عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام فكرية

غالب المسعودي: أصنام الرأسمالية

من أكذوبة "التنمية" إلى حظيرة البقاء الحيواني

تستدعي قراءة المنظومة الأخلاقية المعاصرة، التي تتمركز حول الأنانية وتقديس المنفعة المادية، تفكيكاً عميقًا وصادمًا للأسس النفسية والسياسية التي تُوجّه وعي المجتمعات اليوم. نحن نعيش في عصرٍ تتشدق فيه القِوَى العظمى والأنظمة التابعة لها بأرقى المبادئ الإنسانية، غير أن نَظْرَة فاحصة ،تكشف لنا أن هذه المبادئ الثابتة ليست في جوهرها سوى حيل دفاعية، تنبع من العجز، والاعتلال الوجودي، والخداع السياسي. يحيلنا هذا التناقض الفج إلى البحث في أصول هذه الأخلاق ودوافعها الخفية.

حين تتكتل هذه الإسقاطات الفردية لـ "المرضى" بالسلطة ستأخذ طابعًا مؤسسيًا وتوافقيًا، وتتحول إلى نظام شامل من المحاكاة والاصطناع. في هذا النظام، يُشيّد المجتمع الرأسمالي العالمي "صنمًا أخلاقيًا" متفقًا عليه، يحمل أسماء براقة مثل "حقوق الإنسان"، و"نشر الديمقراطية"، و"التنمية المستدامة"، ولكنه في الحقيقة صنمٌ مفرغ من أي قيمة وجودية أو حقيقة ملموسة؛ بل هو مجرد واجهة لتبرير الهيمنة واستغلال الشعوب. ولمواجهة هذا الانسداد المعرفي والسياسي، تبرز الحاجة الماسة إلى مقاربة نقدية شجاعة تجرّد هذه المنظومات الأخلاقية من تقديسها الأعمى، وتنسف وهم "الضمير المرتاح" الذي تعيشه الأنظمة الرأسمالية وحلفاؤها.

جذور الوهم:

لفهم كيف وصلنا إلى هذا الانحطاط المغلف بالفضيلة، يجب أن نعود إلى الجذور. تتأسس الذات الإنسانية المنغلقة على مصالحها عبر آليات تعويضية تُحاول التغطية على تمزقها الداخلي وخوفها من قسوة الوجود. وقد أزاح الفكر الفلسفي النقدي الستار عن الجذور الدفينة لهذه المنظومات الأخلاقية، بربطها بما يُسمى "الإنسان المريض" أو العاجز. فبينما تتولد الأخلاق النبيلة الحقيقية من قوة الذات وتدفقها الحيوي وقدرتها على العطاء، تنشأ "أخلاق العبيد" أو الضعفاء كردة فعل تحكمها روح الضغينة والحقد والافتقار إلى الإبداع.

الإنسان، أو حتى النظام السياسي، العاجز عن المواجهة المباشرة وصناعة فعل تنموي حقيقي، يتوسل بحيلة خبيثة:

يحاول ان يقلب مقاييس القوة والضعف، ويُعيد تعريف عجزه بوصفه "فضيلة"، واستسلامه للتبعية بوصفه "تسامحًا واندماجًا في المجتمع الدُّوَليّ". تتقاطع هذه الرؤية بوضوح مع معطيات التحليل النفسي فيمًا يخص "الإسقاط النفسي"، وهو حيلة دفاعية لا شعورية يهرب بها الفرد من صراعه الداخلي وفشله المريع، عبر إلصاق نقائصه بالآخرين واختلاق نموذج دائم لـ "العدو الشرير" أو "المتخلف" الذي يجب محاربته أو تنويره.

هكذا، تبدأ دينامية التحول من الضعف الباطني والفشل السياسي إلى فرض تشريعات أخلاقية صارمة. يصبح التشدد الأخلاقي، وإطلاق الشعارات الرنانة، وعقد المؤتمرات الدولية، نتاجًا مباشرًا لاضطراب داخلي، يُحاول فيه النظام العاجز فرض سيطرته الوهمية على الخارج ليتجنب الانهيار والانكشاف.

في سياقنا المعاصر، أصبحت هذه المنظومة مجرد أيديولوجيًا تعويضية يُمارس بها النظام الرأسمالي العالمي هيمنته الرمزية لسحق المخالفين وتبرير جرائمه.

الرأسمالية وصناعة الصنم الأخلاقي التوافقي

عندما تتجاوز هذه الحيل النفسية حدود الفرد لتُصاغ في أطر جماعية ودولية، فإنها تنحت  ما يمكن وصفه بـ "الصنم الأخلاقي التوافقي". هنا يبرز الوجه الأبشع للنظام الرأسمالي العالمي، حيث يمر الفضاء السياسي والاجتماعي بتحولات تنتهي إلى مرحلة "الاصطناع الكامل". في هذه المرحلة، تصبح الشعارات مجرد واجهات تُشير إلى أوهام أخرى دون أي صلة بالواقع المعيش. إنها تشبه العملة المزيفة التي يتداولها الجميع وهم يعلمون أنها لا تملك غطاءً من الذهب.

تتم عملية صناعة هذا الصنم الأخلاقي الرأسمالي عبر تفريغ القيم من مضامينها الحقيقية، وتأطيرها في مؤتمرات ضخمة، واستعراضات إعلامية، وتقارير دولية تُحقق للمركز الرأسمالي تفوقًا أخلاقيًا زائفًا. تحت مظلة هذا الاصطناع، تلتئم مصالح الأنظمة في توافق جمعي يُنشئ صرحًا قيميًا يبدو صلبًا في ظاهره، لكنه خاوٍ في باطنه. يُسجد لهذا الصنم الرمزي بصفته الضامن لاستقرار العالم وحامي الكوكب، دافعه الحقيقي هو إخفاء العدمية المتوحشة للسوق الحرة، والهرب من مواجهة التفكك الاجتماعي، وتبرير النهب الممنهج لثروات دول الأطراف.

التبعية ودورة البقاء الحيواني

في ظل هذا النظام العالمي المصطنع والمريض، تبرز مأساة حقيقية وعميقة تتمثل في تعاضد الجهل والغباء السياسي عند الحكومات التابعة لدول المركز الرأسمالي. هذه الحكومات، التي تفتقر إلى أي شرعية حقيقية، أو رؤية وطنية، أو استقلال إرادي، تتبنى هذا الصنم الأخلاقي الرأسمالي بسذاجة مفرطة وعبثية مدمرة. إنها تستورد شعارات مثل "التطوير"، "مكافحة الفقر"، و"التنمية المستدامة" و" مكافحة الفساد الإداري والمالي" وترددها كالببغاوات في خطاباتها الرسمية، سياساتها الفعلية على الأرض تدمّر أي فرصة للتنمية الحقيقية، وتبيع مقدرات الأوطان بأبخس الأثمان.ينتج  هذا الغباء السياسي والتبعية العمياء شللٌ كامل في قدرة هذه الدول على استثمار وفرة مواردها. فبدلًا من بناء بنية تحتية مستدامة، أو تأسيس اقتصاد إنتاجي يضمن كرامة الإنسان واستقلاله، أو دعم التعليم والصحة، تقوم هذه الحكومات بتبديد الثروات لخدمة سادتها في المركز الرأسمالي، أو لسداد ديون وهمية، أو لإشباع نهم نخبها الفاسدة التي تعيش طفيليات على جسد الدولة.

أثر هذا الفشل الأخلاقي والسياسي يبدو كارثيًا ومدمرًا على الشعوب؛ إذ يتم اختزال طموح الإنسان، وتطلعاته، وحياته كُلََّها في تلك الدول إلى ما يمكن تسميته بـ "دورة البقاء الحيواني". ففي بلدان تزخر بالموارد الطبيعية الهائلة والقدرات البشرية الشابة، يجد المواطن نفسه يلهث يوميًا في دائرة مفرغة لتأمين أبسط مقومات البقاء الغريزي:

اللقمة، المأوى، قطرة الماء النظيفة، والأمان الجسدي. لقد سلبت الرأسمالية وأدواتها من الحكومات التابعة إنسانية المواطن، وحولته إلى مجرد كائن مستهلك يصارع من أجل قضاء حاجاته البيولوجية الأساسية، غارقًا في يوميات بائسة ومطحنة اقتصادية لا تترك له مجالًا أو طاقة للتفكير في حريته، أو إبداعه، أو حقوقه السياسية، أو مستقبله. إن ادعاءات التنمية المستدامة هنا ليست سوى نكتة سمجة تُلقى في قاعات مكيفة،  يُسحق الإنسان في الشارع تحت وطأة الجهل، والتبعية، والجوع.

نحو التفكيك: أخلاقٌ بلا أخلاق

لإنهاء هذا العبث والخروج من هذه الحظيرة المصطنعة، ما بد من تبني مقاربة تفكيكية راديكالية تنقض هذه الأصنام، وتُسقط القناع الأخلاقي عن المركزية الرأسمالية. يبدأ هذا النقد بمساءلة الأخلاق التقليدية والمؤسسية التي تعتمد على قوائم جاهزة من القوانين واللوائح. فالالتزام الأعمى بالقواعد المكتوبة، كالقوانين الدولية والمواثيق التي تُفصّل دائمًا على مقاس الأقوى، يُنتج وهمًا شديد الْخَطَر يُعرف بـ "الضمير المرتاح". يتوهم النظام التابع، أو المسؤول الفاسد، أنه حقق العدالة والمساواة لمجرد توقيعه على معاهدة دولية أو إعلانه عن خِطَّة خمسية فارغة، وهو في الحقيقة يتنصل تمامًا من مسؤوليته المباشرة تجاه معاناة الناس المسحوقين.

من هنا يُطرح المفهوم الفلسفي العميق "الأخلاق بلا أخلاق". ولفظة "بلا" هنا ما تعني أبدًا رفض القيم الإنسانية أو الدعوة إلى الفوضى والعدمية، بل تعني تجريد القِيَم من غطائها المؤسسي الزائف، ونزع طابع القداسة عن القوانين الرأسمالية التي تُستخدم أدوات للقمع والاستغلال. إنها دعوة جريئة لإعادة الأخلاق إلى جوهرها الأول الأصيل:

الانفتاح المطلق، والمسؤولية الفائقة وغير المشروطة تجاه الآخر، هذا الآخر هو المواطن المقهور، والفقير، والمُهمش الذي لا يجد صوتًا في عالم تحكمه الأرقام والأسواق.

يؤكد هذا الفكر النقدي التفكيكي أن القرار أو الفعل لا يكوون أخلاقيًا بحق، إلا إذا مرّ بتجربة المأزق المستعصي ولحظة اتخاذ القرار الحر الشجاع. فإذا كان السلوك الأخلاقي والسياسي مجرد تطبيق آلي لقوانين مستوردة، أو استجابة خاضعة لإملاءات، فإنه يفقد جوهره الإنساني وقيمته الحقيقية. إن الأخلاق الحقيقية تتطلب كسرا لأنساق المغلقة، ورفض الحلول المعلبة، وتحطيم الأصنام السياسية التي تبقي مجتمعاتنا في مستنقع التبعية.

كسر الصنم والانفتاح غير المشروط

إن التفكيك المعمق للذات الإنسانية المنغلقة، وللنظام الرأسمالي التي يعبر عنها، يكشف بوضوح أن الأخلاق المعيارية التي يتشدق بها العالم اليوم ليست سوى إسقاطات لمرضى العصر، وبنية اصطناعية خاوية تستهدف التدجين والسيطرة. وحين تعتنق الحكومات التابعة هذا الزَّيف، وتطبقه بامتياز بسبب ارتهانها غير المشروط للمركز، تنعدم تمامًا فرص التنمية المستدامة، وتُسجن الشعوب، جيلًا بعد جيل، في أقفاص البقاء الحيواني على الرغْم ثرائها الفاحش بالموارد.

إن تجاوز هذا الانسداد التاريخي لا يتحقق باليأس أو السقوط في مستنقع العدمية، بل بممارسة نقدية مستمرة، تفضح وتعري أوهام "الضمير المرتاح" وزيف التنمية الرأسمالية. تُعيد صياغة مفهوم "الأخلاق بلا أخلاق" المسؤولية إلى الواجهة؛ بوصفها التزاماً حياً، شاقاً، ومقلقاً يضعنا في مواجهة مباشرة وحقيقية مع معاناة مجتمعاتنا، بعيداً عن القفازات المؤسسية أو الشعارات الصنمية. بهذا المسار التفكيكي الجريء فقط، يمكن تطهير القيم من كونها مجرد قناع لسرقة الشعوب وإذلالها، لتصبح أفقاً مفتوحاً للعدالة الحقيقية، والكرامة الإنسانية، والتنمية الأصيلة التي تليق بالإنسان وتنتشله من قاع البقاء الغريزي ليصنع حاضره ومستقبله.

***

غالب المسعودي

 

في المثقف اليوم