وتخندقات الإمبريالية في معسكرات الرداءة
تتجاوز النيوليبرالية المعاصرة حدود كونها مجرد نظام لإدارة العلاقات النقدية، أو سياسات مالية قائمة على الخصخصة والتحرير الاقتصادي؛ إنها تتجلى كبرنامج كلي لإعادة الهندسة الثقافية والاجتماعية والوجودية، يهدف بالدرجة الأولى إلى صياغة مجتمعات تسودها قيم السوق بالكامل. وفي هذا الإطار الفلسفي المتوحش، يجري السعي بلا كلل لتسليع كل مجال من مجالات الوجود الإنساني، بدءاً من المادة الصامتة وانتهاءً بترميز الحمض النووي وانتباه البشر. إن النيوليبرالية لا تعمل اليوم عبر "اليد الخفية" الكلاسيكية التي بشر بها آدم سميث، بل من خلال عنف بنيوي ورمزي يعيد إنتاج علاقات الهيمنة عبر احتكارات تكنولوجية ومعرفية معقدة الفك والتركيب.
تفكيك بنى الكليبتوقراطية والزبائنية
تنشأ "الدولة الهلامية" عادة على أنقاض الدولة الاستبدادية التقليدية، حيث لا شيء صلباً في بنيتها المؤسساتية والتنظيمية، بل تسود حالة من السيولة والاختلاط التام بين مفاصل الحكم والشبكات غير الشرعية. في هذا النموذج، تضيع هيبة السلطة، وتتلاشى الخطوط الواضحة التي تفصل بين القضاة والمتهمين، أو بين العسكر واللصوص. وفي هذه الكيانات السائلة، لا تعمل شبكات المصالح العميقة بشكل متجانس وسري في الظل كما يُشاع، بل إن المجاميع الناشطة في الفساد تمارس أنشطتها الاستخراجية علانية على سطح الدولة التي تتشكل وتتراجع في آن واحد.
يقدم الباحث أليكس دي وال إطاراً نظرياً مفسراً لهذه الديناميكية تحت عنوان "السوق السياسي"، حيث تسيطر السياسة المعاملاتية النقدية على السياسة المؤسساتية الرصينة. وفي هذا السوق، يجري تداول عناصر القوة، والمناصب العامة، والولاءات السياسية كسلع تجارية تخضع لقوانين العرض والطلب، وبأسعار يحددها حجم التدفقات المالية والقدرة على استخدام العنف أو التهديد به. إن الصراع المسلح العنيف في هذه الدول لا ينفصل أبداً عن الرغبة في تعظيم "الميزانية السياسية" المتاحة للسياسيين والجنرالات لاستئجار ولاءات المقاتلين وشراء ذمم الزعامات المحلية والقبلية، مما يحول البلد بأسره إلى ساحة مفتوحة لـ "مزاد الولاءات".
ترتبط هذه الهشاشة المؤسساتية ارتباطاً وثيقاً بظاهرة "لعنة الموارد"؛ حيث لاحظ الاقتصادي ريتشارد أوتي عام 1993 أن الدول الغنية بالنفط والغاز والمعادن غالباً ما تحقق نتائج اقتصادية وتنموية أسوأ بكثير من نظيراتها الفقيرة بالموارد. وأضاف بول كولير بعداً آخر للمسألة مبيناً أن وفرة الموارد في الدول الهشة تزيد من احتمالات اندلاع الحروب الأهلية لكونها تتحول إلى غنيمة كبرى تتنازعها المليشيات والنخب الحاكمة. بينما ركز جيفري ساكس على دور المؤسسات، مؤكداً أن الموارد لا تصبح لعنة إلا عندما تُدار في ظل نظم سياسية ضعيفة أو كليبتوقراطية.
الأنثروبولوجيا الاقتصادية والتحول الأخلاقي:
يسهم حقل الأنثروبولوجيا الاقتصادية في تقديم تحليل ثقافي وعلاقاتي لظاهرة الفساد، يتجاوز النظرات الغربية والأخلاقوية السائدة التي تتسم بالسطحية. وينتقد الأنثروبولوجيون بشدة أطروحة الخبير الاقتصادي باولو مورو عام 1995 التي تربط انخفاض الاستثمار والتنمية بالفساد الأخلاقي بطريقة استعلائية، تختصر المشهد المعقد في مقولة إن "الدول النامية فقيرة لأنها غير شريفة". بدلاً من ذلك، تدرس الأنثروبولوجيا الفساد والمحسوبية والرشاوى الصغيرة كظواهر تبادل اجتماعي قسري يعيد إنتاج شبكات التضامن الفرعية، ويمنح الأفراد والجماعات المهمشة القدرة على الفعل والمقاومة اليومية لتسلط البنى الاقتصادية الرسمية الجائرة.
غير أن توغل النيوليبرالية المتوحشة وسياسات الخصخصة الشاملة أدى في نهاية المطاف إلى ما يمكن تسميته بـ "نيوليبرالية الفساد والاحتيال الهيكلي". إن تعميم منطق السوق الرأسمالي قد أدى إلى تدمير "الاقتصاد الأخلاقي" الذي صاغه المؤرخون وعلماء الاجتماع من أمثال إي بي تومسون، وكارل بولاني، وجيمس سكوت؛ وهو الاقتصاد الذي كان يحمي المجتمعات عبر شبكات قائمة على التبادل غير السلعي، والالتزامات التبادلية، والواجبات المدنية الأخلاقية المشتركة. ومع انسحاب الدولة وتحول لغة المال إلى المعيار الوحيد لتقييم الوجود البشري، جرى استبدال هذه المنظومات بـ "نيوليبرالية الاحتيال"، حيث لا يعود الفساد نتاج "تفاحات تالفة" أو انحرافات فردية معزولة، بل يصبح ممارسة هيكلية اعتيادية تُفرزها وتشرعنها قيم السوق نفسها.
تتبدى مظاهر هذا الانهيار الأخلاقي على المدى البعيد في عدة مستويات حيوية وخطيرة:
تطبيع ثقافة الاحتيال والجشع، حيث تتداخل الممارسات التجارية المشوهة والفساد مع السعي الفردي المحموم للبقاء، وتتحول قيم الأنانية والمادية المفرطة إلى معايير وحيدة للنجاح والتكيف الاجتماعي.
شرعنة الفساد عبر النخب المهنية المتواطئة، يوضح جون كريستنسن في دراسته الشهيرة كيف يستخدم المحامون، ومحاسبو الضرائب، وخبراء المال والشركات الاستشارية الكبرى معرفتهم القانونية والمالية لشرعنة التهرب الضريبي العابر للحدود ونهب المال العام. وتتحول بناءً على ذلك الملاذات الضريبية والشركات الخارجية إلى خلايا نحل للاحتيال العالمي المنظم، الذي يتجاهله الأكاديميون في كليات الأعمال التقليدية لكونهم جزءاً عضويّاً من هذه المنظومة.
انفجار حالة "المجتمع ضد الدولة"، مع تعمق الاختلالات البنيوية وتآكل السيادة الوطنية الفعلية، تصعد حدة العنف الذي تمارسه سلطات هذه الدول على مجتمعاتها لضبطها قسراً، مما يفضي إلى تآكل السلم الاجتماعي وانهيار المجتمعات وتفتتها إلى هويات ما قبل الدولة كالعشيرة والقبيلة والمذهب. وقد أدى هذا الفساد الكليبتوقراطي والزبائني العنيف إلى إشعال فتيل انتفاضات واحتجاجات شعبية عارمة وحروب أهلية طاحنة في العديد من دول الجنوب.
الآفاق الاستراتيجية لدول الجنوب
يكشف التحليل الفلسفي والأنثروبولوجي العميق لاقتصاد الربح المتوحش النيوليبرالي أن دعم أنظمة الفساد في الدول الهلامية ليس مجرد عَرَض جانبي أو سياسة فاشلة للغرب الإمبريالي، بل هو ركيزة هيكلية واعية وأداة أساسية لاستخلاص الريع الإمبريالي، وتأمين تدفق القيمة الفائضة من الأطراف نحو المركز. إن تآكل المنظومات الأخلاقوية المحلية وسقوط المجتمعات في مستنقع "نيوليبرالية الاحتيال" وتفشي الرداءة الفكرية والسياسية يمثلان اليوم الضمانة الثقافية والاجتماعية الأقوى لاستمرار علاقة التبعية وتطبيع الهيمنة.
للخروج من هذه الدائرة المفرغة التي تكرس التخلف، تشير المعطيات الفلسفية والاقتصادية إلى ضرورة تبني أطر نضالية وبدائل راديكالية تتجاوز الحلول السطحية التجميلية التي يقدمها خبراء تكنوقراط التفاهة المعاصرة. إن أولى خطوات الانعتاق تتمثل في السعي الجماعي لإحداث عملية "فك ارتباط" حقيقية، تهدف إلى إخضاع العلاقات الاقتصادية والتبادل الخارجي لمتطلبات التنمية الذاتية، وتطهير الفضاء المعرفي والأكاديمي من سطوة الاستلاب الرقمي والكهنوت التقني الجديد. ويتطلب ذلك بالضرورة استعادة التضامن الأخلاقي العضوي للمجتمعات، وبناء "المؤسسات الشاملة" التي تحمي حقوق المواطنين وتوزع القوة السياسية والاقتصادية بشكل عادل ومتساوٍ، تمهيداً لبناء نظام عالمي بديل يستند إلى العدالة الإنسانية الحقيقية والتنمية المستقلة لشعوب الجنوب.
***
غالب المسعودي








