أقلام حرة
نهاد الحديثي: رمضان بين الإسراف وحفظ النعمة
يعيش المسلمون أجواء شهر رمضان المبارك المفعمة بالطمأنينة والسكينة، حيث تتجدد معاني الحياة والإنسانية والعطاء، ويستحضر جميع المسلمين مقاصد الصيام السامية التي لا تقتصر على الامتناع عن الطعام والشراب، بل تمتد إلى تهذيب النفس وتزكيتها، وتعزيز قيم الصبر والتراحم والانضباط، ومع ذلك، فإن أحد أهم الجوانب التي يجب التركيز عليها خلال هذا الشهر الفضيل هو الاعتدال في الأكل والمشرب. حيث إن الاعتدال في المأكل والمشرب، لا يحمي الفرد من الإسراف فحسب، بل يسهم في تعزيز الصحة العامة، ويقي الصائم -بإذن الله- من الإصابة بأمراض العصر المزمنة المرتبطة بالإفراط في الطعام والشراب، مثل ارتفاع نسبة الكوليسترول الضار في الدم، ومرض السكري، وأمراض السمنة وغيرها من المشاكل الصحية. كما أن الاعتدال في المأكل والمشرب، يَحد من مشاكل الهضم والكسل الناتج عن الإفراط في الطعام، ويحفظ الموارد الغذائية، ويحد من هدرها الذي يشكل عبئًا اقتصاديًا وبيئيًا عظيمًا على الاقتصاد العام وعلى ميزانيات العوائل والأسر،، وباتباع مبادئ الاعتدال والاعتراف بقيمة النعمة التي أنعم الله بها علينا، يُمكن للمسلم أن يحقق الاستفادة الكاملة من الصيام كعبادة تغذي الروح والجسد معًا، وتُترجم قيم الصيام إلى سلوكيات عملية تعود بالنفع على الفرد والمجتمع على حد سواء
إن الشهر الفضيل ليس مجرد فترة زمنية نمتنع فيها عن الطعام لساعات محددة، بل هو مدرسة إيمانية متكاملة تُعلّم الإنسان كيف يضبط سلوكياته، ويوازن بين إنفاقه واحتياجاته من المأكل والمشرب، بما يحقق المحافظة على النعمة ويصونها من الهدر، لكيلا ينتهي بها المطاف في صناديق النفايات، إكرام النعمة وحسن تدبيرها ليس سلوكًا حضاريًا فحسب، بل هو واجب ديني وأخلاقي يحفظها من الزوال ويجعل شكرها عمليًا قبل أن يكون قولًا.
لقد أراد الإسلام من الصيام أن يكون تدريبًا عمليًا على الاقتصاد في الاستهلاك، واستشعار قيمة النعمة، وتعزيز الشعور بمعاناة المحتاجين، ولذلك جاء التوجيه القرآني والرباني الواضحين: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا"، ليؤسس لمنهج متكامل في التعامل مع الطعام والشراب، يقوم على التوازن والوعي والمسؤولية،، فالاعتدال في المأكل والمشرب في شهر رمضان ليس خيارًا صحيًا فحسب، بل هو متطلب والتزام ديني، للمحافظة على الصحة العامة، وتجنب الهدر الغذائي
الوعي المجتمعي ضروري لتفهم الامن الغذائي، واهمية التوازن في شراء المواد الغذائية، مع التأكيد بأن الجميع مسؤول عن ظاهرة الهدر الغذائي وآثارها السلبية على الصحة والبيئة والاقتصاد، الاسرة يجب ان تفهم وتشجع الافراد على مشاركة تجاربهم وممارساتهم اليومية في حفظ النعمة وتجنب إهدارها، بما يسهم في ترسيخ ثقافة مجتمعية قائمة على المسؤولية والاعتدال
***
نهاد الحديثي






