عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام فكرية

حاتم حميد محسن: ما الذي يحدد جوهر الانسان؟.. ثماني رؤى فلسفية

هل التفكير العقلاني هو الذي يعرّف الإنسانية؟ ام هو الدوافع اللاواعية او الرموز الثقافية او البحث الدائم عن معنى وجودي؟ الرحلة لإيجاد جواب لسؤال "ماهو الكائن البشري؟" ليست شيئا جديدا. طوال تاريخ البشرية، كان هناك مئات المؤلفين الذين سعوا لإعطاء تعريف دقيق كجواب للسؤال. كل واحد منهم اتخذ اتجاها مختلفا ووجهة نظر وصفت الكائن البشري على افضل وجه. ربما التعريف الأكثر شهرة في العصور القديمة هو تعريف ارسطو. هو رأى الانسان كمخلوق سياسي، بمعنى ان الانسان جزء من المجتمع ويعيش ضمنه، مقيدا بالمعتقدات الاجتماعية والقوانين التي يطيعها. هو أيضا ذهب بعيدا في القول ان أي شخص منعزل عن المجتمع سيكون اما متوحشا او إلها. سنرى الان التعريفات الأخرى.

1- انسان عاقل Homo Sapiens

ان افضل نقطة بدء في تعريف انفسنا هي المصطح البايولوجي Homo Sapiens. في الفهم المبسط له، هذا يحدد الانسان ككائن يفكر، يحوز على وعي وذكاء للابحار في العالم. ومن الملفت، ان مفردة عاقل تنبثق من الكلمة اللاتينية sapere، وهي فعل يعني اكثر من مجرد "يعرف"، لأنها أيضا تحمل وزنا حسيا من "تذوق" او "يلاحظ".

غير ان التاريخ الإنساني يبدو عادة يفضح فكرة العاقل نفسها. نحن باستمرار قادرين على الأفعال التي هي في تناقض كلي مع الذكاء او الحكمة، نحن نعرض سلوكا فقيرا بنفس السهولة التي نعمل بها حكمة، نخلق أشياءً قبيحة وعديمة الذوق وغير عادلة. عندما ننظر الى خراب الحروب سنُجبر على السؤال: هل الكائن البشري حقا انسان عاقل، او هل ان ذكائنا المتصور هو مجرد وهم؟ العديد من المفكرين تحدّوا اللقب الذي خصصناه لأنفسنا، وعرضوا خيارات مثيرة تقترح ان قوى اكثر ظلاما وفوضوية تحكمنا.

2- انسان أحمق Homo Insapiens

فرويد وكارل ماركس شخصيتان عارضتا نظرية الانسان العاقل. فرويد في نظريته اللاوعي، كان واحدا من المفكرين الذين كشفوا الجانب المظلم من النفس الإنسانية. هو لاحظ انه، الى جانب كل الرغبات والاشياء الجميلة التي يستطيع الانسان عملها، هو أيضا قادر على فعل أشياء سيئة جدا ومدمرة.

الدوافع، الغرائز، والحوافز لهذه الأفعال المدمرة تكمن في اللاوعي، حسب فرويد. هي أشياء كُبحت واعيقت لكنها لاتزال قادرة على الظهور والمجيء الى الحياة. فرويد ذهب بعيدا بالقول ان البشر ليس لديهم إرادة حرة ابدا. كل شيء فينا يتحفز باللاوعي، والمحتوى المكبوت يتحكم في كل خيار نقوم به. كارل ماركس يعرض نوعا من وعي مشوّه مشابه جدا لمفهوم فرويد في اللاوعي . من المهم ملاحظة ان ماركس يأخذ اتجاها مختلفا عندما يفصّل نظريته، متبنّيا نظرة ذات تركيز ثقافي واجتماعي اكثر لدرجة هو يدمجها لاحقا في ايديولوجيته السياسية.

فمثلا، الرأسمالي قد يرى ان افعاله وسلوكياته هي إنسانية وانه يعزز الرفاهية العامة للبشرية. لكنه لايزال، في الحقيقة، تكشف دوافعه وافعاله فقط عن رغبته المحضة لرأس المال ورغبته اللاواعية (القذرة) للتمايز الطبقي بين الناس، طبقا لماركس.

لذا، بطريقة ما، نحن نستطيع القول انه، طبقا لماركس وفرويد، ان اللاوعي والجانب اللاعقلاني للإنسان هو الذي يقود افعاله وسلوكه، وانه ليس حكيما او ذكيا. الاختلاف الوحيد بين الاثنين هو ان ماركس يناقش اللاوعي الجمعي، بينما فرويد يناقش اللاوعي الفردي. لذا، نظريات مثل فرويد وماركس تضع نظرية الانسان العاقل امام تساؤل لأنها تبيّن ان البشر ليسوا دائما اذكياء وانما هم بشر غير عاقلين homo insapiens.

أول من استعمل عبارة الانسان غير العاقل هو هربرت جورج ويلس في كتابه (42-44)(1). هو كان محبطاً من القوة التدميرية والمجنونة للحرب العالمية الثانية، يستنتج ويلس ان البشر ليسوا اكثر من مخلوقات حمقى. عبارة الانسان غير العاقل تأتي من الكلمة اللاتينية homo وتعني انسان، و insapientia وتعني غير حكيم او "يفتقر للحكمة". لذا، في الترجمة، عبارة homo insapiens تعني انسان غير الحكيم أو احمق وجاهل.

3- الانسان المحارب Homo Beligerans

استمراراً بنفس السردية، يمكننا أيضا ان نصادف التعريف بان الكائن البشري هو الانسان المحارب. العبارة استُعملت اول مرة من جانب المؤرخ الإنجليزي النولد جيه توينبي في عمله الضخم (دراسة التاريخ، عام 1934). المصطلح له جذوره في الكلمة اللاتينية bellum وتعني الحرب، و gerare وتعني يقود او ينفذ، وهكذا فان homo belligerans تعني الانسان المتشدد او العدواني، أي الانسان الذي يقود الحرب. ونحن نستطيع بدون شك القول ان التاريخ يؤكد ذلك. الحروب ليس فيها فقط سمة طبقية كما قال انجلس، وانما أيضا تتخذ عدة اشكال أخرى: تعدد اثني، ديني، حروب أهلية وغيرها، ومن المشكوك ان كان بالإمكان اعتبارها مبررة.

4 – الانسان اللاعب Homo Ludens

الى جانب طبيعة الحروب طوال التاريخ البشري، من الصعب اختزال الانسان الى انسان محارب. في الحقيقة، هناك عدة حالات يشعر فيها الانسان بسعادة ومرح خالصين، وفيها هو يلعب العابا معينة. بسبب هذا، يعتقد العديد من المؤلفين ان جوهر الانسان هو اللعب والألعاب. انه من خلال اللعب يوجد الانسان حقا ككائن بشري. لذا، هم يستنتجون ان الانسان كائن مرح: كائن قادر على اللعب وهو الكائن الوحيد الذي يمكنه الابتهاج في اللعب لأنه يلعب لأجل اللعب.

هذه النظرية تقترح ان اللعب هو حقل مستقل وأصيل يعيش فيه الانسان ويشيخ طوال حياته. لذا، عندما هو يلعب، هو لا ينهي اللعبة لأنه لو فعل ذلك، سوف ينهي ذاته، وهو ما يعني الموت. بدلا من ذلك، هو يلعب مبتدئاً من بداية حياته وحتى النهاية. وبسبب هذا، يقول بعض المؤلفين ان الناس ليسوا اكثر من أناس لاهين.

5- الانسان الاقتصادي والصانع Homo oeconomicus&Homo faber

طبقا لمفكرين آخرين، الانسان ببساطة ليس مخلوقا لاعبا وانما في جوهره هو انسان اقتصادي. هذا يعني ان الانسان كائن اقتصادي او كائن يعرف حول الاقتصاد وبالتالي يعرف كيف يعالج ويدير اقتصاده الخاص. هذا لا يعني فقط المظهر المالي لموارده وانما أيضا يتضمن موارد أخرى. لذلك، الانسان لايدير فقط أمواله وانما أيضا لديه منزل يعتني به ويستمر يعتني به في المستقبل. مع ذلك، عندما ننظر الى عالم الحيوانات، نستطيع بسهولة ملاحظة شيء مشابه لطريقة حياتهم: هم يعتنون ببيوتهم وذريتهم ويستعدون للمستقبل عبر جمع الطعام. العديد من الحيوانات، مثلا، تستعد للشتاء بتخزين الطعام وتعديل بيوتها لتضمن البقاء بطريقة افضل. لذا هي يمكن أيضا تصنيفها كأعضاء في هذه الجماعة من الكائنات. لذلك، السؤال الذي يبرز هو ما اذا كان هذا التوصيف للإنسان كاقتصادي دقيق بما يكفي.

بسبب هذا، أدخل العديد من المؤلفين فكرة الانسان الصانع . كلمة faber لها اصل لاتيني تعني "الخالق"، او "الصانع" او الحرفي. بنيامين فراكلن وصف الانسان كحيوان صانع الأدوات. هذا يعني ان الانسان قادر على صناعة الأدوات واستعمالها. هذا التعريف استُخدم لاحقا من جانب الفيلسوف الفرنسي هنري بريجسون أيضا.

6- الانسان المسافر Homo Viator

مفكرون آخرون يصفون الانسان ككائن مسافر. اول من استخدم هذه العبارة هو الفيلسوف الفرنسي الوجودي غاربيل مارسيل في واحدة من اشهر مقالاته بعنوان الانسان المسافر. مفردة viator لها جذورها في الكلمة اللاتينية viaticus والتي يمكن ترجمتها الى "شخص يستعد للسفر". وهكذا فان homo viator تعني ان الكائن البشري هو كائن مسافر، كائن مستعد للاستمرار في مسار والسفر الى مكان ما. يستعمل مرسيل العبارة ضمن سياق فلسفته الوجودية لأنه رأى طبيعة البشر غير ثابتة وانما مرنة ويمكنها اتخاذ عدة اشكال، لأن الانسان في بحث دائم عن المعنى في حياته. وبسبب ان طبيعته ليست مقررة سلفا، فان الانسان محكوم عليه باتباع مسار والبحث المستمر عن المعنى لذاته.

7- الانسان الجالس Homo sedens

حتى عندما يمتلك الناس الرغبة والحاجة للسفر، نحن أيضا نلاحظ رغبة قوية بالبقاء في مكان واحد. الناس عادة يريدون البقاء في مكان واحد وبدون الحاجة للسفر الى مكان آخر. هذا يصح خصيصا في عالم اليوم، الذي يمكن فيه للناس السفر افتراضيا بفضل التطور التكنلوجي والاختراعات المستمرة.

لهذا عرّف الفيلسوف الكندي وخبير الاتصالات مارشال ماكلوهان عام 1962 الكائن البشري كانسان جالس. مفردة جالس تعود الى الأصل اللاتيني sedere وتعني "يجلس". لذا، طبقا لهذا التوصيف، نحن نستطيع تعريف الانسان كونه جالسا، او ملتصق بكرسيه، او في منزله.

8- تعريفات أخرى

يقدم لنا تاريخ الفكر معرضا واسعا جدا من الناس، حيث كل واحد يحاول السعي لالتقاط جوهر مختلف لطبيعتنا. البعض يرى اننا في الأساس بشر دينيين homo religious وهو المصطلح الذي صاغه المؤرخ ميرسيا الياد لوصف الانسان المحدد بدافع فطري نحو المقدس والطقسي. وبارتباط وثيق مع هذا هو مفهوم الانسان الميتافيزيقي homo metaphysicus، وهو المصطلح الذي يصف الانسان كمخلوق مهوس بالنظر في ما وراء القناع المادي لإستكشاف ما وراء الطبيعية والغير مرئي. ارثر شوبنهاور جادل بان الانسان هوالحيوان الوحيد الذي يتساءل عن وجوده، بما يجعل الميتافيزيقا ضرورة بايولوجية.

***

حاتم حميد محسن

.............................

(1) العنوان الكامل لكتاب"42 to 44"الذي صدر عام 1944 هو "42-44" : مذكرات معاصرة عن السلوك الإنساني اثناء أزمة الثورة العالمية.