عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام فكرية

زكريا نمر: الطريق إلى الاستبداد باسم الله

ليست المشكلة في الدين، وإنما في اللحظة التي يتحول فيها الدين إلى سلطة، ويتحول الإيمان إلى أيديولوجيا، ويتحول الله إلى شعار انتخابي. ففي تلك اللحظة يتوقف الدين عن كونه سؤالا أخلاقيا مفتوحا، ويصبح أداة لإدارة المجتمع وإخضاعه، وتغدو السياسة امتدادا للعقيدة لا مجالا للتفاوض بين المواطنين. وهنا تبدأ الأزمة التي عاشتها معظم تجارب الإسلام السياسي أزمة الخلط بين المقدس والبشري، وبين الوحي والتأويل، وبين العقيدة والحزب. لقد كان المشروع الذي رفعته الحركات الإسلامية قائما على فرضية تبدو بسيطة أن سبب تخلف المسلمين هو الابتعاد عن الدين، وأن العودة إلى الشريعة كافية لإنتاج العدالة والحرية والتنمية. غير أن هذه الفرضية لم تكن قراءة للتاريخ، بل كانت اختزالا له. فهي تعاملت مع الحضارة وكأنها نتيجة مباشرة للتدين، بينما تجاهلت أن ازدهار الأمم ارتبط أيضا ببناء المؤسسات، وتراكم المعرفة، وحرية العقل، وسيادة القانون. كان الشعار أكثر حضورا من الفكرة، وأكثر قوة من البرنامج. لكن الشعارات لا تبني دولة، لأن الدولة ليست عقيدة، بل شبكة معقدة من المؤسسات والقوانين والعلاقات الاقتصادية والإدارية. ولهذا اصطدمت الحركات الإسلامية بالواقع؛ إذ اكتشفت أن إدارة الاقتصاد لا تتم بالوعظ، وأن حل البطالة لا يكون بإحياء الخطاب التراثي، وأن العدالة لا تتحقق بمجرد إعلان تطبيق الشريعة، بل ببناء قضاء مستقل ومؤسسات خاضعة للمساءلة.

إن الخطاب الديني السياسي يرتكب خطأ فلسفيا عميقا حين يتعامل مع الحقيقة السياسية كما لو كانت حقيقة مطلقة. فالحقيقة الدينية، بالنسبة إلى المؤمن، تستمد مشروعيتها من الوحي، أما الحقيقة السياسية فلا تستمد مشروعيتها إلا من رضا الناس، لأنها تتعلق بإدارة الشأن العام لا بالخلاص الروحي. ولذلك فإن السياسة لا تعرف المقدسات، بل تعرف المصالح، والمراجعة، والخطأ، والتصحيح. وتصبح الديمقراطية أكثر من مجرد آلية انتخابية؛ إنها إعلان فلسفي بأن لا أحد يحتكر الحقيقة السياسية، وأن كل سلطة قابلة للنقد، وكل برنامج قابل للتعديل، وكل حاكم قابل للاستبدال. أما عندما يدخل المقدس إلى المجال السياسي، فإن السلطة تكتسب حصانة أخلاقية، ويصبح نقد الحاكم قابلا لأن يفسر على أنه نقد للدين نفسه. هذه هي أخطر نتائج تسييس الدين: حماية السلطة بالمقدس. فبدلا من أن يكون الحاكم مسؤولا أمام المواطنين، يصبح مسؤولا أمام تفسير يدعي امتلاك الإرادة الإلهية، وتتحول المعارضة من منافس سياسي إلى خصم ديني. وهكذا ينزلق المجتمع من التعددية إلى التخوين، ومن الحوار إلى التكفير، ومن المواطنة إلى الفرز العقائدي.

لقد نبه الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو إلى أن السلطة لا تحكم بالقوة وحدها، بل بإنتاج الحقيقة. ومن هذه الزاوية، يمكن فهم الخطاب الديني المؤدلج بوصفه جهازا لإنتاج الحقيقة الوحيدة. فهو لا يقول هذا رأينا السياسي، بل يقول هذا حكم الله. والفرق بين العبارتين هائل فالرأي يمكن مناقشته، أما ما ينسب إلى الله فيصعب الاعتراض عليه دون أن يتحول الخلاف إلى اتهام في العقيدة. أما محمد أركون فقد رأى أن الفكر الإسلامي دخل في منطقة مغلقة حين أحاط التراث بسياج من القداسة، فلم يعد ممكنا إخضاعه للنقد التاريخي والعقلي. وهكذا بقيت كثير من المفاهيم السياسية أسيرة شروط القرن الأول الهجري، بينما تغير العالم جذريا. ولم يكن الثبات فضيلة هنا، بل أصبح عائقا أمام إنتاج فكر سياسي حديث. وأشار نصر حامد أبو زيد إلى أن النص لا يتكلم وحده، وإنما يتكلم عبر الإنسان الذي يقرأه. ومن ثم فإن كل تفسير هو فعل بشري، لا نسخة مطابقة للإرادة الإلهية. لكن الحركات الإسلامية غالبا ما ألغت هذه المسافة، وقدمت قراءتها الخاصة باعتبارها الإسلام نفسه، لا اجتهادا من اجتهاداته. وبهذا انتقلت من الدفاع عن الدين إلى احتكار الحديث باسمه. لقد كشفت التجارب أن المشكلة لا تبدأ عند وصول الإسلاميين إلى السلطة، بل تبدأ منذ تصورهم للسلطة. فهم لا ينظرون إليها باعتبارها عقدا اجتماعيا بين مواطنين متساوين، بل باعتبارها وسيلة لتحقيق مشروع أخلاقي شامل. وعندما تصبح الدولة مسؤولة عن صناعة الفضيلة، فإنها تميل إلى مراقبة الضمائر أكثر من بناء المؤسسات، وإلى الانشغال بهوية الناس أكثر من حقوقهم.

إن الدولة الحديثة لا تسأل المواطن ماذا تؤمن؟ بل تسأله ما حقوقك وما واجباتك؟ أما الدولة المؤدلجة فتسأل أولا: من أنت؟ وما عقيدتك؟ وإلى أي جماعة تنتمي؟ وهكذا تتحول المواطنة إلى مرتبة ثانية، بينما تتقدم الهوية العقائدية لتصبح أساس توزيع الثقة والشرعية. وليس من قبيل المصادفة أن كثيرا من تجارب الإسلام السياسي أخفقت في إدارة التنوع. فالخطاب الذي يدعي امتلاك الحقيقة يجد صعوبة في الاعتراف بشرعية الاختلاف، لأن الاعتراف بالاختلاف يقتضي الاعتراف بإمكان الخطأ، بينما الأيديولوجيا الدينية تقدم نفسها باعتبارها معصومة من الخطأ السياسي، وإن لم تقل ذلك صراحة. إن الديمقراطية لا تعني أن يكون الناس بلا دين، وإنما تعني ألا يتحول الدين إلى امتياز سياسي. إنها تحرر الإيمان من أن يصبح أداة في يد السلطة، وتحرر السلطة من أن تدعي العصمة باسم الإيمان. ولذلك فإن العلاقة السليمة بين الدين والديمقراطية ليست علاقة صراع، بل علاقة حدود متبادلة؛ للدين مجاله الأخلاقي والروحي، وللدولة مجالها القانوني والمؤسسي.

لقد أثبت التاريخ أن المجتمعات التي قدست السلطة انهارت، وأن المجتمعات التي أخضعتها للنقد استطاعت أن تصحح أخطاءها. وما يميز الدولة الديمقراطية ليس أنها تنتج حكاما أفضل بالضرورة، بل أنها تمتلك آليات للتخلص من الحكام السيئين دون أن تنهار الدولة. إن أعظم خطأ ارتكبته الحركات الإسلامية أنها اعتقدت أن امتلاك الإجابة الدينية يمنحها تلقائيا القدرة على إدارة الدولة. لكنها تجاهلت أن الحكم علم، وأن الاقتصاد علم، وأن الإدارة علم، وأن السياسة فن للتسويات لا ميدان لليقين المطلق. فكانت النتيجة أن اصطدمت قداسة الشعار بقسوة الواقع. إن مستقبل المجتمعات الإسلامية لن يتحدد بكمية الشعارات الدينية التي ترفعها الأحزاب، بل بقدرتها على إعادة تعريف العلاقة بين الدين والسياسة. فكلما تحرر الدين من الاستخدام الحزبي، استعاد مكانته الأخلاقية، وكلما تحررت الدولة من ادعاء القداسة، أصبحت أكثر عدلا وأكثر قدرة على تمثيل جميع مواطنيها. ويبقى السؤال الفلسفي الحاسم: هل يمكن بناء ديمقراطية حقيقية إذا ظل أي حزب يعتقد أنه لا يمثل إرادة الناخبين فحسب، بل يمثل أيضا إرادة السماء؟ ما دام هذا الاعتقاد قائما، فإن التداول السلمي للسلطة سيظل مهددا، لأن من يظن أنه يتحدث باسم المطلق لن يقبل بسهولة أن يحكمه قرار نسبي يصدر عن صندوق اقتراع. ومن هنا تبدأ الطريق إلى الاستبداد، لا باسم القوة، بل باسم القداسة.

***

زكريا نمر

 

في المثقف اليوم