أقلام فكرية

حمزة مولخنيف: الأخلاق ما بعد الإنسان

مساءلة المعنى والمسؤولية في زمن الكائنات غير البشرية

لم يعد السؤال الأخلاقي في الفكر الفلسفي المعاصر محصورا في أفق الإنسان بما هو ذات عاقلة حرة مكتفية بذاتها، كما تشكّل هذا الأفق في التراث الإنساني الكلاسيكي منذ أرسطو مرورا باللاهوت المدرسي وانتهاءً بالحداثة الكانطية. لقد دخلت الأخلاق منذ أواخر القرن العشرين وبحدة أكبر في العقود الأولى من القرن الحادي والعشرين، طورا إشكاليا جديدا، يمكن نعته بطور «ما بعد الإنسان»، حيث لم يعد الإنسان مركز الكون القيمي ولا المعيار الأوحد للتقويم، بل صار طرفا ضمن شبكة كثيفة من الكائنات غير البشرية، الحيوان، الآلة، الخوارزمية، البيئة، والأنظمة التقنية التي باتت تشارك في صنع القرار وتوجيه السلوك، بل وإعادة تشكيل معنى الفعل والمسؤولية ذاتها. في هذا الطرح، تغدو الأخلاق تفكيرا في العلائق أكثر مما هي تقعيدٌ لواجبات، وتغدو مساءلةُ المعنى سابقةً على سنّ القوانين.

لقد قامت الأخلاق الإنسانية الكلاسيكية على افتراض أن الإنسان كائن متميّز وجوديا عن باقي الموجودات، بفضل العقل واللغة والقدرة على الحكم الأخلاقي. يشير أرسطو إلى أن الإنسان «حيوان ناطق»، ويؤسس كانط كرامة الإنسان على كونه غاية في ذاته لا مجرد وسيلة. غير أن هذا التصور الذي رسّخ مركزية الإنسان بات اليوم موضع نقد جذري. فالفلسفة المعاصرة من نيتشه إلى فوكو، ومن هايدغر إلى دريدا، لم تكفّ عن زعزعة صورة الذات السيّدة الكاملة المتحكمة في العالم. حين أعلن نيتشه «موت الإله»، لم يكن يقصد حدثا لاهوتيا فحسب، بل كان يعلن انهيار المرجعيات المطلقة التي كانت تمنح الإنسان موقع السيادة الأخلاقية. ومن ثمّ فإن ما بعد الإنسان ليس قطيعة تقنية فحسب، بل هو قبل ذلك تحوّل أنطولوجي وأكسيولوجي في فهم الذات والعالم.

إن التفكير الأخلاقي في العلاقة مع الكائنات غير البشرية يقتضي أولا إعادة النظر في مفهوم الفاعلية الأخلاقية. فمن هو الفاعل؟ وهل يمكن إسناد الفعل بما يتضمنه من قصدية ومسؤولية إلى كائن غير بشري؟ لقد كان هذا السؤال في صيغته الأولى حاضرا في النقاشات حول الحيوان. حيث ينبه جيريمي بنثام في عبارته الشهيرة، إلى أن السؤال الحقيقي ليس هل تستطيع الحيوانات أن تعقل أو تتكلم، بل هل تستطيع أن تتألم؟ هذا التحول من معيار العقل إلى معيار الإحساس كان لحظة حاسمة في توسيع الدائرة الأخلاقية. ثم جاء بيتر سينغر ليبني على ذلك مفهوم «تساوي الاعتبار الأخلاقي للمصالح»، رافضا ما سماه «التمييز النوعي». غير أن هذا المسار على أهميته ظل مرتبطا بمنطق الامتداد التدريجي للأخلاق الإنسانية، لا بتفكيك أسسها العميقة.

أما اليوم فإن دخول التكنولوجيا الذكية إلى مجال الفعل واتساع دور الخوارزميات في اتخاذ القرار، يفرض إعادة صياغة السؤال من جذوره. فالآلة لم تعد مجرد أداة محايدة في يد الإنسان، بل صارت وسيطا فاعلا يعيد تشكيل الرغبات والاختيارات وأنماط العيش. يقول مارتن هايدغر إن جوهر التقنية ليس تقنيا، بل هو نمط من الانكشاف وطريقة مخصوصة في حضور الموجود. بهذا المعنى فإن العلاقة الأخلاقية مع التكنولوجيا لا تختزل في سؤال الاستخدام الجيد أو السيئ، بل تمتد إلى مساءلة الإطار الوجودي الذي تفرضه التقنية على الإنسان والعالم. إن الخطر كما يرى هايدغر لا يكمن في الآلات ذاتها، بل في اختزال الوجود إلى «مخزون» قابل للاستثمار والحساب.

ومن هذا المنظور فإن الأخلاق ما بعد الإنسان ليست أخلاقا مضادة للإنسان، بل هي أخلاق تحاول إنقاذ الإنسان من أوهام سيادته المطلقة. فكما يبين برونو لاتور، لم نكن يوما «حديثين» بالمعنى الذي ادّعيناه؛ إذ لم نفصل قطّ بين الطبيعة والثقافة ولا بين الإنسان والآلة، بل عشنا دائما داخل شبكات هجينة من الفاعلين البشريين وغير البشريين. إن ما يسميه لاتور «الفاعل-الشبكي» يقوض فكرة المسؤولية الفردية الصافية، ويدفع نحو تصور علائقي للفعل الأخلاقي، حيث تتوزع الفاعلية بين عناصر متعددة بشرية وغير بشرية.

هذا التحول يضعنا أمام مفارقة أخلاقية دقيقة، إذا كانت الفاعلية موزعة، فمن يتحمل المسؤولية؟ وهل يؤدي توسيع دائرة الفاعلين إلى تمييع المسؤولية أم إلى تعميقها؟ هنا يبرز إسهام هانس يوناس، الذي دعا إلى «مبدأ المسؤولية» في زمن التقنية. لقد أدرك يوناس مبكرا أن أخلاقيات القرب التي كانت صالحة لعالم محدود الأثر، لم تعد كافية في عالم صار فيه للفعل التقني آثار بعيدة المدى، قد تمتد إلى مستقبل البشرية ذاتها. لذلك يؤكد أن على الأخلاق أن تتسع زمنيا، وأن تشمل الأجيال القادمة والكائنات التي لا صوت لها. إن المسؤولية هنا ليست استجابة لنداء حاضر فحسب، بل التزام إزاء مستقبل هشّ.

غير أن الأخلاق ما بعد الإنسان لا تقف عند حدود التحذير أو الدعوة إلى الحذر، بل تسعى إلى إعادة تخيل العلاقة مع غير البشري على أسس جديدة، قوامها الاعتراف والإنصات. فالفلسفة النسوية المعاصرة خاصة في أعمال دونا هاراواي، تقترح مفهوم «الرفقة بين الأنواع»، حيث لا يعود الإنسان سيدا ولا وصيا، بل شريكا في عالم مشترك. تقول هاراواي إن علينا أن نتعلم «البقاء مع العطب»، أي قبول الهشاشة والتشابك بدل البحث عن خلاص تقني شامل. إن هذا المنظور يحرر الأخلاق من نزعتها التحكمية، ويفتحها على بعد سردي وتخيلي، حيث يصبح بناء القصص المشتركة جزءا من العمل الأخلاقي.

ومن ناحية أخرى، تثير مسألة الذكاء الاصطناعي أسئلة غير مسبوقة حول الوعي والقصدية والمعنى. فإذا كانت بعض الأنظمة قادرة على التعلم الذاتي، واتخاذ قرارات معقدة، فهل يمكن الحديث عن شكل من أشكال الوكالة الأخلاقية؟ يميل كثير من الفلاسفة إلى التحفظ، مؤكدين أن الذكاء الاصطناعي مهما بلغ تعقيده، يظل بلا تجربة ذاتية أو إحساس بالمعنى. غير أن هذا التحفظ لا يعفينا من مساءلة الآثار الأخلاقية لأفعاله. فكما يقول بول ريكور، إن الفعل لا يُقاس فقط بنيّة الفاعل، بل أيضا بتأويل نتائجه داخل أفق المعنى الاجتماعي. ومن ثمّ، فإن السؤال الأخلاقي ينزاح من «من الفاعل؟» إلى «كيف نؤوّل الفعل؟» و«من يتضرر ومن يستفيد؟».

إن الأخلاق ما بعد الإنسان في جوهرها تفكير في الحدود، حدود الإنسان وحدود العقل وحدود السيطرة. وهي بذلك تستأنف على نحو جديد سؤال سقراط القديم عن الحياة الجديرة بأن تُعاش، ولكن في عالم لم يعد الإنسان فيه وحده. إن هذا التحول لا يلغي التراث الأخلاقي السابق، بل يعيد قراءته في ضوء تحديات غير مسبوقة. فكانط الذي شدد على الاستقلال الذاتي، يمكن أن يُقرأ اليوم بوصفه فيلسوفا للمسؤولية، إذا ما فُهمت الحرية لا كسيادة مطلقة، بل كقدرة على الاستجابة للغير، أيا كان هذا الغير.

في إطار ما بعد الإنسان يصبح السؤال الأخلاقي أكثر تعقيدا، إذ لم تعد المسؤولية مقتصرة على أفعال البشر وحدهم، بل تشمل شبكة واسعة من الكائنات غير البشرية والأنظمة التقنية التي تساهم في تكوين الواقع المعاصر. إن الخوارزميات مثلا، باتت تشارك في عمليات التوجيه واتخاذ القرار، وبالتالي فإن نتائج الفعل لا تعود دائما إلى فاعل بشري محدد. هنا تتضح أهمية النظر إلى الفعل الأخلاقي بوصفه حدثا متشابكا، حيث تتوزع الفاعلية بين عناصر متعددة، ويصبح كل تقييم أخلاقي عملية تفسيرية متواصلة تتجاوز مجرد تحديد المخطئ.

إن التفكير في الذكاء الاصطناعي بوصفه جزءا من شبكة الفاعلين الأخلاقيين يطرح أسئلة جوهرية حول الوكالة، القصدية والإحساس بالمسؤولية. ففي حين لا يملك الذكاء الاصطناعي تجربة ذاتية، فإن أفعاله تؤثر بعمق على حياة البشر والبيئة، وهو ما يفرض على الفلسفة الأخلاقية إعادة تأمل معيار المسؤولية التقليدي. من هذا المنطلق يرى بول ريكور أن تقييم الفعل لا يقتصر على نية الفاعل، بل يمتد لتأويل النتائج ضمن السياق الاجتماعي والقيمي. وبذلك يتحول السؤال الأخلاقي من «من الفاعل؟» إلى «كيف نفهم الفعل وتبعاته؟».

وفي ضوء هذا التشابك، تصبح الكرامة الأخلاقية مفهوما متعدد الأبعاد، لا يقتصر على الإنسان فقط، بل يشمل أي كائن قادر على الإحساس أو التأثير. فقد أشار إيمانويل ليفيناس إلى أسبقية الغير على الذات، وهو ما يتسع اليوم ليشمل الحيوان والبيئة والأنظمة التقنية المؤثرة، إذ يصبح الاعتراف بالهشاشة والاعتماد المتبادل جوهر الأخلاق. وهنا تتلاقى الفلسفة النسوية المعاصرة، كما عند دونا هاراواي مع فلسفة المسؤولية الموسعة، من خلال الدعوة إلى «الرفقة بين الأنواع» و«التعلم مع العطب»، أي قبول الواقع المترابط والهش.

تتضح أهمية هذا الأفق الأخلاقي أيضا في مواجهة التحديات البيئية الكبرى، إذ لم تعد الطبيعة موضوعا محايدا للانتفاع البشري، بل شريكا في عالم مشترك. يبرز هنا مفهوم الإيكولوجيا العميقة الذي طرحه آرنه نايس، حيث الأزمة البيئية ليست مجرد مسألة موارد، بل انعكاس لأزمة القيم. إن الأخلاق ما بعد الإنسان في هذا السياق، تعني توسيع دائرة الاعتبار لتشمل البيئة والكائنات غير البشرية مع الاعتراف بالقيمة الذاتية لكل كائن من دون محو خصوصية الإنسان.

علاوة على ذلك، يفرض هذا الإطار إعادة التفكير في الحرية، حيث لم تعد الحرية بمعناها التقليدي غياب الإكراه، بل أصبحت تتعلق بالوعي بالبنى التي تشكّل اختياراتنا. إذ تتحكم الخوارزميات والتحفيزات التقنية في سلوكنا اليوم، ويصبح الوعي النقدي شرطا أساسيا للحرية الأخلاقية. وهنا يتجلى البعد الأخلاقي للتقنية، ليس فقط كأداة، بل كجزء من شبكة العلاقات التي تتطلب ممارسة مستمرة للمسؤولية واليقظة.

وتتجاوز الأخلاق ما بعد الإنسان الحدود التقليدية للعدالة، لتشمل الاعتراف بالآثار الممتدة للأفعال، والمساءلة تجاه الأجيال القادمة والكائنات التي لا صوت لها. وفق هانس يوناس، فإن مبدأ المسؤولية في زمن التقنية يتطلب التزاما بالاستدامة، وبمراعاة آثار الفعل على المستقبل. ومن هنا يتحول التوجه الأخلاقي من مجرد تقليد القواعد إلى ممارسة تأويلية مستمرة، حيث تصبح القدرة على التعاطي مع التعقيد وفهم النتائج جوهر الفعل الأخلاقي.

كما تثير أخلاقيات ما بعد الإنسان تحديات معرفية، إذ يصبح السؤال عن المعرفة نفسها أخلاقيا. فكيف نحكم على نتائج الفعل إذا كانت المعلومات والبيانات مشوهة أو جزئية؟ كيف يمكن دمج المعرفة التقنية مع الفهم الأخلاقي؟ هذا الاستفسار يربط بين الفلسفة والعلوم والتكنولوجيا، ويؤكد أن الأخلاق لم تعد مجالا نظريا بحتا، بل ممارسة معرفية حية.

ويترتب على ذلك أيضا إعادة تصور الذات البشرية التي لم تعد كيانا منفصلا ومستقلا، بل كائنا مترابطا مع البيئة، والحيوان والآلة وبنيات المعرفة التي تنتجها. هذا التشابك يعيد إنتاج معنى الكرامة والمسؤولية والحرية، بحيث تصبح الممارسة الأخلاقية دائما سياقية نسبية متعددة الأبعاد، ومتطلبات مستمرة للتكيف والوعي.

تقدم الأخلاق ما بعد الإنسان رؤية فلسفية متجددة وشاملة، حيث تتجاوز المسؤولية الفردية لتشمل شبكة واسعة من العلاقات بين البشر وغير البشر، بين الطبيعة والآلة، بين الحاضر والمستقبل. إنها رؤية تعترف بالهشاشة، وتعلي من قيمة الوعي والتأمل، وتدعو إلى ممارسة مستمرة للتأويل الأخلاقي، بعيدا عن الإجابات الجاهزة والنهائية.

الأخلاق ما بعد الإنسان هي دعوة لإعادة تعريف الكرامة والحرية والمسؤولية في عالم يتشابك فيه الإنسان مع الكائنات الأخرى والتقنيات الذكية والبيئة. إنها أفق للتواضع الفلسفي واليقظة الأخلاقية، حيث يصبح التفكير نفسه ممارسة أخلاقية قادرة على الاستجابة لكل نداءات الوجود بصمتها وصراخها، حضورها وغيابها. وفي هذا الامتداد تتجلى الفلسفة في أرقى صورها، بوصفها فضاءً للتأمل المستمر في المعنى، ومسعى دائما لتأسيس علاقة جديدة وأكثر عدلا وشمولا مع كل الكائنات مهما كان شكلها أو طبيعتها.

***

د. حمزة مولخنيف

في المثقف اليوم