربة الميديولوجية في ربط التمييز بين الصورة والشكل بشبكة النقل الثقافي. الوسيط ليس محايداً: اللوحة تحمل الشكل كحضور مادي يتآكل مع الزمن، بينما الصورة الرقمية خالدة لكنها عديمة الجسد. هذا يؤثر في التلقي: الشكل يطالب بالتأمل البطيء والحضور الجسدي، أما الصورة فتدعو إلى الاستهلاك السريع والتدفق. في عصر الذكاء الاصطناعي، يصبح التمييز أزمة: هل يمكن للآلة أن تنتج شكلاً حقيقياً أم أنها تنتج صوراً فقط؟

الميديولوجيا تجيب بأن الشكل يتطلب وعياً تجسيداً ومسؤولية فنية، بينما الصورة يمكن إنتاجها آلياً. هكذا يصبح التمييز ليس جمالياً فحسب، بل أخلاقياً ووجودياً.

خاتمة:

يمثل التمييز بين الصورة والشكل علاقة جدلية دائمة: الصورة تحتاج الشكل لكي تتحقق مادياً، والشكل يحتاج الصورة لكي يحمل معنى. المعايير الفنية تركز على التركيب والإدراك، والمعايير الأنطولوجية على الحضور مقابل التمثيل، بينما تحدد السياقات الميديولوجية كيفية تحول هذه العلاقة عبر التاريخ والتقنية.في عصرنا، حيث تتدفق الصور بلا حدود، يصبح استعادة قوة الشكل تحدياً حضارياً: تحدي الحفاظ على الحضور الأصيل أمام طوفان التمثيلات الافتراضية. المقاربة الميديولوجية تدعونا إلى عدم الاكتفاء بالتمييز النظري، بل إلى فهم كيف تشكل وسائطنا البصرية وجودنا ذاته. الصورة والشكل ليسا مجرد مصطلحين فنيين، بل هما طريقتان للوجود في العالم ولرؤيته. كيف يمكن انتاج فهم ديناميكي للعلاقة بين الصورة والشكل؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

لم يكن السؤال عن الله في تاريخ الفكر الإنساني مجرد سؤال ديني، بل كان أيضا واحدا من أقدم وأعمق الأسئلة الفلسفية. فمنذ أن بدأ الإنسان يتأمل السماء، ويواجه الموت، ويبحث عن أصل الوجود، وجد نفسه أمام تساؤلات تتجاوز حدود الحواس والتجربة المباشرة: من أين جاء الكون؟ هل للوجود بداية أم أنه أزلي؟ وهل يقف وراء هذا النظام الكوني عقل مطلق أم أن الوجود يفسر نفسه بنفسه؟ هذه الأسئلة لم تكن حكرا على الأديان، بل أصبحت محور الفلسفة منذ نشأتها، لأن الفيلسوف لا يبدأ من التسليم، وإنما من التساؤل، ولا يعتبر أي فكرة بمنأى عن الفحص العقلي. يختلف المنهج الفلسفي عن المنهج الديني في نقطة أساسية. فالدين ينطلق من الوحي بوصفه مصدرا للحقيقة، بينما تنطلق الفلسفة من العقل والبرهان والتحليل المنطقي. لذلك لم يكن اهتمام الفلاسفة منصبا على الدفاع عن عقيدة معينة أو نفيها، بل على فهم ما إذا كان العقل الإنساني قادرا على الوصول إلى فكرة الله، وما إذا كانت هذه الفكرة ضرورة عقلية لتفسير الوجود، أم أنها تعبير عن حاجة إنسانية إلى المطلق والمعنى. ومن هنا فإن السؤال الفلسفي لم يكن: «بأي دين يجب أن نؤمن؟» بل: «ما الذي يمكن للعقل أن يعرفه عن الله؟».

في الحضارات القديمة ارتبطت صورة الآلهة بالطبيعة. فقد فسر الإنسان البرق والرعد والفيضانات والجفاف من خلال قوى غيبية، لأن أدواته المعرفية لم تكن تسمح بتفسير تلك الظواهر تفسيرا علميا. لكن مع ظهور الفلسفة اليونانية بدأ التفكير ينتقل من الأسطورة إلى العقل. فلم يعد السؤال عن الإله الذي يحرك البحر أو يرسل المطر، بل عن المبدأ الأول الذي يجعل الكون مفهوما ومنظما. وهنا ظهرت أولى المحاولات لبناء تصور عقلي عن أصل الوجود.يرى أفلاطون أن العالم الذي تدركه الحواس ليس الحقيقة الكاملة، لأنه عالم متغير وزائل، بينما لا بد من وجود حقيقة ثابتة وكاملة تفسر هذا التغير. ومن هنا جاءت نظريته في عالم المثل، حيث تمثل فكرة الخير أعلى مراتب الوجود، وهي التي تمنح الموجودات معناها ونظامها. أما أرسطو فقد رفض بعض جوانب نظرية المثل، لكنه قدم تصورا آخر أصبح من أكثر التصورات تأثيرا في تاريخ الفلسفة، وهو مفهوم "المحرك الأول". فكل حركة تحتاج إلى سبب، وإذا استمرت سلسلة الأسباب إلى ما لا نهاية فلن نستطيع تفسير وجود الحركة نفسها، ولذلك افترض وجود علة أولى لا تحتاج إلى علة أخرى، وهي التي تمنح الكون نظامه دون أن تكون جزءا منه.أثرت هذه التصورات في الفلسفة الدينية لاحقا، فحاول مفكرون في العصور الوسطى التوفيق بين العقل والإيمان، وظهرت براهين متعددة لإثبات وجود الله، مثل البرهان الكوني الذي يستدل من وجود الكون على وجود سبب أول، والبرهان الغائي الذي يرى في انتظام الطبيعة دليلا على وجود عقل منظم، والبرهان الوجودي الذي يحاول الوصول إلى وجود الله انطلاقا من التحليل العقلي لمفهوم الكمال. وقد شكلت هذه البراهين جزءا مهما من تاريخ اللاهوت الفلسفي، لكنها لم تمر دون اعتراضات ونقاشات عميقة.مع بداية العصر الحديث، تغيرت طبيعة السؤال. فلم يعد النقاش يدور فقط حول وجود الله، بل حول قدرة العقل على إثبات هذا الوجود. فهل يستطيع العقل أن يتجاوز حدود التجربة الحسية ليصدر أحكاما يقينية في قضايا ميتافيزيقية؟ أم أن هناك حدودا لا يمكنه تجاوزها؟ أدى هذا التحول إلى إعادة النظر في جميع البراهين التقليدية، وبدأت الفلسفة تمارس نقدها ليس لفكرة الله وحدها، بل لأدوات المعرفة نفسها.في هذا الواقع برز سبينوزا بوصفه أحد أكثر الفلاسفة إثارة للجدل. فقد رفض تصوير الله على أنه كائن منفصل عن العالم يتدخل فيه من الخارج، ورأى أن الله هو الجوهر المطلق الذي تتجلى فيه الطبيعة بأسرها. لقد حاول سبينوزا تجاوز التصور التشبيهي للإله، مقدما رؤية تجعل الوجود كله تعبيرا عن حقيقة واحدة. وقد اعتبر البعض أن هذا التصور يقرب بين الدين والفلسفة، بينما رأى آخرون أنه يذيب الفارق بين الخالق والعالم، ولذلك ظل موضوعا للجدل حتى اليوم.لكن النقد الفلسفي بلغ مرحلة أكثر صرامة مع ديفيد هيوم، الذي شكك في قدرة البراهين العقلية على إثبات وجود الله بصورة قاطعة. فقد رأى أن العقل لا يستطيع أن يتجاوز حدود الخبرة الإنسانية، وأن الاستدلال من انتظام الكون إلى وجود مصمم يشبه القياس بين أشياء مختلفة من حيث الطبيعة. كما نبه إلى أن وجود النظام لا يلغي وجود الشر والمعاناة، وهو ما يجعل الاستنتاجات الميتافيزيقية أكثر تعقيدا مما تبدو عليه.

ويأتي بعد ذلك التحول الفلسفي الكبير الذي أحدثه إيمانويل كانط، والذي يعده كثير من الباحثين نقطة فاصلة في تاريخ الفلسفة الحديثة. لم يكن كانط معنيا بإثبات وجود الله أو نفيه بقدر ما كان مهتما ببيان حدود العقل الإنساني. فقد رأى أن العقل قادر على فهم العالم الذي تدركه الحواس، لكنه يعجز عن إصدار أحكام يقينية في القضايا الميتافيزيقية التي تتجاوز التجربة، مثل وجود الله وخلود النفس وحرية الإرادة. لذلك اعتبر أن البراهين العقلية التقليدية لا تستطيع أن تقدم يقينا فلسفيا نهائيا، لأنها تتجاوز المجال الذي يعمل فيه العقل بصورة مشروعة.ومع ذلك، لم ينته كانط إلى رفض فكرة الله، بل منحها بعدا أخلاقيا. فالإنسان، في نظره، يشعر بواجب أخلاقي يدفعه إلى افتراض وجود عدالة مطلقة يتحقق فيها الانسجام بين الفضيلة والسعادة، ومن هنا تصبح فكرة الله ضرورة أخلاقية للعقل العملي، لا نتيجة لبرهان نظري. لقد فتح هذا التصور الباب أمام مرحلة جديدة في فلسفة الدين، حيث لم يعد النقاش يدور حول البرهنة، وإنما حول الوظيفة الأخلاقية والمعنوية لفكرة الله في حياة الإنسان. وفي القرن التاسع عشر ظهر لودفيغ فيورباخ ليقدم قراءة مختلفة جذريا. فقد رأى أن الإنسان هو الذي يصنع صورة الله، وأن الصفات التي ينسبها إليه، مثل الكمال والعدل والرحمة، ليست سوى إسقاط لرغبات الإنسان ومثله العليا على كائن متعال. ووفقا لهذا التحليل، فإن دراسة فكرة الله تصبح في الوقت نفسه دراسة للطبيعة الإنسانية، لأن الإنسان يكشف عن آماله ومخاوفه وقيمه من خلال الصورة التي يرسمها للإله. أثرت أفكار فيورباخ في عدد من المفكرين اللاحقين، وإن اختلفوا في نتائجها. فقد اتجه بعضهم إلى تفسير الدين بوصفه ظاهرة اجتماعية أو نفسية، بينما رأى آخرون أن مثل هذه التفسيرات لا تكفي لفهم التجربة الدينية، لأنها تختزل ظاهرة معقدة في سبب واحد. ومن هنا استمر الجدل بين من ينظر إلى الدين بوصفه استجابة لاحتياجات الإنسان، ومن يراه استجابة لحقيقة تتجاوز الإنسان نفسه.

ثم جاء فريدريك نيتشه ليقدم واحدة من أكثر الأفكار إثارة للنقاش في تاريخ الفلسفة، عندما أعلن عبارته الشهيرة: «مات الله». ولم يكن يقصد بذلك أن الله كان موجودا ثم مات، وإنما كان يشير إلى تراجع المرجعية الدينية التقليدية في الثقافة الأوروبية مع صعود الحداثة والعلم. وكان يرى أن هذا التحول يفرض على الإنسان تحديا جديدا، يتمثل في إعادة بناء منظومة القيم دون الاعتماد على المرجعيات القديمة. لقد حذر نيتشه من أن انهيار المرجعية الدينية دون إيجاد بديل قد يقود إلى العدمية، أي الشعور بأن الحياة بلا معنى أو غاية. ولذلك دعا إلى إعادة تقويم القيم، وإلى أن يتحمل الإنسان مسؤولية صياغة حياته بنفسه. وقد أثرت هذه الأفكار بعمق في الفلسفات الوجودية التي ظهرت بعده، سواء اتفقت معه أم اختلفت في النتائج.، رأى جان بول سارتر أن الإنسان مسؤول عن أفعاله لأنه يمتلك حرية الاختيار، وأنه لا يستطيع أن يلقي مسؤولية قراراته على أي قوة خارجية. وقد جعلت هذه الرؤية الحرية محور الوجود الإنساني، لكنها في الوقت نفسه حمّلت الفرد مسؤولية ثقيلة عن المعنى الذي يمنحه لحياته. ومع ذلك، فإن الوجودية لم تكن تيارا واحدا، فقد وجد فيها أيضا مفكرون مؤمنون رأوا أن الحرية والإيمان يمكن أن يتكاملا بدلا من أن يتعارضا. ومن أكثر الإشكالات التي ناقشتها فلسفة الدين ما يعرف بمشكلة الشر. فإذا كان الله كلي القدرة وكلي الخير، فكيف يمكن تفسير وجود الحروب والكوارث والظلم والآلام؟ وقد قدم الفلاسفة واللاهوتيون إجابات متعددة، منها أن الحرية الإنسانية تقتضي إمكانية الخطأ، وأن كثيرا من الشرور يرتبط بأفعال البشر، بينما ذهبت اتجاهات أخرى إلى أن العقل الإنساني قد لا يحيط بالحكمة الكاملة وراء كل ما يحدث. وبقيت هذه القضية واحدة من أكثر القضايا تعقيدا في الفلسفة، دون أن تحظى بإجابة تحظى بإجماع المفكرين. كما أولت الفلسفة اهتماما كبيرا بالعلاقة بين الدين والسلطة. فالتاريخ يقدم نماذج استندت فيها سلطات سياسية إلى الخطاب الديني لتبرير شرعيتها، كما يقدم نماذج أخرى كان فيها الدين قوة دافعة للإصلاح ومقاومة الظلم والدفاع عن الكرامة الإنسانية. ولذلك يميز كثير من الفلاسفة بين الإيمان بوصفه تجربة روحية وأخلاقية، وبين توظيف الدين لتحقيق أهداف سياسية أو اقتصادية. وهذا التمييز لا يعني رفض الدين، بل يهدف إلى حماية المجالين الديني والسياسي من الاستغلال المتبادل.

إن استعراض هذه المواقف المختلفة يكشف أن الفلسفة لم تصل إلى اتفاق نهائي حول مفهوم الله، بل أنتجت رؤى متعددة تعكس اختلاف المناهج والأسئلة. فهناك من رأى أن العقل يستطيع الوصول إلى الله، وهناك من اعتبر أن العقل يقف عند حدود معينة، وهناك من فسر فكرة الله من منظور إنساني أو أخلاقي أو وجودي. وهذا التنوع لا يعبر عن فشل الفلسفة، بل عن طبيعتها القائمة على الحوار والنقد وإعادة النظر. وأهم ما تعلمه الفلسفة للإنسان هو التمييز بين الإيمان بوصفه قناعة شخصية، وبين البرهان بوصفه أداة عقلية، وبين النقد بوصفه بحثا عن الحقيقة لا عداء لها. فالفلسفة لا تلزم الإنسان بالإيمان ولا بالإلحاد، وإنما تدعوه إلى التفكير في الأسس التي يبني عليها مواقفه، وإلى إدراك أن الأسئلة الكبرى لا تحتمل الإجابات السريعة أو اليقين السهل. وهكذا ظل السؤال عن الله حاضرا في كل مراحل الفكر الإنساني، لأنه ليس سؤالا عن وجود كائن متعال فحسب، بل هو أيضا سؤال عن أصل الكون، ومعنى الحياة، وحدود العقل، ومصدر الأخلاق، ومستقبل الإنسان. وربما لهذا السبب سيبقى هذا السؤال مفتوحا ما دام الإنسان قادرا على التفكير، لأن الفلسفة لا تبحث عن إغلاق الأسئلة الكبرى، وإنما عن تعميق فهمها، وإثراء الحوار حولها، وإدراك أن البحث عن الحقيقة رحلة مستمرة لا تنتهي.

***

زكريا نمر

 

من أكثر المسائل دقة في فلسفة الوعي تلك التي تبدأ من أقرب الأشياء إلينا اجتماعيًا، لكنها تنفتح فورًا على هاوية إبستمولوجية وأنطولوجية معًا: كيف أعرف أن الآخر يعي كما أعي؟ كيف أعرف أن ما أراه أمامي ليس مجرد جسد يتحرك، وصوت يتكلم، ووجه يتألم، بل كائن له عالم داخلي، وله خبرة ذاتية، وله “ما يشبه” أن يكون هو نفسه؟ هنا لا يعود سؤال الوعي شأنًا فرديًا محضًا، بل يصبح سؤالًا عن إمكان العيش المشترك أصلًا. لأن كل علاقة بشرية عميقة، من التعاطف إلى الأخلاق إلى الحب إلى القانون، تفترض بدرجة ما أن الآخر ليس مجرد شيء معقد في العالم، بل ذات تشعر.

لكن هذه الفرضية، على بداهتها العملية، ليست سهلة فلسفيًا. فخبرتي الواعية تُعطى لي مباشرة، أو على الأقل أقرب ما يكون إلى المباشرة، أما خبرة الآخر فلا تُعطى لي بهذا الشكل. أنا لا أدخل إلى ألم الآخر كما أدخل إلى ألمي، ولا أرى حزنَه من الداخل كما أرى حزني. ما يُعطى لي هو سلوكه، تعبيره، صوته، نظرته، انكماشه، لغته، صمته، أفعاله. أي إنني لا أصل إلى وعي الآخر إلا عبر علامات. ومن هنا ينبثق السؤال الكلاسيكي: أليس من الممكن، من حيث المبدأ، أن يكون الآخر مجرد آلة متقنة أو “زومبي” فلسفي، يؤدي جميع السلوكيات المناسبة من غير أن يكون هناك أي حضور داخلي؟

هذا الاعتراض يبدو حادًا على المستوى النظري، لأنه يكشف أن الوصول إلى وعي الآخر ليس استبطانًا مباشرًا. لكن الحياة اليومية نفسها تكشف شيئًا معاكسًا: نحن لا نتعامل مع الآخرين عادةً كما لو كانوا ألغازًا ميتافيزيقية تنتظر البرهنة، بل نحيا منذ البدء داخل عالم مشترك من المعاني المتجسدة. حين أرى وجهًا يتألم، لا أبدأ غالبًا باستدلال نظري من نوع: هذا الجسد يصرخ، وكلما صرخ جسد مماثل لجسدي كان هناك ألم، إذن هذا الكائن يتألم على الأرجح. بل ألتقط الألم على نحو شبه مباشر داخل التعبير نفسه. لا بمعنى أنني أمتلكه من الداخل، بل بمعنى أن الجسد الإنساني ليس لي موضوعًا صامتًا تُضاف إليه الدلالة من الخارج، بل هو حامل ظهور. تعبير الوجه، نبرة الصوت، التوتر الجسدي، الانسحاب، الرعشة، الدموع، كلها ليست علامات اعتباطية فحسب، بل أنماط انكشاف.

وهنا تتجلى أهمية الظاهراتية من جديد، وخصوصًا عند شيلر وهوسرل وميرلو-بونتي، الذين اعترضوا على التصور الذي يجعل معرفة الآخر مجرد “استدلال من التشابه”. هذا التصور يقول تقريبًا: بما أن لي جسدًا وسلوكًا يقترنان بحالات شعورية، وبما أن للآخر جسدًا وسلوكًا شبيهين، فأنا أستنتج أنه يمتلك حالات شعورية مماثلة. لكن هذا النموذج يبدو ناقصًا، لأن علاقتنا الفعلية بالآخر لا تبدأ كاستنتاج بارد، بل كإدراك متجسد داخل العالم المشترك. الآخر لا يظهر لي أولًا كجسم مادي محض ثم أضيف إليه فرضية الوعي، بل يظهر لي منذ البداية، بدرجات متفاوتة، ككائن ذي دلالة، كوجه، كصوت حي، كحضور يستدعي الاستجابة.

هذا لا يعني أن وعي الآخر شفاف بالكامل. فهو يظل، دائمًا، غير متطابق مع حضوري لذاتي. ثمة مسافة لا يمكن ردمها نهائيًا. أنا لا أصبح الآخر، ولا أذوب في باطنه. لكن هذه المسافة لا تعني العزلة المطلقة، بل تعني أن الآخر يُعطى لي عبر تجسد ظاهر لا عبر اندماج استبطاني. وعيه لا يُكشف لي كموضوع داخلي خاص بي، بل كأفق حضور ينسرب من خلال سلوكه، لغته، جسده، وتاريخه في العالم. ولذلك فإن السؤال ليس: كيف أقفز من عالمي المغلق إلى عالم الآخر؟ بل: هل أنا أصلًا في عالم مغلق؟ أم أن الوعي البشري منذ البدء علائقي، متشابك، مهيأ للتلقي والتعاطف والتقمص والتجاوب؟

في هذا السياق تكتسب مسألة التعاطف معناها الفلسفي. فالتعاطف ليس مجرد شعور أخلاقي لطيف، بل هو في أحد أبعاده الأساسية بنية معرفية-وجودية تمكّنني من استقبال الآخر بوصفه ذاتًا لا شيئًا. وأنا لا أتعاطف فقط لأنني أفترض نظريًا أن له ذهنًا، بل لأن حضوره الجسدي والتعبيري يدخل في مجالي الإدراكي بطريقة مخصوصة. من هنا نفهم لماذا يزعجنا الوجه البشري الصامت، ولماذا تؤثر فينا نبرة الخوف، ولماذا يمكن لحركة بسيطة أو ارتجافة عين أن تفتح عالمًا كاملًا من المعنى. الجسد هنا ليس عائقًا بيني وبين الآخر، بل هو الجسر الأول. ليس ساترًا للداخل فقط، بل أول ظهور له.

غير أن هذه الرؤية لا ترفع المشكلة بالكامل. لأن إمكانية الخطأ تبقى قائمة دائمًا. يمكنني أن أسيء فهم الآخر، أو أقرأ في تعبيره ما ليس فيه، أو أفشل في إدراك عمق ألمه، أو أنخدع بممثل بارع أو بآلة محاكية أو بوجه اجتماعي متقن. وهذا يعني أن معرفة الآخر ليست يقينًا مطلقًا من نوع معرفتي الفورية ببعض حالاتي، لكنها أيضًا ليست مجرد تخمين اعتباطي. إنها معرفة تقع في منطقة وسطى: أقوى من الظن المحض، وأضعف من التطابق الكامل. وهذا الوسط هو نفسه ما يجعل الحياة الإنسانية ممكنة: لو كان الآخر مغلقًا تمامًا لما قامت علاقة، ولو كان شفافًا تمامًا لانمحى كآخر.

هنا تظهر أيضًا أهمية اللغة. فنحن لا نعرف الآخر فقط عبر جسده، بل عبر ما يقوله عن نفسه، وعبر قدرته على السرد، والاعتراف، والوصف، والكتمان، والالتباس. اللغة لا تمنحنا دخولًا مباشرًا إلى باطنه، لكنها توسع مساحة حضوره. بواسطتها لا يعود الآخر مجرد كائن يتألم أمامي، بل كائن يروي لي كيف يتألم، وكيف يفهم ألمه، وما الذي يخافه، وما الذي يتذكره، وما الذي يعجز عن قوله. ومن خلال هذه اللغة نفسها نكتشف أن وعي الآخر ليس مطابقًا لبنيتي دائمًا، بل له نبرته الخاصة، ومجازه الخاص، وشكل زمنه الخاص. وهكذا لا تكون معرفة الآخر مجرد قياسه عليّ، بل تعلمٌ مستمر للتمايز داخل التشابه.

ولهذا فإن السؤال: كيف نعرف أن غيرنا يشعر مثلنا؟ قد يكون مضللًا قليلًا من جهتين. أولًا، لأنه يفترض أن المعرفة المطلوبة هي معرفة بأن الآخر “مثلنا” على وجه التماثل، بينما الأصح أن الآخر يشعر بوصفه آخر، أي في تقاطع بين المشابهة والاختلاف. وثانيًا، لأنه يوحي وكأن المطلوب برهان منطقي نهائي، بينما علاقتنا بالآخر تقوم فعليًا على نمط من الإدراك المشترك، والتجسد، واللغة، والتاريخ، والمؤسسات الأخلاقية، لا على استدلال واحد معزول. نحن لا نثبت وعي الآخر كما نثبت مسألة في الهندسة، بل نعيش معه داخل أفق يجعل إنكار وعيه استثناءً نظريًا متطرفًا أكثر من كونه الوضع الأصلي.

وهذا يفسر لماذا كانت مشكلة العقول الأخرى، رغم شهرتها الفلسفية، تبدو أحيانًا أقل إقناعًا على المستوى الوجودي. فهي تنجح في كشف أن اليقين المطلق بوعي الآخر غير متاح بالطريقة نفسها التي أحضر بها إلى ذاتي، لكنها قد تفشل إذا أوحت بأن الحياة تبدأ من عزلة عقلية ثم تبحث لاحقًا عن منافذ. كثير من الفلاسفة المعاصرين، خصوصًا في الظاهراتية والفلسفات المتجسدة، حاولوا قلب هذا المسار: نحن لا نبدأ أفرادًا مغلقين، بل كائنات في عالم مشترك، والإدراك الاجتماعي جزء أصيل من وعينا بالعالم، لا إضافة لاحقة عليه. من هنا فإن الآخر لا يظهر كفرضية، بل كحضور أصلي، حتى وإن ظلت هناك حدود لهذا الحضور.

لكن المسألة لا تقف عند البشر فقط. فهي تمتد إلى الحيوانات، ثم إلى الذكاء الاصطناعي. كيف أعرف أن الحيوان يشعر؟ هنا لا أملك اللغة البشرية نفسها، لكنني أملك الجسد، والسلوك، والقرائن العصبية، والاستجابات، والتقارب التطوري. ومع ذلك تظل درجات اليقين متفاوتة. وحين أصل إلى الآلة، يصبح السؤال أشد توترًا: هل التعبير هنا انكشاف لداخل، أم محاكاة بلا داخل؟ وهذا يبيّن أن سؤال الآخر ليس مسألة أخلاقية فقط، بل مقياسًا لفهمنا للوعي نفسه. كلما تغير تصورنا لما يجعل الخبرة ممكنة، تغير تصورنا لمن يحق له أن يُعترف به كذات.

وهنا يكمن البعد الأخلاقي العميق للمسألة. لأن الاعتراف بوعي الآخر ليس مجرد استنتاج نظري، بل أيضًا فعل إنصاف. حين أعامل الآخر كشيء، أو كأداة، أو كمجرد سلوك بلا باطن، فإنني لا أخطئ معرفيًا فقط، بل أرتكب عنفًا أنطولوجيًا وأخلاقيًا. كثير من الحالات الاقصائية تقوم جزئيًا على نزع امتلاء الآخر الداخلي، أو على تقليصه إلى موضوع يمكن التصرف فيه. ومن هنا فإن سؤال الوعي والآخر له صلة مباشرة بطريقة بناء العالم الإنساني: هل الآخر كائن له داخل يُحترم، أم مجرد حضور وظيفي في مجالي؟

إن جوابًا فلسفيًا ناضجًا لا يمكن أن يكون: نعم، أعرف الآخر كما أعرف نفسي تمامًا. ولا يمكن أيضًا أن يكون: لا سبيل إلى معرفة وعي الآخر إطلاقًا. الأصح أن نقول: الآخر يُعطى لي من خلال تجسد دالّ، ولغة، وتاريخ مشترك، وتعاطف، ومؤسسات اعتراف، بما يكفي لجعل إنسانيته أو شعوريته أمرًا حاضرًا بقوة، دون أن تُلغى المسافة التي تحفظ فرادته. أنا لا أمتلك باطنه، لكنني لست مطرودًا منه تمامًا. بل أعيش على الحدّ الذي يجعل من الممكن أن أفهمه جزئيًا، وأن أخطئ فيه جزئيًا، وأن أتعلم منه، وأن أُفاجأ به.

لا نعرف أن غيرنا يشعر “مثلنا” لأننا دخلنا إلى غرفته الداخلية سرًا، ولا لأننا أقمنا برهانًا نهائيًا لا يقبل الشك، بل لأن الوعي البشري نفسه ليس جزيرة مغلقة. نحن كائنات متجسدة، متخاطبة، متعاطفة، تتشكل داخل عالم مشترك. ومن داخل هذا العالم يظهر الآخر لا كشيء يتحرك فقط، بل كذات تتألم، وتفرح، وتصمت، وتتردد، وتنتظر. صحيح أن المسافة لا تزول، لكن هذه المسافة ليست جدارًا، بل شرط اللقاء نفسه. فالآخر لا يكون آخرًا لأننا نفشل في بلوغه فقط، بل لأنه يحضر لنا دومًا من وراء نفسه، كوعي لا نملكه، لكننا نُدعى إلى الاعتراف به.

***

عبد الله الهميلي

كان إبيقور مؤمنا بمذهب اللذة، حيث اعتقد ان المتعة هي أعلى الخير. وهو اعتقد أيضا ان المتعة هي ببساطة غياب المعاناة. بالنسبة له، الانسان يجب ان يكافح للحصول على راحة البال ataraxia. فلسفته سعت للتغلب على أربع مشاكل رئيسية تعكّر حياة معظم الناس. احدى هذه كانت الخوف من الموت. إبيقور اعتقد ان لا داعي للخوف من الموت، وسنرى في هذا المقال لماذا.

من هو إبيقور؟

وُلد ابيقور في جزيرة ساموس اليونانية عام 341 ق.م من أبوين نيوكليس و خيريستراتا. هو انتقل الى أثينا عام 323 ق.م وهو في عمر 18 عاما. في تلك السنة توفي الاسكندر الأكبر وهو الحدث الذي كانت له تداعيات كبيرة على حياة الاثنيين في ساموس. انتقل أبوه من الجزيرة الى مدينة كولوفون التي تقع في ديغيرميتريدي الحالية على الساحل التركي. ترك ابيقور أثينا والتحق بأبيه، حيث بقي في العشر سنوات اللاحقة يدرس الفلسفة. بعدها أمضى بعض الوقت يعيش في جزيرة ليسبوس اليونانية وفي المحيط الرئيسي للامبساكوس. في كلا المكانين، هو استمر بعمله الفلسفي وجمع الأتباع. وفي حوالي 307 ق.م كانت آخر خطواته الانتقال رجوعا الى أثينا،حيث أمضى بقية حياته. توفي ابيقور بعمر 70 عاما بسبب مضاعفات ناتجة عن حصى في المسالك البولية: موت شديد الأذى لكنه ملفت للانتباه طالما ادّعى ابيقور ان لا حاجة للخوف من الموت، او الألم وهو ما سنرى عنه الكثير بعد قليل.

وبينما هو في أثينا، أسس ابيقور مدرسته الشهيرة "الحديقة". الاسم مشتق من حقيقة ان المدرسة استخدمت الحديقة كمكان للاجتماعات. انها كانت بين اثنين من اشهر المدارس في أثينا، الرواق والأكاديمية. الرواق نُسب للحركة الفلسفية التي عُرفت بالرواقية. زينون وهو مؤسس الرواقية علّم هناك بدءا من سنة 300 ق.م. الاكاديمية كانت مدرسة افلاطون التي أسسها عام 387 ق.م حيث درس فيها ارسطو لمدة عقدين. كُتب على باب الاكاديمية اعلان يقول " لا تدع أي جاهل في الهندسة يدخل هنا".

اما على باب الحديقة كُتب "أيها الغريب، هنا من الحكمة ان تتريث، هنا خيرنا الأعلى هو المتعة".

حاليا، كلمة "ابيقوري" تسبق عادة كلمات أخرى مثل "مسرات" وتُستخدم لوصف التمتع باللذة الناتج عن التمتع الحسي بالطعام والشراب. لكن عندما تزور الحديقة، فان الطعام الذي ينتظرك لن يكون اكثر من الخبز والماء وربما قطعة من الجبن. عاش ابيقور وزملاؤه حياة بسيطة جدا. هو تناول الخمر فقط لأسباب طبية لعلاج آلامه، وحتى في هذه الحالة كان الخمر مخففا بالماء، فمن أين جاء الارتباط بين الايبيقورية والملذات الحسية؟

الالتباس ربما برز من ترافق سوء الفهم مع نميمة مغرضة. ابيقور فضح الاثنيين بافتتاحه مدرسته للنساء والعبيد. نحن نستطيع مقارنة هذا مع اكاديمية افلاطون، التي كانت مفتوحة نظريا لعامة الناس، لكن عمليا، قبول الطلاب كان مقيدا بالرجال من الطبقة العليا . ونظرا للمواقف الطبقية والجنسية في ذلك الوقت، بالإضافة الى النميمة المثيرة للغرائز، تكهّن الناس بما يجري مع النساء والعبيد خلف جدران الحديقة.

بالإضافة الى ذلك، الكثير من تاريخ العالم القديم جرى جمعه وترتيبه بعناية من جانب علماء ارتبطوا بالكنيسة. الفلسفة المهيمنة في زمن ابيقور كانت الافلاطونية، والايبيقورية تتحدى هذه الفلسفة. من المنظور المسيحي، فلسفة افلاطون هي اكثر قبولا بكثير من فلسفة ابيقور. هذا أيضا ما اقترحه نيتشه (1844-1900) حين أشار الى ان المسيحية هي مجرد افلاطونية للجماهير. يمكننا ملاحظة ان العلماء المسيحيين من غير المحتمل ان يقتربوا من الايبقورية دون تحيز ما. وعلى الرغم من الشائعات المغرضة حول ما يجري في الحديقة، اثنى النقاد بالاجماع على شخصية ابيقور. كرجل، يبدو محبوبا ورقيقا.

مذهب ابيقور في اللذة

المتعة هي رؤية فلسفية بان المتعة هي أعلى الخير الإنساني. انظر الشعار خارج الحديقة: "أعلى خير هو المتعة". ببساطة، الباحث عن المتعة يحكم على افضل سلوك على أساس مقدار المتعة التي يتوقع الحصول عليها. مع ذلك، وكما دائما في الفلسفة، الأشياء نادرا ما تكون بسيطة. الفكرة الايبيقورية في المتعة هي نوعا ما معقدة وربما غير متوقعة. في وقت مبكر، لاحظنا ان زائرا الى الحديقة قد يتوقع ان يُقدم له بعض الخبز والماء بدلا مما نتصوره اليوم كـ "وليمة ابيقورية". ابيقور يرى ان هذا الغذاء البسيط يوفر فرصة للمتعة. ليس من الصعب تصور انه، لو كان احد يتضور من الجوع و وجد قطعة خبز جاف وكوب من الماء ربما هي أعظم غذاء يتذوقه على الاطلاق. لكن ابيقور يذهب أبعد من هذا. هو سيدّعي انه بينما الوليمة الفاخرة هي بالتأكيد ستكون ممتعة، لكنها لن تكون اكثر متعة من الخبز والجبن. المتع تختلف لكن ليست احداها اكثر من الأخرى.

التوضيح المقدم من جانب ابيقور هو ان المتعة هي غياب المعاناة. لذا، في حالة المتعة من الطعام، يجب ان تُشتق من غياب الألم من الجوع. ونفس الشيء، المتعة من الاسترخاء الناتج عن تخفيف توتر العضلات، وهكذا. اذا كان ابيقور صائبا، فان المتعة من سندويش الجبن لن تكون اكبر او اقل من متعة الوليمة. بالنسبة للايبيقوريين، الهدف النهائي للكائن البشري هو الحصول على السكينة.

علاج ابيقور لليأس

الحصول على السكينة قد تبدو مهمة شاقة. ربما يظن معظم الناس ان البشر جميعا سيظلون دائما يواجهون ما يقلقهم لمجرد كونهم بشرا. ابيقور امتلك ما يراه هو الجواب. هو اطلق على هذا بالعلاج الرباعي the tetrapharmakos.

في اليونان القديمة، كان هناك دواء استُخدم لمعالجة علل الروح. احتوى على اربع مكونات: شمع، قار، راتينج، ودهن حيواني. لذا فان علاج ابيقور هو من اربع أنواع يمكنه المساعدة في تحقيق الراحة. الأشياء الأربعة هي المعتقدات الأربعة في الايبيقورية. وهذه هي:

1- لا تخف من الآلهة

2- لا تخف من الموت

3- ما هو جيد يسهل الحصول عليه

4 - ما هو سيء يسهل تحمّله

من السهل ملاحظة ان هذه هي ما تهم الانسان وتستحوذ على عقله. ابيقور يحاول إزالة الهموم المزعجة التي تمنع الفرد من الحصول على الراحة او السكينة.

1- لا تخف من الالهة:

آلهة اليونان كان يُنظر اليها ككائنات خارقة للطبيعة يمكنها ان تسبب الألم للإنسان. طبقا لهذا، بذل العديد من الناس قصارى جهدهم لإسترضاء الآلهة وتجنب ازعاجها. الخوف من ان كائنا اسطوريا قد ينزعج من قيام او عدم قيام المرء بشيء هو بالتأكيد امر مقلق وسيكون عقبة للحصول على الراحة.

حجة ابيقور بسيطة. هو يتفق بان الالهة كائنات اسطورية خارقة، لا يمكن تحطيمها . هي أيضا توجد في مستوى أرقى من الانسان وفي حالة غبطة. وبناء على ما سبق، من المشكوك فيه ان تهتم الالهة بنشاطات الكائنات الفانية. نحن نستطيع تصور الموقف من منظورنا، ننظر في فعاليات نملة. الحشرة الصغيرة تتحرك في محاولة لتقوم بشيء معروف فقط لها. ربما هي تبحث عن طعام تجلبه الى عشها او البحث عن موقع ملائم لعش جديد. المسألة هي اننا لا نهتم حقا – حياة الحشرات الفردية، اهتماماتها ومخاوفها هي تافهة بالنسبة لنا. نفس الشيء يصح على الالهة في علاقتها بالكائن البشري.

ابيقور يجادل ان الالهة لا يجب الخوف منها وانما يجب اتخاذها قدوة في السلوك. هو قال ان الناس يجب ان يحاولوا محاكاة سعادة الالهة ضمن حدود ظروف الانسان.

2- لا تخف من الموت

سنأتي الان لمعرفة السبب الذي دفع ابيقور لعدم الخوف من الموت. نحن لاحظنا ان ابيقور يعتقد ان اعظم خير للإنسان هو تحقيق راحة البال او السكينة وعدم الانزعاج بأي شيء. الخوف من الموت يجب ان يُعد واحدا من اكثر الأشياء المقلقة للناس. لكن ابيقور اعتقد ان هذا الخوف في الحقيقة ليس له معنى وان الموت ليس الشيء الذي يجب ان يخاف منه الفرد. هذا لأن الموت هو شيء لا نمارسه ابدا، وبعد الموت لن تكون هناك معاناة. نحن نتذكر غياب المعاناة بالنسبة لابيقور يعني "الخير". لنأخذ نظرة على هذه الأفكار

أولا: طالما كل الناس فانون، فان الموت هو شيء سيأتي لكل واحد منا. مع ذلك، خلافا للتجارب الأخرى التي يجب السير فيها بمقتضى الحياة، الموت ليس شيئا نمارسه حقا. عندما يأتي وقت الموت، نحن سوف نمر من حالة كوننا احياء الى حالة الموت. وبسبب اننا يجب ان نكون احياء لكي نحس بشيء ما، ونحن لسنا أحياء عندما نموت، فان اللحظة الحقيقية للموت سوف لن تُمارس. طبقا لذلك، تجربة الموت هي شيء لن يحدث لنا ابدا ولهذا لا داعي للخوف منها.

ثانيا: حالما نموت، نحن سوف لا نمارس أي شيء ابدا. هذا يعني اننا لا نشعر او نمارس معاناة. الميت لا يشعر بالجوع او التعب، جسمه لا يؤلم ولن يشعر بقلق حول المستقبل. اذا كان الخير هو غياب المعاناة، عندئذ فان الشيء السيء يجب ان يكون وجود المعاناة. طالما لا وجود للمعاناة بعد الموت، سوف لن يكون سيئا ولا يجب الخوف منه.

3- ما هو خير يسهل الحصول عليه

رأينا سلفا ما يعنيه ابيقور بالمعتقد الثالث. الطعام البسيط يسهل توفيره والحصول عليه بنفس مقدار متعة الوجبة الكبيرة. يرى ابيقور "ان الخير" هو اللذة، واللذة هي غياب الألم، لذلك، فان أي شيء يخفف الألم والمعاناة هو "خير". ولأن الفرد يحتاج فقط ابسط الأشياء التي سوف تؤدي المهمة - وابسط الأشياء يسهل اكتسابها – فان ما هو خير يسهل اكتسابه.

4 - ما هو فضيع يسهل تحمّله

بينما أفكار ابيقور حول الالهة والموت والخير تبدو معقولة للبعض، لكن ادّعائه بان ما هو فضيع يسهل تحمّله يصعب الاقتناع به. في الحقيقة، القليل من الفلاسفة اليوم سيوافق مع ابيقور على هذا. دعونا ننظر ما لدى ابيقور من قول.

ابيقور صنف الألم المادي الى نوعين: مزمن خفيف ومزمن ثقيل. هو ادّعى ان الألم الثقيل يسهل تحمّله لأنه لا يستمر طويلا. من جهة أخرى، الاوجاع المتكررة تستمر أطول لكنها اضعف من حيث شدتها ولذلك، هي أيضا يسهل تحمّلها. المسألة لا تكمن في ان الألم امر بغيض، بل في ان التفكير في الالام المستقبلية ينبغي الا يقلق المرء كثيرا لأنه لا يهم أي نوع سيأتي، كلاهما يسهل تحمّلهما.

هذه الرؤية للالم تبدو غير معقولة. مع ذلك، يجب الاعتراف ان ابيقور لم يكن الألم غريبا عليه. ذكرنا في بداية المقال انه توفي بعمر سبعين عاما من مضاعفات انسداد الجهاز البولي. الألم كان شديدا للغاية. في رسالة كتبها الى صديق، يتحدث ابيقور عن الألم الناتج عن عدم قدرته على التبول والمصحوب بزحار شديد الألم. مع ذلك، هو أيضا يقول ان تأملاته الفلسفية السابقة كان لها تأثير إيجابي خفف من جميع معاناته. المؤرخ ديوجين لارتيوس يذكر ان هذه الرسالة حسبما جاء في كتابه عن حياة وأفكار الفلاسفة البارزين كان هناك انقسام حول صحتها، لكن، اذا كانت صحيحة، عندئذ يكون تحمّل ابيقور للالام القاسية امر لافت حقا.

***

حاتم حميد محسن

........................

The collector, Oct 1, 2025

ابستمولوجيا انهيار المعنى ومعركة التكاؤن* التقدمي

يمر العالم المعاصر اليوم بمنعطف حضاري مخزٍ، يتجاوز حدود الاضطرابات السياسية العابرة أو الهزات الاقتصادية الهيكلية، ليتخذ شكل أزمة وجودية مركبة وخانقة تضرب عمق الكينونة الإنسانية، وتشل قدرتها على إنتاج المعنى أو استيعاب الواقع المعيش. إن المشهد السياسي الراهن لا يعاني فقط من أدوات الهيمنة الخارجية التي تزيّف وعي الشعوب، بل يتغذى بالدرجة الأولى على تواطؤ داخلي وميل ذاتي مخجل داخل الجماعات البشرية لخداع أنفسها، والهروب الجبان من مواجهة قسوة الواقع واختلالات بوصلتها الأخلاقية والمعرفية، مما يمثل طعنة غادرة لشرط التكاؤن الإنساني السوي. تتبدى هذه الفضيحة الفلسفية في الفكر المعاصر عبر ظاهرة "انهيار المعنى"، حيث يقف إنسان اليوم عارياً، متأرجحاً بين ضخامة الإنجاز التقني وبين التآكل الكامل لإنسانيته بفعل تحوله الذليل إلى مجرد ترس تافه يعيش داخل منظومة "الآلة – الإله".

لقد نجحت العولمة الاقتصادية المتوحشة في تذويب شرعية الأوطان والهياكل التقليدية التي كانت تحمي أشكال الحياة وتمنح الفرد شعوراً بالانتماء العضوي والروحي، ومع غياب مرجعية "الوحدة المتعالية" التي كانت تفرض نظماً وانضباطاً كونيين على شروط الوجود البشري، انفتحت آفاق المجتمعات على فراغ قيمي مرعب يهدد جوهر الصيرورة العلائقية المشتركة. إن هذا الفقدان المتعمد للترابط والهدف الوجودي يشكل الهجوم الأكثر تدميراً وهمجية على الواقع في تاريخ الجنس البشري، وهو ما يتطابق تماماً مع التحذيرات الصارمة التي ساقها الفيلسوف الألماني فريدريش نيتشه في أطروحته حول "إرادة القوة"، عندما تنبأ بحلول "العدمية" ككارثة وجودية تتدفق بعنف وطيش كالنهر الجارف الذي يسعى لبلوغ مصبه المدمر. ويتحول التساؤل الصادق في شروط الفضاء الاجتماعي المعاصر إلى تجربة كئيبة ومسخ مشوه يشبه "طيف العبث"، حيث يؤدي تعري الإيمان بالقناعات الأخلاقية والاتفاق الاجتماعي إلى السقوط الحر في هاوية اليأس والعدم، ممزقاً كل عرى التكاؤن التي يفترض أن تربط الذوات الإنسانية في فضاء قيمي كفاحي موحد.

ينعكس هذا التآكل المعياري الفاضح بوضوح في كافة المؤسسات الاجتماعية والتربوية والجمالية، شهدت فلسفة الجمال الغربية المعاصرة تمزقاً في المعاني وتيهاً مخزياً في المفاهيم؛ نتيجة عزل القيمة الجمالية وحصرها في الشكل الأجوف دون المضمون، ليتحول الجمال من كونه تجلياً قيمياً كاشفاً للحق والخير، إلى لعبة قذرة للتلاعب بالعقول متجاوزة الصلة بالوعي والقيم الإنسانية الأصيلة، مما يقطع الطريق أمام أي سيرورة تكاؤنية جمالية تربط الإنسان بأخيه الإنسان من خلال الوعي الإبداعي المشترك.

لتشييد مقاربة معرفية رصينة تفضح أزمة تزييف الوعي وخداع الشعوب، يتعين علينا تفكيك الجذور البيولوجية والتطورية لسلوك الخداع وخداع الذات دون أي مواربة أكاديمية؛ فالطرح العلمي الذي صاغه عالم الأحياء الاجتماعي روبرت تريفرز يكشف عورة هذا السلوك، إذ يثبت أن "خداع الذات" قد تطور كآلية تكيفية خسيسة لخدمة هدف بيولوجي حيواني وهو تسهيل خداع الآخرين لتعظيم النجاح التكاثري والسيطرة على الموارد. وتنبني هذه الأطروحة التطورية الفاضحة على حقيقة أن الكائنات الحية التي تمتلك قدرات إدراكية واجتماعية عالية، تكون مجهزة بآليات دقيقة لكشف الكذب والتضليل لدى أقرانها، كحركات العين ولغة الجسد ونبرة الصوت، وللتغلب على هذه العقبة وتفادي الإجهاد الإدراكي الكثيف المصاحب لعملية الكذب العمدي، يقوم العقل البشري بإقصاء المعلومات الحقيقية والواقعية بشكل انتقائي مرعب من حيز الوعي ليخزنها في درجات متفاوتة من اللاوعي، وعندما يعتقد الفاعل الذليل بصحة السردية الزائفة التي يروج لها، فإنه يظهر مستوى عالياً من الثقة بالنفس والصدق الظاهري يعجز الخصوم عن تفنيده بسهولة، مما يمنحه تفوقاً مؤقتاً في إدارة الصراعات والسيطرة على المقدرات. لكن هذه الآلية التكيفية تنطوي على مفارقة وجودية انتحارية؛ فالخداع وتشويه الحقائق يحملان كلفة باهظة تتمثل في الانفصال التام عن الواقع والميل الأعمى نحو اتخاذ قرارات كارثية، تظهر بوضوح في الانهيارات الاقتصادية الكبرى، وفي قرارات شن الحروب الهجومية المدمرة بناءً على تقديرات وهمية ومعلومات محجوبة عن صناع القرار، مما يقوض تماماً مفهوم التكاؤن القائم على الحقيقة والمكاشفة والوعي الاجتماعي المشترك.

إن هذا التآكل المعياري يتجلى بوضوح قاتل في عجز الأطر العقائدية الكبرى على اختلاف مشاربها عن تقديم رؤية متماسكة تحمي الحضارة العالمية من السقوط في هاوية التيه المعرفي والسيولة الأخلاقية؛ فاليمين المعاصر في شقه الاقتصادي التحرري الجديد يتأسس على إعلاء العقلانية الأداتية المفرطة كبديل مشوه عن العقلانية التنويرية الإنسانية المشتركة، فارضاً رؤية معرفية مسعورة تختزل الإنسان في نموذج "الإنسان الاقتصادي المحض"، وتخضع سائر الأنشطة الإبداعية والجمالية لقوانين السوق الرأسمالي والتثمين السلعي المبتذل، مما ولد موجة "ما بعد أخلاقية" تافهة تهمش أخلاق الواجب لصالح إطلاق الرغبات الاستهلاكية اللامتناهية، مدمّرةً الروابط العلائقية المتينة التي يقوم عليها التكاؤن المجتمعي التضامني. وفي المقابل، سقط اليسار المعاصر في فخ الخيانة العقائدية الجذري، إذ تخلى عن نضاله الكلاسيكي من أجل العدالة التوزيعية الشاملة وإعادة هيكلة قوى الإنتاج، لينزلق في وحل "سياسات الهوية" الفئوية الضيقة والمجزأة، وكما يحذر فرنسيس فوكوياما، فإن تبني اليسار المعاصر لأشكال اعتراف هوياتية مفرطة في التفتيت والخصوصية قد حول النضال الاجتماعي إلى شبه سياسة للأنانية والانغلاق الذاتي البائس، مقدماً سياسات الهوية كمنتج بديل رخيص الثمن يحل محل معالجة التمايزات والفوارق الاقتصادية البنيوية التي تعصف بالطبقات العاملة والوسطى، مما يعوق تماماً نشوء التكاؤن الطبقي والتضامن الإنساني العابر للخصوصيات الضيقة.

كما لا تقل الحركات العقائدية الكهنوتية والرجعية خطورة عن هذا التواطؤ؛ فهي تمثل وجهاً آخر لانهيار المعنى، ورغم أن نشوء المعتقدات عبر التاريخ الثقافي للبشرية قد لعب دوراً وظيفياً هاماً في تعزيز التعاون الإنساني واسع النطاق وحل معضلات الأنانيين والمتطفلين بفضل الإيمان بقوة عليا معاقبة تحرس الأخلاق، إلا أن النسخ الكهنوتية المعاصرة تمارس تزييفاً مضاعفاً للوعي الإنساني، وتؤسس لأنظمة طاعة عمياء ومخزية مبنية على الخضوع لرموز مقدسة ونصوص تاريخية متيبسة فقدت صلاحيتها التكيفية مع مستجدات العصر الحضارية والعلمية. إنها تنشط كاستجابة رجعية ذليلة تسعى لإعادة المجتمعات إلى قيم تقليدية قهرية مستغلةً حالة "الخوف الدائم" والتردي المعيشي الذي تفرضه الرأسمالية المتأخرة، لتجعل من التدين الشعبوي مجرد مخدر لتخفيف القلق الوجودي عبر التماس الحماية من قوى غيبية بدلاً من بناء خيارات تنموية وعلمية واقعية، ليصطدم هذا المنظور الإقصائي بشكل حتمي مع مفهوم الإنسانية الكونية وحقوق الإنسان المتساوية، مغذياً صراعات أهلية وحضارية باسم المطلق الديني، ومهدماً إمكانية التكاؤن الروحي القائم على التسامح والاعتراف بالآخر.

إن إنقاذ الحضارة الإنسانية من هذا التيه القيمي لا يتم بالتباكي، بل يقتضي تبني مقاربة علمية تطورية ومعرفية حاسمة تحلل الكيفية التي تنشأ بها القيم وتتطور وتكتسب مشروعيتها العقلانية والموضوعية؛ فالتحليل المعرفي التطوري يؤكد أن الطبيعة البشرية منحازة فطرياً لإدراك الخير والعدالة، ووفقاً لعلماء النفس المعرفيين مثل جان بياجيه ولورنس كولبرغ، فإن التطور الأخلاقي للفرد لا يتبع مساراً جينياً حتمياً بل يتشكل عبر تفاعل اجتماعي وثقافي مستمر قائم على المواجهة والتجربة والخطأ، حيث تفرض تحديات العيش المشترك على العقل البشري تبني آليات معرفية أخلاقية تضمن بقاء الجماعة وتماسكها من خلال التكاؤن والاعتماد المتبادل. وفي هذا السياق، تبرز مساهمة الأنثروبولوجيا التطورية في التمييز الدقيق بين القدرة البيولوجية العامة على الأخلاق وبين "المنظومات الأخلاقية " التي تعد منتجات خالصة للتطور الثقافي المتغير تاريخياً للتكيف مع البيئات الاجتماعية والتقنية، مما يسقط فكرة ثبات القيم المطلقة أو كونها هدايا خارج التاريخ البشري المشترك. وتقف هذه الرؤية التطورية للقيم على تقاطع مباشر مع العقلانية النقدية للفيلسوف كارل بوبر وفرضيته حول "العوالم الثلاثة"، حيث يرى أن نمو المعرفة البشرية -بما يشمل النظريات العلمية والمعايير الأخلاقية- يتبع نفس المنطق التطوري لنمو الكائنات الحية؛ فالمعرفة الموضوعية توجد بشكل مستقل عن الذوات المدركة وعواطفها، وتتطور نظريات هذا العالم عبر آلية انتخابية صارمة تقوم على طرح الفروض المؤقتة وتطهيرها المستمر من الأخطاء والافتراضات غير الصالحة عبر النقد الجريء والتجريب العملي، وهو ما يمثل تنظيراً معرفياً لعملية التكاؤن حيث تتكامل العقول لتصفية زيف الوعي.

يقف هذا النموذج المعرفي النقيض في مواجهة مباشرة مع الواقع الفائق المعاصر وتفكيك جان بودريار للعلاقة الكارثية بين تدفق المعلومات وانحلال المعنى في المجتمعات الرقمية، حيث تعمل المعلومات بطبيعتها وتصميمها السائل والانتشاري كشفرة تقنية تشغيلية محايدة تفصل الوعي عن المعنى الأخلاقي والإنساني وتدفعه للانفجار داخلياً. إن الجماهير المعاصرة، وفقاً لتحليل بودريار الصادم، لم تعد حوامل اجتماعية للتغيير السياسي أو المعنى الأخلاقي، بل تحولت إلى "ثقب أسود" عملاق يمتص كافة الإشارات الرمزية والدعوات العقلانية الموجهة إليها ويعيد تشتيتها وتحييدها إلى الأبد، رافضة دعوات التوعية والتثقيف السياسي والوعظ الأخلاقي، وطالبةً بدلاً من ذلك "الفرجة والاستعراض العابر" كبديل مريح لإنتاج الحقيقة. وفي هذا العالم الافتراضي المقزز، تفقد الفضائح السياسية صفتها النقدية، لتتحول إلى أدوات محاكاة مصممة مسبقاً لإقناع الجماهير بوجود قواعد قانونية وأخلاقية حقيقية وراء الأنظمة الفاسدة، مما يسهم في تثبيت اللعبة السلطوية بدلاً من تقويضها، وعزل الأفراد تماماً في جزر وهمية تقطع عليهم إمكانية التكاؤن الحقيقي مع واقعهم المعيش.

أمام هذا الانحدار القيمي والتفتت الفكري، يبرز دور الفكر التقدمي لا كخيار ترفي، بل كضرورة حضارية ملحة لإيقاف تدهور المعنى وإرساء أسس متينة لصون المنجز الإنساني المشترك، ويتطلب هذا الدور إعادة صياغة جذرية للمنطلقات الفكرية التقدمية وفقاً لمفهومين رئيسيين:

أولاً، الانتقال الحاسم إلى مبحث وجود علائقي وهو "التكاؤُن" (الصيرورة المشتركة)، بما يعنيه من أن الكائن البشري لا يوجد كذات مستقلة ومكتفية بذاتها تدخل في علاقات لاحقة، بل يتكون كذات واعية وأخلاقية من خلال علاقة تأسيسية متبادلة مع الآخر ومع العالم؛ فالمعنى لا ينتج أبداً داخل وعي معزول، بل ينبثق ضمن "شبكة اعتراف متبادل" تحفظ التماثل دون تطابق، والاختلاف دون الوقوع في شرك الصراع والتصنيف الإقصائي. إن التشريعات الأخلاقية الكبرى في التاريخ لم تكن في أصلها أدوات سلطة أو ضبط مكتبي بليد، بل ظهرت كاستجابات إنسانية-روحية لترميم انكسارات التكاؤُن وإعادة بناء التوازن العلائقي المتآكل بفعل الاستغلال والصراع، ويجب على الفكر التقدمي استعادة هذا الجوهر العلائقي الثوري لإعادة بناء الإنسان الأخلاقي في مواجهة نموذج "الإنسان الأداتي".

ثانياً، استعادة الكونية والخصوصية الجمالية عبر التوفيق الصارم بين تبني المعايير الكونية لحقوق الإنسان المتساوية وبين احترام الخصوصية الحضارية للمجتمعات، وتجاوز حالة التيه والسيولة ببناء نسق جمالي وقيمي لا يقف عند حدود الشكل الخارجي واللعب بالأفكار والمفاهيم، بل يرتبط بالضوابط الأخلاقية والوجودية العميقة التي تمنح الإنسان وعياً نقدياً متماسكاً يحميه من السقوط في الرجعية الوثوقية أو التحلل الوطني والاجتماعي الكامل.

إن هذا التحليل يفضي حتماً إلى بلورة استنتاجات إستراتيجية لا تقبل المساومة:

يجب على الفكر التقدمي سحق ثنائية النسبية والإطلاق الأخلاقي، والتوقف فوراً عن تبني مواقف النسبية الثقافية المطلقة التي تشرعن انتهاكات حقوق الإنسان بدعوى الخصوصية، وفي المقابل رفض الدوغمائيات الإقصائية الكهنوتية؛ فمعيار حيوية الثقافة وتفوقها الحضاري لا يقاس بمدى انغلاقها على ذاتها، بل بمدى التزامها بحقوق الإنسان الكونية وقدرتها الفائقة على إنتاج العلوم التجريبية والمعارف النقدية التي ترتقي بجودة الحياة وتضمن استدامة الوجود البشري المشترك في أفق التكاؤن الإنساني الأسمى. كما يتعين صياغة سياسات تقدمية صارمة تحمي الفضاءات الثقافية والتربوية والتعليمية من توغل منطق الاستثمار التجاري والبيروقراطي الخالي من المعنى، وإعادة بناء المدرسة كفضاء لترسيخ طقوس قيمية جامعة وسرديات وطنية وتضامنية كبرى تقاوم السيولة السلوكية والتفتت الفرداني، مع فرض تعريفات واضحة للمفاهيم وضمان استقلالية كاملة للمؤسسات القضائية والعلمية والرقابية والإعلامية لإخضاع خطابات النخبة السياسية الحاكمة لاختبارات التفنيد والتكذيب المستمرة.

أخيراً، إن مواجهة تآكل الطبقات الوسطى والفقيرة ووقوعها في فخ الشعبوية والتعصب يتطلب دمقرطة الاقتصاد بشكل راديكالي، وتقويض احتكار القلة للموارد وقرارات الإنتاج، بالتوازي مع توجيه الإبداع الفني والجمالي ليعبر عن قضايا الإنسان الواقعية والتزامه الأخلاقي بدلاً من الاندمامج الكامل في قوانين التسليع الرأسمالي والتلاعب الحسابي المتسلسل بالغرائز البشرية.

***

غالب المسعودي

.........................

* الصيرورة المشتركةco-being -

لم تكن أزمة المثقف في المجتمعات العربية والأفريقية مجرد أزمة حضور أو غياب، بل هي انعكاس لأزمة أعمق تتعلق بطبيعة العلاقة بين المعرفة والسلطة والمجتمع. فالمثقف الذي كان تاريخيا أحد أهم الفاعلين في صياغة التحولات الكبرى، أصبح اليوم يواجه سؤالا صعبا حول جدوى دوره وحدود تأثيره في عالم تتراجع فيه مكانة الفكر أمام صعود المصالح الضيقة، والشعبوية، وهيمنة الخطابات السريعة التي لا تحتاج إلى عمق معرفي كي تنتشر. لقد ارتبط وجود المثقف دائما بالقدرة على إنتاج الوعي، وكشف التناقضات، وطرح الأسئلة التي يخشى المجتمع أو السلطة مواجهتها. فالمثقف لم يكن مجرد ناقل للمعرفة، بل كان جزءا من عملية بناء الإنسان والدولة والمشروع الحضاري. لكنه اليوم يجد نفسه في مواجهة واقع مختلف؛ واقع تتراجع فيه قدرة الفكر على التأثير، ليس بسبب اختفاء أصحاب المعرفة، بل بسبب ضعف البيئة السياسية والاجتماعية والمؤسساتية التي تمنح الفكر دوره الطبيعي.

إن السؤال الحقيقي ليس أين ذهب المثقفون، فالمثقفون موجودون، والجامعات تنتج الأكاديميين، والمنابر الثقافية تعج بالكتاب والمحللين، لكن السؤال الأهم هو: لماذا فقد المثقف قدرته على تشكيل الوعي العام؟ ولماذا أصبحت المجتمعات أكثر تأثرا بخطابات عاطفية وشعبوية وانفعالية، بينما تراجعت مكانة الخطاب النقدي القائم على العقل والمعرفة؟ إن أزمة المثقف المعاصر ليست أزمة وجود، بل أزمة وظيفة ودور. فالمشكلة ليست في غياب الأفكار، وإنما في عجز هذه الأفكار عن التحول إلى قوة اجتماعية ومشروع جماعي قادر على التأثير. لقد أصبحنا أمام مفارقة واضحة: المعرفة تتوسع، لكن تأثير أصحاب المعرفة يتراجع. هناك وفرة في المعلومات، لكن هناك نقصا في الرؤية التي تحول هذه المعلومات إلى وعي ومشروع.

في مراحل تاريخية سابقة كان المثقف يمثل ضميرا نقديا للمجتمع، يقف في مواجهة الاستبداد، ويناقش قضايا التنمية والهوية والعدالة، ويساهم في بناء التصورات الكبرى حول مستقبل الدولة. أما اليوم فقد تحول جزء من المثقفين إلى مراقبين للأحداث بدلا من أن يكونوا فاعلين في صناعتها، وإلى محللين للأزمات بعد وقوعها بدلا من المشاركة في بناء الحلول قبل تفاقمها. ولا يمكن فهم أزمة المثقف بعيدا عن أزمة الدولة نفسها. فالمثقف لا يعيش خارج السياق السياسي والاجتماعي، بل يتأثر بطبيعة النظام الذي يعمل داخله. ففي الدول التي لم تنجح في بناء مؤسسات حديثة قائمة على القانون والمواطنة، يصبح دور المعرفة محدودا، وتتحول السلطة من مؤسسة عامة إلى مساحة تحكمها الولاءات الشخصية أو القبلية أو الحزبية. في مثل هذه البيئات تصبح العلاقة بين المثقف والسلطة علاقة صراع دائم. فالسلطة التي تخشى النقد تحاول تهميش المثقف أو احتواءه، بينما يفقد بعض المثقفين استقلالهم عندما يتحولون إلى جزء من منظومة الدفاع عن السلطة بدلا من ممارسة دورهم النقدي. وهنا يتحول الفكر من وسيلة لتحرير العقل إلى أداة لتبرير الواقع القائم. لكن مسؤولية أزمة المثقف لا تقع على السلطة وحدها، فهناك أزمة داخلية في بنية النخب نفسها. فقد فشل كثير من المثقفين في بناء مشاريع جماعية تتجاوز الخلافات الشخصية والأيديولوجية. أصبح المشهد الثقافي مليئا بالأصوات الفردية، لكنه يفتقر إلى المؤسسات الفكرية القادرة على إنتاج تيارات مستمرة ومؤثرة. لقد أثبت التاريخ أن الأفكار لا تنتصر فقط بقوة أصحابها، بل بوجود مؤسسات تحملها وتطورها. فالمجتمعات التي استطاعت تحقيق نهضة حقيقية لم تعتمد على أفراد استثنائيين فقط، وإنما بنت جامعات ومراكز بحث ومؤسسات إعلامية وثقافية جعلت المعرفة جزءا من مشروعها الوطني. أما في كثير من المجتمعات العربية والأفريقية، فقد بقي المثقف يعمل في مساحة فردية محدودة، ينتج أفكارا مهمة لكنها لا تجد طريقها إلى التحول الاجتماعي والسياسي. وهنا تصبح الثقافة نشاطا نخبويا منفصلا عن حياة الناس، بدلا من أن تكون قوة فاعلة في تشكيل المستقبل.

وتزداد الأزمة تعقيدا مع ضعف أنظمة التعليم التي لم تنجح في بناء عقل نقدي مستقل. فالمجتمعات التي تعتمد على الحفظ والتلقين لا تنتج أفرادا قادرين على التفكير الحر أو مساءلة الواقع. التعليم الحقيقي لا يعني فقط الحصول على شهادة، بل يعني بناء إنسان قادر على التحليل والنقد والإبداع. عندما يصبح التعليم مجرد وسيلة للحصول على وظيفة، تفقد المعرفة وظيفتها الأساسية في تحرير الإنسان. وعندما لا يتعلم المجتمع كيفية طرح الأسئلة، فإنه يصبح أكثر عرضة لقبول الخطابات الجاهزة التي تقدم له تفسيرات بسيطة لمشكلات معقدة. وفي الواقع الأفريقي، ترتبط أزمة المثقف أيضا بأزمة بناء الدولة الوطنية. فالكثير من الدول خرجت من الاستعمار وهي تحمل مؤسسات سياسية حديثة شكليا، لكنها لم تنجح دائما في بناء مواطنة حقيقية تتجاوز الانتماءات الأولية. لذلك بقيت القبيلة والجهة والانتماء الضيق عوامل مؤثرة في السياسة والمجتمع. في هذه الظروف يجد المثقف نفسه أمام تحد كبير؛ فبدلا من أن يكون صوتا لتجاوز الانقسامات، قد يصبح أحيانا جزءا منها. فبعض النخب تستخدم المعرفة للدفاع عن جماعاتها أو مصالحها السياسية، بدلا من توظيفها لبناء رؤية وطنية أوسع تقوم على العدالة والمواطنة والمصلحة العامة. كما أن أزمة الحداثة السياسية ساهمت في تراجع دور المثقف. فالحداثة ليست مجرد امتلاك مؤسسات شكلية أو استخدام التكنولوجيا، بل هي تحول عميق في طريقة التفكير وفي علاقة الفرد بالدولة والمجتمع. وعندما تفشل المجتمعات في تحقيق هذا التحول، تبقى عالقة بين مظاهر الدولة الحديثة وبنية اجتماعية تقليدية تعيق التغيير.

لقد غيرت الثورة الرقمية أيضا طبيعة الصراع على الوعي. فلم يعد المثقف يمتلك المنصة الوحيدة لإنتاج الأفكار، بل أصبح ينافس آلاف الأصوات في فضاء مفتوح. هذه الثورة تحمل إمكانات كبيرة، لكنها سمحت أيضا بانتشار خطابات سطحية تعتمد على الإثارة أكثر من المعرفة. إن التحدي الجديد أمام المثقف ليس فقط إنتاج الفكرة، بل القدرة على إيصالها إلى المجتمع بلغة يفهمها الناس دون فقدان عمقها. فالفكرة التي تبقى داخل النخب المغلقة تفقد جزءا من قوتها، بينما تستطيع الخطابات البسيطة والمضللة أحيانا أن تحقق انتشارا واسعا. ورغم كل هذه الأزمات، فإن دور المثقف لم ينته. لكن المطلوب هو إعادة تعريف هذا الدور. فالمثقف في العصر الحالي لا يمكن أن يكتفي بالنقد، بل يجب أن يشارك في بناء البدائل، وأن يربط المعرفة بقضايا الإنسان والتنمية والحرية والعدالة. إن المجتمعات لا تحتاج إلى مثقفين يكتفون بوصف الخراب، بل تحتاج إلى مثقفين قادرين على بناء مشاريع جديدة. تحتاج إلى نخب تدرك أن دورها ليس البحث عن المكانة، وإنما المساهمة في صناعة المستقبل.

 فإن أزمة المثقف العربي والأفريقي ليست أزمة أفراد فقط، بل أزمة مشروع حضاري كامل. إنها أزمة علاقة المجتمع بالمعرفة، وعلاقة الدولة بالعقل، وعلاقة الإنسان بحريته ومستقبله. فالسؤال الحقيقي ليس أين اختفى المثقفون، بل لماذا لم يستطيعوا تحويل المعرفة إلى قوة اجتماعية؟ ولماذا بقيت أفكارهم محدودة التأثير بينما تشكل وعي المجتمعات أحيانا قوى لا تؤمن بالعقل ولا بالمستقبل؟ فالمثقف الذي يفقد علاقته بمجتمعه يفقد جزءا من دوره التاريخي، والمجتمع الذي يخسر مثقفيه الفاعلين يخسر إحدى أهم أدوات فهم ذاته وصناعة مستقبله.

***

زكريا - نمر

 

الفيلسوف يفكر بعقله، غير أن هذا العقل لا يعمل في فراغ، وإنما يسكن جسدًا، ويتفاعل مع المزاج والعاطفة، ويتأثر بالأوجاع، وما يختزنه اللاوعي من قلق وخوف وحرمان وجروح. لذلك لا يكتمل فهم بعض المواقف الفلسفية الكبرى من دون قراءة السيرة الذاتية للفيلسوف، وما عاشه من أمراض جسدية، أو أزمات نفسية، أو عزلة، أو إخفاق، أو شعور بالغربة عن العالم، وما أحاط به من أنماط عيش وثقافة وظروف عائلية تركت آثارًا عميقة في تكوينه النفسي.

مع ذلك، لا تتولد الأفكار الكبرى من هذه العوامل، وإنما من العقل وهو يعيد بناء خبرات الحياة، ويحولها إلى مفاهيم ورؤى وأسئلة كونية. العقل مرجعية الفيلسوف النهائية، هو الذي يصوغ فلسفته ويمنحها تماسكها ومنطقها الداخلي. للسيرة الذاتية أثر في إبداع الفيلسوف ومنح فلسفته فرادتها؛ فقد يتحول الجرح الشخصي إلى سؤال وجودي، والألم إلى تفكير عميق، والمعاناة إلى أفق لاكتشاف الذات والبحث عن معنى الحياة والمصير. أحيانًا يولد السؤال الفلسفي من لحظة انكسار داخلي، ثم يعيد العقل بناءه في رؤية فلسفية مبهرة، لذلك تحمل بعض الفلسفات في أعماقها سيرة خفية لفيلسوفها، وإن تجلت في صورة مفاهيم وتجريدات عقلية.

طالما وقع الفيلسوف في صراع بين قوة العقل ونداء العاطفة، ربما تستبد به حالة عاطفية مفرطة تخمد عقله في لحظة معينة. يقول الفيلسوف وليم جيمس (1842–1910): "إن تاريخ الفلسفة يمكن فهمه بوصفه صراعًا بين أمزجة كبرى، لا مجرد صراع بين حجج مجردة". الفيلسوف يفكر في إطار ذاكرة مثقلة، وطفولة مجروحة أو آمنة، وجسد موجوع أو معافى، وعلاقة معقدة أو منسجمة مع الأب والأم والعائلة والمجتمع. ينعكس في فلسفته أفق انتظاره، ومضمراته، وأحكامه المسبقة، وأحيانًا نصغي إلى صدى جراحه في مفاهيمه، حتى يغدو المفهوم أثرًا لتجربة حية.

ففي ضوء معاناته الجسدية وتوتره بين العقل والإيمان يمكن أن نفهم شيئًا من هشاشة بليز باسكال (1623–1662). فقد نشأ في أسرة متدينة، وفقد أمه وهو في الثالثة من عمره، وعانى هشاشة صحية مزمنة لازمته طوال حياته. أورثته هذه الخبرات المبكرة شعورًا عميقًا بضعف الإنسان وقابليته للفناء، فصاغ رؤيته للإنسان بوصفه كائنًا يتأرجح بين العظمة والبؤس، لا يكتمل بذاته، ولا يعثر على طمأنينته إلا في الإيمان بالله. جاءت فلسفته مشدودة إلى هشاشة الوجود الإنساني، وإلى حاجة الإنسان إلى معنى يتجاوز العالم، فلم يكن الإيمان في رأيه يُنال بالبراهين العقلية الجافة، بل عبر "القلب" الذي يدرك ما لا يدركه العقل، استجابةً للقلق الوجودي المرير والبحث عن الخلاص.

ويمكن أن نفهم شيئًا من تشاؤم آرثر شوبنهاور (1788–1860) في ضوء معاناته وعلاقته المضطربة بأبيه وأمه، وانعكاس ذلك على تفكيره بما هو تفاعل بين الجرح الشخصي والفكر الفلسفي. فقد نشأ شوبنهاور في بيت مضطرب؛ كان أبوه تاجرًا صارمًا سوداوي المزاج، ويرجح عدد من الباحثين أنه أنهى حياته منتحرًا، فترك ذلك أثرًا عميقًا في ابنه، وجعل الموت والعبث واليأس حاضرًا في وعيه المبكر. أما أمه، فكانت أديبة لامعة، وسيدة مجتمع تميل إلى حياة الصالونات الأدبية والعلاقات الاجتماعية الواسعة، ولم تكن علاقتها بابنها مستقرة أو دافئة، وإنما غلب عليها التوتر والنفور المتبادل، حتى انتهت إلى القطيعة. عاش شوبنهاور شعورًا عميقًا بالعزلة، وفقد كثيرًا من ثقته بالناس، ونظر إلى العلاقات الإنسانية بعين الارتياب والتشاؤم. لم يرَ الحياة ميدانًا للسعادة، وإنما فضاءً للألم والرغبة العمياء والحرمان، في فلسفته يظهر العالم محكومًا بإرادة عمياء لا عقل لها ولا غاية أخلاقية، تدفع الإنسان إلى الرغبة، ثم تتركه نهبًا للشقاء؛ فإذا تحققت الرغبة وُلد الملل، وإذا لم تتحقق وُلد الألم، كما يرى. لا تخلو هذه الرؤية من أثر لمعاناته الشخصية، فقد رأى في الألم الحقيقة الأكثر رسوخًا في الوجود.

وهكذا يمكن أن نفهم شيئًا من قلق سورين كيركغورد (1813–1855) بوصفه مثالًا على تفاعل المزاج والجرح النفسي بالفكر الفلسفي. فقد عاش هذا الفيلسوف تحت ظل أبٍ سوداوي شديد التدين، كان يعيش شعورًا غريبًا بأن الأسرة واقعة تحت غضب إلهي بسبب خطيئة ارتكبها في شبابه. أورثه ذلك شعورًا عميقًا بالذنب والخوف والقلق الديني، حتى غدا القلق عند كيركغورد خبرة وجودية، لا مفهومًا ذهنيًا مجردًا. كما أن علاقته المعقدة بخطيبته ريجينا أولسن، وقراره الانفصال عنها رغم حبه لها، عمّقا إحساسه بالعزلة والتناقض الداخلي. يمكن أن تُقرأ فلسفته، إلى حد ما، في ضوء هذه الخبرات الوجودية؛ فقد انشغلت بالفرد القلق، والاختيار، واليأس، والإيمان بوصفه قفزة وجودية، ولم تظهر الحقيقة عنده في نسق عقلي منتظم، وإنما في تجربة وجود تقف بقلق أمام الله.

كذلك يمكن أن نفهم شيئًا من فلسفة فريدريك نيتشه (1844–1900) في ضوء معاناته الجسدية المزمنة وصراعه المرير مع المرض، وربما أمكن قراءة تمجيده "إرادة القوة" تعبيرًا عن توقه إلى التعالي على الضعف البيولوجي الذي لازم حياته. فقد نشأ نيتشه في عائلة عرفت المرض والموت المبكر، مات أبوه، وكان قسيسًا بروتستانتيًا، وهو ما يزال طفلًا، بعد معاناة مرضية قصيرة، ثم توفي أخوه الصغير بعد ذلك بوقت قصير، فعاش طفولة يخيّم عليها الحزن والغياب. تربّى بين أمه، وأخته، وجدته، وخالاته، في مناخ ديني محافظ، ثم انقلب لاحقًا على المسيحية التي رأى أن أخلاقها تمجّد الضعف والاستسلام. لازمته طوال حياته آلام جسدية قاسية؛ صداع مزمن، واضطرابات عصبية، وضعف شديد في البصر، وانهيارات صحية متكررة، اضطرته إلى ترك التدريس وهو في الرابعة والثلاثين من عمره، وعاش سنوات طويلة في عزلة وارتحال بحثًا عن واقع يخفف آلامه. يمكن أن تُقرأ فلسفته، إلى حد ما، في ضوء هذه المعاناة؛ فقد انشغلت بالقوة، والصحة، والتغلب على الذات، وتمجيد الحياة في مواجهة الوهن والانطفاء.كان نيتشه يرى أن التسامح لا يكتسب قيمته إلا إذا صدر عن قوة وامتلاء داخلي، لا عن خوف أو عجز أو استسلام. انتقد الأخلاق المسيحية لأنها مجّدت الشفقة والتسامح والتواضع، ورأى أنها كثيرًا ما تعكس ما سماه "أخلاق العبيد". أما الإنسان القوي، في نظره، فيتجاوز الإساءة ويتسامح لأنه لا يشعر بالتهديد، ولا يبقى أسير الحقد والضغينة.

مع ذلك، لا يصح اختزال فلسفة أي فيلسوف في مرضه، أو طفولته، أو علاقته بعائلته، أو نمط عيشه، أو ثقافة مجتمعه وديانته، وإن كان لها أثر محدود. الفيلسوف نابغة لا يكرر ما تمليه عليه سيرته الشخصية، وإنما يعيد بناء خبراته بعبقرية مدهشة، وقدرة استثنائية على التأمل، وموهبة نادرة، وبراعة في إبتكار المفاهيم، وإعادة صياغة الأسئلة الكبرى، واقتراح أجوبة لها. فرادة الفيلسوف تتجلى في فرادة فلسفته، الفلسفة لا تتولد من المرض، أو العاهة، أو الجرح النفسي، غير أن هذه الخبرات تفتح للفيلسوف زاوية أخرى لرؤية الإنسان والمعنى والعالم. المادة الخام تأتي من الحياة، أما الفلسفة فتولد حين يعيد العقل المبدع تشكيل هذه المادة، ويحول التجربة الشخصية إلى رؤية للعالم تتجاوز صاحبها، وتغدو قادرة على مخاطبة الإنسان في كل زمان ومكان.

***

د. عبد الجبار الرفاعي

وتخندقات الإمبريالية في معسكرات الرداءة

تتجاوز النيوليبرالية المعاصرة حدود كونها مجرد نظام لإدارة العلاقات النقدية، أو سياسات مالية قائمة على الخصخصة والتحرير الاقتصادي؛ إنها تتجلى كبرنامج كلي لإعادة الهندسة الثقافية والاجتماعية والوجودية، يهدف بالدرجة الأولى إلى صياغة مجتمعات تسودها قيم السوق بالكامل. وفي هذا الإطار الفلسفي المتوحش، يجري السعي بلا كلل لتسليع كل مجال من مجالات الوجود الإنساني، بدءاً من المادة الصامتة وانتهاءً بترميز الحمض النووي وانتباه البشر. إن النيوليبرالية لا تعمل اليوم عبر "اليد الخفية" الكلاسيكية التي بشر بها آدم سميث، بل من خلال عنف بنيوي ورمزي يعيد إنتاج علاقات الهيمنة عبر احتكارات تكنولوجية ومعرفية معقدة الفك والتركيب.

 تفكيك بنى الكليبتوقراطية والزبائنية

تنشأ "الدولة الهلامية" عادة على أنقاض الدولة الاستبدادية التقليدية، حيث لا شيء صلباً في بنيتها المؤسساتية والتنظيمية، بل تسود حالة من السيولة والاختلاط التام بين مفاصل الحكم والشبكات غير الشرعية. في هذا النموذج، تضيع هيبة السلطة، وتتلاشى الخطوط الواضحة التي تفصل بين القضاة والمتهمين، أو بين العسكر واللصوص. وفي هذه الكيانات السائلة، لا تعمل شبكات المصالح العميقة بشكل متجانس وسري في الظل كما يُشاع، بل إن المجاميع الناشطة في الفساد تمارس أنشطتها الاستخراجية علانية على سطح الدولة التي تتشكل وتتراجع في آن واحد.

يقدم الباحث أليكس دي وال إطاراً نظرياً مفسراً لهذه الديناميكية تحت عنوان "السوق السياسي"، حيث تسيطر السياسة المعاملاتية النقدية على السياسة المؤسساتية الرصينة. وفي هذا السوق، يجري تداول عناصر القوة، والمناصب العامة، والولاءات السياسية كسلع تجارية تخضع لقوانين العرض والطلب، وبأسعار يحددها حجم التدفقات المالية والقدرة على استخدام العنف أو التهديد به. إن الصراع المسلح العنيف في هذه الدول لا ينفصل أبداً عن الرغبة في تعظيم "الميزانية السياسية" المتاحة للسياسيين والجنرالات لاستئجار ولاءات المقاتلين وشراء ذمم الزعامات المحلية والقبلية، مما يحول البلد بأسره إلى ساحة مفتوحة لـ "مزاد الولاءات".

ترتبط هذه الهشاشة المؤسساتية ارتباطاً وثيقاً بظاهرة "لعنة الموارد"؛ حيث لاحظ الاقتصادي ريتشارد أوتي عام 1993 أن الدول الغنية بالنفط والغاز والمعادن غالباً ما تحقق نتائج اقتصادية وتنموية أسوأ بكثير من نظيراتها الفقيرة بالموارد. وأضاف بول كولير بعداً آخر للمسألة مبيناً أن وفرة الموارد في الدول الهشة تزيد من احتمالات اندلاع الحروب الأهلية لكونها تتحول إلى غنيمة كبرى تتنازعها المليشيات والنخب الحاكمة. بينما ركز جيفري ساكس على دور المؤسسات، مؤكداً أن الموارد لا تصبح لعنة إلا عندما تُدار في ظل نظم سياسية ضعيفة أو كليبتوقراطية.

الأنثروبولوجيا الاقتصادية والتحول الأخلاقي:

يسهم حقل الأنثروبولوجيا الاقتصادية في تقديم تحليل ثقافي وعلاقاتي لظاهرة الفساد، يتجاوز النظرات الغربية والأخلاقوية السائدة التي تتسم بالسطحية. وينتقد الأنثروبولوجيون بشدة أطروحة الخبير الاقتصادي باولو مورو عام 1995 التي تربط انخفاض الاستثمار والتنمية بالفساد الأخلاقي بطريقة استعلائية، تختصر المشهد المعقد في مقولة إن "الدول النامية فقيرة لأنها غير شريفة". بدلاً من ذلك، تدرس الأنثروبولوجيا الفساد والمحسوبية والرشاوى الصغيرة كظواهر تبادل اجتماعي قسري يعيد إنتاج شبكات التضامن الفرعية، ويمنح الأفراد والجماعات المهمشة القدرة على الفعل والمقاومة اليومية لتسلط البنى الاقتصادية الرسمية الجائرة.

غير أن توغل النيوليبرالية المتوحشة وسياسات الخصخصة الشاملة أدى في نهاية المطاف إلى ما يمكن تسميته بـ "نيوليبرالية الفساد والاحتيال الهيكلي". إن تعميم منطق السوق الرأسمالي قد أدى إلى تدمير "الاقتصاد الأخلاقي" الذي صاغه المؤرخون وعلماء الاجتماع من أمثال إي بي تومسون، وكارل بولاني، وجيمس سكوت؛ وهو الاقتصاد الذي كان يحمي المجتمعات عبر شبكات قائمة على التبادل غير السلعي، والالتزامات التبادلية، والواجبات المدنية الأخلاقية المشتركة. ومع انسحاب الدولة وتحول لغة المال إلى المعيار الوحيد لتقييم الوجود البشري، جرى استبدال هذه المنظومات بـ "نيوليبرالية الاحتيال"، حيث لا يعود الفساد نتاج "تفاحات تالفة" أو انحرافات فردية معزولة، بل يصبح ممارسة هيكلية اعتيادية تُفرزها وتشرعنها قيم السوق نفسها.

تتبدى مظاهر هذا الانهيار الأخلاقي على المدى البعيد في عدة مستويات حيوية وخطيرة:

تطبيع ثقافة الاحتيال والجشع، حيث تتداخل الممارسات التجارية المشوهة والفساد مع السعي الفردي المحموم للبقاء، وتتحول قيم الأنانية والمادية المفرطة إلى معايير وحيدة للنجاح والتكيف الاجتماعي.

شرعنة الفساد عبر النخب المهنية المتواطئة، يوضح جون كريستنسن في دراسته الشهيرة كيف يستخدم المحامون، ومحاسبو الضرائب، وخبراء المال والشركات الاستشارية الكبرى معرفتهم القانونية والمالية لشرعنة التهرب الضريبي العابر للحدود ونهب المال العام. وتتحول بناءً على ذلك الملاذات الضريبية والشركات الخارجية إلى خلايا نحل للاحتيال العالمي المنظم، الذي يتجاهله الأكاديميون في كليات الأعمال التقليدية لكونهم جزءاً عضويّاً من هذه المنظومة.

انفجار حالة "المجتمع ضد الدولة"، مع تعمق الاختلالات البنيوية وتآكل السيادة الوطنية الفعلية، تصعد حدة العنف الذي تمارسه سلطات هذه الدول على مجتمعاتها لضبطها قسراً، مما يفضي إلى تآكل السلم الاجتماعي وانهيار المجتمعات وتفتتها إلى هويات ما قبل الدولة كالعشيرة والقبيلة والمذهب. وقد أدى هذا الفساد الكليبتوقراطي والزبائني العنيف إلى إشعال فتيل انتفاضات واحتجاجات شعبية عارمة وحروب أهلية طاحنة في العديد من دول الجنوب.

الآفاق الاستراتيجية لدول الجنوب

يكشف التحليل الفلسفي والأنثروبولوجي العميق لاقتصاد الربح المتوحش النيوليبرالي أن دعم أنظمة الفساد في الدول الهلامية ليس مجرد عَرَض جانبي أو سياسة فاشلة للغرب الإمبريالي، بل هو ركيزة هيكلية واعية وأداة أساسية لاستخلاص الريع الإمبريالي، وتأمين تدفق القيمة الفائضة من الأطراف نحو المركز. إن تآكل المنظومات الأخلاقوية المحلية وسقوط المجتمعات في مستنقع "نيوليبرالية الاحتيال" وتفشي الرداءة الفكرية والسياسية يمثلان اليوم الضمانة الثقافية والاجتماعية الأقوى لاستمرار علاقة التبعية وتطبيع الهيمنة.

للخروج من هذه الدائرة المفرغة التي تكرس التخلف، تشير المعطيات الفلسفية والاقتصادية إلى ضرورة تبني أطر نضالية وبدائل راديكالية تتجاوز الحلول السطحية التجميلية التي يقدمها خبراء تكنوقراط التفاهة المعاصرة. إن أولى خطوات الانعتاق تتمثل في السعي الجماعي لإحداث عملية "فك ارتباط" حقيقية، تهدف إلى إخضاع العلاقات الاقتصادية والتبادل الخارجي لمتطلبات التنمية الذاتية، وتطهير الفضاء المعرفي والأكاديمي من سطوة الاستلاب الرقمي والكهنوت التقني الجديد. ويتطلب ذلك بالضرورة استعادة التضامن الأخلاقي العضوي للمجتمعات، وبناء "المؤسسات الشاملة" التي تحمي حقوق المواطنين وتوزع القوة السياسية والاقتصادية بشكل عادل ومتساوٍ، تمهيداً لبناء نظام عالمي بديل يستند إلى العدالة الإنسانية الحقيقية والتنمية المستقلة لشعوب الجنوب.

***

غالب المسعودي

من آفة معرفية إلى شرط لإنتاج المعنى

في خضم انشغال الفلسفة الغربية منذ نشأتها بالسؤال عن الوجود والمعرفة ظل النسيان متوارياً في هوامش التفكير كأنه ذلك الظل الذي لا يُرى إلا عندما تنقص الذاكرة أو كالثغرة التي تعيب كمال الحضور الذهني. غير أن التأمل المتأني في بنية الوعي الإنساني وفي طبيعة التجربة الزمنية التي تشكل وجودنا، يكشف عن مفارقة مذهلة، لعل النسيان ليس ذلك العجز المعرفي الذي نعتبره بل هو فاعلية أصيلة تضاهي الذاكرة قوة وتأثيراً بل لعله الأكثر حضوراً في تشكيل معالم ذاتنا والعالم الذي نعيشه. فالإنسان ذلك الكائن الذي يُعرف نفسه بقدرته على التذكر واستدعاء الماضي، هو في الوقت ذاته كائن يمارس النسيان باستمرار يمحو ويطوي صفحات ويغلق ملفات ويترك أجزاءً كبيرة من تجربته لتغوص في نسيانها. وهذا التناقض الظاهري بين قدرتين متضادتين هو بالضبط ما يمنح الحياة الإنسانية غناها وتوترها ويجعل من النسيان قضية فلسفية لا تقل أهمية عن الذاكرة بل لعله يتفوق عليها في بعض الأحيان حين نكتشف أننا لا نستطيع أن نعيش ولا أن نحب ولا أن نبدع ولا أن ننسجم مع أنفسنا دون تلك القدرة الخفية على طيّ الماضي والتحرر من أثقاله.

إن السؤال الفلسفي الذي يطرح نفسه هنا ليس عن كيفية عمل الذاكرة وعللها بل عن الكيفية التي يصير بها النسيان ذلك الفعل السلبي في الظاهر، شرطاً لبناء المعنى وإعادة إنتاجه. فالمعنى في جوهره ليس شيئاً متحققاً مرة واحدة ولا هو نتاج تراكم كمي للخبرات والذكريات بل هو بناء ديناميكي، شبكة من العلاقات والإشارات التي تتغير بتغير مواقعنا في الزمن. وهذا البناء لا يمكن أن يقوم دون عملية هدم وطيّ مستمرة ودون نسيان يزيل القديم ليحل محله الجديد، دون نسيان يمحو الزوائد ويبرز الجواهر ودون نسيان يعيد تشكيل المشهد كي نراه بعيون مختلفة. إن الفلسفة التي تغفل عن هذه الحقيقة والتي تكتفي بمدح الذاكرة وتقديسها هي فلسفة تنظر إلى الإنسان نظرة جامدة، تراه كخزانة للماضي بدلاً من أن تراه كمشروع للحاضر والمستقبل. ولذلك فإن استعادة النسيان لمكانته الفلسفية هي استعادة للإنسان بوصفه كائناً في الزمن، كائناً لا يملك أن يكون دون أن ينسى ولا يستطيع أن يتجاوز ذاته دون تلك القوة المدهشة التي تمحو لكي تخلق.

النسيان ذلك الثغْر المظلم في صرح الذاكرة، لم يلق من الفلاسفة ما يستحق من عناية إذ ظلّ معظمهم يتعامل معه باعتباره نقصاً عارضاً أو وهناً في بنيان الإدراك أو آفة معرفية تلحق بالذهن البشري فتحرمه من ملكة الاحتفاظ. واتخذ النسيان في الفلسفة التقليدية موقع التابع والظل والنقيض الضروري للتذكر الذي اعتُبر فعلا إيجابياً نبيلاً، فعلاً حضورياً بامتياز، يُعيد الزمن المفقود ويُحيي الموتى في لغتهم. غير أن هذه النظرة الأحادية والتي تنظر إلى النسيان من خلال عين الذاكرة وحدها تغفل عن تلك القدرة الخلاقة الكامنة في فعل النسيان نفسه، ذلك الفعل الذي إذا ما أُخِذ بجدية فلسفية انقلب من آفة معرفية إلى شرط أصلي لإنتاج المعنى وتجديد أفق الوجود في العالم.

إن ما يثير الدهشة حقاً أن نجد فيلسوفاً مثل مارتن هايدغر الذي جعل من "سؤال الوجود" محور فلسفته كلها، يُشخّص داء الحضارة الغربية منذ أفلاطون وأرسطو بأنه "نسيان الوجود" (Vergessenheit des Seins).  فليست القضية عند هايدغر قضية ذاكرة تعتريها العوارض فتفقد بعض محتوياتها بل هي نسيان أصلي، نسيان للوجود بصفته وجوداً، أي نسيان لتلك الحقيقة التي تسبق كل كائن وتجعله ممكناً. هذا النسيان ليس غفلة عابرة بل هو مصير الوجود نفسه في تاريخ الفلسفة الميتافيزيقية التي انشغلت بالكائنات (الموجودات) وتاهت في تفاصيلها متناسية السؤال الأهم عن معنى الوجود ككل. والنسيان عند هايدغر ليس مجرد ظاهرة نفسية بل حدثاً وجودياً وتأريخياً يحدد مسار الفكر الغربي بأسره. فالوجود وكما يقول هايدغر قد "سُحب" و"اختفى" وراء الكائنات التي تحجب عنه الرؤية وما الفلسفة الوجودية في جوهرها بوصفها محاولة لتفكيك هذا النسيان إلا رحلة عسيرة لإعادة فتح السؤال المنسي ومحاولة للخروج من ظلمات النسيان إلى نور التذكّر الأصلي، تذكّر ليس محتوىً بل أفقاً للوجود نفسه.

إلا أن هايدغر لا يقف عند هذا الحد، إذ يُمعن في تفكيك النسيان ليكشف عن وجه آخر، أكثر دقة وأشد خطراً ألا وهو "نسيان الذات" (Selbstvergessenheit) الذي يمارسه الـ"دازاين" في حياته اليومية حين ينهمك في شؤونه العادية وينغمس في عالم "الاهتمام" (Besorgen) منشغلاً بالكائنات التي يتعامل معها متناسياً بذلك إمكانيته الأصيلة للوجود أي إمكانيته لأن يكون نفسه في مواجهة الموت والعدم. هذا النسيان كما يوضح هايدغر ليس مجرد فشل في التذكر بل هو نمط وجودي إيجابي، طريقة خاصة في الانطواء على العالم، انطواء يمارس فيه الـ"دازاين" هروباً من مواجهة حقيقة وجوده المُلقى في العالم والموجَه نحو الموت . فالحديث "اليومي" (Gerede) والفضول (Neugier) والغموض (Zweideutigkeit)، ليست سوى آليات هذا النسيان اليومي، استراتيجيات وجودية يخفي بها الإنسان حقيقته عن نفسه ويهرب بها من روع الحرية إلى دفء الاندماج في "الواحد" (das Man) . ويصير التذكر فعلاً وجودياً أصيلاً كاستعادة للذات من غيابها وانخلاعاً عن نمطية الحياة اليومية في حين يصبح النسيان هو القاعدة والطريق الممهّد للوجود غير الأصيل.

وتتكشف هنا لنا مفارقة كبرى، النسيان الذي يبدو في الظاهر آفة تعتري الذاكرة هو في العمق شرط وجودي لتكوين الذات وبقائها. فالإنسان لكي يعيش ويتخذ قراراته ويمارس حريته يحتاج إلى قدر من النسيان وإلى تلك القدرة على طيّ صفحات الماضي وإغلاق ملفاته وإلا تحولت الذاكرة إلى سجن لا مفر منه وإلى ثقل يمنع الحركة ويشل الإرادة. هذه الفكرة بالذات هي ما ساقها فريدريك نيتشه بقوة وإبداع حين جعل من النسيان النشيط (aktives Vergessen) قوة إيجابية شرطاً للحياة والصحة الروحية. ففي كتابه "في جينالوجيا الأخلاق"، يصف نيتشه النسيان بأنه "حارس بواب النظام النفسي والراحة والتهذيب"، ويذهب إلى حد القول بأنه "لا يمكن أن تكون هناك سعادة ولا بهجة ولا أمل ولا كبرياء ولا حضور بدون نسيان" . فالنسيان عند نيتشه ليس فشلاً في التذكر بل هو قدرة على الهضم النفسي، عملية شبيهة بعملية الهضم الجسدي يتخلص فيها الكائن الحي من السموم التي تهدد كيانه ويفرغ نفسه من الأثقال التي تكبله. إن الذاكرة التي لا تعرف النسيان هي ذاكرة مريضة، ذاكرة تعجز عن التمييز بين الجوهري والعرضي وبين ما يحيي الحياة وما يميتها وبين ما يستحق الحفظ وما يستحق الطي والنسيان.

هكذا يطرح نيتشه نقده اللاذع لتلك الثقافة التاريخانية التي كانت تسود في زمانه، ثقافة التذكير المفرط التي جعلت من الماضي وطناً للإنسان فأثقلته بتاريخه حتى صار عاجزاً عن الإبداع والانطلاق. فالإنسان الذي يئن تحت وطأة ذاكرة تاريخية طاغية هو إنسان فقد قدرته على النسيان أي فقد قدرته على العيش في الحاضر والانفتاح على المستقبل وخلق قيم جديدة. إن المثقف التاريخاني كما يراه نيتشه هو ذلك الرجل الذي تحول إلى كتلة من المعرفة وإلى موسوعة متنقلة لكنه فقد حيويته وعفويته وقدرته على الفعل. هنا يتجلى النسيان في رؤية نيتشه الجريئة كشرط للصحة بل كشرط للعبقرية والإبداع. فالعبقري هو ذلك الإنسان الذي يمتلك القدرة على النسيان بقدر ما يمتلك القدرة على التذكر، إنه يوازن بين القوتين فلا يسمح للماضي بأن يطغى على الحاضر ولا للحاضر بأن يقطع صلته بالماضي. هذا هو النسيان النشيط الخلاق الذي يمحو لكي يُفسح مجالاً للجديد والذي ينسى لكي يتذكّر بطريقة مختلفة، تذكر لا يكون استحضاراً آلياً بل إعادة إبداع للمعنى.

غير أن هذه الرؤية النيتشوية للنسيان كقوة إيجابية قد تثير في النفس شيئاً من القلق إذ كيف يمكن التوفيق بين الدعوة إلى النسيان وبين ضرورة تحمل المسؤولية الأخلاقية والتاريخية؟ أليس النسيان في هذه الحالة هروباً من الماضي وتبريراً للقسوة والظلم ومحواً لآلام الضحايا وتضحياتهم؟ هنا يبرز البُعد الجدلي الأكثر تعقيداً في فلسفة نيتشه إذ إنه لا يدعو إلى نسيان مطلق ولا إلى محو للتاريخ بل يدعو إلى نسيان يتجاوز السطحية، نسيان يحررنا من ثقل الماضي لكي نتمكن من التعامل معه بطريقة خلاقة. النسيان النشيط لا يعني تجاهل الماضي بل يعني التحرر من هيمنته والقدرة على إعادة تفسيره ووضعه في سياق حياة متجددة. إنه مثل الفنان الذي يستلهم من التقاليد، لكنه لا يكتفي بتقليدها بل يحولها ويصوغها في قوالب جديدة. وبالتالي فالذاكرة التي يبنيها النسيان النشيط هي ذاكرة انتقائية ذاكرة تعرف ما يستحق البقاء وما يستحق الزوال، ذاكرة في خدمة الحياة لا في خدمة الموت.

إن النسيان الذي يتحدث عنه نيتشه هو في حقيقته نسيان للصور النمطية والتفسيرات الجامدة ولكنه في الوقت نفسه تذكر لإمكانيات أخرى، تذكر للقوة الخلاقة الكامنة في الإنسان، تذكر للقدرة على تجاوز الذات وخلق قيم جديدة. النسيان هنا يصبح شرطا للحرية، لأن الحرية لا تعني فقط اختيار البدائل المتاحة بل تعني قبل ذلك القدرة على الخروج من دائرة التكرار والتخلص من أغلال الماضي وفتح أفق جديد للفعل. الإنسان الحر في هذا المنظور هو الإنسان الذي يمتلك الجرأة على النسيان، الجرأة على قطع صلته بالصور النمطية التي تنتجها الثقافة والتاريخ، من أجل إعادة اختراع ذاته وعالمه. ويتحول النسيان من عدو للذاكرة إلى حليف أساسي لها بل إلى قوة تعيد تعريف الذاكرة نفسها وتجعل منها فعلاً إبداعياً لا فعلاً حفظياً.

إن مقاربة النسيان من منظور فلسفي كهذا الذي يقدمه كل من هايدغر ونيتشه، تفتح الباب أمام تأمل أعمق في طبيعة الوعي والزمن والوجود. فالنسيان ليس مجرد ثغرة في سجل الذاكرة بل هو شرط وجودي لاستمرار الوعي نفسه. فالوعي لكي يكون وعياً حيا وفاعلاً يحتاج إلى القدرة على الانتقاء وعلى الحذف وعلى تنظيم التدفق الهائل للمعلومات والخبرات التي تغمره في كل لحظة. الوعي الذي يحاول استيعاب كل شيء والاحتفاظ بكل شيء هو وعي مشلول، وعي يصاب بالشلل بسبب ثقل الماضي وعي يفقد قدرته على الاستجابة للحاضر والتجاوب مع متطلباته. النسيان من هذا المنظور يعمل كمرشح ضروري وكآلية دفاع طبيعية تحمي الوعي من الانهيار وتسمح له بالتركيز على ما هو ضروري هنا والآن. وكما أن الجسد يحتاج إلى النوم لاستعادة نشاطه وتجديد طاقته، كذلك العقل يحتاج إلى النسيان ليستعيد وضوحه وحضوره.

وإذ نغوص في أعماق هذه الرؤية الجدلية للنسيان نكتشف أنه ليس مجرد نقص في قدرة الذاكرة بل هو بعد أساسي من أبعاد الوعي الزمني نفسه. إن علاقة الإنسان بالزمن تلك العلاقة الشائكة والمعقدة لا تقوم على الاستيعاب الكامل للماضي بل على عملية تفاعلية مستمرة بين الحفظ والنسيان وبين التذكّر والطيّ. فالزمن الحي زمن التجربة الإنسانية ليس خطا مستقيماً من النقاط المتلاحقة بل هو نسيج معقد يمتد فيه الحاضر ليشمل الماضي والمستقبل معاً ولكن بطريقة انتقائية، بطريقة تختار ما يستحق البقاء وتترك ما يجب أن يغيب. النسيان هنا هو الأداة التي تشكل هذا النسيج التي تعطيه شكله وتماسكه والتي تحدد حدود اللحظة الحاضرة وتجعلها قابلة للعيش. لولا النسيان لتداخلت الأزمنة واختلطت وتحول الحاضر إلى فوضى من الذكريات المتزاحمة وعجز الإنسان عن التمييز بين ما هو كائن وما قد كان.

هذه الرؤية الزمنية للنسيان تأخذنا إلى تأمل العلاقة بين النسيان والموت، ذلك الحد الأقصى الذي يمنح الحياة معناها ويدفعها نحو الاستمرار. فالموت في فلسفة هايدغر هو الإمكانية الأشد خصوصية للإنسان، الإمكانية التي تميز وجوده عن كل كائن آخر لأنها إمكانية لا يمكن أن يتنازل عنها لأحد ولا يمكن لأحد أن يحل محله فيها. والنظر إلى الموت واستباقه في التفكير هو ما يحرر الإنسان من أغلال الحياة اليومية ويمنح وجوده أصالة. غير أن هذه الأصالة كما يقول هايدغر لا تتحقق إلا بقدر ما يتجرأ الإنسان على مواجهة العدم وعلى رؤية نفسه ككائن منتهٍ ومحدود. وهذه المواجهة في جوهرها تتطلب قدراً من النسيان، نسيان للتفاصيل الصغيرة والعابرة، نسيان للانغماس في عالم الاهتمامات السطحية، من أجل التفرغ للسؤال الأكبر، ما معنى أن أكون هنا في هذا العالم وأنا أعلم أنني سأفنى؟ النسيان هنا ليس إلغاء للموت بل هو تحضير له، هو تركيز للطاقة الوجودية في مواجهة المصير الأبدي.

إن النسيان ليس نقصاً في الإنسانية بل هو ما يصنع الإنسانية بوصفها كينونة زمنية، كينونة تدرك نفسها في الزمن وتتحمل مسؤولية زمانيتها. الفيلسوف الفرنسي بول ريكور الذي أفنى عمره في دراسة الذاكرة والتاريخ والنسيان يقدم لنا تأملاً معقداً حول هذه القضية في كتابه الشهير "الذاكرة والتاريخ والنسيان". ريكور لا ينظر إلى النسيان كمجرد عدو للذاكرة بل يميز بين مستويات مختلفة من النسيان، منها النسيان اللاإرادي الذي هو جزء من طبيعة الذاكرة ومنها النسيان المقصود الذي قد يكون فعلاً سياسياً أو أخلاقياً. لكن ريكور يتجاوز هذا التمييز ليسأل سؤالاً أكثر عمقاً هل يمكن أن يكون النسيان شرطاً للسعادة، شرطاً للتعايش السلمي بين البشر، شرطاً لتجاوز الصراعات التاريخية المؤلمة؟ يجيب ريكور بحذر مؤكداً أن هناك نسياناً خصباً، نسياناً يفتح الطريق للمصالحة لكنه ليس نسياناً للجريمة أو إلغاءً لذكريات الضحايا بل هو نسيان يتجاوز الألم، نسيان يحرر من عبء الكراهية ويسمح ببناء مستقبل مشترك. هذا النسيان الأخلاقي كما يراه ريكور هو وريث الذاكرة وليس نقيضها، هو ثمرة عمل شاق على الذات، عمل على تحويل الألم إلى حكمة وعلى تحويل الماضي المؤلم إلى درس للحاضر.

وتعود بنا فلسفة النسيان إلى قلب الأسئلة الأخلاقية والسياسية التي تؤرق الإنسان المعاصر. في عصر تتداخل فيه الذكريات وتتصادم وتتعدد فيه الروايات التاريخية وتتناحر يصبح النسيان قضية مصيرية. كيف يمكننا أن نتذكر دون أن نغرق في الماضي؟ كيف يمكننا أن نعترف بآلام الآخرين دون أن نحملها كعبء يثقل خطونا نحو المستقبل؟ كيف نبني مجتمعاً يقوم على التسامح والمصالحة وهو لا ينسى جرائمه ولا يتجاهل معاناته؟ هذه الأسئلة تقودنا إلى فكرة الحكمة في النسيان، تلك القدرة النادرة التي تجمع بين قوتين متعارضتين ظاهرياً، قوة التذكر التي تحفظ الماضي وتكرم أهله وقوة النسيان التي تفتح أفق المستقبل وتمنح الحياة فرصة جديدة. النسيان الحكيم إذا جاز التعبير ليس ضعفاً ولا هروباً بل هو نوع من الشجاعة، شجاعة مواجهة الماضي دون أن نسمح له بأن يمتلكنا، شجاعة النظر إلى الجروح دون أن نبقى أسرى لها، شجاعة بناء الغد على أنقاض الأمس ولكن بطريقة مختلفة، بطريقة تحترم الموتى وتحرر الأحياء.

في الأدب والفن يتجلى النسيان بوصفه قوة خالقة، قوة تدفع الفنان إلى تجاوز أعماله السابقة والبحث عن أشكال جديدة للتعبير وتفتح أمامه آفاقاً لم تخطر له على بال. الشاعر الذي ينشد قصيدته لا يستحضر كل القصائد التي قرأها بل ينسى الكثير منها أو بالأحرى يهضمها ويحولها إلى جزء من كيانه الشعري ليبني منها عالماً جديداً مختلفاً. الموسيقي الذي يؤلف لحناً جديداً لا يكرر ألحان الماضي بل ينسى تفاصيلها ليخلق منها توليفة فريدة. إن النسيان هو الروح الحقيقية للإبداع، ذلك الروح التي تمحو لكي ترسم وتهدم لكي تبني وتنسى لكي تتذكر بشكل جديد وبشكل لم يسبق له مثيل. الإبداع في جوهره هو مقاومة للتكرار، هو تجاوز للمألوف، هو خروج من دائرة المحاكاة إلى فضاء الإبداع الحر ولا يمكن لهذا الخروج أن يتحقق دون جرأة النسيان، دون قدرة المبدع على طي الصفحات السابقة وفتح صفحات جديدة.

إن النسيان الذي حاولنا تقديمه في هذا التأمل الفلسفي ليس ضياعاً للذاكرة بل هو تحرر من ربقتها وتجاوز لحدودها وإعادة تعريف لدورها في حياة الإنسان. النسيان ليس ضد الذاكرة بل هو رفيقها الأبدي وشريكها الأساسي في بناء المعنى، ذلك المعنى الذي لا يستقر في محتوى ثابت بل يتولد في حركة دائمة بين الاستذكار والإغفال وبين الاحتفاظ والطرح. الإنسان لكي يكون إنساناً يحتاج إلى الذاكرة لكنه يحتاج إلى النسيان أيضاً بل يحتاج إلى الذاكرة التي تعرف متى تنسى وإلى النسيان الذي يعرف متى يتذكر. هذه هي الحكمة الإنسانية في أسمى تجلياتها والقدرة على المواءمة بين قوتين متعارضتين وتحويل التضاد بينهما إلى تناغم وإلى حركة إبداعية لا تتوقف، تمنح الحياة غناها وعمقها وتجعل من الوجود مغامرة لا تمل ورحلة لا تنتهي.

إن النسيان الذي يطرح نفسه كشرط لإنتاج المعنى هو في الحقيقة تأكيد على أن المعنى ليس شيئاً معطى أو جوهرياً ثابتاً بل هو بناء متجدد، نتاج تفاعل مستمر بين الذاكرة والنسيان، بين الماضي والحاضر وبين الثبات والتغيير. فالمعنى كما يفهمه الفلاسفة الوجوديون ليس في الكائنات بحد ذاتها بل في علاقتها بالإنسان أي في طريقة تعامل الإنسان معها وتفسيره لها. وهذه العلاقة وهذا التفسير لا يمكن أن يثبتا أو يتجمدا بل هما في تغير دائم، يتغيران بتغير ظروف الإنسان واحتياجاته، بتغير مشاعره وتطلعاته، بتغير فهمه لنفسه وللعالم من حوله. والنسيان هو العنصر الفاعل في هذا التغير، هو القوة التي تمنع العلاقة من التحجر والتي تسمح للمعنى بأن يظل حيا متدفقا قابلا لإعادة التشكل والتجديد. بدون النسيان يصبح المعنى أسيراً لماضيه ويتكرر بآلية مملة ويفقد قدرته على الإدهاش والإمتاع.

ويمكننا أن نخلص إلى أن الفلسفة التي تأخذ النسيان على محمل الجد هي فلسفة تضع الإنسان في موقعه الحقيقي، موقع الكائن الزمني المحدود، الكائن الذي يواجه العدم ويمنح وجوده معنى من خلال فاعليته الحرة. هذه الفلسفة تدعونا إلى إعادة التفكير في علاقتنا بذاتنا وبعالمنا وإلى تبني موقف أكثر تواضعاً تجاه الذاكرة فلا نطلب منها أن تحفظ كل شيء ولا ننسب إليها القدرة على احتواء الوجود بأكمله. كما تدعونا إلى تبني موقف أكثر جرأة تجاه النسيان فلا نخشاه كفقدان بل نرحب به كفرصة، فرصة للتجديد والتحرر والإبداع والمصالحة. النسيان إذا ما فهمناه فهماً عميقاً ليس عيباً في الإنسان بل هو جزء من كماله، جزء من حريته، جزء من قدرته على صنع ذاته ومستقبله في مواجهة الماضي بكل ما يحمله من جمال وألم. إنه ذلك الأفق الذي يفتح أمامنا كل صباح لنبدأ من جديد ولنعيش كما لو أننا لم نعش من قبل ولنخلق كما لو أننا لم نخلق شيئاً قط. وهذا في التحليل الأخير هو جوهر الوجود الإنساني ذاته، وجود يتجدد في كل لحظة من خلال فعل النسيان ويصبح أكثر غنى وعمقاً من خلال تلك القدرة المدهقة على بدء الحياة من جديد.

***

د حمزة مولخنيف

إذا كان العمر هو المجال الذي تتكشف فيه التجربة الإنسانية، وكانت الآلام إحدى حقائقها الكبرى كما بينت المقالات السابقة، وكان الصبر هو السفينة التي تعلم الإنسان كيف يثبت أمام أمواجها، فإن التوكل هو البوصلة التي تهدي هذه السفينة في رحلتها، فلا تضلها العواصف، ولا يربكها غموض الأفق. فهو يمثل مرحلة أعمق في مسيرة الارتقاء الإنساني، إذ لا يقتصر على مواجهة ما يقع، بل يتصل بكيفية عيش الإنسان داخل عالم مفتوح على الاحتمال واللايقين، دون أن يفقد توازنه، أو طمأنينته، أو قدرته على الفعل.

ولعل التوكل في جوهره ليس مجرد خلق ديني أو سلوك تعبدي، بل هو نعمة إلهية وهبة ربانية دعا الله تعالى إليها عباده في مواضع متعددة من القرآن الكريم، تأكيدا على أنه جزء من البناء الإيماني والوجودي للإنسان، لا مجرد توجيه عابر. فالتوكل في معناه العميق هو دعوة إلى الطمأنينة والثقة بالله، والتحرر من القلق المفرط تجاه المستقبل، دون أن يعني ذلك تعطيل الإرادة أو إلغاء دور الإنسان في السعي والعمل.

ومن هنا يمكن فهم التوكل باعتباره حالة توازن دقيقة بين عنصرين متلازمين: حركة الإرادة من جهة، وطمأنينة القلب من جهة أخرى. فالمتوكل لا يتخلى عن الفعل، ولا يترك الأسباب، بل ينخرط في العالم بجدية كاملة، يأخذ بالأسباب كما تقتضي سنن الحياة، لكنه في الوقت نفسه لا يجعل هذه الأسباب مصدرا نهائيا للأمان أو اليقين، لأن النتائج في النهاية تتجاوز قدرة الإنسان على الإحاطة والتقدير.

ومن الناحية الفلسفية يمكن النظر إلى التوكل بوصفه تصحيحا لطبيعة العلاقة بين الإنسان ونتائج أفعاله. فالإنسان يعيش دائما داخل فجوة لا يمكن إلغاؤها بين الجهد والنتيجة، بين ما يفعله وما يحدث فعلا. وهذه الفجوة هي أحد مصادر القلق في التجربة الإنسانية، إذ يتوهم الإنسان أحيانا أن بذل السبب يعني بالضرورة ضمان النتيجة، بينما تكشف التجربة أن العالم أكثر تعقيدا من هذا التصور المباشر.

التوكل هنا لا يلغي هذه الفجوة، بل يعيد فهمها بصورة أكثر اتزانا؛ فأنت مسؤول عن الفعل، لكنك لست مالكا للنتيجة. ومن ثم فهو لا يعطل الإرادة، بل يحميها من الانكسار، لأن الإرادة حين تتحرر من وهم السيطرة المطلقة تصبح أكثر هدوءا، وأكثر اتزانا، وأكثر واقعية. فالإرادة القلقة تنهك صاحبها، بينما الإرادة المتوكلة تعمل بثبات، دون أن تستنزف في القلق على ما لا تملك تغييره.

ومن هذا المنظور يظهر التوكل أيضا كحكمة عملية في إدارة الحياة، إذ يعيد توزيع العبء بين ما هو داخل قدرة الإنسان وما هو خارجها، فلا يحمل الإنسان نفسه ما لا طاقة له به، ولا يعفيه من مسؤوليته في السعي والعمل. فهو ليس انسحابا من الواقع، بل طريقة أكثر وعيا للعيش داخله.

ومن هنا يمكن النظر إلى التوكل باعتباره أحد المقومات الأساسية للتوازن الوجودي للإنسان. فالإنسان لا يعيش في عالم مغلق تخضع أحداثه كلها لإرادته، ولا في عالم منفلت لا أثر لإرادته فيه، وإنما يعيش في مساحة تتقاطع فيها إرادته المحدودة مع سنن كونية، وحكمة إلهية تتجاوز إدراكه. فهو يسعى، ويجتهد، ويخطط، ثم يكتشف أن للحياة منطقها الذي لا يستجيب دائما لكل ما يشتهي أو يتوقع. ومن هنا لا يكون التوكل مجرد فضيلة دينية، بل يصبح ضرورة وجودية تحفظ للإنسان اتزانه النفسي والعقلي، وتمنحه القدرة على مواصلة السير دون أن يستهلكه القلق، أو يرهقه الخوف من المجهول، أو يحطمه الإخفاق حين لا تأتي النتائج على وفق ما أراد.

ومن حيث المفهوم يمكن القول إن التوكل ليس درجة واحدة، فهو يتسع بقدر ما يتسع يقين الإنسان وثقته بربه. فمنه ما يكون في بداياته اعتمادا قلبيا يصاحب الأخذ بالأسباب مع بقاء شيء من التعلق بالنتائج، ومنه ما يرتقي فيه الإنسان إلى درجة من الطمأنينة تجعل قلبه أكثر تسليما لما يأتي به القدر، دون اضطراب أو جزع، ومنه ما يبلغ فيه الوعي حالة من السكون الداخلي، حيث يصبح العمل نفسه تعبيرا عن الثقة بالله، لا عن الخوف من المستقبل، ويغدو السعي عبادة، لا مجرد وسيلة لبلوغ الغايات.

غير أن هذه الدرجات جميعا ترجع إلى حقيقة واحدة، وهي أن التوكل لا يتحقق إلا في قلب فاعل، لا في قلب متقاعس. فترك العمل بدعوى التوكل ليس إلا سوء فهم للتوكل، لأنه يفصل بين ما جعله الله متلازما؛ السعي من جهة، والاعتماد القلبي من جهة أخرى. ولذلك كان الأخذ بالأسباب جزءا من حقيقة التوكل، لا أمرا خارجا عنه، لأن الله الذي أمر بالتوكل هو الذي أقام هذا الكون على سنن لا تستقيم الحياة إلا بها.

وفي التجربة الإنسانية اليومية لا يظهر أثر التوكل في تقليل الفعل، بل في تخفيف العبء النفسي المصاحب له. فكثير من أثقال الحياة لا تنشأ من العمل نفسه، بل من القلق على نتائجه، ومن محاولة امتلاك ما لا يمكن امتلاكه. وهنا يأتي التوكل ليعيد تشكيل هذه العلاقة على نحو أكثر هدوءا واتزانا، فيتحول العمل من مصدر استنزاف إلى مجال للعطاء، ويتحول المستقبل من مصدر للخوف إلى أفق يملؤه الرجاء والثقة.

وفي التجربة الصوفية يكتسب التوكل بعدا أكثر عمقا واتساعا، إذ ينظر إليه باعتباره مقاما من مقامات السير إلى الله، لا مجرد حالة شعورية عابرة. فهو انتقال من الاعتماد على ظاهر الأسباب إلى إدراك أن هذه الأسباب نفسها جزء من نظام أوسع لا يحيط به الإنسان، وأن الفعل الإنساني مهما بلغ يظل داخل دائرة تدبير أشمل من إدراكه المحدود. ولذلك رأى أهل السلوك أن التوكل ليس تركا للعمل، بل تهذيبا لعلاقة القلب بالعمل، حتى لا يتعلق إلا بالله، مع مباشرة الأسباب التي أقام الله عليها نظام الحياة.

وفي هذا السياق لا يعني التوكل إلغاء الأسباب، بل تحرير القلب من عبوديتها. فالأسباب تؤخذ، وتمارس، وتتقن، لكنها لا تتحول إلى مصدر مطلق للثقة والاطمئنان. ومن هنا تتولد حالة من الاتزان؛ عمل كامل في الخارج، وطمأنينة مستقرة في الداخل. ولعل هذا هو الفارق الجوهري بين التوكل والتواكل؛ فالأول يوقظ الإرادة، ويحمل الإنسان على السعي، ويغرس في قلبه الثقة بحكمة الله، أما الثاني فيعطل الإرادة، ويتخذ من القدر ذريعة لترك العمل، وهو ما يتنافى مع السنن التي أقام الله عليها هذا الوجود.

ومن هنا تتجلى فلسفة التوكل بوصفه إعادة بناء لعلاقة الإنسان بالفعل والنتيجة معا. فهو لا يطلب من الإنسان أن يقلل من فعله، بل أن يقلل من قلقه، ولا يدعوه إلى الانسحاب من العالم، بل إلى الدخول فيه بوعي أكثر اتزانا وطمأنينة. فالتوكل لا يحرر الإنسان من المسؤولية، وإنما يحرره من الوهم؛ وهم أن كل شيء رهن بإرادته وحدها، أو أن قيمة جهده تقاس دائما بما يحققه من نتائج. أما حين يدرك أن مسؤوليته تكمن في صدق السعي، وإحكام العمل، وأن النتائج تجري في إطار حكمة أوسع من إدراكه، فإنه يتحرر من الاستنزاف الداخلي، ويستعيد قدرته على مواصلة الطريق بثقة وثبات.

وفي التجربة الصوفية لا يقف التوكل عند حدود الثقة في تدبير الله، بل يصبح مدرسة لتزكية النفس، وتحريرها من التعلق بكل ما سوى الله. فالمتوكل عند أهل السلوك لا يترك الأسباب، وإنما يترك الافتتان بها، ولا يعطل الحركة، وإنما يطهرها من الاعتماد على غير الله. ومن هنا كان التوكل عندهم مقاما يسبق الرضا؛ لأنه يربي القلب على التسليم، ويهذب الإرادة حتى لا تضطرب مع تقلب الأحوال، ولا تتعلق بما في أيدي الناس، ولا تستمد طمأنينتها إلا من الله. وهكذا يتحول التوكل من مجرد خلق إلى رؤية شاملة تعيد صياغة علاقة الإنسان بنفسه، وبالعالم، وبخالقه.

وإذا كان الصبر قد منح الإنسان القدرة على الثبات أمام ما يقع، فإن التوكل يمنحه القدرة على الحركة داخل ما لا يملك السيطرة عليه، دون أن يفقد توازنه الداخلي أو إحساسه بالمعنى. فالصبر يحفظ للإنسان قوته في مواجهة الشدائد، أما التوكل فيمنحه الشجاعة لمواصلة السير، والعمل، والإقدام، وهو مطمئن إلى أن ما يجري في الكون لا يخرج عن حكمة الله وتدبيره. وإذا كانت سفينة الصبر قد حفظته من الغرق في أمواج الابتلاء، فإن بوصلة التوكل هي التي تهديه وسط بحر الحياة، فلا يتوقف عند اشتداد الرياح، ولا يتيه حين تتشابه الطرق، لأنه يعلم أن من أحسن التوكل على الله لا يضل طريقه وإن طال السفر.

خلاصة القول: إن التوكل ليس مجرد مفهوم ديني أو حالة نفسية، بل هو نمط في الوجود الإنساني يقوم على الجمع بين الفعل والثقة، وبين الإرادة وحدودها، وبين العمل والطمأنينة. إنه أن يعمل الإنسان بكل طاقته، وأن يستفرغ وسعه في الأخذ بالأسباب، ثم يطمئن قلبه إلى أن ما وراء هذه الأسباب ليس خارج الحكمة، وأن تدبير الحياة أوسع من حدود إدراكه، وأعمق من حساباته. وبهذا يصبح التوكل أحد أعمدة التوازن الإنساني، لأنه يحرر الإنسان من الخوف الذي يشل الإرادة، ومن القلق الذي يستنزف النفس، ومن الوهم الذي يجعله يظن أنه المتحكم في كل شيء.

وإذا كان التوكل قد علم الإنسان كيف يسعى بقلب مطمئن، ويعمل دون أن يستعبد للنتائج، فإن رحلته الروحية والوجودية لا تقف عند هذا الحد. فثمرة التوكل الصادق أن يورث القلب سكينة أعمق، ينتقل بها الإنسان من الثقة بحكمة الله في تدبير الأمور إلى الرضا بما يقضيه ويقدره. فالتوكل هو البوصلة التي تهدي سفينة الإنسان في بحر الحياة، أما الرضا فهو الميناء الذي تستقر عنده النفس بعد طول الإبحار، حين تدرك أن ما ساقه الله إليها لم يكن إلا وجها من وجوه حكمته ورحمته. ومن هنا كان الرضا الامتداد الطبيعي للتوكل، والمقام الذي تبلغ فيه الطمأنينة كمالها، وهو ما سيكون حديثنا في المقالة القادمة.

***

بقلم: أ.د. ياسر البتانوني

أستاذ الفلسفة الإسلامية بكلية الآداب جامعة المنوفية

هل يؤدي العقل إلى الوحدة أم إلى تعدد التأويلات؟

في البدء لم يكن السؤال كاستفهام عابرٍ تذروه رياح الفضول بل كوجع ميتافيزيقي يتملك الفكر حين يُصادف ذاته في مرآة العقل فيتساءل عن ماهية ذلك النور الذي يزعم أنه يُبدد الظلمات، وهو في حقيقة أمره يُضاعفها ويُشعبها في متاهاتٍ لا تنقضي. فالعقلانية ذلك المشروع الإنساني الأغرى الذي راهن عليه الفلاسفة منذ أفلاطون حتى هابرماس، لم تكن يوما تلك السلطة الجامعة التي توحد القلوب والأذهان تحت رايةٍ من اليقين بل كانت في كل محطاتها التاريخية أداةً للتمييز والتفريق تارةً باسم المنطق وتارةً باسم التجربة وأخرى باسم النقد، لكنها مهما تنوعت تجلياتها ظلت تُنتج من رحم عنفها التأسيلي اختلافاتٍ لا يُمكن لمشروعٍ عقلانيٍ واحدٍ أن يلملم شظاياها. ونجد أنفسنا أمام مفارقةٍ عصيةٍ على الحل عقلٌ يدعي الوحدة وهو يُمارس التشتيت؛ عقلٌ يزعم السمو فوق الأهواء وهو يغرق في تأويلاتٍ تتعدد بتعدد رغبات العقلاء أنفسهم.

إن السؤال عن أثر العقل في إنتاج الوحدة أو التعدد ليس سؤالا هامشيا في فلسفة المعرفة بل هو السؤال الذي يُحدد مصير الفكر نفسه وموقعه من الحقيقة ومن الآخر ومن العالم. فمنذ أن قام سقراط بتفكيك اليقينيات الساذجة عبر سؤاله السقراطي مروراً بديكارت الذي جعل من الشك منهجاً وصولاً إلى كانط الذي قسم العقل إلى نظريٍ وعمليٍ، كانت العقلانية تبحث عن نفسها في مرايا متعددةٍ، كل منها يُعيد إنتاج صورتها بصورةٍ مخالفةٍ لما سبقها، كأن العقل يسير في حلقةٍ لا تنفك تعيد فيه الاعتبار للاختلاف كلما ظن أنه اقترب من الوحدة المنشودة. وإننا إذ نُقدم على هذا المقال لا نبتغي فيه إعادةَ إنتاجٍ لجدلٍ فلسفيٍ قديم بل نريد أن نقترب من العقلانية كظاهرةٍ حيةٍ تعيش في نسيج العلاقات الإنسانية وتتحدى بسحرها كل محاولات التقعيد والتجميد، ذلك أن العقل لم يُخلق ليُغلق الأسئلة بل ليُولدها ولم يُوجد ليُنهي الاختلاف بل ليُؤصله ويُعمقه في مفارقةٍ تبقى جوهر الإدهاش الفلسفي.

في هاته الأسطر سنغامر في دهاليز العقل حيث يختلط النور بالظل وتتشابك البراهين بالرؤى ولا يكاد الحكم على شيءٍ يستقر إلا لينفتح على حكمٍ جديدٍ يخالفه أو يُكمله، وسنحاول قدر الإمكان أن نكون أمناء لهذه الحركة الأبدية متجاوزين كل محاولةٍ لتجميد العقل في قولٍ واحدٍ أو نسقٍ نهائي، لأن العقل كما سنرى ليس في النهاية سوى مرآةٍ مشروخةٍ تعكس الكون في أجزاءٍ متكاثرةٍ وكل جزءٍ يحمل في طياته صورةً تختلف عن الآخر مما يجعل السعي إلى الوحدة سعياً جميلاً لكنه مستحيل، والسعي إلى فهم التعدد سعياً متواضعاً لكنه كافٍ ليُبقينا في رحاب التساؤل الذي لا يُعرف الكلل.

لا يمكن للعقل أن يكون سوى أداةٍ للتفريق في لحظةٍ ما بقدر ما هو أداةٌ للتجميع. هذه هي المفارقة التي تطل برأسها كلما حاولنا أن نمسك بالعقلانية كمنهجٍ جامعٍ للحقيقة أو كطريقٍ ممهدٍ إلى اليقين. فالعقل في منشئه الأرسطي كان ذلك الجوهر الذي يفصل بين الأشياء ليُعيد تركيبها وفق نظامٍ من العلاقات الضرورية، لكنه ما إن يشرع في عمله هذا حتى يُنتج من رحم التصنيف والتحديد اختلافاتٍ لا تنتهي. إننا إذ نستعمل العقل نستعمل آلةً للقطع والتقسيم ثم نستعملها مرةً أخرى للربط والتركيب، وفي كلتا الحالتين نحن نُمارس إنتاجاً للاختلاف لا يقل عن كونه إنتاجاً للوحدة. والسؤال الذي يطرح نفسه بعنفٍ ليس عن ماهية العقل في ذاته بل عن أثره في جمهرة التأويلات التي تتوالد من رحم ممارساته، هل يؤدي العقل بإرادته الصارمة للنسق والانسجام وإلى توحيد الرؤى واندماجها في كل متماسك أم أنه بإجراءاته التحليلية وتفاصيليه الدقيقة ويفتح الباب على مصراعيه أمام تعددٍ لا يُحصر من القراءات والتأويلات؟

لعلنا قبل أن نقدم على جوابٍ حاسم نقف عند تلك اللحظة الفارقة في تاريخ الفلسفة حينما ارتبطت العقلانية بالرياضيات والهندسة، حينما رأى ديكارت في العقل تلك "الملكة الطبيعية" التي تمنحنا القدرة على التمييز بين الصدق والكذب، على أن نُخضع كل ما يرد علينا من معطياتٍ لعمليةٍ من الشك المنهجي الذي لا يستقر إلا على بديهياتٍ واضحة كل الوضوح. لكن ديكارت نفسه وهو يبني منهجه على أسسٍ رياضية لم يستطع أن يُفلت من شرك التأويل إذ كان "الكوجيتو" ذاته – ذلك الوميض الأول لليقين – محمّلاً بفرضيةٍ أناويةٍ جعلت منه أرضيةً لتأويلاتٍ متضاربة بين من يراه إنجازاً منهجياً ومن يراه انزلاقاً وجودياً. إن العقل الديكارتي على قدراته الهائلة في التأسيس لم ينتج وحدةً في الفهم بقدر ما أنتج مدرسةً فلسفيةً كاملةً قامت على اختلافٍ جوهري في قراءة هذه البداية الأولى. وهنا نلمح بصيصاً من سرّ العقلانية، وهي أنها كلما ازدادت صرامةً وتحديداً ازدادت معها مساحات التأويل اتساعاً، لأن الدقة متناهية الصغر تترك وراءها فجواتٍ تعجز اللغة عن ملئها فتُصبح كل محاولةٍ لسد تلك الفجوات تأويلاً جديداً وكل تأويلٍ جديدٍ يضيف طبقةً أخرى من الاختلاف إلى نسيج الفكر الإنساني.

ولا نغالي إذا قلنا إن العقلانية في جوهرها تقوم على مبدأ الهوية الذي يمنع التناقض لكن هذا المبدأ نفسه حين يُطبّق على عالمٍ متدفقٍ بالأحداث والوقائع يتحول إلى أداةٍ لتوليد التعدد. فالهوية ليست سوى حدٍّ يفصل شيئاً عن آخر وكل حدٍّ هو إعلانٌ عن اختلافٍ وكل اختلافٍ يحمل في طياته بذورَ تأويلٍ مغاير. لقد أدرك هيجل هذا التناقض الظاهر حين رأى في العقلانية حركةً جدليةً تنبني على التناقض ذاته، حيث لا يمكن للوعي أن يدرك ذاته إلا عبر اختباراتٍ متتالية من التضاد والتصالح فلا تكون الوحدة العقلانية إلا نتاجاً لمسارٍ من الاختلافات المتصاعدة كأن العقل يكتب تاريخه بتوقيعاتٍ متعددة كل منها يناقض الآخر ليُنتج في النهاية تركيباً أعلى. لكن هيجل الذي راهن على نهايةٍ مطلقةٍ لهذه الحركة لم يُفلت من نقدٍ لاذعٍ من أولئك الذين رأوا في فلسفته ذروةً للاختلاف لا نهايةً للتوحد، إذ أن حركة العقل في جدليتها لا تستقر على وضعٍ نهائي، بل تنفتح على إمكانياتٍ لا حدّ لها من التأويل لأن كل تركيبٍ هو في الآن ذاته نفيٌ لما قبله وتأكيدٌ لما بعده وهكذا يتوالد الاختلاف من رحم الوحدة المزعومة.

من هنا نجد أنفسنا أمام مفارقةٍ كبرى، وهي أن العقل وهو يسعى إلى النظام والترتيب لا يملك في الواقع إلا أن يُنتج فوضى خصبة من التأويلات. ذلك أن العقل كونه نشاطاً إنسانياً لا إلهياً يظل مرتبطاً باللغة التي هي وعاؤه الطبيعي واللغة ليست مرآةً شفافةً للحقيقة بل هي نظامٌ من العلامات التي تتغير دلالاتها بحسب السياقات والمقامات والأهواء. حين يقول أرسطو إن العقل هو صورةُ الصور فإنه يُلمّح إلى أن العقل ليس سوى انعكاسٍ لانعكاساتٍ متتالية وكل انعكاسٍ يُشوّه الأصل ويُعيد إنتاجه بصورةٍ مغايرة. وإذا كان أرسطو قد وضع قوانين القياس المنطقي كضمانةٍ لصدق الاستدلال فإن هذه القوانين نفسها لم تمنع تلاميذه والمعلقين عليه من الانقسام إلى مدارسَ متباينة، كل يقرأ النصوص الأرسطية من زاويةٍ تخالف الأخرى. فالمتن الأرسطي بتلك الدقة المنطقية التي يُضرب بها المثل، أصبح مادةً لتأويلاتٍ متضاربةٍ جعلت من المنطق نفسه حقلَ معركةٍ بين من يراه نسقاً جامداً ومن يراه آلةً حيةً تتفاعل مع متغيرات الوجود.

وإذا انتقلنا إلى العقلانية الحديثة بتجلياتها في فلسفة كانط نجد المسألة تتعقد أكثر. كانط في نقده للعقل المحض لم يكتفِ بتحديد حدود العقل بل مضى إلى تفكيك بنيانه الداخلي مفرقاً بين الأحكام التحليلية والتركيبية وبين الظاهرات والنوامين مقدماً لنا صورةً للعقل كقاضٍ يُشرّع قوانينه على الواقع بوصفه موضوعاً للتجربة. لكن هذا التشريع الكانطي بكل دقته وأصالته لم يُسفر عن وحدةٍ في المذهب بل عن تشظٍ كبير إذ أن "نقد العقل المحض" نفسه ألهم مدارسَ متضاربة، بعضها رأى فيه دفاعاً عن الميتافيزيقا وبعضها الآخر اعتبره نقضاً لها وثالثةٌ تجاوزته إلى فلسفاتٍ أخرى بنيت على أنقاضه أو على امتداده. ويبدو العقل الكانطي في سعيه الحثيث إلى إرساء دعائم المعرفة على أسسٍ متينة كمن يزرع بذور خلافٍ معرفيٍ عميق، فكلما حاول أن يُحكم قبضته على موضوع المعرفة انفلتت منه زوايا جديدة تحتاج إلى تأويل وكل تأويل يفتح باباً لمزيدٍ من التساؤلات التي تعيد صياغة العقلانية ذاتها من الداخل.

إننا لا نجانب الحقيقة إذا قلنا إن العقلانية في حقيقتها الباطنة تعيش حالةً من التوتر الدائم بين الرغبة في التماسك والخوف من الانغلاق. فهي من جهةٍ تحلم بنظامٍ كاملٍ لا يُخترق أشبه ما يكون بالنسق الهندسي لإقليدس حيث كل مُسلّمة تؤدي إلى نتائجها حتماً وكل نظرية تنسجم مع سابقاتها في بناءٍ صلب لا يتزعزع. لكنها من جهةٍ أخرى تدرك أنها ليست سوى فاعليةٍ بشريةٍ تعبث في نسيج الوجود بيدٍ لا تخلو من الهفوات وأن إنتاجها للمعرفة هو في حقيقته إنتاجٌ لاحتمالاتٍ لا تنتهي. وهذه الازدواجية هي التي تجعل من العقلانية ظاهرةً تاريخيةً متجددة لا كما يظن بعضهم أنها جوهرٌ ثابتٌ خارج الزمان والمكان. فالعقل الأرسطي ليس العقل الديكارتي، والعقل الديكارتي ليس العقل الهيغلي، والعقل الهيغلي ليس العقل النيتشوي أو الفوكوي، لكن رغم هذه التحولات الجوهرية يظل السؤال عن إنتاج العقل للاختلاف سؤالاً عبّر عنه كل عصرٍ بلغته ومفاهيمه. نيتشه مثلاً كان من أشد المنتقدين للعقلانية التي تزعم أنها تؤدي إلى الحقيقة الموضوعية، فرأى فيها إرادةً خفيةً للسلطة تُخفي تناقضاتها خلف ستارٍ من المنطق، وذهب إلى أن كل تأويلٍ هو تعبيرٌ عن رغبةٍ دفينة وأن العقل مجرد أداةٍ في يد الغرائز فلا يمكن أن يكون مصدراً لوحدةٍ حقيقيةٍ لأن جذوره مُشتبكةٌ في تربة الاختلاف والصراع.

لكن هل يعني هذا أن العقل عاجزٌ بطبيعته عن إنتاج أي شكلٍ من أشكال الوحدة؟ كلا، بل إن العقل يمارس نوعاً من الوحدة الإجرائية التي لا تعني التطابق في النتائج بل تعني الاشتراك في قواعد اللعبة نفسها. فمن يعقلن يلتزم بمنهجٍ في الاستدلال ويخضع لمعاييرٍ من الاتساق والتناسق ويقبل بفكرة الحجة والبرهان، وهذا الالتزام الإجرائي هو وحدته الحقيقية، أما ما يُنتجه من تأويلاتٍ مختلفة فهو ثمرةٌ طبيعيةٌ لثرائه الحيوي. وكأن العقل بهذا المعنى أشبه ما يكون باللغة، فاللغة نظامٌ واحدٌ يجمع المتكلمين بها، لكنها في الآن ذاته أداةٌ لإنتاج خطاباتٍ لا تُحصى يتنازعها الشعراء والفلاسفة والعلماء والعامة، كل يستعملها لبناء عالمه الخاص. ونجد أن العقلانية لا تؤدي إلى الوحدة بمعنى التطابق بل تؤدي إلى وحدةٍ من نوعٍ آخر هي وحدة الإطار والمنهج، وهي وحدةٌ لا تمنع الاختلاف بل تحفزه وتشرعنه لأنها تمنح كل تأويلٍ شرعيته ما دام يلتزم بقواعد اللعبة العقلانية. إن العقل هو في آنٍ معاً جامعٌ ومفرق، لكنه جامعٌ على مستوى الشكل ومفرقٌ على مستوى المضمون، وهو بهذا يشبه النسيج الذي تتشابك خيوطه في بنيةٍ واحدةٍ مع أن كل خيطٍ يحتفظ بلونه ونوعه.

غير أن هذه الرؤية الإجرائية للعقل لا تحل الإشكال كله، لأنها تظلّ محكومةً بإشكاليةٍ أعمق هي إشكالية المعنى. فهل يمكننا أن نتحدث عن معنى واحد للأشياء يظل ثابتاً رغم تعدد التأويلات أم أن المعنى نفسه ينبثق من التأويل وبالتالي يتعدد بتعدده؟ لقد طرح غادامير هذه القضية في فلسفته التأويلية حين رأى أن الفهم ليس مجرد إعادةٍ لإنتاج نية المؤلف بل هو اندماجٌ لآفاقٍ مختلفة حيث يندمج أفق القارئ مع أفق النص في عملية خلاقة تنتج معنى جديداً لا يمكن ردّه إلى الأصل. وهذا يعني في سياق حديثنا أن العقل حين يواجه نصا أو واقعاً أو مسألة لا يكتشف معنىً موضوعياً كان كامناً هناك بل يُشارك في بنائه ويُضيف إليه من خلفياته واهتماماته وتاريخيته فيكون الاختلاف في التأويلات ليس نقصاً في العقلانية بل هو تعبيرٌ عن غناها وقدرتها على التكيف مع شروطٍ تاريخيةٍ وثقافيةٍ متغيّرة. إن العقلانية ليست برجاً عاجياً يُطل منه العاقل على الحقيقة في وحدتها البكر بل هي سوقٌ للرؤى تتلاقح فيه التأويلات وتتصارع ليخرج من رحم الصراع ما يمكن تسميته بالمعرفة المؤقتة، تلك المعرفة التي لا تدعي الأزلية ولا الكمال بل تكتفي بأن تكون مقنعة في زمنها وقابلة للنقض أو التعديل في زمنٍ لاحق.

إننا إذ نتبنى هذه النظرة إلى العقل نكون قد تجاوزنا المأزق التقليدي الذي يرى في الاختلاف آفةً تصيب العقلانية من الخارج، إلى موقفٍ يعتبر الاختلاف جزءاً من بنائها الداخلي، بل شرطاً لاستمرارها وحيويتها. فالعقل الذي لا يُنتج اختلافاً هو عقلٌ ميتٌ، عقلٌ أسيرٌ دوغمائيته، لا يختلف عن الإيمان الأعمى في شيءٍ سوى الشكل. والعقلانية الحية هي التي تبقى في حالةٍ من التوتر والقلق تطرح الأسئلة ولا ترتاح إلى إجاباتٍ نهائية وتُخضع كل يقينٍ إلى تمحيصٍ جديد، وهذه الحركة الدائبة هي التي تُنتج عن حق ذلك التعدد الخصب في التأويلات الذي يُميّز تاريخ الفكر الفلسفي والعلمي على السواء. لقد كان كارل بوبر من أوائل الذين أدركوا هذه الحقيقة في مجال فلسفة العلوم، حيث جعل من قابلية التكذيب معياراً للعلمية مؤكداً أن أي نظريةٍ علميةٍ لا تستحق اسم العلم إلا إذا كانت قابلةً للنقض والتجاوز، وهذا يعني أن العقلانية العلمية لا تؤدي إلى اليقين المطلق بل إلى يقينٍ مؤقت قابلٍ للتفكيك والبناء من جديد، وكل تفكيك هو إنتاجٌ لاختلافٍ معرفيٍ جديد.

غير أن هذا التعدد مهما بدا محموداً في سياق العقلانية النقدية يطرح إشكالاً عملياً على مستوى الممارسة الاجتماعية والسياسية إذ كيف يمكن للعقل أن يكون أساساً للتفاهم والحوار إذا كان هو نفسه أداةً لإنتاج الاختلاف؟ هنا نصل إلى نقطةٍ جوهريةٍ تتعلق بالدور التواصلي للعقل وهو دورٌ أبرزه هابرماس في نظريته الفعل التواصلي حيث رأى أن العقل ليس مجرد أداةٍ معرفيةٍ فردية بل هو أساسٌ للتفاهم بين الذوات في فضاءٍ عموميٍ يقوم على الحوار والجدال، شريطة أن يُلتزم المتحاورون بمعاييرٍ عقلانية من الشفافية والصدق والإنصاف. لكن هابرماس نفسه لم يُغفل حقيقة أن التوافق الذي ينتج عن هذا الحوار ليس توافقاً نهائياً بل هو توافقٌ مؤقتٌ يعكس الظروف التاريخية لوقوعه، مما يعني أن العقل التواصلي لا يلغي الاختلاف بل يُنظّمه ويُؤطره فيجعل من الاختلاف مادةً للحوار بدلاً من أن يكون عائقاً أمامه. ونجد العقلانية في صورتها التواصلية تحافظ على مشروعها الوحدوي في المستوى الإجرائي والأخلاقي بينما تترك الباب مفتوحاً لتعددية التأويلات في المستوى المعرفي والمضموني وكأنها تقول لنا إن الوحدة التي ننشدها ليست وحدة الرأي بل وحدة الطريقة ووحدة الاعتراف بالآخر كشريكٍ في البحث عن الحقيقة لا كخصمٍ يجب إسكاته أو إلغاؤه.

وإذا تأملنا هذه الرحلة العقلية في أعماق الفلسفة نجد أن كل محاولةٍ لتجميد العقل في قالبٍ واحدٍ قد باءت بالفشل وأن كل نظامٍ فلسفيٍ حاول أن يُنتج معرفةً نهائيةً سرعان ما تفككت أجزاؤه تحت وطأة القراءات النقدية والتأويلات المتجددة. ليس العقل إذن كالنقطة الجامدة التي تُبقي كل شيءٍ في مدارها بل هو كالدوامة التي تجذب الأشياء إليها ثم تلفظها في اتجاهاتٍ شتّى، إذ أن قوّته ليست في ثباته بل في حركته وليس في يقينه بل في شكّه وليس في وحدته الساكنة بل في توالده المستمر للاختلافات التي تمنح الفكر نضجاً وامتداداً. وعلى الرغم من أن بعض الفلاسفة كسبينوزا مثلاً قد حلموا بمنظومةٍ عقلانيةٍ شاملةٍ تنتظم فيها الجزئيات في كلٍّ متجانس ورأوا في العقل سبيلاً إلى التحرر من الآلام والانفعالات إلا أن التاريخ الفلسفي بيّن أن هذا الحلم بقدر ما هو نبيل يظلّ حلماً لا يمكن تحققه في عالمٍ تتشابك فيه عواملُ الذاتية والتاريخ واللغة لتُشكّل شبكةً من الإمكانيات التي لا يمكن حصرها. ونستطيع أن نقول إن العقلانية في أعمق مستوياتها هي فلسفة الاختلاف بقدر ما هي فلسفة النظام وأنها تُنتج الوحدة كأفقٍ تنظيمي لكنها تُنتج التعدد كواقعٍ معاشٍ لا مفرّ منه.

وإذا كان العقل في حركته الجدلية وتاريخانيته المفتوحة يؤسس للاختلاف كشرطٍ لاستمراره فإن السؤال لا ينتهي عند حدود المعرفة النظرية بل يمتد ليشمل الفعل الإنساني بأبعاده العملية والأخلاقية. فالعقل حين يغادر حيز التأمل الذاتي ليتوجه إلى العالم بوصفه مجالاً للتدخل والإرادة، ولا يجد نفسه أمام موضوعٍ جامدٍ ينتظر الكشف بل أمام نسيجٍ معقدٍ من العلاقات والملابسات التي تحتمل قراءاتٍ متضاربة وتستدعي أحكاماً لا تستقر على رأيٍ واحدٍ أبداً. إن العقل العملي في صيغته الكانطية حاول أن يُرسخ مبدأ الوصاية الأخلاقية الجامعة عبر الإرادة الخيرة والقانون الأخلاقي الكوني، لكن هذا القانون نفسه بكل تجريده وعلوّه أثار في تاريخ الفلسفة الأخلاقية نقاشاتٍ لا تنتهي حول كيفية تطبيقه على حالاتٍ فرديةٍ لم يتوقف عندها كانط في تفصيلاته فأصبحت الوصايا الأخلاقية الكبرى ميداناً لتأويلاتٍ تتفاوت بين التشدد والمرونة، بين الحرفية والروحية وبين فهم الواجب كالتزامٍ صارمٍ وبين النظر إليه كاستجابةٍ حدسيةٍ للظرف. ونحن هنا في قلب الأخلاق نجد العقلانية تتصارع مع تعقيد الحياة الواقعية فتبدو وكأنها تقدم حلولاً عامة لكنها تترك التفاصيل الدقيقة لاجتهاداتٍ فرديةٍ تستحيل معها وحدة الرأي وتتنوع معها التأويلات بتنوع التجارب والمصالح والقيم التي تُشكِّل وجدان كل عاقل.

ففي السياسة مثلاً تبدو العقلانية وكأنها تدعو إلى نظامٍ عقلانيٍ للدولة كما رأى ذلك أفلاطون في جمهوريته التي يقوم فيها الحكم على أسسٍ فلسفيةٍ يقودها العقلاء، غير أن هذه المدينة الفاضلة في واقع الأمر لم تكن يوماً سوى مثالا نظريا أثار من الاختلافات والتأويلات ما يفوق ما أثارته أي مدينةٍ فعلية إذ ذهب بعضهم إلى اعتبارها نموذجاً مثلياً يجب الاقتداء به ورأى آخرون فيها نواةً للشمولية والديكتاتورية الفلسفية، وفريقٌ ثالثٌ اعتبرها تنبيهاً رمزياً لا يُطلب تحققه بقدر ما يُطلب أن يظل بعيداً منالاً كي يكون ناقداً للواقع لا بديلاً عنه. والعقلانية الحديثة في السياسة بتجلياتها في نظرية العقد الاجتماعي عند هوبز ولوك وروسو لم تخرج عن هذه القاعدة حيث أن فكرة العقد كتعبيرٍ عن الإرادة العاقلة للجماعة تحولت في التطبيق إلى نظم سياسية متباينة تراوحت بين الملكية الدستورية والديمقراطية الراديكالية وكلها تدعي أنها التفسير الصحيح لمقتضيات العقل في إدارة الشأن العام، بينما هي في الحقيقة قراءاتٌ مختلفةٌ لجوهرٍ نظريٍ لا ينفصل عن سياقاته التاريخية ورهاناته الأنثروبولوجية. فالعقل هنا بدلاً من أن يكون جامعاً للجماعة حول مشروعٍ سياسيٍ واحد أصبح أداةً لتبرير مشاريعَ سياسيةٍ متعددة كلٌ منها يلبس ثوب العقلانية ويحتج بمنطقها لشرعية اختياراته، وتتوالد الدولة العقلانية في صورٍ متعددةٍ كما تتوالد التأويلات الفلسفية حول ماهية العدالة وكأن العقل يُمسك بالقلم ليكتب دستوراً لكن كل قارئ يرى في نصوصه ما يتوافق مع ميوله وتطلعاته.

إن هذه الظاهرة التي قد تبدو للبعض فشلاً للعقل في مهمته التوحيدية هي في حقيقة الأمر انعكاسٌ لطبيعة العقل ذاتها، تلك الطبيعة التي لا تكتمل إلا بالآخر، بمعنى أنها لا تستطيع أن تدرك حدها إلا حين تصطدم بحد غريب عنها، وهذا الارتطام هو ما يُنتج المعنى الجديد، وهو ما يمنع العقل من أن يتحول إلى نظام مغلقٍ يلتهم كل ما يخالفه. لقد عبر ميشيل فوكو عن هذه الحقيقة بطريقةٍ مختلفةٍ حين نظر إلى العقلانية باعتبارها ممارسةً تاريخيةً للسلطة وأنظمةً معرفيةً تتغير بتغير العصور، لكنه لم يقل بإلغاء العقل بل قال بفضح هشاشته النسبية وتفكيك مسلّماته ليكشف عن أن كل عصرٍ ينتج عقله الخاص وكل عقل خاص يُنتج حقيقةً خاصةً، وهذه الحقيقة لا يمكنها أن تدعي العالمية دون أن تُغفل الاختلافات التي تُشكلها من الداخل. إن الاختلاف الذي تُنتجه العقلانية ليس اختلافاً هامشياً أو عَرَضياً بل هو اختلافٌ بنيويٌ يحفر في صميم المفهوم العقلاني بحيث يصبح من المستحيل الحديث عن عقلٍ واحدٍ يتعالى على كل تأويل بل عن عقلياتٍ متعددةٍ تتنافس في فضاءٍ مفتوحٍ على السجال والتصحيح المستمرين.

لكن أليس في هذا القول تراجعٌ عن قيمة العقلانية نفسها وتفريطٌ في دورها كمعيارٍ للتمييز بين الصواب والخطأ وبين الحقيقة والوهم؟ كلا، بل هو تحريرٌ للعقلانية من أسطورة الحياد المطلق وإعادةُ اعتبارٍ لها كفعلٍ إنسانيٍ يمارس في ظل شروطٍ تاريخيةٍ ولغويةٍ واجتماعية حيث لا يمكن فصله عن رغبات الفاعلين وتطلعاتهم وخلفياتهم الثقافية، وهذا لا يقلل من قيمته بل يضفي عليه بعداً نقدياً يجعل منه أداةً فاعلةً لا في الكشف عن الحقيقة فحسب بل في تفكيك الخزعبلات والدعاوى الباطلة التي تتخفى خلف أقنعة العقلانية الزائفة. فالعقل النقدي المتشبث بالتشكيك المنهجي وفحص الأدلة والنظر في البدائل هو العقل الذي ينتج الاختلاف لكنه ينتجه في إطارٍ من المسؤولية أي لا يترك الأمور للانفلات الفوضوي بل يُخضعها لمنطق الحوار الذي يُلزم المتكلمين بتقديم حججهم ومواجهة نقد الآخرين، وهذا هو الأفق الأخير للعقلانية التي لا تريد أن تُصبح أيديولوجيةً جديدةً بل تريد أن تظل حركةً دائمةً من البحث عن معنى لا يكتمل إلا بتعدد آفاقه وامتداداتها.

حتى في مجال العلم الذي يُعد نموذجاً للعقلانية الموضوعية بامتياز نجد هذه الآلية تعمل بقوة، إذ أن العلم لا يتقدم باتفاقٍ تام حول النظريات بل بفعل التنافس بين النماذج والبرامج البحثية المختلفة، كما أشار إلى ذلك توماس كون في مفهومه للثورات العلمية حيث يرى أن العلم يتطور عبر أزماتٍ تفضي إلى تحولاتٍ باراديغماتية لا يمكن اختزالها إلى مجرد تراكم معرفي بل هي قفزاتٌ تفسيرية تعيد بناء الموضوع العلمي برمته، وهذا التحول ليس أقلّه إنتاجاً للاختلاف إذ يولد من رحم كل باراديغمٍ جديدٍ أسئلةً ومشكلاتٍ لم تكن مطروحة من قبل ويُعيد صياغة الأسئلة القديمة في قوالب جديدة بحيث يصبح تاريخ العلم تاريخاً للخلافات العميقة حول طبيعة الظواهر ومناهج دراستها ومعايير التحقق منها. والعالم العقلاني في هذه اللعبة المعرفية لا يُفكر بمفرده خارج سياق الجماعة العلمية التي تُشاركه الأعراف والضوابط لكنه يُفكر أيضاً في مواجهة هذه الجماعة حين يشعر أنها تتحجر في نموذجٍ بالٍ، وهذه المواجهة ليست خروجاً على العقلانية بل هي إحدى تجلياتها الأكثر شجاعة لأنها تؤكد أن العقلانية ليست خضوعاً للسلطة المعرفية القائمة بل هي تمرينٌ دائمٌ على الشك والمراجعة، وهذا التمرين هو بالذات ما يضمن استمرار الاختلاف كقوةٍ محركةٍ للمعرفة لا كعائقٍ أمام انسجامها المزعوم.

وبعد هذا السير في مناحي العقلانية وأغوار الاختلاف نصل إلى ما يمكن اعتباره وقفةً استعراضيةً لا نهائيةً ذلك أن الموضوع بطبيعته يفلت من كل إغلاق معرفي أو حكم قطعي ويفضل أن يترك الباب مشرعاً على احتمالاتٍ لا تُحصى. فالعقلانية ليست في نظرنا تلك الهيئة المطلقة التي تُلغي التعدد باسم النظام ولا هي تلك الفوضى التي تبرر كل قراءة باسم الحرية بل هي تلك الرقعة الممتدة بين النقيضين حيث يُمارس العقل فعله في وسطٍ من التوتر الخلاق ويتقبل الاختلافات ولا يسعى إلى طمسها، لكنه في الوقت ذاته يفرض على أصحابها أن يتكلموا لغةً مشتركةً تقوم على الاحترام المتبادل والإحالة إلى أدلةٍ ومنطقٍ وبراهين. وهذه اللغة المشتركة في جوهرها ليست ضماناً للاتفاق بقدر ما هي ضمانٌ لاستمرار الحوار لأنها تُنشئ فضاءً عمومياً لا تختفي فيه الأصوات المختلفة بل تتصاعد فيه كلما تشابكت الأوتار في سيمفونيةٍ ناقصةٍ لكنها صادقة في تنافرها المعلن كما أن تنافر الأصوات في الموسيقى هو ما يُنتج لحناً غنياً لا تملّه الأذن، كذلك العقل في جدله مع ذاته ومع الآخرين لا يمل ولا يُمل لأنه يبقى متلهفاً إلى اكتشاف الجديد وحريصاً على نقد القديم وواعياً بأن كل تأويلٍ ليس سوى محطةٍ في رحلةٍ لا متناهيةٍ نحو حقيقةٍ تلوح في الأفق دون أن يُمسك بها أحدٌ على نحوٍ نهائي.

إننا إذ ننهي هذا التأمل لا نستطيع أن نُعلن انتصاراً كاملاً لأحد طرفي المعادلة، لا للوحدة التي نحلم بها كملاذٍ من الفوضى ولا للتعدد الذي نعيشه كواقعٍ لا فكاك منه بل نستطيع أن نقول إن العقلانية الأصيلة هي تلك التي تُدرك أن الوحدة الحقيقية لا تُبنى على إلغاء الاختلاف بل على إدارته وأن التعدد الخصب لا يتحقق بالفوضى بل بالانضباط الإجرائي الذي يسمح للاختلافات بالتعبير عن نفسها في إطارٍ تحترم فيه القواعد وتُفحص الحجج وتُقبل النتائج كأحكامٍ قابلةٍ للنقض. وهكذا تكون العقلانية في أسمى معانيها فنا للعيش مع الاختلاف وفنا للتفكير معاً رغم التباين وفنا لإنتاج المعنى من رحم التناقض دون أن تسقط في وهم اليقين المطلق ودون أن تستسلم لليأس النسبوي. وفي هذا الفضاء الوسيط حيث تتلاقح الأضداد وتتناسج في نسيجٍ واحد تُكتب فلسفةٌ جديدةٌ للعقل لا تخلو من الرهبة أمام غموض الوجود لكنها تمتلئ بالأمل في قدرة الإنسان على أن يظل عاقلاً في عالمٍ لا يخلو من الجنون وأن يظل متفقاً في اختلافاته مختلفاً في اتفاقاته متجدداً في ثباته ثابتاً في تجدده، لأن العقل ليس في النهاية إلا تلك النغمة التي تبحث عن تآلفها مع نغماتٍ أخرى عارفةً أنها لن تكتمل إلا بذلك السعي الدائب وبذلك الحوار الذي لا ينقطع بين الذات والعالم، بين النظر والعمل، بين الواحد والمتعدد، بين النظام والفوضى وبين الحلم الوحدوي والواقع المتشظي. فليكن العقل إذاً رحلةً لا وصولاً وسؤالاً لا جواباً واختلافاً لا انسجاماً، لكنه اختلافٌ يظل متشبثاً بالبحث عن أفقٍ للفهم المشترك كما تظل السفينة تبحر في عرض البحر بحثاً عن شاطئٍ بعيد مدركةً أن رحلتها هي ذاتها معناها وأن الأمواج التي تُبدّد اتجاهها هي ذاتها التي تمنحها حركتها وحيويتها ووجودها في هذا الوجود العجيب.

***

د. حمزة مولخنيف

الفيزيائيون يمكنهم بناء نموذج للّحظات الأولى للكون، لكنهم لازالوا يكافحون لتوضيح الزمن ذاته. لأجل فهم هذا اللغز تلجأ سيلفيا دي بيانكي Silvia De Bianchi (1) الى حليف غير متوقع وهو تاريخ الفلسفة. اعتمادا على مفكرين بدءاً من افلاطون وحتى كانط، هي تستكشف ماذا يمكن ان يخبرنا علم الكون عن طبيعة الزمن. تماما كما في نبض الكون، الزمن يبدو كأنه يمضي قدماً مع مرور كل ثانية. في الثقافات الغربية، نحن نتصور الزمن كتدفق ينساب على شكل سهم من الماضي الى المستقبل. من الصعب تصور كوننا بدونه – لكن ما هو الزمن ومن أين يأتي؟ هذه الأسئلة الأساسية تكمن في جوهر مشروع البحث (بروتيوس) الممول من مجلس البحوث الأوربي، بقيادة سيلفيا دي بيانكي التي جمعت الفيزيائيين والفلاسفة والمؤرخين مع بعضهم لإعادة التفكير بطبيعة الزمن عبر هذه التخصصات.

وبينما يُعتقد عموما ان الكون بدأ مع الانفجار الكبير بغ بانغ قبل 13.8 بليون سنة، لكن بعض النظريات وخاصة في الجاذبية الكمومية والكون الكمومي تقترح ان الكون لم تكن له بداية في الزمن. الزمن، كما نعرفه، ربما لم يكن موجودا في البدء. وكما أعلن مرة عالِم الفيزياء البريطاني ستيفن هاوكنك، السؤال عن ماذا جاء "قبل" الانفجار العظيم هو بلا معنى، يشبه السؤال عن ماذا يوجد جنوب القطب الجنوبي". لكن اذا كان الزمن ذاته لم يبدأ بعد، كيف يمكننا التفكير حول "البداية"؟ القول ان الزمن وهم او انه غير موجود لا يمثل الحل الملائم.

مشكلة الزمن

تعتمد الفيزياء الحديثة على ركيزتين هامتين لكنهما غير منسجمتين. الأولى هي نظرية آلبرت اينشتاين في النسبية العامة – أحسن توضيح للجاذبية والكون على النطاق الاوسع، بدءا من المدارات الكوكبية الى تركيب المجرات. "من جهة، نحن لدينا متصل continuum رباعي الأبعاد – الزمكان – منتشر في كل مكان في وصف البناء الهندسي للكون"، كما توضح سيلفيا دي. الزمن وهو ملتف ومنحني بواسطة الكتلة والطاقة، يشكل جزءا من هذا البناء الديناميكي المستمر. بهذا المعنى، الزمن ليس ثابتا او ساكنا، انه يمر بشكل مختلف اعتمادا على أين مكاننا ومدى السرعة التي نتحرك بها.

الركيزة الثانية هي ميكانيكا الكم – النظرية الرائدة في المادة على نطاق أصغر، تحكم العالم الكوانتمي المتفرد للذرات والجسيمات. هنا، تبدو الصورة مختلفة بشكل مذهل: "نحن لا نجد هذا البناء المستمر في فيزياء الكم"، كما تلاحظ سيلفيا. "الزمن مرتبط بمعيار (معامل) خارجي – ساعة". الزمن في ميكانيكا الكم، وبدلا من حياكته في نسيج الكون هو ببساطة يُفترض ان يكون هناك، مثل خلفية ثابتة تتكشف أمامها الأحداث.

"لأكثر من 70 سنة، كانت الفيزياء تحاول انتاج صورة موحدة للظاهرة التي تهم كل من الكون المبكر والعالم المكروسكوبي حسب الفيلسوفة سيلفيا . لكن هذا ثبت صعب للغاية.عندما يحاول الفيزيائيون التوفيق بين النسبية العامة وميكانيكا الكم في نظرية موحدة للجاذبية الكمومية، تتصادم جذريا تصوراتهم المختلفة للزمن.

في بعض الاتجاهات، يُقترح ان ما نمارسه كزمان ومكان سوف لن يكون مكونات أساسية للواقع، وانما هو شيء ناشيء(تصوّر للإنسان): زمكان يبرز من أنماط علائقية في أعمق مستوى، أشبه كثيرا بدرجة الحرارة الناتجة عن الحركة الجماعية للجزيئات .

مع ذلك، وكما تشير سيلفيا، هذه الفرضية تأتي معها صعوبة مفاهيمية: انها تتضمن تحولا في الزمن – حتى عندما يُقصد بالزمن كناشيء. لمعالجة هذا، لجأ مشروع بروتيوس ليس فقط الى الفيزياء وانما أيضا الى التاريخ الطويل للفلسفة.

 بروتيوس المتغير الشكل

فكرة ان الزمن  برز من واقع عميق أساسي جدا ليست جديدة أبدا. " انها نوقشت في تاريخ الفلسفة في حوار تيمايوس لإفلاطون، حيث تشير سيلفيا الى حوار الفيلسوف اليوناني افلاطون حول تكوين الكون. "عندما ننظر رجوعا، سنرى ان الأجوبة على المشكلة الكونية كانت مختلفة، لكن السؤال الذي طرحه افلاطون كان مشابه جدا من الناحية البنيوية ".

هذه الملاحظة هي التي حفزت على استخدام بروتيوس كأسم للمشروع: بروتيوس، إله البحر اليوناني عُرف بقدرته على الإفلات من القبض عليه عن طريق تغيير شكله باستمرار. كما في بروتيوس الأسطوري، تكررت مشكلة الزمن عبر التاريخ بأشكال مختلفة، الامر الذي يعكس توترا مستمرا بين النظر الى الزمن كأساسي ام ناشيء.

"انه توتر بين فلاسفة مثل افلاطون، الذي اعتقد ان الزمن كان قد تولّد وليس أساسيا، وفيلسوف مثل كانط، الذي اعتقد اننا يجب ان نعتبر الزمن كشكل خالص من الحدس"، توضح ذلك سيلفيا. "الزمن يُفترض مسبقا دائما في وصفنا وتجسيدنا له – كشرط للتفكير الإنساني والتجربة".

إحياء فكرة قديمة

لكن كيف يمكن لمفاهيم الماضي ان تساعد في فك الالغاز الكونية الحالية؟

فريق بروتيوس وجد دليلا حاسما في حوارات افلاطون – التي جرى تجاهلها لقرون: "افلاطون كانت لديه رؤية معقدة جدا لما يسمى اللازمني atemporality، حسبما تقول سيلفيا "هو استدل بانه حتى لو سيطر الزمني على العالم المادي، هذه الحقيقة لا تستبعد بالضرورة ان يكون نقيضها قد اتخذ اشكالا مختلفة. نظرا لتأثير ارسطو، نحن عادة نخلط بين الطابع الزمني والابدي .

لكن افلاطون افترض أفكارا مختلفة للازمني: "الان" والفوري . "بالنسبة لافلاطون، ان الحاضر المطلق ليس بُعدا للزمن، الحاضر هو خارج الزمن".

نفس الشيء يصح بالنسبة للفوري instant. مايبدو مخالفا للحدس هو في الحقيقة خطوة نظرية قوية: انه يسمح لنا للتفكير في التحولات التي ليس لها مدة، مثل التحول المفاجئ بين الحالات المتضادة. "من خلال هذا التعريف للازمني، يمكننا حل الالغاز المرتبطة بالزمن"، حسب سيلفيا.

هذا ثبت مفيدا في سيناريوهات افترضتها الجاذبية الكمومية مثل نظريات ما قبل الهندسة geometrogenesis، التي تقترح ان الزمكان  نشأ كتحول مرحلي من الطور اللاهندسي الى الهندسي. "هل بالإمكان ان نجد تحولا يمكن فهمه مفاهيميا او رياضيا بمعزل عن الزمن؟ نعم نحن وجدناه، لكن شيئا آخرا يضفي عليه معنى ماديا " تقول سيليفيا.

التحقيق في مشروع البحث أيضا بيّن انه عبر ربط اللازمنية بالفكرة الحديثة للزمن التخيلي imaginary time حتى في سياقات علائقية سيتم الحصول على نتائج هامة: اللازمنية يمكن تطبيقها على الثقوب السوداء بدون ان يقود الى طريق رياضي مسدود او التفرّد الذي تنبأت به النسبية العامة.

ثلاث موضوعات في غرفة واحدة

مع فلاسفة العلوم ومؤرخو الفلسفة والفيزيائيين النظريين الذين يعملون جنبا الى جنب، كان فريق بروتيوس بحد ذاته تجربة. انه مشروع متعدد الاختصاصات في التطبيق الواقعي. "انا أضع مؤرخو الفلسفة في الواقع في نفس الغرقة كما هم الفيزيائيين، لذا هم اُجبروا للتفكير بطريقة مختلفة".

بروتيوس يبيّن ان الأدوات المفاهيمية للفلسفة تبقى ملائمة للفيزياء المتطورة وعلم الكون. سيليفيا تقترح ان هذا التبادل المثمر يعود جزئيا الى الوضع الحالي لبناء النظريات في الجاذبية الكمومية. "لو كان ذلك في فترة زمنية مختلفة، ربما لم ينجح مشروع مثل برتيوس".

بناء إرث رقمي

فريق من الباحثات النساء بالكامل لعب دورا رئيسيا في ترجمة هذه الأفكار الى مخرجات ملموسة. اعتمادا على اكثر من 100 عمل، هن طورن محرك بحث مدعوم بالذكاء الصناعي قادر على تحليل نصوص فلسفية في كل من اللغات القديمة والحديثة. هن أيضا خلقن تيماوس وميراثه، أرشيف رقمي لما يقرب من 500 مصدرا من العصور القديمة الى القرن العشرين – ذلك المصدر تأثر بعمل افلاطون حول الزمن والكون.

"عندما يحتاج احد ما لعمل بحث حول تأثير حوار تيماوس لإفلاطون على الثقافة الغربية يمكنه الاعتماد على هذه الوسيلة" حسب سيليفيا.

***

حاتم حميد محسن

...........................

* المصدر: مجلس البحوث الأوربي European Research Council(erc)،2 July , 2026

(1) سيلفا دي هي أستاذ مشارك في المنطق وفلسفة العلوم في جامعة ميلان وحاليا تقود مشروع كوزموس (2021-2026)،تعمل في نقطة الالتقاء بين أسس الفيزياء والفلسفة وعلم الكون.

 

صناعة الأبطال المزيفين في نظام التفاهة.. المرتكزات الوجودية للوعي البشري من السكون إلى الفاعلية

تتبدى رحلة المثقف الوجودية كعملية انتقال معقدة وعميقة، تتحرك من نمط وجودي يتسم بالجمود والتبعية الكامنة، إلى نمط آخر محكوم بالحرية الكاملة والمواجهة الجذرية مع الذات والواقع. في هذا الإطار، تقدم الفلسفة الوجودية تمييزاً ثنائياً حاسماً بين مستويين من الكينونة:

"الوجود في ذاته" و"الوجود لذاته". يمثل الوجود في ذاته كينونة الأشياء والموجودات المادية غير الواعية؛ وهو وجود مكتفٍ بذاته، مصمت، ثابت، وسكوني لا يملك القدرة على تغيير طبيعته أو التجاوز نحو المستقبل، مثل الحجر أو الشجرة. في المقابل، يتجسد الوجود لذاته في وعي الإنسان بوصفه كائناً قادراً على ممارسة النفي والرفض، والقدرة على قول "لا" في وجه المألوف والسائد. هذا الوعي يختبره البشر كفجوة أو تصدع مستمر في صلب الكينونة، مما يجعله تعبيراً عن العدم الخلاق الذي يسمح بإعادة تقييم الماضي وإسقاط الذات نحو آفاق المستقبل عبر ممارسة الحرية المطلقة. إن الوعي البشري، من هذا المنظور، ليس جوهراً ثابتاً أو قالباً جامداً، بل هو دائماً وعي متوجه نحو شيء ما، ولا يمكنه أبداً أن يتطابق مع ذاته تطابقاً تاماً إلا إذا فقد خاصية التجدد والتجاوز.

تتأسس هذه الثنائية في علم الكينونة على مرجعيات فكرية واضحة؛ إذ تجد جذورها الفكرية الأولى في مبدأ الوعي الذاتي الديكارتي، حيث ينطلق الوعي من إثبات الذات المفكرة كشرط أساسي للوجود. ومع ذلك، فإن الفلسفة الوجودية المعاصرة تتجاوز هذا الطرح الكلاسيكي عبر تقديم وعي سابق على التأمل؛ وعي لا يستبطن فيه الفكر ذاته كموضوع معزول في برج عاجي، بل يشتغل مباشرة على العالم الخارجي ويتفاعل مع معطياته اليومية. ويمكن مقارنة هذا الانقسام بالثنائية الشهيرة بين عالم الجوهر الممتد وعالم الجوهر المفكر، حيث يتضح أن الفلاسفة الوجوديين قد عاشوا هذه الثنائية في سياق عملي وسلوكي في فترات الأزمات الكبرى والاحتلال، حيث تحول الشك المنهجي من ترف فكري إلى انخراط مباشر في المقاومة الوطنية والفعل الثوري. وبذلك، تصبح الحرية مرادفة للوجود الإنساني نفسه؛ فالإنسان محكوم بالحرية، ولا يمكنه الفكاك منها دون السقوط في مأزق "سوء النية"، وهو الهروب الواعي من استحقاقات الاختيار والمسؤولية الإنسانية عن مصير العالم. وفي غياب أي مرجعية خارجية تمنح العالم معنى جاهزاً ومسبق الصنع، يغدو القلق واليأس الوجودي علامتين أساسيتين تكشفان عن حقيقة الكينونة وتضعان الحرية في مواجهة مباشرة مع ذاتها ومسؤولياتها التاريخية.

هشاشة الوجود والاغتراب في العصر الحديث

تقترن هذه الرحلة الوجودية بتشخيص دقيق لـ "هشاشة الوجود" الإنساني والاغتراب كشرطين ملازمين للوعي الحديث والمعاصر. إن الوجود البشري يبدأ تاريخياً من تجربة "القذف" في زمن محدد وسياق موضوعي لم يترقبه الإنسان، يدرك فيه المرء تناهيه وموته الحتمي الكامن في أفق المستقبل. ومن هنا، فإن الانشغال بتفاهات الحياة اليومية والذوبان في الحشود يمثل وجوداً زائفاً، وسقوطاً يهرب فيه الإنسان من فرديته الأصيلة وفرصته في صناعة معناه الخاص. الوجود إذن ليس حالة ساكنة، بل هو كينونة متواصلة وصيرورة دائبة تبدع نفسها عبر الحرية والاختيار المستمر. وتنبع التجربة الوجودية الحقيقية من إحساس مرهف بمدى سيولة وهشاشة الكينونة الإنسانية وسرعة عطبها أمام عواصف التاريخ وتغول الهياكل الاندماجية القسرية التي تسعى لتنميط الوعي البشري وإلغاء خصوصية الوعي النقدي.

هذا الاغتراب يتضاعف عندما يجد المثقف نفسه محاصراً بآليات اجتماعية وسياسية تعمل على تجريف المعنى. فالإنسان المغترب هو الذي ينفصل عن نتاج عمله وعن فكره، ليصبح ترساً في آلة ضخمة لا ترحم. والمثقف، بوصفه حامل مشعل الوعي لذاته، يختبر هذا الاغتراب بشكل مضاعف؛ فهو غريب في مجتمعه الذي يرفض الاستيقاظ، وغريب لدى السلطة التي ترى في وعيه التجاوزي خطراً يهدد استقرارها السكوني المبني على التدجين. من هنا، يصبح الاغتراب ليس مجرد حالة نفسية فردية، بل بنية اجتماعية وسياسية شاملة تُحكم قبضتها على الفضاء العام، وتدفع بالوعي النقدي نحو حافة الانتحار المعرفي أو الانكفاء العقيم.

تغول نظام التفاهة وتواطؤ النخبة

إن هذا الاغتراب المعاصر لا يحدث في فراغ، بل يأتي استجابةً وتماهياً مع سياق بنيوي أشمل يمكن تسميته بـ "نظام التفاهة". في هذا النظام، يتم تنحية الكفاءات الحقيقية والمواقف الفكرية الراديكالية لصالح الابتذال، والمساومة، والسطحية المقننة. يغدو التافهون والمبتذلون هم قادة الرأي العام وصنّاع التوجهات الجماعية، ويتحول الفضاء الثقافي والسياسي إلى سوق مفتوحة للمزايدات، وتوزيع الغنائم، والشعارات الجوفاء التي لا رصيد لها في الواقع المعرفي. وبدلاً من أن يقف المثقف سداً منيعاً في وجه هذا التغول، نجد قطاعاً واسعاً من النخبة يسقط إرادياً في فخ هذه المنظومة من خلال تقديم تنازلات معرفية وقيمية مستمرة، مبررين ذلك بالواقعية السياسية أو بضرورة البقاء وصيانة المكتسبات الذاتية والوجاهة الاجتماعية.

هذا التواطؤ النخبوي هو أقصى درجات تجلي مأزق "سوء النية"؛ حيث يتخلى المثقف عن وظيفته التاريخية والرسالية كمنارة لإنتاج الوعي النقدي وتفكيك البنى السلطوية، ليتحول إلى أداة تبريرية ترش السكر المعرفي فوق جثة الحقيقة. إنه يشارك بنشاط، عبر صمته أو تبريره، في إعادة إنتاج آليات "الاستحمار" المعرفي؛ ونعني بالاستحمار هنا ذلك التزييف الممنهج لوعي الإنسان وتوجيه طاقاته نحو معارك وهمية وجانبية، لإقصائه وإبعاده تماماً عن معركته الأساسية من أجل الحرية، والكرامة، والعدالة الاجتماعية. في هذا المناخ الفاسد، يصبح وجود الوعي الحقيقي خطراً تدميرياً، وتتحول التفاهة إلى معيار أوحد للترقي والقبول داخل النسق المؤسساتي والسلطوي.

سيكولوجية الاستحمار وصناعة الأبطال المزيفين

ترتيباً على ما تقدم، ترتبط هشاشة الوجود وتغول التفاهة بظاهرة نفسية واجتماعية بالغة الخطورة، وهي ظاهرة "صناعة الأبطال المزيفين" بوصفها آلية تعويضية نفسية يلجأ إليها المجتمع، وتتورط فيها الشرائح المثقفة المستلبة، لمواجهة القمع، وبطش السلطة، وغياب البيئة الحرة للفعل الفكري. عندما تصاب الجماهير بالشلل البنيوي والعجز الهيكلي عن إحداث تغيير حقيقي في واقعها المأزوم، يولد لديها نزوع جماعي لا واعٍ نحو ابتكار "مخلص" أو "صنم بطولي" يرفع عنها عبء المسؤولية التاريخية واستحقاقات المواجهة. إن هذا السلوك يعكس تجلياً صارخاً لسيكولوجية الهروب من الحرية؛ حيث يتم إسقاط صفات البطولة والقدرة المطلقة على أفراد عاديين، بل وتائهين في كثير من الأحيان.

أزمة المثقف: بين الانخراط الرسالي والتهميش التاريخي

تبرز أزمة المثقف في هذا السياق المعقد كشخصية إشكالية وتراجيدية تتأرجح بين الفعل الفارق والتهميش القسري في النسيج الاجتماعي والسياسي. ففي لحظات الاندفاع الأولى والنهوض الوطني، يظهر المثقف كقائد ومحرض فكري يصنع الوعي ويوجه بوصلة الجماهير نحو التحرر الفعلي والانعتاق من ربقة الاستبداد. غير أنه سرعان ما يتم استبعاده وتحويله إلى كائن هامشي في اللحظات اللاحقة لانتصار الحركة أو هدوء العاصفة؛ حيث يستثمر المتزعمون النفعيون والوجهاء التقليديون تحريضه ونضاله الفكري، ليرتقوا على أكتافه التنويرية نحو كراسي السلطة ومراكز النفوذ، دون الالتفات إليه أو مراجعة أفكاره وبناء الدولة على أسس فكرية متينة.

هذا التهميش التاريخي المتكرر يدفع ببعض المثقفين إلى الانكفاء النفسي والانسحاب نحو السلبية المطلقة، والعيش في ظل واقع خانق ومغبر يشبه حالة الاختناق بالغبار الكثيف التي يعيشها البطل المغترب الذي تضعف صلته بالواقع المعاش قبل أن يقرر مغادرة وطنه مادياً أو روحياً. ويتحول المثقف هنا، بفعل الخيبة والخذلان، من عنصر محرك للتاريخ ومجسد حي للوجود لذاته إلى كائن مستسلم يبرر عجزه بالهروب والإنكار العقيم، متبنياً مواقف العدمية السلبية التي لا تنتج أثراً، ومساهماً من حيث لا يدري في تكريس بنية الاستحمار التي ثار ضدها في البداية. إن هذا الانكفاء ليس سوى سقوط جديد في نمط "الوجود في ذاته"، حيث يفقد المثقف قدرته على النفي، ويصبح مجرد صدى للواقع بدلاً من أن يكون صانعاً لمساراته.

أفق الخلاص

إن الخروج من مأزق تغول التفاهة وتفكيك مصنع الأبطال المزيفين يتطلب من المثقف قفزة وجودية راديكالية تعيده إلى مربع "الوجود لذاته" الفاعل والملتزم. الخلاص لا يكمن في الانسحاب أو البكاء على الأطلال المعرفية، بل في تبني "المواجهة" كخيار أنطولوجي وأخلاقي غير قابل للمساومة. يجب على المثقف أن يمارس النقد المزدوج:

نقد السلطة المتغولة التي تنتج التفاهة وتشرعنها، ونقد الجماهير المستسلمة لاستلابها والتي تصنع جلاديها وأبطالها الورقيين بملء إرادتها وعاطفتها العمياء.

إن الالتزام في الفضاء الوجودي يعني اعتراف المثقف بحريته المطلقة ومسؤوليته الكاملة عن أفكاره ومجتمعه، ورفضه القاطع لـ "سوء النية" الذي يزين له الصمت أو التبرير أو الانخراط في قطيع التافهين. إن تحطيم الأصنام المزيفة يبدأ من تعرية آليات الاستحمار، والكشف عن الزيف البنيوي الذي يغلف المشهد الثقافي والسياسي، وإعادة الاعتبار للمشروع التنويري الأصيل القائم على العقلانية، والكرامة الإنسانية، والحرية المسؤولة. عندها فقط، يمكن للمثقف أن يستعيد دوره كفاعل تاريخي ومحرك للكينونة الاجتماعية، محولاً الوعي من كينونة منكفئة على ذاتها إلى طاقة تجاوزية تبني واقعها وتصنع مستقبلها بكامل الحرية والأصالة.

***

غالب المسعودي

تجربة التزام وجودي وفعل حضاري مقاوم

مقدمة: في عصر الرداءة، حيث يسود السطحي والمبتذل والمصطنع، تصبح الكتابة الفلسفية ليست مجرد نشاط فكري أو مهنة أكاديمية، بل تتحول إلى تجربة وجودية عميقة تتطلب التزاماً كاملاً بالذات والعالم معاً. الرداءة هنا ليست مجرد انحطاط أخلاقي أو ثقافي عابر، بل هي حالة حضارية شاملة تتميز بسيطرة الاستهلاك على المعنى، وتحول اللغة إلى أداة دعاية، وتفريغ الفكر من قدرته على النقد والتجاوز. في هذا السياق، يصبح الكاتب الفيلسوف شاهداً ومقاوماً في آن واحد؛ إنه يختار أن يوجد من خلال الكتابة، ويحول هذا الوجود إلى فعل مقاوم يسعى إلى إعادة بناء الحضارة من داخل أنقاضها.

هذه الدراسة تتناول الكتابة الفلسفية كتجربة التزام وجودي، أي كاختيار حر يعيد تشكيل الذات في مواجهة العبث، وكفعل حضاري مقاوم يرفض الاستسلام للانهيار ويزرع بذور المستقبل. سنستكشف أبعاد هذه التجربة تفصيلاً، من خلال تحليل طبيعة زمن الرداءة، ثم جوهر الالتزام الوجودي، وأخيراً وظيفتها الحضارية المقاومة. فماهي مقومات الكتابة الفلسفية؟ هل هي التزام وجودي ام فعل حضاري مقاوم؟

طبيعة زمن الرداءة: السياق الحضاري للكتابة

الرداءة ليست مجرد نقص في الجودة، بل هي نظام كامل يعيد تشكيل الوعي الإنساني. في هذا الزمن، يصبح الإعلام والترفيه والتكنولوجيا أدوات لتصنيع الرأي العام، حيث يُفضل السريع والمبسط على العميق والمعقد. تتحول المعارف إلى محتوى استهلاكي يُقاس بمقاييس الانتشار والإعجاب، لا بقيمتها الحقيقية. اللغة نفسها تُفرغ من دلالاتها: الكلمات الكبيرة مثل الحرية والعدالة والحقيقة تُستخدم في الدعاية السياسية والتسويقية حتى تصبح فارغة. في هذا المناخ، يعاني الفكر الفلسفي من عزلة مزدوجة: عزلة عن الجمهور الذي أدمن السطحية، وعزلة داخل المؤسسات التي تحولت إلى مصانع للشهادات والأبحاث الروتينية. الكاتب الفيلسوف يواجه إغراء الانسحاب إلى برج عاجي أو الاستسلام للكتابة التوافقية التي تُرضي الجميع دون أن تؤذي أحداً. لكنه إذا اختار الطريق الأول أو الثاني، فإنه يفقد جوهره: قدرته على أن يكون صوتاً للإنسان في مواجهة آليات الرداءة.

هنا تكمن خطورة الرداءة: إنها لا تقتل الفكر مباشرة، بل تجعله غير مرغوب فيه، غير مرئي، غير قادر على الانتشار. تصبح الكتابة الفلسفية الحقيقية، إذن، عملاً شاقاً يتطلب مقاومة يومية للإغراءات: إغراء التبسيط، إغراء الشهرة السريعة، إغراء اللغة الجاهزة.

الكتابة الفلسفية كتجربة التزام وجودي

الالتزام الوجودي في الكتابة يعني أن الكاتب لا يكتب "عن" الفلسفة فحسب، بل يكتب "من" وجوده كله. إنه يختار أن يوجد ككاتب في مواجهة اللامعنى الذي تفرضه الرداءة. هذا الاختيار ليس قراراً نظرياً، بل هو مخاطرة يومية: مخاطرة التعرض للنقد، للعزلة، للفشل في الوصول إلى الآخرين.

في هذا الالتزام، يصبح الكاتب مسؤولاً عن كلماته كما لو كانت أفعالاً. كل جملة تُكتب هي إعلان عن رفض اللامبالاة. إنها تجربة تتجاوز الذات الفردية لتصل إلى الإنسانية جمعاء. الكاتب الفيلسوف في زمن الرداءة يدرك أن وجوده ليس معطىً، بل مشروعاً يُبنى بالكتابة. هو يواجه القلق الوجودي الناتج عن إدراك هشاشة المعنى، فيحوله إلى طاقة إبداعية. الكتابة هنا ليست تعبيراً عن أفكار جاهزة، بل هي عملية اكتشاف مستمر: اكتشاف الذات من خلال مواجهة العالم، واكتشاف إمكانيات العالم من خلال نقد الذات.

هذا الالتزام يتطلب صفات معينة: الصدق الراديكالي الذي يرفض التزييف، والشجاعة التي تواجه السخرية، والصبر الذي يقاوم الضغط اليومي للإنتاج السريع. الكاتب يعيش حالة توتر دائم بين الحاجة إلى الوضوح والاعتراف بتعقيد الواقع، بين الرغبة في التأثير والرفض للتبسيط. هذا التوتر هو مصدر إبداعه الحقيقي. إنه لا يكتب ليُرضي، بل ليوقظ. لا يكتب ليُكمل، بل ليخلق فجوة في جدار الرداءة.

الكتابة الفلسفية كفعل حضاري مقاوم

تتجاوز الكتابة الفلسفية الحدود الفردية لتصبح فعلاً حضارياً. في زمن يسعى فيه النظام الثقافي إلى تسطيح الوعي وتوحيد الأذواق، تصبح الكتابة مقاومة لأنها تعيد إحياء القدرة على التفكير النقدي والتخيل البديل. هي فعل مقاوم لأنها ترفض الاستسلام لـ"نهاية التاريخ" أو "نهاية الفكر"، وتؤكد على إمكانية التجاوز.

المقاومة هنا ليست مواجهة مباشرة بالعنف، بل هي مقاومة بالمعنى واللغة والرؤية. الكاتب الفيلسوف يبني عالماً موازياً داخل النص: عالماً يحتفظ فيه بالدقة والعمق والجمال الذي فقدته الحضارة. من خلال تحليل آليات الرداءة – الاستهلاك، التكنولوجيا كأيديولوجيا، فقدان الذاكرة التاريخية – يفتح الكاتب أبواباً لفهم مختلف. هو يذكر القارئ بأن الإنسان ليس مستهلكاً فقط، بل كائناً مفكراً وقادراً على الحرية.

هذا الفعل الحضاري يمتد عبر الزمن. الكتابة الفلسفية في زمن الرداءة هي زرع بذور لمستقبل قد لا يراه الكاتب. إنها تحافظ على سلسلة الحوار الحضاري الذي يمتد من القدماء إلى المعاصرين، وتضيف إليه صوتاً جديداً يناسب أزمة العصر. بهذا المعنى، هي مقاومة للنسيان: نسيان القيم الكبرى، نسيان قدرة اللغة على التحرير، نسيان إمكانية بناء حضارة أفضل.

المقاومة تظهر أيضاً في أسلوب الكتابة نفسه. اللغة الفلسفية الحقيقية ترفض الجاهز والمكرر؛ هي تبحث عن الدقة والإيحاء والإيقاع الذي ينقل الخبرة الوجودية. بهذا، تُعيد الكتابة تشكيل الوعي القارئ، وتجعله شريكاً في عملية المقاومة. كل قراءة جادة تصبح فعلاً مشتركاً في مواجهة الرداءة.

خاتمة:

في زمن الرداءة، الكتابة الفلسفية ليست رفاهية، بل ضرورة وجودية وحضارية. إنها تجربة التزام كامل بالحقيقة في مواجهة الكذب المنظم، وبـالمعنى في مواجهة العبث، وبالإنسان في مواجهة الآلة. من خلال هذا الالتزام، يتحول الكاتب إلى مقاوم حضاري يرفض أن تكون رداءة عصره قدراً محتوماً. يواجه الكاتب في هذا الطريق تحديات كبيرة: الوحدة، عدم التقدير، الضغط الاقتصادي، إغراء التحول إلى "مفكر عام" يقول ما يريده الجمهور. لكن هذه التحديات هي جزء من التجربة الوجودية. الالتزام الحقيقي ينمو في مواجهتها، لا في غيابها. الآفاق تبقى مفتوحة. كل نص فلسفي جديد هو انتصار صغير على الرداءة. مع مرور الوقت، تتراكم هذه النصوص لتشكل تياراً مضاداً قادراً على إعادة تشكيل الحساسية الحضارية. الكتابة الفلسفية بهذا المعنى ليست نخبوية منعزلة، بل هي دعوة مستمرة للإنسانية لاستعادة كرامتها الفكرية. هذا الفعل يتطلب تواضعاً عميقاً وشجاعة كبيرة: تواضع الاعتراف بحدود المعرفة، وشجاعة الاستمرار رغم ذلك. في النهاية، ليست الكتابة الفلسفية مجرد إنتاج نصوص، بل هي طريقة للوجود في العالم بطريقة أصيلة، وطريقة لإنقاذ الحضارة من داخلها. كل جملة تُكتب بهذا الروح هي خطوة نحو فجر جديد، حتى لو كان الفجر بعيداً. هكذا تظل الكتابة الفلسفية، في أحلك لحظات الرداءة، نوراً مقاوماً وشهادة حية على قدرة الإنسان على تجاوز نفسه. فكيف تتشكل فلسفة المقاومة بالكتابة؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

قراءة في مفهوم الإمكان وأبعاده المعرفية

يظلُّ سؤال الإمكان من أكثر الأسئلة إلحاحاً على جدار الوعي الفلسفي، ذلك السؤال الذي يتعلق بكيفية كون الشيء ممكناً قبل تحققه وبسرّ الفجوة الغامضة التي تتوسط بين العدم والوجود وبين ما لم يزل في حيز التصور وما أصبح واقعاً ملموساً. فالإمكان ليس مفهوماً منطقياً جامداً يُستخدم في تصنيف القضايا وترتيب الأحكام فحسب بل هو بؤرة الوجود ذاتها التي تنبثق منها الأسئلة المؤسسة للمعرفة والوجود معاً، وهو الينبوع الذي تفجرت منه فلسفات الوجود برمتها بدءاً من أرسطو الذي جعله مادةً للصورة وغايةً للفعل وصولاً إلى هايدغر الذي أعاد طرح مسألة الوجود بوصفه إمكاناً محضاً ثم إلى سارتر الذي جعل الإنسان ذلك الكائن الذي وجوده يسبق ماهيته، أي ذلك الموجود الذي يتعين كإمكان صرف قبل أن يتحقق بأي شكل من الأشكال.

وإذا أمعنا النظر في طبائع الأشياء أدركنا أن كل ما في الكون يحمل في طياته بذرة الإمكان قبل أن ينبثق إلى عالم التحقق. فالبذرة تحمل في جوهرها إمكان الشجرة والنطفة تحمل إمكان الإنسان والكلمة تحمل إمكان المعنى والفكرة تحمل إمكان العالم بأسره. والإمكان إذن ليس صفة عارضة تلحق بالأشياء من خارجها بل هو نسيجها الداخلي وسر تحولها وتغيرها وتجددها وهو في الآن ذاته ما يمنح الوجود غنى وامتلاء لأنه لو كان كل ما هو موجود قد تحقق مرة واحدة وإلى الأبد لما كان للزمن معنى ولما كانت للتاريخ قيمة ولما كان للتغيير أو التجدد أو الاختلاف أي أثر يذكر. وما الوجود إلا صيرورة من الإمكان إلى الفعل وما الحياة إلا رحلة شائكة بين ما يمكن أن يكون وما هو كائن بالفعل وبين ما نرجوه ونأمله وما نعيشه ونلمسه.

لقد أدرك أرسطو هذه الحقيقة العميقة حين جعل الإمكان والتحقق ثنائية محورية في فلسفته بل جعل منها مفتاحاً لفهم الحركة والطبيعة والتغير برمتها. فالإمكان عنده ليس مجرد حالة ذهنية أو فرضاً منطقياً بل هو واقع موضوعي في الأشياء، هو المادة التي تحمل في طياتها استعداداً للصورة والعدم الذي ينطوي على بذور الوجود. ولذلك كان تعبيره عن الإمكان بالقوة، ذلك المفهوم العبقري الذي يحل إشكالية التغير من دون الوقوع في مطب العدم المحض أو الوجود الجامد. فالشيء في حال القوة هو وغير هو في آن، هو من حيث إنه يحمل إمكان ما سيصير إليه وغير هو من حيث إنه لم يتحقق بعد. وفي هذه المنطقة الحدودية بين النفي والإثبات، بين العدم والوجود، يضطلع الإمكان بدوره التأسيسي في بناء الوجود برمته.

غير أن إشكالية الإمكان لا تنحصر في أفق الوجود الطبيعي أو الميتافيزيقي فحسب بل تمتد لتطال أبعاداً معرفية وأنطولوجية أعمق تتصل بطبيعة العقل نفسه وبإمكاناته المعرفية. فما العقل البشري في جوهره إلا إمكان محض للفهم والمعرفة وما المعرفة إلا تحقيق لذلك الإمكان عبر مسالك متعددة من الحس والعقل والحدس والتجربة. ونحن حين نتساءل عن إمكان المعرفة أو عن حدود العقل أو عن شروط الفهم المسبقة، فإننا إنما نعيد طرح سؤال الإمكان على المستوى المعرفي ونبحث عن الحدود التي تفصل بين الممكن والمستحيل في عالم الأفكار والمعاني. ويبرز هنا دور الفلاسفة الناقدين وعلى رأسهم كانط الذي أعاد صياغة مسألة الإمكان برمتها من خلال نقده للعقل الخالص، حيث جعل من شروط المعرفة المسبقة إطاراً إمكانياً يحدد ما يمكن أن يعرف وما لا يمكن وأقام تمييزاً حاسماً بين الوجود بوصفه مقولة من مقولات الفهم والوجود بوصفه موضوعاً للحدس والتجربة.

وإذا كانت المعرفة الإنسانية مرهونة بشروط الإمكان التي يرسمها العقل نفسه، فإن الإمكان يصبح بذلك إشكالية تتقاطع فيها الأنطولوجيا مع الإبستمولوجيا وتتداخل فيها مسألة الوجود مع مسألة المعرفة في نسيج واحد لا ينفصم. فنحن لا نعرف الشيء إلا من خلال إمكان معرفته ولا نتصور وجوده إلا ضمن حدود ما يمكن أن يتصور ويفهم، ويعود سؤال الإمكان ليطاردنا من جديد، ليس في الأشياء وحدها بل في علاقتنا بها وفي حدود أدواتنا المعرفية التي نتوسل بها لفهمها. ولعل أعظم ما خلفته الفلسفة الحديثة في هذا المضمار هو ذلك التحول الجذري الذي أوجده هايدغر بطرحه للسؤال الأكثر أصالة وهو لماذا يوجد الكائن بدلاً من أن لا يوجد؟ وهذا السؤال في عمقه الوجودي إنما يعيد صوغ مسألة الإمكان والتحقق في أفق أوسع وأكثر جرأة حيث يصبح الإمكان هو البعد الأنطولوجي الأصيل للوجود نفسه والتحقق مجرد ظهور عارض لذلك الإمكان المتدفق الذي لا ينضب.

إن الوجود هايدغريا ليس حالة جامدة أو واقعة مكتملة بل هو إمكان متجذر في الزمان، زمانية تنفتح على المستقبل من خلال مشروعية الكائن الإنساني الذي يفهم وجوده من حيث هو إمكان للوجود وليس وجوداً محققاً. والإنسان عند هايدغر هو الكائن الوحيد الذي وجوده هو سؤال عن وجوده أي كائن يتعين وجوده من خلال إمكاناته الخاصة وليس من خلال ماهية محددة سلفاً أو جوهر ثابت. ويلتقي هايدغر هنا مع سارتر في اعتبار الإنسان ذلك الموجود الذي يخلق جوهره من خلال وجوده، لكن هايدغر يذهب إلى أبعد من ذلك حين يربط الإمكان بالأصالة واليومية والموت والفناء فلا يكون الإمكان مجرد إطار نظري أو منطقي بل يصير هما وجوديا يمس صميم حياة الإنسان ومعناها.

أما في التقليد الفلسفي الإسلامي فقد احتل مفهوم الإمكان موقعاً مركزياً في النقاشات الكلامية والفلسفية، خاصة في سياق إثبات الحدوث والقدم وفي مسألة العلاقة بين الله والعالم وفي تحديد طبيعة المعرفة الإلهية وعلاقتها بالأشياء قبل وجودها. وقد قدم الفارابي وابن سينا تفريقاً دقيقاً بين الإمكان الذاتي والإمكان الوقوعي وجعلا من الإمكان صفة للوجود الممكن الذي يتوسط بين الوجود الواجب والوجود الممتنع، وهو تقسيم يحمل في طياته نظرية متكاملة في الوجود تختلف جذريا عن المقاربات الأرسطية والمحدثة على السواء. فالوجود عند ابن سينا إما واجب أو ممكن أو ممتنع، والممكن هو ما يكون وجوده وعدمه سواء بالنسبة إلى ذاته ولا يترجح أحد طرفيه إلا بفعل علة خارجية تمنحه الوجود وتحققه من حيز الإمكان إلى حيز التحقق. وهذه النظرة تجعل من الإمكان مرتبة وجودية قائمة بذاتها وليس مجرد حالة عقلية أو منطقية بل هي حالة حقيقية للشيء قبل أن يوجد، وهي ما يحتاج إلى موجد يرجح كفة وجوده على كفة عدمه. وتتخذ مسألة الإمكان في هذا السياق أبعاداً إلهية ومعرفية تتجاوز بكثير مجرد التحليل المفهومي إذ تطرح أسئلة متعالية حول علم الله بالأشياء قبل وجودها وحول إرادته لها وحول حكمته في إيجادها وتوقيتها وتقديرها. فإذا كان الشيء ممكناً في ذاته قبل أن يتحقق فما معنى أن يعلم الله به وهو في حيز العدم؟ وكيف تتعلق الإرادة الإلهية بشيء ليس له وجود؟ وهل الإمكان الأزلي للأشياء يحد من قدرة الله أو يشترط عليها؟ هذه الأسئلة التي شغلت بال المتكلمين والفلاسفة المسلمين ردحاً طويلاً من الزمن إنما تعود في نهاية المطاف إلى ذات الإشكالية الأساسية التي نعالجها هنا، إشكالية الإمكان والتحقق في أبعادها الوجودية والمعرفية وعلاقتها بفهمنا للزمان والمكان والسببية والغائية في العالم.

ولعل ما يميز المقاربة الإسلامية للإمكان أنها لم تنحصر في الجانب المنطقي المجرد ولم تقتصر على التقسيمات الصورية للأقضية والقضايا بل اتصلت مباشرة بمسألة الخلق والوجود والإرادة وبمشكلة الشر والخير والقدر والمصير وهي قضايا وجودية آنية لا تزال تلامس الحياة الإنسانية في أدق تفاصيلها. فالإنسان في هذا التصور هو كائن ممكن تحقق بفعل الخالق وهو يحمل في طياته إمكانات لا تحصى للخير والشر والكمال والنقص وهو مسؤول عن تحقيق إمكاناته على نحو أو آخر من خلال اختياراته وأفعاله وتوجهاته الوجودية. ويصير الإمكان مفهوماً خصباً ممتداً يصل بين السماء والأرض، بين الإلهي والبشري، بين الميتافيزيقي والأخلاقي وبين النظري والعملي وهو في كل ذلك يحتفظ بجوهريته الغامضة التي لا تنكشف تماماً، ذلك الغموض الذي يدفع الفكر إلى التجدد والبحث والتنقيب بلا كلل ولا ملل.

غير أن الإمكان يثير إشكالات معرفية بالغة التعقيد حين نتأمله من زاوية العلاقة بين الذهن والعالم، فكيف نعرف أن شيئاً ما ممكن قبل أن يتحقق؟ وأي معنى للإمكان في عالم لا نحيط به علماً؟ وهل الإمكان صفة موضوعية في الأشياء أم هو مجرد إسقاط من إدراكاتنا الناقصة وعقولنا المحدودة؟ هذه الأسئلة قادت الفلاسفة إلى تفريقات دقيقة بين أنواع الإمكان فحدثوا عن الإمكان الذاتي الذي لا يتنافى مع قوانين الهوية والتناقض وعن الإمكان الموضوعي الذي يرتبط بقوانين الطبيعة ونواميسها وعن الإمكان العملي الذي يتعلق بقدرات الفاعل وإمكاناته الذاتية وعن الإمكان المنطقي المحض الذي لا يعرف سوى شرط الامتناع والتناقض. لكن كل هذه التفريقات وإن كانت مفيدة منهجياً تظل عاجزة عن الوفاء بجوهر الإمكان الذي هو في حقيقته سؤال عن الوجود نفسه وليس مجرد سؤال عن الشروط المنطقية أو الفيزيائية للوجود.

وإذا كان الإمكان بهذا العمق الوجودي والمعرفي فإنه لا يلبث أن يكشف عن وجه آخر لا يقل خطراً يتصل بإشكالية الزمن وصيرورة التحقق ذاتها. فالتحقق ليس حدثاً آنياً يطرأ على الإمكان في لحظة ما بل هو عملية وجودية متدرجة تتوسط بين الماضي والمستقبل وتحمل في طياتها بعداً من البعد الزماني الذي لا يمكن إغفاله. فالشيء الممكن يظل معلقاً بين أفقين: أفق الماضي الذي يحمل إمكاناته المحققة سابقاً وأفق المستقبل الذي يحتوي إمكاناته التي لم تتحقق بعد. واللحظة الحاضرة ليست سوى تلك النقطة الرفيعة التي تتلاقى فيها أطراف الإمكان والتحقق في توتر دائم لا ينفصم. ومن هنا كان إصرار فلاسفة الوجود من كيركغور إلى هايدغر إلى سارتر على ربط الإمكان بالزمانية والتحقق بالأصالة والمشروعية. فالإنسان في كل لحظة هو كائن ممكن يحمل في ذاته أكثر مما حققه وهو كائن يتهدده العدم في كل لحظة ليس بمعنى الفناء المحض بل بمعنى أن إمكاناته غير المحققة تظل معلقة في فضاءات الزمان منتظرة الفعل والقرار والالتزام.

وتبرز إشكالية القدرة والإرادة إذ لا يكفي أن يكون الشيء ممكناً في ذاته بل لا بد من فاعل قادر على تحقيقه ولا بد من إرادة راجحة تختار هذا الإمكان على سواه من الإمكانات المتزاحمة. والإرادة الإنسانية في هذا السياق ليست مجرد قوة نفسية تندفع نحو الأشياء بل هي ذلك الأفق الذي تتحدد فيه مقادير الإمكان والتحقق وهي تلك المحك الذي تتباين فيه الوجودات الإنسانية بين راق ومتهافت بين أصيل وساقط. فالإنسان الذي يدرك إمكاناته ويسعى إلى تحقيقها إنما يحقق وجوده بمعناه الأعمق، أما الإنسان الذي يغفل عن إمكاناته أو يتردد في اقتحام آفاقها فهو كائن يتفلت من ذاته وينكمش على حدود حاضره الضيق. وكما قال سارتر في نصوصه الوجودية المكثفة، الإنسان ليس ما هو كائنا بل هو ما هو ليس كائنا وما هو كائن ليس إلا ذلك المشروع المتجه نحو تحقيق إمكاناته في كل آن، وهذه العبارة وإن بدت مفارقة لفظية فهي تكشف عن جوهر الإنساني من حيث هو وجود قائم على الإمكان وقائم بالإمكان، لا يثبت ولا يستقر ولا يكتمل.

وإذ نتأمل البعد المعرفي للإمكان على نحو أعمق وجدناه يطرح إشكالات بالغة التعقيد تتصل بطبيعة المفاهيم والتصورات الذهنية ذاتها. فأي مفهوم نحمله في أذهاننا عن شيء ما، أي معنى نمنحه للأشياء التي ندركها، إنما هو في جوهره إمكان معرفي لم يتحقق بعد بالكامل بل هو مفتوح على احتمالات متعددة التأويل والتفسير. فاللغة ذاتها ذلك النظام العجيب الذي به نفكر ونتواصل ليست إلا نظاماً من الإمكانات المفتوحة، كل كلمة فيها تحمل مدارات دلالية متشعبة وكل تركيب فيها يفتح آفاقاً تأويلية لا تنغلق. وما الفلسفة إلا ذلك الجهد المتواصل لإدراك إمكانات المعنى في اللغة والوجود، وهي سعي حثيث لتحقيق تلك الإمكانات في نصوص ومفاهيم تظل مع ذلك غير مكتملة لأن الإمكان بطبيعته لا يستنفد ولا ينضب. وفي هذا المضمار يأتي دور التأويل المعرفي الذي أرسى دعائمه مفكرون كبار أمثال غادامير وبول ريكور، حيث جعلوا من الفهم مشروعاً لا نهاية له ومن النص حقلاً للإمكانات المفتوحة على التأويلات المتعددة، فالتحقق في عالم المعرفة ليس وصولاً إلى حقيقة نهائية مكتملة بل هو عملية دائمة التجدد، تتواشج فيها الذات بالموضوع ويتداخل فيها الفهم بالانفعال والوجود بالمعرفة. وما نسميه بالحقيقة ليس سوى تحقيق مؤقت لإمكانات الفهم في لحظة تاريخية معينة وما الحقيقة بعد ذلك إلا أفق مفتوح على إمكانات أخرى تنتظر من يحققها ويكشف عنها. ويدور الفكر في فلك الإمكان والتحقق هكذا من دون أن يستقر على قرار نهائي وهذا الدوران نفسه هو ما يمنح الفلسفة حيويتها الدائمة ويجعل منها نشاطاً إنسانياً لا يمل ولا يكل ولا يرضى باليقين السهل ولا بالاستقرار الرتيب.

غير أن أهم ما يطرح في إشكالية الإمكان والتحقق يرتبط بعلاقة ذلك كله بالحرية، تلك الحرية التي تجعل من الإنسان كائناً متعالياً على كل تحديد نهائي وكائناً منفتحاً على كل الإمكانات في آن واحد. فالحرية ليست قدرة على اختيار ما هو ممكن فحسب بل هي القدرة الأعمق على خلق إمكانات جديدة، على ابتكار أفق من الممكنات لم تكن موجودة من قبل في سياق الوجود، على تجاوز المعطى والمفروض نحو المبتكر والمتجدد. وهنا تتجلى عبقرية الإنسان لا في تكرار ما هو ممكن ومتحقق بل في تفتيق إمكانات لم تخطر ببال وفي إبداع عوالم من المعاني والقيم والأفعال لا تندرج تحت أي تصور سابق عن الممكن والمستحيل. ومن ثم كان كل فعل خلاق في التاريخ الإنساني، كل اختراع أو اكتشاف، كل عمل فني عظيم أو بناء فلسفي متين، إنما هو تحقيق لإمكان غير متوقع وكسر لحاجز المستحيل على نحو يذهل العقول ويبهج النفوس.

ولعل من أعمق الأبعاد التي يطرحها الإمكان في سياق الفكر الإنساني ذلك البعد الأخلاقي، ذلك البعد الذي يمس سؤال الخير والشر والمسؤولية والمصير، فالخيارات الأخلاقية في جوهرها ليست إلا تحقيقات لإمكانات متعددة وترجيحاً لبعض الممكنات على بعضها الآخر في ضوء ما نعتقد أنه صواب أو خطأ. وكل فعل أخلاقي هو تحقيق لإمكان كان كامناً في الذات وفي الموقف وفي العلاقات الإنسانية وكل إغفال للفعل الأخلاقي هو إبقاء لتلك الإمكانات في حيز العدم وهو تضييع لفرص التحقق التي قد لا تتكرر. وتأتي خطورة الوجود الإنساني ومعها مسؤوليته الجسيمة عن إمكاناته وعن إمكانات الآخرين وعن إمكانات العالم برمته، فهو كائن مسؤول عن تحويل الإمكان إلى واقع وعن إغناء الوجود بما يحمله من خير وجمال وحق. وكلما اتسعت دائرة الإمكان في عين الإنسان ازدادت مسؤوليته وأصبح وجوده أكثر معنى وأكثر ثراءً وأصبح موقفه من العالم موقف الفاعل المبدع لا المتلقي المنفعل، موقف الصانع لا المصنوع.

ونختم هذا التأمل الفلسفي الممتد في أعماق الإمكان والتحقق بأن نؤكد على أن ما يجعل الإمكان سؤالاً فلسفياً لا ينضب هو أنه سؤال مفتوح بذاته، سؤال لا يحتمل إجابة واحدة ولا يقبل حلا نهائياً، لأن طبيعة الإمكان ذاتها هي طبيعة الانفتاح والاحتمال والتجدد، فلا وجود لإمكان نهائي يستنفد كل الإمكانات، كما لا وجود لتحقق نهائي يغلق كل آفاق الإمكان. وما الوجود برمته في أفق هذه القراءة إلا ذلك النسيج الممتد بين القوة والفعل، بين الاستعداد والتحقيق، بين النقص والكمال وبين الغياب والحضور. وكل وجود يحقق شيئاً من إمكاناته يفتح في الآن ذاته إمكانات جديدة لا تحصى وكل معرفة تكشف عن وجه من وجوه الحقيقة تترك وراءها أسئلة أكثر من التي أجابت وكل فعل خلاق ينشئ عالماً جديداً يفتح الباب أمام عوالم أخرى لم تكن لتوجد لولاه. والإنسان ذلك الكائن العجيب الذي يعيش في لحظة الإمكان والتحقق معاً، هو وحده القادر على تذوق هذه المفارقة الوجودية في أعماقه وهو وحده القادر على أن يحمل هم الإمكان في قلبه وعقله فلا يرضى بما هو كائن ولا يقنع بما قد تحقق بل يظل مشدوداً إلى ذلك الأفق البعيد حيث تنتظره إمكاناته غير المحققة، حيث ينتظره ما لم يصر بعد، حيث ينتظره هو نفسه في صور لم تتبلور وفي أشكال لم تبرز إلى النور. ويظل الوجود الإنساني في جوهره ذلك التوتر الخلاق بين الإمكان والتحقق، ذلك السعي الدؤوب نحو تحقيق ما هو ممكن من دون أن يصل أبداً إلى نقطة الاستقرار والكمال النهائي، لأن الكمال لو تحقق لانتهى الإمكان ولتوقفت الحياة ولجفت ينابيع العطاء والتجدد. إن جمال الوجود وسر قوته إنما يكمنان في عدم اكتماله وفي بقائه مفتوحاً على كل الاحتمالات وفي استمرار سؤال الإمكان يتردد في أرجائه من دون كلل ولا ملل داعياً الإنسان إلى أن يكون وإلى أن يتحقق وإلى أن يظل في آن واحد حاملاً لإمكاناته وحاجزاً لحدودها محققاً لوجود ومفتتحاً لوجود آخر يليه. وفي هذا الأفق الفلسفي المفتوح يبقى السؤال الأزلي قائماً إلى أي حد يمكننا أن نكون؟ وإلى أي مدى نستطيع أن نحقق ما نحمل من إمكانات؟ وإلى أي غد ينتظرنا ذلك الوجود الذي لم نبلغه بعد، لكنه ينادينا من أعماق إمكاننا بكل ما نملك من قوة وأمل ورجاء؟.

***

د. حمزة مولخنيف

من الإلغائية إلى الدفاع عن الخبرة الذاتية

من أكثر المواقف استفزازًا في فلسفة العقل المعاصرة ذاك الذي لا يكتفي بالتشكيك في تفسيرنا للوعي، بل يذهب أبعد من ذلك ليشكك في الوعي نفسه كما نتداوله عادة. هنا لا يعود السؤال: كيف نفسر الخبرة الذاتية؟ بل: هل ما نسميه “خبرة ذاتية” كيان حقيقي فعلًا، أم أنه بناء مفهومي مضلل نشأ من لغة الحياة اليومية ومن ميتافيزيقا قديمة ما زالت تعمل فينا دون أن نشعر؟ بهذه الصيغة يظهر الاتجاه الإلغائي، لا بوصفه مجرد تفصيل هامشي في الجدل، بل بوصفه ذروة النزعة الطبيعية حين تصبح مستعدة للتضحية حتى ببعض أكثر بداهاتنا حميمية من أجل الحفاظ على صورة منسجمة للعالم.

الإلغائية، في خطوطها الكبرى، تنطلق من فكرة حاسمة: ليس كل ما تتداوله الثقافة أو اللغة العادية عن النفس والعقل يجب أن يُحترم فلسفيًا أو علميًا. كما أننا تخلينا عن مفاهيم قديمة مثل “الأثير” أو “الأرواح الحيوانية” حين تبين أنها لا تلزم تفسير العالم، كذلك يمكن أن نتخلى عن مفاهيم مثل “الاعتقاد” و“الرغبة” و“الإحساس الداخلي” و“الكواليا” إذا اتضح أنها تنتمي إلى ما يسمى أحيانًا “علم النفس الشعبي” لا إلى بنية الواقع كما يكشفها العلم. وفق هذا المنظور، لا يكون الوعي وهمًا بمعنى أنه لا توجد أية عمليات تحدث، بل بمعنى أن تصورنا له بوصفه جوهرًا داخليًا شفافًا أو مسرحًا خاصًا للخبرة هو الوهم.

وهذا الموقف يكتسب شيئًا من قوته من تاريخ الفكر نفسه. فكم من مرة توهم الإنسان أنه يعرف نفسه معرفة مباشرة ثم تبين أن حدسه مضلل؟ لقد ظن الناس أن الشمس تدور حول الأرض لأن هذا ما يظهر لهم. وظنوا أن الحرارة مادة خفية، وأن الأنواع ثابتة، وأن الإرادة حرة بالمعنى البسيط المتداول. فلماذا لا يكون حدسنا بأن هناك “كيفيات باطنية خالصة” من النوع نفسه من الأوهام الراسخة؟ من هنا يأتي الدافع الإلغائي: لا تمنحوا التجربة الداخلية حصانة مطلقة، لأن ما يبدو بديهيًا من الداخل قد يكون بناءً لغويًا ونفسيًا هشًا.

لكن الإلغائية لا تأتي في صورة واحدة. هناك صيغة معتدلة نسبيًا تقول إن المشكلة ليست في وجود الخبرة، بل في المفاهيم التي نصفها بها. أي إننا لا ننكر أن هناك عمليات إدراكية وانفعالية ومعرفية معقدة، لكننا ننكر أن مفردات مثل “الكواليا” أو “الجوهر الداخلي” أو “المسرح الذهني” تصف هذه العمليات وصفًا صحيحًا. وهناك صيغة أشد حدة تكاد تقول إن ما نظنه “معطًى مباشرًا” ليس إلا تجميعًا لاحقًا من التقارير والتأويلات والتمييزات الوظيفية. وفق هذه الصيغة، الوعي ليس مركزًا غامضًا داخل العقل، بل اسمٌ نطلقه على نوع معين من التنظيم المعرفي والسلوكي. فإذا بدا لنا أن هناك شيئًا زائدًا على ذلك، فقد يكون هذا الزائد نتاجًا لطريقتنا في الحكي عن أنفسنا.

ولعل دانيال دينيت هو الاسم الأكثر حضورًا في هذا السياق، وإن كان لا يحب دائمًا أن يُقدَّم بوصفه “إلغائيًا” بالمعنى الفج. مشروعه لم يكن إنكار وجود التجربة ببساطة، بل تفكيك ما يراه أوهامًا موروثة عن الوعي، وبالأخص فكرة “المسرح الديكارتي”، أي وجود نقطة مركزية داخلية تُعرض فيها الحالات الذهنية على ذات متفرجة. عنده، لا يوجد هذا المسرح. ما يوجد هو عمليات متعددة موزعة، وتحريرات متنافسة، ومسارات تفسير، ونظم تقرير، دون مركز ميتافيزيقي صلب. فإذا شعرنا أن هناك “لبًا خالصًا” للوعي، فقد يكون هذا الإحساس نفسه نتيجة لاقتصاد معرفي خاص، لا كشفًا عن جوهر أنطولوجي منفصل.

غير أن هذا المسار، كلما ازداد جرأة، اقترب من حافة خطرة. لأن القول إن كثيرًا من تصوراتنا عن الوعي مضللة شيء، والقول إن الوعي نفسه وهم شيء آخر. فحتى لو سلّمنا بأن “الكواليا” مفهوم يحتاج إلى مراجعة، أو بأن الحدس الداخلي ليس معصومًا، يبقى هناك سؤال لا ينحل بسهولة: من أين جاء أصلًا هذا الوهم إن لم تكن هناك خبرة؟ الوهم نفسه ليس حجرًا ميتًا، بل نمط من الظهور. أن أخطئ في تفسير ألمي لا يعني أن الألم لا يُعاش. أن أبالغ في وصف اللون لا يعني أن الرؤية ليست خبرة. بل لعل كل مشروع إلغائي يصطدم هنا بالمفارقة الأساسية: لكي تنكر شفافية التجربة، عليك أن تتحرك داخلها. ولكي تقول إن الوعي وهم، لا بد أن يكون للوهم نفسه نمط من الحضور.

من هنا تبدأ حركة الدفاع عن الخبرة الذاتية. هذا الدفاع لا يعني العودة الساذجة إلى ثنائية تقليدية، ولا التسليم بأن كل ما نشعر به من الداخل حقيقة مكتملة الوصف، بل يعني الإصرار على أن هناك شيئًا لا يجوز شطبه من الحساب: الظهور نفسه. الخبرة ليست نظرية عن الذات، بل معطى سابق على النظرية. أنا قد لا أعرف ماذا يكون الألم من حيث بنيته النهائية، لكنني أعرف أنه يُعاش. قد أسيء فهم طبيعته العصبية أو الأنطولوجية، لكن الخطأ هنا يفترض أصلًا أن هناك ما يُخطأ في وصفه. ولهذا يبدو أن الإلغائية، حين تتطرف، تنقلب على الشرط الذي يجعلها ممكنة: فهي تستخدم الوعي لكي تنكر الوعي.

وهذه النقطة ليست مجرد اعتراض بلاغي، بل تمس صميم المسألة الفلسفية. فإذا كانت الفلسفة تسعى إلى تفسير الواقع، فلا يمكنها أن تعتبر أكثر ما هو قربًا من الوجود البشري مجرد ضباب لغوي دون حساب دقيق. صحيح أن القرب لا يضمن الحقيقة، لكن لا يجوز أيضًا أن يتحول طلب الصرامة إلى عنف مفهومي يشطب الظاهرة باسم اقتصاد النظرية. هناك فرق بين نقد التصورات الساذجة عن الخبرة، وبين نفي أن الخبرة تمثل بعدًا حقيقيًا من الواقع.

بل إن كثيرًا من الحجج الشهيرة ضد الاختزال يمكن قراءتها هنا بوصفها دفاعًا عن هذا البعد. الكواليا ليست، في جوهرها، ادعاءً بوجود أشباح داخل العقل، بل تذكير بأن ثمة كيفية معاشة لا تساوي الوصف الخارجي. حجة ماري لا تقول إن العلم باطل، بل إن معرفة الوقائع لا تساوي عيشها. والزومبي الفلسفي لا يثبت بحد ذاته وجود جوهر روحي، لكنه يكشف أن التطابق الوظيفي لا يبدو كافيًا لالتقاط ما نسميه حضورًا من الداخل. كل هذه الحجج، على اختلافها، تلتقي في مقاومة الإلغاء: لا يمكن حل المشكلة عبر محو موضوعها.

ومع ذلك، فإن الدفاع عن الخبرة الذاتية يحتاج هو أيضًا إلى تنقية. لأن خصوم الإلغائية قد يسقطون بدورهم في رومانسية فلسفية تجعل الوعي صندوقًا سريًا فوق العالم، أو تجعل كل وصف علمي له اعتداءً عليه. وهذا خطأ لا يقل بساطة عن الخطأ المضاد. الخبرة ليست معفاة من التحليل، ولا محصنة ضد إعادة الوصف، ولا دليلًا تلقائيًا على أي ميتافيزيقا بعينها. الذي ينبغي الدفاع عنه ليس كل التصورات الشعبية عن الوعي، بل حقيقة أن هناك بُعدًا ظاهراتيًا لا يذوب بالكامل في التفسير الوظيفي. أي إن الدفاع يجب أن يكون عن الواقعة الأصلية: أن هناك ما يُعاش، لا عن كل لغة موروثة نصف بها هذا المعيش.

ولهذا يمكن أن نميز بين مستويين. المستوى الأول هو مستوى النقد المشروع: هنا من حق الإلغائي أو الطبيعي أن يقول إن كثيرًا من صورنا عن الوعي متأثرة بتراث ميتافيزيقي قديم، وإن علينا أن نراجع مفاهيمنا في ضوء العلوم العصبية والمعرفية. وهذا مطلب قوي ومفيد. أما المستوى الثاني فهو مستوى الإنكار المفرط: وهنا تتحول المراجعة إلى حذف، ويصبح المطلوب ليس فقط إعادة صياغة الخبرة بل نفي وزنها الأنطولوجي. في هذا المستوى يفقد المشروع توازنه، لأنه يظن أنه كلما كان أكثر تقشفًا مفهوميًا كان أكثر علمية، مع أن العلم نفسه لا يبرر حذف المعطى بل يبرر تفسيره.

ومن هذه الزاوية، يمكن القول إن الوعي ليس وهمًا، بل ميدانًا كثيفًا من الأوهام والحقائق معًا. نحن قد نوهم أنفسنا بشأن وحدته، أو شفافيته، أو مركزه، أو بنيته، أو مدى سيطرتنا عليه، أو معنى الذات التي تعيه. لكن هذا كله لا يعني أن الظهور ذاته موهوم. إنما يعني أن الوعي ليس بسيطًا كما كنا نظن. ليس نافذة صافية تمامًا، ولا بناءً لغويًا فارغًا تمامًا. إنه حدث مركب: فيه خبرة فعلية، وفيه أيضًا تأويلات ذاتية وسرديات ومفاهيم قد تكون مضللة. ولهذا فإن الموقف الأكثر نضجًا ليس الإلغاء ولا التقديس، بل التفكيك الحافظ: أن نحلل الوعي من دون تبديده، وأن ننقد أوهامه من دون إنكار أنه المجال الذي تظهر فيه الأوهام والحقيقة معًا.

وهنا تكتسب الظاهراتية أهميتها مرة أخرى. فهي لا تدافع عن الوعي بوصفه شيئًا غامضًا ضد العلم، بل تدافع عن أولوية العالم المعيش ضد نسيانه. تقول لنا: قبل كل نظرية عن الدماغ، هناك خبرة. قبل كل خريطة عصبية، هناك ألم يُعاش، وزمن يُحس، وجسد يسكن العالم. وإذا كان علينا أن نفسر هذه الخبرة، فلا ينبغي أن نبدأ بإنكارها، بل بوصفها وصفًا أمينًا. أما الفلسفة التحليلية في أفضل صورها، فهي تذكّرنا بأن الوصف الأمين وحده لا يكفي، وأن علينا أن نختبر مفاهيمنا ونقاوم أوهام الحدس. بين هذين البعدين يمكن أن يظهر موقف لا إلغائي ولا ساذج: موقف يقرّ بأن الخبرة حقيقية، لكنه لا يمنحها حصانة أسطورية.

ولعل أدق صياغة للمسألة هي هذه: الوعي ليس وهمًا، لكن بعض ما نظنه عن الوعي وهم. ليست الذاتية اختراعًا لغويًا محضًا، لكن كثيرًا من صورنا عنها مشوّشة. ليست الخبرة الداخلية مسرحًا مفارقًا، لكنها أيضًا ليست قابلة للردّ الكامل إلى التقرير والسلوك. إنها واقع، لكنه واقع لا يمكن التفكير فيه إلا بحذر مزدوج: حذر من المبالغة الميتافيزيقية، وحذر من التقشف الإلغائي.

 يكشف الجدل بين الإلغائية والدفاع عن الخبرة الذاتية عن شيء أعمق من مجرد نزاع بين مدارس. إنه يكشف عن أزمة الفلسفة الحديثة أمام ما هو أقرب الأشياء إليها وأعصى الأشياء عليها في آن واحد. فالوعي هو ما نعيش به كل شيء، ولذلك نميل إلى اعتباره أوضح من كل شيء. لكنه أيضًا، لهذا السبب ذاته، يصعب أن نجعله موضوعًا دون أن نشوهه. الإلغائية تتولد من الرغبة في التحرر من هذا السحر، والدفاع عن الخبرة يتولد من الخوف من أن يتحول التحرر إلى نسيان للأصل. وبين هذين الحدين تبقى الحقيقة الأرجح: أن الوعي ليس وهمًا، لكنه ليس أيضًا ذلك الكيان البسيط الذي تخيله الوعي عن نفسه. إنه واقع يفرض علينا أن نفكر لا فقط في ما يوجد، بل في كيف يظهر، وكيف يُعاش، وكيف يمكن أن يُساء فهمه حتى من قِبل من لا يملك سواه مدخلًا إلى العالم.

***

عبد الله الهميلي

ثمة نوعٌ من الوعي يرى العالم كما يشتهي أنّ يكونه لا كما هو. هذا الوعي المقلوب إن جاز التعبير، لا يصعر خده علينا فيكذب علينا عمدًا، هذا الوعي يصدّق نفسه أولًا، ثم يجرّنا إلى تصديقه. إنه الوهم؛ ابنٌ شرعيٌّ للخوف والرغبة معًا، يولد في المنطقة المعتمة الفاصلة بين ما نعرفه وما نريد أنّ نعرفه. والوهم ليس كذبًا؛ فالكذب يدرك صاحبه أنّه كذب، أما الوهم فأخطر من ذلك، لأنّه اعتقادٌ صادقٌ بشيءٍ زائف. وبذلك يبدأ الانتفاخ الصامت الذي يتحول فيه الظن إلى يقين، واليقين إلى هوية، والهوية إلى قضية يُستمات من أجلها. وكما قال رينان- :" نحن لا نستشهد إِلَّا من أجل الأشياء التي ليس لنا عنها معرفة يقينية: فالناس يموتون من أجل آرائهم - وهي ظنون وليس من أجل حقائق يقينية، يموتون من أجل ما يعتقدون وليس من أجل ما يعرفون".[1] فالإنسانُ لا يخاف الحقيقةَ في ذاتها، أنّه يخاف تلك الساعةَ الرهيبةَ التي يقف فيها وحيدًا أمام نفسه، عاريًا من كل الأكاذيب التي أحبَّها. فالوهمُ ليس عدوًّا يأتي من الخارج ليخدعنا، أنّه ضيفٌ نستضيفه بأيدينا نُطعمه من خوفنا، ونُدفئه بحرارة رغبتنا، حتى يكبر فينا ويصير سيّدَ البيت. وحين يبلغ هذه المنزلة، لا يعود يحتاج إلى أنّ يدافع عن نفسه؛ إذ نصبح نحن من يتولى الدفاع عنه، والقتال باسمه، فنغضب له، ونخشى سقوطه وضياعه، لأن تهافته يعني انهيار صورةٍ كاملةٍ رسمناها لأنفسنا.

وليس الوهم طارئًا على العقل الإنسانيَّ حتى يُنظر إليه بكونه عارضًا يمكن اجتثاثه، بل لعله أحد أعمق مكوّنات بنيته. لذلك لم يكن غريبًا أنّ يشغل الفلاسفة وعلماء النفس منذ وقت مبكر. فقد تنبّه فرنسيس بيكون إلى أنّ العقل لا يرى العالم كما هو، وإنَّما من خلال "أصنام" تصنعها الطبيعة البشرية، والعادة، واللغة، والمصالح حتى يغدو الإنسان أسيرًا لما يظنه معرفة، وهو في الحقيقة لا يرى إِلَّا انعكاسًا لتحيزاته، ولذلك دعا إلى التحرر من جميع الأوهام (أوهام القبيلة، وأوهام الكهف، وأوهام السوق، وأوهام المسرح)، واعتماد التجربة منطلقًا ومعيارًا[2]. ثم جاء سيغموند فرويد ليكشف أنّ الوهم لا يولد من الجهل وحده، بقدر ما يولد من الرغبة أيضًا؛[3] فالإنسان يعيد تشكيل الواقع بما يجعله أقل قسوة وأكثر احتمالًا، فتتدخل الرغبات المكبوتة والآليات الدفاعية لتصنع سرديةً يستطيع العيش في ظلها. أمّا فريدريك نيتشه، فقد أدرك أنّ الإنسان لا يتمسك بأوهامه لأنَّها صحيحة، وإنَّما لأنّها تمنحه معنىً وقدرةً على الاحتمال، حتى ليغدو الوهم في بعض الأحيان، أكثر قابلية للحياة من الحقيقة نفسها.[4] وفي المقابل لم ير رينيه ديكارت سبيلًا إلى المعرفة إلَّا بمسح "الطاولة" والتحرر من جميع السلطات المعرفية والاعتماد على سلطة العقل، فيبدأ الإنسان بالشك في أكثر يقيناته رسوخًا، لأن الحقيقة لا تُبنى فوق يقينٍ زائف، بل فوق أنقاضه[5]. وكأن تاريخ الفكر كله لم يكن سوى محاولةٍ متكررة لتحرير العقل من أوهامه، وإن كانت تلك الأوهام تعود في كل عصر بثيابٍ جديدة ولغة ثانية.

وليس هذا الوعي المقلوب اكتشافًا للفلسفة الحديثة وحدها، وإن كانت قد منحته أدواتها التحليلية. ففي التراث الإسلاميَّ ترد صورةٌ بالغة الكثافة في التعبير عن انقلاب الوعي، حين قال الإمام علي بن أبي طالب u: " ولبس الإسلام لبس الفرو مقلوبًا"[6]. والفرو إذا لُبس مقلوبًا لا يفقد مادته لكنّه يفقد وظيفته أو فائدته، وتبقى صورته فيما تنقلب غايته. إنَّها استعارة لا تصف فساد الدين بقدر ما تصف فساد الوعي بالدين وتمظهراته؛ فالخلل يكمن في الطريقة التي تُستقبل بها الدين لا في حقيقته، وفي الزاوية أو العدسة التي يُعاد من خلالها ترتيب المعاني حتى يغدو الأصل فرعًا، والفرع أصلًا والوسيلة غاية، والغاية وسيلة. ومن ثمَّ، يمكن أنّ يُقرأ الوعي المقلوب بوصفه أحد أكثر أشكال الوهم رسوخًا إذ قد يقلب الواقع القائم حتى يبدو في هيئةٍ أخرى .

فإذا كان الوعي قادرًا على ان يلبس الحقيقة لبس الفرو مقلوبًا، فإن الوهم لا يعود مقيمًا في زاوية واحدة من العقل، فقد يتوزع كالماء المنهمر في كل شق يجد فيه منفذًا. ففي الدين قد يتحول الإيمان من علاقةٍ حيّة بالله إلى منظومةٍ من الشعارات والطقوس تُعامل كما لو كانت هي الله ذاته. وفي السياسة تتحول المبادئ إلى أدواتٍ لتبرير السلطة، بينما تُرفع شعارات العدالة لإدامة الظلم. وفي السوق يُستبدل الاحتياج بالرغبة والرغبة بالهوية حتى يظن الإنسان أنّه يشتري سلعة، بينما هو في الحقيقة يشتري صورةً عن ذاته رسمها له الآخرون. وحتى الفلسفة، التي وُلدت لتحرير العقل وتفعيله، قد تنقلب إلى قفص جديد أو قلعة مطوقة حين يتوقف صاحبها عن السؤال ويكتفي بترديد الإجابات الجاهزة أو المعلبة. وكذلك الفن قد يُستبدل فيه التعبير بالإبهار، فيُصفَّق للشكل بينما يغيب المعنى. أما في الحياة اليومية فنحن نبني عن الآخرين ما نبني عن أنفسنا أيضًا صورًا نحبها أكثر مما نعرفها، ثم نفاجأ حين يرفض الواقع أن يتواطأ مع خيالنا وميولنا وو.

والوهم لا يقتل صاحبه بضربةٍ واحدة، انه يقتله بالتراكم يأكل من جرفه شيئا فشيئا. يبدأ صغيرًا؛ عذرًا مقبولًا أو تبريرًا لطيفًا، ثم ينمو لأنّه لا يُواجَه حتى يغدو جزءًا من بنية الذات. والخطر الحقيقي ليس في أنّ يعيش الإنسان وهمًا، فذلك قدرٌ إنساني يصعب الإفلات منه، وإنما في أنّ يرفض الاعتراف بأنّه وهم عندما تبدأ إشارات الحقيقة بالظهور. عندئذٍ يتحول الوهم من مجرد خطأ في الإدراك إلى موقفٍ وجودي متصلب، يدافع عنه صاحبه كما يدافع عن نفسه، لأنّ الفكرة في تلك الساعة تكون قد امتزجت وتلبست وتعشقت بالذات حتى غدت هي الذات.

الا أن سؤالًا أشد غورًا يظل يُلاحق هذا الكشف عن الأوهام: أوَلا يكون فضح الوهم نفسه وهمًا من طبقة أعمق؟ فالوعي الذي يظن أنّه خرج من كهف الصورة الزائفة إلى ضوء الحقيقة الخالصة، قلّما يخرج إلى فضاء محايد فوق كل وهم، وربما الأصح أنّه ينتقل من وهمٍ كثيفٍ إلى وهمٍ أقل كثافة واحتدام، أو من صورةٍ بعيدة عن الواقع إلى صورةٍ أدنى منها بعدًا. وهذا لا يُسقط قيمة السؤال ولا يُبطل جدوى المساءلة، فقد يكشف أنّ غاية الحكمة ليست بلوغ يقينٍ نهائي متحرر من كل وهم - فذلك ربما يفوق طاقة الإنسان ذاته- وإنما مراكمة درجات من الوعي بالوهم وتضييق المسافة بينه وبين ما يُظن أنه الحقيقة دون ادّعاء بلوغها بلوغًا تامًا لا يقبل بعده سؤال.

ولعل أمام الإنسان طريقين لا ثالث لهما مع أوهامه: إما أن يتعايش معها حتى يحملها إلى قبره دون أن يفتح صندوقها مرةً واحدة، وليس ذلك دائمًا جبنًا، فقد يكون أحيانًا رحمةً بالنفس التي لا تحتمل الحقيقة كاملة، لكنه قد يكون أيضًا هروبًا متخفيًا بثوب السلام الداخلي أو العزاء النفسي الرحيم. وإما أنّ يمزق أوهامه ويهتكها في ساعة فاصلة؛ تجربةٍ قاسية، أو تأملٍ عميق، أو ساعة توفيق يصطف فيها الوعي مع الحقيقة. وهذا التمزيق مؤلم دائمًا، لأنّه لا يهدم فكرةً فقط، هذا التمزيق يهدم جزءًا من الذات بُني على تلك الفكرة، إِلَّا أنّه ألمٌ ولّاد، يشبه ألم كل ولادةٍ حقيقية.

وربما لا يستطيع الإنسان أنّ يعيش بلا وهم؛ فهو كائن يحتاج إلى المعنى والعزاء بقدر حاجته إلى الحقيقة، وربما أكثر في بعض اللحظات. وقد يكون الوهم، في صورته الرحيمة جسرًا مؤقتًا نعبر عليه حتى نمتلك الشجاعة الكافية لمواجهة الواقع ودلالاته. لكن الخطر يبدأ حين يتحول ذلك الجسر إلى وطن، وحين يصبح الوعي المقلوب طريقةً دائمة في النظر إلى العالم. عندئذٍ لا يعود الإنسان يزوّر الحقيقة، بل يعيد ترتيبها وترسيمها حتى يطمئن إليها، تمامًا كما يُلبس الفرو مقلوبًا؛ فلا تتغير مادته، وإنما تتغير وظيفته، ويبقى الاسم فيما يضيع المعنى. وهكذا تُصنع الأيديولوجيات المغلقة، وتُولد القراءات المشوهة للنصوص، وتتغذى الأزمات النفسية التي تفضّل الوهم على مواجهة الذات، لأن الإنسان كثيرًا ما يدافع عن الصورة التي كوّنها لنفسه أكثر مما يدافع عن الحقيقة نفسها. ولذلك فإن الفرق بين الإنسان الحكيم وغيره لا يكمن في خلوّه من الأوهام، بل في شجاعته على مساءلتها كلما استقرت في نفسه، وأن يبقى قادرا على أنّ يسأل نفسه في كل يقين يطمئن إليه: هل أرى العالم كما هو أم كما أحتاج إليه؟ وهل ما أؤمن به حقيقةٌ كشفت نفسها لي أم أنني-من حيث لا أشعر- لبست الحقيقة لبس الفرو مقلوبًا؟ ففي هذه القدرة على السؤال وحدها يكمن الفرق، لا بين من يُدفن وقد استسلم لأوهامه فتوقف عن مساءلتها، ومن يُدفن وهو لا يزال يسأل نفسه حتى النَفَس الأخير.

***

د. حيدر شوكان السلطانيَّ

جامعة بابل- قسم الفقه وأصوله

.........................

[1] Reman, «Nouvelles études d'histoire religieuse, cité par: Debray, Critique de la

raison politique, р. 179.

[2] ينظر: بيكون، فرنسيس، الأورجانون الجديد: إرشادات صادقة في تفسير الطبيعة. ترجمة عادل مصطفى. (مؤسسة هنداوي)، بلا مشخصات أخرى، 20- 21.

[3] سيغموند فرويد، مستقبل وهم، ترجمة جورج طرابيشي، (بيروت: دار الطليعة للطباعة والنشر)، الطبعة الرابعة-1998م، 39- 40 و42.

[4] ينظر: فريدريك نيتشه، ما وراء الخير والشر: توطئة لفلسفة مستقبلية. ترجمة: جيزيلا فالور حجار، (بيروت-دار الفارابي) الطبعة الأولى- 2003م، 25.

[5] ينظر: رينيه ديكارت، التأملات في الفلسفة الأولى، ترجمة وتعليق: عثمان أمين، (القاهرة: المركز القومي للترجمة)، 13- 14.

[6] نهج البلاغة، تحقيق وشرح: الشيخ محمد عبده، (إيران- دار الذخائر)، الطبعة الأولى- 1412هـ، 1/ 209.

من لغة العلامات إلى تأويل الوجود

ليس المعنى وقفاً على اللغة المنطوقة، ولا حكراً على الكلمة المكتوبة؛ بل هو الأفق الذي تتقاطع فيه جميع العلامات التي ينتجها الإنسان في مسيرته الحضارية. فكل أثرٍ إنساني، مهما بدا بسيطاً أو عابراً، إنما يحمل في جوهره رسالةً، ويختزن دلالةً، ويستدعي تأويلاً. ولئن كانت اللغة أعظم الأنظمة الرمزية التي ابتكرها العقل البشري، فإنها ليست النظام الوحيد الذي ينتج المعنى؛ فالإيماءة لغة، والصمت لغة، واللون لغة، والعمارة لغة، والرقص لغة، والموسيقى لغة، والخط العربي لغة، كما أن اللوحة التشكيلية والنحت والطقوس والأساطير جميعها نصوص مفتوحة على القراءة.

لقد أدرك الفيلسوف الألماني إرنست كاسيرر أن الإنسان ليس «حيواناً عاقلاً» فحسب، بل هو «حيوان رمزي»، يعيش داخل شبكة كثيفة من الرموز التي يصنعها ثم يعيد اكتشاف ذاته من خلالها. فالإنسان لا يتعامل مع العالم مباشرة، وإنما يتوسطه دائمًا نسقٌ من العلامات والرموز التي تمنح الأشياء أسماءها، وتمنح الوقائع معانيها، وتمنح الوجود قابليته للفهم.

ومن هنا نشأت السيميائية بوصفها علمًا للعلامات، لا يقتصر على دراسة اللغة، بل يتجاوزها إلى تحليل جميع الأنساق الدلالية التي تنتجها الثقافة الإنسانية. وقد أسهم فرديناند دي سوسير في ترسيخ هذا التصور حين دعا إلى إنشاء علم يدرس حياة العلامات داخل المجتمع، وعدّ اللغة أحد تجلياته الكبرى. ثم جاء الفيلسوف الأمريكي تشارلز ساندرز بيرس ليمنح العلامة أبعادًا فلسفية أعمق، فرأى أنها علاقة ثلاثية تجمع بين العلامة وموضوعها والمؤول الذي ينجز فعل الفهم، مؤكدًا أن المعنى ليس شيئاً ثابتاً، بل سيرورة لا تنتهي من التأويل.

ومن هذا المنطلق لم تعد السيميائية علمًا لغوياً صرفاً، بل غدت مشروعاً معرفياً واسعاً يتقاطع مع الفلسفة والأنثروبولوجيا وعلم النفس والنقد الأدبي وعلم الاجتماع والفنون البصرية. فالأسطورة عند كلود ليفي-شتراوس نسقٌ من العلامات يكشف البنى العميقة للعقل الإنساني، كما أن الخطاب الأدبي عند رولان بارت ليس مجرد كلمات، بل شبكة من الشفرات الثقافية والإيديولوجية التي تتخفى وراء ظاهر النص.

لقد نقل بارت القراءة من البحث عن قصد المؤلف إلى استنطاق النص ذاته، معلناً أن النص فضاءٌ تتقاطع فيه أصوات متعددة، وأن القارئ شريكٌ في إنتاج المعنى، لا مجرد متلقٍ سلبي له. وهنا يغدو المعنى حدثاً تأويلياً يتجدد مع كل قراءة، ويتحول النص إلى كائن حيّ لا يستنفد أسراره.

وفي الفلسفة التأويلية يرى هانز-غيورغ غادامير أن الفهم ليس استعادةً لمعنى جاهز، وإنما هو حوار دائم بين أفق النص وأفق القارئ، حيث يلتقي الماضي بالحاضر، ويتولد المعنى من هذا اللقاء الخلاق. أما بول ريكور فقد جعل الرمز يفتح باباً على التفكير، ورأى أن كل علامة عميقة تدفع العقل إلى تجاوز ظاهرها نحو طبقاتها الدلالية المستترة.

أما في التراث العربي، فقد سبق علماء العربية كثيراً من التصورات الحديثة حين أدركوا أن العلاقة بين اللفظ والمعنى ليست علاقة سطحية. فقد قرر عبد القاهر الجرجاني في نظريته في النظم أن قيمة الكلام لا تكمن في مفرداته منفصلة، وإنما في العلاقات التي تنشأ بينها داخل السياق. فالمعنى ليس حصيلة الكلمات، بل ثمرة انتظامها في بنية دلالية متماسكة. وهذه الرؤية تلتقي بصورة مدهشة مع كثير من مبادئ اللسانيات الحديثة.

ولم يكن الجاحظ بعيداً عن هذا الفهم حين قال إن المعاني مطروحة في الطريق، وإنما الشأن في حسن الصياغة وجودة التأليف. فالعلامة لا تستمد قيمتها من ذاتها، بل من الطريقة التي تُبنى بها داخل النسق، ومن قدرتها على إثارة التأويل وإنتاج الأثر.

كما أدرك النحاة، وفي مقدمتهم سيبويه، أن الوظيفة الأساسية للنحو ليست مجرد ضبط أواخر الكلمات، بل صيانة المعنى من الالتباس. فالإعراب في جوهره نظام دلالي قبل أن يكون نظاماً شكلياً؛ إذ إن تغير الحركة قد يقلب المعنى رأساً على عقب، ويحوّل الفاعل إلى مفعول، والخبر إلى استفهام، والإثبات إلى نفي. ولذلك كان النحو العربي علمًا للمعنى بقدر ما كان علمًا للبنية.

إن السيميائية، في جوهرها، ليست بحثًا في العلامة وحدها، بل هي بحث في الكيفية التي يصنع بها الإنسان العالم داخل وعيه. فالأشياء لا تتكلم بذاتها، وإنما تتكلم عبر الأنظمة الرمزية التي ننسبها إليها. وما اللون الأحمر في لوحة تشكيلية، أو البياض في قصيدة، أو الصمت في مشهد مسرحي، إلا علامات تتجاوز حضورها المادي لتصبح طاقةً دلاليةً مفتوحة على احتمالات لا تنتهي.

ولهذا اتسع الحقل السيميائي ليشمل الشعر والرواية والسينما والمسرح والفن التشكيلي والعمارة والإعلان والأزياء والطقوس الاجتماعية، لأن كل واحد منها يشكّل خطاباً رمزياً يعبّر عن رؤية الإنسان إلى ذاته وإلى العالم. فاللوحة ليست ألوانًا موزعة على سطح، وإنما بناءٌ دلالي؛ والقصيدة ليست ألفاظًا موزونة، وإنما كونٌ رمزي؛ والمدينة ليست حجارةً وإسمنتاً، وإنما نصٌّ حضاريٌّ تُقرأ فيه ذاكرة الشعوب.

ولعل أعظم ما أنجزته السيميائية أنها نقلت السؤال من: «ماذا يقول النص؟» إلى: «كيف ينتج النص معناه؟». فالمعنى ليس جوهراً ساكناً ينتظر الاكتشاف، وإنما حركة مستمرة بين العلامة والسياق والقارئ والثقافة. ولذلك فإن كل قراءة حقيقية هي ولادة جديدة للنص، وكل تأويل صادق هو إضافة إلى العالم لا مجرد تفسير له.

وهكذا يتبين أن السيميائية ليست علماً للرموز فحسب، وإنما هي فلسفة للمعنى، وجسرٌ يصل بين اللغة والفكر، وبين الحس والعقل، وبين الفن والوجود. إنها تكشف أن الكون بأسره كتابٌ هائل من العلامات، وأن الإنسان لا يعيش في عالم الأشياء، بل في عالم الدلالات. ومن استطاع أن يقرأ العلامات قراءةً واعية، أدرك أن المعنى ليس نهاية الطريق، بل بدايته؛ وأن الثقافة الإنسانية ليست سوى رحلةٍ لا تنتهي في اكتشاف الدلالة، حيث تتحول العلامة إلى معرفة، والمعرفة إلى حكمة، والحكمة إلى رؤية أعمق للإنسان والعالم.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

في المثقف اليوم