عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

بدر الفيومي: الهزائم والانكسارات وأثرها في تشكّل الوعي الديني (1)

ليست الهزيمة كما قد يبدوا لأول وهلة مجرد واقعة عسكرية عابرة، ولا سقوطًا سياسيًا ينتهي بانتهاء الحدث، بل هي لحظة انكشاف نسقي، الأمر الذي يجعلها مولِّدًا إبستمولوجيًا يعيد ترتيب المفاهيم في الوعي الجمعي. نعم، قد يُغري الانتصار بالاطمئنان، لكن الانكسار هو الذي يمرّ عبر غرابيل التاريخ، فيكشف ما كان مستترًا في النسق، وما كان قابلًا للتصلب دون مساءلة. ونحن هنا لا نكتب تاريخ الدول، بل نكتب تاريخ تشكّل الوعي. فلا نقف عند من حكم ومن سقط، بل نتتبع كيف أعادت هاتيك اللحظات المفصلية تعريف العلاقة بين المقدس والسياسي، بين الشرعية والسلطة، بين الجماعة والهوية.

وإذا ما حاولنا قراءة تاريخنا عبر نهجٍ مغاير لما ألفه المتفقهين في السرد التقليدي القديم، نجد أن الهزيمة لم تكن نهاية، بل كانت بداية تحول نسقي. حيث نجد أن الفرق جوهري بين تاريخ الدول وتاريخ تشكّل الوعي.

وذلك لأن تاريخ الدول يصف الوقائع؛ أما تاريخ النسق فيسأل: كيف فُسرت الوقائع؟، ولماذا اختار الوعي الجمعي تفسيرًا أخلاقيًا دون تفسير بنيوي؟، ولماذا غلب خطاب الضحية أحيانًا على خطاب الإصلاح؟، ولماذا يميل العقل الدفاعي إلى انتظار الكارثة كي يعيد التفكير؟. الأمر الذي يجعلنا نطرح سؤالًا لا مفر منه؛ هل الهزيمة قدر تاريخي، أم بنية ذهنية تتكرر؟ـ فإذا قلنا إنها قدر، أعفينا النسق من المساءلة.

وإذا قلنا إنها بنية، أصبح لزاما علينا أن نمرر أفكارنا عبر غرابيل النقد، لا عبر شعارات التبرير. ففي الماضي، كانت الهزيمة تُنتج تركيبًا جديدًا كـ (علم كلام، تصوف، إصلاح، مشروعًا سياسيًا). أما في الوقت المعيش، فقد يبدوا أن الهزيمة تتحول إلى سردية دائمة تُعاد في الفضاء الرقمي، حيث يُكافأ الغضب، وتُضخَّم الصدمة، ويتشكل خطاب الضحية المعولم. وهنا لا يعود السؤال: من انتصر ومن انهزم؟. بل؛ كيف أصبح الألم جزءًا من الهوية؟.

وقد يتهمنا بعض المشككين أن قراءة التاريخ من جهة الهزائم والانكسارات ضربٌ من التجديف، أو مجافاة للإنصاف الحضاري. مما يجعلنا نميز بين الطعن أو إنكارا المقدس، وبين النقد الحضاري بوصفه مساءلة للنسق. وليس من شأن هذا العمل أن يضعف الإيمان، ولا أن يُرضي الأغيار، ولا أن يجاري المجترئين في قراءاتهم السطحية، بل أن يعيد النظر في البنية الذهنية التي تستقبل الحدث.

وقد يرى آخر في هذه القراءة مغامرة فكرية، وقد يتهمنا البعض بالمبالغة، غير أننا نؤكد أن مساءلة النسق ليست خروجًا عليه، بل شرط بقائه. فالنسق الذي لا يُراجع يتحول إلى بنية دفاعية، والبنية الدفاعية تقودنا إلى زيغٍ جديد.

فلا نسعى إذن إلى جلد الذات، ولا إلى مجاراة المجدفين، ولا إلى إرضاء الأغيار، ولا إلى محاكمة الماضي بأدوات الحاضر، بل إلى إعادة ترتيب السؤال. كمحاولة لفهم كيف يعمل النسق حين يتعرض للصدمة، وكيف ينتقل من الدفاع إلى التصلب، ومن التصلب إلى الانكسار، ومن الانكسار إلى مراجعة قد تكون جزئية أو جذرية.

وإذا ما حاولنا أن نرى حاضرنا المعيش بعينٍ نسقية، نجد أن الهزيمة المعاصرة لم تعد عسكرية فقط، بل وجودية وسردية. لأنها تقع في مستوى المعنى قبل أن تقع في مستوى الجغرافيا. الأمر الذي يفرض علينا نهجًا جديدًا في التفكير، لا يقوم على النرجسية، ولا على انتظار الصدمة، بل على نقد حضاري مستمر. فالوعي ما بعد الهزيمة ليس إنكارًا للتاريخ، ولا اجترارًا له، بل انتقال من رد الفعل إلى الفعل، ومن التبرير إلى المساءلة، ومن الدفاع إلى التحليل. فقد تكون الهزائم جزءًا من مسار الأمم، لكن تحويلها إلى هوية دائمة هو ما ينبغي تفكيكه.

ولذلك لا نسعى هنا لنؤرخ للهزيمة، بل لنقرأ تشكّل الوعي من خلالها، ولنفتح أفقًا يتجاوز منطق الانتظار الكارثي، ويُعيد ترتيب العلاقة بين النسق والنقد. فليست الأمم في لحظات ازدهارها أكثر قدرة على رؤية نفسها. لأن الانتصار يُغري بالاطمئنان، ويُغري بإعادة إنتاج النسق كما هو، ويُغري باعتبار الحاضر ذروةً مكتملة لا تحتاج إلى مساءلة. أما الهزيمة، فإنها مهما كانت قاسية تُجبر الوعي على أن ينظر في مرآته.

وليست الكتابة في موضوع الهزيمة أمرًا جديدًا في الفكر العربي أو الإسلامي. بل يمكن القول إن كل جيل منذ القرن التاسع عشر كتب بطريقته عن الانحطاط، والتخلف، والتراجع الحضاري، وأسباب السقوط، وقابلية الاستعمار، وأزمة العقل، وهزيمة المشروع القومي، وفشل الإسلام السياسي، وصولًا إلى انهيار الدولة الوطنية.

نعم، لقد كُتبت دراسات عن الانحطاط، وعن القابلية للاستعمار، وعن هزيمة 1967م، وعن أزمة الدولة الوطنية، وعن صعود المتأسلمين، وعن فشل القومية، وعن تحولات المجال العام. ناهيك عن دراسات تناولت الإسلام السياسي، أو الليبرالية العربية، أو الخطاب الديني المعاصر. غير أن أغلب هاتيك الأعمال تناولت مرحلة بعينها، أو مشروعًا محددًا، أو أزمة ظرفية. خلافا لما نحن بصدده فهو محاولة ربط تلك اللحظات في نسقية ممتدة، لتقرأ بوصفها حلقات في تشكّل وعي ما بعد الهزيمة. حيث تشكل كل صدمة إعادة ترتيب الوعي الجمعي، وليس هذا بمعنى محو القديم، بل بإعادة تأويله.

غير أن معظم هذه الكتابات كانت تتحرك داخل أفقين رئيسيين: إما أفق التفسير السياسي العسكري، أو أفق النقد الحضاري الفكري. فـ مالك بن نبي(1905 1973م) -مثلا- الذي قدّم في كتابه شروط النهضة (1948م) مفهوم القابلية للاستعمار، معتبرًا أن الهزيمة ليست فعل الخارج وحده، بل ثمرة بنية نفسية اجتماعية داخلية تُمهّد للاستعمار.

وقد شكّل طرحه انتقالًا من تفسير الحدث إلى تحليل القابلية الكامنة في المجتمع المهزوم. ثم جاء قسطنطين زريق (1909 2000م) في (معنى النكبة) (1948م)، ليقرأ هزيمة 1948م بوصفها أزمة حضارية شاملة، لا واقعة عسكرية عابرة، داعيًا إلى نهضة عقلية وأخلاقية تعيد بناء الإنسان قبل الدولة.

وفي أعقاب نكسة 1967م، كتب صادق جلال العظم (1934 2016م النقد الذاتي بعد الهزيمة (1968م)، متجهًا نحو تفكيك الخطاب الأيديولوجي السائد، ومحمّلًا الثقافة السياسية مسؤولية إنتاج الوهم قبل إنتاج الهزيمة. أما عبد الله العروي (1933) ففي كتابه الأيديولوجيا العربية المعاصرة (1967م)، قد عالج الهزيمة في سياق أوسع هو مأزق الحداثة، محللًا البنية الفكرية العربية وعلاقتها المتعثّرة بالمفاهيم الحديثة، ومؤكدًا أن الأزمة بنيوية في الوعي التاريخي ذاته.

ومع انتقالنا إلى العقود الأخيرة، تغيّر أفق السؤال. فظهرت دراسات ركزت على انهيار الدولة الوطنية، وصعود الإسلام السياسي، ثم تعثره، وكتبت حول فشل المشروع القومي، وأزمة الليبرالية العربية، وتحولات المجال العام الرقمي. فقد درس محمد عابد الجابري (1935 2010م) في (نقد العقل العربي) (1982 2001م) البنية المعرفية التي تُنتج الوعي، معتبرًا أن أي مشروع نهضوي لا يمكن أن يقوم دون تفكيك أنساق التفكير الموروثة.

وفي سياق تحليل الإسلام السياسي، قدّم جيل كيبل (1955) في كتابه (النبي والفرعون) (1984م) قراءة سوسيولوجية لصعود الحركات الإسلامية داخل الدولة الوطنية، رابطًا الظاهرة بأزمة الشرعية والتنمية. ثم جاء وائل حلاق (1955) في (الدولة المستحيلة) (2013م)، ليذهب أبعد من تحليل التعثّر، متسائلًا عن إمكان التوفيق أصلًا بين الشريعة وبنية الدولة الحديثة السيادية. ومع تحولات المجال العام الرقمي، تناول فيليب ن. هوارد (1970) في Lie Machines (2020م) أثر التكنولوجيا السياسية في إعادة تشكيل الرأي العام، مبينًا أن الهزيمة المعاصرة لم تعد عسكرية أو أيديولوجية فحسب، بل معرفية اتصالية أيضًا.

وقد كُتبت دراسات عن سقوط بغداد، ودراسات عن الأندلس، ودراسات عن 1967، ودراسات عن 2011، لكن نادرًا ما جُمعت هذه اللحظات في إطار نظري واحد يقرأها بوصفها حلقات في تشكّل الوعي. فكل هذه الأعمال- على أهميتها - تشترك في أمر جوهري وهي أنها تقرأ الهزيمة بوصفها موضوعًا سياسيًا أو فكريًا محددًا داخل مرحلة تاريخية بعينها.

أما ما نحن بصدده فإننا ننطلق من زاوية مختلفة. حيث لا نكتب عن هزيمة بعينها، ولا عن مشروع بعينه، ولا عن مرحلة واحدة، بل نحاول أن نتتبع الهزيمة بوصفها مولِّدًا إبستمولوجيًا عبر قرون. أي أننا لا نسأل فقط لماذا هُزمنا؟. بل نسأل ماذا فعلت الهزيمة بعقولنا؟. فلسنا نؤرّخ للهزائم بمعناها العسكري الضيق، ولا نرصد التسلسل الزمني لسلسلةً من السقوطات السياسية، بل نحاول كتابة التاريخ الفكري للإسلام من زاوية الانكسار لا من زاوية الانتصار؛ أي محاولة لفهم كيف أعادت كل صدمةٍ كبرى تعريف المفاهيم المركزية كـ(الإلهيات، السلطة، الشرعية، الجماعة، الهوية، الأمة، الدولة، والمعنى).

 وقد جرت العادة في كتابة التاريخ الإسلامي على إبراز العصور الذهبية والفتوحات ومراحل القوة وإنتاج الحضارة، غير أن هذا المنظور على أهميته يُغفل سؤالًا أعمق ألا وهو؛ كيف يتغيّر الوعي حين ينكسر؟، وهل ما نسمّيه هزائم كان نتيجة ظروف تاريخية عابرة، أم أنه نمط تفكير يتكرر فنُعيد إنتاج الإخفاق كل مرة؟. وهل نستطيع أن نبني وعيًا قادرًا على التجدد من الداخل، دون أن ننتظر صدمة كبرى أو كارثة جديدة تدفعنا إلى المراجعة؟. وعلى الرغم من أننا لا ندّعي امتلاك إجابة وافية متكاملة، لكننا نقترح مسارًا في التفكير، من خلال قرأة تاريخنا لا بوصفه سلسلة من الأمجاد أو سلسلة من المؤامرات، بل بوصفه تفاعلًا معقدًا بين البنية والحدث، بين الداخل والخارج، بين النسق والصدمة. هذا المسار يظهر أن كل هزيمة كبرى أعادت ترتيب العلاقة بين المقدس والسياسي، بين الجماعة والسلطة، بين الهوية والعالم.

وجدير بالذكر أن نوضح أن دعوتنا لكتابة التاريخ من جهة الانكسار ليست دعوة إلى التشاؤم، بل هي محاولة لتحرير الوعي من وهم الاكتمال، ومن وهم البراءة المطلقة، ومن منطق الانتظار الكارثي. فهي دعوة إلى أن نمارس النقد قبل أن تفرضه الصدمة، وأن نُعيد التفكير في مفاهيمنا لا لأننا هُزمنا فقط، بل لأننا نريد أن نفهم. بهذا المعنى، فإننا هنا لا نقدم رثاءً، ولا بيانًا أيديولوجيًا، ولا سجالًا سياسيًا، بل محاولة لصياغة نظرية في الوعي ما بعد الهزيمة؛ وعي يدرك أن الانكسار قد يكون لحظة ميلاد، وأن أخطر الهزائم ليست تلك التي تقع في الجغرافيا، بل تلك التي تستقر في البنية الذهنية.

وإذا كان التاريخ لا يخلو من صدمات، فإن السؤال الذي نختتم به هذا التمهيد ويبدأ معه مسار القراءة هو؛ هل نمتلك شجاعة النظر إلى ذواتنا من خلال جراحنا، لا لنقدّسها، بل لنتجاوزها؟.

وللحديث بقية ...

***

بقلم: د. بدر الفيومي

في المثقف اليوم