أقلام فكرية
غالب المسعودي: تفكيك البراديغمات الكلاسيكية
تحولات الفلسفة الحديثة والعلم المعاصر
يشهد الفكر الإنساني المعاصر منعطفاً إبستمولوجياً حاسماً، يتسم بتصدع الأسس الأنطولوجية والمعرفية التي شيدت عليها الحداثة الغربية صرحها طيلة القرون الثلاثة الماضية. يسعى هذا البحث، عبر قراءة تقاطعية لأحدث الأدبيات العلمية والفلسفية، إلى تبيان كيف أدت كشوفات فيزياء الكم إلى تقويض مفاهيم "الموضوعية المطلقة" و"الحتمية السببية". وبالتوازي، البحث في تفكيك العلوم العصبية لمفهوم "الذات الموحدة" و"الكوجيتو" الديكارتي، واستبدالهما بنماذج بيولوجية موزعة. والانتهاء بدمج رؤى علم النفس التحليلي التي أعادت الاعتبار لـ “اللاوعي" كنقيض لمفهوم "اللوح الفارغ". يخلص البحث إلى اقتراح إطار تفسيري جديد ينتقل بنا من "ثنائية" الجوهر" إلى "أحادية الجانب المزدوج"."
تشريح النموذج الكلاسيكي وأزمة اليقين
لقد هيمن على المخيال الفلسفي والعلمي الغربي، منذ القرن السابع عشر وحتى نهايات القرن التاسع عشر، براديغم متماسك، وعد الإنسان بالقدرة المطلقة على فهم الكون والسيطرة عليه. لم يكن هذا النموذج مجرد نظريات متناثرة، بل شكّل "نسقاً مضمراً" للتفكير، قام على تقاطع ثلاث مسارات كبرى:
المسار الأنطولوجي (الميكانيكي):
دشنه نيوتن وغاليليو، حيث الكون آلة ميكانيكية ضخمة، والمادة جوهر صلب، والزمان والمكان حاويات مطلقة. تُوج هذا المسار بفرضية "شيطان لابلاس"؛ ذلك العقل الافتراضي القادر على التنبؤ بحركة الوجود كله لو توفرت له المعطيات الأولية، مما كرس مبدأ "الحتمية الصلبة".
المسار الميتافيزيقي (الذات المتعالية):
أسسه رينيه ديكارت عبر "الكوجيتو" (أنا أفكر، إذن أنا موجود)، مرسخاً فصلاً أنطولوجياً بين "الجوهر المفكر" (الروح/العقل) و"الجوهر الممتد" (المادة). هذا الفصل منح الإنسان مكانة "المراقب المتعالي" المستقل عن قوانين الطبيعة العمياء.
المسار الإبستمولوجي (المعرفي):
تنازعته "التجريبية" التي رأت العقل "لوحاً فارغاً"، و"النقدية" التي رأت أن العقل يفرض قوالبه القبلية. وكلاهما افترض وجود "عقلانية عالمية موحدة".
إلا أن الاكتشافات العلمية في القرن العشرين لم تكتفِ بتعديل هذا النموذج، بل قامت بنسفه، واضعةً البشرية أمام "تحول براديغمي" جذري:
انهيار الحتمية المادية:
من اليقين إلى الاحتمال كانت الفيزياء الكلاسيكية تفترض "الواقعية المحلية".
شيطان لابلاس في مواجهة مبدأ الريبة
يرتكز مفهوم الحتمية الكلاسيكي على إمكانية التحديد الدقيق للحالة الفيزيائية. في عام 1927، وجه فيرنر هايزنبرغ ضربة قاصمة لهذا الافتراض عبر "مبدأ الريبة".
ينص المبدأ على استحالة قياس أزواج معينة من الخصائص (الموقع والزخم) بدقة تامة آنياً. التفسير الفلسفي لهذا المبدأ هو الأخطر: "الريبة" ليست ناتجة عن قصور في أدوات القياس (جهل إبستمولوجي)، بل هي خاصية متأصلة في الطبيعة (لا-تحدد أونتولوجي). الجسيم ليس له موقع محدد قبل القياس، بل هو دالة موجية من الاحتمالات. وهذا يعني أن "شيطان لابلاس" مستحيل الوجود، لأن المعلومات التي يحتاجها للتنبؤ بالمستقبل غير موجودة أصلاً في الحاضر قبل أن يتم رصدها. بذلك، سقطت الحتمية الصارمة التي حكمت فلسفة سبينوزا وكانط.
تفكيك الكوجيتو ووهم الذات الحرة
إذا كانت الفيزياء قد زعزعت ثقتنا في "الموضوع" الخارجي، فإن العلوم العصبية شنت هجوماً موازياً على "الذات" الداخلية:
"خطأ ديكارت": العقل المتجسد
بنى ديكارت فلسفته على استقلال العقل عن الجسد. يجادل عالم الأعصاب أنطونيو داماسيو في كتابه خطأ ديكارت بأن هذا الفصل خطأ بيولوجي وفلسفي. أظهرت دراسات التلف الدماغي (مثل حالة إليوت وفينس غيج) أن القدرة على "التعقل" تعتمد كلياً على الأنظمة العاطفية والجسدية. العقل ليس وليس جوهراً مفارقاً، بل هو وظيفة متجسدة. بمعزل عن "الشعور"
الدماغ المشطور ووهم الوحدة
تحدى كانط شكوك هيوم حول الذات بفرضية "وحدة الإدراك المتعالية". لكن أبحاث روجر سبيري ومايكل غازانيغا على مرضى "الدماغ المشطور “قدمت دليلاً تجريبياً ضد هذه الوحدة.
اكتشف غازانيغا ما سماه "وحدة التأويل" في النصف الأيسر للدماغ، ووظيفتها اختلاق تبريرات وقصص منطقية بأثر رجعي لتفسير سلوكيات صدرت عن عمليات لا واعية. النتيجة الفلسفية:
شعورنا بأننا "ذات موحدة" هو وهم سردي يخلطه الدماغ للحفاظ على التماسك النفسي.
من الميتافيزيقا إلى البيولوجيا العصبية
وضعت العلوم العصبية مفهوم "الإرادة الحرة" تحت المجهر:
تجارب بنيامين ليبت: أظهرت أن النشاط الدماغي الممهد للحركة يبدأ قبل الوعي بالرغبة في الحركة بمئات المللي ثانية.
الحتمية البيولوجية:
يجادل روبرت سابولسكي بأن السلوك البشري نتاج تراكب معقد من المسببات البيولوجية والبيئية التي لا تترك فجوة لـ “إرادة سحرية"
الإدراك المتجسد:
يوضح جورج لاكوف ومارك جونسون أن المفاهيم المجردة (كالزمن والأخلاق) هي استعارات مجازية مشتقة من خبرتنا الجسدية-الحركية، مما يقوض المشروع الكانطي لتأسيس عقل خالص ومجرد.
نقد العقلانية: منظور علم النفس التحليلي
بينما فكك العلم المادي الآليات، قام علم النفس التحليلي (مدرسة كارل يونغ) بتفكيك "المعنى"، كاشفاً عن الجذور اللاواعية للعقلانية:
الذات (Self) مقابل الأنا (Ego)
في الفلسفة الكلاسيكية، "الأنا" هي المركز. أما عند يونغ، فالأنا ليست سوى قشرة رقيقة تطفو على محيط اللاوعي. المركز الحقيقي هو "الذات" واللاوعي معاً. ونقد يونغ للعقلانية التنويرية يكمن في تحذيره من "التضخم النفسي"؛ حين تتماهى الأنا مع العقل وتقمع الجانب اللاعقلاني (الظلال)، مما يؤدي لعودة المكبوت بشكل وحشي، كما تجلى في حروب القرن العشرين.
نحو تركيب جديد: فرضية باولي-يونغ ووحدة الواقع
"لعل أعمق نقطة التقاء بين الفيزياء وعلم النفس تتمثل في التعاون الفكري الفريد بين الفيزيائي الحائز على نوبل "فولفغانغ باولي" وعالم النفس "كارل يونغ"." (“غالب المسعودي - تفكيك البراديغمات الكلاسيكية: مقاربة نقدية لتحولات ...”) لقد رأى كلاهما أن انهيار السببية في فيزياء الكم وتشابه النماذج.. في العقل البشري يشيران إلى أصل مشترك.
الإبستمولوجيا التطورية وتطبيع "القبلي":
في سياق تمهيدي لهذا التركيب، أعاد كونراد لورنتز (1941) تفسير "القبليات" الكانطية (الزمان والمكان) تفسيراً بيولوجياً. فما هو "قبلي" بالنسبة للفرد هو "بعدي" بالنسبة للنوع؛ أي أن جهازنا العصبي تطور ليدرك العالم بهذه الطريقة لخدمة البقاء.
من الثنائية إلى "أحادية الجانب المزدوج":
ان هذه الرحلة النقدية بفرضية "احادية الجانب المزدوج" يظهر الواقع كعمليات فيزيائية (دماغية) وتارة كخبرة ذاتية (نفسية) لا يعود الإنسان مراقباً مفصولاً عن الطبيعة، بل مشاركاً في صياغة واقع هو جزء لا يتجزأ منه، مما يعيد للوجود وحدته المفقودة بعد قرون من التشظي الديكارتي.
***
غالب المسعودي
........................
المراجع
Bell, J. S. (1964). "On the Einstein Podolsky Rosen paradox". Physics Physique Fizika, 1(3), 195.
Damasio, A. R. (1994). Descartes' Error: Emotion, Reason, and the Human Brain. New York: Putnam.
Gazzaniga, M. S. (2011). Who is in Charge? Free Will and the Science of the Brain. New York: Ecco.
Heisenberg, W. (1927). "Über den anschaulichen Inhalt der quantentheoretischen Kinematik und Mechanik". Zeitschrift für Physik, 43, 172-198. (“HEISENBERG, Werner. - Milestones of Science Books”)
Jung, C. G. (1969). The Archetypes and the Collective Unconscious (Collected Works, Vol. 9, Part 1). Princeton University Press.
Jung, C. G., & Pauli, W. (1955). The Interpretation of Nature and the Psyche. Pantheon Books.
Lakoff, G., & Johnson, M. (1999). "Philosophy in the Flesh: The Embodied Mind and Its Challenge to Western Thought." (“Philosophy in the flesh: the embodied mind and its...”) Basic Books.
Libet, B. (1985). "Unconscious cerebral initiative and the role of conscious will in voluntary action". (“Unconscious cerebral initiative and the role of conscious will in ...”) The Behavioral and Brain Sciences, 8, 529-566.
Lorenz, K. (1941). "Kants Lehre vom Apriorischen im Lichte gegenwärtiger Biologie". Blätter für Deutsche Philosophie, 15, 94-125.
McGinn, C. (1993). Problems in Philosophy: The Limits of Inquiry. Blackwell.







