نشرت لي "مجلة دراسات الأديان" في بيت الحكمة في عددها الـ(50) دراسة مطولة بعنوان: "فقه الأضحية بين التوقيف الشرعي والجذر الطقسي: مقاربة فقهية أنثروبولوجية"، وكانت في أصلها تتخطى (65) صفحة. حاولت فيها مقاربة ضفيرة من الأسئلة المتعلقة بالإنسان وتمثلاته الدينيَّة للمعنى، وبالكيفية التي تتألف بها علاقته بالمقدس والمعنى عبر الطقوس والقرابين والأضاحي وو.
إِلَّا أنَّ ما استوقفني خارج حدود البحث الأكاديمي وشروطه، كان سؤالًا أوسع من الأضحية ذاتها، سؤال يتصل ببنية التجربة الدينيَّة في الاجتماع الإنسانيَّ، وهو كيف يمكن للإنسان أن يعيش مع الطقس أكثر مما يعيش مع المعنى الذي من أجله نشأ الطقس وتمظهر؟ وكيف يمكن للوسيلة أن تتحول إلى غاية، وللشعيرة إلى مقصد، وللقربان إلى مركز للتدين، فيما يتراجع حضور الله بوصفه منبع المعنى وغاية التقرب والتودّد؟
وأودّ أن أوضح منذ البداية طبيعة هذا التأمل، فهو تبصّر لا يقتصر على وصف كيف يتحول الطقس تاريخيًا، أنه إمعان للنظر ينتقل- وهذا خيار منهجي واعٍ لا ينبغي أن يمرّ ضمنيًا- إلى طرح موقف معياري من هذا التحول: أنّ الطقس المنفصل عن معناه خسارة، وأن استعادة العلاقة بينهما مطلب. القراءة الوصفية للنصوص تفتح الباب أمام هذا الحكم، لكنها لا تُنتجه بالضرورة وحدها؛ فالانتقال من "هكذا يحدث" إلى "هكذا ينبغي أنّ يكون ويجري" هو ما يمنح هذا المقال طابعه التأملي لا الوصفي الخالص.
المسألة في جوهرها وباطنها، ليست في وجود الطقس وحضوره، فالإنسان كائن رمزي بطبيعته، ولا يكاد يستطيع أن يعيش المعنى المجرد من دون أن يجسده في صورة أو فعل أو رمز. وإِنَّما تبدأ المشكلة حين يستقل الرمز عن مرموزه، والشعيرة عن غايتها، والوسيلة عن مقصدها؛ فيصبح الحفاظ على الشكل أكثر أهمية من السؤال عما يفعله هذا الشكل بالإنسان.
وقد يجد هذا التحول سندًا نظريًا في اشتغال الانثروبولوجيين، فميرتشا إلياده (ت1986م) يميز بين الشيء بوصفه مادة عادية وبين مشهد ولحظة تجليه حين يصير حاملًا لدلالة المقدس، بما يفتح المجال أمام سؤال مهم، وهو ماذا يحدث حين يتحول الوسيط الذي يشير إلى المقدس إلى موضوع قائم بذاته؟[1] وهنا يمكن النظر إلى تاريخ القربان[2] اليهودي بوصفه مثالًا كاشفًا عن الانتقال من التجربة الدينيّة المباشرة إلى تنظيمها المؤسسي، ثم ظهور خطاب نبوي نقدي صارم يعيد مساءلة العلاقة بين الطقس والمعنى وموضعة كل منهما.
ولا تعني هذه المقاربة أنّ التجربة اليهودية حالة استثنائية، وإنما يمكن النظر إليها بوصفها نموذجًا يساعد على فهم قابلية أوسع في تاريخ التدين، فالإنسان يميل ويتجه إلى تحويل المعنى إلى ممارسة قابلة للرؤية والتكرار[3]، ثم قابلية هذه الممارسة لأن تستقل تدريجيًا عن معناها الأول. ويمكن الإلماح على سبيل التمثيل لا الاستقصاء إلى نظائر لهذا النقد في تجارب دينيَّة أخرى، فالخطاب الصوفي ونزعته في التراث الإسلاميَّ طالما ميّز وشدد على ضرورة التميّيز بين "فقه الظاهر" و"فقه الباطن"، وانتقد أداء الشعائر الخالية من الخشوع والحضور القلبي الذي يشبع الحياة بالمعنى وينفذ إلى الوجدان ويصطاد الروح، دون أن يدعو إلى إسقاطها[4]. وفي التراث الفلسفي اليوناني، طرح أفلاطون على لسان سقراط في محاورة "إثيوفرون" سؤالًا مشابهًا عن العلاقة بين القربان وإرضاء الآلهة، مساءلًا هل يكفي تقديم القرابين لنيل رضا الإله، أم أنّ هناك ما هو أجدر بالاعتبار والتأمل من الفعل الطقسي ذاته[5]. هذه الإشارات لا تُغني عن دراسة مستقلة لكل تجربة على حدة، لكنها تؤيد أن ما نتتبعه في التجربة اليهودية ليس شذوذًا أو تفردًا، بقدر ما هي نمط تتكرر ملامحه حيثما وُجد طقس وإنسان وجدليات للتأثر والتأثير.
من المذبح المتنقل إلى المؤسسة المقدسة
تكشف النصوص الكتابية المبكرة عن حضور القربان بوصفه فعلًا تعبديًا مباشرًا يرتبط بالتقرب إلى الله، وبالمذبح الذي لم يكن في هذه المرحلة قد استقر في صورة المؤسسة المركزية التي عرفها لاحقًا ففي قصة إبراهيمu، يظهر المذبح مرتبطًا بالظهور الإلهي والدعوة باسم الرب: " وَظَهَرَ الرَّبُّ لِأَبْرَامَ وَقَالَ: لِنَسْلِكَ أُعْطِي هَذِهِ الْأَرْضَ. فَبَنَى هُنَاكَ مَذْبَحًا لِلرَّبِّ الَّذِي ظَهَرَ لَهُ... فَبَنَى هُنَاكَ مَذْبَحًا لِلرَّبِّ وَدَعَا بِاسْمِ الرَّبِّ" (سفر التكوين ١٢/٧-٨). وتظهر بساطة المذبح في التشريع المبكر: " مَذْبَحًا مِنْ تُرَابٍ تَصْنَعُ لِي وَتَذْبَحُ عَلَيْهِ مُحْرَقَاتِكَ وَذَبَائِحَ سَلَامَتِكَ، غَنَمَكَ وَبَقَرَكَ» (سفر الخروج ٢٠/٢٤). وكذلك: " وَلَا تَصْعَدْ بِدَرَجٍ إِلَى مَذْبَحِي" (الخروج ٢٠/٢٦). وتقدم قصة قابيل وهابيل صورة أخرى مبكرة للقربان: "وَحَدَثَ مِنْ بَعْدِ أَيَّامٍ أَنْ قَابِينَ قَدَّمَ مِنْ أَثْمَارِ الْأَرْضِ قُرْبَانًا لِلرَّبِّ، وَقَدَّمَ هَابِيلُ أَيْضًا مِنْ أَبْكَارِ غَنَمِهِ وَمِنْ سِمَانِهَا. فَنَظَرَ الرَّبُّ إِلَى هَابِيلَ وَقُرْبَانِهِ، وَلَكِنْ إِلَى قَابِينَ وَقُرْبَانِهِ لَمْ يَنْظُرْ".(سفر التكوين ٤/٣-٥).
وبصرف النظر عن التأويلات اللاحقة لسبب قبول قربان هابيل ورفض قربان قابيل، فإن الرواية تكشف عن حضور القربان في الوعي الدينيَّ المبكر بوصفه فعلًا من أفعال التقرب، قبل أن يتحول ويتبدل إلى منظومة طقسية مؤسساتية واسعة الحضور والتأثير الفعال. وتظهر صور المذبح والقربان كذلك في روايات نوح وإبراهيم وإسحاق ويعقوب(عليهم السلام)، ضمن سياقات العبادة المبكرة للآباء[6]. ولكن حضور القربان لم يبقَ على هذه الصورة المباشرة. فمع تشكل الجماعة الدينية وظهور المركز المقدس، أخذت الطقوس تدخل في بنية أكثر تنظيمًا وتعقيدا، وأصبح الكهنوت طرفًا أساسيا في إدارة المقدس وتحديد شروط ممارسة الطقس. ويظهر اختصاص اللاويين في النص: "يُعَلِّمُونَ يَعْقُوبَ أَحْكَامَكَ، وَإِسْرَائِيلَ نَامُوسَكَ. يَضَعُونَ بَخُورًا فِي أَنْفِكَ، وَمُحْرَقَاتٍ عَلَى مَذْبَحِكَ"(سفر التثنية: ٣٣/١٠).
وهكذا أصبح القربان جزءًا من بنية دينية مؤسساتية تتداخل فيها الشعيرة مع المكان المقدس والكهنوت والتشريع. ولم تعد الذبيحة مجرد فعل تعبدي مباشر، بقدر ما غدت ممارسة منظمة تحدد المؤسسة الدينية شروطها وأشكالها ومجالاتها. وهنا تبدأ المسافة في الظهور بين الطقس بوصفه وسيلة والطقس بوصفه غاية.
حين يتقدم الشكل على المعنى
كلما تراكمت القواعد والأشكال وتعاظمت المؤسسة، أصبح من الممكن أن تستقل الممارسة وتمظهرها عن الغاية التي من أجلها نشأت. وعند هذه النقطة يظهر الصوت النبوي الناقد للانفصال بين العبادة والحياة، وبين الشعيرة والأخلاق، وبين القربان والقرب الحقيقي من الله. ولا بدّ من توضيح دقيق في هذا التوتر والاحتدام، فحين ننسب إلى الأنبياء نقدًا للذبيحة أو القربان بشكل عام، لا نعني أنّهم كانوا يدعون إلى إلغائها وحذفها كمارسة، وإنما كانوا ينتقدون حالة بعينها، أو ورمًا بعينه، كأن تؤدَّى الذبيحة مصحوبةً بظلم اجتماعي أو نفاق أخلاقي أو غياب للطاعة الداخلية ومحبة الحق. فالنقد موجَّه إلى الذبيحة حين تنفصل عن الأخلاق والطاعة والشفقة والبهجة وو، لا إلى الذبيحة بما هي ذبيحة؛ والدليل أنَّ نظام القربان استمر معمولًا به في الهيكل بعد هؤلاء الأنبياء أنفسهم، ولم يفهم أحد من معاصريهم كلامهم على أنّه دعوة لإسقاط الشعيرة وزعزعة مشروعيتها. وهذا التمييز- بين نقد الطقس المنفصل عن غايته وجدواه، ونقد الطقس بما هو طقس- هو ما يحفظ اتساق هذا التأمل والتبصّر مع كونه دعوة إلى استعادة العلاقة الصحيحة بين الشكل والمعنى، لا إلى التخلي عن الشكل.
يقول صموئيل النبي في مواجهة شاول: " هَلْ مَسَرَّةُ الرَّبِّ بِالْمُحْرَقَاتِ وَالذَّبَائِحِ كَمَا بِاسْتِمَاعِ صَوْتِ الرَّبِّ؟ هُوَذَا الاسْتِمَاعُ أَفْضَلُ مِنَ الذَّبِيحَةِ، وَالْإِصْغَاءُ أَفْضَلُ مِنْ شَحْمِ الْكِبَاشِ" (سفر صموئيل الأول: ١٥/٢٢). لا تكمن أهمية النص في إلغاء الذبيحة، وإنما في إعادة ترتيب سلم القيم الدينية: الطاعة والاستماع يتقدمان على الفعل الطقسي حين ينفصل أحدهما عن الآخر. ويأتي هوشع ليمنح هذا التحول صياغته الأكثر كثافة: "إِنِّي أُرِيدُ رَحْمَةً لَا ذَبِيحَةً، وَمَعْرِفَةَ اللهِ أَكْثَرَ مِنْ مُحْرَقَاتٍ" (سفر هوشع: ٦/٦). فالرحمة ومعرفة الله ليستا إضافتين أخلاقيتين إلى الطقس، بقدر ما هما إعادة توجيه للطقس نحو منبعه وباطنه
أمّا إشعياء فيواجه تضخم الممارسة الطقسية مباشرة: " لِمَاذَا لِي كَثْرَةُ ذَبَائِحِكُمْ، يَقُولُ الرَّبُّ؟ اتَّخَمْتُ مِنْ مُحْرَقَاتِ كِبَاشٍ وَشَحْمِ مُسَمَّنَاتٍ، وَبِدَمِ عُجُولٍ وَخِرْفَانٍ وَتُيُوسٍ مَا أُسَرُّ" (إشعياء ١/١١). ثم ينقل مركز التدين من المذبح إلى المجال الأخلاقي: "تَعَلَّمُوا فِعْلَ الْخَيْرِ. اطْلُبُوا الْحَقَّ. أَنْصِفُوا الْمَظْلُومَ. اقْضُوا لِلْيَتِيمِ. حَامُوا عَنِ الْأَرْمَلَةِ" (سفر إشعياء: ١/١٧).
ويؤكد عاموس الاتجاه نفسه: " بَغَضْتُ كَرِهْتُ أَعْيَادَكُمْ، وَلَسْتُ أَلْتَذُّ بِاعْتِكَافَاتِكُمْ. إِنِّي إِذَا قَدَّمْتُمْ لِي مُحْرَقَاتِكُمْ وَتَقْدِمَاتِكُمْ لَا أَرْتَضِي" (سفر عاموس: ٥/٢١-٢٢).
أما ميخا فيختصر جوهر التدين في ثلاث قيم تتخطى كثافة الطقس: " قَدْ أَخْبَرَكَ أَيُّهَا الإِنْسَانُ مَا هُوَ صَالِحٌ، وَمَاذَا يَطْلُبُ مِنْكَ الرَّبُّ، إِلَّا أَنْ تَصْنَعَ الْحَقَّ وَتُحِبَّ الرَّحْمَةَ، وَتَسْلُكَ مُتَوَاضِعًا مَعَ إِلَهِكَ" (سفر ميخا: ٦/٨). وفي هذه المعاني تتضح النقلة الكبرى والأهم: ماذا تغيّر في داخلي لا ماذا أضع على المذبح وأقدم تفاخرا ؟
من الشعيرة إلى الإنسان
إن الخطاب النبوي يعيد وضع القربان في تموضعه داخل التجربة الدينيَّة وروحيتها وقيمها ولاهوتها. فالطقس يستمد قيمته من علاقته بالمعنى الذي يحمله، ومن قدرته على إحداث تحول في الإنسان. وهنا تظهر مفارقة عميقة في الاجتماع الدينيَّ، فالإنسان يستطيع أن يقيس عدد الصلوات والابتهالات وعدد القرابين ومواعيدها وأشكالها ومظاهرها، لكنه لن يتمكن بالسهولة نفسها أن يقيس مقدار الرحمة التي نشأت في قلبه، أو مقدار التواضع الذي استقر في نفسه، أو مقدار العدالة التي أصبح يمارسها، أو المسافة التي قطعها في طريقه إلى الله[7].
فالطقس قابل للرؤية والتكرار والتداول الاجتماعي، أما التحول الروحي والأخلاقي فيحدث في منطقة أكثر خفاءً وتعقيدًا. وبالتالي، فان الجماعة قد تميل إلى تضخيم ما تستطيع رؤيته وإظهاره والاتفاق عليه حتى يصبح الشكل أكثر حضورًا من المعنى.
ولا يقف الطقس عند وظيفته الروحية؛ إذ يؤدي وظيفة اجتماعية أيضًا. فهو يحدد الانتماء، ويرسم حدود الجماعة، ويمنح الفرد شعورًا بأنّه جزء من "نحن". فيمكن بهذا أن تتحول الشعيرة وتنتقل من كونها علاقة بين الإنسان والمقدس إلى علامة على الهوية الجماعية. وعندما يحدث ذلك ويستقر يصبح الدفاع عن الطقس دفاعًا عن الجماعة وهويتها.
ولكن القول بهذا المعنى لا يعني أنّ الطقوس بلا قيمة ومنفعة، أو أنّ الإنسان يستطيع الاستغناء عن الرمز والشعيرة وو. فالإنسان كائن رمزي كما قلنا، وهو يحتاج إلى أن يمنح المعنى المجرد صورة محسوسة، وأن يحول اعتقاده إلى ممارسة. الطقس يكون حيًا ما دام يشير إلى ما وراءه وما يمنحه هذا الماوراء؛ أما حين يستقل عن مرجعه، فإنه يتحول من نافذة على المقدس إلى حجاب عنه.
ولعل ما يكشف هذه المفارقة بصورة حية، ما رواه عبد الجبار الرفاعي عن تجربته الشخصية: فقد حجّ 16 مرة، حرصًا في كل مرة أن يؤدي المناسك على وجهها الشرعي الدقيق، طلبًا لما يسميه الفقهاء "فراغ الذمة اليقيني"، انطلاقًا من القاعدة الأصولية المعروفة: "الاشتغال اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني". ولكنه حين زار ضريح الرومي جلال الدين (في قونيه) وشهد الاحتفالات الصوفية التي تُقام حوله، وجد نفسه يعيش نشوةً وبهجةً روحية لم يذقهما ولم يرتوي منها في حجه بمثلها. ولم يكن ذلك على حد تفسيره لأن الحج أقل قداسة وأقل حضورًا ومعنى، وإنما لأن تجربته فيه كانت مطوَّقة بتكاليف صارمة حرص على أدائها كاملة غير منقوصة، فاستغرقه همّ الإجزاء والبراءة اليقينية عن التفرغ لمعنى اللقاء ذاته؛ بينما جاءت تجربته مع احتفالات الرومي مطلقةً من هذا التكليف الفقهي الدقيق، ففتحت للروح مساحة واسعة لم يكبّلها حساب الإجزاء والنقصان[8].
وهذه الشهادة وإن كانت فردية شخصية لا تُقاس عليها أحكام عامة، لكنها تصلح مثالًا حيًا على الإشكال الذي يطرحه هذا التأمل، فحين ينشغل المتعبد بضبط الشكل الفقهي وأحكامه التكليفية للشعيرة واستيفاء شروطه على وجه اليقين، قد يتزاحم هذا الانشغال مع الانفتاح الداخلي الذي هو غاية الشعيرة أصلًا؛ فتتحول الدقة الفقهية رغم مشروعيتها الكاملة إلى ما يشبه الحجاب الذي يستهلك الطاقة الروحية في ضبط الأداء، بدل أن تتفرغ لعيش المعنى. وهذا لا يعني أنَّ الالتزام الفقهي بالمناسك أمر غير مطلوب، بل هو صلب التكليف وأصل الامتثال، لكنه يذكّرنا بأن اليقين الفقهي باشتراطات صحة الأداء شيء، والحضور الروحي في اللحظة ذاتها شيء آخر، وأنّ التقاءهما هو الغاية المثلى التي لا تتحقق تلقائيًا لمجرد استيفاء الشروط.
ولهذا فإن تضخم الطقوس وتكرارها لا يعني بالضرورة تضخم الإيمان والتجربة الروحية، كما أنّ كثافة الممارسة وتحشيدها لا تعني بالضرورة عمق العلاقة بالله ورحمته ولطفه. فقد تتكاثر الشعائر بينما لا تتسع الرحمة، وقد يتكثف الحضور الدينيَّ في المجال العام بينما لا يتعمق التحول في المجال الوجداني الداخلي.
حين يغيب المذبح ولا يغيب السؤال
ومن هنا يمكن فهم المسار التاريخي الذي عرفته التجربة اليهودية في القربان. فقد انتقل القربان من ممارسة مرتبطة بالمذبح إلى بنية مركزية ارتبطت بالهيكل والكهنوت والتشريع، ثم ظهر داخل الأدبيات النبوية نقد يعيد السؤال إلى العلاقة بين الطقس والأخلاق، وبين الذبيحة ومعرفة الله - وهو نقد، كما تقدم، موجَّه إلى حالة الانفصال لا إلى الشعيرة ذاتها.
ومع غياب الهيكل، انتهى نظام القربان الهيكلي بصورته المعروفة، وأعيد تنظيم التقرب إلى الله في أنماط تعبدية أخرى، وفي مقدمتها الصلاة والدعاء والتوبة ودراسة الشريعة. وهذا التحول يفتح سؤالًا يتجاوز التجربة اليهودية إلى التجربة الدينية عمومًا: لماذا يتعلق الإنسان بما يستطيع فعله وإظهاره أكثر مما يتعلق بما ينبغي أن يصير إليه؟ ربما لأن الفعل الخارجي يمنحه إحساسًا بالإنجاز، بينما التحول الداخلي يضعه أمام امتحان لا ينتهي. يستطيع الإنسان أن يقدم قربانًا وينصرف، وأن يؤدي شعيرة ويحسبها منجزًا؛ لكنه لا يستطيع أن ينهي مشروع تزكية نفسه بممارسة واحدة. ولهذا قد تكون الطقوس، في بعض صورها، أكثر راحة للإنسان من مواجهة ذاته؛ لأنها تمنحه صورة محسوسة عن التدين، بينما يطالبه المعنى بتغيير وجوده نفسه. وهنا تحديدًا تتحول المشكلة من مشكلة في الطقس إلى مشكلة في الإنسان ذاته.
الطقس بوصفه طريقًا لا غاية
وإذا استعدنا المفهومين النظريين اللذين استُهل بهما هذا التأمل، أمكن القول: إنّ الانتقال من التجربة الدينيّة الحية والفاعلة إلى المؤسسة والقواعد يفسر جانبًا من قابلية الطقس العبادي لأن يتحول إلى نظام مستقل عن التجربة التي أنشأته. ومن جهة أخرى، يسمح مفهوم التجلي عند إلياده بطرح سؤال الوسيط: هل يظل الرمز نافذة على المقدس، أم يتحول إلى شيء مكتفٍ بذاته؟ وعلى هذا الأساس وهذا الفهم، يمكن فهم الخطاب النبوي بوصفه محاولة لإعادة وصل الممارسة بمصدرها، وتفكيك التماهي بين المقدس ومظهره، لا إلغاء المظهر ذاته-وهذا ما تكرر التأكيد عليه في هذا التأمل: أنّ النقد يتجه وينصبّ على الانفصال، لا على الشكل بذاته. فليس السؤال أن نختار بين الطقس والمعنى ولا بين التمظهر والروح، السؤال في أن نستعيد العلاقة الصحيحة بينهما: أن يكون الطقس طريقًا إلى المعنى لا بديلًا عنه أو غاية بذاته، وأن تكون الشعيرة وسيلة لتغيير الإنسان لا شهادة اجتماعية على تدينه.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث في التجربة الدينيّة هو أن يبقى الطقس بعد أن يغيب المعنى الذي يمنحه قيمته. عندها لا يختفي التدين، عندها قد يحدث العكس تمامًا، يتورم في مظهره ويتراجع في جوهره؛ تتكاثر الشعائر بينما تبتعد الروح عن منبعها؛ ويصبح الإنسان مشغولًا ومهووسًا بما يقدمه لله أكثر من انشغاله بما ينبغي أنّ يصير إليه أمام الله.
وهنا يعود السؤال الأول في مقالتي وتبصري هذا، ولكن بصورة أكثر إلحاحًا وأكثر جرحًا للذات المؤمنة، هل ما زالت طقوسنا تقودنا إلى الله ومحبته، أم أننا بلغنا مرحلة أصبحنا فيها نعبد الطريق وننسى الغاية؟ فقد ورد حديث عن الإمام الصادقu يقول فيه: " العامل على غير بصيرةٍ كالسائر على غير الطريق، لا تزيدُهُ سرعةُ السير إِلَّا بُعدًا."[9] ولعل القربان الحقيقي في أعمق دلالاته، هو ما يستطيع الإنسان أن ينتزعه من ذاته ليقترب به من الله: أنانيته، وظلمه، وغروره، وقسوته، وحسده، ومخاتلته وو. ويبقى السؤال الأهم: ماذا صنع القربان بنا؟
***
د. حيدر شوكان السلطانيَّ
جامعة بابل– قسم الفقه وأصوله.
...............................
[1] المقدس والعادي، ترجمة: عادل العوا، (دار تنوير للطباعة والنشر)، طبعة 2009م، 21.
[2] يدور معنى القربان في اللغة العربية حول أصل دلالي واحد وهو القرب والدنو، وبالمعنى الاصطلاحي فهو كل ما يتقرب به إلى الله طلبًا للزلفى، سواء كان في ذبيحة أو محصول من الزراعة أو صيد أو نحو ذلك. ينظر: الفيروز آبادي، القاموس المحيط، (بيروت: مكتبة تحقيق التراث)، طبعة 1426هـ، 123. ودانيال هيرفيه لجيه، سوسولوجيا الدين، ترجمة: رويش الحلوجي، (القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة)، الطبعة الأولى- 2005م، 208.
[3] يقول علماء النفس الاجتماعي أنّ التكرار المفاهيم والعقائد والسلوك قادر على أنّ يزرع في النفس البشري شيء من الإيمان قليل أو كثير.
[4] كتب عبد الجبار الرفاعي وحاك ورسم صورة عن الاشتغال الفلسفي الصوفي الذي يهتم كثيرًا بالقلب والوجدان، ويدفع نحو تأسيس لاهوت الشفقة، ولا سيَّما عند كبار العرفاء، ولعل من أبرزهم جلال الدين الرومي، يقول:" ترك لنا مولانا الرومي منظومة غنية، تنفتح على حقول متنوعة في المعارف الدينية، نحن بأمس الحاجة إليها في عصر تغلب فيه فهم حرفي قشري مغلق للنصوص، أفضى لصوغ لاهوت يضج بمقولات الكراهية والتعصب والعدوان. ميراث جلال الدين الرومي يلهمنا مفاهيم ومقولات ورؤى تنشد احترام كرامة الكائن البشري، ترسخ النزعة الإنسانية في الدين، تشبع حياتنا بالمعنى، تخلع على دنيانا صورة أجمل تهبنا أفقاً بديلاً للتواصل مع مختلف أتباع الأديان والفرق والمذاهب، فلا تضيق مجتمعاتنا وتنفجر بمكوناتها التاريخية العقائدية والإثنية ويتأسس ما يمكن تسميته بـ لاهوت الشفقة الرحمة، المحبة، العشق، الجمال، الفرح، الحياة، الابتسامة الأمل، الاختلاف، التنوع التعددية، اللاهوت الإنساني)، الذي يكمن فيه سبيلنا للخلاص من لاهوت الكراهية، نفي الآخر، الموت، الحزن، البكاء، والتشاؤم)". عبد الجبار الرفاعي، الدين والنزعة الإنسانية، (بغداد: مركز دراسات فلسفة الدين) الطبعة الرابعة- 2019م، 30- 31.
[5] أفلاطون، محاورة أوطيفرون، ترجمة: زكي نجيب محمود، (القاهرة: مؤسسة هنداوي)، طبعة 2022م، 28.
[6] ينظر: فميرتشا إلياده، تاريخ ومعتقدات شعوب العالم، ترجمة: عبد الهادي عباس، (دمشق: دار دمشق)، طبعة 1986م، 1/215.
[7] كان يقول لنا أستاذٌ في كلية الفقه: بعد الانتهاء من شهر رمضان، إذا أردت أن تعرف قيمة صيامك وحقيقة ما وصل منه، فاسأل نفسك: كم زرع هذا الصيام فيك من شفقة ورحمة ومحبة لله تعالى؟ إن مقدار الطاعة بمقدار ما تتركه.
[8] ينظر: عبد الجبار الرفاعي، الدين والنزعة الإنسانية، 40- 41.
[9] الشيخ الكليني، الكافي، تحقيق: تصحيح وتعليق: علي أكبر الغفاري، (طهران: دار الكتب الإسلامية)، الطبعة الخامسة، 1/ 43.








