ليست الفلسفة ترفًا فكريًا كما يتصور البعض، ولا مادة مدرسية يمكن الاستغناء عنها كلما ضاقت المناهج أو ازدحمت الجداول الدراسية، وإنما هي قبل ذلك وبعده تربية للعقل على الحرية، وتهذيب للضمير، وتدريب للإنسان على فن السؤال قبل البحث عن الجواب. ولعل أعظم ما أنجزته الفلسفة في تاريخ الحضارة الإنسانية أنها لم تكتف بإنتاج الأفكار، بل ساهمت في إنتاج الإنسان القادر على التفكير.
ومن هنا يبدو الدفاع عن الفلسفة دفاعًا عن الإنسان نفسه، وعن حقه في أن يفكر، ويشك، ويبدع، ويختار، وأن يكون مواطنًا لا مجرد تابع، وعقلًا حيًا لا مجرد وعاء لحفظ المعلومات. ولهذا جاءت دعوات كثير من الفلاسفة والمثقفين في الجزائر وغيرها من البلدان العربية الرافضة لتهميش الفلسفة في التعليم، تعبيرًا عن وعي عميق بأن معركة المستقبل ليست معركة التكنولوجيا وحدها، وإنما هي معركة العقول التي ستستخدم هذه التكنولوجيا.
لقد أثبتت التجربة الإنسانية أن التنمية ليست مجرد بناء طرق وجسور ومصانع، وإنما هي قبل كل شيء بناء الإنسان. والإنسان لا يُبنى بالمعرفة التقنية وحدها، وإنما ببناء شخصيته العقلية والأخلاقية والجمالية والوجدانية. وهذا ما تؤكده نظرية الذكاءات المتعددة لعالم النفس الأمريكي هاورد غاردنر، التي تجاوزت الفهم التقليدي للذكاء بوصفه قدرة رياضية أو لغوية فحسب، لتؤكد أن الإنسان يمتلك طيفًا واسعًا من القدرات؛ كالذكاء المنطقي والاجتماعي والوجداني والجمالي والأخلاقي والوجودي وغيرها. وليس ثمة علم أسهم في تنمية هذه الملكات مجتمعة كما أسهمت الفلسفة والعلوم الإنسانية.
ومن خبرتي المتواضعة في دراسة الفلسفة وتدريسها وإدارة قسمها في جامعة عدن، أدركت أن جوهر الدرس الفلسفي لا يكمن في تلقين تاريخ الفلسفة، وإنما في تعليم الطلاب كيف يفكرون. فالغاية ليست أن يحفظ الطالب ما قاله بارمينيدس أو الفارابي أو هيجل أو سارتر، وإنما أن يتعلم كيف يصوغ أسئلته الخاصة عن ذاته وعالمه الذي يعيش فيه وحاضره ومستقبله أما الاقتصار على تدريس الأقوال الفلسفية القديمة باعتبارها حقائق مكتملة، فإنه يحول الفلسفة إلى مادة جامدة تفقد روحها. فما قيمة أن يردد الطالب قول بارمينيدس: “الوجود موجود والعدم غير موجود”، أو عبارة هيجل: “العقل يحكم العالم”، أو مقولة سارتر: “الوجود يسبق الماهية”، إذا لم تساعده هذه الأقوال على فهم وجوده هو، وعالمه هو، ومشكلاته هو وجيله وعصره.
العالم اليوم يتحرك بسرعة غير مسبوقة. فالذكاء الاصطناعي، والثورة الرقمية، والبيانات الضخمة، والروبوتات، والتقنيات الحيوية، كلها تعيد تشكيل معنى الإنسان والعمل والمعرفة. وفي مثل هذا العالم لا تكفي المعلومات، لأن المعلومات أصبحت متاحة للجميع، وإنما تصبح القيمة الحقيقية في القدرة على تحليلها، ونقدها، وربطها، وتوظيفها أخلاقيًا. بحسب إدجار موران الذي أكد "إن التفكير في تعقيد العالم وتداخله وتسارع متغيراته ليس ترفًا فكريًا، بل هو ضرورة وجودية في عالم لا تكفيه الأجوبة البسيطة.” وهذا هو فحوى المنهج التركيبي المنطلق من ثلاثة مبادئ أساسية عند الفيلسوف موران:
أولها: المبدأ الحواري، الذي يسمح بالتعايش بين المتناقضات دون أن يلغي أحدها الآخر. فالنظام والفوضى ليسا نقيضين مطلقين، بل قد يكون كل منهما شرطًا لوجود الآخر. وكذلك العلاقة بين الذكاء الاصطناعي والوعي الإنساني؛ فليست علاقة صراع، بل علاقة تكامل إذا أحسن الإنسان إدارتها.
ثانيا: مبدأ الارتداد السببي، حيث لا تسير العلاقة بين السبب والنتيجة في خط مستقيم، بل تعود النتائج لتؤثر في الأسباب نفسها. فالإنسان يصنع التكنولوجيا، لكن التكنولوجيا تعيد تشكيل الإنسان، وثقافته، وعلاقاته، وطريقته في التفكير.
ثالثا: المبدأ الهولوغرامي، الذي يرى أن الجزء يحمل صورة الكل، كما يحمل الكل آثار أجزائه. فالإنسان ليس فردًا معزولًا، بل يحمل داخله تاريخ مجتمعه وثقافته ولغته وقيمه، كما أن المجتمع لا يوجد إلا من خلال الأفراد.
إنها رؤية كلية نقدية عقلانية ترى الوحدة داخل التعدد، والتعدد داخل الوحدة.
وليس من قبيل المصادفة أن تشير دراسات بحثية عديدة إلى وجود علاقة بين ضعف تدريس الفلسفة والعلوم الإنسانية وبين قابلية بعض الشباب للانجذاب إلى الأفكار المتطرفة. فقد ناقشت ورقة “تحصين العقل” التي أعدها الباحث البريطاني مارتن روز، وعدد من الدراسات اللاحقة، أثر غياب العلوم الإنسانية في تنامي العقلية المغلقة، واقترحت أن تدريس الفلسفة، وعلم الاجتماع، والتاريخ، والآداب، إلى جانب أنسنة تدريس العلوم الطبيعية والهندسية، يمكن أن يسهم في بناء عقول أكثر انفتاحًا ومناعة تجاه الأيديولوجيات المتشددة.
كما أثارت دراسات مقارنة أخرى الانتباه إلى الحضور المرتفع لخريجي بعض التخصصات التقنية والهندسية داخل جماعات التطرف العنيف، ليس لأن الهندسة تنتج الإرهاب، فذلك استنتاج باطل ومجحف، وإنما لأن الاقتصار على التكوين التقني دون مرافقة فلسفية وإنسانية قد يحرم الطالب من التدريب على التفكير النقدي، وتعدد وجهات النظر، وفهم التعقيد الإنساني الذي لا يخضع دائمًا لمنطق الصواب والخطأ الحاسم كما في المسائل الرياضية.
إن هذه النتائج لا تدين العلوم الطبيعية، فهي من أعظم منجزات الحضارة الإنسانية، لكنها تؤكد أن العلم وحده لا يكفي. فالعلم يخبرنا كيف نصنع الأشياء، أما الفلسفة فتسألنا لماذا نصنعها، ولأي غاية، وبأي مسؤولية إنسانية أخلاقية؟
لقد اثبت التاريخ أن المعتقدات والأفكار لا تُهزم بالقوة وحدها، وإنما بأفكار أكثر عقلانية وإنسانية. فالذي يقتنع بأن الموت طريقه الوحيد إلى الخلاص، لا تستطيع الدبابات أن تغير قناعته، لكن قد ينجح في ذلك معلم حكيم، أو كتاب جيد، أو حوار صادق، أو درس فلسفة يفتح نافذة جديدة في عقله.
ولهذا فإن مسؤولية بناء العقل لا تقع على المدرسة وحدها، وإنما تشترك فيها الأسرة، والجامعة، ووسائل الإعلام، ودور العبادة، والمؤسسات الثقافية، وكل من يسهم في تشكيل وعي الإنسان. فالتطرف لا يولد فجأة، وإنما ينمو في بيئة يغيب عنها السؤال، ويهيمن عليها اليقين المغلق والعقل الهندسي.
وهكذا يمكن القول ؛؟إن إعادة الاعتبار للفلسفة والعلوم الإنسانية في مدارسنا وجامعاتنا ليست دفاعًا عن تخصص أكاديمي، وإنما دفاع عن مشروع حضاري كامل، يؤمن بأن الإنسان هو أغلى ثروة تمتلكها الأمم، وأن الاستثمار الحقيقي يبدأ من العقل، لا من النفط ولا من السلاح ففي عصر الذكاء الاصطناعي، تزداد هذه الحقيقة وضوحًا. فالآلة تستطيع أن تحسب أسرع منا، وأن تخزن أكثر منا، وأن تسترجع المعلومات في أجزاء من الثانية، لكنها لا تستطيع أن تمنح العالم معنى، ولا أن تميز بين الخير والشر، ولا أن تتحمل مسؤولية أخلاقية. وهذه هي المنطقة التي ستظل حكرًا على الإنسان، ما دام يحتفظ بعقله النقدي، وخياله الخلاق، وضميره الحي.
وعلينا إن نعلم إن مستقبل التعليم العربي لن يتحدد بعدد الحواسيب في المدارس، ولا بسرعة الإنترنت، وإنما بقدرته على تخريج إنسان يفكر قبل أن يحفظ، ويناقش قبل أن يقلد، ويبدع قبل أن يكرر. ذلك هو الإنسان الذي تحتاجه أوطاننا إذا أرادت أن تدخل المستقبل بعقلها، لا أن تظل تلهث خلفه بخطى متعثرة.
ختاما اليكم هذا البشارة: قبل أيام استوقفتني مقابلة تلفزيونية مع إحدى مذيعات قناة الجزيرة، قالت فيها إن تخصص الفلسفة أصبح اليوم من أكثر التخصصات طلبًا في عصر التحول الرقمي، لأن شركات الذكاء الاصطناعي والمؤسسات التقنية الكبرى باتت بحاجة إلى الفلاسفة لوضع الأطر الأخلاقية التي تضبط منتجاتها، وللتفكير في الأسئلة التي تعجز الخوارزميات عن الإجابة عنها؛ لم تكن المفاجأة في الخبر، وإنما في المفارقة؛ ذلك التخصص الذي ظل لعقود طويلة مادة للسخرية الاجتماعية، أصبح اليوم أحد أكثر التخصصات حضورًا في مستقبل البشرية.
ولهذا ستظل الفلسفة، مهما تغيرت العصور، أمَّ العلوم حقًا؛ لأنها ليست علمًا ينافس العلوم الأخرى، بل الأفق الذي يمنحها معناها، والضمير الذي يحرسها من الانزلاق إلى قوة بلا أخلاق، أو معرفة بلا حكمة، أو تقنية تنسى الإنسان وهي تحتفل بإنجازاته
***
ا. د. قاسم المحبشي








