ليس الاختزال الأنطولوجي نزوة عابرة في تاريخ الأفكار ولا هو تمرين ذهني يمارسه الفلاسفة في أبراجهم العاجية. إنه تلك الحركة الخفية والعنيفة في آن التي تجعل من السؤال “ما موجود؟” سؤالاً آخر: “ماذا يفعل الموجود؟”، أو “أي أثر يتركه في شبكة العلاقات التي يحتلها؟”. لحظة أن نصبح قادرين على قول “هذا الكائن موجود لأنه يؤدي وظيفة كذا”، أو “هذا الشيء حقيقي لأن آثاره قابلة للقياس”، نكون قد انتقلنا من عالم الكينونة الممتلئة بنفسها إلى عالم الكينونة المستعارة، الكينونة بالوكالة، الكينونة التي لا تملك شرعيتها إلا من خارجها. وهذه هي القطيعة التي تضع الفلسفة أمام امتحان عسير، هل تقبل بأن الوجود ليس أكثر من تشغيل وتدفق أم تصر على بقاء بقية صامتة، سرّية، لا تُفنى في بوتقة الوظائف والآثار؟
ما يجعل هذا السؤال ملحاً اليوم أكثر من أي عصر مضى هو أن شبكات الاختزال لم تعد نظرية فقط بل صارت ممارسة تقنية واقتصادية يومية. فالذكاء الاصطناعي لا يسأل عن جوهر الكائنات التي يصنفها بل عن أدائها الاحتمالي؛ ورأس المال المعاصر لا يقيس قيمة الشيء بذاته بل بقدرته على إحداث فرق في نظام التبادل؛ وحتى الإنسان في تسجيلاته الرقمية وملفاته الوظيفية وشهاداته القابلة للتحقق يُختزل إلى أثر لا إلى حضور. إننا أمام “أنطولوجيا التشغيل” حيث كل ما هو موجود هو ما يعمل وكل ما لا يعمل لا يستحق صفة الوجود. وهنا بالضبط يبرز دور الفلسفة بوصفها الذاكرة الحادة التي تسأل بتعنت نبيل أهكذا كانت الكينونة دائماً ولم ننتبه؟ أم أننا صنعنا آلة ضخمة لاختزال الوجود ثم ألبسناها ثوب الحقيقة؟
هذا المقال سيحاول أن يتقصى أصول هذا الاختزال في الميتافيزيقا الألمانية والبراغماتية الأمريكية والتفكير التفكيكي الفرنسي سائلاً عن اللحظة التي تغير فيها مفهوم الوجود من “ذاتية راسخة” إلى “فاعلية منتجة”. وسيحاول أن يرسم خريطة أولى للمناطق التي اختُزلت بلا رحمة الكائنات الطبيعية والأدوات اليومية والأجساد البشرية ذاتها. ثم نترك الباب موارباً لننتقل إلى حدود الاختزال أين تنكسر الآلة؟ وأي بقايا لا تستطيع أي وظيفة ولا أي أثر أن يضمحلها؟ لأنه إذا كانت الفلسفة تبدأ عندما نتوقف عن الردود الجاهزة فإنها تستمر عندما نعثر على ما في الوجود من وفرة ساذجة تسخر من كل اختزال وتضحك في وجه الأثر الصامت.
الاختزال الأنطولوجي ليس ضرباً من الترف العقلي ولا هو لعبة لغوية هلامية تلهث خلف حداثة آنفة أو ما بعد حداثة متعبة. إنه ذلك الموقف الفكري الذي يغدو فيه السؤال عن “ما هو الكائن؟”، أو “ما معنى أن يكون الشيء موجوداً؟”، مرادفاً بالضرورة للسؤال عن “ماذا يفعل؟” أو “أي أثر يخلّف؟”. هنا تتبدّل الأولويات حيث لم يعد الوجود أصلاً يرتكز على ذاته بل صار تابعاً للفعل أو للعلامة أو للوظيفة. إنها لحظة ميلاد كينونة مستعارة، كينونة بلا جوهر، بلا ثبات، بلا عمق أنطولوجي سوى ما يمنحه إياها نظام خارجي، تقني، اجتماعي، لغوي، أو اقتصادي.
قبل أن يتحدّث هايدغر عن “نسيان الكينونة” في ظل الميتافيزيقا التقنية كان نيتشه قد شقّ الغطاء عن وهم “الجوهر” الثابت حين قال إن “لا يوجد فعل وراء الفعل؛ فالفاعل مختلق” أي أن ما ندعوه “ذاتاً” أو “جوهراً” ما هو إلا شبكة من الأفعال والقوى المتدافعة. وهنا يكمن المفتاح: الاختزال الأنطولوجي يضرب بجذوره في أرض أعمق من نقد الميتافيزيقا، إنه يتعلق بكيفية تحوّل الكون من “كيان” إلى “تشغيل”. ففي عصرنا الرقمي مثلاً لا يُسأل عن البرنامج كونه “موجوداً” بالمعنى الطبيعي بل يُسأل “هل يعمل؟”، “ما مدى كفاءته؟”، “كم من البيانات يعالج؟”. الكينونة هنا قد صارت مقياساً وظيفياً بحتاً، أن تكون معناه أن تؤدي دوراً في نظام إجرائي ما وهي لا تعني شيئاً خارج هذا الدور.
لنستعر مصطلحاً من مارتن هايدغر في “الكينونة والزمان”، حين ميّز بين “الحاضر الجاهز” (Vorhandenheit) و”المعدّ للاستعمال” (Zuhandenheit). الأول هو الكائن كموضوع تأملي معزول عن سياقه والثاني هو الكائن بوصفه أداة مندمجة في شبكة من العلاقات والغايات. في العقل التقني المعاصر لم يعد ثمة مجال للحاضر الجاهز إلا بصفته استثناءً عابراً؛ فكل كائن يُرى أولا وأخيراً بوصفه “معدا للاستعمال” بل إن وجوده يتقرر أصلاً من خلال درجة صلاحه لأداء وظيفة ما. لكن الاختزال الأنطولوجي لا يقف عند هذا التحول الهيدغري؛ إنه يتجاوزه نحو أفق أكثر ظلاماً حيث يصبح الكائن معدا للاستعمال حتى وهو غير كائن أصلاً. أعني أنه ينتج آثاراً قبل أن يتحقق وجوده كما في الأنظمة الاقتصادية المعاصرة حيث تُتاجر بالعقود الآجلة لسلع غير منتجة بعد أو حيث تحمل العلامات التجارية قيمة أكثر من الأشياء التي تشير إليها.
ثمّة نص فخم لجيل دولوز ربما في “الاختلاف والتكرار” أو في مؤلفه مع غوتاري “ما الفلسفة؟”، حيث يتحدث عن “الآلة الأنطولوجية” التي تستبدل الأسئلة الجوهرية “ما هو؟” بأسئلة تشغيلية “كيف يعمل؟”. لكن دولوز ليس وحده قبله بزمن، كان ألفريد نورث وايتهيد قد أعلن في “العملية والواقع” أن الوجود فعل وليس مادة وأن الكون ليس مجموعة أشياء جامدة بل حزمة من الأحداث المتشابكة. ومن هذا المنظور فإن “الاختزال الأنطولوجي” ليس عيباً طارئاً على التفكير بقدر ما هو اكتشاف أن الكينونة لم تكن يوماً جوهراً صلداً بل كانت دائماً شبكة من العلاقات المتبادلة. غير أن الفارق جوهري، فوايتهيد كان يبحث عن إعادة بناء أنطولوجيا إجرائية تحترم سيولة الوجود بينما الاختزال الذي نتحدث عنه هنا يحوّل هذه السيولة إلى آلة وظيفية صماء تقتل أي إمكانية للتساؤل عن معنى الوجود خارج النفعية المباشرة.
لننظر إلى اللغة ذاتها، فرديناند دو سوسير في “محاضراته في اللسانيات العامة” قلّص الكينونة اللغوية إلى علاقة فارقة خالصة، فالمعنى ليس شيئاً يسبق الكلمة بل هو أثر شبكي ناتج عن اختلافات صوتية ودلالية بلا إيجابيات مطلقة. وبالتالي لا وجود للدال بوصفه كياناً قائماً بذاته بل هو مجرد موضع في نظام من الفروق. هكذا تُختزل الكينونة اللغوية إلى وظيفة تفاضلية. لكن هذا الاختزال الأنطولوجي يسري في اتجاه معاكس تماماً لما أراده سوسير، فبينما كان هدفه فهم بنية اللغة صار هذا الفهم أداة لتسويغ القول بأن كل كينونة هي كذلك أي إنها لا تملك أصلاً حقيقياً بل هي أثر خالص في شبكة من العلاقات. فلنقف هنا قليلاً عندما يقول جاك دريدا إن “لا خارج للنص” (il n’y a pas de hors-texte)، فهو يضرب في العمق نفسه ليس أن العالم لم يعد موجوداً بل أن وجود العالم لم يعد ممكناً إلا بوصفه أثراً في نسيج من الإحالات والإرجاءات والتأويلات. وهنا يتحقق الاختزال الأنطولوجي بصورته الأكثر تطرفاً وهو أن تترك أثراً في خطاب أو أن تحتل موقعاً في سلسلة دالّة بلا نقطة استقرار نهائية.
أما في الفكر النقدي المعاصر وخاصة عند مفكري مدرسة فرانكفورت، فهذا الاختزال لا يُقرأ كحقيقة أنطولوجية بقدر ما يُقرأ كعنف تمارسه آليات الرأسمالية والإدارة التقنية على الوجود البشري وغير البشري. ثيودور أدورنو في “الديالكتيك السلبي”، يهاجم “فلسفة الهوية” التي تختزل الماهية إلى فاعليتها أو إلى مفهومها معتبراً أن ما يفلت من الاختزال هو دائماً ما هو غير مطابق، ما هو متبقي، ما هو نوني (Non-identisch). هذا المتبقي هو جوهر الكينونة الذي لا يمكن اختزاله إلى وظيفة أو أثر وهو ما يشبه “البريق” في لغة فالتر بنيامين أو “الجسم بلا أعضاء” عند دولوز وغوتاري حين يكون موضعاً لتدفق الرغبات لا لأداء المهام. لكن السؤال المحوري هو هل يمكن للكينونة فعلاً أن تفلت من شبكة الاختزال؟ أم أن كل محاولة للخروج من هذا القفص الوظيفي هي مجرد وهم آخر ينتجه النظام نفسه لكي يبدو أقل فظاظة؟
لنتأمل كائناً يومياً بسيطاً قلم حبر. كان هذا القلم قبل مئة سنة شيئاً يمكن التوقف عنده، التأمل في مادته في حرفيته في تاريخ صانعه وفي جمال شكله. لكن القلم اليوم في زمن الأشياء التي تُستعمل ثم تُرمى لم يعد يُرى إلا كأداة للكتابة فحسب، إن نفد حبره فإن وجوده ينتهي لا لأن مادته قد زالت بل لأنه توقف عن أداء وظيفته. أقصد أن الكينونة هنا صارت مرادفة للوظيفة إلى درجة أن بقاء الكيان المادي بعد فقدان الوظيفة لا يعني شيئاً. وهذا مثال بسيط لكنه ينكشف على مستوى أعلى، الإنسان نفسه في أنظمة العمل المعاصرة يُختزل إلى وصف وظيفي وإلى مؤهلات قابلة للقياس وإلى كفاءات تُدرج في جداول ونماذج. وجوده الاجتماعي يتقرر بموجب الأثر الذي يتركه في نظام الإنتاج، دخله، منصبه، علاقاته، تأثيره الرقمي. وما لا يُحدث أثراً أو لا يؤدي وظيفة ظاهرة يصبح أشبه بالعدم.
وهنا لا بد من استحضار نقد حنة آرندت في “حالة الإنسان”، إذ تميز بين “العمل” (labor) و”الصنع” (work) و”الفعل” (action). العمل يرتبط بالاستهلاك البيولوجي والصنع ينتج عالماً من الأشياء الدائمة، أما الفعل فهو الكشف عن الذات بواسطة الكلام والمبادرة في فضاء العموم. المشكلة أن الحداثة برأي آرندت قد اختزلت الفعل إلى عمل بل اختزلت الوجود البشري بأسره إلى عملية حيوية واحدة وإلى وظيفة في آلية اجتماعية ضخمة. وهنا الاختزال الأنطولوجي ليس وصفاً لطبيعة الوجود بل هو تشويه فرضته أوضاع تاريخية معينة، صعود المجتمع الجماهيري وهيمنة العقل الأداتي تحول كل شيء إلى سلعة. إنه يشبه ما وصفه جورج لوكاش بـ”الاغتراب” في “التاريخ والوعي الطبقي”، حين تصبح علاقات الناس فيما بينهم وكأنها علاقات بين أشياء، بين وظائف مجردة، بين كميات قابلة للتبادل.
فلنذهب أبعد: الاختزال الأنطولوجي ليس حالة ثابتة بل هو عملية متواصلة، إنه إجراء منهجي أكثر منه نتيجة نظرية. في العلوم الطبيعية يُختزل الكائن الحي إلى وظائفه البيولوجية وفي علم النفس المعرفي إلى آليات معالجة للمعلومات وفي علم الاجتماع إلى أدوار ومتغيرات. لكن هذا الاختزال مشروع في سياقه، فالعلم يحتاج إلى تبسيط، إلى نمذجة، إلى عزل متغيرات. غير أن الخطر يبدأ حين يصبح هذا الاختزال أنطولوجياً أي حين يُعتقد أن الكائن لم يكن في الأصل أكثر من هذه الوظائف وأن ما وراءها هو مجرد خرافة أو ميتافيزيقا عفا عليها الزمن. هنا تتحول طريقة المعرفة إلى حقيقة الوجود ويصبح المنهج العلمي أو التقني أو الاقتصادي رقيباً على ما يمكن أن يكون. يقول مارتن هايدغر في “سؤال التقنية”: إن جوهر التقنية ليس تقنياً بل هو “الاستجواب النازع” (das Gestell) الذي يجعل الكائن لا يظهر إلا بصفته قابلاً للتشغيل والتخزين والتحكم. هذا الإطار (Gestell) هو الاختزال الأنطولوجي بعينه حول الكينونة كلها إلى مخزون احتياطي (Bestand) لا يختلف فيه الحجر الحي عن الطاووس الميت عن القلم الجاف عن الروبوت الذكي، لأن الجميع محكوم بوظيفته ضمن نظام إنتاجي أو إجرائي.
في قلب هذا الإطار التقني تختفي الدهشة الأنطولوجية التي كانت بداية الفلسفة لدى أرسطو، الدهشة من أن شيئاً ما موجود بدلاً من ألا يكون موجوداً. هذه الدهشة تتطلب توقفاً وتأملاً وتعليقاً للحكم العملي والاختزال الأنطولوجي يعادي التوقف. إنه يريد أن يجيب فوراً وأن يربط كل كائن بوظيفة وأن يحيل كل أثر إلى سبب وأن يضع كل سؤال في إطار “ما الفائدة؟” حيث لم يعد مسموحاً للوجود أن يكون زائداً عن الحاجة، عاطلاً، غير منتج، بلا دور، بلا أثر. ومن هنا كان من الممكن قراءة أعظم الأعمال الفنية وأعمق التجارب الدينية وأكثر اللحظات البشرية حميمية وكأنها “مجرد وظائف” أخرى. الفن وظيفة جمالية معرفية، الدين وظيفة تماسك اجتماعي، الحب وظيفة تكاثرية. هذا هو الاختزال باسم الحقيقة ولكن أي حقيقة؟
لقد حاولت ظاهريات إدموند هوسرل ثم هايدغر وميرلوبونتي استعادة “الأشياء نفسها” قبل أن يطمسها الاختزال. الفينومينولوجيا تريد العودة إلى الوجود كما يظهر في الخبرة الحية وإلى ما قبل الفصل بين الوظيفة والجوهر وإلى ما قبل سؤال “لماذا” يسحق سؤال “كيف يكون”. لكن السخرية التاريخية أن الفينومينولوجيا نفسها تحوّلت في أيدي بعض تلامذتها إلى أداة اختزال جديدة، اختزال الوجود إلى خبرة ذاتية، إلى أثر في الشعور، إلى نتيجة لفعل القصدية. وهكذا كل محاولة للهرب من الاختزال تنتهي إلى اختزال آخر كما لو كان الاختزال هو القدر المحتوم للتفكير في الوجود بعد نهاية الميتافيزيقا الكلاسيكية. السؤال الذي يبقى حارقاً هو هل من سبيل لقول “هذا الكائن موجود” دون أن نضيف “من أجل…” أو “باعتباره…”؟ هل يمكن للحظة من الصمت الأنطولوجي الخالص أن تحدث دون أن تصادر فوراً من قبل لغة الوظائف والأثر؟
يظل السؤال ماثلاً هل ثمّة مفر من الاختزال الأنطولوجي أم أن الكينونة محكومة منذ أصلها بأن لا تكون إلاّ وظيفة أو أثراً؟ لنمضِ إلى ميادين الحساسية الأكثر مقاومة للاختزال كالفن والموت والأخلاق، فلعلّ فيها ما يعيد الاعتبار لما لا يُختزل. في مجال الفن تبدو المقاومة واضحة، العمل الفني منذ “جمهورية” أفلاطون وحتى إستطيقا الحداثة أُخضع لمحاولات اختزال متكررة. أفلاطون نفسه اختزل الفن إلى محاكاة (ميميسيس) لمحاكاة أي إلى أثر من الدرجة الثالثة للحقيقة. لكن ثمّة من عاد إلى الفن ليكتشف فيه ما لا يُختزل، هايدغر في “أصل العمل الفني” يرى أن القطعة الفنية ليست أداة ولا وظيفة بل هي “وضع عالم” و”إقامة أرض”. الكينونة تنبثق في العمل الفني بشكل يفلت من شبكة المنفعة لأن العمل الفني لا يشير إلى شيء خارج نفسه بل هو كينونة زائدة مكثفة تفتح أفقاً من المعاني لا يمكن قفله في غاية محددة. الفرق بين القلم الذي ذكرناه ولوحة لفان غوغ هو أن القلم يختفي لحظة أدائه وظيفة الكتابة بينما اللوحة تظهر كينونتها في اللحظة ذاتها التي تبدو فيها غير نافعة. لقد أدرك تيودور أدورنو هذه الحقيقة الناصعة حين قال في “نظرية جمالية” إن الفن الحديث يعرّف نفسه عبر “نفي النفعية” وأن ما تبقى من حرية في عصر الإدارة الشاملة هو ذلك البريق العديم الجدوى في العمل الفني.
لكن المؤسف أن الحداثة المتأخرة عادت لتختزل الفن نفسه إلى وظيفة توثيقية، تعبيرية، علاجية، أو استثمارية. ففي أسواق الفن المعاصر لا يُسأل عن العمل الفني “ما حقيقته؟” بل “كم يساوي؟”، “كيف يُروج له؟”، “أي أثر اجتماعي أو سياسي يتركه؟”. هنا يصبح الفن مرآة للاختزال الذي يدّعي مقاومته. إنها لعبة مرايا أنطولوجية حين يحاول الفن أن يكون غير قابل للاختزال يُختزل من باب آخر كما لو أن الاختزال هو قانون الجاذبية الثقافي الذي لا مفر منه. الأمر نفسه ينطبق على الموت، ذلك الحدث الذي بدا دوماً عصياً على أي وظيفة. الموت في الحسّ الوجودي هو إمكانية استحالة الإمكانيات أي اللحظة التي تنهار فيها كل الوظائف وتتبخر الآثار. لكن حتى الموت لم يسلم من الاختزال. في التفكير البيولوجي يُختزل الموت إلى فشل عضوي؛ في التفكير الاقتصادي إلى تكلفة فرصة أو خسارة رأسمال بشري؛ في التفكير الرقمي إلى انتقال للبيانات المخزّنة. بل ذهب بعض فلاسفة العقل المعاصرين كدانيال دينيت إلى القول إن الموت ليس سوى توقف المعالجة المعلوماتية. هذا اختزال يمسّ ما هو أكثر حميمية في الكينونة البشرية أي قدرتها على توقع العدم. عندما تُختزل علاقة الإنسان بموته إلى وظيفة بيولوجية أو أثر إحصائي يُنسى أن الموت هو الذي يمنح الحياة كثافتها الأنطولوجية لأن الفناء هو الذي يجعل الوجود سؤالاً لا جواباً.
أما الأخلاق فهي ساحة الاختزال الأكثر إيلاماً. كان إيمانويل كانط قد أسس الأخلاق على احترام الإنسان كغاية وليس كوسيلة فقط أي على نفي الاختزال الوظيفي للشخص. لكن الاختزال الأنطولوجي يتسلل إلى الأخلاق من بابين: أولهما النزعة النفعية التي تقول إن الخير هو أقصى سعادة لأكبر عدد أي إن الفعل الأخلاقي يُختزل إلى وظيفة إنتاج المتعة أو تقليل الألم. وثانيهما ما يمكن تسميته بـ”أنطولوجيا الأثر” في الأخلاق المعاصرة حيث لم يعد السؤال “ما هو الخير في ذاته؟” بل “أي أثر ستتركه فعالي على سمعة الآخرين أو على نظام العلاقات؟”. الأخلاق تُختزل إلى إدارة السمعة وإلى حساب التكلفة والمنفعة الرمزية وإلى هندسة الانطباعات. في شبكات التواصل الاجتماعي لا يكون الخير خيراً حقيقياً ما لم ينتج إعجابات أو مشاركات أو تعليقات. وإذا لم تترك الفعلة أثراً يُرى ويُقاس فكأنها لم تحدث قط. هذا اختزال أنطولوجي أخلاقي مدمر لأنه يقوض إمكانية أن يكون الفعل صالحاً بذاته خفياً، صامتاً، غير ظاهر.
ولكن هل ثمّة موقف إيجابي من الاختزال الأنطولوجي بمعنى أن يكون الاختزال نفسه هو شرط إمكانية كينونة جديدة؟ ربما يكون هذا هو الادعاء الأعمق الذي لم ننتبه إليه. عندما يختزل سبينوزا الوجود الإلهي إلى الجوهر الواحد ذي الصفات المتناهية فهو لا يلغي الكينونة بل يعيد تعريفها. وعندما يختزل هيوم السببية إلى عادة نفسية فهو يحرر المعرفة من أوهام الضرورة. وعندما يختزل نيتشه الحقيقة إلى لعبة قوى فهو يمهد لولادة قيم جديدة خارجة عن الميتافيزيقا التقليدية. الاختزال الأنطولوجي إذن، ليس لعنة مطلقة، بل يمكن أن يكون أداة نقدية، إنه يكشف أن ما اعتقدنا أنه جوهر ثابت ليس سوى وظيفة متغيرة وأن ما ظنناه أصلاً مطلقاً ليس سوى أثر لعلاقات قوة. لكن الخطأ يقع حين يتوقف الاختزال عند نفسه وحين يعتقد أنه هو الحقيقة النهائية فيتحول من منهج نقدي إلى سجن أنطولوجي جديد. القوة التحررية للاختزال تكمن في أنه يهدم الأصنام لكن ضعفه القاتل أنه يبني أصناماً جديدة أشد فظاظة، أصنام الوظيفة والأثر والتشغيل والتدفق.
إن سؤال الاختزال الأنطولوجي ليس سؤالاً فلسفياً جانبياً بل هو سؤال العصر بامتياز. في لحظة تاريخية يتحول فيها كل كائن بشرياً كان أو غير بشري إلى مورد ومعطى وأداة وأثر، يصبح واجب التفكير أن يسأل لا عن كيف نختزل بل عن ثمن هذا الاختزال. الثمن هو فقدان القدرة على التوقف، على الدهشة، على التأمل غير النافع، على الحب غير المنتج، على الحزن غير العلاجي، على الموت غير المحوسب. الكينونة المختزلة إلى وظيفة هي كينونة تملك كل شيء ما عدا كرامة الوجود المجاني. والكينونة المختزلة إلى أثر هي كينونة تملك كل شيء ما عدا حضورها الآني غير القابل للإرجاء.
غير أن الحل ليس في العودة الساذجة إلى أنطولوجيا الجواهر الصلدة فهذا مستحيل بعد نقد نيتشه وهايدغر ودريدا بل في تعلم العيش في فجوة الاختزال. قد تكون الكينونة دائماً قابلة للاختزال لكنها ليست منحصرة فيه. قد يكون الاختزال ضرورياً للمعرفة والعمل لكنه ليس كافياً لإقامة حياة بشرية جديرة بهذا الاسم. الفلسفة الحقيقية ليست هي التي تختزل أو التي تتهم الاختزال بل هي التي تتحرك في التوتر بين الحاجتين، الحاجة إلى الفهم عبر الاختزال والحاجة إلى الإجلال لما لا يُختزل. لأن ما لا يُختزل ليس جوهراً غيبياً يسبق كل اختزال بل هو ذلك المتبقي الذي يظهر في اللحظة التي نفشل فيها في الاختزال، ذلك العائم الحر الذي يشبه ما دعاه إيمانويل ليفيناس “وجه الآخر” – إذ الوجه ليس وظيفة ولا أثراً بل حضور يتحدى كل شبكة من العلاقات ويصدر أمراً أخلاقياً مطلقاً: لا تقتل.
الاختزال الأنطولوجي ليس خطيئة مميتة بل هو جزء من طريقة كوننا في العالم. لكن الوعي بهذا الاختزال والسعي الدائم إلى تجاوزه هو ما يفصل الفلسفة الحيَّة عن الجمود الأكاديمي والوجود الأصيل عن التيه في آلة العصر الصماء. فلتكن الكينونة شيئاً أكثر من وظيفتها ولتكن أكثر من أثرها؛ ولنعترف بأن السؤال الأخير عن الوجود لن يُجاب في أي مختزل بل سيبقى مفتوحاً كفتح أول صباح أو كدهشة طفل أمام حصاة لا تنفع لشيء.
***
د. حمزة مولخنيف







