عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

رمزي ميركاني: مرايا الصمود

تجليات القضية الفلسطينية في الأدب والفن

تُعد القضية الفلسطينية حجر الزاوية والوجدان النابض في الأدب العربي الحديث والمعاصر؛ فهي ليست مجرد صراع على جغرافيا، بل هي ملهمة كبرى شكّلت وعي الشعراء والروائيين والنقاد، وتحولت في نتاجهم من قضية محلية إلى مأساة إنسانية كونية تنطق باسم الحق والعدل.

 الشعر: ديوان الثورة وسجل المقاومة

وُلد شعر المقاومة من رحم النكبات المتتالية، ليكون سلاحاً دفاعياً يحمي الهوية من الطمس. وقد برز في هذا الميدان عمالقة حولوا القصيدة إلى بطاقة تعريف وطنية. فنجد (إبراهيم طوقان) الذي صاغ بكلماته نشيد (موطني)، مجسداً الجلال والجمال في ربى فلسطين، بينما كان (عبد الرحيم محمود) يستشرف ببعد نظره ضياع الأقصى في قصيدته الشهيرة (نجم السعود)، قبل أن يصدق قوله فعله ويستشهد في معركة الشجرة عام 1948.

وفي تطور لاحق، برز ثلاثي المقاومة داخل الأرض المحتلة: (محمود درويش، سميح القاسم، وتوفيق زياد). هؤلاء الذين ارتبطت تجربتهم بالصمود الميداني؛ فدرويش نقل القضية من الحماسيات الضيقة إلى فضاء العولمة الإنسانية، جاعلاً من الجرح الفلسطيني وجعاً لكل ذي ضمير حي. أما توفيق زياد، فقد غرس في الوعي العربي عبارته الخالدة "هنا باقون كالجدار"، متحدياً محاولات التهجير. وفي المقابل، يبرز تيار شعراء الثورة (المناصرة، دحبور، بسيسو) الذين ارتبطوا بمنظمة التحرير وفلسفة الكفاح المسلح، حيث أضاف عز الدين المناصرة بُعداً حضارياً تاريخياً عبر الكنعنة، موثقاً الهوية الفلسطينية في عمقها التاريخي.

ولا يمكن إغفال صوت المرأة، متمثلاً في (فدوى طوقان)، شاعرة فلسطين، التي مزجت بين الوجدان الذاتي والثورة، وجعلت من شعرها جسراً للتمسك بالأرض، معبرةً عن رغبتها في أن تُبعث "عشباً أو زهرة" على تراب بلادها.

 السرد: توثيق الذاكرة ومواجهة النسيان

إذا كان الشعر هو صرخة الوجدان، فإن الرواية هي ديوان الذاكرة الذي أرّخ للمحطات الكبرى من النكبة إلى الانتفاضة. (غسان كنفاني)، في روايته الخالدة (عائد إلى حيفا)، لم يكتب مجرد قصة لاجئ، بل طرح أسئلة فلسفية عميقة حول الهوية والانتماء، معتبراً أن الوطن ليس مجرد ذكريات. وفي السياق الملحمي، تبرز "زمن الخيول البيضاء" لـ(إبراهيم نصر الله)، التي لُقبت بـ(الإلياذة الفلسطينية) لتوثيقها الدقيق للحياة الاجتماعية والسياسية قبل النكبة.

أما (مريد البرغوثي) في "رأيت رام الله"، فقد قدم سرداً ذاتياً يبتعد عن الأسطرة، ليرصد واقع المدينة بعد اتفاقيات أوسلو بأسلوب ساخر وناقد. وفي الأدب المعاصر، نجد (سوزان أبو الهوى) في روايتها (بينما ينام العالم) التي صدرت بالإنجليزية أولاً، حيث نقلت المأساة الفلسطينية عبر ثلاثة أجيال إلى القارئ الغربي، محطمةً جدران الصمت العالمي.

 القدس: مكان الزمان ومركز السرد

ظلت القدس حاضرة بقوة، ليس فقط كرمز ديني، بل كفضاء مكاني وتاريخي. برز من أبنائها قاصّون مثل (محمود شقير وخليل السواحري)، اللذين وثقا حياة المدينة وبشرها وعاداتها تحت وطأة الاحتلال. كما شارك روائيون عرب، مثل (رضوى عاشور) في (الطنطورية)، في تخليد المأساة الفلسطينية، معتبرين أن الدفاع عن فلسطين هو دفاع عن الذات العربية برمتها.

 الكاريكاتير: سلاح الريشة وحنظلة الشاهد

لم يكن الأدب وحده الميدان؛ فقد لعب الفن التشكيلي والكاريكاتير دوراً تحريضياً وتنظيمياً. ويظل (ناجي العلي) الأيقونة الأبرز، الذي حوّل الكاريكاتير من وسيلة تسلية إلى فعل سياسي مقاوم. (حنظلة)، ذلك الطفل الذي يدير ظهره للعالم، أصبح توقيعاً للفلسطيني الرافض للتنازل ورمزاً للهوية التي لا تهرم. ورغم اغتيال العلي، إلا أن ريشته ظلت حية في أعمال فنانين مثل (محمد السباعنة وخليل أبو عرفة)، الذين واصلوا فضح ممارسات الاحتلال وتوثيق معاناة الأسرى.

 خاتمة: الأدب كفعل وجود

إن الأدب الفلسطيني، بكافة أطيافه من شعر ورواية وكاريكاتير، لم يكن مجرد ترف فكري، بل كان فعل وجود وممارسة يومية للمقاومة. لقد نجح المبدعون الفلسطينيون والعرب في تحويل النكبة من حالة انكسار إلى طاقة إبداع عالمية، مؤكدين أن الحقوق التي يوثقها الأدب وتصونها الذاكرة الجمعية هي حقوق عصية على النسيان أو التزوير، وأن الكلمة ستظل دائماً هي الجدار الأخير في مواجهة محاولات الإلغاء.

*** 

رمزي ميركاني

في المثقف اليوم