عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

مراد غريبي: الإشاعة الرقمية وتنمية السلم الاجتماعي

مدخل: الإشاعة في العصر الرقمي ليست كلامًا عابرًا ينتقل داخل دائرة محدودة، ثم ينتهي أثره بإنتهاء الجلسة وفي حدودها الضيقة (العائلة، الحي، المدينة). بل أصبحت قوة اجتماعية قادرة على اقتحام الحياة الخاصة، وتوجيه الانفعالات العامة، وتغيير صورة الأفراد والجماعات، والتأثير في الاقتصاد والإعلام والعلاقات السياسية.

لعلها تبدأ الإشاعة بمنشور مجهول، أو تسجيل صوتي مقتطع، أو صورة أُخرجت عن سياقها الحقيقي، ثم تتحول بفعل التكرار والتعليق والمشاركة إلى اعتقاد جماعي، قبل أن تتحول القناعة إلى سلوك، والسلوك إلى واقع.

الإشاعة الرقمية تكمن خطورتها في أنها لا تحتاج إلى أن تكون صحيحة حتى تؤثر، فقد يكون مضمونها باطلًا، لكن الخوف والفوضى والهلع الذي تثيره حقيقي، والخصومة التي تشعلها حقيقية، والخسارة التي تتسبب فيها حقيقية. لذلك لا تكفي دراسة الإشاعة من زاوية صدقها أو كذبها، بل يجب بحثها بوصفها ظاهرة معرفية وأخلاقية وسوسيولوجية وسياسية.

ثم إن السلم الاجتماعي لا يعني غياب الاختلاف أو توحيد الآراء، بل يعني قدرة الجماعة على إدارة اختلافاتها داخل فضاء مشترك من الثقة والاحترام والوقائع القابلة للنقاش. كما تشير الأدبيات الحديثة إلى أن السلم الاجتماعي تنميته لا يقومان على التطابق، بل على الاتفاق بشأن معنى «نحن» المشتركة، وعلى إمكان الحوار رغم التعدد والاختلاف. وبالتالي الإشاعة تعمل على تفكيك هذا المجال المشترك، ليس عبر تضليل الأفراد فقط، بل إضعاف شروط العيش المشترك.

الإشاعة بوصفها ظاهرة فلسفية

تنشأ الإشاعة غالبًا في المنطقة الفاصلة بين الجهل والمعرفة، حين يقع حدث غامض أو مقلق، ويغيب التفسير الموثوق، يبدأ الإنسان في تركيب رواية تساعده على فهم ما يحدث، هنا تتدخل الإشاعة لتملأ فراغًا معرفيًا ونفسيًا في آن واحد: فهي تقدم تفسيرًا حين تغيب المعلومات، وتمنح شعورًا بالسيطرة حين يشتد الهلع والخوف، ثم الإشاعة لا تنتشر لأنها تقدم حقيقة مكتملة، بل لأنها تقدم احتمالًا قابلًا للتصديق. ولهذا فإنها غالبًا ما تظهر في عبارات مثل: «يقال إن...»، و«مصدر مقرب أكد...»، و«بلغني خبر ..»، و«تحذير للنشر»، هذه الصيغ لا تؤسس اليقين، لكنها تفتح باب الشك، والشك في بيئة مشحونة قد يتحول سريعًا إلى اتهام ثم إلى إدانة.

ومن منظور إبستمولوجي، لا تكمن المشكلة في تداول المعلومات والأخبار غير المباشرة في حد ذاته؛ حيث معظم معرفتنا بالعالم تقوم على شهادات الآخرين، لكن القيمة المعرفية للشهادة تتوقف على مصدرها، ودرجة اختصاصه، ومدى صدقه، وإمكان التحقق من كلامه. أما أن يصبح التكرار بديلًا عن الدليل، أو أن تتحول كثرة المشاركات إلى معيار للحقيقة، فذلك يمثل انحرافًا في بنية المعرفة الاجتماعية.

لهذا انتشار الإشاعة عبر حسابات كثيرة لا يعني بالضرورة تعدد مصادرها. فقد تكون آلاف الحسابات قد أعادت إنتاج المنشور نفسه، فيظهر للمستخدم كأنه أمام إجماع، بينما هو في الحقيقة أمام تكرار لرواية واحدة، فقد أظهرت دراسات انتشار المعلومات الرقمية أن التجانس والاستقطاب داخل الجماعات الرقمية يساعدان على تكوين غرف صدى تعزز الروايات المنحازة، وتدعم التحيز التأكيدي، وتزيد حجم انتشار الإشاعة.

الإشاعة بوصفها فعلًا اجتماعيًا

الإشاعة لا تكتفي بوصف الواقع، بل قد تساهم في صناعته، فإذا انتشر خبر عن ندرة سلعة، اندفع الناس إلى تخزينها، فحدث النقص بالفعل. وإذا شاع اتهام شخص، تضررت سمعته قبل ظهور الدليل. وإذا انتشرت رواية عن خطر أمني أو طائفي، تغيرت سلوكيات الأفراد وازدادت مشاعر الخوف والتوجس والتنافر.

هنا تظهر المفارقة الأساسية، قد تكون الإشاعة كاذبة من حيث مضمونها، لكنها حقيقية من حيث آثارها، لأن الخوف الذي تنتجه، والقطيعة التي تسببها، والتوتر الذي تولده، والقرارات التي تدفع الناس إلى اتخاذها، كلها وقائع حقيقية. وعليه فإن مواجهة الإشاعة لا ينبغي أن تقتصر على إثبات خطئها، بل يجب أن تتجه أيضًا إلى معالجة آثارها الاجتماعية والنفسية.

 الإشاعة عادة ما تؤدي ثلاث وظائف متداخلة: تمنح الجماعة تفسيرًا لحدث غامض، وتعبّر عن انفعال مشترك، وتدفع الأفراد إلى اتخاذ موقف أو القيام بفعل. لهذا فهي ليست رسالة معرفية فقط، بل هي خطاب انفعالي وعملي؛ إنها تحول القلق إلى رواية، والرواية إلى موقف، والموقف إلى سلوك.

نماذج من آثار الإشاعة الرقمية

1- تدمير الأسر وبث اللاثقة

تُعد الأسرة من أكثر المجالات تعرضًا للأثر المباشر للإشاعة الرقمية، لأنها تقوم على الثقة والخصوصية والسمعة والروابط العاطفية، يكفي نشر صورة قديمة خارج سياقها، أو محادثة مبتورة، أو ادعاء عن علاقة مشبوهة، حتى تبدأ الشكوك في التسلل إلى الحياة الزوجية والعائلية.

لا تحتاج الإشاعة الأسرية إلى دليل قوي كي تؤثر؛ يكفي أن تزعزع اللاثقة. فإذا وصل منشور مجهول إلى أحد الزوجين، فقد يبدأ في مراقبة الهاتف، وتأويل الصمت، وربط الوقائع العادية برواية الإشاعة ثم تتحول العلاقة عندئذ من مجال للحوار والسكن إلى فضاء للمراقبة والتحقيق والاتهام.

مثلًا قد تنتشر صورة لشخص مع امرأة أو رجل في مكان عام، ثم تُرفق بتعليق يوحي بوجود علاقة غير مشروعة. وبغض النظر عن حقيقة الصورة، يمكن أن يؤدي تداولها إلى نزاع بين الزوجين، ثم إلى تدخل العائلتين، وربما إلى قطيعة أو طلاق. ولا يتوقف الضرر عند الزوجين، بل يمتد إلى الأبناء، وإلى سمعة العائلتين، وإلى شبكة العلاقات الاجتماعية.

فلسفيًا، تكشف الإشاعة الأسرية عن هشاشة الثقة حين تتحول المعرفة إلى مراقبة، فالأسرة لا تقوم على امتلاك كل المعلومات عن أفرادها، بل على حسن الظن والحوار واحترام الحدود الشخصية، لكن عندما تحل الإشاعة محل التواصل المباشر، تتحول العلاقة الإنسانية إلى ادانات دائمة.

2- الصراع الطائفي وتمزيق المجتمع

تزداد خطورة الإشاعة عندما ترتبط بالدين أو الطائفة أو المذهب أو الانتماء القبلي، في هكذا الحالة لا يكون المستهدف فردًا فقط، بل جماعة تحمل ذاكرة ورموزًا وحساسيات تاريخية، قد يؤدي خبر غير موثق عن اعتداء أو إساءة أو مؤامرة إلى إنتاج غضب جماعي، خاصة إذا صيغ بلغة تحريضية تستدعي المظلومية والانتقام.

فالإشاعة الطائفية تعتمد على نقل المسؤولية من الفرد إلى الجماعة. فإذا ارتكب شخص فعلًا، نُسب الفعل إلى طائفته كلها، وإذا وقع حادث غامض، جرى تفسيره بوصفه مؤامرة من جماعة أخرى، هكذا تنتقل الجماعة من منطق المسؤولية الفردية إلى منطق العقاب الجماعي.

وقد ينتشر مقطع قديم على أنه اعتداء حديث ارتكبته جماعة دينية أو طائفية معينة، ثم تُضاف إليه تعليقات تحدد هوية الفاعل وتطالب بالرد. وقبل التحقق من زمان المقطع ومكانه، تبدأ الشتائم والتهديدات، وقد تتحول إلى اعتداءات حقيقية.

تعمل الإشاعة هنا على صناعة «العداوة اجتماعيًا»، فهي لا تنقل الانقسام فقط، بل تعيد بناء الهوية على أساس الخوف من الآخر، وقد بينت دراسات حول التضليل الرقمي أن خطاب الكراهية والأخبار الكاذبة يمكن أن يعمقا التوترات بين الجماعات، وأن غرف الصدى الخوارزمية تقلل التعرض لوجهات النظر المختلفة وتعيد إنتاج الانقسام الطائفي والسياسي.

حيث تشير دراسات مقارنة إلى أن استخدام النخب السياسية لوسائل التواصل في نشر المعلومات الكاذبة يرتبط بارتفاع الاستقطاب واحتمالات النزاع المدني، خصوصًا حين تتحول المنصات إلى أدوات لتنظيم التعبئة خارج الفضاء الرقمي. وهذا يعني أن الإشاعة الطائفية قد تكون تلقائية وشعبية، لكنها قد تكون أيضًا منظمة وموجهة لخدمة مصالح سياسية.

3- تشويه الوعي وصناعة القطيعة

لا يقتصر أثر الإشاعة على إحداث ضرر مباشر، بل يمتد إلى تشكيل وعي الفرد والجماعة. فحين يتعرض الإنسان يوميًا لسيل من الأخبار غير الموثقة، يفقد تدريجيًا القدرة على التمييز بين الواقعة والتأويل، وبين الشهادة والدعاية، وبين السؤال والقطيعة.

تنشأ بذلك حالة يمكن تسميتها تخمة الشك، حيث لا يعود الفرد يثق في شيء، لكنه في الوقت نفسه يصبح مستعدًا لتصديق أي رواية توافق انفعاله أو موقفه أو جهته، وقد يبدو هذا الشك موقفًا نقديًا، لكنه قد يتحول إلى لا مبالاة معرفية، أي إلى اعتقاد بأن «كل شيء كذب»، ومن ثم تصبح كل الروايات قابلة للتصديق بالقدر نفسه.

هكذا تعمل الإشاعة على اختزال القضايا المركبة في جمل سهلة التداول. فالأزمات السياسية والاقتصادية والتربوية تُرد إلى شخص واحد أو جماعة واحدة أو مؤامرة واحدة، وبدل أن يسأل الفرد عن البنية والظروف والتاريخ، يبحث عن فاعل محدد يلقى عليه اللوم ويفرغ نحو جام غضبه ويرسخ القطيعة معه.

ومع تكرار المعلومة، يشعر المتلقي بألفة تجاهها، وقد يخلط بين الألفة والصدق، وتتحول المعرفة عندئذ من عملية فحص وتأمل إلى انطباع سريع، ثم يصبح المجتمع شديد الانفعال، قليل الصبر على البحث، سريع الاستعداد للقطيعة، وتنتقل فيه السلطة من الأكثر علمًا إلى الأكثر إثارة.

4- تسويق الأوهام اجتماعيا

لا تكتفي الإشاعة بنقل الاوهام، بل قد تمنحها تسويقًا وترويجًا داخل الثقافة الاجتماعية، وعبر كثرة التداول، تتحول بعض الأوهام إلى «معارف شعبية» تتناقلها الأجيال رغم افتقارها إلى الدليل، وقد يتعلق الوهم بالصحة أو التربية أو الدين أو العلاقات الاجتماعية أو تفسير الأحداث السياسية والوقائع التاريخية والشخصيات التراثية او الوطنية او العلمائية الدينية والأكاديمية والسياسية.

وقد يأتي الوهم في صورة علمية أو دينية أو وطنية. فخبر صحي غير مثبت قد يُرفق بصور أطباء مجهولين، أو بمصطلحات علمية، أو بشهادة شخص يدعي الخبرة، بهذا يكتسب الوهم مظهرًا زائفًا من المصداقية. كما يحدث الأمر نفسه حين يُنسب قول ضعيف أو حديث غير ثابت إلى الدين، فيتحول التداول الرقمي إلى وسيلة لخلط المقدس بالمتداول، والعلم بالانطباع.

تكمن خطورة الأوهام في أنها لا تبقى فكرة عابرة؛ إذ قد يؤثر في قرارات العلاج، وفي تربية الأطفال، وفي العلاقات بين الفئات، وفي المواقف من المؤسسات. ومع تحولها إلى جزء من الثقافة، يصبح رفضها صعبًا لأن الناس لا يدافعون عن المعلومة وحدها، بل يدافعون عن عاداتهم وصورتهم عن المجتمع وموروثهم الرمزي.

5- الفساد الاقتصادي واستغلال الخوف

يمكن للإشاعة الرقمية أن تتحول إلى أداة للتلاعب الاقتصادي، حيث الأخبار غير الموثقة عن ارتفاع الأسعار، أو نقص السلع، أو إفلاس الشركات، أو تغير العملة، أو فرص الاستثمار، قد تدفع الأفراد إلى قرارات مالية خطيرة.

قد تنتشر إشاعة عن قرب ارتفاع سعر مادة أساسية، فيسارع التجار والمستهلكون إلى تخزينها واحتكارها والمضاربة، فيرتفع الطلب وتزداد الأسعار فعلًا، وقد تنتشر إشاعة عن إفلاس بنك أو شركة، فيسحب الناس أموالهم أو يبيعون أسهمهم تحت ضغط الخوف. وفي كلتا الحالتين تتحول المعلومة غير المؤكدة إلى عامل مؤثر في السوق.

وقد تكون الإشاعة جزءًا من عملية احتيال منظمة، تبدأ بخبر مثير ثم تنتهي بدعوة إلى تحويل الأموال أو الاستثمار في منصة وهمية، كما يمكن أن تستخدم للإضرار بمنافس تجاري أو تشويه سمعة مؤسسة أو رفع قيمة منتج بعينه.

هنا تتجاوز الإشاعة نطاق الخطأ العفوي، وتصبح استغلالًا لثقة العامة، فإذا كان الناشر يعلم أن المعلومة غير مؤكدة، ويستخدمها لتحقيق منفعة أو إلحاق الضرر بالآخرين، فإن الإشاعة تتحول إلى ممارسة فساد اقتصادي، لأنها تمويه واستغفال لتحقيق مكاسب مادية حقيقية.

6- تخلف الإعلام وتفشي الإشاعة

لا تنتشر الإشاعة في البيئة الإعلامية القوية بالقدر نفسه الذي تنتشر به في بيئة تعاني ضعف المهنية والبطء وانعدام الشفافية، فعندما تتأخر المؤسسات عن تقديم المعلومات، أو تتناقض التصريحات، أو يكتفي الإعلام بنقل البيانات دون تحقيق، يترك المجال مفتوحًا للمصادر المجهولة.

لا يعني تخلف الإعلام ضعف التقنيات فقط، بل يعني ضعف وظيفته المعرفية والأخلاقية. فالإعلام الذي لا يتحقق، ولا يشرح السياق، ولا يميز بين الخبر والرأي، ولا يصحح أخطاءه، يساهم في تحويل الجمهور إلى مستهلك للشائعات.

ولا يكفي أن يقول الإعلام: «تداولت مواقع التواصل خبرًا عن...»، لأن هذه العبارة قد تمنح الإشاعة حياة جديدة، بل ينبغي أن يوضح ما ثبت وما لم يثبت، وأن يذكر مصادره، وأن يضع الحدث في سياقه، وأن يواجه الادعاءات بالأدلة لا بالإنكار المجرد.

 الإعلام المهني لا يقيس نجاحه بسرعة السبق فقط، بل بقدرته على حماية الجمهور من الخطأ. فالسبق القائم على معلومة كاذبة قد يضر بالمجتمع أكثر مما ينفعه، بينما يمنح التحقق الهادئ للخبر قيمة عامة تتجاوز لحظة الانتشار.

المسؤولية عن الإشاعة الرقمية

أ- المسؤولية الاجتماعية

لا تقع المسؤولية عن الإشاعة على المنتج الأول وحده، بل تتوزع بين منتج المحتوى، وناشره، ومتلقيه، والمنصة التي تضخمه، والمؤسسة التي تتأخر في توضيحه.

تتمثل مسؤولية المنتج في عدم اختلاق المعلومة، وتحديد مصدرها، والتمييز بين ما شاهده وما استنتجه.

 أما مسؤولية الناشر فتتمثل في عدم تقديم الظن في صورة يقين، والتنبيه إلى درجة عدم التحقق، وتقدير الضرر المحتمل.

بينما يتحمل المتلقي مسؤولية التوقف قبل المشاركة، ورفض تحويل التكرار إلى دليل.

كما تتحمل وسائل الإعلام مسؤولية التحقق والتصحيح وتقديم السياق، بينما تتحمل المنصات مسؤولية الحد من الحملات المنسقة والتضخيم الآلي للمحتوى المحرض والمضلل.

 في حين المؤسسات العامة، فعليها أن تقدم المعلومات بسرعة ووضوح وشفافية، لأن فراغ المعلومات يوسع مجال الإشاعة.

وتشمل المسؤولية الاجتماعية ثقافة التصحيح، فحذف المنشور لا يكفي إذا كان قد انتشر وتناقلته الحسابات، اذ التصحيح الجاد يقتضي الاعتراف بالخطأ، وتوضيح الحقيقة، والاعتذار عند وقوع ضرر.

ب- المسؤولية القانونية

تختلف القوانين من دولة إلى أخرى، لكنها تلتقي غالبًا في مساءلة الأفعال التي تتضمن التشهير، وانتهاك الخصوصية، والتحريض على الكراهية أو العنف، والاحتيال، والتلاعب الاقتصادي، ونشر أخبار كاذبة تسبب ضررًا عامًا.

لكن المسؤولية القانونية ينبغي أن تميز بين الخطأ غير المقصود، والنقد المشروع، والعمل الصحفي، وبين التعمد في اختلاق الأخبار أو نشرها بقصد الإضرار أو تحقيق منفعة غير مشروعة، بل لابد أن تقوم القوانين على الوضوح والتناسب، وألا تتحول مكافحة الإشاعة إلى ذريعة لإسكات الرأي المخالف أو منع المساءلة العامة.

ومن الضروري أن تتوافر للمتضرر وسائل عملية للرد والتصحيح والتعويض، وأن تشمل المساءلة الشبكات المنظمة التي تصنع حملات التضليل، لا المستخدم الفرد وحده، لأن الإشاعة الرقمية قد تنتج أحيانًا عن سلوك عفوي، لكنها قد تكون أيضًا عملية منسقة ذات أهداف سياسية أو اقتصادية أو طائفية.

ج- المسؤولية الشرعية

 المسؤولية الشرعية في التعامل مع الإشاعة ترتكز على مبدأ التبيّن، وعلى التمييز بين الغيبة والنميمة والنصيحة والشهادة والتحذير من الضرر، فليس كل ما يصل إلى الهاتف صالحًا للنشر، وليس كل ما هو صحيح مباحًا في كل سياق.

تقتضي النظرة الشرعية عدم ترويج الظن، وعدم إشاعة الفاحشة، وعدم انتهاك الخصوصيات، وعدم السخرية من الأفراد والجماعات، وعدم استخدام الكذب لتحقيق غرض سياسي أو دعوي أو اجتماعي أو ربحي مادي او طائفي عنصري. لكنها في الوقت نفسه لا تعني التستر على الفساد أو إسكات النقد المشروع.

فثمة فرق بين التشهير والتحذير، وبين الغيبة والشهادة، وبين كشف الجريمة وانتهاك الخصوصية، وبين نقل معلومة موثقة إلى جهة مختصة وإطلاق اتهام أمام جمهور واسع. ويتحدد هذا الفرق بالقصد، ودرجة التحقق، وحجم المصلحة، واحتمال الضرر، ومدى الحاجة إلى النشر.

يمكننا صياغة القاعدة الشرعية العملية على النحو الآتي:

كل خبر يخدش عرض الإنسان أو أمن المجتمع أو علاقاته أو أمواله لا يجوز تداوله بمجرد السماع، بل يحتاج إلى تثبت، ومصلحة معتبرة، واقتصار على قدر الحاجة، وابتعاد عن التشهير والتحريض والتسقيط والاضرار.

د- المسؤولية الأخلاقية

تتجاوز الأخلاق القانون والرقابة الخارجية، لأنها تتعلق بما يفعله الإنسان حين يستطيع الإفلات من العقوبة. وقد يكون المنشور قانونيًا من الناحية الشكلية، لكنه يظل ظالمًا أو مهينًا أو غير مسؤول من الناحية الأخلاقية.

وهنا تظهر أهمية الضمير الأخلاقي؛ أي التفاعل وفق المبادئ التي توجه سلوك الإنسان حين لا يراقبه أحد، فالحرية الرقمية لا تعني القدرة على النشر فقط، بل القدرة على تقدير أثر النشر، والاعتراف بحدود المعرفة، واحترام الإنسان الذي قد يتحول إلى موضوع للاتهام أو السخرية.

ويتجلى الضمير الأخلاقي في التثبت، والتواضع المعرفي، والعدل، والرحمة، واحترام الخصوصية، والامتناع عن التشهير، والشجاعة في تصحيح الخطأ. فالمستخدم المسؤول لا يسأل فقط: «هل أستطيع نشر هذا؟» بل يسأل: «الى اي مستوى أخلاقيًا يحق لي أن أنشره؟ ومن قد يدفع ثمنه في حال أقدمت على ذلك؟»

نحو تنمية السلم الاجتماعي رقميًا

يمكن بناء ميثاق عملي لمواجهة الإشاعة الرقمية من خلال مجموعة من الأسئلة التي تسبق النشر:

- هل أعرف مصدر المعلومة؟

- هل لدي دليلًا مستقلًا على صحتها؟

- هل ميزت بين موضوع النشر وتأويلي له؟

- هل يمكن أن يلحق النشر ضررًا بشخص أو جماعة أو طائفة أو مؤسسات رسمية او وطني؟

- هل توجد مصلحة حقيقية عامة؟

- هل لغتي المستخدمة إنسانية أم عنصرية، جامعة أم تحريضية، بناءة ام تدميرية؟

- هل أقبل أن يُنشر عني الشيء نفسه بذات الأسلوب واللغة؟

- ماذا علي أن افعل إذا تبين أن المعلومة خاطئة او المنشور مسيء للٱخر؟

إذا لم تكن الإجابات واضحة، فإن الامتناع عن المشاركة هو الخيار الأكثر مسؤولية. فالصمت في هذه الحالة ليس عجزًا، بل ممارسة للوعي، وحماية للحقيقة، واحترام وتنمية للسلم الاجتماعي.

لا يكفي أن نطالب الأفراد بالحذر؛ بل ينبغي أن تتكامل جهود المدرسة والجامعة والأسرة والمسجد والإعلام والمؤسسات الثقافية والمنصات الرقمية.

لذلك ندعو كل الدول العربية للالتفات بكل مسؤولية لمطلب التربية الرقمية في المناهج التربوية والتعليمية، بإضافة مادة او فصل ضمن مقررات التربية المدنية خاص بالتربية الرقمية والاعلامية، تعلم المستخدم كيف يحدد المصدر، ويفحص السياق، ويفهم الخوارزمية، ويميز بين الرأي والخبر، ويقدّر عواقب المشاركة والمسؤوليات المترتبة عنها خصوصا لدى فئة الأحداث دون أن نغفل عن دور الأسرة في نجاح ذلك كله.

مستخلص

تكشف الإشاعة الرقمية عن أزمة مركبة تمس الأسرة، والهوية، والوعي، والثقافة، والاقتصاد، والإعلام وأمن الدول وسلم المجتمعات ومستقبلها، فهي قد تهدم بيتًا من خلال شك، او تشعل صراعًا طائفيًا من خلال مقطع مبتور، أو تشوه الوعي عبر تكرار الوهم، أو تسهم في فساد اقتصادي باستغلال الخوف، أو تزداد قوة حين يفشل الإعلام في أداء وظيفته المعرفية والأخلاقية.

ومن المنظور الفلسفي، لا تقتصر المشكلة في كذب الإشاعة وحده، بل في قدرتها على تحويل الاحتمال إلى اعتقاد، والاعتقاد إلى هوية، والهوية إلى صراع.

ومن المنظور السوسيولوجي، تكشف الإشاعة عن شبكة اللاثقة والانقسامات والمصالح التي تحكم المجتمع.

أما من المنظور القانوني والشرعي والأخلاقي، تضع الإنسان أمام مسؤولية الكلمة، وواجب التبيّن، وحرمة الظلم، وضرورة حماية الكرامة، أمام الله والانسان والمجتمع.

لذلك حماية وتنمية السلم الاجتماعي في العصر الرقمي، لا تبدأ من الخوارزميات وحدها، ولا من القوانين وحدها، بل من الإنسان الذي يقرر أن يتفكر لحظة قبل النشر، ففي تلك اللحظة يتحدد الفرق بين مستخدم يضاعف الضجيج والفوضى والتفاهة والمٱسي، ومواطن يساهم في بناء الوعي؛ بين كلمة تفتح جرحًا، وكلمة تمنع فتنة؛ وبين حرية تستعمل للفوضى، وحرية ترتقي إلى المسؤولية.

حين تصبح الكلمة قادرة على صناعة السلم الاجتماعي، لا يعود السؤال: هل أستطيع أن أنشر؟ بل يصبح السؤال الأعمق: هل ما أنقله يساعد المجتمع على فهم الحقيقة والتنمية والتقدم، أم يدفعه إلى الخوف والصراع والفساد بشتى أشكاله؟

***

بقلم: مراد غريبي

8/8/2026

في المثقف اليوم