أقلام فكرية

حاتم حميد محسن: غسق الأوثان والأخطاء الأربعة الكبرى؟

يقترح نيتشه ان هناك أربعة أخطاء كبرى ارتكبتها الفلسفة طوال التاريخ:

الخطأ الأول وهو الأخطر: "المزج بين النتيجة والسبب". يدّعي نيتشه ان كل قواعد الدين والأخلاق وقعت ضحية لهذا الخطأ، وان الكهنة والوعاظ يتحملون مسؤولية التبشير به. هو يستخدم مثالا من كتاب في القرن الخامس عشر لرجل نبيل يسمى لويجي كورنار cornaro Luigi . يجادل فيه كورنار ان "نظام غذائي خفيف" قاد الى سعادة وحياة أخلاقية طويلة. لكن كورنار التبس عليه السبب والنتيجة غير مدرك ان بطء التمثيل الغذائي هو الذي تطلّب اتّباع نظام غذائي ضعيف، وهو ما سمح له ليعيش أطول. الاخلاقيون يرغبون اثبات الخيرية في رؤيتهم الأخلاقية عبر اقتراح ان الأشياء الجيدة (النتيجة) تحدث للناس الذين لديهم اخلاق جيدة (سبب). لكن هذا غير صحيح . كورنار اعتقد خطأ ان طعاما قليل جعله يعيش طويلا، بينما في الحقيقة ان التمثيل الغذائي البطيء لديه وبطء نبضات القلب كانت تعني انه احتاج الى القليل من الطعام ليعيش. يعتقد نيتشه ان الكنيسة مثل كورنار، تستعمل ظروفا موجودة سلفا لتبرير مجموعة من الأفعال او اطارا أخلاقيا.

معظم المبادئ الدينية تؤمن انه لو قام الفرد بأشياء معينة وتجنب عمل أشياءً أخرى سوف يكون سعيدا – أي ان السعادة تأتي من الفضيلة. يقترح نيتشه صيغة بديلة، لا يختلط فيها السبب مع النتيجة. في هذه الصيغة، الفضيلة تأتي من السعادة. هو يرى ان الفضيلة ممكنة فقط عندما يمتلك الفرد حياة طويلة وسعيدة. واذا كانت الكنيسة تدّعي ان الرذيلة تدمر الشخص، نيتشه يرى ان الشر هو مظهر وعرض للخراب ولعدم السعادة. الناس غير السعداء يحتاجون الشر لنسيان تعاستهم. على سبيل المثال، أصدقاء الرجل المريض يرون ان المرض هو المسؤول عن سلوكه. لكن الرجل يقع مريضا لأنه كان فقيرا ومتعبا في المقام الاول.

يشرح نيتشه بالتفصيل خطأ الكنيسة في الخلط بين السبب والنتيجة. فمثلا، الكنيسة تجادل ان الشخص الذي يتصرف أخلاقيا (السبب) سيكون سعيدا (النتيجة). في الحقيقة، العكس هو الصحيح. هو يرى انه فقط الناس الذين هم سعداء سلفا يمتلكون الحرية والفرصة ليتصرفوا أخلاقيا. ونفس الشيء، الناس الذين يلجأون لأعمال العنف والاجرام لم يفسدوا لأنهم تصرفوا بلا أخلاقية وانما لأن هؤلاء الناس كان عليهم اللجوء للعنف او الجريمة لأن حياتهم مدمرة سلفا. هم يقومون بأعمال سيئة لأنهم يائسين وليس العكس.

الخطأ الثاني الكبير: هو "السببية الزائفة". الناس يعتقدون خطأ انهم يتحكمون بأنفسهم ويمكنهم فهم لماذا يتصرفون بالطريقة التي يقومون بها - انهم يفهمون حوافزهم. اليوم، نحن نفهم ان "العالم الباطني" هو مكان معقد وغامض مليء بالأشباح والاضواء الخادعة، احد أجزاء ذلك العالم هي الإرادة. حاليا، لم تعد الإرادة توضح السلوك. ونفس الشيء، نحن لم نعد نؤمن ان "الحافز" و "الايغو" يسببان او يوضحان السلوك. يعتقد نيتشه ان ايمان الإنسانية في الحقائق الجوهرية الثلاث للإرادة والروح والايغو أفسد التجريبية. أي ان فهم البشرية المفترض للوجود، والذي يُفترض انه تجريبي وموضوعي، هو في الواقع الانا (بما فيها من مشاعر غير مقبولة وعيوب) التي تسقطها على العالم.

الخطأ الكبير الثالث: هو "خطأ الأسباب المتخيلة". نيتشه يقدم مثالا عن شخص ما يسمع صوت طلقة من مكان بعيد ويطرح قصة توضح وتعطي معنى للصوت. لكن ما يفعله الشخص في الحقيقة هو استعمال ردة فعله للصوت لتوضيح السبب. يعتقد نيتشه اننا يمكننا ان نعزو معظم المشاعر الجسدية - "كل نوع من الكبح، الضغط، التوتر، الانفجار" – الى دافع البشرية لخلق الأسباب . نحن نريد ان نعرف لماذا حافز معين يجعلنا نشعر بالطريقة التي نقوم بها – انه لا يكفي الاعتراف اننا نشعر بطريقة معينة. في الحقيقة، نحن فقط نصبح واعين بشعورنا حالما نحدد سبب تلك المشاعر، وان ذكرياتنا عن المشاعر تؤثر على الدوافع التي ننسبها الى المحفزات الجديدة. بهذه الطريقة، نحن نستبدل "الاعتياد" بـ "التحقيق".

نيتشه ينكر "التوضيح النفسي" كجهد للفرد في نسبة سبب لشيء لإراحة نفسه واستعادة الإحساس بالقوة. عندما نشعر بالخوف، تكون استجابتنا الفطرية هي إزالة الخطر. نحن نعتقد ان أي توضيح حتى لو كان زائفا هو افضل من لا شيء. لكي نخفف الخوف، نحن لا نبحث عن افضل توضيح وانما التوضيح الذي سوف يهدئ خوفنا. بمرور الزمن، نحن نعتاد على قبول هذا النوع من التوضيح. فمثلا، المصرفي دائما يفكر حول الاعمال، والمسيحي دائما يفكر حول الإثم. كل الاخلاق والدين ترتكز على هذا الخطأ في السبب المتخيل. فمثلا، الاخلاق والدين يخلقان "أرواحا شريرة" متخيلة لتوضيح كل شكل من "مشاعر عامة غير سارة". نحن نخلق أسبابا لتخصيص "عقوبة" للأشياء التي تأمرنا الاخلاق بعدم القيام بها. نيتشه رفض ادّعاء شوبنهاور باننا في الحقيقة نستحق كل عدم ارتياح جسدي او ذهني نشعر به.

الخطأ الرابع الكبير هو "خطأ الإرادة الحرة". نيتشه يدين الإرادة الحرة باعتبارها شيء صنعه الثيولوجيون لجعل الناس "مسؤولين" عن افعالهم اللاأخلاقية ويعتمدون على الدين للخلاص. الإرادة الحرة أيضا سوف تجعل الناس يشعرون بالذنب. يجادل نيتشه ان لا احد يمنحنا خصائصنا وسلوكنا: "لا إله، لا مجتمع، لا اسلافنا" ولا أي شخص مسؤول عن فعله او وجوده. نيتشه يحتقر فكرة "الحرية المُدركة" intelligible freedom او الحرية المقررة ذاتيا التي طرحها كانط وافلاطون. الناس ليسوا نتيجة لـ "تصميم خاص، إرادة، هدف"، لذلك لا ينبغي ان نتوقع ان يكافحوا لإنجاز "اخلاق مثالية" كما تدّعي الأديان. نحن كلنا جزء من كل أكبر. الحكم على شخص واحد يعني الحكم على الكل، ونحن لا نستطيع الحكم على الكل طالما "لا شيء يوجد منعزلا عنه". أخيرا، هو يقف بالضد من مفهوم "الله " ويعتبره "اكبر تحدّ للوجود".

***

حاتم حميد محسن

في المثقف اليوم