من مركزية الحقيقة إلى تعددية العوالم الفكرية
تلك هي اللحظة التي توقف فيها الفكر الإنساني كالمسافر الذي بلغ مفترق طرق ليجد أن الخرائط التي رسمها أسلافه لم تعد تصوّر تضاريس الوجود وأن البوصلة التي اهتدى بها قروناً لم تعد تشير إلى جهةٍ واحدة بل إلى كل الجهات في آنٍ. هنا في هذا المفترق الحادّ حيث تتهاوى مراكز الحقيقة القديمة كالتماثيل التي تحطّمها رياح التاريخ ويتبدّد وهج اليقينيات المطلقة في فضاءات التشكيك وحيث يتلاشى الأفق الواحد لتحل محله آفاقٌ متكاثرةٌ لا تحصى، يبرز سؤالٌ جوهريٌّ يطارد الفلسفة الحديثة والمعاصرة كشبحٍ لا يُردع كيف يمكن للفكر أن يُعيد بناء صرحٍ كونيّ في عالمٍ فقدَ وحدةَ معناه وتعددتْ فيه وجهاتُ النظر وتناثرتْ حقائقه كالمرايا المحطّمة التي يرى كلٌّ فيها انعكاساً مختلفاً لنفس الحقيقة المتشظّية؟
إن تاريخ الفلسفة منذ نشأتها الأولى في لحظة الدهشة الإغريقية، لم يكن سوى رحلةٍ متصلةٍ نحو البحث عن ذلك الكوني الجامع، عن المبدأ الأوحد الذي يفسّر تعدد الظواهر وعن الحقيقة التي لا تتغيّر بمرور الزمان أو اختلاف الأمكنة، كان الفلاسفة في محاولاتهم المتعاقبة يبنون صروحاً ميتافيزيقيةً شامخةً ويعتقدون أنها تصمد أمام كل نقدٍ وتحتضن كلّ جزئيٍّ في كليّتها الباذخة، أفلاطون وضع مثالَه الأعلى وأرسطو بنى قاطعاتِه المنطقية وكانط حاول في نقديه أن يجد أرضيةً ثابتةً للمعرفة الإنسانية ضمن حدود العقل الخالص وديكارت أسّس على الشكّ اليقين، وهذه المحاولات كلّها بمآلاتها الجليلة كانت تبحث عن مركزٍ لا يتزعزع، عن نقطة أرخميدية يمكن للفكر أن يرفع بها العالم. غير أن هذا المسار المتصل الذي بدا منظمّاً وكأنه سيرورةٌ طبيعيةٌ نحو الاكتمال، فاجأته في منتصف القرن التاسع عشر هزّةٌ نيتشويةٌ عنيفة جعلته يعيد النظر في أقدامه كلّها بل في شرعيةِ المسير ذاتها، فليس في الأمر مجرّد شكٍّ ديكارتيٍّ منهجيّ بل هو نقضٌ جذريٌّ لكل مرجعية وإعلانٌ بأن ما ظنناه حقيقةً ليس سوى انعكاسٍ لرغباتنا العمياء وما حسبناه كونيّاً مطلقاً هو مجرّد صدىً لإرادة قوّةٍ بعينها، ثم توالت الهزّات مع التفكيكية والهرمنيوطيقا وما بعد البنيوية والأنثروبولوجيا الفلسفية لينكشف للجميع أن الحقيقة ليست جوهراً يُكتشف بل هي بناءٌ يُنتَج وأن المعرفة ليست مرآةً تعكس العالم بل هي أداةٌ تشكّله وتُشوّهه في آن.
وصار السؤال عن "إعادة بناء الكوني" هو سؤالُ العصر الفلسفي بامتياز ليس بوصفه اشتياقاً حنيناً إلى ماضٍ ميتافيزيقيٍّ فُقد ولكن بوصفه مشروعاً مستقبلياً ينبثق من رحم التعدد والاختلاف، مشروعاً لا يطمح إلى إلغاء التعدد بل إلى تأسيس كونيّةٍ هشّةٍ ومفتوحةٍ، كونيّةٍ لا تفرض ذاتها بالقوّة بل تُقترح كأفقٍ للحوار وكإمكانٍ للتفاهم وكالتزامٍ أخلاقيٍّ بالآخر، في هذا السياق المعقّد تبرز الفلسفة ليس كملكةٍ للحقائق بل كفنٍّ للعيش مع الأسئلة وكفعلٍ لا ينتهي من البحث عن المعنى في بحرٍ من المعاني المتصارعة وكجسرٍ بين عوالم فكريةٍ لا يمكن اختزالها في بعضها، لكنها في الآن نفسه لا يمكن أن تبقى متباعدةً دون محاولةٍ دؤوبةٍ للتفاهم، إنها في جوهرها ذلك الحلم الإنساني النبيل الذي يظل رغم كل شيء مضيئاً في دروب الشكّ والريبة.
تلك لحظةٌ فارقةٌ في تاريخ الفكر، لحظةٌ أعلن فيها نيتشه بلسانٍ ناريّ "موت الإله"، لم تكن مجرد نعي لكينونةٍ متعالية بل كانت إيذاناً بانهيار مركز الثقل الذي دارت في فلكه الحقيقةُ والمعنى والقيمة. فهذا "الإله"، الذي لم يعد إلهاً بالمعنى اللاهوتي الضيق، كان يمثّل الرمزَ الأسمى للنظام الكوني الذي ينتظم فيه كل شيء وفق غايةٍ ومعنى، كان الضامنَ الأسمى لوحدة الحقيقة ومركزيتها، فبموته كما تنبأ نيتشه تهشّم ذلك البناءُ الميتافيزيقي الهائل وانهارت معه الإحداثيات التي كانت توجّه الإنسانَ في مسعاه لفهم العالم، وبدأت رحلةُ التيه في صحراء العدمية التي لم تكن مجرد فقدانٍ للإيمان بل فقداناً للإطار الذي يمنح الأشياء معناها، فأعلن نيتشه في قولةٍ أخرى لا تقل قسوةً "أفول الأخلاق"، ليس بمعنى سقوطها بل بانكشاف حقيقتها الوضعية كخليقةٍ إنسانية، أداة في صراع القوى والإرادات، فانكشف أن ما ظنناه حقيقةً مطلقةً إنما هو منظورٌ أو كما أسماها هو "إرادةُ قوة" تتخفّى خلف ثوبٍ أخلاقيّ جامدٍ، وهنا عند حافة هذا الهاوية التي فتحها نيتشه في صميم الفكر الغربي يبدأ السؤالُ الفلسفي الحقيقيُّ بجدّته القصوى كيف يمكن إعادةُ بناء كونيّتنا بعد أن تفكّكت صورةُ الكون الواحد ذي المعنى الواحد والحقيقة الواحدة؟
إن نقد نيتشه الجذري الذي كان بمثابة زلزالٍ هزّ أسس الفلسفة لم يكتفِ بهدم الأوثان بل كان في جوهره محاولةً لتحرير الفكر من هيمنة مفهومٍ واحدٍ للحقيقة وكان إيذاناً بولادةٍ جديدةٍ أو على الأقل بداية مخاضٍ عسيرٍ لفلسفةٍ أخرى. وهذا المخاض الذي سيأخذ أشكالاً متعدّدةً في مسار الفلسفة يجد صداه العميق في أعمال فلاسفةٍ كثر، ربما كان ميشيل فوكو من أبرزهم في كشف العلاقة الخفيّة بين الحقيقة والسلطة فلم يعد السؤال ما هي الحقيقة؟ بل كيف تنتج الحقيقة؟ وما هي الآليات المؤسسية والخطابية التي تجعل من قولٍ ما حقيقةً ومن قولٍ آخر هرطقةً أو ضلالاً؟ لقد قلب فوكو المسألة رأساً على عقب إذ لم يرَ في الحقيقة كشفاً لموضوعٍ سابقٍ عليها بل هو نتاجٌ لممارساتٍ وقواعدَ ولعبةٍ سلطويةٍ، فالحقيقة ليست في انتظارنا لكي نكتشفها بل نحن ننتجها عبر خطاباتنا وعبر شبكات السلطة والمعرفة التي ننسجها. وهذا يعني كما يقول في كتابه "تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي"، أن ما نسميه "العقل" وما نسميه "الجنون" ليسا جوهرين ثابتين بل هما نتاجٌ لخطاباتٍ تاريخيةٍ متغيّرةٍ؛ حيث يُمارس نوعٌ من الإقصاء والعنف الرمزيّ على كل ما لا يتناسب مع معيار العقلانية السائد. وانتقل السجال الفلسفي من البحث عن معايير الحقيقة المطلقة إلى كشفٍ أرثيولوجيٍّ للقوى التي تشكّلها، فلم تعد الفلسفة على نحو ما أرادها ديكارت رحلةَ يقينٍ فرديّ بل حفراً في جيولوجية المعرفة ذاتها وكشفاً للطبقات المتصلّبة التي بنيت عليها مفاهيمنا الأساسية، وهذا التحوّل من الحقيقة بوصفها وحدةً كونيةً إلى الحقيقة بوصفها نتاجاً تاريخياً وضعياً، يمهّد الطريق نحو تعدديةٍ معرفيةٍ كان لا بدَّ لها أن تتصدّر المشهد الفلسفي في النصف الثاني من القرن العشرين.
وإذا كان نيتشه قد أعلن موت الإله وفوكو قد كشف عن وجه السلطة في الحقيقة، فإن جاك دريدا أتى ليكمل عمليّة التفكيك ويضرب في صميم اللغة ذاتها، تلك الوسيط الذي تظن الفلسفة أنها من خلاله تمسك بالمعنى والحقيقة. فمن خلال التفكيك أو "ديكونستركسيون"، كشف دريدا عن أن اللغة لا تعكس المعنى ولا تنقله بشفافيّة بل هي لعبةٌ من الإحالات والاختلافات اللانهائية، فالمعنى ليس كامناً في الكلمة بل هو نتاجٌ لسلسلةٍ من الفروق (الاختلاف) والتأجيل (التأخير)، وهو ما صاغه في مفهومه المحوري "الاختلاف" (Différance)، الذي يجمع بين معنى الاختلاف ومعنى التأجيل، فالدلالةُ لا تستقرّ أبداً والدالُّ يحيل إلى دالٍّ آخر والوجودُ ذاته كما قد يقول ليس حضوراً كاملاً بل هو أثرٌ يتشكّل في شبكةٍ من الغيابات والإحالات. ضربت فلسفة دريدا في العمق فكرةَ مركزية المعنى، تلك الفكرة التي جعلت من الفلسفة الغربيّة بحثاً عن "حضورٍ" متعاليٍ، "لوغوس" يمنح الكلامَ والوجودَ نظامَهما ووحدهما فتفكيكُ هذه المركزية يعني تفكيكَ كل البنى الثنائية التي تقوم عليها الفلسفة التقليدية، حضور/غياب، روح/مادة، خير/شر، عقل/جنون، وكلها بنىٌ تقوم على تفضيل أحد طرفيها على الآخر وتأسيس مركزيةٍ ضمنيةٍ للأول. وما قام به دريدا لم يكن مجرد منهجٍ نقديّ بل كان قطيعةً أنطولوجيةً مع التصوّر التقليدي للوجود والحقيقة، إذ يتحوّل العالم من كونٍ منتظمٍ في وجوده ومعناه إلى نسيجٍ من النصوص، والقراءة ليست اكتشافاً لمعنى مختبئ بل هي لعبةٌ إبداعيةٌ تنتج معانيَ جديدةً في كل لقاءٍ مع النص. إنها فلسفةٌ تفتح الباب على مصراعيه لتعدّدٍ لا نهائي من التأويلات، ففي عالمٍ حيث كل شيءٍ هو نص، كل قراءةٍ هي كتابةٌ جديدة وكل معنى هو تأجيلٌ لمعنى آخر وكل استقرارٍ هو وهمٌ سرعان ما يتبدد أمام سيل الإحالات اللانهائي. وهذه الرؤية الجذرية للغة والمعنى هي التي تشكّل الأرضية الفلسفيّة التي قامت عليها النزعةُ "ما بعد الحداثيّة" التي لم تعُد ترى في التعدّد هوّةً يجب تجاوزها بل حقيقةً ينبغي الاحتفاء بها وتنوعاً يثري الفكر ولا يفقره.
إن الانتقال من فلسفة الحقيقة الواحدة المركزية إلى فلسفة التعدّد والاختلاف لم يكن مجرد تطوّرٍ أكاديميّ في تاريخ الأفكار بل هو انعكاسٌ لتحوّلٍ عميقٍ في وعي الإنسان المعاصر بوجوده في العالم، فبعد أن فقدت السرديّات الكبرى تلك الحكايات الشاملة التي كانت تمنح التاريخَ معنىً والوجودَ غايةً وزهوها وقداستها، وجد الإنسان نفسه أمام متاهةٍ من القصص الصغرى، أمام حقائق متعددةٍ، تتعايش في زمنٍ واحد وتتنافس على فرض رؤاها، وهذه الحالة التي وصفها جان فرانسوا ليوتار بـ "شرط ما بعد الحداثة" لم تكن نهايةً للفلسفة بل هي بدايةٌ لنوعٍ آخر من التفلسف، تفلسف لا يبحث عن يقينٍ جامد بل عن حكمةٍ في العيش مع التعدّد، عن أخلاقٍ لا تُبنى على أسسٍ مطلقة بل على مسؤوليّةٍ تجاه الآخر، على وعيٍ بالاختلاف الجذريّ الذي يشكّل هويّةَ الذات كما هويّة الآخر. وهذا يتطلّب من الفلسفة أن تغيّرَ أدواتها وأن تتخلّى عن طموحها القديم في الوصول إلى جوهرٍ نهائيّ وأن ترضى بأن تكون تأويلاً مستمرّاً ومحاولةً متواضعةً لفهم عالمٍ لا يقبل اختزالاً واحداً بل هو كما عبّر بودريار عالمٌ من "المحاكاة" حيث الحدودُ بين الحقيقة والوهم، بين الأصلي والنسخة وبين الواقعي والخيالي. وقد أصبحت مشتبكةً إلى حدٍّ يصعب معه التمييز بل يصبح الوهم في كثيرٍ من الأحيان أكثر حضوراً من الواقع نفسه. فإذا لم تعد الفلسفة قادرةً على أن تقدّم مرآةً صافيةً تعكس حقيقةَ العالم، فعليها أن تصبح أداةً لتفكيك تلك المرايا المزيّفة وكشف الخيوط الخفيّة التي تنسج شبكات المعنى في عصرٍ تغيّرت فيه علاقة الإنسان بالعالم وبذاته وبالآخرين.
وتتجلّى قضيّةُ "إعادة بناء الكونيّ" في هذا السياق بوصفها تحدّياً فلسفيّاً من الدرجة الأولى، ليس بمعنى العودة إلى كونيّةٍ تقليديّةٍ جامدةٍ تقوم على إقصاء كل ما يخالفها وإنما بمعنى البحث عن أرضيةٍ مشتركةٍ جديدة، أرضيةٍ لا تقوم على "التطابق" أو "التوحيد"، بل على "التوافق" و"التفاهم" في ظلّ الاختلاف. وهذه المهمة إن كانت تبدو مستحيلةً في ظلّ التيارات التفكيكية التي تنفي إمكانية أيّ معنىً جامع إلا أنها تمثل ضرورةً وجوديةً وأخلاقيةً للإنسان المعاصر الذي لم يعد بإمكانه أن يعيش منغلقاً في عالمه الذاتيّ الصغير ولا أن يفرض عالمه قسراً على الآخرين، فالتحدّي الآن هو في كيفيّة إعادةِ بناءِ مفهومِ الكونيّ من الداخل أي من داخل الاعتراف الجذريّ بالاختلاف والتعدّد، كونيّ يستوعب الاختلاف ولا يلغيه ويرى في التعدّد ثراءً لا فوضى وفيه تلتقي الرؤى المختلفة دون أن تفقد خصوصيّتها، وكأنه محاولةٌ لصياغة "لغةٍ" مشتركةٍ للفهم لا لوحدةٍ كاملةٍ في الفكر بل لتفاهمٍ قائمٍ على احترام عميقٍ لكلّ منظورٍ، هذا ما حاولت هرمنيوطيقا التأويل وعلى رأسها هانز جورج غادامير الذي لم يرَ في التأويل مجرّد تقنيةٍ لفهم النصوص بل هو بُعدٌ أنطولوجيّ للوجود الإنساني إذ الفهم عند غادامير هو الطريقة التي نكون بها في العالم والكونيّ الذي ينشده ليس كونيّاً مجرّداً، بل كونيّاً يتحقّق في عملية الفهم نفسها حيث يندمج أفقُ القارئ بأفقِ النصّ ويتجاوز كلٌّ منهما حدوده الذاتيّة منتجاً معنىً جديداً، وهذا المعنى الجديد ليس حقيقةً مطلقة بل هو حلقةٌ في سلسلةٍ لا نهائيةٍ من التأويل، فالتقليد والفهم ليسا جموداً بل حوارٌ ممتدٌ عبر الزمن، حوارٌ تتشكّل فيه الهويّة والكونيّ معاً، وهذا هو معنى "إعادة البناء" التي يتحدّث عنها مقالنا هذا، ليست بناءً من الصفر بل إعادةُ تشكيلٍ دائمةٍ وحيّةٍ للكونيّ من خلال حوارٍ لا ينقطع مع تراثنا ومع الآخرين ومع إشكالات عصرنا.
غير أن هذه الهمة التأويلية لدى غادامير على اتساع أفقها وعمق بعدها الأنطولوجي ظلت محتفظة بجذوة إيمانيةٍ خافتة بإمكانية الانصهار في أفقٍ واحدٍ للفهم، وكأنها تبحث وراء كل حوار عن أرضيةٍ صلبةٍ تلتقي عليها الأرواح والعقول. وهذا ما دفع بفلاسفةٍ آخرين على شاكلة إيمانويل ليفيناس، إلى نقض هذه النزعة التوحيدية من جذورها معلنين أن العلاقة بالآخر ذاك الغريب المطلق، لا يمكن اختزالها في أي عملية فهمٍ أو تأويل، لأن الآخر في تجلّيه الأصلي يتجاوز كل إطارٍ معرفيّ ويكسّر كل أفقٍ مألوف، إنه "الوجه" الذي يأمرني ويستفزّ مسؤوليتي لا بصفته موضوعاً للمعرفة بل بصفتة حدثاً أخلاقياً يسبق كل معرفة ويؤسس لكونيّة من نوع مغاير، كونيّة لا تقوم على وحدة المعنى بل على لامتناهي المسؤولية تجاه الغريب، حيث يصير السؤال الفلسفي المركزي ليس "كيف أعرف؟" بل "كيف أتحمل مسؤوليتي تجاه الآخر؟". وهنا تتبدّل معالم الكوني جذرياً إذ لم يعد كونياً يستوعب الاختلاف في فهمٍ مشترك بل كونياً يرتكز على عدم التماثل، على الانكسار الذي يحدثه وجه الآخر في أنانيّتي المعرفية وعلى القطيعة التي تخلقها مسؤوليته المحمّلة عليّ. هذا الكوني الأخلاقي الأصيل عند ليفيناس، لا ينبثق من تشابه الآفاق بل من عمق الاختلاف الجذري، من تلك الهوة التي تفصل بيني وبين الآخر وتجعل من لقائي به حدثاً أخلاقياً لا نظير له، فالمسؤولية في هذا المنحى ليست اختياراً بين خيارات بل هي شرطٌ قبليّ للوجود الإنساني، وحين يحاول الفكر أن يتسامى في بنيانه النظري على هذه المسؤولية الأزلية فإنه يخون جوهره الإنساني ويقع في شرك الأنانية الميتافيزيقية التي جعلت من الذات مركز الكون ومقياس الحقيقة. لهذا كانت فلسفة ليفيناس نقلةً نوعيةً ليس فقط في الأخلاق بل في نظرية المعرفة ذاتها، إذ أن المعرفة في غياب هذه البعد الأخلاقي تصير استلاباً للآخر وتسييجاً له ضمن شبكات المفهوم، بينما الأخلاق بوصفها فلسفة أولى تعيد تعريف الحقيقة ذاتها كالتزامٍ وتضحية وإيثار لا كتطابقٍ ومطابقة.
من زاوية أخرى تتخذ مسألة التعدّد المعرفي والكوني الممكن بُعداً سياسياً حادّاً خصوصاً حين تنتقل من حيّز الفلسفة المحضة إلى حيّز العلاقات بين الثقافات والأمم، هنا يبرز دور مفكّرين كإدوارد سعيد الذي كشف في كتابه الموجّه "الاستشراق"، عن الآليات الخفيّة التي بنت بها المعرفة الغربيّة صورةَ "الشرق" كآخرٍ مغايرٍ ومتفوّقٍ عليه في آنٍ وكيف أن هذه المعرفة لم تكن بريئةً بل كانت جزءاً من استراتيجية سلطوية ومعرفية تهدف إلى تثبيت هيمنة الغرب وتبرير مشروعه الاستعماري. فما قدّمه سعيد ليس مجرد نقدٍ أكاديميّ لخطابٍ ما بل هو كشفٌ لجيولوجيا المعرفة الاستعمارية وكيف أن بناءَ "الشرق" كموضوعٍ للدراسة الغربية كان في جوهره عمليةَ إقصاءٍ وتهميشٍ وإعادة إنتاج لمركزيةٍ كونيةٍ أخرى، مركزيةٍ غربيةٍ تتخفّى خلف ثوب العلم والموضوعية. وتصبح الفلسفة نفسها والخطاب الإنساني عموماً ملتقىً لصراعات القوى وميداناً لإعادة إنتاج هياكل الهيمنة ويصير السؤال عن الكوني مطروحاً في سياقٍ سياسيّ ملتهب، هل يمكن الحديث عن كونيٍّ أخلاقيٍّ أو معرفيٍّ يتجاوز هذه الانقسامات التاريخية والجغرافية أم أن كل ادعاءٍ بالكونيّة هو تغطيةٌ لمصالحَ خاصّةٍ تختبئ وراء لغة الحياد والشمولية، هنا يتداخل النقد الفلسفي مع النقد السياسي ويصبح التفكيك الدريدي أداةً لفضح البنى الاستعمارية الخفيّة في اللغة والمفهوم، ويصير الحلمُ بكونيٍّ جديدٍ ليس مجرد حلٍ نظريّ بل مشروعاً سياسياً وثقافياً يتطلب إعادةَ تقييم شامل للتراث المعرفي البشري وتحريرَه من الرواسب السلطوية التي تخللت بناه على مر العصور.
وتبرز تساؤلات وجودية لا تقل عمقاً تتعلق بمكانة الإنسان ذاته في هذا الكون المتشظّي وكيف له أن يبني هويّته ويتّخذ قراراته ويؤسّس لحياته الفردية والجماعية في غياب مرجعياتٍ قطعيةٍ أو مبادئَ كونيةٍ مطلقة، هذه التساؤلات التي شغلت الفلاسفة الوجوديين من كيركغور إلى سارتر تلتقي الآن مع النقد التفكيكي ومع الأخلاق اللا تماثلية لتشكّل أزمةً حقيقيةً للإنسان المعاصر الذي أصبح يعيش في حالةٍ من "الترنّح المعرفي" أو ما يمكن وصفه بفقدان الثقل الميتافيزيقي فلم يعد بإمكانه أن يحتضن حقيقةً واحدةً أو ينتمي إلى سرديةٍ كبرى، لكنه في الوقت نفسه لا يستطيع العيش في الفراغ أو في فوضى المعاني المتناثرة، لذلك يجد نفسه مضطراً إلى اختراع معانيه الخاصة وإلى بناء كونيّته الصغرى من خلال قراراته والتزاماته ومن خلال علاقاته بالآخرين ومن خلال مسؤوليته تجاه العالم الذي يرثه ويؤثّر فيه، وهذا ما عبّر عنه سارتر بعبارته الشهيرة "الإنسان مشروعٌ يعيش مشروعه"، أي أنه لا يجد معنىً جاهزاً بل يصنعه بنفسه بفعل حريته، وفي هذا السياق لا يُنظر إلى التعدّد كعائق أو هزيمة بل يُنظر إليه كشرطٍ لإمكانية الإبداع والحرية، فلو كانت الحقيقة واحدةً ومغلقةً لما كانت للإرادة البشرية حاجةٌ إلى أن تختار أو تجتهد أو تتحمّل عناء المعنى، أما في ظل التعدّد المفتوح فإن مسؤولية الإنسان تتضاعف لأن عليه أن يختار من بين هذا السيل المتدفق من الرؤى والمعتقدات والقيم ما يشكّل بوصلته الخاصة، مدركاً أن اختياره ليس نهائياً وأنه يتحمّل تبعاته أمام نفسه وأمام الآخرين. وهذه الحرية التي تمنحها حالةُ غياب اليقين ليست نعمةً محضة بل هي عبءٌ ثقيل لأنها تعني أن الإنسان لا يستطيع إلقاء اللوم على قدرٍ متعاليٍ أو حقيقةٍ مطلقةٍ في فشله بل هو وحدَه من يصنع فشله أو نجاحه في عمليةٍ دائمةٍ غير مكتملةٍ، وتصبح الفلسفة بعد أن أفقدت يقينها القديم مدرسةً في الشجاعة ومدرسةً تعلّم الإنسان كيف يواجه المجهول وكيف يبني في قلب القلق الوجودي موطئَ قدمٍ للسلام الداخلي وكيف يتحوّل من كائنٍ يستمدّ معناه من الخارج إلى كائنٍ يصبح هو نفسه مصدر المعنى والأخلاق والجمال.
إن إعادة بناء الكوني في هذا العصر المتشظّي ليست مشروعاً يهدف إلى استعادة مركزيةٍ مفقودة ولا إلى تجميع شتات العوالم الفكرية تحت سقفٍ واحدٍ واهٍ، إنها في الواقع مشروعٌ متواضعٌ وجليلٌ في آنٍ، لأنه يقرّ بعجز الفلسفة عن امتلاك الحقيقة النهائية، لكنه في الوقت نفسه يمنحها أسمى مهماتها، أن تكون أخلاقاً للاختلاف وتأويلاً للحياة ووعياً بتاريخيتها المفتوحة على كل ممكن. إنها إعادة بناء لا تؤسس لمعبدٍ جديدٍ تسكنه الحقيقة الواحدة بل تؤسس لورشةٍ دائمةٍ يتعاون فيها الفلاسفة وكل البشر الذين يبحثون عن المعنى في بناءٍ متجدّدٍ من المعاني المتقاطعة، ورشة لا تخشى الانهيار لأنها تدرك أن كل بناءٍ هو مرحلةٌ في رحلةٍ لا نهاية لها وكل حقيقةٍ هي محطةٌ في سفرٍ لا يتوقّف، فلسفةُ الغد إن صحّ التعبير، لن تكون علماً باليقينيات بل فنا في العيش مع الأسئلة ومهارةً في تحويل التناقض إلى جدلٍ خصب ولن يكون الكونيُّ الذي تنشده هو أفقاً مغلقاً يضمّ كل شيء بل هو أفقٌ مفتوحٌ يتّسع باستمرار لاستقبال كل غريبٍ وكل مختلف وكل ما هو خارج التوقّع، إنه كونيةُ المسؤولية الأخلاقية كما أرادها ليفيناس وكونيةُ الحوار كما حلم بها غادامير وكونيةُ التفكيك التي لا تسكن في أيّ مركزٍ ثابت بل في حركة النقد الدائبة، إنها رحلة العقل في عوالمه الممكنة، رحلةٌ لا تبلغ مرسىً نهائياً بل تجد غايتها في سيرها ذاتها، ولا تكون الفلسفة قد فقدت شيئاً بفقدانها لمركزية الحقيقة بل على العكس تكون قد ربحت عالماً كاملاً من الاحتمالات وفهمت أخيراً أن حريتها الحقيقية تكمن لا في امتلاك الحقيقة بل في السعي الدائم نحوها، في حالةٍ من التواضع المعرفي والرهبة الأخلاقية من كلّ ما يقع خارج دائرة يقينها، وتظل الفلسفة، في أعمق تجلياتها ذلك النبض الحيَّ للإنسانية، صداها الأبدي عن الوجود والسؤال الذي لا يخبو والحوار الذي لا ينقطع مع الأزلية المتجدّدة في كل لحظة ومع البشرية التي لا تتوقف عن ابتكار عوالمها وتحويل التعدد من أزمةٍ إلى فرحٍ لا ينضب.
***
د. حمزة مولخنيف








