عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام فكرية

أقلام فكرية

علي رسول الربيعيتمثل الديمقراطية قمة للفلسفة السياسية، يرتبط فهمها ارتباطًا وثيقًا بمفهوم الاجتماعي. لذلك من المنطقي أن نسأل عن الديمقراطية في إطار الفلسفة الاجتماعية. لا يتعلق الأمر هنا بمسألة إلقاء الضوء فلسفيا على أسئلة محددة ومفصلة عن تصميم النظام الديمقراطي، بل بالأحرى بالأسس الاجتماعية الفلسفية للديمقراطية. وذلك من اجل فهم  ماتعبر عنه هذه الأسس للتواصل السياسي (الإجماع مقابل الخلاف)، ومعالجتها للتطورات العالمية الحالية (الدولة مقابل المجتمع العالمي) واستجابتهم للرقمنة (الرقمية مقابل التناظرية).

لقد أصبحت هذه المسائل أكثر أنتشاراليوم على خلفية القضايا السياسية الأكثر أهمية وراهنية. يبدو نموذج الديمقراطية غالبا في هذا السياق حتى يومنا هذا بوصفه أفضل شكل ممكن للحكم السياسي. ومع ذلك، فإن الظواهر السياسية والاقتصادية والثقافية الحالية تتحدى الديمقراطية كمفهوم نظري وكشكل من أشكال التنظيم السياسي. تتنوع هذه التحديات مثل: تعقيد التطورات الاجتماعية في مجال الرعاية الصحية سواء في دول العالم الراسمالي او الدول الاخرى القل تطورا، ظاهرة "المواطنين الغاضبين" الذين يعبرون عن خيبة أملهم من خلال في مظاهرات غاضبة؛ أو الجهود الكبيرة التي تبذلها أغلبية دول العالم لمحاربة الأزمة المالية واثرها على حياة الناس، حيث يبدو تأثير الدولة الديمقراطية خاضعًا للقيود الاقتصادية؛ وأخيرًا الاختلاف المتزايد بين المخولين باتخاذ القرارات والمتأثرين بالقرارات في ضوء المشكلات العالمية.

أدت كل هذه الظواهر إلى فتح  نقاش حول أزمة الديمقراطية. لكن لا ينبغي المبالغة في هذه المناقشات حول الأزمة، لأن تصور الأزمة قد رافق الديمقراطية لأكثر من 2000 عام، فهي  ربما جزء من مسار الديمقراطية نفسها الى حد ما. يميز ميركل[1] بين نموذجين قويين يمثلان، إلى حد ما ، أقطاب النقاش: نموذج الحد  الأدنى ويركز على الانتخابات الحرة والمتساوية، ونموذج  الحد الأقصى الذي يدمج سرديات العدالة الاجتماعية أو المواطنة النشطة أو المؤسسات في مفهوم الديمقراطية. ففي رأيه تكون نتائج الأزمة أكبر كلما زاد فهم الديمقراطية. واستنادًا إلى كلا النموذجين، لم يكن هناك عدد من الديمقراطيات المستقرة كما هو الحال اليوم. ومع ذلك، تكمن المشكلة في أن السكان عادة ما يكون لديهم مستوى عالٍ من الثقة في الإدارة والشرطة والقضاء فقط، في حين تتعرض المؤسسات الأساسية للديمقراطية التمثيلية (مثل الأحزاب السياسية) لانتقادات شديدة. تعمل الشعوبية بشكل خاص في أشكالها المختلفة حاليًا على تكثيف هذا النقد للديمقراطية. هذه خلفيات مهمة للنقاش الذي اثيره هنا.

إجماع أم نزاع

يتعلق أول تمييز مهم للفلسفة الاجتماعية بمسألة أي شكل من أشكال التواصل السياسي له أهمية خاصة في الديمقراطية. يلعب راولز وهابرماس من ناحية، ومن ناحية أخرى، الديموقراطيون الراديكاليون مثل شانتال موف أو بتلر دورًا مهمًا في هذا. حيث يمكن لأفكارهم (على سبيل المثال المصممة أيديولوجيًا) عن الحياة الخيرة أن تكون جزءًا من العملية السياسية. كان راولز قد حدد بالفعل حقيقة التعددية كنقطة انطلاق لفلسفته، لكنه طالب بعد ذلك بأولوية الحق والعدالة على الخير، وبالتالي لم يأخذ في الحسبان الأفكار التعددية للخير أو الحياة الناجحة. إن السمات المركزية للاستخدام العمومي للعقل بالنسبة لراولز،على هذه الخلفية، هي المعاملة بالمثل والفهم العام للقناعات المقدمة.

إن المذاهب الشاملة أو وجهات النظر العالمية، بالنسبة لراولز، هي تعليمات للحياة الخيرة، لا يمكن استخدامها علنًا  أو في المجال العام إلا إذا اجتازت مرشح العقل العملي وقبلت أولوية الحق على الخير.[2] لا يمكن للمذاهب الشاملة أن تساهم بشيء ما في الخطاب السياسي إلا إذا كانت قد مرت بعمليات ترجمة مناسبة. إن رؤى العالم التي لا تريد الالتزام بحد الاستخدام العام للعقل "أو غير قادرة على التعامل معه، لا تستطيع أن تلعب دورًا نشطًا داخل مجتمع منظم جيدًا".[3]

يرى راولز أنه يمكن أيضًا أن ندع المفاهيم الاجتماعية للعدالة تتأثر بالعقائد الشاملة، لكن ينبغي تجريدها من ذلك في الخطاب العمومي ، ايً الخطاب في المجال العام. لذلك يطالب راولز بالطبيعة الملزمة لعقد افتراضي من وجهة نظر غير حزبية ويطالب بالاحترام المتبادل في الخطاب العمومي، حيث يدين جميع المواطنين لبعضهم البعض بأسباب لتفهم لمعتقداتهم بشكل عام. فالمداولات الديموقراطية، بالنسبة له، تهدف إلى إعطاء وأخذ الأسباب التي من المحتمل أن يفهمها جميع الناس وتمثل الإجماع المتداخل أو توافق الآراء المتداخلة بين هذه المواقف.

هناك أمورًا مركزية مشتركة بين راولز وهابرماس في هذا السياق حتى لو اختلفت مقارباتهما في العديد من النواحي. يدعو هابرماس على أساس أخلاقيات الخطاب التي تم تحديدها بالفعل ، إلى تبادل معقول للحجج في المجال السياسي أيضًا ، والتي تنشأ من مفهوم العقل التواصلي. أظهر هابرماس في العديد من الكتابات كيف يمكن تطبيق هذه الرؤية الفلسفية سياسيًا. إن الديمقراطية التداولية هي الشعار الذي يقف فوق هذه الاعتبارات. يريد عند القيام بذلك ، أن يميز نفسه عن المواقف الليبرالية التي تؤكد على البعد الاجتماعي بشكل ضئيل للغاية والتي من الواضح أن السياسة فيها لا تضع في الاعتبار سوى حماية أو إنفاذ المصالح الخاصة.

تسعى الديمقراطية التداولية، في المقابل، إلى إضفاء الطابع المؤسسي على عمليات الرأي وصنع القرار، والتي يشارك من خلالها أكبر عدد ممكن من الناس في المجتمع في المناقشات حول المسائل الحاسمة للعيش المشترك. يضمن المجال العام الطبيعي و العفوي واللامركزي تعددية الآراء. يتبنى هابرماس عند القيام بذلك، أيضًا، أفكارًا براغماتية من حيث اهتمامه بتنوع الممارسات الاجتماعية التي تشكل أساس العمومي، وبالتالي للحوار والتفاوض السياسي.[4]

إن الهدف من مثل هذه الإجراءات هو إجماع معقول ومتولد بشكل تواصلي. إن هذه هي الطريقة الوحيدة، بالنسبة له،لإضفاء الشرعية على القرارات السياسية من أجل تعايشنا وحث الناس على دعمها في بيئتهم المعيشية. يغير هذا شرعية الإجراءات الديمقراطية في نهاية المطاف أيضًا. لا تعني الديموقراطية - حسب هابرماس - فقط أن السياسيين المنتخبين يالذين تحكمون في العمليات الاجتماعية ، بل تعني اعتبارًا خاصًا للمجتمع المدني أيضًا.

"فلم تعد قدرت العملية الديمقراطية على إضفاء الشرعية وحدها، ولا حتى في المقام الأول، من المشاركة والتعبير عن الإرادة، ولكن من الوصول العام لعملية تداولية" التي تسمح بتوقع نتائج مقبولة عقلانيًا. يغير هذا الفهم النظري لخطاب الديمقراطية المتطلبات النظرية لشروط شرعية السياسة الديمقراطية.[5]

إن مثل هذا الفهم للسياسة القائمة على أخلاقيات الخطاب هو ماينكره الديمقراطيون الراديكاليون. ترتبط في هذه النظرية، التي تتبع بالمعنى الأوسع فلسفة هيجل الاجتماعية، خطوط مختلفة من التقاليد مثل  عناصر من ماركس أو أنطونيو جرامشي أو دريدا. تمثل النظرية الراديكالية للديمقراطية، في المناقشة الحالية، نقيضًا مهمًا للنظرية الليبرالية للديمقراطية، وسنبين  من خلال النظر في اقتراحات موف كمثال.

تتميز الديمقراطية، في تفسير موف، بطبيعة متناقضة لا يلتقطها التيار الليبرالي السائد. المفارقة هي أن الديمقراطية تجمع بين وجهين متعارضين ظاهريًا، وهما الحرية الفردية ومبدأ المساواة. وتعتبر أن التوتر بين الجانبين لا يمكن التغلب عليه حيث يمثل  وفي الوقت نفسه قوة دافعة مركزية للديمقراطية.

طورت موف جنبا إلى جنب مع إرنستو لاكلو أساسًا اجتماعيًا فلسفيًا لاعتباراتهم الديمقراطية النظرية في وقت مبكر من الثمانينيات.[6] يظهرالمجتمع فيها كشكل معقد من الخطاب،ويبدو هنا تاثرهم بمنهج  فوكو التحليلي للخطاب. لا ينشأ المعنى، بالنسبة لموف، من خلال الإشارة إلى العالم الخارجي، ولكن في الخطابات الاجتماعية والسياسية فقط. فالخطاب هو مجموع اجتماعي يتغير ديناميكيًا باستمرار. إنهم يعتقدون بسبب هذه الديناميكية وعدم القدرة على تثبيت المجتمع على معنى واحد، أن المجتمع دائمًا غير مستقر وهش. لهذا السبب توجد دائمًا حجج جديدة حول ترسيخ أو تثبيت الخطابات؛ وهذه هي السمة المركزية للسياسة.

تشرح موف هذه الاعتبارات من خلال اللجوء إلى الفلسفة السياسية ونظرية كارل شميت تحديدا، أحد أكثر الفلاسفة الاجتماعيين إثارة للجدل في القرن العشرين. فالسمة المركزية للسياسة بالنسبة لشميت، هي التمييز بين الصديق والعدو. فيتشكل المجتمع من خلال الهويات الجماعية التي تستبعد بعضها البعض بالضرورة وبالتالي تتقاتل. ينتقد شميت الليبرالية لأنها: أولاً، تركز كثيرًا على الفرد وتتجاهل تلك الهويات الجماعية، وثانيًا، تبالغ في تقدير إمكانات الاتحادات الاجتماعية.[7]

تتعاطف موف مع فهم الديمقراطية بوصفها تعددية فيما يتعلق بالنضالات السياسية، لكنها أنتقدت شميت ايضا لأن تميل أعتباراته نحو شكل شمولي للمجتمع. هذا هو السبب في أنها تدعو إلى التحول من العداء إلى نوع من الخصام بوصفها نظرية سياسة تؤكد على الجوانب الإيجابية المحتملة لأشكال معينة من الصراع، وتسعى لإظهار كيف يمكن للأفراد قبول هذا الصراع وتوجيهه بشكل إيجابي.  فترى أنه في الديمقراطيات يمكن محاربة المواقف بديلا عن مفهوم العداء؛ حيث "لكل فرد الحق في تمثيل مواقفه بشكل قوي وعاطفي. فيكون الخصم هنا عدو شرعي، يقبله المرء على الأقل موجودًا و إنه جزء مبررمن النضال السياسي.

تنتقد موف، مع هذا المفهوم للديمقراطية الراديكالية،الفهم الليبرالي للديمقراطية. فمن وجهة نظرها ، يرى مفكرون مثل هابرماس أن القليل جدًا من السياسة هو ساحة للنضال العام. إنها لا تفهم هذا الصراع على أنه صراع بين الأفراد، ولكنه صراع داخل حقائق خطابية، أيً بين علاقات القوة/ السلطة المنظمة بشكل  خطابي.

وتوجه موف نقطة ثانية من النقد إلى المفكريين الليبراليين: أذ تتجاهل النظريات الليبرالية للديمقراطية، في رأيها، الروابط داخل المجتمع. إنها تؤكد على غرار فالزر،[8] على لحظة العاطفة، التي تفسرها بوصفها محرك للعمليات الديمقراطية. "تتمتع السياسة دائمًا  ببُعد من الحزبية العاطفية وهذا بالضبط ما هو مفقود في تمجيد للديمقراطية غير المتحمسة وغير المتحيزة اليوم ".[9] تدور نظريات الديمقراطية الراديكالية حول نقد أساسي للفهم الليبرالي للعقل. فيشير المفكرون ذوو الطابع الليبرالي، وفقًا لتقدير موف، إلى مفهوم شكلي ولكنه قوي للعقل الذي يريد ربط التعددية الاجتماعية بالوحدة. وضرب هابرماس مثلا على ذلك أيضًا من مفكرين ما بعد الحداثة مثل Wolfgang Welsch ، الذي "يريد أن يربط التعددية بالوحدة، على الرغم من أنه لم يعد قادرًا على كشف كيف  أنه مازال من الممكن تصور هذه الوحدة".[10] وهكذا يتم دفع تعددية الآراء الاجتماعية (على أنها غير معقولة) إلى المجال الخاص. يمكن تمثيل ذلك من خلال اعتبارات هابرماس حول المجتمع ما بعد العلماني، حيث يعتبر المعتقدات الدينية مبهمة وبالتالي يتم تفسيرها جزئيًا في البيئة الأخلاقية الخاصة.[11] تسير تأملات راولز حول التعاليم الشاملة في اتجاه مشابه جدًا. تعكس هذه الاعتبارات مرة أخرى من منظور الديمقراطية الراديكالية ،انخفاضًا في قيمة التعددية، والذي يرتبط أيضًا بالتمييز الليبرالي (الذي يجب انتقاده) بين الخاص والعام.

إن هذا له تأثير أيضا على مسألة البُنى الديمقراطية العالمية. بينما يؤمن المفكرون التداوليون بالحجة العقلانية لبناء مؤسسات عالمية مشتركة، يركز آخرون مثل موف على أهمية  الأخذ في الحسبان  الخلافات والنزاعات بين مختلف الجهات الفاعلة على المستوى العالمي وفي مناطق محليًة.[12] ومن الأمثلة على ذلك تركيزهم على تعددية النماذج الديمقراطية في مناطق مختلفة من العالم.

تشير العديد من مناهج الديمقراطية الراديكالية، من الناحية الفلسفية، إلى دريدا. حيث يفسر الديمقراطية التوافق مع تفسيره للقانون كشيء قادم، فيصفها بأنها "ديمقراطية قادمة".أيً  يشير " إلى إمكانية جذرية لانتقاد وإعادة صياغة العلاقات السياسية القائمة. فالديمقراطية وعد يجب خلقه وتجديده مرارًا وتكرارًا في الخطاب الاجتماعي. فتعني قادمة أن الديموقراطية رؤية تتغير أو تتجدد من قبل الناس كل يوم. شيء يجب العمل من أجلها. هناك ضرورة ملحة لأن العمل على الديمقراطية القادمة لا يمكن تأجيله.[13]

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

............................... 

[1] Merkel, W .: Is the crisis of democracy an invention? In: Reder, M./Cojocaru, M.D. (Ed.), Future of Democracy: End of an Illusion or Departure to New Forms? Stuttgart 2014, 25-46

[2] Rawls, J.:Political Liberalism, ‎ Columbia University Press; 2005,133-135.

[3] Wallner, J .: Rawls and Religion. On the legal conception of religion in the work of John Rawls. In: Austrian Archives for Law and Religion (50 / 3-4), 2003, 554-587.

[4] Nida-Rümelin, J .: On the philosophy of cosmopolitanism. ln: Journal for International Relations (13/2), 2006, 227-234.

[5] Habermas, J.:The Theory of Communicative Action, Volume 2: Lifeworld and System: A Critique of Functionalist Reason.

[6] إرنستو لاكلو ، شانتال موف: الهيمنة والاستراتيجية الاشتراكية،ترجمة، هيثم الناهي، المنظمة العربية للترجمة، 2016.

[7] Mouffe, C.:On the Political, ‎ Routledge,2011. 

[8] Walzer.M.: Spheres Of Justice: A Defense Of Pluralism And Equality,Basic Books, 1984.

[9] Mouffe, C.:On the Political, ‎ Routledge,2011. 40-41.

[10] Welsch, W .: reason. The contemporary critique of reason and the concept of transversal reason. Frankfurt / M. 1995.139.

https://ecommons.cornell.edu/handle/1813/54

https://ecommons.cornell.edu/bitstream/handle/1813/56/Welsch_Reason_traditional_and_contemporary.htm?sequence=1

[11] https://socialtheoryapplied.com/2015/05/14/awareness-missing/

[12]https://philpapers.org/go.pl?id=MOUWWO&proxyId=&u=http%3A%2F%2Fwestminsterresearch.wmin.ac.uk%2F6633%2F1%2FMouffe_2008_header.pdf

[13] https://ces260jh.files.wordpress.com/2013/01/derrida-rogues-two-essays-on-reason.pdf

 

مجدي ابراهيملم يكن "ديكارت" ببعيد عن الصواب حينما أراد أن يمثل لمبدأ العقل بمجاز الشمس؛ لتشبيه مبدأ العقل كمبدأ أولي لكل العلوم؛ كالشمس في إشراقها وإشعاع نورها على الأشياء لتضيئيها؛ فكما تطل الشمس على العالم لتنيره فكذلك نور العقل يطل بإشراق المعارف ويقول "ديكارت" في كتابه قواعد لهداية الذهن، أو قواعد لتوجيه الفكر: "إذا أراد أحد أن يبحث عن الحقيقة؛ فيجب عليه ألا يدرس فكراً خاصَّاً؛ لأن العلوم جميعها متحدة فيما بينها، ويرتبط بعضها ببعض. واختلاف الموضوعات أمرٌ عرضي والضامن لمعرفتها واحد وهو وحدة العقل والحقيقة". فهذه الوحدة العقلية إنما هى نور العقل الذي هو كالشمس في إشراقها تطل على العالم لتنيره، وكذلك يطل العقل بنوره بالعلوم والمعارف فيكشف وحدتها وينير غسقها ويجمع شتات ما تفرّق منها ويلم جزئياتها وتفاصيلها تحت مبدأ كلي معرفي عام. 

ــ المراجعة منهجُ فلسفي:

وربما جهل كثيرون أهميّة المراجعات الفلسفية من طريق جهلهم بتطبيق القاعدة الرابعة والأخيرة من قواعد المنهج الديكارتي؛ الأمر الذي لفت انتباه المفكرين المعاصرين إلى خلوّ الساحة القلمية الفكرية من أمثال هذه الدراسات، وكشف كتاب المفكر البارز الدكتور عصمت نصّار، أستاذ الفلسفة الإسلامية والفكر العربي بآداب القاهرة : "مراجعات فلسفية في الفكر العربي الحديث" (الصادر عن دار نيوبوك للنشر والتوزيع في طبعته الأولى بالعام 2018م)، عن هذه اللفتة الغائبة، فصدّر مقدّمة كتابه بتصدير وافٍ عن مصطلح المراجعات، إذْ قال: لم يشغل مصطلح المراجعات الفلسفية (Revisions Philosophy) موقعه الذي يستحقه على مائدة البحث الفلسفي، ولم تدرجه معظم المعاجم المتخصصة ضمن موادها. وذلك على الرغم من عنايتها بالمصطلحات التي انبثقت منه أو احتواها في جوفه، مثل الشرح والتفسير والتأويل والتأكد من سلامة أسس المناهج والرؤى النقدية للقراءات المعاصرة؛ فجميع تلك المصطلحات لا تعدو أن تكون ماصدقات لمفهوم المراجعة" (ص 11).

وراح يشرح منزع النهضويين والمجددين من الفلاسفة بداية من "هيرقليطس" إلى "جاك دريدا"، وتوكيدهم على أن القيمة الحقيقية للعقل تكمن في قدرته على المراجعة الحرة؛ ولأن العقلية الناقدة هى وحدها العقلية القادرة على المراجعة حتى إذا وجد العقل كان النقد ضرورة لازمة له، يأتي بمنأى على أية سلطة سابقة حدّدت معاني الكلمات وفسّرت العبارات وأوّلت النصوص ووجهت القراءات.

يعمل النقد بمعزل عن السلطات، وهو لا يعمل إلا بمراجعة فاحصة متأملة.

وتعرّضت المقدّمة التي تصدّرت كتاب "مراجعات فلسفية" إلى قواعد فرنسيس بيكون وديكارت؛ وهما ينشدان العلماء بضرورة تطبيق آلية المراجعة، لاختبار معارفهم ومشاهداتهم. فمن الواجب مراجعة ما علق في الذهن من معارف وأخبار ومعتقدات قبل الشروع في تأسيس المعرفة العلمية على أسس حقيقية مستمدة من الواقع؛ فالعقل البشري أشبه بالمرآة التي لا تقوم بوظيفتها كاملة إلا إذا تم صقلها صقلاً تاماً حتى تزول عنها الأوساخ ثم توجيهها التوجيه المناسب نحو الضوء؛ الأمر الذي يمكنها من ظهور الشيء المراد رؤيته ظهوراً كاملاً على سطحها.

وهذا ينطبق على العقل؛ إذ يجب أولاً أن يبدأ الإنسان بتطهير عقله ممّا علق به من أوهام (كأوهام الكهف، والجنس، والمسرح، والسوق) التي حدّثنا عنها "بيكون"، والتي من شأنها أن تعوق تفكير العقل السليم حتى يمكنه التوجه نحو المعرفة اليقينية؛ ثم يمُكن العقل صاحبه من المعرفة الصحيحة بالفعل. وتكمن المراجعة في عمليتي تنظيف المرآة حتى لا ينعكس على سطحها أشياء غير موجودة في الواقع بفعل ما حاق بها من فساد، ثم مراجعة المعارف الذهنية المتوهمة التي أختزلها العقل دون تدقيق أو نقد أو شك.

للمراجعة ممّا لا شك فيه دور فاعل مُؤثر، وبالغ التأثير، في مجال كشف الحقيقة. وهى عند "بيكون" المدخل الرئيس الذي لا غنى عنه للوصول للحقيقة العلمية، والآلية الأقوم لتنقية الذهن من أوهامه.

وكما حدثتنا مقدمة كتاب "مراجعات فلسفية" لمؤلفه الدكتور عصمت نصار، عن "بيكون"، تحدثنا كذلك عن "ديكارت" بفحص ثلاث كتب منهجية (مقال في هداية الذهن، والتأملات، ومقال في المنهج) يتبيّن من خلالها وجوب مُراجعة المعارف الذهنية التي اختزلها العقل من الموروث الثقافي أو المعارف الحسية أو المقولات الذهنية غير المتسقة؛ وذلك عن طريق الشك في مصداقيتها ثم نقد سياقاتها من طريق خطوات أربعة: 

ــ أولها: عدم قبول الغامض والملتبس والمعتم من المصطلحات والأفكار والمعتقدات، وقبول ما هو واضح ومتميز بذاته، أي بديهي. ومعنى كلمة بديهي هنا أنها موصولة بالحدس؛ فكل ما هو بديهي إنما هو نتيجة حدس.

والحدس ـ كما علمنا فيما تقدّم ـ مرحلة أولية يأتي بعدها الاستنباط العقلي، ثم تحليل مضمون ما سلمنا بصحته من الأفكار، ثم إعادة ترتيبه.

ــ وأخيراً : مراجعة ما استقر العقل على صحته من حيث الشكل والمضمون، ثم إحصاء الأفكار الصحيحة وإدخالها ثانية في الذهن باعتبارها معارف معقولة وأقرب إلى اليقين منها إلى الشك. يقول "ديكارت" : لا أستطيع عندما يكون لديّ سلسلة من الروابط أن أحدّد بدقة إذا كنت أتذكرها كلها، لذلك يجب عليّ أن أعيد النظر فيها مرات عدّة بحركة ذهنية متصلة من حركات الفكر حتى إذا تصورت إحداها بالحدس والبديهة انتقلت منها إلى غيرها ... وهكذا إلى أن أتبين كيف يمكنني الانتقال من رابطة إلى رابطة بسرعة لا تدع مجالاً للذاكرة فأحصل بمثل هذا على حدس للكل في وقت واحد" (ص12من الكتاب المذكور).

ويقول في كتابه "مقال في المنهج" عن القاعدة الرابعة التي ذكرناها فيما تقدّم : أن أعمل في جميع الأحوال من الإحصاءات الكاملة والمراجعات الوافية ممّا يجعلني على ثقةٍ من أنني لم أغفل شيئاً يتصل بالمشكلة المعروضة للبحث" (ص 12).

ويحدّثنا في كتابه "التأملات" عن المراجعة باعتبارها ملكة ناقدة قادرة على الاستقصاء والتحليل والوصول إلى الحقائق متسقة الأجزاء، وتكشف في الوقت نفسه عن علة الأخطاء التي يمكن للذهن أن يقع فيها بفعل السلطات السائدة أو المعارف الزائفة. ويضيف "ديكارت" أن عملية الإثبات أو النفي والحكم على الأفكار التي يحتويها الذهن لا يمكن وقوعها إلا بإرادة حرَّة؛ فيقول :" لكي نثبت أو ننفي الأشياء التي يفرضها الذهن، ولكي نقْدِم عليها أو نحجم عنها، علينا أن نتصرّف بمحض اختيارنا دون أن نحسّ ضغطاً من الخارج يُملي علينا ذلك التصرّف". فحرية الإرادة من أجل هذا ركيزة أساسية من ركائز حركة الذهن في البحث عن الحقائق.

وصفوة القول : إنّ "ديكارت" لم ينظر لقاعدة المراجعة على أنها آلية للتأكد من صحة خطوات منهجه؛ بل كان أشمل وأوسع؛ إذْ جعل المراجعة الركن الرئيس لإثبات صحة الحكم والاستنتاج والاستنباط وإزالة اللبس والغموض من مفاهيمنا وأذهاننا؛ لكأنه يريد يقول إن في المراجعة رؤية يجب التنبه إليها، وذلك إذا ما توافر فيها خصائص هى : الأناة والرويّة، والشمول والإحاطة، والنظام والترتيب (ص :13).

ــ تكوين الرؤية الخاصّة:

يلزم للباحث العلمي في مجال العلوم الإنسانية؛ إذا هو طبق قواعد المنهج الفلسفي، أن يستخلص من وراء هذا التطبيق رؤية خاصّة. فقد سبقت الإشارة إلى أن جوهر البحث العلمي يكمن في إضافة الجديد واقتحام المجهول، وما دون ذلك ركود يتنافى مع المنهجية العلمية. وماذا عساه يكون الحال فيما لو كان البحث بحثاً فلسفياً، له شروطه وخصائصه في فحص المقروء والمكتوب؟

ولا جرم في أن منهج العلم يواجه الذات (ذات الباحث) ويعلو عليها، ويفرض قيوده صارمةً في خطواته المنهجية على البحث العلمي في سبيل الموضوع إذا كان يريد كشف الحقيقة وتكوين رؤية خاصّة بصاحبها؛ يتبيّن من خلالها تطبيق قواعد المنهج العلمي. وعلى هذا الأساس؛ لا يعرقل مسيرة البحث العلمي لدى الباحث المنهجي بما فيه من بعد أكاديمي غير كونه يركل الموضوعية منذ بداية طريق سيره في المنهج، ويظل يعبد مُقدِّساً ما يسمى بالبعد الذاتي، مع أن هذا الأخير ضرورياً في اختيار موضوع البحث والرجوع إلى ما يقرّره النص من مضمون يتفاعل مع الذات الباحثة؛ ليكوّن ـ من ثم ـ رؤية خاصّة بذات الباحث.

لكنه غير ضروري في بداية الطريق وغير ضروري أيضاً في إضفاء البعد الذاتي قبل موضوعية العلم؛ فيما لو أردنا تطبيق قواعد المنهج الفلسفي كما تبينت لنا فيما سبق؛ لأن العلم الذي يتعارف عليه مجموع الباحثين، لم يعد يعترف بأبعاد الذات بقدر ما يُخلي تماماً بينه وبين كل نزعة ذاتية أولية كشرط من شرائط الكشف عن الحقيقة في أول الطريق. وليس هنالك ما يشفي غُلة باحث سوى التسليم بضوابط البحث العلمي والفلسفي المتعارف عليها.

ولأجل هذا؛ كان من البديهي لكل بحث علمي جيد من أمرين : ترتيب المقدمات ترتيباً منطقياً خالياً من الخطأ والتشويش يسهل عليك وعلى كل ناظر بعدك إلى موضوع كموضوعك أن يستنتج النتائج من تلك المقدمات في صورتها الأخيرة.

ثم التنزه التام عن الأغراض والأهواء بدفع الشبهات؛ لأن الانقياد إلى الغرض مرض، وتحكيم الهوى في البحث العلمي باطل لا محالة، يخفي حقيقة ما عساه يتوصل إليه الباحث من نتائج أسفرت عنها مقدمات. وهو عينه المراد بالتخلي عن النزعة الذاتية وشوائب التعصب قبل الأخذ بالموضوعية الأمينة لمعالجة القضية التي يكون الباحث بصدد البحث فيها.

ولعلّ أهم السمات الخاصة ـ ولو فيما نراه نحن ـ بالباحث الأصيل، ذلك الذي ينفرد بين فئة الباحثين بقدرة الرد والتمحيص وقدرة الإقناع الشافي فيما يتصل بالمسائل التي يكثر فيها الخلاف، وتنشب حولها اضطرابات الأخذ والرد، والقيل والقال؛ هى أن تكون له مقدرة بالغة على خوض غمار البحث ومشكلاته، ولا يكون ممن يبحثون ولا يعيشون أبحاثهم وموضوعاتهم بأعصابهم ودمائهم، فتأتي أبحاثهم من غير باحثين رؤية وتحليلاً. فليس يكفي أن أحشد كماً هائلاً من الفقرات والنصوص في موضوع اخترته للبحث فيما هو أمامي من ركام الآراء والمذاهب لأستخرج منها جديداً صالحاً للقبول، وأرفض ما قد تجاوز بحكم الزمن صلاحية القبول. وهذه ظاهرة غريبة تشيع في الدراسات الفلسفية على التعميم، وفي الفلسفة الإسلامية على وجه الخصوص : تكرارٌ مع اجترار سافر، وقلة هضم تدل على ضعف العقل من أول وهلة؛ ناهيك عن التقليد والمحاكاة وعدم القدرة على مجاوزة ألفاظ النصوص وحرفيتها.

ومن المؤكد أن النصوص بالنسبة لمجال الدراسات الفلسفية والإنسانية كالمواد الأولية الخام بالنسبة لمجال العلوم الطبيعية، لا يمكن لباحث أن يتخطاها. ولكنها مع ذلك هى جامدة صماء لا تنطق بذاتها إلا إذا استنطقها الباحث بمنهجيته وترتيب فكرة في الذهن عنها واضحة. هذا الاستنطاق للنصوص ومحاولة الحفر الدائم في أغوارها هو الذي يشكل رؤيته الباحث الخاصة لها. فليس من رؤية بدون تأمل وتفكر واستبصار. 

وإنك لتجد أكداساً من الكتب والدراسات لا تقدِّم جديداً فيما يُراد منه من مفهوم "الرؤية الخاصة" عن طريق منهج الحفر في النصوص، وتحليل المشكلة إلى عناصرها الأولية وأجزائها البسيطة كما نبهنا عليه "ديكارت" من كتابه مقال في المنهج، في قاعدته الثانية (قاعدة التحليل العقلي). ثم استخراج الرؤية الخاصة بذات الباحث بعد التحليل ثم التركيب ثم المراجعة والتنقيح. ولكن كل ما تراه هنالك مجموعة من النصوص والنقولات رُصت رصاً غير مضبوط بمنهج ـ أياً كان هذا المنهج ـ يُراعى فيه كشف حقيقة النقطة البحثية أولاً؛ والرؤية الخاصّة ثانياً، وافتقرت من ثم إلى طريقة التحليل والتقسيم والتنظيم والتركيب والمراجعة، ثم الوقوف أمام النصوص والفقرات بدايةً وقفة الناقد الممحص (لا وقفة الناقل المقلد) يقبل ما يراه صالحاً للقبول وفق مبادئ بديهية، ويرفض ما يتجاوز بحكم الزمن أو بحكم التقليد كل السلطات التي تقيّده وتفقده صلاحية القبول.

ولأجل هذا، لا يكون مصير تلك الأكداس المتراكمة والأبحاث التي ليس منها جدوى، غير الركون المهمل على رفوف المكتبات.

إنما الباحث الحق هو الذي ينفرد بين فئة الباحثين بالرؤية التحليلية ولا ينفرد بجمع المادة العلمية أو نقل النصوص من أصولها، أو من غير أصولها، (أعني نقلها من باحثين سابقين عليهم نقلوا بدورهم مثل هذه النصوص وتركوها مهجورة بغير نقد ولا تمحيص لم يستنطقوها، ولم يعرفوها ما هو مكنون خفيٌّ فيها) ثم رصها رصاً مشوهاً يكون من غير الجدير قرائتها في طبعات جديدة من غير إضافة وفي غير تحليل.

وعلى الباحث في مجال البحث النظري الفلسفي، إنْ أراد أن يكون باحثاً بحق، أن يعيش المادة ويهضمها ويضيف عليها من نفسه ما شاءت له الإضافة دون الإخلال بالمنهجية المتبعة، وهو من بعدُ إزاء كل اضطراب في الآراء والأفكار لا يرضى بديلاً عن الوضوح والبساطة. يبدأ بأضعف الآراء وأبسط الأدلة تدعيماً لما يقول، فإذا أراد تقوية آرائه حول قضية بعينها أو مشكلة من المشكلات، فلا يجري قلمه أولاً إلا على أضعف الأدلة سنداً لرأيه، ثم يتدرج من الرأي الضعيف إلى الدليل القوي. ولو كان هنالك عدة أدلة لهذا الرأي لوجب أن يتدرج من الضعف ثم إلى القوة ثم إلى الأكثر قوة، فإذا أستوفى سائر دلائل الرأي واضعاً في اعتباره هذا التدرج المنطقي من ضعف الأدلة إلى أقواها كان برهانه واضحاً مقبولاً في العقل والمنطق وبداهة الرأي السديد.

هنالك تصبح الرؤية الخاصة للباحث محققة بالفعل. ثم لا تزال هنالك مرحلة أخيرة لا تخفى على الباحث الأصيل وهى أن يلقى في روع القارئ أدلته إلقاء ذكياً يمرّنه بالانتقال بالفكرة من الجزء البسيط إلى الكل المركب؛ يلقيها بصورة كلية بعد أن استوفى أجزاءها التفصيلية، ولا ينقصها سوى الدليل الوجيه بحيث ينقله من جانب المعارضة إلى جانب الموافقة، وهو لا يزال يبعث في ذهن القارئ حيرة التشكك ويظل محتفظاً بأقوى أدلته لا يبوح له بها على الإطلاق إلا إذا اشتدت حيرة الشكوك في ذهن القارئ، فإذا أطمن إلى ذلك غاية الاطمئنان، ألقى بأقوى أدلته؛ لتصادف عقلاً متردداً فتجذبه جذباً إلى رأي الباحث فلا يعتقد غيره في هذه النقطة أو تلك من آراء.

لكن هذا لا يتأتى بحال إلا بعد هضم المادة وتكوين الرؤية واستخدام المنهج التحليل النقدي ـ بالدُّربة والتمرين ـ إزاء كل مقروء ومكتوب استخداماً حسناً. وليكن في معلومنا جميعاً : أنه كلما هضمنا من الحقائق أكبر قدر ممكن، استطعنا ترويض عقولنا على إفراز وتكوين الرؤية الخاصة بنا؛ وبمنهج معقول مقبول. وإني لأذكر عبارة لــ "بيرك" يقول فيها :"الحقائق للعقل كالطعام للجسم. وعلى هضم الحقائق هضماً لائقاً تتوقف قدرة الإنسان العقلية وحجاه، كما تتوقف العافية والصحة على الطعام. وإن الرجل الذي يهضم عقله أكبر عدد من الحقائق لهو أعقل الرفاق في المجالس، وأقدرهم على المناظرات، وأرقهم في الحياة معاملة ومعاشرة".

(وللحديث بقيّة)

 

بقلم: د. مجدي إبراهيم

 

في المثقف اليوم