عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام فكرية

مجدي إبراهيم: أبستمولوجيا المعرفة التوليديّة (2)

مُقاربة فلسفية جديدة لمنهجيّة القراءة على القراءة

من الاستعارة إلى التأصيل:

حين كنت أكتب تعليقاً على منهجيّة القراءة للقراءة، تذكرت القيمة المُضافة لماركس، وخطر لي إذْ ذاك فصل في كتابي (حديث الولايّة: إضاءات معرفيّة للدعائم والمرتكزات) صدر في العام ٢٠١٩م، وأعيد طباعته في العام ٢٠٢٢م، كان عنوان هذا الفصل هو (المعرفة، والمعرفة الثالثة) يعني استحضار معرفين في القلب؛ لينتج عنهما معرفة ثالثة، وهذه موجودة في تعريف معنى الفكر في كتابات الغزالي (ت ٥٠٥)، وهي عندي لب لباب منهجيّة القراءة على القراءة. بالإضافة إلى أنها فكرة أعمق ما تكون شرحاً لمنهجيّة القراءة على القراءة، وربما كانت أكثر قرابة بل وأكثر أصالة من نظريّة ماركس في فائض القيمة.

إنّ تشبيه "فائض المعرفة" بـ "فائض القيمة" عند ماركس، تشبيه قوي من الناحية البلاغية والمنهجيّة؛ لأنه يلفت الانتباه إلى أن المعرفة يمكن أن تكون منتجة لا مستهلكة. لكنه يبقى تشبيهًا خارجياً مستعارًا من حقل الاقتصاد.

أمّا الحديث عن المعرفة الثالثة (المُولَّدة) فهو ينبع من داخل التراث المعرفي الإسلامي نفسه، من الحقول نفسها التي مارست منهجيّة القراءة على القراءة خلال الشروحات التي لا حصر لها لشتى فروع المعارف الإنسانية، ولذلك يبدو حديثاً أكثر أصالة واتّساقاً مع منهجيّة القراءة على القراءة. وأغلب الظن أن العلاقة بين الفكرتين ينبغي ألا تكون علاقة استبدال، بل علاقة تأسيس يستتبع نتيجة، حتى إذا كانت المعرفة الثالثة هي الآليّة أو المبدأ المولِّد، كان فائض المعرفة هو الأثر أو النتيجة.

هنالك يستحضر القارئ معرفتين في ذهنه، فتتفاعلان، ومن هذا التفاعل تتولد معرفة ثالثة لم تكن موجودة في أي منهما منفردة.

ومع تكرار هذه العمليّة عبر القراءات، يتراكم فائض المعرفة؛ فيصبح البناء المنهجي، على هذا أكثر إحكاماً، فالقراءة الثانية إذا أضيفت إلى القراءة الأولى، أنتجت المعرفة الثالثة، ثم إنّ المعرفة الثالثة بالإضافة إلى معرفة جديدة تشكل معرفة رابعة، فخامسة، وهكذا كلما أضفنا معرفة إلى أخرى، نتج نتاج جديد لم يكن موجوداً من ذي قبل، فتصبح المعرفة، كما سنرى، في حالة توالد مستمر.

ولا تكون المعرفة ها هنا مجرد جمع معلومات كما ذكرنا في السابق، بل تتحوّل إلى نسق توليدي؛ فكل معرفة تصبح مادة خام لإنتاج معرفة أخرى.

وممّا يُلفت النظر أن الغزالي يُقرر في مواضع من كتبه من حيث يتناول معنى الفكر، أن الفكر حركة بين معلومين ينتج عنها مجهول يصير بدوره معلوماً.

ونحن اذا وسعنا هذا المفهوم لمعنى الفكر ونقلناه من كونه مجرد عمليّة عقلية فرديّة إلى منهج معرفي في القراءة، أمكننا إجراء توظيف مبكر لمنهجية القراءة على القراءة في صيغتها الفلسفية الإسلامية. وبالعودة الى النقلات الفلسفيّة يمكن كذلك نقل فكرة الغزالي من مستوى المنطق المعرفي إلى مستوى المنهج الثقافي.

وبما أن المعرفة الثالثة هي المركز النظري لمنهجيّة "القراءة على القراءة"، فإنّ فائض المعرفة يعدُّ مفهوماً يصف الثمرة التراكمية لهذا المنهج؛ فحينئذ لا يعود مفهوم فائض المعرفة مستعارًا من ماركس، بل يصبح مفهومًا يفسَّر من داخل النسق الفلسفي الإسلامي كما تبيّن لنا.

فإنّه من الملاحظ على تصور الغزالي السابق أن كل إبداع إنما يبدأ من اجتماع معرفتين تُنتجان معرفة ثالثة، فهذه ليست نظريّة في التفكير أو في القراءة فحسب، بل هي نظريّة في الإبداع المعرفي نفسه. وطالما وصلنا الى هذا الابداع المعرفي العام فقد وصلنا في الوقت نفسه إلى ما هو أوسع في الدلالة من القراءة؛ ليشمل الفلسفة، والاجتهاد، والتفسير، والنقد، وحتى الإبداع الأدبي، وأنا لن أنسى إن نسيت مقالاً كنت قرأته في صغري للأديب الكبير مصطفى صادق الرافعي (ت١٩٣٧) في كتابه "وحي القلم"، كان بعنوان "سر النبوغ الأدبي"، يرى فيه أن سر هذا النبوغ يكمن في التوليد.

ومن هنا؛ فليست المعرفة الثالثة مُجرد فصل سابق في كتابنا المُشار اليه سلفاً، بل قد تكون البذرة التي كانت تنتظر أن تنمو لتصبح الأساس الفلسفي الكامل لمنهجيّة (القراءة على القراءة) كما نتصوره، بينما يكون (فائض المعرفة) الاسم الذي يعبّر عن حصيلة هذا التوليد المستمر للمعرفة، كما حققناه.

فمثل هذا التوالد لا يحدث مرة واحدة بل يتكرر بلا نهاية، ومن ثم فنحن لا نكتفي بجعل المعرفة الثالثة ثمرة اجتماع معرفتين في القلب، ولكن أيضاً هنالك استمراريّة في التوالد المعرفي. المعرفة الأولى والثانية تنتجان الثالثة. والثالثة لا تتوقف عند كونها نتيجة، بل تتحول هى أيضاً إلى معرفة أولى في دورة جديدة؛ إذ تلتقي بمعرفة أخرى، فتولد رابعة ثم تستمر العمليّة. فهذه المعرفة الثالثة الناتجة ليست رقماً في عدد معلوم، بل وظيفة.

كان يمكن تسميها "المعرفة المولَّدة"، لكن اختيار "الثالثة" يشير إلى لحظة الميلاد الأولى، لا إلى أنها تقف عند العدد ثلاثة. فإذا صّح هذا الفهم، فإنّ مصطلح المعرفة الثالثة نموذج لكل معرفة ناشئة من تفاعل معرفتين.

وهكذا يُلاحظ القاريء إنه إذا كان الجزء الأول قد وضع "القراءة على القراءة " في أفق التراكم المعرفي، فإنّ هذا الجزء ينقلها إلى أفق أعمق من التراكم هو: أفق التوليد، والتوالد، والصيرورة، وإعادة إنتاج القدرة المعرفيّة. وهنالك نقلة ملحوظة في هذا الجزء من استعارة فائض المعرفة إلى محاولة تأصيلها من داخل مفهوم المعرفة الثالثة. وهذه ليست مجرد مراجعة اصطلاحيّة، بل نقلة فلسفية حقيقية. ففي الصياغة الأولى كان فائض المعرفة يستمد قوته الإيحائية من مقارنته بفائض القيمة عند ماركس؛ أما هنا فقد أصبح فائض المعرفة نتيجةً لنظرية أسبق منه: المعرفة لا تنتج فائضاً لأنها تشبه رأس المال، بل لأنها تدخل في علاقة توليديّة مع معرفة أخرى. ومن ثم أصبح "فائض المعرفة" أثراً، بينما أصبحت "المعرفة المولدة" مبدأً. وهذه النقلة إضافة واضحة ممّا لا شك فيه.

والأقوى من ذلك؛ أن الارتهان بماركس لم يعد هدفاً لنا. فماركس كان مدخلًا استعاريّاً خصباً، لكنه لم يعد الأساس النظري. وهذا مهم جدًا؛ فنحن لم تعد نقول: إنّ المعرفة تشبه رأس المال من حيث إنها تنتج فائضاً، بل نقول شيئًا أكثر أصالة: إنّ المعرفة تملك في بنيتها الداخلية قدرة على توليد معرفة أخرى، ولذلك يكون فائضها نابعاً من طبيعتها التوليديّة لا من استعارتها من الاقتصاد السياسي. وهنا يتحول ماركس من مصدر تأسيسي إلى مجرد قرين مُقارن، وربما تكون هذه النقلة ضرورية في الصياغة النهائيّة لما نحن بصدده. ثم إننا مع تطور الفكرة أضافنا شيئًا آخر بالغ الأهمية حين جعلنا "المعرفة الثالثة" وظيفة لا رقماً. هذه العبارة تحديدًا قويّة جدًا: المعرفة الثالثة ليست مرحلة تنتهي عند الرقم ثلاثة، بل هي الاسم الذي نطلقه على كل معرفة ناشئة من تفاعل معرفتين. وبذلك يتحول المصطلح من تسمية لنتيجة محددة إلى مفهوم عام للتولد المعرفي.

فالمعرفة الثالثة التي تولدت من معرفتين تصبح بدورها مادة لتولد معرفة أخرى، ثم تتحول المعرفة الجديدة إلى طرف في علاقة توليديّة لاحقة. وهنا يظهر أن التوليد ليس حدثاً معرفيّاً منفردًا، بل سلسلة حية لا تنقطع؛ إذ المعرفة الثالثة لا ينبغي أن تُفهم فقط باعتبارها نتيجة تفاعل معرفتين، بل باعتبارها تحولاً في طبيعة العلاقة بين المعرفتين. فالجديد لا يأتي بالضرورة من مضمون جديد يضاف إلى المضمونين السابقين، وإنما قد ينشأ من أن المعرفة الأولى أصبحت تُرى في ضوء الثانية، والثانية أصبحت تُرى في ضوء الأولى. أي إن المعرفة الثالثة قد تكون علاقة جديدة قبل أن تكون مضمونًا جديدًا. وهذه، في تقديري، نقطة فلسفية جديدة بالاعتبار.

قانون التوالد الذاتي:

كنّا في مطلع المقال ضربنا مثلاً عمليّاً بسيطاً من واقع حياتنا الشخصية، وهو الجانب العملي الجدي في الموضوع كله، والذي كنّا استعرناه من كلمة كان الوالد رحمة الله يقولها لنا ونحن أطفال، حرصاً منه على بذل الجهد في المذاكرة والصبر عليها في كل حين.

كان يقول: يا ولدي !

النوم يأتي بالنوم، والمذاكرة تأتي بالمذاكرة.

ويقولها بالعاميّة المصريّة: النوم يجيب نوم، والمذاكرة تجيب مذاكرة. والقصد واضح هو بذل الطاقة فيما ينفع لا الاستسلام للخمول. وكذلك المعرفة تجيب معرفة، والعلم يجيب علم، والجهل والبلادة لا يولدا إلا جهالة وبلادة.

هذه ليست حكاية شخصية فحسب، بل مدخل فلسفي شديد القوة؛ لأنه ينقل النظريّة من التجريد إلى الخبرة الإنسانية المباشرة في الواقع الملموس.

ولعّل هذا المثال العملي هو الشاهد التجريبي الذي كان ينقص النظريّة، حتى إذا كنا نبحث في السابق عن تأصيل فلسفي وكفى، فإذا أمامنا الآن تأصيلًا وجوديّاً ظاهراً من واقع الحياة العمليّة.

تأمل هذه السلسلة: النوم يجر النوم. الكسل يجر الكسل. المذاكرة تجر المذاكرة. المعرفة تجر المعرفة. الجهل يجر الجهل. هذه ليست أمثالًا متفرقة، بل وقائع مُشاهدة تعبر عن قانون واحد:  هو قانون التوالد الذاتي للأفعال والملكات. فالفعل إذا تكرّر لا يبقى فعلًا منفردًا، بل يتحوّل إلى قوة تولِّد أفعالًا من جنسها. ولعل هذا ما يذكرنا بما كان أرسطو يقوله في اكتساب الفضائل، فالفضيلة تُكتسب بممارسة فعلها؛ والإنسان لا يكون شجاعاً ثم يعمل أعمال الشجاعة، بل يعمل أعمال الشجاعة أولاً حتى يصبح شجاعاً ثانياً. لكننا هنا نتجاوز هذا من جهة أننا لا نتحدّث عن تكوين الملكة فقط، بل عن إنتاج الشيء لمثله. فإذا كان أرسطو يتحدّث عن الاكتساب والممارسة لتتكون الملكة؛ فإننا نقصد من الدرجة الأولى تنمية القدرات المبدعة التي تنتج الشيء ذاته، وانتاجه لمثله كذلك، وربما أفضل منه.

وعليه، تصبح منهجية القراءة على القراءة خاضعة لما يمكن تسميته بقانون التوالد الذاتي؛ فالقراءة تولد قراءة. والمعرفة تولد معرفة. والفكر يولد فكراً. وكذلك على الضد: الجهل يولد جهلًا، والبلادة تولد بلادة، والكسل يولد كسلًا، وهكذا ...

وإذن؛ فنحن أمام قانون عام، والقراءة ليست إلا تطبيقاً عملياً من تطبيقاته .. غير أن هذه الفكرة لم تعد تدور حول منهج "القراءة على القراءة" وحده، بل حول مبدأ أعم هو:

(كل قوة وجوديّة تنمو بما تمارسه، وتضمحل بما تهمله).

والقراءة ليست إلا المثال الأوضح لهذا القانون. ويُلاحظ فيما ذهبنا إليه في السابق: أن مفهوماً شديد الخصوبة قد أضيف هاهنا، هو "قانون التوالد الذاتي"، بمقتضاه يمكن توسيع النظر في نمو القوى الإنسانية. فالقراءة لا تولد معرفة فحسب، بل تولد قابلية للقراءة؛ والمعرفة لا تنتج معرفة فحسب، بل تزيد القدرة على إنتاجها. وهذا يختلف عن التراكم التقليدي اختلافًاً جوهريّاً.

ففي التراكم تزداد الموجودات؛ أما في التوالد فتزداد القدرة على الإيجاد. ولسوف نعود لاحقاً إلى التفرقة الفارقة بين اصطلاحي التراكم والتوليد.

وهذه، في رأيي، إضافة فلسفية حقيقية فوق ما قيل في الجزء الأول. لأننا لم تعد نقول فقط إن "المعرفة تنتج"، بل قلنا إن الفعل المتكرر ينتج القوة التي تجعل الفعل اللاحق أكثر قدرة على إنتاج نفسه. وهنا لا يعود التكرار مجرد إعادة للفعل، بل يصبح بناءً للقدرة على الفعل. المذاكرة لا تزيد المعلومات فقط، بل تزيد قابليّة العقل للمذاكرة، والقراءة لا تزيد الكتب المقروءة فقط، بل تزيد القدرة على القراءة، والفكر لا ينتج أفكاراً فحسب، بل ينمي القدرة على التفكير.

ويمكن أن تصبح هذه الفكرة أكثر دقة إذا ميزنا بين التولد الذاتي والتولد التفاعلي؛ فالمعرفة لا تولد من ذاتها بالمعنى الحرفي؛ إذ لا بد لها من مادة أو معرفة أو تجربة تدخل معها في علاقة. لكنها بعد أن تولد لا تبقى نتيجة خاملة، بل تصبح قوةً قادرةً على الدخول في توليد جديد. ولذلك؛ ربما يكون القانون الأعم هو: كل معرفة متولدة تتحول إلى قدرة مولدة. وربما كانت هذه الصياغة أكثر دقة من كون "المعرفة تولد المعرفة"؛ لأنها تكشف التحول من النتيجة إلى القوة.

أمّا المثال الذي استقيناه من قول الوالد رحمه الله، إذْ كان ينصحنا في ريعان الطفولة: "النوم يجيب نوم، والمذاكرة تجيب مذاكرة"، فهو أصيل حتماً من الناحية الفلسفيّة؛ لأنه يخرج الفكرة من برج التجريد، ويكشف أن القانون ليس فكرة مصطنعة من أجل بناء نظريّة، بل هو مبدأ يمكن أن يُرى في الخبرة اليوميّة. وهذا مهم جدًا؛ لأن الفلسفة القويّة الفاعلة لا تظل مُعلقة في التجريد، بل تستطيع أن تعود إلى أبسط خبرة إنسانية وتكشف فيها قانوناً عاماً.

ومن هذه الجهة أرى أن هذا المثال لا يثبت فقط قانون التوالد الذاتي، بل يكشف شيئًا أعمق: أن الأفعال لا تنتج نتائجها فحسب، بل تنتج شروط إمكان تكرارها. النوم لا يؤدي فقط إلى مزيد من النوم، والمذاكرة لا تؤدي فقط إلى مزيد من المعرفة؛ بل إن الفعل المتكرر يعيد تشكيل الذات بحيث يصبح الفعل اللاحق أسهل أو أقدر أو أكثر رسُوخًا. ومن هنا يمكن أن نقول إنّ التولد المعرفي ليس توليداً للمحتوى فقط، بل توليد للقدرة؛ الأمر الذي يفتح باباً لمفهوم جديد هو: فائض القدرة المعرفيّة.

وعليه؛ فالمعرفة المُولّدة ليست فقط معرفة جديدة، وفائض المعرفة ليس فقط مجموع ما تراكم من معارف؛ بل كل قراءة عميقة قد تترك وراءها قدرة إضافية على القراءة والفهم والربط والتوليد. وهذا الفائض (فائض القدرة) هو الذي يجعل المعرفة اللاحقة أقوى من السابقة وأقدر على التوالد إذا أضيفت إليها معرفة لاحقة.

ونلاحظ هنا أن النّص يتجاوز بالفعل مفهوم التراكم؛ فالتراكم يفترض أنّ ما يأتي لاحقاً يُضاف إلى ما سبق، أمّا التولد فيفترض أن ما يأتي لاحقاً يستفيد من تغير القدرة التي أحدثها ما سبق. ولذلك لا تكون القراءة الثانية مجرد قراءة أولى مكررة، بل قراءة أولى وقد تركت في الذات قدرة جديدة على القراءة.

وربما ألتقت هذه النقطة بصورة مباشرة مع ما ذكرناه من قبل في غير هذا الموضع عن قراءة القرآن على السّعة والحضور؛ فالآية لا تتغير، لكن القارئ لا يعود إلى الآية بالقدرة نفسها التي كان عليها في القراءة السابقة؛ الأمر الذي يوجد صلة عميقة جدًا بين هذا الجزء من المقال وبين حديثنا المُوسّع عن "القرآن والتجربة البشريّة".

فالقانون (أي قانون التوالد الذاتي) يمكن أن ينتقل من المعرفة إلى التجربة: التجربة لا تنتج خبرة فحسب، بل تنتج قدرة جديدة على استقبال تجربة أخرى؛ والقراءة القرآنيّة لا تنتج استنباطًا فحسب، بل تنتج قدرة جديدة على قراءة الآية. ومن ثم فإنّ المعرفة المُولدة في القرآن لا تكون فقط مجرد "معنى جديدًا"، بل قابلية جديدة لرؤية ما لم يكن الإنسان قادراً على رؤيته من ذي قبل.

وبادي الرأي عندي أن النص الذي تضمنه القانون أضاف انتقالًا بالغ الأهمية من منهجيّة "القراءة على القراءة" إلى نظريّة عامة في الإبداع. وذلك حين نقول إن الفلسفة والاجتهاد والتفسير والنقد والإبداع الأدبي كلها يمكن أن تُفهم من خلال توليد معرفة من معرفة، فإننا نوسّع نطاق النظرية بصورة كبيرة. لم تعد القراءة على القراءة منهجاً خاصاً بالقراءة، بل أصبحت القراءة مثالاً حاضراً على قانون أوسع يحكم الإبداع الإنساني. وهذا، في تقديري، هو أحد أكبر مكاسب نص أبستمولوجيا المعرفة التوليديّة. لكننا من جهة أخرى نرى أن هذا التوسُّع يحتاج إلى احتراز فلسفي مهم:

ليس كل اجتماع معرفتين توليداً، وليس كل معرفة جديدة ناتجة عن معرفتين بالضرورة معرفة ثالثة بالمعنى الاصطلاحي الشديد لقوة التفكير. فقد تجتمع معرفتان في الذهن دون أن يحدث بينهما تفاعل حقيقي. وقد تكون النتيجة مجرد جمع أو نقل أو إعادة ترتيب آلي. ولذلك فإنّ التوليد يحتاج إلى شرط جوهري، وهو أن يحدث تحول في بنية الفهم، لا مجرد اجتماع في الذاكرة. وهنا يمكن أن يكون شرط "الحضور" الذي تحدثنا عنه في قرائتنا للقرآن شرطاً عاماً للتوليد. فالمعرفة لا تتولد من مجرد اجتماع معرفتين وكفى، بل من حضور معرفتين في وعي قادر على إقامة علاقة منتجة بينهما. وهذا الوعي هو الذي يحول المجاورة إلى تفاعل، والتفاعل إلى انكشاف، والانكشاف إلى معرفة جديدة.

(وللحديث بقيّة)

***

بقلم: د. مجدي إبراهيم

 

في المثقف اليوم