"إِنَّ مَوْتَ الْفَلْسَفَةِ يَكْمُنُ فِي تَخَلِّيها عَنْ وَظِيفَتِها النَّقْدِيَّةِ الْمُتَمَثِّلَةِ فِي تَحْرِيرِ الْوَعْيِ مِنَ الْأَوْهَامِ، وَرَفْضِ الْأَوْضَاعِ السَّائِدَةِ وَالِانْعِتَاقِ مِنْها. إِنَّ مُهِمَّةَ الْفَلْسَفَةِ هِيَ صَوْنُ الْحَقِيقَةِ مِنَ الضَّيَاعِ، وَتَمْجِيدُ الْعَقْلِ، وَالِاحْتِفَاءُ بِدَوْرِهِ، وَإِعْلَاءُ مَكَانَتِهِ بِوَصْفِهِ الْوَسِيلَةَ الَّتِي تَكْشِفُ زَيْفَ الْوَاقِعِ وَأَوْهَامَهُ الْمُضَادَّةَ لِلْإِنْسَانِ وَالْإِنْسَانِيَّةِ". هِرْبَرْت مَارْكُوز [1]
مُنْذُ عَصْرِ التَّنْوِيرِ، أَصْبَحَ النَّقْدُ (Criticism) جُزْءًا أَسَاسِيًّا في بنية الْفَلْسَفَةِ وحركتها المعرفية . وَلَمْ يَكُنِ النَّقْدُ نَشَاطًا مُنْفَصِلًا، بَلْ كَانَ جُزْءًا مِنَ التَّفْكِيرِ الْعَقْلَانِيِّ نَفْسِهِ. وَكَانَ كَانْطُ، فَيْلَسُوفُ النَّقْدِ، يَرَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْعَقْلِ أَنْ يَنْتَقِدَ نَفْسَهُ، وَأَنْ يَتَحَرَّى حُدُودَهُ، وَيَتَلَمَّسَ أَبْعَادَ وُجُودِهِ، وَمِنْ ثَمَّ أَنْ يَتَحَرَّرَ مِنَ الطَّاعَةِ الْعَمْيَاءِ لِلسُّلْطَةِ، وَهَذَا النَّقْدُ هُوَ الطَّاقَةُ الَّتِي تُشَكِّلُ جَوْهَرَ مَشْرُوعِهِ الْفَلْسَفِيِّ فِي كِتَابِه الشهير "نَقْدِ الْعَقْلِ الْمَحْضِ" (Critique of Pure Reason). فَالنَّقْدُ عِنْدَ كَانْطَ لَيْسَ مُجَرَّدَ اعْتِرَاضٍ، بَلْ قُدْرَةُ الْعَقْلِ عَلَى فَحْصِ نَفْسِهِ، كَيْ لَا يَتَحَوَّلَ الْعَقْلُ نَفْسُهُ إِلَى أَدَاةٍ لِلْهَيْمَنَةِ، أَوْ إِلَى عَقْلٍ سَلِيطٍ سَطْحِيٍّ أَصَابَهُ الْعَمَاءُ والجمود .
وعلى خطى كانط عَرَّفَ مَارْكْسُ الْفَلْسَفَةَ بِرُمَّتِها بِأَنَّها نَقْدٌ لَا يَرْحَمُ لِكُلِّ الْبُنَى الِاجْتِمَاعِيَّةِ الظَّالِمَةِ، وَهُوَ نَقْدٌ لَا يُخَافُ مِنْ نَتَائِجِهِ، وَلَا يَخْشَى الصِّدَامَ مَعَ السُّلْطَةِ. وَفِي سِيَاقٍ آخَرَ، وَصَفَ الْفَلْسَفَةَ بِأَنَّها النَّقْدُ الْعِلْمِيُّ لِلِاقْتِصَادِ السِّيَاسِيِّ. وَعَلَى هَذَا الْأَسَاسِ، يُمْكِنُ الْقَوْلُ إِنَّ مَارْكْسَ يَقِفُ دَاخِلَ تَقْلِيدِ التَّنْوِيرِ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَخْدِمُ الْعَقْلَ وَالنَّقْدَ، لَكِنَّهُ يَتَجَاوَزُهُ فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ عِنْدَما يُطَبِّقُ النَّقْدَ عَلَى التَّنْوِيرِ نَفْسِهِ. فَهُوَ يَرَى أَنَّ الْبُرْجُوَازِيَّةَ وَالْمُؤَسَّسَاتِ السِّيَاسِيَّةَ الدِّيمُقْرَاطِيَّةَ الْحَدِيثَةَ تَقُومَانِ عَلَى افْتِرَاضَاتٍ اقْتِصَادِيَّةٍ تُنَاقِضُ ادِّعَاءَهُما بِالتَّحَرُّرِ الشَّامِلِ. فَالِاسْتِغْلَالُ يَتَمَرْكَزُ فِي صُلْبِ الْمُجْتَمَعِ الْبُرْجُوَازِيِّ، وَيُشَكِّلُ جُزْءًا أَصِيلًا فِي بِنْيَةِ الرَّأْسِمَالِيَّةِ؛ لِأَنَّ الْعُمَّالَ يُشَكِّلُونَ التَّكْوِينَ الْأَعْظَمَ مِنْ تَشْكِيلَةِ الْمُجْتَمَعِ الْإِنْسَانِيِّ، وَمَعَ ذَلِكَ فَإِنَّ الرَّأْسِمَالِيَّةَ تَسْتَبْعِدُهُمْ؛ فَهُمْ، مِنَ الْوِجْهَةِ الْحُقُوقِيَّةِ، أَحْرَارٌ قَانُونِيًّا، لَكِنَّهُمْ لَا يَمْلِكُونَ إِلَّا قُوَّةَ عَمَلِهِمْ، وَيُضْطَرُّونَ لِبَيْعِها فِي السُّوقِ، فِي الْوَقْتِ الَّذِي يَسْتَوْلِي فِيهِ الْمُلَّاكُ عَلَى الْفَائِضِ الَّذِي يُنْتِجُونَهُ قَهْرًا وَتَسَلُّطًا وَكَبْتًا.
وَفِي هَذَا السِّيَاقِ، يَرَى كَانْطُ (Immanuel Kant) أَنَّ النَّقْدَ لَيْسَ مُجَرَّدَ مَقُولَةٍ فَلْسَفِيَّةٍ مَحْضَةٍ فَحَسْبُ، بَلْ هُوَ فَعَّالِيَّةٌ مَعْرِفِيَّةٌ تُمَارِسُ تَأْثِيرَها فِي الْحَيَاةِ الْفِكْرِيَّةِ وَالِاجْتِمَاعِيَّةِ بِقُوَّةٍ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ. فَالنَّقْدُ يُمَارِسُ دَوْرَهُ فِي الْحَيَاةِ الْعَامَّةِ؛ إِذْ يُؤَدِّي دَوْرًا فِي تَعْلِيمِ أَفْرَادِ الْمُجْتَمَعِ، وَصَقْلِ وَعْيِهِمْ، وَتَثْقِيفِهِمْ، كَما أَنَّهُ يُحَوِّلُ الْمُجْتَمَعَ إِلَى كَيَانٍ فَاعِلٍ وَاعٍ لِذَاتِهِ وَبِذَاتِهِ، وَيَجْعَلُ النَّاسَ قَادِرِينَ عَلَى تَقْرِيرِ مَصِيرِهِمْ بِأَنْفُسِهِمْ. وَعَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ، يَرَى كَانْطُ أَنَّهُ، مِنْ أَجْلِ تَحْقِيقِ مَشْرُوعِ التَّنْوِيرِ - أَيْ إِخْرَاجِ الْإِنْسَانِ مِنْ "قُصُورِهِ الَّذِي اقْتَرَفَهُ بِنَفْسِهِ" – إذ لَا بُدَّ مِنْ حُرِّيَّةِ الِاسْتِخْدَامِ الْعَلَنِيِّ لِلْعَقْلِ، وَإِمْكَانِيَّةِ التَّعْبِيرِ النَّقْدِيِّ فِي كُلِّ الْمَجَالَاتِ؛ وَمِثْلُ هَذِهِ الْحُرِّيَّاتِ لَا تُعْطَى تِلْقَائِيًّا، بَلْ يَتِمُّ تحقيقها بِالنِّضَالِ الْفِكْرِيِّ وَالِاجْتِمَاعِيِّ، وَيُضَافُ إِلَى ذَلِكَ أَنَّهُ يَجِبُ الدِّفَاعُ عَنْها.وَبِاخْتِصَارٍ، فَإِنَّ النَّقْدَ عِنْدَ كَانْطَ هُوَ اسْتِخْدَامُ الْعَقْلِ عَلَنًا لِتَحْرِيرِ الْإِنْسَانِ. وَهُوَ عِنْدَ مَارْكْسَ تَحْلِيلٌ جَذْرِيٌّ يَكْشِفُ التَّنَاقُضَاتِ الِاقْتِصَادِيَّةَ الَّتِي تُقَوِّضُ ادِّعَاءَ الْمُجْتَمَعِ الْبُرْجُوَازِيِّ بِالْحُرِّيَّةِ. وَعَلَى هَذَا النَّحْوِ، يُمْكِنُ الْقَوْلُ إِنَّ النَّقْدَ لَيْسَ مُجَرَّدَ اعْتِرَاضٍ، وَلَيْسَ مُجَرَّدَ هَدْمٍ، بَلْ هُوَ عَمَلِيَّةٌ عَقْلِيَّةٌ وَأَخْلَاقِيَّةٌ تَهْدِفُ إِلَى تَحْرِيرِ الْإِنْسَانِ، لَكِنَّهُ يَكْشِفُ أَنَّ الْحُرِّيَّةَ الْمُعْلَنَةَ قَدْ تُخْفِي عَلَاقَاتِ هَيْمَنَةٍ عَمِيقَةً.
فِي عَامِ 1969، كَتَبَ أَدُورْنُو مَقَالًا فِي الْأُسْبُوعِيَّةِ "دِي تْسَايْت" (Die Zeit) بِعُنْوَانِ "النَّظَرِيَّةِ النَّقْدِيَّةِ" (Kritische Theorie) ([2]) يَشْرَحُ فِيهِ مَعْنَى "النَّظَرِيَّةِ النَّقْدِيَّةِ" وَدَوْرَها فِي الْفَلْسَفَةِ وَفِي الْحَيَاةِ الْعَامَّةِ. كَانَ يُرِيدُ مِنْ خِلَالِها أَنْ يُدَافِعَ عَنِ النَّقْدِ الْحَقِيقِيِّ ضِدَّ نَوْعَيْنِ مِنَ التَّشْوِيهِ: يَتَمَثَّلُ الْأَوَّلُ فِي قَمْعِ النَّقْدِ (مَنْعِ التَّفْكِيرِ النَّقْدِيِّ أَوْ مُهَاجَمَتِهِ)، وَيَتَمَثَّلُ الْآخَرُ فِي اسْتِعْمَالِ النَّقْدِ بِشَكْلٍ وَظِيفِيٍّ أَيْدِيُولُوجِيٍّ لِخِدْمَةِ أَهْدَافٍ سِيَاسِيَّةٍ جَاهِزَةٍ. وَقَدْ شَكَّلَتْ هَذِهِ النُّقْطَةُ مَثَارَ انْتِقَادٍ شَدِيدٍ مِنْ قِبَلِ الْمُفَكِّرِينَ الَّذِينَ اسْتَغْرَبُوا دَعْوَتَهُ إِلَى عَدَمِ الِانْخِرَاطِ النَّقْدِيِّ فِي الْعَمَلِ السِّيَاسِيِّ مُبَاشَرَةً. وَمِنْ جَانِبِهِ، فَسَّرَ أَدُورْنُو هَذَا الْمَوْقِفَ بِأَنَّهُ يَعْكِسُ تَقْلِيدًا أَلْمَانِيًّا قَدِيمًا يَطْلُبُ مِنَ النَّاقِدِ أَنْ يَكُونَ "إِيجَابِيًّا" دَائِمًا، أَيْ أَنْ يُقَدِّمَ حُلُولًا جَاهِزَةً.
لَكِنَّ أَدُورْنُو، وَعَلَى خِلَافِ ذَلِكَ، كَانَ يَرَى أَنَّ وَظِيفَةَ النَّقْدِ لَا تَتَمَثَّلُ فِي تَقْدِيمِ وَصَفَاتٍ سِيَاسِيَّةٍ وَأَيْدِيُولُوجِيَّةٍ مَصْقُولَةٍ جَاهِزَةٍ، بَلْ كَانَ يَنْظُرُ إِلَيْهِ بِوَصْفِهِ قُوَّةً فَاعِلَةً تَعْمَلُ عَلَى كَشْفِ التَّنَاقُضَاتِ وَالْمُفَارَقَاتِ وَالْمُشْكِلَاتِ الْكَامِنَةِ فِي صُلْبِ الْمُجْتَمَعِ. وَقَدْ وَجَدَ نَفْسَهُ فِي مُوَاجَهَةِ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ النَّقْدَ الصَّحِيحَ هُوَ فَقَطْ "النَّقْدُ الْبَنَّاءُ" الَّذِي يَقْتَرِحُ بَدَائِلَ عَمَلِيَّةً، وَأَنَّ النَّقْدَ الَّذِي يَكْتَفِي بِكَشْفِ الْخَطَإِ لَيْسَ نَقْدًا حَقِيقِيًّا، بَلْ هُوَ نَقْدٌ سَلْبِيٌّ. وَمِنَ الطَّبِيعِيِّ أَنْ يُعَارِضَ أَدُورْنُو هَذَا الْفَهْمَ، وَيَعْتَرِضَ عَلَى هَذِهِ الرُّؤْيَةِ؛ لِأَنَّ النَّقْدَ فِي جَوْهَرِهِ هُوَ فِعْلُ نَفْيٍ تَتَمَثَّلُ مُهِمَّتُهُ فِي الْكَشْفِ، وَالْوَعْيِ، وَاسْتِجْلَاءِ الْحَقِيقَةِ، وَرَفْضِ الْوَاقِعِ الْمُهِينِ قَبْلَ أَيِّ إِصْلَاحٍ. وَعَلَى هَذِهِ الْحَالِ، لَيْسَ مِنَ الضَّرُورِيِّ أَنْ يَكُونَ النَّاقِدُ هُوَ مَنْ يَمْلِكُ الْحَلَّ، وَفْقًا لِمَقُولَةِ هِيغِلَ الْمَشْهُورَةِ: "إِنَّهُ لَيْسَ عَلَيْكَ أَنْ تَكُونَ إِسْكَافِيًّا لِتَعْرِفَ أَنَّ الْحِذَاءَ لَا يُنَاسِبُكَ". وَفِي هَذَا السِّيَاقِ، يُحَذِّرُ أَدُورْنُو مِنْ أَنْ يَتَحَوَّلَ النَّقْدُ إِلَى مُمارَسَةٍ سَطْحِيَّةٍ إِذَا تَخَلَّى عَنْ أُسُسِهِ الْأَخْلَاقِيَّةِ وَالْمِعْيَارِيَّةِ، وَهَذَا يَعْنِي أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى النَّاقِدِ أَنْ يَعْرِفَ لِمَاذَا يَنْتَقِدُ، وَكَيْفَ، وَمَا أُصُولُ النَّقْدِ وَمَبَادِئُهُ، لَا أَنْ يَكْتَفِيَ بِالرَّفْضِ لِمُجَرَّدِ النَّقْدِ وَالرَّفْضِ.
وَغَالِبًا مَا يَرْتَبِطُ مَفْهُومُ النَّقْدِ بِمَفْهُومِ الْأَزْمَةِ؛ لِأَنَّ النَّقْدَ غَالِبًا يَظْهَرُ فِي مَوَاسِمِ الْأَزَمَاتِ، أَيْ عِنْدَمَا يُصْبِحُ الْوَضْعُ حَرِجًا وَمَأْزُومًا وَمُهَدَّدًا وَغَيْرَ مَقْبُولٍ. وَعَلَى هَذِهِ الْحَالِ، فَإِنَّ النَّقْدَ يَنْفِي الْوَاقِعَ الْقَائِمَ، لَكِنَّ هَدَفَهُ النِّهَائِيَّ لَيْسَ النَّفْيَ الْمُجَرَّدَ، بَلِ الْوُصُولُ إِلَى وَضْعٍ أَفْضَلَ، حَتَّى لَوْ لَمْ يَكُنْ هَذَا الْوَضْعُ وَاضِحًا بَعْدُ.
وَبِاخْتِصَارٍ، فَإِنَّ النَّظَرِيَّةَ النَّقْدِيَّةَ عِنْدَ أَدُورْنُو تَعْنِي رَفْضَ الْوَاقِعِ كَمَا هُوَ بِتَنَاقُضَاتِهِ وَظَلَامِيَّتِهِ، وَكَشْفَ التَّنَاقُضَاتِ الْكَامِنَةِ فِي أَعْمَاقِهِ، وَتَحَرِّيَ طَبِيعَةِ الْهَيْمَنَةِ الْقَائِمَةِ فِيهِ، وهو إذ ذاك يرى أنه يَجِبُ عَلَى النَّقْدِ أَنْ يَقُومَ بِرَصْدِ الظَّوَاهِرِ الْفِكْرِيَّةِ وَالْوُجُودِيَّةِ الْقَائِمَةِ فِي صُلْبِ الْحَيَاةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ. وَقَدْ رَفَضَ بِقُوَّةٍ، كَمَا أَسْلَفْنَا، الْفِكْرَةَ الَّتِي تَحُثُّ النَّاقِدَ وَالْمُثَقَّفَ النَّقْدِيَّ عَلَى تَقْدِيمِ حُلُولٍ جَاهِزَةٍ لِمُشْكِلَاتِ الْمُجْتَمَعِ وَتَحَدِّيَاتِهِ الْمُعَقَّدَةِ، وَهَذَا يَعْنِي أَنَّ النَّقْدَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ سَلْبِيًّا بِطَبِيعَتِهِ، مَعَ أَنَّهُ يَهْدِفُ فِي النِّهَايَةِ إِلَى تَحَرُّرِ الْإِنْسَانِ.
وَمِنْ هَذَا الْمُنْطَلَقِ، يَرَى أَدُورْنُو أَنَّ النَّقْدَ عُنْصُرٌ جَوْهَرِيٌّ فِي كُلِّ دِيمُقْرَاطِيَّةٍ، بَلْ إِنَّ الدِّيمُقْرَاطِيَّةَ لَا تَكَادُ تُعَرَّفُ إِلَّا بِهِ وَمِنْ خِلَالِهِ. وَيَرَى، فِي هَذَا السِّيَاقِ، أَنَّ فِكْرَةَ فَصْلِ السُّلُطَاتِ - مِنْ لُوكَ إِلَى مُونْتِسْكْيُو وَالدُّسْتُورِ الْأَمِيرِكِيِّ - تَقُومُ فِي أَسَاسِهَا عَلَى عَمَلِيَّةِ نَقْدٍ مُتَبَادَلٍ تَمْنَعُ احْتِكَارَ السُّلْطَةِ.
وَقَدْ تَبَيَّنَ بِوُضُوحٍ أَنَّ النَّقْدَ فِي عَصْرِ التَّنْوِيرِ سَلْبِيٌّ؛ لِأَنَّهُ يَنْفِي الْوَاقِعَ الْقَائِمَ، وَهُوَ فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ إِيجَابِيٌّ؛ لِأَنَّهُ يُمَهِّدُ الطَّرِيقَ لِبِنَاءِ مُجْتَمَعٍ أَفْضَلَ، وَذَلِكَ لِأَنَّ النَّقْدَ يَهْدِمُ الزَّائِفَ وَالسَّطْحِيَّ وَالْوَهْمِيَّ، وَيُؤَسِّسُ لِمَا هُوَ حَقِيقِيٌّ وَعَادِلٌ. وَقَدْ أَشَارَ مَارْكْسُ، فِي هَذَا السِّيَاقِ، إِلَى أَنَّ النَّقْدَ لَيْسَ شَغَفًا لِلْعَقْلِ، بَلْ هُوَ عَقْلُ الشَّغَفِ. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هُنَاكَ عُنْصُرَيْنِ أَسَاسِيَّيْنِ فِي عَمَلِيَّةِ النَّقْدِ؛ إِذْ يَنْطَوِي عَلَى صِرَاعٍ عَاطِفِيٍّ ضِدَّ أَوْضَاعٍ اجْتِمَاعِيَّةٍ غَيْرِ مَقْبُولَةٍ، وَعَلَى تَحْلِيلٍ عَقْلَانِيٍّ يَفْهَمُ جَوْهَرَ هَذِهِ الْأَوْضَاعِ وَحَرَكَتَهَا الدَّاخِلِيَّةَ. وَمِنَ الْمُؤَكَّدِ أَنَّهُ، مِنْ دُونِ الْفَهْمِ الْعَقْلِيِّ، يَتَحَوَّلُ الْغَضَبُ إِلَى طَاقَةٍ ضَائِعَةٍ، وَمِنْ دُونِ الِالْتِزَامِ الْعَاطِفِيِّ، يُصْبِحُ الْفِكْرُ بَارِدًا وَعَدِيمَ الْفَاعِلِيَّةِ.
وَكَمَا يرى هَابِرْمَاسُ مُوَضِّحًا، فَإِنَّ تَحَرُّرَ الْبُرْجُوَازِيَّةِ مِنَ الْحُكْمِ الْأَرِسْتُقْرَاطِيِّ الْإِقْطَاعِيِّ الْقَدِيمِ لَمْ يُلْغِ عَلَاقَاتِ الْقُوَّةِ، بَلْ خَلَقَ عَلَاقَاتِ قُوَّةٍ جَدِيدَةً أَكْثَرَ رَهْبَةً وَصَوْلَةً بَيْنَ مَالِكِي الْعَمَلِ وَالْعُمَّالِ الْمَأْجُورِينَ. وَعَلَى هَذَا النَّحْوِ، تَتَكَشَّفُ أَوْهَامُ "الْمُجْتَمَعِ الْمَدَنِيِّ"؛ إِذْ لَمْ يَعُدِ الْمُجْتَمَعُ الْبُرْجُوَازِيُّ يُمَثِّلُ الْمُجْتَمَعَ كُلَّهُ، مَعَ أَنَّهُ يَدَّعِي الْكَوْنِيَّةَ، لَكِنَّهُ فِي الْوَاقِعِ قَائِمٌ عَلَى انْقِسَامٍ طَبَقِيٍّ.
وَيَنْطَوِي كِتَابُ "جَدَلِ التَّنْوِيرِ" (Dialectic of Enlightenment)، لِمُؤَلِّفَيْهِ أَدُورْنُو وَهُورْكْهَايْمَر، عَلَى نَظَرِيَّةٍ اجْتِمَاعِيَّةٍ نَقْدِيَّةٍ مُسْتَلْهَمَةٍ فِي جَوْهَرِهَا مِنْ نَظَرِيَّتَيْ كَارْل مَارْكْسَ (Karl Marx) وَمَاكْس فِيبَر (Max Weber). و َيَتَّضِحُ أَنَّ أَدُورْنُو اعْتَادَ أَنْ يَقْرَأَ مَارْكْسَ بِوَصْفِهِ مَادِّيًّا هِيغِلِيًّا، وَيَرَى فِي هَذَا الْمَدَدِ الْفِكْرِيِّ أَنَّ نَقْدَ الرَّأْسِمَالِيَّةِ يَتَضَمَّنُ، عَلَى نَحْوٍ لَا مَفَرَّ مِنْهُ، نَقْدًا لِلْأَيْدِيُولُوجِيَّاتِ الرَّأْسِمَالِيَّةِ بِمَا تَنْطَوِي عَلَيْهِ مِنْ أَفْكَارٍ وَمَفَاهِيمَ وَتَصَوُّرَاتٍ وَتَلْمِيحَاتٍ وَإِشَارَاتٍ. وَقَدْ رَكَّزَ أَدُورْنُو، فِي نَقْدِهِ لِلرَّأْسِمَالِيَّةِ، عَلَى مَقُولَةِ مَارْكْسَ "فِتْشِيَّةِ السِّلْعَةِ" (Fetishism of commodities): وَالْفِتْشِيَّةُ، أَوْ "صَنَمِيَّةُ السِّلْعَةِ"، هِيَ انْقِلَابٌ فِي الْوَعْيِ تُنْسَبُ فِيهِ إِلَى السِّلَعِ صِفَاتٌ وَقُوًى تَبْدُو ذَاتِيَّةً وَطَبِيعِيَّةً، بَيْنَمَا تُخْفَى فِي الْوَاقِعِ الْعَلَاقَاتُ الِاجْتِمَاعِيَّةُ وَالْعَمَلُ الْإِنْسَانِيُّ اللَّذَانِ يُنْتِجَانِهَا. فَتَظْهَرُ الْعَلَاقَةُ بَيْنَ النَّاسِ كَمَا لَوْ كَانَتْ عَلَاقَةً بَيْنَ أَشْيَاءَ. وَهُوَ الْمَفْهُومُ الَّذِي يَتَبَنَّاهُ مَارْكْسُ فِي الْكَشْفِ عَنْ أَحَدِ أَخْطَرِ جَوَانِبِ الْإِنْتَاجِ الرَّأْسِمَالِيِّ لِلِاسْتِلَابِ وَالِاغْتِرَابِ، وَيَتَمَثَّلُ ذَلِكَ فِي تَقْدِيسِ السِّلْعَةِ الْمُنْتَجَةِ وَازْدِرَاءِ قِيمَةِ الْإِنْسَانِ الْمُنْتِجِ لَهَا. فَالسِّلْعَةُ تَأْخُذُ مَكَانَهَا فِي دَائِرَةِ الْمُقَدَّسِ، وَتَظْهَرُ بِقُوَّتِهَا وَفَرَادَتِهَا وَأَهَمِّيَّتِهَا، بَيْنَمَا يَخْتَفِي الْإِنْسَانُ الْمُنْتِجُ الَّذِي أَنْتَجَهَا بِعَرَقِهِ وَجُهْدِهِ، وَتَخْتَفِي مَعَهُ قِيمَتُهُ الْإِنْسَانِيَّةُ؛ إِذْ يَتَشَيَّأُ الْإِنْسَانُ، وَتُؤَنْسَنُ السِّلَعُ وَالْمُنْتَجَاتُ الْمُنْتَجَةُ، وَهَذَا يُمَثِّلُ أَقْصَى دَرَجَةٍ مِنْ دَرَجَاتِ الِاسْتِلَابِ وَالِاغْتِرَابِ وَالْعَذَابِ الْإِنْسَانِيِّ. وَقَدْ وَجَّهَ مَارْكْسُ نَقْدَهُ ضِدَّ عُلَمَاءِ الِاجْتِمَاعِ الْبُرْجُوَازِيِّينَ الَّذِينَ يَكْتَفُونَ بِوَصْفِ الِاقْتِصَادِ الرَّأْسِمَالِيِّ كَمَا لَوْ كَانَ وَاقِعًا طَبِيعِيًّا، لَكِنَّهُمْ، بِذَلِكَ، يُسِيئُونَ وَصْفَهُ فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ، وَيَفْرِضُونَ رُؤْيَةً اجْتِمَاعِيَّةً زَائِفَةً. فَبِحَسَبِ مَارْكْسَ، يَتَجَاهَلُ الِاقْتِصَادِيُّونَ الْبُرْجُوَازِيُّونَ، بِالضَّرُورَةِ، الِاسْتِغْلَالَ الْكَامِنَ فِي صُلْبِ الْإِنْتَاجِ الرَّأْسِمَالِيِّ. وَهُمْ يَفْشَلُونَ فِي إِدْرَاكِ أَنَّ الْإِنْتَاجَ الرَّأْسِمَالِيَّ، رَغْمَ كُلِّ مَا يَبْدُو عَلَيْهِ مِنْ "حُرِّيَّةٍ شَكْلِيَّةٍ" وَ"مُسَاوَاةٍ فِي التَّبَادُلِ"، لَا بُدَّ أَنْ يَسْتَخْلِصَ فَائِضَ الْقِيمَةِ مِنَ الْعَمَلِ الْمُكْرَهِ لِلطَّبَقَةِ الْعَامِلَةِ. وَمِثْلَ الْمُنْتِجِينَ وَالْمُسْتَهْلِكِينَ الْعَادِيِّينَ فِي ظِلِّ الشُّرُوطِ الرَّأْسِمَالِيَّةِ، يَتَعَامَلُ الِاقْتِصَادِيُّونَ الْبُرْجُوَازِيُّونَ مَعَ السِّلْعَةِ بِوَصْفِهَا مُقَدَّسًا "صَنَمًا"، أَوْ بِوَصْفِهَا الْغَايَةَ وَالْقِيمَةَ الْعُلْيَا لِلْعَمَلِيَّةِ الْإِنْتَاجِيَّةِ؛ إِذْ يُعَامِلُونَهَا كَمَا لَوْ كَانَتْ مُعْطًى إِيجَابِيًّا وَمُحَايِدًا، ذَا قِيمَةٍ كَامِنَةٍ فِي ذَاتِهِ، وَتَرْتَبِطُ مُبَاشَرَةً بِسِلَعٍ أُخْرَى، بِمَعْزِلٍ عَنِ التَّفَاعُلَاتِ الْإِنْسَانِيَّةِ الَّتِي تَقُومُ عَلَيْهَا جَمِيعُ السِّلَعِ فِعْلِيًّا. وَعَلَى النَّقِيضِ مِنْ ذَلِكَ، يُجَادِلُ مَارْكْسُ بِأَنَّ كُلَّ مَا يَجْعَلُ الْمُنْتَجَ سِلْعَةً يَعُودُ إِلَى الْحَاجَاتِ وَالرَّغَبَاتِ وَالْمُمَارَسَاتِ الْإِنْسَانِيَّةِ. فَالسِّلْعَةُ تَمْتَلِكُ قِيمَتَهَا الِاسْتِعْمَالِيَّةَ (use value)؛ لِأَنَّهَا تُشْبِعُ حَاجَاتٍ وَرَغَبَاتٍ إِنْسَانِيَّةً، وَهِيَ، بِالتَّالِي، لَا تَمْتَلِكُ قِيمَةً تَبَادُلِيَّةً (exchange value) إِذَا لَمْ يَرْغَبْ أَحَدٌ فِي مُبَادَلَتِهَا بِشَيْءٍ آخَرَ. كَمَا لَا يُمْكِنُ حِسَابُ قِيمَتِهَا التَّبَادُلِيَّةِ إِذَا لَمْ تَشْتَرِكْ مَعَ غَيْرِهَا مِنَ السِّلَعِ فِي "قِيمَةٍ" تُنْتَجُ بِإِنْفَاقِ قُوَّةِ الْعَمَلِ الْإِنْسَانِيِّ، وَتُقَاسُ بِزَمَنِ الْعَمَلِ الضَّرُورِيِّ اجْتِمَاعِيًّا، الْمُجَرَّدِ مِنْ مُتَوَسِّطِ الْعَمَلِ الْمَلْمُوسِ اللَّازِمِ لِإِنْتَاجِ سِلَعٍ مِنْ أَنْوَاعٍ مُخْتَلِفَةٍ.
وَفِي هَذَا السِّيَاقِ، يَتَبَنَّى أَدُورْنُو نَظَرِيَّةَ مَارْكْسَ حَوْلَ السِّلْعَةِ وَمُقْتَضَيَاتِ وُجُودِهَا، وَيُطَبِّقُ فَحْوَاهَا عَلَى الرَّأْسِمَالِيَّةِ الْمُتَأَخِّرَةِ (late capitalism)، وَقَدْ ذَهَبَ فِي تَنَاوُلِهِ لِهَذِهِ الْقَضِيَّةِ إِلَى أَبْعَدَ مِنْ مَارْكْسَ؛ إِذْ يَرَى أَنَّ نَقْدَ فِتْشِيَّةِ السِّلْعَةِ عِنْدَ مَارْكْسَ لَا يَذْهَبُ بَعِيدًا بِمَا يَكْفِي؛ فَقَدْ طَرَأَتْ، مُنْذُ زَمَنِ مَارْكْسَ، تَغَيُّرَاتٌ جَوْهَرِيَّةٌ عَلَى بِنْيَةِ الرَّأْسِمَالِيَّةِ، الْأَمْرُ الَّذِي يَتَطَلَّبُ إِعَادَةَ النَّظَرِ فِي عَدَدٍ مِنَ الْمَفَاهِيمِ الْمَارْكْسِيَّةِ، مِثْلَ: الْجَدَلِ بَيْنَ قُوَى الْإِنْتَاجِ وَعَلَاقَاتِ الْإِنْتَاجِ؛ وَالْعَلَاقَةِ بَيْنَ الدَّوْلَةِ وَالِاقْتِصَادِ؛ وَسُوسِيُولُوجِيَا الطَّبَقَاتِ وَالْوَعْيِ الطَّبَقِيِّ؛ وَطَبِيعَةِ الْأَيْدِيُولُوجِيَا وَوَظِيفَتِهَا؛ وَدَوْرِ الْفَنِّ الْحَدِيثِ وَالنَّظَرِيَّةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ.
وَقَدِ اعْتَمَدَ أَدُورْنُو، فِي نَقْدِهِ لِلْمَارْكْسِيَّةِ، نَظَرِيَّةَ التَّشَيُّؤِ (Reification) الَّتِي قَدَّمَهَا الْفَيْلَسُوفُ الْمَجَرِيُّ جُورْج لُوكَاتْش (Georg Lukács) فِي عِشْرِينِيَّاتِ الْقَرْنِ الْعِشْرِينَ، وَاسْتَنَدَ أَيْضًا إِلَى نَظَرِيَّةِ التَّكَامُلِ الْمَعْرِفِيِّ بَيْنَ الِاخْتِصَاصَاتِ الْعِلْمِيَّةِ الَّتِي نَادَى بِهَا أَعْضَاءُ مَعْهَدِ الْبُحُوثِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ (Institute for Social Research) فِي ثَلَاثِينِيَّاتِ وَأَرْبَعِينِيَّاتِ الْقَرْنِ الْعِشْرِينَ.
لَقَدِ اسْتَنَدَ لُوكَاتْش إِلَى نَظَرِيَّةِ الْعَقْلَنَةِ (rationalization) عِنْدَ مَاكْس فِيبَر. وَبِنَاءً عَلَى ذَلِكَ، وَجَدَ أَنَّ الِاقْتِصَادَ الرَّأْسِمَالِيَّ لَمْ يَعُدْ مُجَرَّدَ قِطَاعٍ مِنْ قِطَاعَاتِ الْمُجْتَمَعِ إِلَى جَانِبِ قِطَاعَاتٍ أُخْرَى، بَلْ إِنَّ تَبَادُلَ السِّلَعِ قَدْ أَصْبَحَ الْمَبْدَأَ التَّنْظِيمِيَّ الْمَرْكَزِيَّ لِجَمِيعِ قِطَاعَاتِ الْمُجْتَمَعِ. وَيُتِيحُ ذَلِكَ لِصَنَمِيَّةِ السِّلْعَةِ أَنْ تَتَغَلْغَلَ فِي جَمِيعِ الْمُؤَسَّسَاتِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ (الِاقْتِصَادِيَّةِ، وَالْقَانُونِيَّةِ، وَالسِّيَاسِيَّةِ، وَالثَّقَافِيَّةِ، إِلَخْ)، وَكَذَلِكَ فِي جَمِيعِ التَّخَصُّصَاتِ الْأَكَادِيمِيَّةِ، بِمَا فِي ذَلِكَ الْفَلْسَفَةُ. وَيُشِيرُ مَفْهُومُ "التَّشَيُّؤِ" (Reification) إِلَى الْوَضْعِ التَّارِيخِيِّ الَّذِي تُصْبِحُ فِيهِ صِيغَةُ السِّلْعَةِ الصَّنَمِيَّةُ "الْفِئَةَ الْأَسَاسِيَّةَ فِي الْمُجْتَمَعِ كَكُلٍّ"، بِحَيْثُ "يَغْدُو نَشَاطُ الْإِنْسَانِ ذَاتُهُ، وَعَمَلُهُ الْخَاصُّ، شَيْئًا مَوْضُوعِيًّا وَمُسْتَقِلًّا عَنْهُ، شَيْئًا يُسَيْطِرُ عَلَيْهِ بِفِعْلِ اسْتِقْلَالٍ غَرِيبٍ عَنِ الْإِنْسَانِ" ([3]) .
وَعَلَى خِلَافِ لُوكَاتْش، شَكَّكَ أَدُورْنُو فِي قُدْرَةِ الطَّبَقَةِ الْعَامِلَةِ الثَّوْرِيَّةِ عَلَى تَحْقِيقِ الْعَدَالَةِ وَتَجَاوُزِ وَضْعِيَّاتِ التَّشَيُّؤِ. وَقَدْ وَجَدَ أَنَّ الْمُهِمَّةَ الْأَسَاسِيَّةَ الَّتِي يَنْبَغِي عَلَى النَّظَرِيَّةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ النَّقْدِيَّةِ أَنْ تَتَنَاوَلَهَا حَقًّا هِيَ الْبَحْثُ فِي عَوَامِلِ اسْتِمْرَارِ الْجُوعِ وَالْفَقْرِ وَالْبُؤْسِ وَالْحِرْمَانِ وَأَشْكَالِ الْمُعَانَاةِ الْإِنْسَانِيَّةِ الْأُخْرَى، عَلَى الرَّغْمِ مِنْ تَوَفُّرِ الْإِمْكَانَاتِ التِّكْنُولُوجِيَّةِ وَالْعِلْمِيَّةِ الْقَادِرَةِ عَلَى التَّخْفِيفِ مِنْهَا أَوِ الْقَضَاءِ عَلَيْهَا كُلِّيًّا. وَهُوَ، فِي هَذَا الْمَدَارِ، يَرَى أَنَّ السَّبَبَ الْجَذْرِيَّ يَكْمُنُ فِي الْكَيْفِيَّةِ الَّتِي هَيْمَنَتْ بِهَا عَلَاقَاتُ الْإِنْتَاجِ الرَّأْسِمَالِيَّةُ عَلَى الْمُجْتَمَعِ بِأَسْرِهِ، الْأَمْرُ الَّذِي أَدَّى إِلَى تَمَرْكُزٍ كَبِيرٍ لِلثَّرْوَةِ وَالسُّلْطَةِ بَيْنَ أَيْدِي الطَّبَقَةِ الرَّأْسِمَالِيَّةِ. وَعَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ، تَمَرْكَزَ الْمُجْتَمَعُ وَانْتَظَمَ حَوْلَ إِنْتَاجِ الْقِيَمِ التَّبَادُلِيَّةِ، وَهُوَ الْأَمْرُ الَّذِي اسْتَلْزَمَ، بِالضَّرُورَةِ، اسْتِحْوَاذًا صَامِتًا عَلَى فَائِضِ الْقِيمَةِ. وَيُطْلِقُ أَدُورْنُو عَلَى هَذَا التَّرَابُطِ بَيْنَ الْإِنْتَاجِ وَالسُّلْطَةِ اسْمَ "مَبْدَإِ التَّبَادُلِ" (Tauschprinzip)، وَسَمَّى الْمُجْتَمَعَ الرَّأْسِمَالِيَّ الَّذِي يَسُودُ فِيهِ هَذَا التَّرَابُطُ "مُجْتَمَعَ التَّبَادُلِ" (Tauschgesellschaft). وَفِي هَذَا السِّيَاقِ، يَرَى أَدُورْنُو أَنَّ "مُجْتَمَعَ التَّبَادُلِ" يَقُومُ وَفْقَ تَصَوُّرٍ بِنْيَوِيٍّ شَامِلٍ لَا يَخْتَزِلُ الظَّاهِرَةَ فِي بُعْدِهَا الِاقْتِصَادِيِّ، بَلْ يَكْشِفُ عَنْ اشْتِغَالِ مَبْدَإِ التَّبَادُلِ فِي ثَلَاثَةِ مُسْتَوَيَاتٍ مُتَرَابِطَةٍ: سِيَاسِيٍّ–اقْتِصَادِيٍّ، وَثَقَافِيٍّ، وَاجْتِمَاعِيٍّ–نَفْسِيٍّ. فَعَلَى الْمُسْتَوَى السِّيَاسِيِّ–الِاقْتِصَادِيِّ، يَغْدُو إِنْتَاجُ الْقِيَمِ التَّبَادُلِيَّةِ مِنْ أَجْلِ التَّبَادُلِ ذَاتِهِ الْمَنْطِقَ الْحَاكِمَ لِتَنْظِيمِ الْمُجْتَمَعِ، بِمَا يُؤَدِّي إِلَى إِخْضَاعِ الدَّوْلَةِ وَالْمُؤَسَّسَاتِ لِمَنْطِقِ الْحِسَابِ وَالْكَفَاءَةِ وَاسْتِمْرَارِ الِاسْتِغْلَالِ فِي أَشْكَالٍ غَيْرِ مَرْئِيَّةٍ. يَمْتَدُّ هَذَا الْمَنْطِقُ التَّبَادُلِيُّ لِيُغَطِّيَ مَجَالَاتِ الْفَنِّ وَالْمَعْرِفَةِ وَالْإِعْلَامِ، وَعَلَيْهِ تَتَحَوَّلُ الثَّقَافَةُ إِلَى سِلْعَةٍ وَتَفْقِدُ بُعْدَهَا النَّقْدِيَّ، كَمَا يَتَجَلَّى ذَلِكَ فِي ظَاهِرَةِ "صِنَاعَةِ الثَّقَافَةِ". وَيَشْتَدُّ هَذَا التَّوَجُّهُ التَّبَادُلِيُّ لِيَتَحَوَّلَ إِلَى قُوَّةٍ تَفْرِضُ حُضُورَهَا الْكَبِيرَ فِي وَعْيِ النَّاسِ وَسُلُوكِهِمُ التَّبَادُلِيِّ، وَعَلَى هَذَا الْأَسَاسِ تُعَادُ صِيَاغَةُ الْعَلَاقَاتِ الْإِنْسَانِيَّةِ وَفْقَ مَعَايِيرِ الْمَنْفَعَةِ وَالْمَصْلَحَةِ وَالْقَابِلِيَّةِ لِلتَّبَادُلِ، وَتَغْدُو الذَّاتُ نَفْسُهَا مَوْضُوعًا لِلتَّشَيُّؤِ وَالِاغْتِرَابِ، بِمَا يُفْضِي، فِي الْمُحَصِّلَةِ، إِلَى إِعَادَةِ إِنْتَاجِ مَنْظُومَةِ الْهَيْمَنَةِ عَبْرَ الِاقْتِصَادِ وَالثَّقَافَةِ وَالْوَعْيِ مَعًا.
***
عَلِيّ أَسْعَد وَطْفَة - جَامِعَةُ الْكُوَيْتِ
.........................
هوامش المقالة:
[1]- Herbert Marcuse, Reason and Revolution: Hegel and the Rise of Social Theory, 2nd ed. (Boston: Beacon Press, 1954), 322.
[2]- Theodor W. Adorno, “Kritische Theorie und Gesellschaft,” Die Zeit, June 1969.
[3]- Georg Lukács, History and Class Consciousness: Studies in Marxist Dialectics, translated by Rodney Livingstone, (Cambridge, MA: MIT Press, 1971 [1923]). P.87.








