أقلام فكرية

بدر الفيومي: الصراع بين المتكلمين والفلاسفة.. بين دعوى القطيعة وواقع التداخل

حين نتناول في حاضرنا المعيش مسألة ما سُمّي بالصراع بين المتكلمين والفلاسفة، نجد أننا لابد أن نمرّ عبر غرابيل التحقيق التاريخي، لا عبر تمثلات الوعي الجمعي التي تراكمت عبر القرون حتى صارت أقرب إلى مسلمات لا تُناقش. ذلك لأن الصورة السائدة في أذهان بعض الدارسين تقدّم مشهدًا ثنائيًا حادًا بين فلاسفة مجترئون على النص، ومتفقهون حراسٌ للعقيدة يتصدّون لما يعتبرونه إخلالًا بأصول الإيمان. غير أن هذه الصورة، تقودنا إلى زيغٍ منهجي إذا سلّمنا بها دون تفكيك وتحليل.

 وقد استُحضرت عبارة أبو حامد الغزالي في مقدمة تهافت الفلاسفة عند وصفه لهم بأنهم نبذوا وظائف الإسلام وراء ظهورهم بوصفها دليلًا على قطيعة تامة بين نسقين متنافرين. غير أن من يقرأ المشروع الغزالي قراءةً كاملة عبر غرابيل التحليل يجد أنه في مقاصد الفلاسفة عرض المذهب الفلسفي عرضًا دقيقًا منضبطًا، حتى قيل إن من لم يطالع هذا الكتاب ظن صاحبه فيلسوفًا لا ناقدًا للفلسفة. وإذا ما حاولنا أن نقرأ المنقذ من الضلال وجدنا الغزالي يصرّح بأنه خاض في علوم القوم (حتى اطلعت على منتهى علومهم)، وأنه لم ير في رياضياتهم وطبيعياتهم ما يخالف الشرع. فهل كان الأمر صراع استئصال، أم تقويمًا من داخل النسق؟.

ولذلك فإن حكم الغزالي بتكفيرهم انحصر كما هو معلوم في ثلاث مسائل محددة (قدم العالم، وإنكار علم الله بالجزئيات، وإنكار المعاد الجسماني). فكيف تحوّل خلافٌ في ثلاث قضايا ميتافيزيقية إلى سردية صراع شامل بين الكلام والفلسفة؟، حيث يعد ذلك اجتزاء للحظة جدلية من سياقها وتحويلها إلى معيار لتاريخٍ بأكمله، وهو مسلك المجتزئين الذين يتعمدون تثبيت صورة حدّية تخدم أغراضًهم لاحقة.

وإذا ما انتقلنا إلى الطرف الآخر، وجدنا ابن رشد في تهافت التهافت يقرر أن (الحكمة صاحبة الشريعة والأخت الرضيعة لها)، وأن (الحق لا يضاد الحق بل يوافقه ويشهد له). أليست هذه العبارة وحدها كافية لتقويض الصورة النمطية التي تُقدّم الفيلسوف بوصفه مناقضًا لبنية الإيمان؟. حيث يجعل ابن رشد النظر العقلي واجبًا شرعيًا، ويؤكد أن البرهان القطعي إذا قام وجب تأويل الظاهر، لأن النسق عنده لا يحتمل تعارضًا حقيقيًا بين العقل الصريح والنقل الصحيح.

وهذا يؤكد أن الخلاف لم يكن في أصل الاحتكام إلى العقل، بل في ترتيب مراتبه وحدود تأويل النص. فالغزالي يرى أن البرهان الفلسفي في مسألة قدم العالم ظني لا يقاوم القطع السمعي، ومن ثم لا يجوز تأويل النص القطعي لأجل دليل ظني. بينما ابن رشد يرى أن البرهان إذا بلغ رتبة القطع وجب تأويل النصوص التي يظهر تعارضها معه. وهذا اختلاف في النهج، لا حرب على العقل ولا تمرد على الوحي، كما تُصوِّره ثنائية الصدام السائدة.

وإذا ما حاولنا أن نفكك مسألة (قدم العالم) بوصفها النموذج الأكثر استدعاءً في سردية الصراع، وجدنا أن الغزالي حين قال (إن قولهم إن العالم قديم كفر صريح)، لم يكن يرفض العلية أو البرهان العقلي من حيث هو، بل كان يعترض على صياغة ميتافيزيقية تنفي الحدوث الزماني الذي يفهمه من ظاهر النص. وفي موضع آخر يقول (الاقتران بين ما يعتقد في العادة سببًا وما يعتقد مسببًا ليس ضروريًا)، وهو بذلك لا يلغي العقل، بل ينقل مفهوم الضرورة من الحتمية الفلسفية إلى الإمكان المتعلق بالمشيئة الإلهية.

أما ابن رشد، فإنه يميز بين القِدم الزماني والقِدم الذاتي، ويرى أن العالم معلول لله على نحو دائم، وأن القول بقدم العالم لا يناقض كونه مخلوقًا لله من حيث العلية. فهل نحن أمام مجدفين ينكرون الخلق؟، أم أمام متأولين يعيدون تفسير معنى الخلق؟، ولذلك فإن تجاهل هذا الفرق الدقيق يقودنا إلى زيغ في الفهم، ويغذي خطاب المشككين كما يغذي خطاب المتأسلمين المتشددين.

نجد كذلك أن المتكلمين أنفسهم خاصة في طورهم المتأخر تشربوا أدوات الفلاسفة. كـفخر الدين الرازي في المحصل والمطالب العالية حيث استعمل مفاهيم (الإمكان والوجوب والجوهر والعرض) بمنهج قريب من ابن سينا، بل وصف بعض كلامه في الإمكان بأنه متين. فهل يمكن بعد ذلك أن نتحدث عن قطيعة؟. أم أننا أمام تداخل نسقي يبدوا - لمن يقرأ بإنصاف - أقرب إلى حوار داخلي منه إلى مواجهة استئصالية؟.

بل إننا نجد عند ابن تيمية في (درء تعارض العقل والنقل) نقدًا مزدوجًا للفلاسفة والمتكلمين معًا، لأنه رأى أن الفريقين بالغوا في التجريد، وهو يقرر أن (صريح المعقول لا يعارض صحيح المنقول). هنا تتشكل نسقية ثالثة لا تلغي العقل ولا تجعله حاكمًا مطلقًا، بل تسعى إلى إعادة ضبط العلاقة بين البرهان والنص. أليس في هذا ما يدل على أن الخلافات كانت داخل الفضاء نفسه، لا خارجه؟. ولذلك فما جرى تضخيمه لاحقًا لم يكن في أصله مواجهة بين إيمان وكفر، ولا بين عقل ونقل، بل خلافًا في حدود التأويل وترتيب الأدلة.

غير أن التحولات المؤسسية والسياسية أعادت تشكيل هذا الجدل في صورة صراع، خاصة حين احتاجت بعض النسقيات إلى تثبيت شرعيتها التعليمية، فصوّرت الجدل بوصفه انتصارًا نهائيًا لنسقٍ على آخر. ومع مرور الزمن، ترسخت هذه الرواية في الوعي الجمعي، وتلقفتها شبيبة الحركات الفكرية في حاضرنا المعيش، كلٌ وفق موقعه من النسق السائد.

ناهِيك عن أن القراءة النهضوية الحديثة جعلت من ابن رشد رمزًا للعقلانية المجهضة، ومن الغزالي سببًا في (إغلاق باب الفلسفة)، وهي قراءة يغلب عليها الطابع الأيديولوجي، لأنها تتجاهل استمرار الفلسفة بعد الغزالي، كما تتجاهل تشرب الكلام المتأخر لمناهج الفلاسفة. وهكذا أُعيد تشكيل التاريخ وفق حاجات اللحظة، وهو ما يقودنا إلى زيغ في الفهم يغفل تعقيد المشهد، ويستبدل التاريخ الحيّ بسردية مؤدلجة.

وإذا ما حاولنا أن ننظر إلى التجربة الإسلامية في ضوء المقارنة الحضارية، نجد أن التوتر بين النسق العقدي والفلسفة لم يكن خاصًا بها، بل كان حاضرًا في حضارات أخرى، ولم يُقرأ دائمًا بوصفه حربًا بين أضداد، بل بوصفه توترًا خلّاقًا داخل النسق ذاته. وحري بنا أن نقرأ تاريخنا بعين متزنة، لا بعين المشككين الذين يرون في كل اختلاف دليلاً على الانغلاق، ولا بعين المجدفين الذين يتعمدون إثارة القطيعة.

وذلك لأن التاريخ الفكري لا يسير على خط مستقيم من صراع إلى انتصار، بل يتحرك في نهوج متعددة، تتداخل فيها المصالح المؤسسية والسياسية مع الجدل العلمي. والنسق الكلامي لم يكن خصم العقل، بل محاولة لإدماجه ضمن نسقية عقدية تحفظ مرجعية النص. والفلسفة لم تكن خروجًا عن الإيمان بالضرورة، بل سعيًا إلى تأويل المعقول في أفقه.

وصفوة القول فإن ما سُمّي بالصراع بين المتكلمين والفلاسفة كان جدلًا معرفيًا تأويليًا داخل فضاء حضاري مشترك، جرى تضخيمه لاحقًا بدوافع نسقية ومؤسسية. نعم، اشتدّ الخطاب أحيانًا، وظهرت عبارات تتهم بالمروق والتجاوز، غير أن البنية العميقة تكشف عن تداخل لا عن قطيعة، وعن توترٍ خلّاق لا عن انشطار وجودي.

ولذلك فإن إعادة الاعتبار لهذا التعقيد ليس ترفًا أكاديميًا، بل ضرورة منهجية، لأن قراءة الماضي عبر غرابيل التحقيق تحررنا من أسر ثنائيات موروثة، وتمنعنا من إعادة إنتاج سرديات تخدم المشككين حينًا أو المتأسلمين المتشددين حينًا آخر. وما لم نفعل ذلك، سنظل أسرى صورٍ صنعتها ظروف غير ظروفنا، فنقع - من حيث لا نشعر - في زيغ القراءة ونحن نظن أننا نحسن الفهم.

***

بقلم:  د. بدر الفيومي

 

في المثقف اليوم