أقلام فكرية
غالب المسعودي: تيه المعنى واستباحة الكيان
دراسة في انحسار الأفق الفلسفي وآليات الهدر الإنساني
تشخيص العطب الوجودي في الفضاء المعاصر
تُعد العلاقة بين الفهم والمعنى في الفضاء الفلسفي المعاصر علاقة وجودية تبادلية بامتياز؛ حيث يمثل غياب الفهم عائقاً جوهرياً يحول دون تجلي المعنى، مما يترك الوجود الإنساني في حالة من الانكشاف القيمي والعدمية التفسيرية. إن التساؤل الجوهري حول تراجع دور الفيلسوف في العصر الحديث، رغم تفاقم أزمة المعنى الكونية، يفتح الباب أمام نقد عميق للبنيات المعرفية التي تحكم إنتاج الفكر وتداوله.
في هذا السياق، تبرز إشكالية "استلاب المعرفة" كآلية يتم من خلالها إخضاع الحقيقة لإكراهات الأيديولوجيا ومنطق السلطة، وهو ما يتجسد بوضوح في نموذج "المثقف المتعالي"، الذي ينكفئ على المبادئ الكلية المجردة متجاهلاً الواقع الحسي المتغير. هذا الانفصال ليس مجرد سقطة فكرية، بل هو "تمهيد معرفي" لعملية هدر الإنسان؛ فالمجتمع الذي يفقد بوصلته الفلسفية يصبح تربة خصبة لاستباحة الكرامة البشرية.
الجذر الوجودي: التلازم الضروري بين الفهم والمعنى
ينطلق الفكر التأويلي الحديث من فرضية مفادها أن الفهم ليس مجرد عملية ذهنية ثانوية أو ترفاً فكرياً، بل هو الطريقة التي يوجد بها الإنسان في العالم. فإذا كان المعنى هو الغاية من الوجود، فإن الفهم هو الوسيلة الوحيدة لكشف هذا المعنى واستنطاقه. وعندما يتعطل الفهم بفعل عوامل العزلة أو الجمود، يغيب المعنى بالضرورة، ويصبح العالم مجرد "كتلة صماء" لا تنطق بأي دلالة، ويتحول الإنسان إلى كائن مغترب عن بيئته وعن ذاته.
الفهم كوضع وجودي
أحدثت الفلسفة الوجودية تحولاً جذرياً في مسار الفكر التأويلي عندما نقلته من مجرد منهج لتفسير النصوص إلى "تأويلية الوجود". الفهم هنا هو "وضع وجودي" مرتبط بكينونة الإنسان؛ فالإنسان يفهم العالم من خلال كونه "ملقى" في سياقات تاريخية وثقافية تشكل أفقه المسبق. هذا الفهم المسبق ليس قيداً، بل هو المصباح الذي يضيء عالمنا المعطى ويستخرج "المعنى المتحجب" من ثنايا الوجود.
وعندما يغيب الفهم في المنظور الوجودي، فإن الإنسان يفشل في الاتصال ببنية الظواهر، مما يؤدي إلى حالة من الاغتراب الجذري. هذا الغياب ليس مجرد نقص في المعلومات، بل هو "تعطيل للكينونة"؛ فالكائن الذي لا يفهم هو كائن غير منفتح على ذاته وعلى الوجود، مما يجعل المعنى مفقوداً لعدم وجود "وعي فاهم" قادر على استحضاره وتحويله إلى تجربة معاشة.
حوارية انصهار الآفاق وسقوط النص المتعالي
يركز الفكر الحواري على تفاعلية الفهم، معتبراً أن الفهم لا يتحقق عبر قواعد منهجية صارمة تحاول الاستحواذ على الموضوع، بل عبر "حوار" تنفتح فيه الذات على الآخر. المصطلح المفتاحي هنا هو "انصهار الآفاق"، حيث يتفاعل أفق المفسر (الحاضر) مع أفق النص أو الآخر لإنتاج معنى متجدد.
إن غياب الفهم يعني "الانغلاق داخل أفق أحادي"، وهو ما يؤدي حتماً إلى ضياع الحقيقة. إن إخضاع الواقع لقواعد مسبقة، أو محاولة "اغتصابه" معرفياً من خلال تفسيره وفق تصورات ذاتية محضة، يؤدي إلى "اغتراب تأويلي". في هذه الحالة، يغيب المعنى لأن العملية لم تعد حواراً ندياً، بل أصبحت فرضاً قسرياً لدلالات غريبة عن جوهر الشيء، وهو ما نلمسه اليوم في سطوة القراءات الأحادية للواقع التي يمارسها "المثقف المتعالي".
انحسار دور الفيلسوف: بؤس البنيات وعقم الأداء
رغم أن العالم يعيش في أزمة معنى خانقة وتخبط قيمي غير مسبوق، إلا أن الفيلسوف يبدو وكأنه انسحب من أداء دوره التاريخي. هذا الغياب ليس مجرد اعتزال اختياري، بل هو "بؤس بنيوي" أصاب الخطاب الفلسفي المعاصر، لا سيما في السياق العربي الذي يعاني من أزمات مزدوجة.
الارتهان للتأريخ وضياع الإضافة المعرفية
تشير الدراسات النقدية إلى أن العمل الفلسفي في فضاءاتنا ما زال حبيس "مرحلة الجمع والتقميش والتوليف والتأريخ". وبدلاً من إنتاج فكر فلسفي أصيل يواجه غياب المعنى الراهن، تحول المشتغل بالفلسفة إلى "مؤرخ للفلسفة"، يقضي وقته في شرح نظريات الآخرين دون تقديم إضافة معرفية حقيقية. إن حصر الفلسفة في "تاريخ الفلسفة" هو بمثابة إعلان وفاة للفكر الحي؛ فالفيلسوف هنا لا يمارس دوره كمنتج للمعنى، بل كـ "أمين مكتبة" للأفكار المستهلكة، مما يفصل الفلسفة عن نبض الشارع وهموم الكائن.
علاوة على ذلك، يبرز بؤس المنظومات التربوية والتعليمية كعامل حاسم في تغييب الفلسفة؛ فالمجتمعات التي تضيق بذرع الحرية لا تسمح بنمو الفكر الفلسفي الذي يتطلب بطبعه "خرق السياجات" و"التساؤل حول المسلمات". إن حضور الفلسفة هو علامة عافية وانفتاح مجتمعي، وغيابها هو مؤشر خطر على انغلاق المجتمع على أوهامه واكتفائه بتكرار ذاته، مما يمهد الطريق لنمو "الإنسان المهدور".
الانتقال من سيكولوجية القهر إلى أنطولوجيا الهدر
يمثل التحول في فهم الذات العربية انتقالاً من تحليل "الإنسان المقهور" المرتبط بالتخلف الاجتماعي، إلى صياغة مفهوم "الإنسان المهدور". هذا الانتقال ليس مجرد تغيير في المصطلحات، بل هو استجابة لتحول بنيوي في طبيعة السلطة في المجتمعات العربية، من "سلطة محدودة" تمارس القمع المباشر، إلى "سلطة ممتدة" تتغلغل في كافة مفاصل الوجود الإنساني، محولة الإنسان من غاية للتنمية إلى مجرد أداة، أو عبء، أو "وقود" لحروب النفوذ.
مفهوم الهدر وبنية التسلط
لقد ركزت الدراسات المبكرة على الخصائص النفسية للقهر، والآليات الدفاعية التي يلجأ إليها الإنسان المقهور لمجابهة مأزق الوجود. إلا أن مفهوم "الهدر" جاء ليقدم تشريحاً أكثر دقة؛ حيث لا يقتصر الأمر على سلب الإرادة، بل يمتد إلى سلب "القيمة" والاعتراف الإنساني ذاته. الهدر هو نقيض بناء التمكين والاقتدار، وهو يشمل استنزاف الرأسمال البشري، والمعرفي، وتبديد القيم، والسياسات.
يُعرّف الهدر بأنه الاعتداءات غير المستحقة التي يتعرض لها الفرد، والتي تدمّر حسه بالقيمة وتجعله عالقاً في دوامة من الاكتئاب الوجودي والغضب والإحباط. يشير التحليل البنيوي إلى أن الهدر يستوعب القهر في داخله؛ فلا يصبح القهر ممكناً إلا بعد هدر قيمة الإنسان واستباحة حرمته وكيانه. حين تهدر الموارد والمؤسسات، يتم الاستفراد بالإنسان وتجريده من كافة مرجعيات القوة والحقوق، مما يجعله "عارياً أمام عاره".
تجليات الهدر في الواقع الإنساني: من الدم إلى الوجود اليومي
يتنوع الهدر ليشمل كافة مستويات الحياة، بدءاً بهدر الدم وصولاً إلى هدر الوجود اليومي والكرامة الشخصية:
يتمثل الحد الأقصى للهدر في سحب الاعتراف بإنسانية الإنسان، حيث يصبح دمه مهوراً وحياته مستباحة بلا حصانة. يُحول الإنسان إلى أداة لخدمة أغراض الاستبداد، فيُزج به في حروب النفوذ كـ "وقود" يغذي اشتعالها، أو يُستخدم للترويج لعظمة المستبد عبر "التبجيل والتطبيل". هذه الاستباحة تجعل الفرد "خارج دائرة الكيان الإنساني"؛ فمن يُسحب منه اعتراف المجتمع بكيانه يصبح مهدوراً يمكن لأي أحد الاعتداء عليه دون مساءلة
يعيش الإنسان المهدور شرطه الإنساني في حالة من "الخوف المزمن" واللاشيئية، مما يؤدي إلى تحطم ثقته بنفسه وإحساسه بالقدرة على التغيير. هذا الوضع يولد ما يسمى "الاكتئاب الوجودي"، وهو ليس مرضاً بيولوجياً بقدر ما هو رد فعل على الظلم وعدم الإنصاف.
آليات استلاب المعرفة والمثقف المتعالي: الوصاية الوهمية
تمارس المعرفة دورها التنويري عندما تكون حرة وغير مشروطة، لكنها تتعرض "للاستلاب" عندما تُحشر داخل سياج وثوقي مغلق. يمثل "المثقف المتعالي" أحد أخطر النماذج الفكرية التي تساهم في تغييب المعنى؛ وهو المثقف الذي يمارس دوراً قائماً على "الأستاذية" والوصاية المتعالية على الجماهير.
استدخال الهدر: حين يتحول الضحية إلى جلاد لذاته
من أخطر الظواهر النفسية هي انتقال الهدر من الخارج إلى الداخل (الهدر الذاتي)، حيث يبدأ المهدور بممارسة الهدر بحق نفسه وبحق من هم أقل منه مرتبة. يُصاب المجتمع بحالة من "فقدان المناعة الكيانية"، حيث يفقد الناس القدرة على النماء ويدخلون في مرحلة "التاريخ الآسن" القائم على الاجترار والتكرار.
تظهر هذه البنية بوضوح في واقع المرأة؛ فهي تجسد عسر مخاض التنوير. تتعرض المرأة لـ "استلاب عقائدي" يسلبها شخصيتها المستقلة. والمجتمع المهدور يسحب من المرأة صفتها الإنسانية إذا نبغت، فيضمها رمزياً لـ "جنس الرجال". لا يمكن للرجل أن يتحرر إلا بتحرر المرأة، فالارتقاء إما أن يكون جماعياً عاماً أو هو مجرد أوهام.
(كتاب) التخلف الاجتماعي/ مصطفى حجازي: مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور.
أزمة المعنى بين الوجودية وما بعد الحداثة
في الفكر الوجودي، يمثل غياب المعنى (العبث) نقطة انطلاق للحرية؛ فالإنسان هو من يصنع زمنه ويرسم ملامح مصيره. المعنى ليس معطىً جاهزاً، بل هو "صولة الإنسان" وتجسيد لإرادته الخلاقة. أما "ما بعد الحداثة"، فهي لا تهدف لاستعادة المعنى الكلي، بل تعتمد "التفكيك" و"الشك في السرديات الكبرى". هذا القبول لغياب المعنى الكلي يمثل أزمة للفلسفة التقليدية، لكنه يفتح الباب أمام "رؤى مجهرية" تحترم الخصوصية والتعدد، بعيداً عن شمولية المثقف المتعالي.
نحو استعادة المعنى وبناء الاقتدار الإنساني
إن مأزق المثقف العربي المعاصر ليس في غياب الوعي، بل في "الفجوة السحيقة بين المعرفة والمسؤولية". المعرفة التي لا تتحول إلى "قوة ضغط" تبقى معلقة في الفراغ. تتشكل الأزمة في المنطقة الرمادية بين "المعارضة الخطابية" و"الفعل التاريخي."
المعنى كمشروع فعل ومسؤولية
في الختام، إن غياب الفهم هو بالفعل غياب للمعنى، لأن الفهم هو "بيت الوجود" ووسيلة تجلي الحقيقة. والفيلسوف الذي يتخلى عن دوره في إنتاج الفهم يساهم في تعميق "تيه المعنى". أما آليات "استلاب المعرفة"، فهي الوحش الذي ينمو في فراغ الاستقلالية الفكرية.
إن مواجهة "المثقف المتعالي" وتحطيم أصنامه الذهنية هو الخطوة الأولى نحو بناء ثقافة أصيلة، قادرة على تحويل المعرفة إلى قوة تاريخية تكسر مسار الانحدار وتمنح الوجود الإنساني دلالته المفتقدة. إن المعنى ليس "قدراً" ننتظره، بل هو "مشروع" نبنيه في كل لحظة فهم صادقة، وفي كل فعل شجاع يرفض التدجين والارتهان للسلطة الممتدة. إن تحررنا يبدأ من الوعي بالذات، ومن فهم الآليات التي تُبقينا في حالة "التاريخ الآسن"، لكي ننطلق نحو مستقبل يصون كرامة الإنسان فوق كل اعتبار.
***
غالب المسعودي







