عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام فكرية

غالب المسعودي: خلود المادة واغتراب الوعي.. في ضوء جينالوجيا الأخلاق

يمثل الاستحواذ على رأس المال في الثقافة المعاصرة ظاهرة تتجاوز أبعادها الوظيفية والاقتصادية المباشرة، لتشكل تجلياً وجودياً عميقاً لصراع الإنسان مع الفناء وبحثه عن الأبدية. إن السعي اللانهائي لتراكم الثروة ليس مجرد آلية لتأمين البقاء المادي، بل هو مشروع خلود تتبناه الذات المعاصرة لتشييد جدار واقٍ ضد قلق الموت الوجودي، ورعب الهامشية أو عدم الأهمية.

في المقابل، عندما تحول البنى الطبقية والمؤسسية القائمة دون وصول الفئات المستضعفة مادياً إلى هذا المشروع الاحتكاري، ينزاح الصراع من مستواه العيني الملموس إلى فضاء الوعي والمتخيل. هنا، يتحول المتخيل إلى ساحة استهلاك تعويضية لإنتاج أحلام القوة والسيادة البديلة، بالتوازي مع تشكيل بنية أخلاقية موازية تسعى لتفكيك شرعية الملكية وتبرير السرقة؛ بوصفها أداة لاسترداد الحقوق، أو فعلاً عنيفاً يخلخل أوهام القانون الوضعي.

يقدم الباحث ساندي برايان هاجر مقارنة جوهرية بين نمطين من الاقتصاد والتعامل مع الموت:

اقتصاد الهبة التقليدي، والمنظومة الرأسمالية التراكمية. فبينما يرتكز اقتصاد الهبة البدائي على تدمير وتبديد الفائض دورياً ضمن طقوس جماعية مقدسة تدمج الموت في صيرورة الحياة وتسدد الديون الوجودية، يتميز الاقتصاد الرأسمالي بتراكم منهجي لا نهائي للفائض وإعادة استثمار الأرباح، مما يجعله يقع في الطرف الأقصى لإنكار الموت.

في هذا السياق، يصبح التراكم الرأسمالي بمثابة آلية دفاعية نفسية مستمرة لصد الرعب الوجودي؛ إلا أن هذا الإنكار المنفرد، والمنزوع من طقوس التكفير والتحرر الجماعي، يؤدي إلى تراكم موازٍ للذنب والقلق النفسي. وتتحول هذه الديناميكية إلى دوامة عصابية دؤوبة تدفع المنظومة نحو اللانهائية. ويتجلى الوجه الأكثر تطرفاً لمشروع الخلود هذا في المساعي المعاصرة لرموز التكنولوجيا والأثرياء في "وادي السيلكون" لتحقيق الخلود البيولوجي الفعلي، وهو مشروع هروب فردي يرمي إلى عزل الطبقة الحاكمة مادياً وجسدياً عن مصير العامة الفانين.

يتلاقى هذا الطرح مع نقد كارل ماركس للاستلاب المالي في "مخطوطات عام 1844"، حيث يحلل ماركس المال بوصفه القوة السحرية القادرة على تشويه الحقائق وتبديل الخصائص الإنسانية إلى نقيضها. في ظل الرأسمالية، لا يعود المال أداة للتبادل، بل يتحول إلى جوهر مغترب يستلب نشاط الإنسان الإبداعي ويحوله إلى قيمة موضوعية خارجية يمتلكها رب العمل البرجوازي. وبذلك يصبح الفرد مغترباً عن منتجه، وعن عملية الإنتاج، وعن كينونته النوعية، وحتى عن أقرانه البشر.

ويوضح الفيلسوف جورج لوكاتش لاحقاً كيف تحول هذا الاغتراب المادي إلى حالة من "التشيؤ" التي طالت وعي الإنسان ذاته؛ فبعد أن كان التشيؤ يمس جسد العامل في خطوط التجميع التقليدية، صار يلتهم عقل العامل الحديث وتفكيره الإبداعي، كالمبرمج الذي ينتج خوارزميات معقدة تستلب منه على الفور لتتحول إلى رأس مال للشركات الكبرى.

استهلاك المتخيل ووظيفة التخييل التعويضية لدى الضعفاء

عندما يصطدم الضعفاء بانسداد أفق التراكم المادي وعجزهم عن مجاراة مشاريع الخلود التي تتيحها الرأسمالية للأقوياء، فإنهم يفعّلون الوظيفة التعويضية للخيال كاستراتيجية نفسية ووجودية بديلة. يوضح جان بول سارتر في أطروحته الظاهراتية (الفينومينولوجية) حول التخيل أن الوعي المتخيل ليس مجرد مستودع للصور الباهتة المشتقة من الحواس، بل هو فعل حر بامتياز يهدف إلى نفي الواقع العيني وبناء عالم موازٍ لا وجود له في اللحظة الراهنة.

الخيال هو شرط إمكان الحرية؛ إذ يتيح للوعي تجاوز المعطيات الإدراكية المباشرة وصياغة معانٍ بديلة تمكن المستضعف من استشراف أفق آخر يتجاوز بؤسه الحالي. ويرى جان بورغوس أن الصورة الشعرية المتخيلة تمتلك طاقة ديناميكية استشرافية منفتحة على المستقبل، عكس الاستعارة الذاكراتية المرتدة للماضي، مما يجعلها قادرة على تغيير نظم الأشياء ذهنياً وتمهيد الطريق نحو واقع بديل.

يتطابق هذا التحليل مع نظريات علم النفس التحليلي لسيجموند فرويد وكارل يونغ؛ حيث يؤكد يونغ أن للأحلام والمتخيل وظيفة مزدوجة:

تعويضية ومستقبلية. تعمل الوظيفة التعويضية للاشعور على تمثيل الجوانب الخفية والمكبوتة من المعيش اليومي في صور ورموز أسطورية لإعادة التوازن النفسي والوظيفي للذات المهددة بالصدمات وتوترات الحياة القاسية. وتلعب الأساطير الشعبية والخرافات دوراً مماثلاً على المستوى الجمعي؛ إذ تمثل أداة تعويضية تحرر الإنسان من شعوره البنيوي بالنقص والضعف الجسدي والاجتماعي عبر تصور كائنات خارقة ومشاريع بطولية تعوض تهميشه الفعلي.

وفي سياق علم النفس الفردي، يؤصل ألفرد أدلر لهذه الديناميكية من خلال مفهوم "عقدة الدونية" وإرادة القوة. يولد كل إنسان بدرجة من الشعور بالدونية الأولية الناشئة عن ضعف الطفولة واعتماديتها. ومع نضج الذات واصطدامها بعلاقات الإنتاج والقوة غير المتكافئة، يفشل البالغ في تحقيق أهدافه اللاشعورية الخيالية للأمان والنجاح، مما يولد "شعوراً بالدونية الثانوية". تقع الذات هنا في مأزق عصابي يشبه "المتاهة المغلقة"، حيث تقود المحاولات اليائسة للتخلص من الدونية بأساليب وهمية إلى تعميق الشعور بالعجز والاكتئاب.

تتضح خطة الحياة هذه عند الشخصيات الإنسانية التي شوه الإقصاء خطط نموها النفسي، كما يظهر في سلوك شخصية "فوينتسكي" في مسرحية "الخال فانيا" لأنطون تشيخوف، حيث انحرف مسار حياته وأصيب بعقدة دونية بالغة نتيجة لغياب الحب والتقدير والاهتمام الموجه إليه من محيطه الأسري المنشغل بالشعارات الجوفاء.

في مسار جينالوجيا الأخلاق، يرى نيتشه في المسيحية اللاهوتية النموذج التاريخي الأوضح لأخلاق الحقد الموجهة ضد غرائز الحياة وفورانها. وبالمقابل، يقدم فريدريش إنغلز قراءة مادية تاريخية مناقضة، واصفاً المسيحية المبكرة بأنها كانت بمثابة "شيوعية العصر الروماني"؛ إذ مثلت حركة ثورية واعية للعبيد والمضطهدين لترتيب صفوفهم ومقاومة الاستبداد الإمبراطوري الروماني، مما يحولها في نظر الماركسية من حركة حقد سلبي إلى أداة للتنظيم والمقاومة التاريخية الفعالة.

المقاربة التفكيكية لتبريرات السرقة أخلاقياً وقانونياً

تعد معضلة السرقة وتبريراتها الأخلاقية والسياسية واللاهوتية واحدة من أكثر الساحات الفكرية كشفاً عن التناقض البنيوي بين القانون الوضعي ومفهوم العدالة المطلقة. وتتعدد المقاربات الفلسفية التي سعت لتفكيك هذا التناقض وإعادة صياغة مفهوم "السرقة" لا بوصفها اعتداءً آثماً، بل بوصفها تعبيراً عن خلل بنيوي في توزيع الموارد.

في الفكر اللاهوتي المدرسي، يقدم القديس توما الأكويني صياغة جذرية تتجاوز المفهوم القانوني الجامد للملكية الخاصة. ينطلق الأكويني من فرضية أن العناية الإلهية قد رتبت الطبيعة والموارد المادية لخدمة احتياجات البشرية ككل، مما يجعل الملكية المشتركة هي الأصل الطبيعي والإلهي. أما تقسيم الممتلكات وحيازتها الفردية، فهما إضافتان من صنع العقل البشري والقانون الوضعي لتنظيم العمل والحد من النزاعات، ولا يمكن لهذا التدبير البشري بأي حال من الأحوال أن يلغي أو ينتقص من الحق الطبيعي للإنسان في الحياة وسد رمقه.

الرديف التفكيكي ونقد العنف القانوني

يقدم جاك دريدا في تفكيكه للسياسة والسيادة وقوة القانون مدخلاً مهماً لإدراك أن القوانين الوضعية ليست تجسيداً للعدالة الحرة والمطلقة، بل هي بنيات تاريخية تم تأسيسها عبر العنف واستدامتها بقوته. يفرق دريدا بين "القانون" القابل للتفكيك والتحليل لأنه نتاج توازنات وصراعات بشرية، وبين "العدالة" غير القابلة للتفكيك لأنها تمثل تجربة المستحيل والإحراج الأصيل الذي يجتاز القواعد الجاهزة.

ويمكن تفسير هيمنة تبريرات السرقة من خلال "منطق الرديف" الذي بلوره دريدا في قراءته لروسو؛ فالرديف ليس مجرد إضافة خارجية لكيان مكتمل، بل هو تعويض لنقص أصيل مسجل بدءاً في قلب الحضور.

ملحمة البؤساء وتطور الضمير الإنساني

يقدم فيكتور هوغو في "البؤساء" تجسيداً أدبياً وفلسفياً فذاً لهذه الجدلية بين جمود القانون ورحمة العدالة، من خلال تفكيك التحولات النفسية لجان فالجان ومطاردة المفتش جافيير له. ويمثل الصدام الأخلاقي ذروته في مشهد سرقة جان فالجان لقطعة نقود معدنية من الفتى الصغير "بيتي جيرفيس" عقب خروجه من منزل الأسقف ميريل. في هذه اللحظة، يضع فالجان قدمه على القطعة دون وعي كامل، مدفوعاً ببقايا غريزة السجين المنبوذ والمستلب التي تسيطر عليه.

ولكن بمجرد مغادرة الفتى واصطدامه بوعي الأسقف المتسامي، يصحو ضمير فالجان ويدرك فداحة فعلته ويشرع في البحث عن الفتى باكياً دون جدوى. هذه الواقعة تعد "عتبة التحول الروحي" الحقيقي في الرواية؛ حيث ينزاح فالجان من حيز الجريمة الناتجة عن بؤس الحاجة والقمع، إلى رحاب الالتزام الأخلاقي الذاتي والمسؤولية الكلية تجاه الآخرين، ليتحول لاحقاً إلى السيد مادلين المحسن والعميد الذي ينقذ فانتين ويسلم نفسه طوعاً لإنقاذ بريء اتهم زوراً بأنه جان فالجان.

بالمقابل، ينتهي المطاف بالمفتش جافيير، الحارس الصارم للقانون الوضعي الذي لا يعرف الرحمة، إلى الانتحار غرقاً في نهر السين، بعد أن عجز عقله وجهازه الأخلاقي الصلب عن التوفيق بين واجبه المهني الصارم في القبض على فالجان، وبين اعترافه الإنساني بالجميل والرحمة والنبل التي جسدها فالجان بإنقاذه لحياة جافيير وماريوس في متاريس الثورة.

البنية المفاهيمية المقارنة لفلسفة الاستحواذ والاسترداد

لغرض تقديم تحليل مهيكل ومقارن للمرجعيات الفكرية المتعددة التي قاربت مفهوم الملكية وعلاقتها بالسرقة والاسترداد، يمكننا رصد التباينات الفلسفية على النحو التالي:

تنطلق المدرسة اللاهوتية المدرسية (الأكويني) من أصلانية الملكية المشتركة للموارد بموجب الحق الإلهي الطبيعي، وتعتبر الملكية الفردية مجرد تنظيم وضعي يسقط تلقائياً أمام "عنف الضرورة وحفظ البقاء". في حين تحلل المادية التاريخية (ماركس وإنغلز) الملكية الخاصة بوصفها أداة إنتاجية تؤدي لاغتراب الذات وتشيؤ الوعي، وتتحول معها المسيحية المبكرة أو الثورة العمالية إلى أدوات تنظيم ومقاومة تاريخية لاسترداد القيمة المستلبة.

من جهة أخرى، تقدم التفكيكية (دريدا وبنيامين) رؤية تكشف زيف طبيعية الملكية، مظهرةً إياها كبنية تاريخية محمية بعنف الدولة المحافظ على القانون، لتغدو السرقة أو الإضراب بمثابة "الرديف" العنيف الذي يفضح النقص التأسيسي للنظام. وأخيراً، تذهب اللاشرعوية اللاحكومية نحو الرفض المطلق للقوانين البرجوازية، وتحويل السرقة والنهب إلى استراتيجية واعية وفعل كفاحي مباشر تحت مسمى "الاسترداد الفردي".

تداعيات السفسطة وتزييف الوعي في تبرير التعدي الاجتماعي

على الرغم من القوة التفكيكية التي تحملها المقاربات الفلسفية واللاهوتية المعارضة للملكية الرأسمالية الخاصة، فإن تبريرات السرقة أخلاقياً تنزلق في كثير من الأحيان نحو نمط من "السفسطة" التي تزيف الوعي وتبرر التعدي الاجتماعي الأناني تحت ستار المظلومية الرمزية. تعود السفسطائية في تاريخ الفلسفة الإغريقية إلى نهاية القرن الخامس وبداية القرن السادس قبل الميلاد، حيث لم تكن مذهباً فلسفياً متسقاً، بل كانت فناً في الكلام وصناعة للإقناع ومهارة عملية في قلب الحقائق وتزييف الوعي الجمعي لتحقيق مكسّب ذاتي أو سياسي.

في السياق المعاصر، يبرز خطر "السفسطة الأخلاقية" عندما تعمد بعض الفئات المستضعفة - أو النخب المدعية لتمثيلها - إلى توظيف نظريات الاسترداد الفردي ومناهضة الرأسمالية لتبرير السرقة الجنائية المحضة والنهب العشوائي الذي يطال ممتلكات فئات اجتماعية كادحة أخرى لا صلة لها بالبنية الاحتكارية الكبرى. يتحول المتخيل هنا من أداة للتسامي وبناء الوعي النقدي الفعال إلى آلية لتوليد "الأحقاد الأيديولوجية" وتزييف الواقع الوجودي. وبدلاً من السعي لتغيير علاقات الإنتاج وتأسيس تضامن مجتمعي واعٍ قادر على مجابهة اغتراب رأس المال، ينحبس الوعي المستضعف في حلقة مفرغة من العنف المتبادل والنهب الصغير الذي يدمر شروط التعاقد والترابط الاجتماعي.

إن مأزق الضعفاء الراهن يكمن في حاجتهم إلى تجاوز مشاريع الخلود الفردية الزائفة التي يتيحها الاستهلاك والتراكم المالي، وتجاوز الاستهلاك السلبي لأوهام المتخيل العاجز، نحو صياغة أطر عملية ورمزية مشتركة تبني تضامناً إنسانياً حقيقياً يرفض الاستلاب المادي والتشيؤ. وبهذا فقط، ينعتق الوعي من أوهامه المكبوتة، ويتحول الفكر من مهارة إقناعية لتبرير التعدي الاجتماعي إلى أداة فاعلة لتأسيس عدالة كونية قادمة تتجاوز قهر القانون وسرقة المادة.

***

غالب المسعودي

في المثقف اليوم