عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

ئاريان علي: أحنُّ إلى خبز أمي.. فلسفة حبِّ الأم ما بين الشرق والغرب

لم تكن "الأم" في تاريخ الفنون والموسيقى مجرد موضوع عابر للتعبير العاطفي، بل كانت المرآة الأعمق التي تعكس فلسفة المجتمعات وتقاليدها. وحين نتأمل كيف تناول الغناء العالمي صورة الأم، نلمس بوضوح اختلافاً جذرياً في النبرة، والمساحة، والأبعاد الفكرية بين الشرق والغرب.

في الفضاء الثقافي والفني الشرقي، تحتل الأم مكانة مقدسة ومركزية طاغية؛ إذ تحولت في الأغنية إلى أيقونة لا تُضاهى وترتيلة وجدانية تفيض بالخشوع والتبجيل. فالأغنية الشرقية لا تقترب من الأم بوصفها فرداً عادياً، بل تنظر إليها كرمز مطلق للتضحية الصامتة، والصبر الجارف، والدعاء المستجاب. لقد باتت أعمال خالدة مثل رائعة "ست الحبايب" التي كتب كلماتها الشاعر حسين السيد، ولحنها موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب، وأدتها بصوتها الخالد الفنانة فايزة أحمد بمثابة نشيد قومي للبيت والعائلة، حيث يمتزج فيها حنين الطفولة بقدسية الانتماء، ليصبح فقدان الأم هو الانكسار الوجودي الأكبر في حياة الإنسان.

ويتجلى هذا العمق الشرقي بأبهى صوره أيضاً في رائعة الشاعر الكبير محمود درويش، والتي لحنها وأداها الفنان اللبناني مارسيل خليفة في أغنيتهما الخالدة "أحن إلى خبز أمي"؛ حيث يقول درويش في كلماته ....

أَحَنُّ إِلَى خُبْزِ أُمِّي

وَقَهْوَةِ أُمِّي

وَلَمْسَةِ أُمِّي

وَتَكْبُرُ فِيَّ الطُّفُولَةُ

يَوْماً عَلَى يَوْمِ

وَأَعْشَقُ عُمْرِي لِأَنِّي

إِذَا مِتُّ،

أَخْجَلُ مِنْ دَمْعِ أُمِّي!

فالخبز والقهوة ولمسة اليدين هنا ليست مجرد تفاصيل مادية، بل هي رموز مقدسة للطفولة والقبول والأمان، ويتحول الحنين فيها إلى حالة من الخشوع الأخلاقي الرفيع، حيث يصبح الخوف من دمع الأم هو المعيار الأسمى للوفاء.

على الجانب الآخر، وفي الموسيقى الغربية بمختلف قوالبها من "البوب" و"الكاونتري" و"الراب"، حضرت الأم من منظور إنساني واقعي ومباشر. هنا، لا تُقدّم الأم ككائن أسطوري متعالٍ، بل كامرأة من لحم ودم تواجه قسوة الحياة ويومياتها بصراحة تامة، كما يظهر في العديد من الأعمال الخالدة؛ فعلى سبيل المثال، قدم فريق Boyz II Men أغنيتهم الشهيرة "A Song for Mama" التي تحتفي بالأم كامرأة حقيقية كانت الصخرة التي يستندون إليها وسط صعاب الحياة، بينما ذهب جون لينون في أغنيته المؤثرة "Mother" إلى أبعاد نفسية أعمق تستكشف جروح الطفولة وفقدان السند بحرقة واقعية مجردة.

وخير مثال يجسد هذه الواقعية بقوة هو الأغنية الأيقونية "Dear Mama" لنجم الهيب هوب الأمريكي توباك 2Pac، والتي أنتجها وشارك في كتابتها توني بيزارو. هنا يوثق توباك قصة أمه أفيني شاكور التي ربته وسط جحيم الفقر والإدمان وظروف التمييز في الأحياء الأمريكية القاسية، لتقدم الأغنية كلمات تنبض بالواقعية:

  And even as a crack fiend, mama,

وحتى في قاع الإدمان ومعاناة المرض يا أمي،

You always was a black queen, mama.   

ظللتِ دائماً تلك الملكة السمراء العظيمة في نظري يا أمي.

فالأغنية لا ترفع الأم إلى مرتبة الملائكة المعصومين، بل تقدمها كامرأة من لحم ودم أخطأت أحياناً بحكم ظروفها المدقعة، لكنها كافحت بشراسة لحماية أطفالها، ليبرز الاعتراف المباشر والمكاشفة النفسية القائمة على تقدير حجم التضحيات وسط عالم يعج بالصراعات.

هكذا يتجلى الفرق؛ بين شرقٍ اختار أن يرفع الأم إلى مرتبة "القداسة المطلقة" عبر عاطفة جارفة كما في "ست الحبايب" و"أحن إلى خبز أمي"، وغربٍ اختار أن يقترب منها عبر "الواقعية الإنسانية" التي تلامس تفاصيل العيش والوجود وصراعاته كما في أعمال توباك وجون لينون وغيرهم. وفي النهاية، وسواء اختلط اسم الأم برائحة الخبز والقهوة الدافئة، أو بصراع البقاء في شوارع المدينة، يبقى نداء الأم هو الصوت الأبدي الذي يخترق جدران الزمن ليعيد للإنسان براءته الأولى

أبعاد العاطفة: من تراتيل الخشوع الشرقي إلى ملامسة الوجدان الغربي

إذا تجاوزنا الفارق الفلسفي في رسم صورة الأم، فإننا نلمس بوضوح كيف تباينت الأدوات التعبيرية والمواضيع التي دارت في فلكها الأغاني بين العالمين. ففي الوجدان الشرقي، تدور رحى الأغنية حول الحنين الجارف، إظهار العرفان المطلق، وتخليد تضحيات الأم التي تفانت بصمت من أجل بناء أسرتها. إن المفردات المتاحة في الأغنية الشرقية غالباً ما تنهل من قاموس الطهارة والبر والدعاء، وتُصوّر الأم كحصن للدفء والأمان لا يقبل التبديل. هذا الحنين العارم يصل في كثير من الأحيان إلى حدود التماهي مع الوطن والأرض، لتصبح الأم هي الوطن المصغر الذي يلجأ إليه الإنسان كلما اشتدت عليه نوائب الدهر.

في المقابل، تنوعت المواضيع والمشاعر في الغناء الغربي لتشمل طيفاً أوسع من التجارب الإنسانية والنفسية. فنجد مثلاً في الموسيقى الريفية "الكاونتري" تصويراً دافئاً للأم بوصفها حارسة القيم العائلية والذاكرة البسيطة للبيت القديم. بينما نجد في قوالب أخرى كالـ "هيب هوب" والـ "راب" تحية عميقة وصريحة للأمهات اللواتي كابحن وسط جحيم الفقر والتمييز لحماية أبنائهن، مما يمنح الأغنية طابعاً واقعياً خشناً ومليئاً بالاحترام المتبادل والمكاشفة. كما لم تتردد الموسيقى الغربية في طرح أبعاد أكثر تعقيداً، كالتعبير عن شعور الذنب أو جروح الطفولة، في مقاربة تحليلية تبحث في جوهر العلاقة الإنسانية بكل تصدعاتها ودفئها.

هكذا يتشكل المشهد؛ عاطفة شرقية تحلق في سماء التقديس والامتنان المطلق، وعاطفة غربية تمشي على أرض الواقع لتلامس تفاصيل التجربة اليومية بكل ما فيه من قسوة وجمال

إن الغناء للأم، شرقاً وغرباً، ليس ترفاً عاطفياً، بل هو محاولة مستمرة من الإنسان لترميم روحه وإعادة اكتشاف براءته الأولى وسط صخب العالم. وبغض النظر عن اختلاف الألحان وتباین نبرات التقديس والواقعية، يبقى نداء الأم هو الصوت الأبدي الذي يخترق جدران الزمن، مذكراً إياناً بأن أجمل ما في هذا العالم البارد هو ذلك الدفء الذي تبدأ به الحكاية، ولا ينتهي أبداً

***

ئاريان علي

في المثقف اليوم