أقلام فكرية
حمزة مولخنيف: الرشدية الجديدة في المغرب المعاصر
كيف استُعيد ابن رشد داخل مشاريع الحداثة؟
في السياق الفكري المغربي المعاصر تبرز لحظة ابن رشد بوصفها لحظة عودة لا تنتمي إلى مجرد استعادة تاريخية لاسم فلسفي كبير بل إلى إعادة تركيب عميق لسؤال العقل داخل بنية الثقافة الإسلامية الحديثة. فالرشدية هنا لا تحضر باعتبارها أثراً ماضوياً محفوظاً في كتب الشرح والتعليق، بل باعتبارها إمكاناً نظرياً يتجدد مع كل محاولة لإعادة التفكير في العلاقة بين البرهان والنص، بين الحكمة والشريعة وبين العقل والتاريخ. إن هذا الحضور المتجدد لابن رشد داخل المغرب المعاصر يكشف عن توتر خصب بين مشروعين متداخلين، مشروع يسعى إلى ترسيخ الحداثة بوصفها أفقاً معرفياً ومنهجياً ومشروع آخر يشتغل على إعادة تأويل التراث بوصفه خزّاناً للمعقولية الممكنة.
لقد جرى استدعاء ابن رشد في المغرب الحديث داخل سياقات فكرية متعددة، بعضها مرتبط بإعادة قراءة التراث الفلسفي الإسلامي في ضوء أسئلة النهضة، وبعضها الآخر متصل بمشاريع نقد العقل العربي، وبعضها الثالث ينخرط في رهانات الإصلاح الديني وإعادة بناء مفهوم الاجتهاد. في كل هذه السياقات يتقدم اسم ابن رشد بوصفه علامة فارقة على إمكانية التوفيق بين البرهان العقلي والنص الشرعي أو على الأقل بوصفه لحظة توتر تكشف حدود هذا التوفيق وإمكاناته في آن واحد. فالرشدية لم تُستقبل كمنظومة مكتملة، بل كإشكال مفتوح وكأفق يفرض على الفكر أن يعيد مساءلة أدواته ومسلّماته.
ويمكن فهم كيف تحولت الرشدية إلى جزء من خطاب الحداثة في المغرب المعاصر. فحين يُستدعى ابن رشد في كتابات محمد عابد الجابري مثلاً فإن الأمر لا يتعلق باستعادة تاريخ الفلسفة بوصفه سرداً متتابعاً بل بإعادة بناء العقل العربي من داخله عبر تفكيك بنياته المعرفية وإبراز لحظاته العقلانية الكامنة. الجابري ينظر إلى ابن رشد باعتباره تتويجاً لما يسميه بالعقل البرهاني في الثقافة العربية الإسلامية وهو عقل يتأسس على الاستدلال المنطقي وعلى استقلالية النظر الفلسفي عن سلطة التأويل المغلق. غير أن هذا التوظيف لا يخلو من إعادة تشكيل للرشدية نفسها إذ تتحول من مشروع فلسفي تاريخي إلى نموذج إبستمولوجي يُستدعى في معركة نقد التراث وإعادة بنائه.
على مستوى آخر يتقدم طه عبد الرحمن بقراءة مختلفة تماماً حيث يعاد إدراج ابن رشد داخل سؤال الأخلاق لا داخل سؤال البرهان وحده. فالرشدية عنده لا تختزل في عقلانية جافة بل تنفتح على أفق روحي وأخلاقي يجعل من الفعل العقلي جزءاً من مسؤولية وجودية. ويتبدل موقع ابن رشد هنا من فيلسوف للبرهان إلى مفكر يواجه حدود البرهان نفسه حين ينفصل عن مقاصده الأخلاقية. هذا الاختلاف في التلقي يكشف أن الرشدية لم تعد ملكاً لمشروع واحد بل أصبحت مجالاً للتنازع التأويلي داخل الفكر المغربي المعاصر حيث تتعدد صور ابن رشد بتعدد المشاريع الفكرية التي تستحضره.
إن استعادة ابن رشد داخل مشاريع الحداثة المغربية تكشف أيضاً عن قلق معرفي عميق يتعلق بموقع العقل داخل الثقافة العربية الإسلامية. فالسؤال الرشدي القديم حول توافق الحكمة والشريعة يعود بصياغات جديدة تتصل بمفاهيم الدولة الحديثة وبقضايا الحرية الفكرية وبإشكالات التأويل الديني. ولا يظهر ابن رشد في سياقنا هذا كمجرد فيلسوف دافع عن الفلسفة ضد الفقه بل كمفكر فتح أفقاً لإعادة التفكير في شروط إنتاج الحقيقة نفسها سواء داخل النص أو خارجه. وقد عبّر إرنست رينان في قراءته الشهيرة لابن رشد عن هذا البعد حين رآه رمزاً للعقلانية في مواجهة الانغلاق غير أن القراءة المغربية المعاصرة تجاوزت هذا التبسيط لتعيد إدراج الرشدية داخل تعقيدها التاريخي والمعرفي.
تبدو الرشدية الجديدة إذن أقرب إلى حركة فكرية غير مكتملة تتشكل داخل التوتر بين إرث فلسفي متوسط القرون وبين أسئلة الحداثة الراهنة. فهي ليست مدرسة مغلقة لها حدودها النظرية الصارمة، بل سيرورة إعادة تأويل مستمرة تتغذى من الحاجة إلى إعادة تعريف العقل ذاته داخل فضاء ثقافي يتأرجح بين المرجعية التراثية ومتطلبات الحداثة حيث إن ابن رشد لا يُستعاد بوصفه جواباً جاهزاً بل بوصفه سؤالاً يعاد طرحه كلما أعيد التفكير في معنى العقل والحرية والمعرفة.
إن أهمية هذه الرشدية الجديدة تكمن في كونها تكشف أن الحداثة في المغرب لم تتشكل في قطيعة تامة مع التراث بل في حوار داخلي معه، حوار تتداخل فيه القراءات الفلسفية والتأويلات الدينية والمقاربات اللغوية.
إن ابن رشد يتحول إلى نقطة ارتكاز رمزية تسمح بإعادة التفكير في إمكان بناء عقل نقدي داخل الثقافة العربية الإسلامية دون الانفصال عن أفقها التاريخي، غير أن هذا الاستدعاء يظل محفوفاً بإشكال جوهري يتعلق بمدى قدرة المفاهيم الرشدية الأصلية على الاستمرار داخل سياقات معرفية مختلفة جذرياً عن سياقها الوسيط.
وتتحدد معالم الرشدية الجديدة في المغرب المعاصر كمسار تفكير مفتوح على احتمالات متعددة يتقاطع فيه الفلسفي بالتاريخي ويتداخل فيه التأويلي بالنقدي ويظل ابن رشد فيه علامة على سؤال لم يُحسم بعد حول موقع العقل في بناء المعنى وفي تشكيل الحقيقة داخل الثقافة العربية الإسلامية الحديثة.
يتجلى حضور ابن رشد في المغرب المعاصر كعودةٍ متشظية لا تستقر على معنى واحد، عودةٌ تتجاوز مجرد الاستذكار التاريخي لتلامس بنية السؤال الفلسفي ذاته، حين يُعاد طرحه داخل سياق حديث مثقل بإرث طويل من التوتر بين العقل والنص، وبين البرهان والتأويل وبين الفلسفة ومجالات التشريع. فالرشدية في هذا السياق لا تظهر كمنظومة مكتملة تُنقل كما هي من القرن السادس الهجري إلى فضاء القرن العشرين وما بعده، قدر ما تتشكل كإشكال معرفي يعاد بناؤه داخل كل قراءة جديدة، وكأن ابن رشد نفسه يتحول إلى مرآة تعكس اختلافات القرّاء أكثر مما تعكس ثبات النص الفلسفي الأصلي.
في السياق المغربي تتداخل مستويات متعددة من التلقي تتجاور فيها الرغبة في تحديث العقل الديني مع الحاجة إلى تأصيل حداثة لا تنفصل عن الذاكرة الثقافية الإسلامية. ويتقدم ابن رشد هنا باعتباره علامة مزدوجة الدلالة، فهو من جهة آخر الفلاسفة الكبار في تقليد الفلسفة الإسلامية الكلاسيكية، ومن جهة أخرى أول من صاغ بصورة دقيقة سؤال استقلال العقل البرهاني داخل منظومة دينية مكتملة البنية. هذا التوتر ذاته هو ما جعل الرشدية قابلة للاستدعاء في مشاريع فكرية متباينة بل متعارضة أحياناً داخل المشهد المغربي المعاصر.
في قراءة محمد عابد الجابري يتخذ ابن رشد موقعاً مركزياً داخل مشروع نقد العقل العربي حيث يُعاد ترتيب التاريخ الفكري الإسلامي وفق ثلاث بنى كبرى: البيان والعرفان والبرهان. داخل هذا التقسيم يتحول ابن رشد إلى ذروة العقل البرهاني، إلى اللحظة التي بلغ فيها التفكير الإسلامي أقصى درجات الانسجام المنطقي والاستدلالي قبل أن ينحرف وفق هذا التصور نحو مسارات العرفان والإشراق. غير أن هذا التحديد لا يمر دون إعادة تشكيل ضمنية لشخصية ابن رشد، إذ يُختزل في وظيفة إبستمولوجية صافية تكاد تفصله عن تعقيد مشروعه الفلسفي كما تشكل في سياق جدل طويل مع المتكلمين والفقهاء والفلاسفة على السواء.
هذا التوظيف الجابري للرشدية يكشف عن رغبة في إعادة بناء العقل العربي على أساس عقلانية صلبة تستمد مرجعيتها من التراث ذاته لا من قطيعة معه. غير أن هذه العقلانية في صورتها المعاصرة تتحول إلى أداة نقدية موجهة نحو إعادة ترتيب المجال المعرفي الإسلامي بما يسمح بتأسيس حداثة داخلية لا مستوردة. ابن رشد هنا لا يحضر كفيلسوف تاريخي فحسب، إنما كأفق تنظيمي للعقل، كمعيار يُقاس عليه مقدار حضور البرهان داخل الثقافة.
في المقابل تتخذ القراءة عند طه عبد الرحمن مساراً مغايراً يعيد إدراج ابن رشد داخل أفق أخلاقي وروحي يتجاوز حدود البرهان الصوري. فالعقل عند هذا التصور لا يكتمل داخل حدود الاستدلال المنطقي المجرد، قدر ما يندمج في تجربة أخلاقية تجعل من المعرفة مسؤولية ومن النظر فعلاً مرتبطاً بمقاصد الوجود الإنساني. داخل هذا الإطار تُعاد مساءلة الرشدية نفسها، إذ يتحول السؤال من مدى قدرة العقل على إنتاج البرهان إلى مدى قدرة البرهان على إنتاج المعنى الأخلاقي للفعل الإنساني.
هذا التباين بين الجابري وطه عبد الرحمن يعكس في عمقه تعددية داخلية في تلقي ابن رشد داخل الفكر المغربي المعاصر. فالرجل ذاته يتحول إلى فضاء تأويلي تتقاطع فيه مشاريع متباينة كل منها يعيد بناء صورته وفق حاجاته النظرية. وتتحدد الرشدية هنا بوصفها حقلا للصراع المفاهيمي أكثر من كونها إرثا معرفيا مستقرا إذ لا يُستعاد ابن رشد إلا عبر قراءات متحوّلة تعيد إنتاجه في كل سياق.
غير أن هذا الحضور لا ينفصل عن سياق أوسع يتعلق بإشكالية الحداثة في المغرب والعالم العربي. فالسؤال الذي يفرض نفسه يتعلق بإمكانية بناء عقل نقدي حديث داخل فضاء ثقافي مشبع بالمرجعيات التراثية. هنا يعود ابن رشد ليشغل موقع الوسيط الرمزي بين الماضي والحاضر، بين الفلسفة الإسلامية الكلاسيكية ومتطلبات الفكر الحديث. غير أن هذا الوسيط لا يعمل بوصفه جسراً محايداً، إنما بوصفه نقطة توتر تكشف صعوبة التوفيق بين نظامين معرفيين مختلفين في البنية والمرجع والغاية.
لقد شكلت أطروحة "فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال" إحدى أهم اللحظات المؤسسة لهذا التوتر. فابن رشد لا يسعى إلى إقصاء الشريعة لصالح الفلسفة ولا إلى تذويب الفلسفة داخل التأويل الديني، بل إلى تأسيس مشروعية مزدوجة للمعرفة تقوم على التمييز بين مستويات الخطاب دون الوقوع في القطيعة. هذا التمييز نفسه أعاد الفكر المغربي الحديث اكتشافه باعتباره إمكاناً نظرياً يسمح بإعادة التفكير في علاقة الدين بالعقل داخل الدولة الحديثة ومؤسساتها.
ويُعدّ عبد الله العروي في هذا المنحى أحد الأصوات التي أعادت طرح سؤال الحداثة من زاوية تاريخية صارمة، حيث تصبح الرشدية جزءاً من تاريخ طويل لتشكل العقلانية في الثقافة العربية الإسلامية. غير أن العروي لا يتعامل مع ابن رشد بوصفه نموذجاً مكتمل التحقق، إنما باعتباره لحظة ضمن مسار تاريخي أكبر يتحدد فيه العقل الحديث عبر مسار طويل من التراكم والانقطاع. هذا التصور التاريخي يجعل من الرشدية علامة دالة على إمكان العقلانية دون أن تتحول إلى معيار نهائي جاهز للتطبيق.
إن ما يجمع هذه القراءات رغم اختلافها هو أن ابن رشد لم يعد موضوعاً للفلسفة التاريخية فقط بل أصبح أداة لبناء تصورات حول الحداثة نفسها. فالحداثة هنا لا تُستورد كحزمة جاهزة من المفاهيم بل تُعاد صياغتها عبر تفكيك التراث وإعادة تأويله من الداخل. غير أن هذا المسار لا يخلو من مفارقة عميقة إذ كل محاولة لاستعادة ابن رشد تعيد إنتاجه بصورة جديدة تختلف عن صورته الأصلية بما يجعل الرشدية نفسها تتحول إلى مشروع لا يكتمل.
في هذا التحول تتكشف خاصية أساسية في الفكر المغربي المعاصر، وهي خاصية الاشتغال على التراث لا بوصفه ماضياً مغلقاً بل بوصفه مادة قابلة لإعادة التشكيل. فابن رشد لا يُستعاد كمرجع نهائي بل كسؤال مفتوح حول طبيعة العقل وحدوده وإمكاناته داخل سياق حضاري متغير. وهو بهذا الميل أو المنزع يجعل حضوره طابع حركة فكرية متواصلة تتوزع بين الفلسفة والتأويل والنقد وإعادة البناء دون أن تستقر على صيغة محددة.
إن الرشدية الجديدة لا تختزل في دفاع عن الفلسفة ضد خصومها التاريخيين، بل تتحول إلى أفق تفكير في شروط إمكان الفلسفة نفسها داخل الثقافة العربية الإسلامية المعاصرة. فالسؤال لم يعد يتعلق فقط بما قاله ابن رشد بل بما يمكن أن يقوله حضوره اليوم داخل فضاء معرفي مختلف جذرياً عن فضائه الأصلي. هذا التحول في طبيعة السؤال يعكس انتقالاً من قراءة النصوص إلى قراءة إمكانات العقل ذاته كما تتجلى عبر هذه النصوص.
ضمن هذا التشكّل تنبني الرشدية داخل المغرب المعاصر كحقل توتر مستمر تتقاطع فيه مشاريع فلسفية متعددة، ويظل فيه ابن رشد علامة على إمكانية التفكير العقلاني داخل فضاء ثقافي مركب. غير أن هذه الإمكانية تظل مفتوحة على أسئلة لا تنتهي، لأن كل محاولة لحسم معنى الرشدية تعيد فتحها من جديد وتدفع الفكر نحو إعادة مساءلة أدواته ومفاهيمه وحدوده.
ويتعمّق حضور ابن رشد داخل الفكر المغربي المعاصر بوصفه بنية إشكالية تعيد تشكيل نفسها كلما جرى استدعاؤها داخل مشروع من مشاريع الحداثة بحيث يغدو الفيلسوف الأندلسي أقرب إلى أفق معرفي متحوّل منه إلى مرجع تاريخي ثابت. إن الرشدية هنا تتحرك داخل فضاء تتقاطع فيه الحاجة إلى تأسيس عقل برهاني حديث مع الرغبة في إعادة قراءة التراث بوصفه خزّاناً لإمكانات لم تُستنفد بعد. هذا التقاطع يولّد توتراً داخلياً يجعل من ابن رشد نقطة التقاء بين مسارين، مسار يسعى إلى عقلنة المعرفة داخل الثقافة العربية الإسلامية، ومسار آخر يشتغل على إعادة تأويل تلك الثقافة من داخل بنيتها العميقة دون مغادرتها.
ويتخذ هذا التوتر أشكالاً متعددة حين يُستدعى ابن رشد داخل مشاريع فكرية مغربية حديثة. فالفيلسوف الذي كتب "فصل المقال" و"تهافت التهافت" واشتغل على أرسطو بوصفه نموذجاً للعقل البرهاني يتحول داخل هذه المشاريع إلى علامة دالة على إمكان الجمع بين النظر العقلي والمرجعية الدينية. غير أن هذا الجمع لا يظهر بوصفه توافقاً بسيطاً بل بوصفه صيغة معقدة لإدارة الاختلاف بين مستويات الخطاب حيث تتعدد درجات الفهم وتتنوع طرائق الوصول إلى الحقيقة بحسب اختلاف القدرات الذهنية واللغوية والتأويلية.
هذا التصور الرشدي حول تعدد مستويات الخطاب أعيد توظيفه داخل الفكر المغربي الحديث باعتباره مدخلاً لفهم العلاقة بين النخبة والجمهور وبين الفلسفة والفقه وبين المعرفة المتخصصة والمعرفة العامة. غير أن هذا التوظيف الحديث لا يعيد إنتاج النص الرشدي كما هو بل يعيد تشكيله داخل سياقات معرفية جديدة تغيرت فيها طبيعة السلطة المعرفية نفسها. فالمعرفة لم تعد حكراً على فئة محددة بل أصبحت موزعة عبر مؤسسات متعددة تتداخل فيها الجامعة والإعلام والدولة والسوق الثقافية.
ضمن هذا التعيين المفهومي تتجلى الرشدية كأفق لإعادة التفكير في مفهوم العقل ذاته، فالعقل عند ابن رشد يقوم على البرهان بوصفه أعلى أشكال المعرفة حيث يتأسس اليقين على الاستدلال المنطقي المتماسك. غير أن هذا التصور حين ينتقل إلى الفكر المغربي المعاصر يتحول إلى سؤال حول إمكانية تأسيس عقل نقدي داخل ثقافة لم تعرف الانفصال الكامل بين الفلسفة وباقي أشكال المعرفة. هذا السؤال يعيد فتح النقاش حول حدود العقل البرهاني نفسه وحول قدرته على استيعاب تعقيد الواقع الثقافي والاجتماعي والسياسي.
ويتخذ هذا النقاش بعداً إضافياً حين يدخل في حوار مع مشاريع فكرية مختلفة أعادت قراءة التراث الفلسفي الإسلامي من زوايا متعددة. داخل هذا الأفق يظهر ابن رشد عند بعض المفكرين بوصفه ذروة العقلانية في الفكر الإسلامي، اللحظة التي بلغ فيها العقل أقصى درجات اتساقه المنطقي قبل أن تتراجع الفلسفة أمام صعود أنماط أخرى من التفكير تقوم على التأويل أو الإشراق أو التصوف. إلا أن هذا التصور ذاته يثير سؤالاً حول مدى مشروعية اختزال تاريخ طويل ومعقد في لحظة واحدة تُعتبر معياراً لما قبلها وما بعدها.
وتتجلى أهمية هذا السؤال حين يُنظر إلى الرشدية بوصفها مشروعاً لإعادة بناء تاريخ الفكر الإسلامي وفق معيار عقلاني صارم. فالتاريخ هنا لا يُقرأ كسلسلة من الأحداث الفكرية المتجاورة بل كبنية قابلة للتصنيف وفق درجات القرب من البرهان أو البعد عنه. هذا التصور يمنح وضوحاً تفسيرياً غير أنه يثير أيضاً إشكالاً يتعلق بطبيعة التعدد داخل الثقافة الإسلامية نفسها حيث تتجاور أنماط مختلفة من إنتاج المعرفة دون أن تخضع بالضرورة لمنطق تطوري واحد.
داخل هذا التعدد يتخذ حضور ابن رشد معنى إضافياً حين يُقارن بتصورات أخرى للعقل داخل الفكر المغربي الحديث. فبعض الاتجاهات الفكرية ترى أن العقل لا يكتمل داخل البرهان الصوري وحده بل يحتاج إلى بعد قيمي وأخلاقي يحدد غاية المعرفة ويوجه استعمالها. هذا التصور يعيد إدراج العقل داخل أفق أوسع يتجاوز المنطق الصوري نحو تجربة إنسانية شاملة تتداخل فيها المعرفة بالقيمة والفهم بالفعل والنظر بالممارسة.
هذا التحول في فهم العقل يعيد تشكيل صورة ابن رشد نفسه إذ لا يُختزل في كونه فيلسوفا للبرهان فقط، بل يتحول إلى نقطة انطلاق لإعادة التفكير في حدود البرهان ذاته. فالسؤال لم يعد يتعلق فقط بكيفية إنتاج المعرفة الصحيحة بل بكيفية ربط هذه المعرفة بسياقها الإنساني والأخلاقي. هذا التوسع في أفق السؤال يجعل الرشدية مجالاً مفتوحاً للتأويل المستمر لا نسقاً مغلقاً يمكن حصره داخل تعريف نهائي.
يتعمق هذا الطابع التأويلي للرشدية حين يُنظر إلى علاقتها بإشكال الحداثة داخل السياق المغربي. فالحداثة هنا لا تتجلى كقطيعة كاملة مع التراث ولا كاستمرارية بسيطة له بل كحركة مزدوجة تقوم على إعادة قراءة الماضي وإعادة بناء الحاضر في آن واحد. داخل هذه الحركة يتعيّن ابن رشد بوصفه علامةً على إمكان التفكير في حداثة غير منفصلة عن مرجعيتها الثقافية، إلا أن هذا الإمكان يظل مرتهنا بإعادة تعريف المفاهيم المؤسسة للفكر.
يتضح هذا الأمر حين يُنظر إلى العلاقة بين النص والتأويل داخل المشروع الرشدي. فابن رشد يقيم تمييزاً دقيقاً بين ظاهر النص وباطنه وبين الفهم المباشر والتأويل البرهاني مع تأكيد ضرورة اللجوء إلى التأويل حين تتعارض ظواهر النص مع مقتضيات العقل. هذا التصور أعاد الفكر المغربي الحديث قراءته باعتباره محاولة مبكرة لتنظيم العلاقة بين النصوص الدينية وآليات الفهم العقلي. غير أن هذا التنظيم يطرح في السياق الحديث أسئلة جديدة تتعلق بتعدد مناهج التأويل وتغير أدوات المعرفة.
إن تطور العلوم الإنسانية والاجتماعية أضاف طبقات جديدة من التعقيد إلى مسألة التأويل حيث لم يعد النص يُقرأ فقط عبر أدوات لغوية أو منطقية بل أيضاً عبر مناهج تاريخية وسوسيولوجية وأنثروبولوجية. هذا التعدد في أدوات القراءة يجعل من الرشدية مشروعاً مفتوحاً يعاد استثماره داخل كل أفق معرفي جديد دون أن يفقد قدرته على إثارة الأسئلة الأساسية حول العلاقة بين العقل والنص.
وتنكشف مفارقة أساسية داخل الرشدية الجديدة، مفارقة تقوم على التوتر بين رغبة في تأسيس نموذج عقلاني مستقر، وبين واقع تأويلي متغير يجعل من كل نموذج عرضة لإعادة التفكيك. فكل محاولة لتثبيت صورة محددة لابن رشد داخل الفكر المغربي تعيد فتح المجال لتأويلات جديدة تتجاوز تلك الصورة أو تعيد تعديلها. هذا الوضع يجعل الرشدية أقرب إلى سيرورة فكرية مستمرة منها إلى نظرية مكتملة. ويتعزز هذا الطابع السيروري حين يُنظر إلى العلاقة بين الفكر المغربي المعاصر والسياق العالمي للفلسفة. فاستعادة ابن رشد لا تتم داخل فضاء محلي مغلق بل داخل حوار غير مباشر مع تقاليد فلسفية غربية أعادت اكتشافه منذ العصور الوسطى وجعلت منه رمزاً لعبور العقل الفلسفي إلى أوروبا. بيد أن هذا الاستقبال الغربي لابن رشد عاد إلى الفكر المغربي محملاً بدلالات معقدة تتعلق بموقعه داخل تاريخ الفلسفة العالمية وبإمكان إعادة امتلاكه داخل سياق ثقافي مختلف.
هذا التداخل بين المحلي والعالمي يضيف طبقة جديدة من التعقيد إلى الرشدية حيث لا يتعلق الأمر فقط بقراءة ابن رشد داخل التراث الإسلامي بل أيضاً بإعادة تحديد موقعه داخل تاريخ الفلسفة الكونية. هذا الموقع المزدوج يجعل من الرشدية فضاء للتفاوض بين قراءات متعددة، كل منها يعيد تشكيل صورة الفيلسوف وفق منظوره الخاص.
إن الرشدية الجديدة لا يمكن اختزالها في مشروع فكري واحد أو اتجاه محدد بل هي مجال مفتوح من الأسئلة التي تتعلق بالعقل والتاريخ والتأويل والحداثة. هذا المجال لا يستقر على جواب نهائي لأن شروطه المعرفية نفسها في تغير دائم. فكل لحظة فكرية تعيد طرح ابن رشد بطريقة مختلفة وتفتح عبره أسئلة جديدة حول إمكان الفلسفة داخل الثقافة العربية الإسلامية المعاصرة.
وتكمن أهمية هذا المسار في كونه يكشف أن التراث لا يعمل ككتلة صماء من المعاني الجاهزة بل كنسيج حي من الإمكانات التي يعاد اكتشافها باستمرار كما يكشف أن الحداثة نفسها ليست حالة مكتملة بل عملية مستمرة لإعادة تعريف مفاهيم العقل والمعرفة والإنسان. بين هذين الأفقين يتشكل موقع ابن رشد داخل الفكر المغربي المعاصر بوصفه نقطة توتر دائمة لا تنتهي إلى استقرار لأنها مرتبطة بسؤال أعمق يتعلق بحدود العقل ذاته وقدرته على فهم العالم وإعادة بنائه وتصير الرشدية تجربة فكرية مفتوحة تشتغل على إعادة بناء العلاقة بين التراث والحداثة دون أن تدعي امتلاك جواب نهائي. وفي هذا الانفتاح تكمن قوتها لأنها لا تجعل من ابن رشد مجرد اسم في تاريخ الفلسفة بل سؤالاً دائماً يعيد تشكيل الفكر كلما أعيد طرحه ويضع العقل أمام مرآته الخاصة حيث يتجدد السؤال بدل أن ينغلق المعنى.
***
د. حمزة مولخنيف







