أقلام فكرية

أقلام فكرية

تمهيد: هل نعيش جميعاً في محاكاة؟ إذا سألت الفيلسوف الفرنسي جان بودريار هذا السؤال، فستكون إجابته نعم مدوية. على الرغم من أن ما يعنيه بالمحاكاة وما تعنيه أنت قد يكونان شيئين مختلفين للغاية (وهو أمر مضحك بالنظر إلى أن المثال الأكثر تأثيراً للمحاكاة – هو افلام ماتريكس - مستوحى بشكل مباشر من عمل بودريار لعام 1981 المحاكاة والسيمولاكر) هذا هو الكتاب الذي اقتبس منه مورفيوس، والذي نرى نيو يخفي أقراص الكمبيوتر التي يبيعها بداخله في فيلم ماتريكس الأول وهو الكتاب الوحيد الذي جعله الأخوان واتشوسكي قراءة إلزامية للجميع في طاقم أفلام ماتريكس. ولكن على الرغم من هذا المثال الشهير لفكرة المحاكاة السائدة المستوحاة بشكل مباشر من عمل بودريار، فإن ما يعنيه الفيلسوف الفرنسي ما بعد الحداثي بمصطلح المحاكاة هو شيء أكثر غدراً وأكثر رعباً مما نجده في أفلام ماتريكس. في هذا المقام ، سنستكشف ما يعنيه بودريار بهذا المصطلح "محاكاة" ولماذا يعتقد بودريار أننا بالفعل محاصرون داخل محاكاة - معزولون بشكل دائم عن الواقع. إن فكرة بودريار عن المحاكاة هي واحدة من أكثر الأفكار الفلسفية التي ستصادفها على الإطلاق - أكثر صلة وإثارة للخوف من فيلم 1984 أو فيلم عالم جديد شجاع. إن المحاكاة والسيمولاكر هي ديستوبيا حاضرنا، ديستوبيا شاملة للغاية ومع ذلك يصعب فهمها لدرجة أننا دخلنا إليها دون وعي. إنها التشخيص الأكثر دقة للمنحدر الذي نجد أنفسنا نسقط فيه بحرية مع رحيل ثقافتنا عن الحداثة إلى المحاكاة غير الواقعية التي تشكل حالة ما بعد الحداثة. فماذا يقصد جان بودريار بالمحاكاة؟ وما الفرق بين المحاكاة والسيمولاكر؟ ولماذا نعيش جميعنا في عالم من المحاكاة؟

المحاكاة والسيمولاكر

بعد إعادة مشاهدة أفلام ماتريكس قبل بضعة أشهر، فكرت أنه قد يكون من الجيد أن ألقي نظرة على العمل الأيقوني لجان بودريار "المحاكاة والسيمولاكرا ". إنه كتاب صغير ولكن يا إلهي إنه بعيد كل البعد عن أن يكون سهلاً. إنه يذكرني بأولى تجاربي في الفلسفة عندما قرأت كتاب أسطورة سيزيف لألبير كامو ثم كتاب ما وراء الخير والشر لنيتشه. عندما قرأت الكتاب الأخير لأول مرة، شعرت أن 90% من الكتاب كان يمر فوق طاقتي ولكن الـ 10% التي كانت تتسرب كانت تعيد ترتيب ذهني. كان عمل بودريار في الواقع استكمالاً أنيقاً لهواجسي الأخرى على مدار العام الماضي: جيمي ويل، وتريستان هاريس، وقبل كل شيء دانييل شماختنبرجر. أعتقد تمامًا أنه إذا تمت كتابة المحاكاة والسيمولاكر كرواية، فسيتم التحدث عنها مع 1984 و عالم جديد شجاع - أعتقد أنه في شكل مشوه كما هو الحال مع أفلام ماتريكس. من ناحية أخرى، ربما لم يكن الأمر كذلك. لأن الشيء المميز في هذا الكتاب هو أنه من الصعب حقًا تحديده. عندما جلست لكتابة هذا المقال، فكرت في معالجة ثلاث أفكار رئيسية في الكتاب: المحاكاة، وسيمولاكرا والاستنساخ، والواقع المفرط. لذلك بدأت بمصطلح المحاكاة وحاولت تحديد معنى الكلمة ووجدت نفسي على الفور في الأعشاب الضارة. هذا هو أول فرق كبير بين كتاب بودريار وأفلام ماتريكس. من السهل للغاية تعريف فكرة المحاكاة في ماتريكس. المحاكاة هي عالم الواقع الافتراضي التكنولوجي الذي نتصل به جميعًا. إنها في الأساس نسخة محدثة من شيطان ديكارت المعرفي. هذه واحدة من نقاط ضعف بودريار (العديدة) في سلسلة الأفلام. بالنسبة لبودريار، فإن فيلم الماتريكس يتعامل مع مشكلة الوهم وليس مشكلة المحاكاة. لأن فيلم الماتريكس هو في الحقيقة مسألة وهم، أليس كذلك؟ لديك الواقع الافتراضي الذي هو الماتريكس والذي يبدو حقيقيًا ثم لديك الواقع الفعلي لمدينة صهيون. الماتريكس وهم. الحبة الحمراء تخرجك من الوهم إلى الواقع. إنها قصة بطل أنيق. لكن هذا ليس ما يتحدث عنه بودريار على الإطلاق.  ان محاكاة بودريار أكثر خبثاً ورعباً. لأن محاكاة بودريار لا وجود فيها لصهيون. هذه هي النقطة الأساسية. لا يوجد مخرج من المحاكاة. إنها سترة مقيدة؛ إنها سجن نحتجز فيه. ولهذا السبب فهي مرعبة للغاية. يخبرنا بودريار أن التناقض الثنائي بين الوهم والواقع ينهار مع دخول عصر ما بعد الحداثة. لم يعد هناك أي تمييز بين الوهم والواقع. لم يعد الواقع قابلاً للوصول وبالتالي لم يعد للواقع ولا للوهم أي معنى. نحن، باستخدام المصطلحات السيميائية لبودريار، تقطعت بنا السبل في عالم بلا مرجعيات؛ نعيش في بحر من العلامات المنفصلة عن أي شيء حقيقي. الواقع يتحلل، وينهار في عالم المحاكاة الخاص بنا؛ لقد أصبح ما يسميه بودريار "صحراء الواقع". لكن، للوهلة الأولى، قد يبدو هذا أشبه بكل ما يحذر منه المعلقون فيما يتصل بفلسفة ما بعد الحداثة. إنه يشمل كل ما يخيفها ـ النسبية والتشكك في المعرفة والحقيقة وكل ما نعتبره مقدساً في الغرب. ولكن من الخطأ التام أن ننظر إلى الأمر بهذه الطريقة. إن ما يغفله هذا الكاريكاتير عن فلسفة ما بعد الحداثة ـ وبودريار هو أحد أتباع فلسفة ما بعد الحداثة الكلاسيكيين (حتى أنه يُطلَق عليه لقب "الكاهن الأعظم لفلسفة ما بعد الحداثة") ـ هو أن فلاسفة ما بعد الحداثة ليسوا مجرد دمى تتحكم في هذا الواقع الجديد الذي يفرضه عصر ما بعد الحداثة. إنهم أشبه بـ "كاساندرا"، وكانوا في كثير من الأحيان الوحيدين الذين كانوا على استعداد للتحديق في وجه ما كان قادماً. كان الفلاسفة التحليليون منشغلين بمحاولة اللحاق بالعلم وبالسعي المتواضع إلى جعل تخصصهم صارماً. ولكن العديد من هؤلاء الفلاسفة الفرنسيين كانوا أكثر اهتماماً بالحاضر ـ بنشاط الفلسفة ومسار التاريخ. لقد كانوا فلاسفة ذلك العصر. وهذا جزء من السبب الذي جعل الكثير منهم يصبحون من المشاهير ــ لأن ما كان لديهم ليقولوه كان ذا صلة بالعالم الذي يعيشون فيه. ولذا، آمل أن نتمكن مع بودريار من الحصول على نظرة ثاقبة إلى هذه العدسة الأخرى للنظر إلى ما بعد الحداثيين ــ ليس باعتبارهم أشباحاً وظلالاً لكل ما هو خطأ في العالم كما يراهم كثيرون، بل باعتبارهم خبراء تشخيص كانوا يشخصون التحول العظيم الذي كان يحدث في الثقافة. من الواضح الآن أنهم لم يكونوا جميعًا أفرادًا موضوعيين غير متحيزين يجلسون على الهامش. كان ميشيل فوكو بالتأكيد شخصًا ألقى بثقله إلى جانب واحد من الحركة وعمل كمحفز لإحداث التغيير الذي اعتقد أنه يجب أن يأتي. لكن القول بأن فوكو أو دريدا أو غيرهما من ما بعد الحداثيين خلقوا هذا العالم هو الوقوع في مغالطة الخلط بين انعكاس النجوم في البركة والسماء الليلية. أو بلغة بودريار، إنه ينسب إلى الأفراد ما هو في الواقع وظيفة للمحاكاة.

صعوبات تعريف المحاكاة

السؤال الكبير إذن هو ماذا يعني بودريار بالضبط بالمحاكاة؟ اتضح أن هذا ليس سؤالاً سهلاً للإجابة عليه. في البداية، اعتقدت أن قلة خبرتي ببودريار هي التي منعت فهمي للأمر، ولكن بعد البحث في أربعة أو خمسة كتب مختلفة عن بودريار وقراءة الكثير من المقالات على الإنترنت، يبدو أن هذا الصراع لفهم فكرة المحاكاة ليس مجرد نزوة شخصية بل صراع شامل. لم يتوصل أي من الكتب التي قرأتها إلى تعريف مرضٍ للمصطلح. لقد تركوا المصطلح يتجول دون تحديده. أقرب ما توصلت إليه من تعريف هو صفحة بودريار في موسوعة ستانفورد للفلسفة حيث يعرف دوجلاس كيلنر محاكاة بودريار على النحو التالي:"أنماط التمثيل الثقافية التي "تحاكي" الواقع كما هو الحال في التلفزيون، والفضاء الإلكتروني للكمبيوتر، والواقع الافتراضي". يبدو هذا التعريف مناسبًا تمامًا باستثناء أنه لا يعمل. عندما تفكر في الأمر، فهذا مجرد تعريف موسع قليلاً لمحاكاة فيلم ماتريكس. إن الواقع الافتراضي للمصفوفة وأسلافها ــ التلفاز والكمبيوتر ــ هو الذي يمتص قوة حياتنا. وهذا جانب مهم حقاً من المحاكاة، وسوف نتعمق فيه في مقالات مستقبلية، ولكنه لا يفسر كيف يستطيع بودريار أن يبرر القول بأن العالم بأسره عبارة عن محاكاة ــ وأننا جميعاً نعيش في محاكاة. إنه ببساطة لا ينسجم مع الواقع. ولكن على الرغم من أن محاولة كيلنر كانت بعيدة عن الهدف، فإنني أقدر محاولة تحديد المصطلح، وفكرت في محاولة إضافة بعض الإضافة إلى هذا المسعى، على الرغم من أنني ربما أنتهي إلى تعكير المياه قليلاً. كان أحد الكتب التي درستها من تأليف عالم يُدعى ريكس بتلر، الذي تحدث عن الصعوبات المتأصلة في الحديث عن مصطلح المحاكاة: "في كل هذا تبرز صعوبة الحديث عن المحاكاة، وهي الصعوبة التي يدركها بودريار ببطء مع تقدم عمله. من الصعب التحدث عن المحاكاة ليس فقط لأنها ليست حقيقية، ولكن بشكل أعمق لأنها عملية إجمالية، ولا يوجد شيء خارجها. إن المحلل الذي يحلل المحاكاة، إذن، يخضع للقاعدة ذاتها التي يحللها. فإذا كان القانون الأساسي للمحاكاة هو أننا لا نستطيع أن نقترب كثيراً من الشيء الذي نمثله، فإن هذا ينطبق أيضاً على محاولات المحلل لتمثيل المحاكاة ذاتها. وبالتالي فإن السؤال المطروح هو: إذا لم يكن هناك شيء خارج المحاكاة ولا شيء قبلها، فكيف لنا أن نفكر فيها على الإطلاق؟" لذا، إذا بدا لك كل شيء في هذه المقالة غامضاً وغير واضح، فإن هذا يرجع جزئياً فقط إلى عدم الكفاءة. كما يفسر لماذا لن يكون من السهل أبداً تلخيص المحاكاة والمحاكاة الساخرة بحيث يمكن أن يقفا إلى جانب 1984 أو عالم جديد شجاع. إن النسخة المخففة منها في فيلم ماتريكس هي أفضل ما يمكن أن نحصل عليه على مستوى التيار السائد. وبعد أن قلنا كل هذا، فإن بقية هذه المقالة ستكون محاولة لإزالة الغموض عن فكرة المحاكاة على الأقل إلى حد ما. فما هي المحاكاة؟

بعد قراءة كتاب باتلر يبدو أن القاعدة الأولى للمحاكاة، مثل القاعدة الأولى لنادي القتال، هي ألا تتحدث عن المحاكاة. يقول بودريار:"في اللحظة التي تعتقد فيها أنك في حالة محاكاة، فإنك لم تعد هناك. وسوء الفهم هنا هو تحويل نظرية مثل نظريتي إلى مرجع بينما لا ينبغي أن تكون هناك أي مراجع على الإطلاق."  إنه يستخدم المرجع هنا بالمعنى السيميائي باعتباره المرجع أي الشيء في الواقع الذي تشير إليه العلامة. هذا هو الجانب الرئيسي الأول لمحاكاة بودريار: إنها في المقام الأول فرضية. وكما يشير باتلر إلى المحاكاة:"ليست ظاهرة تجريبية، شيئًا يحدث بالفعل. إن بودريار يدرك تمام الإدراك المفارقة التي مفادها أن المحاكاة التي يصفها، بقدر ما هي موجودة، تجعل أي وسيلة للتحقق منها مستحيلة. وهذا يعني أن الواقع الحقيقي الذي نقول إنه ضاع في المحاكاة ونقارنه به لا يمكن تصوره الآن إلا في شكل محاكاة. بل إننا قد نقول حتى إنه بقدر ما نستطيع أن نتحدث عن المحاكاة، فإنها لم تحدث بعد، وأن المحاكاة ثبتت في غيابها. إذن، المحاكاة ليست حقيقية، بل هي نوع من الفرضيات. لذا آمل أن تبدأ في رؤية السبب الذي جعل هذا الموضوع يحطم رأسي وكذلك السبب الذي يجعلني أجده جذابًا للغاية. إنه كثيف للغاية ويصعب فهمه ولكنه في نفس الوقت أحد أكثر الأفكار إثارة للاهتمام التي صادفتها منذ سنوات. حسنًا، بعد أن ثبت أن أي شيء نقوله عن هذا الموضوع لن يكون كافيًا وسيتجاوز وصية فيتجنشتاين القائلة بأن "ما لا يمكن التحدث عنه، يجب أن نتجاوزه في صمت"، فلنحاول أن نقول المزيد عن المحاكاة. هناك دليل مهم آخر في محاولة فهم المحاكاة وهو الفكرة القائلة بأن:"تحاول المحاكاة أن تشبه الواقع، وأن "تدركه"، وأن تبرز ما هو ضمني فيه وتجعله واضحًا. ولكن في نقطة معينة من تقدمها تقترب كثيرًا من الأصل، وتزداد كمالًا، بدلًا من تقريب النظام من هذا الأصل، فإنها تدفعه بعيدًا عنه. يبدأ النظام في عكس اتجاهه، مما يؤدي إلى ظهور تأثيرات معاكسة لتلك المهمة المقصودة". مرة أخرى، يبدو كل هذا مثيرًا للاهتمام للغاية، ولكن ماذا يعني ذلك في الواقع. أحد الأمثلة التي يستخدمها بودريار في الكتاب هو فكرة الهايبر ماركت. وهذا المثال العادي إلى حد ما هو وسيلة جيدة لفهم هذه النقطة.

"الهايبر ماركت"

"الهايبر ماركت" مصطلح شائع في فرنسا يشير إلى السوبر ماركت، لذا فإنك قد تجد متجر تيسكو أو متجر وول مارت أو متجر دونز في أيرلندا. وما هو السوبر ماركت؟ إنه محاولة لإتقان فكرة السوق. في الأصل كان السوق مكانًا تذهب إليه وتشتري لحومك من هذا الشخص وخبزك من ذلك الشخص وشموعك من الانسان الذي هناك. وكما يقول بودريار فإن السوق التقليدي كان ""المكان الذي تلتقي فيه المدينة والريف معًا"" ولكن يأتي السوبر ماركت ويحاول تجسيد فكرة السوق بشكل مثالي. فهو يجمع كل هذه الأشياء تحت سقف واحد. فالخضروات هنا واللحوم هناك والشموع هناك. ولكن في مرحلة معينة من تقدمه يقترب كثيرًا من الأصل وبدلاً من تقريب النظام من الأصل فإنه يدفعه بعيدًا عنه فحسب." وهذا منطقي تماما في مثال السوبر ماركت لأن السوبر ماركت ــ رغم أنها أقرب نظريا إلى الكمال الذي تتمتع به السوق ــ لا يمكن أن تكون أبعد عنه. وهناك شيء مدمر للروح في السوبر ماركت. فأنت تدخل وتختار البقالة التي تريدها تحت أضواء الفلورسنت، والآن لا يتعين عليك حتى أن تتحدث إلى أي شخص، بل تقترب فقط من الماكينة وتلمس هاتفك وتخرجه. ولكن الأمر لا يتعلق حتى بالتنظيم المنهجي لكل شيء؛ بل يتعلق بشبه كل شيء بالآلة. فأنت تدخل ــ نقطة أخرى في حشد من الناس ــ وتختار بعض العناصر من صفوفها المنظمة تماما. وفي أعقابك تتجدد الصفوف بحيث تكون الآلة في حالة مستمرة من التجانس. وأنت، العميل، تتحرك بطريقة خطية منظمة حول السوبر ماركت، وتأتي إلى الصندوق وتخرج إلى سيارتك ومنزلك. والأمر لا يتعلق بالسوبر ماركت فقط. يكتب بودريار:"لا يمكن فصل الهايبر ماركت عن الطرق السريعة التي تحيط به وتغذيه، وعن مواقف السيارات المغطاة بالسيارات، وعن محطة الكمبيوتر ــ أو بالأحرى، في دوائر متحدة المركز ــ عن المدينة بأكملها باعتبارها شاشة وظيفية كاملة للأنشطة." قارن كل هذا بالذهاب إلى السوق حيث توجد ضجة صحية. فهناك أشخاص يتفاعلون، وهناك أشخاص في الأكشاك، وهناك شخص يعزف في الشارع في الزاوية. وهناك مخزون محدود وبشر عليك التغلب عليهم للوصول إلى هذا المخزون. أجد أن هناك شيئًا مغذيًا في الذهاب إلى السوق. أشعر بالرضا بعد ذلك. لن أذهب أبدًا إلى سوبر ماركت للتنزه ولكن إلى السوق؟ بالتأكيد. هناك شيء صحي في السوق مفقود تمامًا في الهايبر ماركت. لقد فقد روحه في محاولته لإتقان فكرة السوق. إن هذا السعي إلى الكمال في السوق ــ إلى هذا السوق النهائي ــ يخلق تجربة سوق متجانسة في مختلف أنحاء البلاد والعالم. ويصبح السوق شيئاً مبالغاً فيه في هذا النهج نحو الكمال، وفي مكان ما على طول الخط يفقد روحه. وهناك أكثر من ما يكفي من الدروس التي ينبغي لنا أن نأخذها في الاعتبار فيما يتصل بالكمال البشري أيضاً؛ ولعلنا نكون في وضع أفضل إذا أحبطتنا الفوضى العشوائية التي تسود غرائزنا. فقد يصبح العالم الرواقي بلا روح مثل المتاجر الكبرى.

قبيلة تاساداي

من الواضح أن هذا مثال عادي، ولكن لمحاولة إقامة جسر بين هذا المثال للهايبر ماركت وفكرة المحاكاة الشاملة العالمية التي تدمر الحقيقة، فمن الجدير أن نلقي نظرة على مثال بودريار من علم الأعراق. في عام 1971، قررت الحكومة الفلبينية إعادة بضع عشرات من أفراد قبيلة تاساداي إلى أعماق الغابة التي تم اكتشافهم فيها مؤخرًا. عاش أفراد قبيلة تاساداي هناك لمدة ثمانية قرون دون أي اتصال بالعالم الخارجي، ولكن عند الاتصال بهذا العالم الخارجي، كما يقول بودريار، "تفككوا فور الاتصال، مثل المومياوات في الهواء الطلق".وبالتالي، بناءً على توصية علماء الأنثروبولوجيا، قررت الحكومة إعادة أفراد القبيلة إلى الغابة البكر بعيدًا عن متناول المستعمرين والسياح وعلماء الأعراق. إن تحليل بودريار لهذا الحدث رائع. إن هذا الأمر صعب الفهم تماماً، ولكن هناك شيء قوي بشكل لا يصدق في هذا الأمر. يقول بودريار: "لكي تعيش الإثنولوجيا، لابد أن يموت موضوعها" ففي عملية دراسة القبائل كان علماء الإثنولوجيا يتسببون في تدهورها.ولكن عودة أفراد القبائل إلى الغابة البكر هي على وجه التحديد ما يجعل الأمر غريباً للغاية. فالعلم يضحي بأفراد هذه القبائل من أجل الحفاظ على مبدأ واقعيته. لقد تجمد أفراد قبيلة تاساداي في عنصرهم الطبيعي. لقد أصبحوا "متجمدين، ومبردين، ومعقمين، ومحميين حتى الموت، وأصبحوا محاكاة مرجعية، وأصبح العلم نفسه محاكاة خالصة". أصبح أفراد هذه القبائل نموذجاً للمحاكاة ــ لكل أفراد القبائل المحتملين من العصور التي سبقت الإثنولوجيا.إن ما توصل إليه بودريار هنا يجسد جوهر المحاكاة الذي يصعب فهمه. ففي وقت سابق كتب عن كيف أن الواقع لم يعد كما كان في ظل المحاكاة. "إننا نرى انهيار الواقع ــ انهيار الفارق بين الوهم والواقع. والآن لم يعد هناك وهم أو واقع، بل محاكاة فحسب."هناك وفرة من أساطير الأصل وعلامات الواقع ــ وفرة من الحقيقة، والموضوعية الثانوية والأصالة. تصعيد للحقيقة، للتجربة المعاشة، إحياء للمجازات حيث اختفى الموضوع والجوهر. إنتاج مذعور للواقع والمرجعية. هكذا تظهر المحاكاة في المرحلة التي تهمنا ــ استراتيجية للواقع، والواقع الجديد والواقع المفرط" إذا نظرنا إلى حالة قبيلة تاساداي في هذا الضوء، فإننا نرى محاولة العودة إلى الواقع، واستعادة تاساداي إلى شكلهم الحقيقي في الغابة العذراء؛ إنها فكرة ما هو طبيعي ــ مبدأ الواقع هذا. ولكن في محاولة الإمساك بهذا الواقع فإننا نحاكيه فحسب. عندما تسمع الناس يتجادلون حول ما كان يأكله أسلافنا، وكيف عاشوا، ولماذا يجب أن تعيش بهذه الطريقة الآن، فإن الأمر لا يتعلق بالعودة إلى الطريقة التي عاش بها البشر في العصر الحجري القديم؛ بل إنه محاكاة أخرى تمامًا مثل سكان قبيلة تاساداي.

محميات البرية

مثال آخر جاء إلى ذهني هو فكرة محمية البرية. إذا فكرت في الأمر، فإن محمية البرية هي نوع من المفارقة. كانت البرية في الماضي مساحة غير آمنة كانت موجودة خارج أسوار المدينة؛ كانت الأراضي البرية الخطرة حيث يمكن أن يحدث أي شيء. كانت المسار المظلم، والغابة الكثيفة، والبرية غير المروضة التي تتسكع فيها الذئاب وأسود الجبال. كانت مكانًا للخطر وعدم اليقين. ولكن ليس هذا فقط. كانت البرية هي العالم. لم تكن الحضارة سوى سلسلة من الجزر في هذا العالم غير المروض من البرية. هذا ما جعلها برية - كانت الآخر غير المروض والشامل. ولكن الآن لديك محميات برية. فبدلاً من أن تكون البرية هي الشيء الذي يحيط بالحضارة، لديك الآن هذه المنطقة التي قمنا بعزلها وسميناها برية. لقد حاولنا الحفاظ على فكرة البرية هذه، ولكن في القيام بذلك قمنا بإنشاء برية محاكاة. إنها محاكاة للبرية فقدت كل اتصال بها في محاولتها لإتقان فكرة البرية.

خاتمة

هذه أمثلة عادية نسبيًا لمحاكاة بودريار، ولكن يمكنك أن تبدأ في رؤية ما يعنيه بقوله إن كل شيء أصبح محاكاة - أن المحاكاة أصبحت شاملة. هذه ليست مجرد مسألة تتعلق بالإنترنت أو وسائل الإعلام؛ إنها كل شيء. عندما نتحدث عن الإنترنت والتكنولوجيا وكيف شوهت حياتنا، فمن السهل فهم المحاكاة. إن المصفوفة شيء سهل الفهم لأننا ننظر إلى حياتنا غير الافتراضية ونرى شيئًا أقل تشوهًا. ولكن النقطة التي أراد بودريار أن يوصلها ـ والتي لا شك أنني أخطأت فيها خطأً فادحاً ـ هي أن المحاكاة أكثر خبثاً وتغلغلت إلى أعماق حياتنا. فنحن نعيش الآن في عالم محاكي بالكامل. ما زلت أصارع في فهم ما يعنيه هذا بالضبط، وأنا على ثقة تامة من أن أي شخص درس بودريار بعمق ربما ينزعج من محاولتي غير الدقيقة لالتقاط ما يتحدث عنه، ولكن في الأجزاء المستقبلية أريد أن أحيط بهذا العمل لبودريار أكثر لأنني أشعر حقًا أن هناك شيئًا مهمًا للغاية فيه وشيئًا قد يكون ضروريًا لفهم الفوضى التي نجد أنفسنا فيها في العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين. لم يعد التجريد اليوم هو تجريد الخريطة أو المزدوج أو المرآة أو المفهوم. لم تعد المحاكاة محاكاة إقليم، أو كائن مرجعي، أو مادة. إنه التوليد بنماذج لواقع بلا أصل أو واقع: واقعي مفرط. لم تعد المنطقة تسبق الخريطة، ولا تنجو منها. إنها الآن الخريطة التي تسبق المنطقة - مبادرة المحاكاة - وهي التي تولد المنطقة وإذا كان علينا العودة إلى الحكاية، فهي اليوم المنطقة التي تتعفن أشلاءها ببطء على امتداد الخريطة. إنها الحقيقة، وليست الخريطة، التي تبقى آثارها هنا وهناك، في الصحارى التي لم تعد صحارى الإمبراطورية، بل صحارينا. صحراء الواقع نفسه. فالي حد تخطى بودريار موقف افلاطون الساخر من المحاكاة وتغيرت نظرة الفلاسفة المابعد الحداثيين للسيمولاكر؟ وكيف يمكن استثمار هذا المعطى في فهم الواقع؟.

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

.......................

المصدر:

Jean Baudrillard, simulacres et simulation, 1981,

 

الموجود والوجود

ثمة مقولة في الفلسفة الوجودية تذهب الى (ان الوجود يسبق الماهية) طبعا هنا المقصود بالوجود في العبارة هو الموجود الانساني الارضي وليس الوجود الميتافيزيقي المجرد المطلق كمفهوم. وخطأ العبارة الوجودية ان الموجود الانسان وجوده يرتبط بماهيته ارتباطا وثيقا لا فكاك منه ولا تمييز بينهما يدركهما العقل كموضوعين منفصلين. بمعنى لا الموجود الانسان يكون موضوعا منفصلا عن ماهيته التي هي الاخرى ليست موضوعا ايضا. بمعنى حسب تعبير سارتر الانسان كينونة مستقلة موحدة ليس موضوعا.

فالموجود ونعني به الانسان أينما وردت اللفظة في المقال وليس الانسان بالمفهوم الميتافيزيقي(وجودا) إنما يدرك الموجود بصفاته الخارجية فقط وليس بماهيته التصنيعية ذاتيا المحتجبة خلف تلك الصفات. والمقصود بالماهية المصنّعة انها مشروع بناء الموجود لماهيته او جوهره الخاص به.

ماهية الانسان تختلف عن ماهيات الاشياء فماهية الانسان ليست جوهرا ثابتا بل هي صيرورة مشروع بناء الذات من الخبرة التراكمية النوعية المكتسبة بالتجارب الذاتية للموجود. الموجود الذي يدرك ذاتيته كمتعين انطولوجي بكليته الكينونية الواحدة هو ذات موجودية بالصفات الخارجية المدركة والماهية معا. الماهية المدّخرة في كينونة الموجود الانسان هي سيرورة من تصنيع الذات لنفسها يقوم بها الفرد يتعذّر ادراكها لسببين الاول انها أي الماهية جوهر ذاتي فرداني استبطاني صرف والثاني انها صيرورة من البناءات الذاتية التي يقوم الفرد بها.

أما الماهية أو الجوهر في الاشياء والموجودات باستثناء الانسان فهي ماهية ثابتة وتكون معطى يتبع الصفات الخارجية لتلك الكائنات كما هي في الحيوان والنبات وبعض الاشياء والمدركات المادية الاخرى. وغالبا ما تكون الصفات الخارجية هي جوهر تلك الكائنات والموجودات من غير الانسان كما في الحيوان فهو موجود بلا ماهية. وتنكر الماركسية على الانسان انه يمتلك ماهية او جوهرا استبطانيا وانما تعتبرالانسان كينونة موجودية موحدة. في حين نجد الوجودية تؤكد الانسان موجود يمتلك ماهية كما ذكرنا هي ليست معطى فطري بيولوجي بل هي مشروع تصنيع تطور الذات بالخبرة التراكمية يقوم بها الفرد مدى حياته..

اود التنبيه أن الدارج في ادبيات الفلسفة عموما ما عدا الوجودية أن الوجود يسبق الفكر. وليس الوجود يسبق الماهية كما وردت في اسطر سابقة. ولو قالت الوجودية وجود الموجود يسبق ماهيته لكان ذلك مقبولا نسبيا وليس صحيحا تماما ايضا. والسبب عدم الاخذ بنظر الاعتبار ان موجودية الموجود لا تنفصل عن ماهيته او جوهره والتراتيبية في الاسبقية بين الموجود كينونة جسمية والماهية كجوهر مصنّع تعبير مغلوط ايضا.. واستعمال لفظة الوجود بدل لفظة الموجودات يتقدمها الانسان خطأ فالوجود مفهوم ميتافيزيقي وليس مصطلحا يمكن ادراكه كموضوع. الوجود يشير الى مطلق ميتافيزيقي لانهائي ازلي لايحيط به العقل أبدا بينما الموجود هو كينونة الانسان الارضية وتشمل ايضا كائنات الطبيعة وعالمنا الخارجي التي هي موضوعات العقل.

ماهية الانسان معطى فطري أم مشروع بناء خبراتي مكتسب؟

ماهية أو جوهر الانسان هي مشروع بناء لتوكيد ذاتية الانسان المتفردة من جانب وتحديد (الهوية) الموجودية الجوّانية الاستبطانية للفرد غير المدركة إلا من ذاتها فقط. ماهية الانسان هي ليست صفاته الخارجية وليس الانسان ماهية او جوهرا مستقلا بمعزل عن الجسم. الانسان كينونة موحدة تتوزعها صفاتها الخارجية المدركة وعالم داخلها الجسدي الذي تحكمه غرائز واحتياجات البيولوجيا الحيّة في ادراك موجودات واشياء العالم الخارجي. واشباع الغرائز الفطرية واحتياجات الجسم الداخلية الاستبطانية. الانسان كائن موجود يعي ذاته والمحيط وليس موضوعا لكن من المهم جدا تاكيد ان الانسان موجود انطولوجي يمتلك ماهية غير منفصلة لا عن الذات ولا عن الجسم.

ماهية الانسان أو جوهره هو مجموع مايكتسبه من خبرة تراكمية نوعية تمّثل كل اشتمالات اكسيولوجيا القيم غير المنظورة بغير دلالاتها السلوكية لفرد موجود ضمن مجتمع. منها على سبيل الاستشهاد وليس الحصر ضمير الانسان، شرفه، سلوكه الاخلاقي، ايمانه بمباديء معينة، حريته، وعيه الزمن، وتشكيل نفسيته، الحب، الخ الخ. هذه المفردات وغيرها هي جوانب وخصائص وابعاد غير قابلة ان تكون موضوعات مادية واقعية لتفكير عقلي بها وانما هي تجليّات سلوكية بالحياة مصدرها الذات والنفس.. الماهية عند الانسان هوية انفرادية لا يدركها غير صاحبها كموضوع لانها صيرورة بنائية من تراكم معرفي وخبراتي غير ثابتة. وعبارة سارتر وفلاسفة آخرين(الانسان ليس موضوعا) صحيحة وصائبة.

سارتر وتحقق ذاتية الموجود

يستعير سارتر بمواربة خفيّة لكنها حدسية واضحة مقولة سورين كيركجورد الاب الروحي للوجودية المؤمنة غير الالحادية مفادها في تعبير سارتر (الانسان الوجودي ناتج عملية قذف نفسه نحو ما ليس بموجود). وهي رؤية فلسفية صرفة وجودية في تحقيق وجود ميتافيزيقي ذاتي غير متحقق واقعا.

قذف الانسان نفسه حسب تعبير سارتر بالمطلق غير الموجود انما يقصد به قذف الانسان نفسه بالوجود المطلق الميتافيزيقي لكي يحقق موجوديته الذاتية الوجودية غير الدينية كما يرغب سارتر. سورين كيركجورد بخلاف سارتر كان يتوخي من ناتج قذف الانسان نفسه في مطلق وجودي ايماني مصدره القلب وليس العقل كفيل بتحقيق موجوديته الايمانية في وجود الخالق وليس إثبات موجودية الفرد انطولوجيا. موجودية ايمانية قلبية روحانية يمتلكها الفرد لكنها ليست ميتافيزيقية كما يرغبها سارتر. بل هي واقعية عند سورين كيركجورد.

سورين كيركجورد كان سبق سارتر تحت وطأة ايمانه الديني انكاره العقل أن يكون منهجا بالوصول الى الايمان بل كي يوقف الانسان قلقه الوجودي الميتافيزيقي الذي يتقاذفه الشك الايماني يتوجب عليه أن يبطل منهج العقل المادي. سورين كيركجورد على خلاف سارتر اراد من عملية قذف الانسان نفسه بالمطلق الوجودي هو بغية توكيد الانسان وجوده الايماني الارضي وليس تضييع موجودية الانسان الارضية في متاهة اللاوجود الذي يرغبه سارتر. كان سارتر يبغي من قذف الانسان نفسه باللاموجود بالنسبة للذات وليس في الوجود المطلق اللانهائي الازلي الذي تكون نتيجته خلاص الانسان من كينونة قلقه الوجودي الارضي. الحقيقة التي لم تفصح عنها عبارة سارتر هي ان اللاموجود هو الوجود المطلق اللانهائي.

سورين كيركجورد أراد اثبات وجود الخالق في القاء الموجود نفسه بالمطلق الميتافيزيقي وليس اثبات الوجود الانطولوجي للفرد ميتافيزيقيا بل اثبات وجوده انطولوجيا إيمانيا ولو انه أي كيركجورد اشترط إلغاء منهج العقل للوصول الى الوجود المادي – الروحي الايماني. وليس قذف الانسان نفسه روحانيا في مطلق سديمي يسمى اللاموجود كما اراد سارتر.

سارتر وكتابه نقد العقل الجدلي

سارتر رغم تنكره للماركسية وانكاره انضمامه للحزب الشيوعي الفرنسي الا انه بقي تفكيره الوجودي المادي الجدلي مرجعية اقرب اليه من ميتافيزيقا الفلسفة الوجودية. سارتر اراد الالتفاف على الماركسية في محاولته تطعيمها ومزاوجتها بافكاره الوجودية ولم يفلح لسبب بسيط أن ماركس كان أخرج الفلسفة من تحت عباءة التجريد الفلسفي الذي صرفت الفلسفة جهودا وآمادا طويلة في محاولتها تفسير العالم وليس كما المطلوب تغييره فعمد ماركس الى إدماج الفلسفة بالاقتصاد السياسي لكي يجعل قوانين الجدل الديالكتيكي حقائق تحكم المادة والتاريخ واقعا وليس فلسفة على مستوى التنظير غيرالواقعي في تغيير العالم. فكانت قوانين ديالكتيك المادة والمادية التاريخية الماركسية. وبذلك اوقف ماركس ديالكتيك هيجل المثالي المقلوب ومادية فيورباخ الصوفية أوقفهما كلتاهما على اقدامهما بدلا من رأسيهما.

كتاب سارتر نقد العقل الجدلي مهّد الطريق امام فلاسفة البنيوية التوجه نحو الهجوم الشديد على السردية الماركسية الكبرى التي استهدفتها منطلقات الهجوم على الحداثة باسم مابعد الحداثة. فقام كل من شتراوس وفوكو والتوسير بتناول كتاب راس المال والديالكتيك الماركسي بمفاهيم حاولت سلخ ماركسية ماركس من عمودها الفقري المنسوب لها بحيث تكون تلك المؤلفات ماركسية بلا ماركس وماركسية خيالية فلسفية ليست واقعية بلا كتاب راس المال.

فهم سارتر للذات والعالم الخارجي

ذكر سارتر عبارة فلسفية رشيقة في كتابه نقد العقل الجدلي (معنى العالم متوقف على، مادام العالم في ذاته خلوّا من كل معنى وانا الذي اخلع عليه كل ما له معنى.). سارتر يقصد بالانا ليس ذاته هو بل المجموع البشري. طبعا هنا سارتر لا يتعامل مع العالم المادي انه بلا معنى بل يقصد هنا لامعنى ميتافيزيقا الوجود. من منطلق الوجود مفهوم مطلق وجوديا أي ليس موضوعا. فلا يمكن أن يكون عالمنا الخارجي بموجوداته ومكوناته وكائناته من ضمنها الطبيعة ليس لها معنى. وهو يحتل مكانة مركزية في معالجة الذات وعلاقتها بالعالم الخارجي. صحيح تعبير سارتر اننا نخلع على عالمنا المعيش معانيه وتجلياته الظاهرية والمدّخرة من خلال موجوديتنا ضمن مجتمع لكنما العالم يسبق في وجوده المادي الادراكي وعينا به.

والعالم اذا كان المقصود السارتري به هو الوجود الميتافيزيقي بلا معنى فيكون هذا الخلو من المعنى مستمدا من عجز وعينا وادراكنا التفكيربه إلماما تاما بغير آليات انضباطية تمنع تفكيرنا من انسيابية الضياع في متاهات المطلق الوجودي الذي تسبح فيه الذات بلا ادراك منها ولا معنى تبتغيه. أما إهمال الوجودية علاقة الذات بالطبيعة في موجوداتها وتكويناتها بإعتبارهما – الذات والطبيعة - موجودين مستقلين ومنفصلين عن بعضهما فهي من المحال أن لا تكون العلاقة بينهما علاقة ارتباط تخارجي معرفي متبادل في كل ماله معنى يجمعهما.

وحين ينقد سارتر الجدل الديالكتيكي وينكره تماما باعتباره تضليل فلسفي خادع على صعيدي المادة والتاريخ وليس له وجود نجد رغم اقراره الواضح هذا فهو يقول ( علينا التسليم بأن في المادية التاريخية نجد التفسير الوحيد الصحيح لحركة التاريخ )1.

سارتر يقع غفلا أو تغافلا مقصودا في تعامله مع الموجود المادي وليس مع ميتافيزيقا الوجود كمفهوم مطلق. فالفعل الانساني عنده مثلا (لم يعد مجرد نشاط ذاتي يقوم به الموجود لذاته من أجل حريته في وجه حرية الاخرين. بل اصبح الفعل نشاط مادي واقعي يقوم به كل كائن اجتماعي تاريخي يعمل على تغيير عالمه محاولا صبغ الطبيعة بصبغة انسانية)2.

وفي نفس المنحى المادي الوجودي لدى سارتر فهو يعتبر محاولات الذات التعالي المستمر على نفسها الوجودي في توقها الوصول للافضل ويصف عملية التجاوز في سعي الذات بناء تجديداتها التراكمية بقوله (لم تعد عملية التجاوز عملية ذاتية زئبقية يقوم بها الموجود لذاته في سعيه المستمر وراء تحقيق ذاته، واصبح هذا السعي هو تحقيق الوجود خارج الذات)3.

تحقيق الوجود خارج الذات هو تحقيق خروج مفارق متعال تراندستاليا على الذات التقليدية في نوع من انقلابية الذات على وجودها. وهي العلاقة التي يستشعرها المتمرد على وجوديته المتعالية على ذاتها التي لا يمكنها الاستغناء عن الاخر من البشر ومن موجودات الطبيعة ايضا في تعالقها الموجودي معها. تحقيق الوجود الانطولوجي للانسان خارج الذات كما يقول سارتر استحالة موجودية ولا يمكننا تصور ان يستطيع الانسان الانفصال عن ذاته في كل الاحوال.

سارتر والانسان المادي

على ما يذكر دكتور زكريا ابراهيم أن سارتر في كتابه الضخم (الوجود والعدم) لاقى انتقادا على اهماله حقيقة الانسان موجود تاريخي. ما حدا به تدارك هذا الاهمال مؤكدا البعد التاريخي للانسان في كتابه نقد العقل الجدلي قائلا (الانسان موجود تاريخي). وأضاف سارتر اكثر قائلا الانسان موجود مادي يحيا في وسط عالم مادي يريد تغييره وتغيير ذاته وما ينشده في كل لحظة انما رغبة الوصول الى تنظيم جديد للكون مركزه وضع جديد للانسان4.

المادة في نظر سارتر ليست مجرد امتداد محض بل هي حقيقة بشرية لا تكتسب كل خصائصها الا بفعل الانسان. ولا يكفي ان نقول مع الوضعيين ان البشر اشياء. بل لابد ان نضيف الى ذلك ان الاشياء تتميز بطابع بشري. والانسان هوتلك الحقيقة المادية التي تتلقى المادة عن طريقها شتى الوظائف البشرية5.

تعبير سارتر بهذا الاقتباس كان نوعا من التبسيط الذي يكرر بديهيات الحياة مثل قيمة الشيء تكون بعلاقة الانسان به بالاستخدام وليس المعرفة به وقد اخذ هيدجر هذه البديهيات وضمنها كتابه (الوجود والزمان) مثل قوله اهمية المطرقة هي في مسك اليد لها واستعمالها الوظيفي. وما هو الجديد بذلك وأي نوع من فلسفة يحتويها.؟ معلوم بداهة أن الآلة وظيفة لا قيمة لها من غير علاقتها الاستعمالية من قبل الانسان.

يجري سارتر على نفس منوال الحشو اللغوي الذي اشرنا له فيعقد مقارنة سطحية جدا بين دور العامل الاقتصادي في الماركسية ودور الوجودية التي تريد فهم الانسان بابعاد اكثر شمولية من الاقتصاد وصراع الطبقات قائلا: (الوجودية تحاول ان تبحث عن الانسان اينما وجد فتهتم بدراسة عمله وعلاقاته العائلية وعقده النفسية وصلاته الاجتماعية وحالته المادية وظروفه الاقتصادية وغيرها بينما تكاد الماركسية أن تقتصر على تفسير الانسان بالرجوع الى حالته الطبقية ووضعه الاجتماعي6.

هذه التهمة الملتصقة بالماركسية فنّدها عشرات المفكرين الماركسيين وأول من فنّد هذه المثلبة بالدفاع عن الماركسية انها تعنى بالانسان من كافة مناحي حياته هو انجلز مؤكدا أن البعد الاقتصادي الذي يمثل محورا مركزيا في تناقض مصالح الطبقات الذي يعطي دفعا للتاريخ أن يتقدم ليس هو العامل الاقتصادي الوحيد في دراسة وجود الانسان وأنما هناك عوامل بنى تحتية تنفرز عنها بنى فوقية كلها تعمل مجتمعة بتداخل وتخارج معرفي واقعي متكامل في دراسة أهمية تحقيق مصالح وسعادة المجتمع والانسان..

الحقيقة التي يتجاهلها المكابرون في نقد الفكر الماركسي عن غير فهم صحة وصواب مقولة أن دور العامل الاقتصادي في حياة المجتمع والانسان دورا مركزيا يتقدم جميع العوامل الاخرى هي صحيحة تماما. إذ انت حينما تقضي على فقر الانسان تجد ان الكثير من المتعالقات الاخرى بحياته تنحل وتتلاشى ذاتيا لانها عوامل ثانوية ونتائج عرضية لكارثة الفقر بالمجتمع والفرد الذي يعتبر برنارد شو الفقر هو ام كل الرذائل. واستطيع القول إعطني انسانا مكتف ذاتيا باموره الحياتية الاساسية في مقدمتها العمل والاجور وحالته المالية المؤمنة في تقاعده أعطيك مجتمعا مرفها سعيدا بجميع أفراده في كل مناحي الحياة.

معارضة سارتر لديالكتيك الطبيعة

معارضة سارتر لوجود ديالكتيك يحكم التاريخ ذاتيا مسالة لم يكن سارتر الوحيد الذي عارضها وشخصّها ولم يكونوا من اصحاب الايديولوجيا الراسمالية. برأيي الشخصي الاجتهادي أعيد بهذا المجال ما سبق لي تناوله في مقالات غير هذه أن الديالكتيك الذي يحكم المادة والطبيعة والانسان اصبحت اليوم غير كافية لتفسير التطور التاريخي إن لم يكن الديالكتيك في المادية التاريخية بدعة تجاوزها الزمن.. وحين أعرض وجهة نظري بضوء ادانة سارتر لعبارة انجلز العمومية بابتذال فكري قوله (يوجد قانون عام يحكم كلا من الطبيعة والتاريخ والفكر هو الجدل الديالكتيكي). أنا مع رسالة سارتر التي بعث بها الى روجيه غارودي قبل إسلامه وخروجه من الحزب الشيوعي وهذا قبس منها (لو اننا نظرنا الى الماركسية على انها الاطار الشكلي لكل فكر معاصر لكان بامكاننا القول انه ليس في وسعنا تجاوزها. وانا اعني – الكلام لسارتر – بالماركسية تلك المادية التاريخية التي تفترض وجود ديالكتيك باطن في التاريخ، لا المادية الجدلية التي تحلق في سماء الاوهام الميتافيزيقية فتظن انها قد اكتشفت ديالكتيك في الطبيعة. لكن من المؤكد عدم وجود ذرة من اليقين حول هذا الامر. وتبعا لذلك فالمادية الجدلية مجرد حديث خاو مليء بالادعاء والتكاسل)7. سنوضح في سطور قادمة صحة ماذهب له سارتر عدم وجود ديالكتيك يحكم المادية التاريخية. ونحن بدورنا نثني على ذلك مؤيدين.

الماركسية والوجودية

بتاثير من الخلفية الماركسية التي رافقت فلسفة الوجودية لدى سارتر فقد حاول ادماج الوجودية بالماركسية في محاولة استيلاد (فلسفة مركبة ثالثة) خالية من المادية التاريخية وخالية من كتاب راس المال. وباءت جهود سارتر بالفشل.

وسلم الراية بعد افول نجم الوجودية نهاية عقد الستينات من القرن العشرين لفلاسفة البنيوية الشابة التي هاجمت بشراسة الماركسية والعقل والانسان والتاريخ وكل ماله صلة بالحداثة الاوربية التي اعقبت الخلاص من مآسي القرون الوسطى. كما هاجمت البنيوية السردية اللاهوتية الدينية وجاء كل ذلك باسم افكار مابعد الحداثة. فانبرى كل من شتراوس والتوسير وفوكو وجيل ديلوز مهاجمة كتاب راس المال والمادية التاريخية والديالكتيك بضراوة. وهاجم جان لاكان علم النفس الفرويدي. وتوجه دي سوسير نحو مهاجمة تاريخ الفلسفة باسم التحول اللغوي وفلسفة اللغة ونظرية المعنى التي شكلت بتاريخ الفلسفة إنعطافة عظيمة في مباحث الفلسفة عامة.

الجدل الديالكتيكي حقيقة ماركسية ام بدعة هيجلية؟

في اسطر سابقة ذكرت أن سارتر سخر من قانون المادية التاريخية (الديالكتيك) واعتبره بدعة خلوا من المعنى لا حقيقة موجودية له. وهو أي الديالكتيك من اختراع هيجل المثالي. وقبل اطلاعي على افكار سارتر هذه فقد كان لي نفس المنحى في مقال منشور لي قبل اكثر من سنة ذهبت فيه الى ان الديالكتيك الذي يحكم التاريخ حسب الماركسية هو تضليل عقلي تاريخي فلسفي قام به هيجل لا صحة واقعية ولا تاريخية له. وتبناه ماركس على انه حقيقة وقانون طبيعي يعمل ذاتيا بعيدا عن رغائب الانسان وتدخلاته وفي مايلي ادرج اسباب لماذا اعتبرت انا الديالكتيك هراء فلسفي كما ذهب وسبقني فيه سارتر.

- اولا من المحال تاريخيا ان يكون التطور التاريخي محكوم بمسار احادي يسمى الديالكتيك. وقوانينه الثلاثة العامة انما هي مقولات فلسفية لاواقعية مستمدة من ادبيات فيزياء الطبيعة الكلاسيكية ولا علاقة لها بتحديد مسار التقدم التاريخي المتطور الى امام. وكذا الحال فالديالكتيك لا يحكم الطبيعة التي تحكمها القوانين العامة الثابتة.

- لا يوجد مسار خطي تقدمي تاريخي تتخلله طفرات نوعية محكومة بديالكتيك توجبه الضرورة الملزمة والحتمية التطورية. فالتاريخ وقائع تستوعب التنظيرات وليست النظريات تحتويه وتسيّره كيفما تشاء. الديالكتيك ليس قانونا عاما يعمل بقواه الذاتية بمعزل عن تدخل ورغائب الانسان اكتشفته الماركسية. فمسارات التاريخ التقدم الى امام متعددة متنوعة لا حصر لها.

- التاريخ وقائع تلعب الصدف والعشوائية وغير المتوقع حدوثه دورا محوريا فيه. وكذلك غياب مراحل ساكنة من التاريخ يعجز الديالكتيك تحريكها. هذه القطوعات المراحلية في تغييب مراحل من التاريخ او في غيابها الذاتي من الحضور إنما هي نتيجة عوامل موضوعية واخرى عوامل خاصة بالتاريخ نفسه تعتمل داخل الوقائع التاريخية وتمنعها من الحضور في أوانها.

- اختراع هيجل لخرافة الديالكتيك المثالي هي من التجريد الفلسفي البعيد جدا عن المادة والطبيعة والتاريخ ولم يكن هيجل يؤمن بحدوثها نتيجة عوامل ذاتية واخرى عوامل موضوعية ثانوية مساعدة. بمعنى هيجل لم يكتشف قوانين الديالكتيك بل هو اخترعها فلسفيا واسقطها على التاريخ رغم مثاليتها الفجّة.

-  أهم ابتذال فلسفي وقع به هيجل حول اشكالية الديالكتيك وكنت ذكرتها في مقال سابق لي منشور هو مقولته الساذجة ان العقل البشري خاصيته الديالكتيك بالفطرة البيولوجية لتكوين العقل وخصائصه. وهذه السمة الديالكتيكية للعقل هي التي تجعل من تفكير العقل جدليا في المادة والتاريخ والحياة. ما يترتب عليه ميكانيكيا في هذه الخاصية العقلية الجدلية للعقل بالفطرة انها تحكم الطبيعة والتاريخ والمادة بخاصية قانون الجدل الديالكتيكي العام. طبعا اكتفي بالقول لا يوجد مثل هذه الخرافة الفلسفية ان العقل الانساني بطبيعته جدليا سوى في تفكير هيجل فقط.

***

علي محمد اليوسف - باحث فلسفي

.......................

الهوامش

1. د. زكريا ابراهيم / درسات في الفلسفة المعاصرة ص 485

2. نفسه اعلاه ص 479

3. نفسه اعلاه ص 483

4. نفسه اعلاه ص 480

5. نفسه اعلاه ص488

6. نفسه اعلاه ص 486

7. نفسه اعلاه ص 488

يمكن اعتبار رمزية الكهف الافلاطوني بمثابة رحلة أبدية من الظلام الى النور، تشحذ السعي نحو الحقيقة في عالم غارق في الظلال. قصة الكهف تجسّد فكرة شهيرة ومؤثرة وردت في كتاب افلاطون (الجمهورية). انها تنطوي على مسألة هامة حول الكيفية التي تبدو بها الأشياء مقارنه بما هي عليه حقا. طبقا لهذه القصة، الناس هم أشبه بالسجناء في كهف. انها تتحدث عن الانتقال من الجهل الى المعرفة وعن تصوّر الفرد لنفسه حين يتنور بالفلسفة ويجد ما هي الحقيقة. ولكن ماذا تقول القصة حقا؟

العناصر الرمزية في قصة الكهف

قصة كهف افلاطون هي استعارة لإختبار الادراك البشري والمعرفة والتنوير. انها تصف سجناء في كهف مظلم لبثوا فيه منذ الولادة. هم رُبطوا بالسلاسل يواجهون حائطا و لايمكنهم النظر الى الخلف.

هناك نار تشتعل خلف السجناء، و ممر بين النار والأسرى (من الخلف).على هذه المنصة المرتفعة، هناك ظلال لأجسام مختبئة تسقط على الحائط المقابل للسجناء. بالنسبة لهؤلاء السجناء، الظلال تبدو واقعية – هم لا يدركون ان وجودها ليس اكثر من صور متراقصة – ولهذا هم يركزون عليها كل انتباههم.

هذه الرمزية توضح عالم الجهل (الكهف) والكيفية التي يقيّدنا بها ادراكنا (كوننا مقيدين في الداخل منذ الولادة لذا نستطيع فقط النظر الى حائط واحد). بدون الفلسفة والتفكير النقدي نحن أشبه بالسجناء المقيدين بالسلاسل هنا. نحن لا نسأل حول ما نعرفه دائما لأننا لا نعرف ان هناك شيء آخر في الخارج – شيء ربما أكثر صدقا وعدلا.

ان قصة تحرر السجناء من الكهف والانطلاق الى الخارج ترمز الى الكيفية التي يبحث بها الفلاسفة عن المعرفة والحكمة. من الصعب واحيانا من المؤذي ترك الجهل في الخلف (الذي يمثله الكهف). ذلك يفسر لماذا يجب على الشخص المتحرر اولاً ان يكافح في رحلته نحو الضوء لأنه سيشعر بالتشويش والاضطراب.

في ضوء النهار، كل شيء يُكشف على حقيقته لأنه مجرد نسخة نراها نتيجة انعكاس الضوء. هذه التجربة الطاغية ترمز الى فهم نظرية افلاطون في الأشكال: النظر وراء الاشياء المادية الى أشكال لا يشوبها أي نقص. عندما يعود هذا الشخص لتنوير الآخرين، هم يسخرون منه ويرفضونه : الناس لا يحبون إعادة تعلّم الواقع. هذا الجزء يبيّن حجم الصعوبة التي يواجهها الشخص الحكيم في تنوير الاخرين عندما هم يفضلون فقط مشاهدة الظلال على الشاشة.

الأفكار الفلسفية

رمزية كهف افلاطون تستطلع مفاهيم فلسفية أساسية في فلسفته. هذه تتضمن الفرق بين الواقع والتصور، نظرية الأشكال ودور الفلاسفة في المجتمع. القصة في جوهرها تقارن الواقع المتصور للسجناء  - كما مبين بالظلال على جدار الكهف – مع ما يكمن وراء الكهف. انها تعرض اسئلة عميقة حول ما يشكّل الواقع الحقيقي وفيما اذا كان هذا مرتكز بثقة على الكيفية التي تبدو بها الاشياء لحواسنا وحدها.

ان نظرية الأشكال، احدى افكار افلاطون الاساسية، تؤمن بان هناك عالم لا متغير من أشكال تامة او افكار وراء عالمنا المتدفق الملموس. هذه الأشكال تجسد الطبيعة الحقيقية لكل الاشياء التي نتعامل معها – حيث الاشياء المادية تشكل نسخا غير تامة (مشاركة) لهذه الاشكال المثالية.

قصة مغادرة الكهف تمثل الكيفية التي تصبح بها الارواح أقرب لفهم هذه الاشكال – انها تشبه صورة اكتشاف اشياء والنظر اليها في ضوء جديد. افلاطون ايضا يدرس ما تعنيه هذه الرمزية للفلاسفة في المجتمع. انت حين تفهم الاشكال، هل ذلك يعني عليك ان تخبر كل شخص آخر بما وجدت؟ هو يستعمل فكرة الرجوع الى الكهف لبيان ان الناس ربما لا يصدقون ما تقول – وربما يغضبون عليك.

في نسخة افلاطون، الفلاسفة أشبه بالمرشدين الذين يقودون الناس الى خارج الجهل نحو المعرفة. هذه الطريقة من التفكير حول التعليم والقيادة ترتكز على الحكمة والبحث عن الحقيقة. انها تشير الى مدى أهمية الفلاسفة في رفع مستوى الوعي لكامل المجتمع.

الرمزية كنقد للمجتمع والسياسة

هناك مضامين سياسية واجتماعية في رمزية القصة، بما في ذلك كيفية التفكير في السلطة والحكم ودور القائد كفيلسوف - ملك. انها تستعمل الإستعارة لتقترح ان بعض المجتمعات عمياء لما هو حقا ثمين وجيّد. هم ربما يُقادون بواسطة اناس يسيئون فهم ظلال الاشياء الواقعية، مثلما يفعل السجناء. يقترح افلاطون ان هذا الوضع شائع في الانظمة السياسية حيث السلطة والثروة تُمجّد فوق كل شيء آخر – أنظمة لا تقيّم عاليا قيمة الحكمة والعدالة. القصة تقترح بدلا من ذلك اننا يجب ان نبني مجتمعا يتولى فيه من لديه تجربة مباشرة بالضوء إرشاد الآخرين وان الافراد يمكنهم فقط الحكم بشكل جيد لو فهموا هذه الحقائق الاساسية بشكل أفضل. حاكم افلاطون المثالي يُعرف بـ الفيلسوف - الملك الذي هرب من الكهف وحصل على التنوير من الأشكال. مثل هذا الشخص، ونظرا لكونه فهم جيدا ماهية الواقع، فهو يناسب جيدا للقيادة لأن قراراته ترتكز على معرفة ما هو الجيد.

مثال على هذا يمكن ان نعثر عليه في جمهورية افلاطون حينما يقترح برنامجا تعليميا مكثفا للفلاسفة لكي يمكنهم يوما ما القيادة بحكمة وفضيلة. الرمزية لا تعني فقط نقد المجتمعات القائمة في النظرية. انها ايضا لها تطبيق عملي من خلال توجيه سؤال للافراد حول سبب تفضيلهم اناس معينين كقادة على آخرين. ألا يجب اختيار الحكام لأنهم لديهم نظرة ثاقبة حول أحسن طريقة للحكم وليس فقط بسبب خلفيتهم العائلية او مقدار ما لديهم من ثروة؟

افلاطون انتقد ديمقراطية اثينا لأنه اعتقد ان السياسة كانت تتقرر من جانب اناس سيئي الاطّلاع  كانوا جيدين في الاقناع ولكن ليس في التفكير الجيد. في اقتراحه اننا يجب النظر الى الفيلسوف الملك كحاكم، يريدنا افلاطون النظر بما نقيّمه في القادة وننظر في ما اذا كان من الأفضل لمنْ هم في المسؤولية ان لا يسعوا لمصالحهم الشخصية. بدلا من ذلك، هم يجب ان يبحثوا عن العدالة والحقيقة حتى عندما يعني ذلك احيانا الذهاب عكس ما يريده أغلب الناس.

التعليم والتنوير في القصة

رمزية كهف افلاطون تصف بالضبط كيف يتعلم الناس ويرتقون على الصعيد الشخصي، مبينا ان تصبح متنورا يعني اكثر من مجرد تعلّم الحقائق. انه تحوّل تام من اللامعرفة الى المعرفة. يصف افلاطون ببراعة عملية التعليم والنمو الشخصي، وهو في هذه القصة التي يشبّه فيها الصراع في الخروج من عتمة الكهف والدخول الى ضوء الشمس انما يعطي صورة قوية جدا تقترح ان التغيير ذاته يتعدى مجرد معرفة الأشياء.

الافراد قبل الانطلاق في رحلتهم نحو التعليم، هم كأنهم سجناء داخل كهف – مقيدين بما عرفوه سلفا وفهموه (هم ايضا لا يعرفون الى أي مدى هم لا يعرفون). الظلال على الجدار تبدو واقعية لهم يمكن الاعتقاد كانها تمثل جهلا مقبولا او نصف معرفة. كطلاب يبدأون السؤال ويستكشفون افكارا جديدة (يمكن ان تكون غير مريحة)، هم كما لو يدخلون نفقا طويلا يقود الى مكان مفتوح. هم يتركون خلفهم الطرق القديمة في التفكير ويسيرون نحو المنطقة غير المعروفة. انها تشبه المشي خروجا من كهف مظلم الى ضوء الشمس لأول مرة. لمعان الشمس قد يؤذي عيونهم وقد لا يرون جيدا، ولكن عندما يتكيفون هم يعترفون كم هو مدهش امتلاكهم هذا الفهم الجديد.

رؤى افلاطون حول المعرفة والوجود

في جوهر طريقة افلاطون في التفكير يكمن الفرق بين عالم الظهور الذي نستطيع فقط الوصول اليه عبر الحواس، وعالم الأشكال المثالية الذي يتم الوصول اليه عبر التفكير العقلاني. الكهف يمثل العالم المادي كما نراه: وهمي ومتغير باستمرار (الظلال المتراقصة على الحائط). وفي خارج الكهف هناك ضوء الشمس الذي يكشف عالما آخرا. انه يرمز لأشكال افلاطون حيث الحقيقة لن تتغير ولا يضيع شيء ابدا. يستطيع المرء فهمها فقط عبر استعمال العقل.

القصة توضح رؤية افلاطون بان المعرفة المكتسبة من خلال حواسنا هي لا تستحق وغير تامة – انها تلمّح فقط لما يجب ان تكون عليه المعرفة الحقيقية. بالنسبة لافلاطون المعرفة الحقيقية تأتي من الفهم الجيد للأشكال الأبدية. هذه المُثل المجردة توجد بشكل مثالي في مكان ما، كأن تكون مثلا في الجمال ذاته وليس في الأشياء الجميلة او في افعال عادلة صادف ان تكون عادلة وجيدة.

وعليه، فان المعرفة هي أكثر من مجرد تعلّم الحقائق. هي تجربة تحويلية تأخذنا من الجهل الى التنوير ومن العقائد غير المختبرة الى الأحكام المدروسة. كذلك، تعبّر رمزية افلاطون في الكهف عن رؤيته الميتافيزيقية بان هناك عالمين متميزين: العالم المحسوس الذي هو متغير دائما ومؤقت الوجود وعالم الوجود المثالي العقلاني الذي هو لا زمني ودائم. خروج السجناء من الكهف يمكن رؤيته كرمز للروح المتحركة من الوهم (خداع الحواس يقيّدنا الى عالم المحسوسات) الى الحقيقة (الأشكال توجد فقط في عالم المُثل). هذه الطريقة، يستعملها افلاطون ليبيّن كيف نصل لمعرفة الاشياء وماذا يعني الوجود حقا.

اذن، ما هو المعنى المخفي في رمزية كهف افلاطون؟

رمزية الكهف ليست قصة فقط – انها رحلة من الوهم الى الحقيقة. تصوّر انك قُيّدت في كهف مظلم حيث الصور الظلية المتراقصة هي واقعك الوحيد، لكن هل هناك ما هو اكثر للحياة من هذه الظلال؟ افلاطون يشجعنا على التحرر وكشف الحقيقة لأنفسنا.

من حيث الجوهر، تغوص هذه الرمزية في لب المعرفة: ماذا يعني ان نعرف شيئا ما؟ ما هو الواقعي مقابل ما يبدو واقعيا؟ انها تتحدانا للذهاب الى ما وراء ما تراه حواسنا من اول نظرة والانتباه الى ان هناك حقائق لا متغيرة خارج كهف ادراكنا.

بكلمة اخرى، الرمزية تشجع الباحثين عن التنوير بعدم القبول بمعلومات محدودة عندما يكون بالإمكان اكتشاف حقائق عظيمة. انها دعوة لليقظة ونصيحة خالدة عبر طرح الأسئلة والبحث عما هو تحت السطح.

***

حاتم حميد محسن

................

المصدر:

The hidden meaning of plato’s cave Allegory, The collector Dec11,2024 

تساؤلات تمهيدية

هل الانا (الذات) وهي ليست موضوعا ادراكيا من غير صاحبها ولا تمتلك ماهية خارج وصاية العقل المنفرد وليس الجمعي عليها في الدلالة المعرفية عن مختلف جوانب الحياة وحاجات الجسم. هل الذات حقيقتها الوعي الادراكي الاستبطاني الداخلي كموجود قائم بذاته في ملازمة الجسم لها؟ ام الذات من خلال وعيها لذاتها ووعيها موضوعات العالم الخارجي والعالم الداخلي هي ادراك استبطاني عقلي – نفسي مشترك؟ هل الانا موجود يدرك من غيره أم هو خاصية انفرادية لدلالة وجودها المغاير للذوات الاخرى ومع الاشياء في خاصيتها التفكيرية المجردة؟ أم الانا الذات موجود انطولوجي من خلال تعالقه بالشخصية الهوياتية للفرد تدخل في علاقة تجريد تواصلي مع الآخر ولا تكون موضوعا له على إعتبار الانا ماهيتها المتفردة هي مرجعية العقل المفكر لفرد؟ هل وعي الذات كتجريد إرادي سلوكي فاعل يرتبط بالاستشعارات والاحاسيس الجسمية والنفسية خارج وداخل الجسم في توليفة واحدة.؟ هل يمكننا فصل الذات عن الانا كما هو حال الافتراضية التي تذهب فصل الفكر عن اللغة او فصل الشكل عن المضمون او فصل الصفات الخارجية عن الجوهر؟ هل يوجد عضو بايولوجي مثل جسم الانسان ينوب عن تمثيله الذات كما يذهب له فيلسوف الوجودية جبرييل مارسيل؟ هل من المتاح أن تنفصل الذات عن الجسم في علاقتها بعالمي الانسان الخارجي والداخلي الاستبطاني وحتى العالم الخيالي؟ الانا والانا الاعلى والهو تراتيبية فرويدية لتجليات الذات النفسية السلوكية حسب حاجة الشعور واللاشعور. من البديهي الانا التي هي الذات التي تعي وجودها بالمغايرة الموجودية مع غيرها من الاشياء والموضوعات كتفكير تجريدي تختص به الذات دون غيرها. يذكر دي بيران (اخطاء الميتافيزيقيين الذين يخلطون بين الانا التي هي الذات النسبية القائمة بالمعرفة وبين النفس التي هي موضوع مطلق للاعتقاد)1. هذه واحدة من الخلط الذي وقع به جبرييل فيلسوف الوجودية كما سيتوضح معنا بهذه الورقة. فالذات والنفس كلاهما موضوعان مطلقان للاعتقاد.

الذات الوجودية وجبريل مارسيل

 يعمد جبرييل مارسيل أحد اقطاب الوجودية المؤمنة الى تشييء الذات انطولوجيا بغير خاصيتها في تجريد التفكير كما سبق وفعله ديكارت في الكوجيتو. جبرييل يعتبر افضل تجليّات الذات أن تكون هي بعدية لا تتقدم (الجسم) وليس ماهية وخاصية التفكير العقلي الذاتي. ويقول جبرييل بهذا الصدد " اليقين الوجودي – طبعا المقصود بالوجود هنا هو الكينونة الانسانية للفرد وليس الوجود كمفهوم ميتافيزيقي مطلق غير قابل للادراك – ماثل في الخبرة التي عن جسمي على نحو ما هو حي بالفعل. والتجسيد الذاتي هو ان المرء يدرك نفسه باعتباره جسما. والجسم هو حلقة الاتصال بين الذات والعالم الخارجي"2. العبارة بين شارحتين للكاتب.

هنا قبل الاستمرار بنقل فكرة جبرييل الوجودية حول الذات هي الجسم نود الاشارة الى أن كليهما الذات والجسم موجودان جوهريان وهما معطى فطري منفصل بالتركيبة البايولوجية في عدم جواز الانابة التبادلية بين جوهر الذات وجوهر الجسم. بل تربطهما علاقة مشتركة لا إنفكاك منها. وسنوضح هذا لاحقا في البديهة لا جسم بشري لاتسكنه الذات ولا ذات لا يحتويها جسم بايولوجي.

 ويمضي جبرييل تاكيد فكرته الفلسفية قائلا " تجسيد الانا او الذات عينيا بالجسم هي نقطة انطلاق من شيء مادي ملموس فانا لا ادرك نفسي كما يظن ديكارت باعتباري فكرا محضا بل باعتباري متجسدا في بدن. هو نواة كل موقفي الوجودي ومعنى ذلك أني لا استطيع فصل شعوري بذاتي عن إحساسي بجسمي وإدراكي العالم الخارجي. وعندما اقول عن شيء ما موجود فانني أعني بذلك ان هذا الشيء قابل للاتصال بجسمي والتاثير عليه. سواء اكان ذلك بطريقة مباشرة ام بطريقة غير مباشرة"3. ملخص عبارات جبريييل هذه معناها التوضيحي ان ليس هناك جسما لا تسكنه ذات كما ذكرناه. ولا يتسنى لنا التعامل مع الذات منفصلة عن الجسم والعكس صحيح ايضا.

يلاحظ أنه كما فعل ديكارت كي يخلص من الابعاد المتعددة لتجليّات الذات فحصرها في إثبات انطولوجيا الموجود الانسان بقابلية التفكير المجرد في الكوجيتو. عمد جبرييل ايضا الخلاص من تشظيات الذات الادراكية بين الفكر التجريدي والواقع, وبين الوجود الانطولوجي والفكر, وبين الذات وعلاقتها بالسلوك النفسي, وبين الذات واللغة, وبين الارادة الحرة والفعل, وهكذا... إختار جبرييل اختزال مركزية الذات بالجسم. وقال بأسبقية الجسم البيولوجي على تجريد الذات الفكري. الذات فضاء جوهري يتجاوز إحتواء الجسم له والانقياد وراءه بالتبعية. دائما يكون كل فضاء مفهومي غير متعيّن بحدود يكون يحتوي كل ماهو نهائي محدود من موجودات.

 إختزال جبرييل الذات تتقدم الجسم كان يريد من ورائه إثبات وإيجاد نوع من واقعية فلسفية تلغي الابعاد المتعددة الفاعلة للذات في قيادتها هي الجسم وليس العكس في اولوية الجسم عليها. الذات الانسانية لا تتجلى في بعد واحد بل هي مركب من ابعاد تفكيرية واقعية مادية وايضا خيالية واستذكارية ونفسية لا حصر لها هي تجليات فاعلية كينونة الانسان التي من المحال فصل الذات عنها او محاولة تقديم اولوية الجسم عليها كما يرغب جبرييل مارسيل. اما الجسم فهو كينونة موجودية بيولوجية نهائية موجود ببعد بيولوجي واحد متعين يدركه الحس والعقل.

 من الحقائق البيولوجية الواقعية والتفكيرية ان الذات لا تتموضع بالجسم على حساب الغاء الابعاد الاخرى للذات في الاضطلاع بمهمة تجريد الوعي السلوكي العملاني للجسم التي من دونها يفقد الانسان موجوديته الوجودية الفاعلة بالحياة. ابسط تلك الابعاد ان الذات مجتمعية بالفطرة والخبرة المكتسبة لا يمكنها المعيش المنفصل عن التعايش مع الاخرين وإن كانوا هم الجحيم على حد تعبير سارتر.

نؤكد ما سبق لنا ذكره ان الذات في توزع خصائصها المتعددة الابعاد فهي ملزمة أن تكون قائدة لكينونة مركبة عديدة إحداها جسم الانسان. والذات سواء أكانت بقدراتها الذاتية كخبرة تجريبية بالحياة أو كانت افكارا تحت هيمنة ووصاية العقل في توجيهها فهي لا تتمكن من الاحتفاظ بخاصية واحدة لها تعتبرها مرتكزا اوليا في الموجود الانساني كينونة موحدة على حساب الغائها العديد من الخصائص الاخرى التي تمتلكها الذات وملزمة بالضرورة الاستجابة في اشباعها حاجات الجسم في علاقته بالعالم الخارجي وحاجات الجسم الداخلية التي تتوزعها اجهزة الجسم الباطنية التي تنتج الاحاسيس البيولوجية والغرائزية التي تلزم العقل والجسم اشباعها والا يفنى الكائن الحي ويموت.. وبفناء الجسم تفنى الذات التي تحتويه في كل حركاته ومشاعره.

ففي الوقت الذي تكون فيه الذات تفكيرا تجريديا فهي تكون بنفس الوقت واقعية لابعد الحدود المادية حينما تتعلق الامور باشباعها حاجات الجسم البايولوجية والغرائزية الفطرية على السواء.. فالذات حين تكون الجسم والارادة والنفس والسلوك واللغة والمخيلة ووعي الزمن وما لا حصر له من خصائص ومهام فانما بكل هذه المهمات الصفاتية المفكرة تجريدا وغيرها تكون ذاتا عقلية تحتوي كل شيء مادي ولا تحتويها مادة بعينها بداية ومنتهى.

جبرييل وحقيقة اسبقية الجسم على الذات

يعترف جبرييل مارسيل بزّلة لسان فلسفية بحقيقة الذات ليست جسما كما سبق وقال به الذات هي اسبقية الجسم كوجود حقيقي عليها دليل ذلك قوله نصا " ان جسم الانسان لا يستوعب كل ذاته ولا يعبر عن صميم وجوده ".4 الوجود الحقيقي للانسان لا يعبر عنه الجسم بل وعي الذات لوجودها النوعي المغاير لكل ماهو مادي. لتاكيد صواب وصحة ما ذهبنا له قبل جبرييل في اعترافه الجسد لا يستوعب الذات لناخذ مثلا ملكة الخيال هل هي خاصية فكرية تجريدية للذات أم هي خاصية بيولوجية جسمانية؟ الخيال خاصية ذاتية تجريدية في تعبير المخيلة عن موضوعاتها تجريدا في اللغة الصورية الصامتة والمنطوقة. وملكة الخيال خاصية نوعية جوهرية لا يمتلكها الجسم منفصلا عن ذاته. الخيال تفكير مفهومي تجريدي قبل أن يتحول الى تجسيد موضوعي.

يستعير جبرييل مارسيل مقولة الوعي القصدي التي استعارها هوسرل ونادى بها اقطاب الفلسفة الوجودية وفينامينالوجيا هوسرل. وقد وقعت الوجودية في خطأ افدح ضررا مما ارادت تصحيحه لكوجيتو ديكارت. حينما قالت الوعي القصدي هو الذي يحمل معه هدفه القصدي ولا يستمده من معرفته التخارجية بعلاقة وعيه مع موضوعه. وهنا يصبح معنا التساؤل المشروع لماذا نقوم بادراك الاشياء والموضوعات اذا كان وعينا الاشياء يحمل هدفه معه؟ لماذا يدرك العقل الاشياء وموضوعات التفكير اذا لم يكن يتوخى حصوله على معرفة مضافة جديدة عنها / ومنها؟ سبق لي تناولت الموضوع في غير هذا المقال. لكني وجدت الاشكالية غير التي ذكرناها فقط.

الاشكالية هي في هل يعجز وعينا الادراكي من معرفة موضوعه اذا لم يكن يحمل الوعي عن ذلك الموضوع تصورات اولية عنه؟ اذا نحن اجبنا انه يتعذر على الوعي ادراك معرفة موضوعه بدون ان يمتلك معلومات اولية عنه نسقط في خطأين الاول ما مصدر امتلاك الوعي لاوليات معرفية قبلية سابقة على وعيه موضوعه الذي يقصده؟ اذا قلنا مصدر تلك المعلومات الفطرة نقع ايضا بالخطأ لأن المعرفة خبرة مكتسبة وليست فطرية بالغريزة. الخطأ الثاني اذا ذهبنا مع الرأي الذي يقول يعجز الوعي معرفة موضوعه دونما إمتلاكه الحد الادنى المعرفي عن موضوعه فكيف يتمكن الوعي التعامل مع الموضوعات الصدف الغفل التي تعترضه وتفرض عليه تفاعله المتخارج المعرفي معها وهو لا يمتلك ادنى معرفة مسبقة عنها.؟

خلاصة القول ابتداع هوسرل ومن قبله استاذه برينتانو في فلسفته الظواهر الفينامينالوجيا وفلاسفة الوجودية انه لكي يكون وعينا الاشياء منتجا عليه ان يمتلك خاصية الوعي (القصدي) خرافة وهراء فلسفي ابتدعه هوسرل. فالوعي مثل الزمن لا يقبل القسمة على نفسه ولا يتقبل تقسيمه الى ازمان. مثلما تقول الزمن هو الزمن وقولك لا يجانب الخطأ كذلك الوعي هو الوعي والقصدية ملازمة عضوية له ولا يجوز لنا خلعها عليه في اشتراطنا المسبق لكي يكون الوعي منتجا عليه ان يتسم بالقصدية.. لايوجد وعي تفكيري لا يكون قصديا في افصاحاته او في استبطاناته المعرفية. الوعي الذي لا يكون بالضرورة الموجودية وعيا قصديا لتحقيق هدف يعنى ذلك ليس بوعي يتحكم به العقل بل هو لاوعي.

الوجود الاصيل والوجود الزائف

ذكر هيدجر ومعه فلاسفة الوجودية أن العامة من الناس تعيش نسيان الوجود الاصيل وتعيش وجودها الزائف القطعاني الاستهلاكي في روتين الحياة الذي يتوزعه العمل والمأكل والنوم والعلاقة الحميمة. ومن خلال تقصي اطروحة هيدجر هذه اتضح لي ولكل باحث بالفلسفة ان كولن ولسون في مؤلفه اللامنتمي وفي اكثر من مؤلف له وفي رواياته أجاد في توضيح الالتباس الهيدجري لمعنى الوجود الاصيل الذي اراده هيدجر للعامة وهو استحالة أن يناله غير النخبة المميزة في وعيها ونضجها المتقدم على الوعي الجمعي كما اثبت كولن ويلسون ذلك. بالحقيقة مصطلح كولن ولسون اللامنتمي هو المعادل الموضوعي لاغتراب الذات.

لذا ما سبق لهيدجر طرحه حول ضرورة ان تتوجه العامة لنيل وجودها الاصيل بدلا من وجودها الكاذب هو يوتوبيا فلسفية لم يعرف صياغتها منطقيا مثلما فعل بعده بنجاح باكثر من قرن المفكر الروائي الانكليزي كولن ولسون. هيدجر اتفق مع استاذه هوسرل بالرد على ديكارت بان الوعي بلا موضوع غير متحقق في الكوجيتو وهو صحيح قابل لدحضه.

لذا يجب ان تكون خاصية الوعي هو القصدية او الهدف من وعي الاشياء والموجودات حسب فلاسفة الوجودية بالاجماع. واعيد هنا تحت الضرورة ما سبق لي ذكره ان الوعي القصدي هراء فلسفي ومصطلح افتعالي بدليل انعدام التفكير بلا موضوع وسبق لي اوضحت ذلك في سطور سابقة. وعندما قال ديكارت انا افكر يعني ضمنا انه يفكر بموضوع فالادراك والتفكير لا يعملان فعليا ولا عقليا من دون موضوع.

وبلغت المهزلة الابتذالية اوج جنونها وهستيريتها الفوضوية تحت يافطة لماذا لم يقل ديكارت بماذا كان يفكر كي يثبت وجوده الانطولوجي.؟ استطيع القول بلا ادنى تحفظ تحوّل الكوجيتو الديكارتي بالفلسفة الى افتتاحية ابتذالية في كل تفلسف ما جعل الاب الروحي للفلسفة الوجودية سورين كيركجورد يقول بغضب فلسفي ناضج جدا ينهي مهزلة كوجيتو ديكارت (انا لا افكر اذن انا موجود.) بمعنى الوجود يسبق التفكير وهذا تحصيل حاصل أن خاصية كل موجود يمتلك تفكيرا. الموجود باستقلالية انطولوجية يسبق التفكير به والوعي الادراكي به فهو موضوع مادي او خيالي لوعي ادراكي تجريدي صوري.

الاقتباس الخاطئ

إستعار جبرييل مارسيل فيلسوف الوجودية من زميله الخطأ التالي " الوجود الاصيل- حسب ما قال به هيدجر- انما يتمركز بمقولة (الوجود- في- عالم) ونسب جبرييل في اعتماده هذه المقولة الخاطئة التي اخذها عن هيدجر ان الوجود الاصيل مرتكزه الجسم وليس الذات. (اراد جبرييل صاحبنا يكحلها عماها).

- اولا الوجود – في – عالم مقولة هيدجر هي خاصية الانسان انه كائن مجتمعي او اجتماعي لافرق ولا علاقة لها بالوجود الاصيل ولا بالوجود القطعاني الزائف. فالفرد موجود قبل تصنيف نوعية وجوده اصيل ام زائف. سواء اكان ذلك الفرد يعرف أو يدرك معنى الوجود الاصيل في انضمامه الوجودي ضمن عالم لاصبح تحصيل حاصل أن كل انسان بحكم اجتماعيته الفطرية إنما يعيش وجوده الاصيل غير الزائف وبدعة هيدجر الوعي القصدي مولود مات في بطن أمه. ولا يبقى هناك فرق بين وجود اصيل عن وجود زائف فالكل يعيش في عالم كما يرغب هيدجر. العامة من الناس في وجودهم الاجتماعي الزائف لا يفكرون بوجود اصيل عليهم بلوغه فهذه مهمة وخاصية النخبة المجتمعية وليس عامة الناس.

- للامانة شر البلية ما يضحك هيدجر قال لكي يحقق الفرد خاصية وعيه الايجابي كموجود في مجتمع يجب ان يكون وعيه قصديا قبليا. ولم يقل كما فهم واقتبس عنه جبرييل الوجود في عالم يحقق للفرد وجوده الاصيل غير الزائف. الفرد وجوده في عالم هو معطى فطرة غريزية فالانسان الفرد من المحال أن يستطيع المعيش خارج عالم يحتويه. لذا اشتراط هيدجر كي يكون الوعي قصديا محققا هدفه عليه المعيش في عالم ومجتمعية الانسان كموجود وكائن اجتماعي بالفطرة وليس بالوعي القصدي الهيدجري.

- الوجود الاصيل هو حصة النخبة المجتمعية التي تمتلك وعيا نوعيا خاصا يتجاوز الوعي الجمعي المتخلف عن وعيه. وبالعكس هؤلاء النخبة في الغالب الاعم هم منعزلون عن الوجود في عالم يحتويهم لا يجانسهم المقاربة الفكرية ولا العلمية ولا اي اختصاص ثقافي او ادبي وغيره لان الوجود القطيعي مجتمعيا ولو في حقيقته ضرورة لا يمكن للانسان الخلاص منها الا انه يختزل ويميت الخاصية العبقرية للنخبة حينما تنزل بتفكيرها الى العامة وتفقد خاصيتها الانفرادية المنعزلة التي تحمل وعيا متدما متعاليا عن المجموع.. من بديهيات المبدعين النخبة التي تقود مجتمعاتها هو ان تحاول رفع الوعي الجمعي المتخلف المتدني لمستوى ما تفكر به هي النخبة الواعية ولا تنزل هي بتفكيرها الى وعي المجتمع الذي استهلكته امور وحاجات الحياة في مجاراتها الوعي المجتمعي الهابط.

- جبرييل أخزاها جدا في مقولته الاستنتاجية الابتذالية (الوجود الاصيل مرتكزه الجسم وليس الذات). وفات جبرييل ان (الوجود في عالم) مقولة هيدجر البائسة هو اولوية وجود الذات وليس اولوية وجود الجسم وحتى هذا التعبير يمتلك اشكالية انه ليس هناك موجود انساني يكون الجسد مرتكزا لوجوده في عالم منفصل عن ذاته اذ لا وجود لذات بدون جسد ولا يوجد جسد لا يمتلك ذاتا مفكرة.

يصّر فيلسوفنا جبرييل على ان مرتكز الموجود الانسان هو الجسم وليس الذات ولا العقل. الجسم الذي تتفرع عنه اكثر مما ذكرنا من ابعاد هي خصائص الذات التي نضيف لها وتتفرع عنها الاخلاق والضمير والعواطف ومفردات مباحث الاكسيولوجيا. والا فما معنى قول جبرييل" الاتصال بالعالم الخارجي انما يكون بالجسد الذي لا ينفصل عن الذات ولا تنفصل هي عنه" 5 . بداية العبارة الاتصال الخارجي يكون بالجسد خطأ وتكملتها صحيحة. ولكي نوقف عبارة جبرييل على قدميها بدلا من رأسها كان عليه القول الاتصال بالعالم الخارجي انما يكون بالذات التي لا تنفصل عن الجسد. اولوية الذات على ثانوية الجسم لا تحتاج نقاش تخطئتها ولو تصح تخطئتها لكان الحيوان الذي تكون اولوية الجسم عنده أسبق على تفكيره فهو اولا يعيش لياكل على ثانوية اهمية الذات المفكرة المتراجعة جدا عنده وتكاد تكون غير موجودة. ربما بهذه الخاصية الحيوانية التي يبتغيها جبرييل في تغليبه الجسم على الذات المفكرة تجعل الحيوان يتساوى مع الانسان اذا لم نقل حسب نظرية جبرييل الجسم يتقدم الذات يترتب عليها ان يكون الحيوان أرقى من الانسان بجسمه لا بعقله.!!

خاتمة

جسم الانسان ينقسم الى عالمين بايولوجيا العالم الخارجي بجميع موجوداته المادية وغير المادية وليس شرطا ان يكون اتصالنا بالعالم الخارجي من حصة الجسم وحده فهذا افتراض محال بدون ملازمته ذاتا مفكرة. الثاني هو عالم الانسان الباطني او الداخلي الذي تكون مسؤولية اشباع حاجاته الحياتية الاساسية هي من حصة الاستشعارات التي تصدرها اجهزة الجسم الداخلية على شكل أحاسيس فطرية وغريزية معا.. وفي خلاصة لفلسفة جبرييل حول علاقة الذات بالجسد ندرج التالي غير الذي سبق ذكره بتوضيح:

- يتلاعب جبرييل بالكلمات والالفاظ ولا يتلاعب بالافكار فهذه خاصية فلسفية وتلك خاصية هراء. فمرة يعتبر الجسم هو تجسيد الذات وفي اخرى يعتبر الجسم او البدن كما يحلو له حلقة اتصال بين الذات المفكرة والعالم الخارجي. ويرى حسب اجتهاده أنه يتحاشى وينأى بتفكيره الوقوع في خطأ ديكارت حين ادرك وجوده الجسماني بالفكر المجرد بلا موضوع تفكير. فيقول (انا ادرك نفسي- لم يقل ذاتي فالذات غير النفس- متجسدا في بدن الذي هو انا وجودي الحقيقي!!).

- يكمل فيلسوفنا الوجودي جبرييل قائلا:(انا لا املك افضل شعور بذاتي في غير احساس جسمي بالعالم الخارجي). ويجد جبرييل في فوارق الجسم الوظائفية مسار وجوده الحقيقي. بينما يعتبر الذات لا تمتلك تلك الفوارق الجسدية التي تمكنها الالتقاء مع الاخر وهو تفكير خاطيء تماما.

- لا يقّر جبرييل بوصاية الذات على الجسم ويعتبر الجسد ليس موضوعا للذات تمتلكه فهو اشمل منها ويستوعبها. والجسد هو احد مقومات امتلاك الذات لخصائصها وليس العكس.

- من طرائف جبرييل ما يطلق عليه المشاركة الوجدانية ويضرب مثلا على ذلك علاقة المالك الفلاح لارضه وعلاقة البحار مع (بحره) فلا يعتبر هذه العلاقة نفعية بل هي علاقة اندماج وجداني – نفسي ما يترتب عليه ان تكون علاقة الجسم بالعالم الخارجي اكثر شعورا وجدانيا في وصول الوجود الحقيقي بدلا من الشعور الوجداني الذي تمنحه الذات المفكرة.!!

- كما قلنا بأن جبرييل يجد علاقة الجسم بالعالم الخارجي هي علاقة وجدانية غير انتفاعية رومانسية. عليه تكون هذه العلاقة علاقة (خبرة بدن) مع (خبرة نفس) في تلازم لا انفصال بينهما!!. من غير المعقول ان نقصي الذات المفكرة ان تكون خبرة الانسان في كينونته الموجودية الواحدة. وخبرة النفس ارتباطها بالذات المفكرة اوثق واولوية على ارتباطها بالبدن.

***

علي محمد اليوسف / باحث فلسفي

...........................

الهوامش:

 1. جان فال/ الفلسفة الفرنسية من ديكارت الى سارتر/ترجمة فؤاد كامل ص 70

2. د.زكريا ابراهيم/ دراسات في الفلسفة المعاصرة/ ص 464

3. المصدر اعلاه نفس الصفحة

4. المصدر اعلاه نفس الصفحة. ......

5. المصدر اعلاه نفس الصفحة

 

ما معنى أن يكون الأشخاص أحراراً؟ معنى ذلك وبكل بساطة أن يشعر الشخص بأن ما يريد قوله، أو ما يريد القيام به، أو ما يريد أن يفعله غير خاضع لأي ضرورات أو حواجز أو إكراهات.

إن الشخص الحر هو الشخص الذي يفعل ما يريد أو ما يشاء بدون محاسبة على فعله، وهذا شيء مستحيل التحقق إستحالة تامة.

عند عودتنا إلى اليونان، نجد أن أفلاطون كان قد قال ساخراً في إحدى محاوراته: "سعيد لأنني ولدت يونانيا أثينياً ولم أولد بربرياً" وهذا تعبير سلبي تجاه الغير الذي يعتبره شيئاً بَرَّانِياً، أي يوجد بشكل ثانوي في هذا الوجود، لأنه أي الغير مجرد متوحش وعبد مشكوك في آدميته، ليس بشر بل حيوان متوحش، لهذا إنطلاقاً من نشأة المدينة-الدولة وشروط الممارسة السياسية في أثينا، ثم إعطاء الحق في التفكير الحر والتأمل النظري للأسياد وحرمان العبيد من هذه الحرية، ما يعني أن السيد وحده من له الحق في الممارسة السياسية والانخراط في الشأن العام والتعبير عن الرأي وبنائه حسب أرسطو، ونفس التصور تقريباً سيظل سائداً حتى القرن العشرين 20م.

رغم أننا سنلحظ نقاشا وسجالاً حازما بين كل من الرواقية والأبيقورية بخصوص حرية الأشخاص، ذلك أننا سنتحدث معهما عن الشخص العبد الخاضع للغرائز والشهوات والأفعال والانفعالات والنزوات والميولات والدوافع والشهوات والرغبات، فهو كائن خاضع لميولاته لا يستطيع التخلص أو التحرر منها كما لا يستطيع التخلص أو التحرر من نظام الطبيعة، أي القوانين الطبيعية الضرورية التي تتحكم في الأفراد رُغْماً عن أنفهم، ومن هنا أصبحنا نتحدث عن حرية داخلية توجد داخل الأفراد، وكأن الحرية قوة باطنية أو قوة خفية كامنة داخل الأشخاص.

وهذا ما جعل اسبينوزا يقول: "يخطئ الناس، إذن، في كونهم يعتقدون أنهم أحرار؛ وهذا الرأي لا يكمن إلا في وعيهم بأفعالهم وجهلهم بالعلل التي تجبرهم على القيام بها." [1] ، فالمرء يحدث له أن يخطئ حينما يعتقد أنه حر ومستقل، ويدعي أنه يشعر بالفعل الحر الذي يقوم به، في حين أنه مجرد جاهل ساذج للعلل أو الأسباب والأحداث التي تجبره على القيام بتلك الأفعال، لعل من بينها قوانين الطبيعة، ومن بين هذه القوانين الطبيعية الرادعة لحرية الأفراد قوانين الجاذبية التي تعرفنا عليها مع نيوتن، ولم تكن الذات على وعي بها أو تعرفها.

وقد نذهب بعيداً فنقول لقد بدأت لحظة الوعي الحقيقي للأفراد بأنهم مجرد أشخاص خاضعون للضرورات الطبيعية منذ الإكتشاف أو الكشف الكوبرنيكي سنة 1543م، عندما تعرفنا على حركة الأرض، وأن الأرض التي كانت ثابتة، أصبحت في حركة دائمة حولنا نحن كأشخاص، وحول ذاتها، فقدان المركزية هذا عصب حتى ببصيص الحرية الذي كنا نتوهمه، لهذا جاءت دعوات ديكارت الساذجة بأن الإنسان مركز الكون والعالم والوجود، سيد ذاته، يعي ذاته والعالم من حوله، ...إلخ من الدعوات الوهمية.

ولربما كان الرد النيتشوي [نسبة إلى فريدريك نيتشه] أقوى رد على هذه الزخات الوهمية، حينما قال: "إن الإنسان يتوهم أنه يسلك وفق مبدأ الحرية." [2] ، لقد كان على حق، لأن الشخص اتضح له منذ الكشف الكوبرنيكي أنه مجرد عبد في هذا العالم، وأن الحرية الموعودة في العالم الآخر أصبحت مجرد غيض من فيض.

وقد تحول التفكير في الحرية إلى تفكير في شيء متعالي، وهذا ما عبر عنه كانط الذي قال: "بهذا المعنى فالحرية عبارة عن فكرة متعالية لا تتضمن مبدئيا أي شيء مستخلص من التجربة، كما أن موضوعها غير معطى سلفاً من خلال أية تجربة. وذلك لأن كل تجربة ممكنة وكل ما يحدث، يخضع لقانون كوني." [3]، ما يعني أن الحرية لم تعد شيئاً موجوداً في العالم الأمبريقي بمعناه الاختباري والتجريبي أو بالمعنى الذي يمكننا من الشعور أو تلمس الحرية، فهذه الأخيرة غير موجودة في عالمنا ولا يمكن أن توجد، إنها موجودة في عالم الهناك، أي عالم آخر.

هذا العالم الآخر هو ما سيطلق عليه كانط فيما بعد مملكة الغايات التي هي مملكة الحرية، أما عالمنا التجريبي فهو عالم تستحيل فيه الحرية، علما أن نيتشه بالمناسبة هو ضد هذا التصور الكانطي المتعالي الذي لاحظ أنه تعبير أو مجرد صدى عن الأخلاق المسيحية الزهدية.

وتصور كانط بالمناسبة هو نفس تصور الحرية الطوباوي، داخل الثقافة الإسلامية الوسيطية الذي نأخذه على لسان أحمد بن خالد الناصري في مقدمة كتابه: "واعلم أن هذه الحرية التي أحدثها الافرنج، في هذه السنين هي من وضع الزنادقة قطعاً لأنها تستلزم إسقاط حقوق الله، وحقوق الوالدين، وحقوق الإنسانية ... واعلم أن الحرية الشرعية هي التي ذكرها الله في كتابه، وَبَيَّنَهَا رسول الله لِأُمَّتِهِ، وَحَرَّرَهَا الفقهاء في باب الحجر من كتبهم ..." [4] ؛ ومفاد ذلك أن الحرية التي مصدرها الأجنبي الافرنج الذي يشكل هنا في هذا السياق ألمانيا وفرنسا أو الغرب عموماً، هي حرية كما يقول مخالفة للدين الإسلامي أي الشرع.

هكذا كان تصور الحرية في العصور الوسطى الإسلامية مقروناً بالفعل الإلهي، وكل حرية عدا الحرية الواردة في الكتاب المقدس القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة هي حرية مكروهة، لأنها لا تحترم حق الله وحق طاعة الوالدين، بل لا تراعي حتى الحقوق الإنسانية التي لا يجب عليها أن تمس أو تتطاول وتتجاوز الحقوق الإلهية، لهذا ثم تحريم الحرية التي لم يقل بها الشرع، ولا يبحها حتى الفقهاء !

رغم أننا نلاحظ أن الشرع (القرآن والسنة) يؤكد على الحرية في بعض الآيات وأخرى تحيل على الجبر، ما يحيل على أن الحرية الفعلية توجد في السماء، أي العالم الآخر، أما في هذا العالم نحن مجرد عبيد.

لهذا نفضل قول ما قاله ليبنتز من أن "لفظ الحرية لفظ جد ملتبس، فهو يعني، من جهة، الحق في الحرية، كما يعني، من جهة ثانية، الحرية الفعلية أو الممارسة." [5]

ومفاد اللبس والغموض الذي يحيط بمفهوم الحرية، هو كونه وهم ناتج عن أن الحرية حق، في حين أنها ليست كذلك، رغم أن هذا القول قد يحمل علينا، ونتلقى ردا قويا مفاده أن حرمان الحق في الحرية دليل على أنك عبد مسجون ومقيد بنفس التصور الذي نحمله على السجن، لكنني أرد بأن هذا ليس قصدي، بل ما أقصده، هو أن الحق في الحرية مشروع من الناحية النظرية، في حين موقوف من الناحية العملية أو الفعلية بما هي ممارسة Praxis

لهذا "لا يمكن للحرية أن تقوم إلا على القدرة على فعل ما يجب أن نريده، وأن لا نجبر على فعل ما لا يجب أن نريده." [6] ؛ بالرغم من طوباوية هذا التصور، لأن القدرة على فعل ما يجب أن نريده، تحيل كلمة "يجب" إلى الحرية في خضم الواجب، هذا الأخير الذي يذكرنا بالواجب الكانطي المتعالي الذي له صلة وثيقة بالإرادة الخيرة، لكن من يضمن لنا أن حريتنا نابعة عن واجب مصدره الإرادة الطيبة ؟ فقد تكون إرادتنا شريرة لهذا نجبر على فعل ما لا يجب أن نريده في أغلب الأحيان ما يعني أننا لسنا أحراراً.

وذلك بسبب أنه "لا يكون للحرية تحقق فعلي في العالم الذي لا يسمح بممارسة الفعل والكلام، مثل المجتمعات الاستبدادية [...] التي تمنع ميلاد حياة عمومية." [7] ؛ فالحرية لا وجود لها في عالم المستبد الذي يقول فكروا في كل ما تريدون وفيما تشاؤون لكن أطيعوا !

مثل هذا النوع من التفكير السائد في المجتمعات الاستبدادية تفكير يقوض حرية المرء في الانخراط الفعال في الحياة العمومية أو الفضاء العمومي بلغة هابرماس، قد تكون له مظاهر خطيرة جداً تؤدي إلى شطب قدرة الفرد على الفعل والسلوك واتخاذ القرارات والمواقف والمبادرات الفاعلة لصالح الجماعة، كما يؤدي إلى تكون النزعة الفردانية الأنانية المنغلقة على ذاتها والمفكرة في مصلحتها الخاصة.

وهذا ما عبر عنه اسبينوزا قائلاً أنه : "كانت ستكون الأحوال الإنسانية على أحسن ما يرام، لو كان الإنسان هو الذي يقرر متى يتكلم ومتى يصمت.

إلا أن التجربة قد أثبتت -بما فيه الكفاية- أن أقل ما يمكن للبشر التحكم فيه هو تحكمهم في ألسنتهم."، ولعل هذا ما يؤكد أن في ظل المجتمعات الاستبدادية يفقد المرء حتى قدرته على الكلام أو التعبير عن آرائه بكل حرية واختيار لدرجة يفقد معها حتى قدرته على الصمت، فيصبح الصمت في هذه المجتمعات مستحيلاً كما يصبح الكلام الحر طبعاً مستحيلاً أيضاً، لكن التحكم في اللسان ممكناً خوفاً بطبيعة الحال من المستبد العادل الذي يستطيع تعديل لسان العوام في أية لحظة شاء ذلك.

ويذكرنا هذا بصياح ديدروا على هذا الوضع المتأزم الذي يعيشه المرء في المجتمع المستبد قائلاً: "أُنْظُرُوا عن قرب وسوف تُدْرِكُونَ أن لفظ الحرية هو لفظ فارغ من المعنى، فليس هناك ولا يمكن أن توجد كائنات حرة." [8]، لقد أصبت يا ديدروا ففي مثل هذه المجتمعات الاستبدادية لا نتحدث عن كائنات حرة ومسؤولة، بل نتحدث عن كائنات خاضعة وخائفة ومسجونة ومقيدة، لا تستطيع حتى التكلم، أو التلفظ بالحق، فتصبح الحرية كما عبر فيتجينشطاين "لفظا فارغا من المعنى والفائدة والدلالة"، أو بمثابة قضية ميتافيزيقية لا معنى لها ولا فائدة ترجى منها.

لهذا دعى فلاسفة التعاقد الاجتماعي ومن بينهم جون جاك روسو بأن يكون المستبد أيضاً خاضعاً للقانون ف "لا وجود قطعاً لحرية من دون قوانين، ولا يوجد شخص فوق القوانين، وحتى في حالة الطبيعة، لا يكون الإنسان حراً إلا عندما يخضع للقانون الطبيعي، الذي يُسَيِّرُ كل شيء." [9]، ما يعني أن الحل الوحيد أمامنا للقطع مع المستبد العادل هو إخضاعه هو أيضاً للقانون، رغم أن توماس هوبز جعل الملك أو الأمير أو رئيس الجمهورية يتعالى على القانون ولا يخضع له، إلا أن روسو تصدى لهذا الموقف الذي قد يؤدي بنا إلى إستبداد بإسم القانون، خاصة وأن المرء في حالة الطبيعة المفترضة كان خيراً بطبعه، وحراً خاضع للقانون الطبيعي وفقط.

هكذا إذن عنت "الحرية، بالنسبة للمحدثين، الحق في ألا يخضع الفرد إلا للقوانين." [10]؛ وما يقصده بنجامان كونسطون هنا هو الحرية في إطار القانون الذي نخضع له نحن ورئيس الجمهورية، لكن علينا الإنتباه هنا إلى مسألة في غاية الأهمية، والتي إنتبه لها كل من ماركس وإنجلز، وربما لم ينتبه لها فلاسفة العقد الإجتماعي والمحدثين اللذين فوضوا السلطة والقانون للطبقة البورجوازية المالكة لوسائل الإنتاج والتي استغلت الطبقة البروليتارية المالكة لقوة العمل، فجعلتها عن طريق العمل خاضعة لها، لهذا صرح ماركس قائلاً: "إن مملكة الحرية لا تبدأ إلا حينما ينتهي العمل الذي تفرضه الحاجة والضرورة الخارجية." [11]؛ هكذا انتهت الحرية مع ماركس إلى كونها مملكة تقع خارج العمل، إن تحرر البروليتاري من العمل وخروجه منه أو ثورته عنه دليل على وعيه ومطالبته بولوج عالم الحرية، وكلنا نعرف سياق قول ماركس هذا الكلام، حيث كان البروليتاري يعمل 12 ساعةً يومياً ولازال، وكان طموح ماركس هو الثورة والتحرر من نظام العمل الذي يقيد الأفراد ويجعل منهم عبيدا في هذا العالم لصالح الطبقة البورجوازية المالكة لوسائل الإنتاج.

كما يجب علينا الوعي أن الشخص ليس هو الإنسان أو الأنا والذات التي نادى بها ديكارت في العصر الحديث بأنها حرة ومسؤولة ومستقلة وأن التفكير لا يفوض، وأن الأنا جوهر مفكر ومالكة أو سيدة العالم ومسيطرة على الطبيعة ...إلخ، "لم يعد للأنا مكان كافٍ في الفكر المعاصر. فها هو مسحوق من طرف علوم الإنسان، بعد أن ظل محاصراً بين لاشعور فرويد، والقوى الإقتصادية حسب ماركس، وتأكيدات نيتشه (بأن الأنا نِتَاجُ عادةٍ نَحْوِيَّةٍ) ومُهْتَزاً من طرف المنطق واللسانيات. إن الأنا الذي كان من قَبْلُ مَلِكاً لَمْ يَعُدِ الْيَوْمَ إِلاَّ سَرَاباً." [12]؛

في ختام مقالنا نقول أن كل الفلاسفة المعاصرين بدءاً من نيتشه إلى فوكو، قد أعلنوا موت الإنسان كمفهوم مجرد في مقابل ذلك حضر مفهوم الشخص المشروط، وبالتالي فقدت الذات/الأنا مركزيتها في العالم المعاصر، ما يعني فقدان البوصلة والإحداثيات أمامه، فصرنا نتحدث عن الفرد أو الشخص بدل الإنسان، ما يعني موت الإنسان كمفهوم وإحياء الفرد كفكرة، ذلك أن الشخص يفكر بوسائط Média  هذه الوسائط هي اللغة كما لاحظنا مع نيتشه، التاريخ كما علمنا هيغل صيرورة بلا ذوات/أنوات، المجتمع كما أخبرنا ماركس وإنجلز، فليس وعي الناس من يحدد وجودهم الإجتماعي بل وجودهم الإجتماعي هو من يحدد وعيهم، ولا ننسى أيضاً الاكتشاف الفرويدي بأن اللاوعي أو اللاشعور هو الجانب الخفي في حياة الإنسان والذي لا يظهر كما يظهر الوعي، لدرجة المغالاة بالقول بأن الخمس السنوات الأولى هي من تحدد مصير الشخص، نضيف أيضاً أن الشخص يحتوي الغير كبنية توجد داخله من خلالها يفعل فعله، وكنا قد أشرنا أيضاً إلى الحتميات الطبيعية والبيولوجية التي تفعل فعلها في الشخص، لا بأس أن نشير إلى نظرية التطور لدى داروين التي تخضع لها كل الكائنات الحية بدون استثناء، لا هي ولا قوانين ماندل في الوراثة، كما أصبح الشخص مشروطاً بنسق ثقافته أيضاً مع الأنثروبولوجيا الثقافية، إلى جانب التقنية التي تشكل الشرط الأخير المعاصر للشخص.

في نفس هذا السياق تعالت الدعوات المنادية لتحرير الشخص من البنى والاشراطات التي تشرطه لعل أبرزها دعوة سارتر الذي صرح قائلاً : "نحن في الواقع عبارة عن حرية تختار، إلا أننا لا نختار أن نكون أحراراً: نحن مُجْبَرُونَ على الحرية."، والذي جعلت من الحرية شرطاً إنسانياً سواء في الفلسفة الوجودية التي هي فلسفة إنسانية بالدرجة الأولى أو الفلسفة الشخصانية بزعامة إيمانويل مونييه التي هي فلسفة جعلت الشخص في المركز، مع العلم أنها مجرد امتداد للوجودية والفينومينولوجية بزعامة هوسرل وهايدغر وميرلوبونتي ...إلخ.

***

بقلم: محمد فرَّاح – تخصص فلسفة

...............................

المصادر والمراجع:

[1] – اسبينوزا، الإيتيقا، الجزء الثاني، التعليق على القضية الخامسة والثلاثين.

[2] – Nietzsche, Humain trop humain, 1878, traduction française. A. M. Desrousseaux, édition. Donoel Gonthier, I, p. 160.

[3] – E. Kant, Critique de la raison pure, traduction française de Alain Renaut, Flammarion, Paris, 2001, pp. 495 – 496.

[4] – الشيخ أبو العباس أحمد بن خالد الناصري، كتاب الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى، الطبعة الثانية، المغرب، الدار البيضاء، 1954، ص: 11.

[5] – Gottfried Withelm Leibniz, Nouveaux essais sur l'entendement humain. Partie 8, Édition Jacques Brunswick, Flammarion, Paris, 1990, p: 137.

[6] – Montesquien, De l'esprit des lois, Club du livre français, 1968, p. 186.

 [7] – Hannah Arendt, La crise de la culture, traduit en français par B.  Lévy et A.  Faure, Gallimard, 1972, p. 193

[8] - Diderot, Correspondance de Diderot, édition de. Minuit 1953, t. 1, p. 218.

[9] – J.J. Rousseau, Lettres, Tome III, La Pléiade, Gallimard, p. 842.

[10] – Benjamin Constant, in Blandine Kriegel, Cours de philosophie politique, Paris, L. G. F. Livre de poche, 1996, p. 128

[11] – K.Marx, Le capital III, édition Sciences Sociales 1974, pp. 198-199.

[12] – كريستيان دي لا كامبان، تَشَكُّلُ الأَنَا، ضمن كتاب: تساؤلات الفكر المعاصر (مؤلف جماعي مشترك، ترجمة: محمد سبيلا)، دار الأمان، الرباط، 1987، ص. 87.

مقدمة قصيرة:

إنّ قراءة فوكو وكما هو دارج ومعلوم عنها، تعدّ من أصعب القراءات نسبة لتعقيد النّص الفوكوي، وفُرادة الأسلوب الذي تميّز به عن سواه، وتعد فلسفة فوكو من أهم الفلسفات حول المعرفة الغربية، والتي أعاد قراءتها من جديد، بخلاف ما هو معهود عنها (الفلسفة الغربية) باعتبارها معرفة متصلة.

يعتير كتاب الكلمات والأشياء الذي صدر عام 1966 من أهم كتب فوكو، لكونه يلخص فكرته وفلسفته عن المعرفة، ومن الجدير بالذكر الإشارة أن الكتاب في الأصل لم يكن يحمل هذا الأسم الذي عرف به الأن، بل إن مسماه الأولي كان (نظام الأشياء) وقد صادف في نفس عام إصداره أن كتاباً أخر يحمل ذات الأسم كانت تحت الطباعة، مما أضطر فوكو لتغيير الاسم الى (الكلمات والأشياء)، بعد محاولات عديدة منه، مع المؤلف الأخر لتغيير الأسم، والذي قوبل بالرفض، وتم نشر الكتاب بإسمه الحالي. ويشير فوكو في العديد من مقابلاته ومحاضراته إلى العنوان الحقيقي للكتاب (نظام الاشياء) منعاً للبس، إستناداَ لكون الأسم قد يشير لدى الكثيرين أنه يتخصص في اللسانيات وهذا ما حدث، إلا أن الكتاب في مجمله يتحدث في حيز ومجال مغاير تماماً.

يتناول فوكو في هذا الكتاب تاريخ المعرفة الغربية وكيفية تشكلها وتكونها عبر العصور الثلاث (عصر النهضة، العصر الكلاسيكي، العصر الحديث) والقطائع المعرفية المسؤولة عن تكوين المعارف، وبتعبير أكثر وضوحاً: يؤكد فوكو عن لاتواصلية الفكر الغربي عبر التاريخ، أي أن لكل حقبة معرفية في تاريخ الفكر الغربي ابستيم(1) خاص بها مسؤول عن تكوين المعارف في هذا العصر وينفصل عن ابستيم العصر الذي سبقه والذي سيليه، وهذا الإبستيم هو مجموعة القواعد والشروط والمسلمات التي تساهم في تكوين المعرفة الخاصة بكل عصر، إلا أن هذا الابستيم خفي غير واضح رغم أنه المسؤؤل الأساسي عن تشكيل المعرفة الخاصة بذلك العصر، ومن هذا المنطلق كان فوكو يبحث في المسلمات والبنى التي شكلت كل عصر، واختلفت عن مايليه ومايسبقه، بإستخدامه منهجه الاركيلوجي (الحفريات) الذي يدرس به كل مرحلة تاريخية، ومن المهم أيضاً في دراسة أي مرحلة الإهتمام بشكل الخطاب الذي كان سائداً في ذاك الوقت، إذ أنه لايمكن دراسة المراحل التاريخية دراسة صحيحة دون معرفة نوع الخطاب الذي كان زائعاً في ذلك العصر، فللخطاب أثر في تشكيل المعرفة في مكانٍ ما أو عصر ما.

يبدأ فوكو الكتاب بالحديث عن نص بورخيس " لهذا الكتاب مكان ولادة في نص ل (بورخيس) في الضحكة التي تهز لدى قراءته كل عادات الفكر _ فكرنا: الفكر الذي له عمرنا وجغرافيتنا، مزعزعة كل السطوح المنظمة والخطط التي تعقل لنا التدفق الغزير للكائنات، وتجعل ممارساتنا القديمة ل الذات والأخر، ترتعش وتقلق لمدة طويلة، يستشهد هذا النص بموسوعة صينية معينة، كتب فيها أن الحيوانات تقسم الى: أ – يملكها الأمبرطور، (ب) محنطة، (ج) داجنة، (د) خنازير رضيعة، (ه) جنيات البحر، (و) خرافية،(ز) كلاب طليقة، (ح) مايدخل في هذا التصنيف، (ط) التي تهيج كالمجانين، (ي) حيوانات لا تحصى، (ك) المرسومة بريشة دقيقة من وبر الجمل،(م) التي كسرت الجرة لتوها،(ن) والتي تبدو بعيد كالذباب . ونحن تحت تأثير إنبهارنا أمام مثل هذا التقسيم نصل بقفزة واحدة، بفضل المدافع عن هذا التقسيم الباديء لنا كسحر غرائبي الفكر، إلى الحد الأخير لفكرنا: الإستحالة العارية المطلقة لأن نفكر هكذا) (2) .

خصّص فوكو الفصل الأول بأكمله لِلوحة وصيفات الشرف أو كما تسمى (عائلة فليب الرابع) والذي تناولها بشرح وتحليل موسع ومفصل جداً للشخصيات المرسومة داخل اللوحة، والتي يظهر بعضها بوضوح والبعض الأخر لايمتاز بذلك.

تعتبر لوحة (وصيفات الشرف) للفنان الإسباني دييغو فلاسكيز(3)، من أكثر اللوحات تعقيداً، والتي تحمل العديد من أوجه التأويلات والتساؤلات المحيرة حيث أعتبرت الأساس اللاهوتي لفن الرسم، بعد أن كانت مهنة الرسم سيئة السمعة في العصر السادس عشر وقد قام برسمها ليغيّر النظرة التي كانت مأخوذة عن هذا الفن. وحينما تنظر إلى اللوحة التي أُلحقت في أخر الكتاب، ترى الأميرة الصغيرة في المنتصف، حولها عدد من الوصيفات وكل الأنظار موجهة إليها وكأنها الموضوع الأساسي للوحة، إلا أن ذلك ليس صحيح إذ أن الموضوع الأساسي للوحة هما الملك و الملكة أو فليب وزوجته، إلا أنها لا يظهران في اللوحة إلا من خلال إنعكاسهما في المرآة، وحتى هذا الإنعكاس لايكون جلياً، جميع من في اللوحة إنتباههم للملك والملكة، اللذان هم أقل العناصر ظهوراً أو أكثر الشخصيات خفاء، ولكن حين ينظر المشاهد الى اللوحة يجد نفسه موضوع الإهتمام إذ أن جميع أنظار من في اللوحة موجهة إليه، حتى الرسام ذاته والذي جسد نفسه داخل اللوحة، والذي أمامه لوحة الرسم، التي تنظر أنت فيها قطعة القماش الخلفية فقط، وفي إحدى يديه فرشاة الرسم، والأخرى الألوان، (أي بمعنى آخر يكون المشاهد نفسه هو موضوع الرسم أو اللوحة) إلا أنه وفي حقيقة الأمر ليس المشاهد هو الموضوع الأساسي إلا بقدر مايخيل إليه أو يظن، وحيث الملك والملكة هما الموضوع الأساسي رغم عدم ظهورهما في اللوحة، إلا من خلال المرآة التي تعكسهما بصورة غير واضحة، (الملك والملكة يجلسان في المكان أو الموقع الذي نحن فيه) كما يقول فوكو: "في ظاهر هذا المكان بسيط، إنه محض تبادل: إننا ننظر إلى لوحة وفيها رسام يتأملنا بدوره، لاشيء أكثر من وجه الوجه، من عيون تفاجئ بعضها، من نظرات مستقيمة تتراكب حين تتقاطع، ومع ذلك فإن هذا الخيط الرفيع من الرؤية يحتوي بالمقابل شبكة معقدة من الشكوك، والمبادلات والتهرب. فالرسام لايتجه بعينيه نحونا إلا بمقدار مانتواجد في مكان موضوعه الرئيسي، ونحن المشاهدين لسنا إلا مجرد زيادة. وإذ نستقبل هذه النظرة فإنها تطردنا، ليحل محلنا ماكان منذ بدء الأزمنة يتواجد هناك قبلنا، النموذج نفسه. "(4) (الملك والملكة). وموضوع هذه اللوحة يحيلنا إلى فكرة الابستيم الخفي الذي هو المكون الاساسي للمعرفة في عصرٍ ما والذي لا يظهر ولا يتم التعرف عليه إلاعبر الحفريات وحيث أنه الاقل ظهوراً مثلما تعبر عنه اللوحة حين يبدو الملك والملكة هما العنصرين الاقل ظهوراً كما بدا انعكاسهما على المرآة الا أنهما الموضوع الاساسي للوحة.

لقد أشار فوكو لهذه اللوحة في الكتاب بتفصيل لكونها تماثل التمثيل الذي شكل أساس المعرفة في العصر الكلاسيكي الذي يبدأ من منتصف القرن السابع عشر وحتى نهاية القرن الثامن عشر.

في الفصل الذي يليه " نثر العالم" يتحدث فيه فوكو عن التشابه، وهو الذي شكل المعرفة الخاصة بعصر النهضة، حيث يقول؛ "حتى نهاية القرن السادس عشر، لعب التشابه دور الباني في المعرفة الثقافية الغربية، فهو الذي قاد في جزء كبير تفسير النصوص وتأويلها، وهو الذي نظم لعبة الرموز، وسمح بمعرفة الأشياء المرئية، واللامرئية، وقاد فن تمثيلها وتصوها" (5). مما سبق ذكره يشير فوكو إلى أن المعرفة في عصر النهضة قائمة على التشابه كمعرفة ظاهرية فقط لا علاقة لها بالجوهر. معرفة قائمة على التأويلات، وأن هذا التشابه الذي كان ينظم أشكال المعرفة في ذلك العصر تتمفصل بداخله أربعة أشكال جوهرية لتكون الأساس لحل مشكلة اللاتناهي، حيث يطرح السؤال نفسه إذا كان التشابه هو الأساس الذي تنبنى المعرفة عليها، كيف يتعامل مع لاتناهي الأشياء ويعمل على تفسيرها وحل رموزها؟.

لقد كان ذلك يتم وفق الأشكال الأربعة التي تندرج داخل التشابه والتي، سوف اتطرق إليها بأيجاز:

1- التوافق: تلائم الاشياء التي توجود في مكان واحد، وتتجاوز بعضها البعض بحيث ينشأ بينها إتصال. وبتعبير أكثر وضوحاً: شيئان وضعت فيهما الطبيعة في نفس المكان تنشأ بينهما حركات تواصلية وبذلك تتشابه خصائصهما، والتوافق ينتمى للأشياء نفسها، أكثر مما ينتمي للعالم الذي توجد فيه الأشياء، ففيما هو (مخلوق) توجد في البحر أسماك بقدر مافي اليابسة من حيوانات. وبقدر مافي السماء، وهكذا تتجاور المتشابهات وتتلاءم وتتصل فيما بينهما وتتجاوز بعضها الأخر، وهذا ما يشكل العالم نفسه، وفي كل نقطة اتصال تبدأ وتنتهي حلقة تشبه الحلقة السابقة، وتشبه اللاحقة، ومن دورة لأخرى تتابع المتشابهات تاركة الطرفين في تباعدهما (الله والمادة) كما ذكر فوكو.

2-  التنافس: نوع من التوافق متحرر من قانون المكان، يعمل بلا اتصال. إن التنافس شيء من الإنعكاس في المرأة، أشياء توافق بعضها من حيث أنها إنعكاس من الأخر، توأم الأخر، إذ أن الطرف الضعيف من الشيئين يستمد تأثير ذلك الذي ينعكس في مرآته السلبية، ولهذا فإن الشكلين المنعكسين المتعارضيين لا يكونان في حالة جمود الواحد مقابل أخر. فالوجه إنعكاس للسماء، والعينين إنعكاس للنور الأعظم (الشمس والقمر) وعقل الإنسان يعكس حكمة الله، ووفق هذا النسق تقلد الأشياء بعضها البعض من أقصى العالم لأدناه دون إتصال وتسلسل.

3-  التماثل: ويشمل التوافق والتنافس كليهما، مكافئة شيء للأخر، أو قياس الشيء بالآخر من حيث تماثله ومطابقته، وهو مرهون بضوابط الوصل والروابط بين الأشياء، كعلاقة النجوم بالسماء، علاقة العشب بالأرض، أعضاء الحواس بالوجه الذي يبثون فيه الحياة، الأحجار الكريمة بالحجارة التي توجد داخلها، وقياس التماثل بين الحيوان القديم والنبات، حيث أن النبات أيضاً حيوان واقف يصعد الغذاء فيه من الأسفل نحو الأعلى مما يماثل الحيوان الذي يضع رأسه وفمه إلى الأسفل حينما يأكل.

4- التعاطف: يجذب الأشياء نحو بعضها البعض بحرية كاملة في أعماق العالم، إذ يعمل على مجاورة الأشياء بلا قيود؛ حيث يسقط من بعيد كالعاصفة، مثيراً حركة الأشياء مسبباً تقاربها أو تباعدها، كمجاورة ورود الحداد التي توضع عند موت أحد ما، بحيث تجعل من يستنشقها حزيناَ.

تعتبر هذه التشابهات التي أعدت من قبل نظام العالم منذ الأزل ويستدل بها من خلال التواقيع التي تعمل كرموز وعلامات نستطيع من خلالها الإستدال على الأشياء، وهكذا وعلى هذا النهج بُنيت معرفة القرن السادس عشر، كيف ولماذا؟ وعلى أي أساس؟ لانستطيع القول سوى أن إبستيم ذاك العصر هو الذي حدد شكلها، إذ أنّها خليط متقلب من المعرفة العقلية وممارسات مشتقة من ممارسات السحر ومن تراث ثقافي كامل. وحيث أن حدود التفكير في ذاك الوقت كانت لاتخرج عن هذا النطاقات، مما يقودنا للقول، أن ما لانفكر فيه وليس مقدورنا التفكير فيه هو الذي يشكل إبستيم العصر الآخر، وما نفكر فيه ويشغلنا هو أساس إبستيم العصر الذي نحن فيه. وبالرجوع إلى المقولة الصينية التي ذكرت سابقاً والتي تصنف الحيوانات تصنيفاً غريباً غير المتعارف عليه اليوم ولا في العصور التي سبقتها نتوصل إلى أن البنى الضمنية التي قام عليها هذا التقسيم لأسطوري في ذاك الوقت؛ تختلف تماماً عن الأسس التي قامت عليها تصنيفات الحيوانات فيما تلت .

وقد قسم فوكو الحضارة الغربية إلى ثلاث مراحل أو عصور (عصر النهضة، الكلاسيكي، العصر الحديث) وكما توسعنا بالشرح سابقاً فإن الإبستيم الخاص بكل عصر يختلف عن العصر الذي سبقه والذي يليه، وأن الأفراد الذين يعيشون في عصر محدد يكون فهمهم ومعرفتهم محدود داخل إطار هذا الأبستيم، ويسبب هذا الإبستيم القطائع المعرفية والتمفصلات بين العصور المختلفة والتي تحدث في اللغة، الإقتصاد، والبيولوجيا .

ففي عصر النهضة الذي يبدأ من منتصف القرن الرابع عشر وحتى السادس عشر نجد أن المعرفة تقتصر على الشكل الخارجي فقط ولا علاقة لها بالداخل. لأن أبستيم ذلك العصر يستند على المظهر فلا نجد وجود لعلم البيولوجيا ولا حتى هذه التوسعات والبنى التي تؤسس اللغة اليوم، فاللغة كان ينظر إليها كشيء من الطبيعة، مثلها مثل النجوم، الشمس، القمر، النبات، الحيوان، كانت تستخدم لتسمية الأشياء بشكل مباشر، أي كل مفردة توقيع لشيء محدد، حيث تحمل التوقيع الذي يستدل به عليها، ونجد أن الإقتصاد وما يتعلق بالنقود كان في غاية البساطة، حيث أن القيمة التداولية كانت ترتبط بالقيمة الفعلية للمعدن المصنوع منه، فمثلاً كانت النقود الذهبية، الفضية، هي التي تحدد قيمة الأشياء. أما أبستيم العصر الكلاسيكي الذي ابتدأ من ديكارت ونيوتن وفرانسيس بيكون وغيرهم، قام على التمثيل الذي يعرف بأنه تفكيك المقولة المعرفية إلى أبسط مركباتها (الموضوع والمحمول)، فتظهر كتب تاريخ الكائنات التي تعتمد على الجدولة والملاحظة ثم التصنيف في جداول على حسب الشكل والبنية والسمات. وكان في ذاك الوقت تصنيف النبات أكثر زيوعاً من تصنيف الحيوانات التي كانت صعبة التشريح في بعض منها، ومن هنا وعن طريق الملاحظة كانت بداية نشوء نظرية التطور عند داروين، والذي سبقها عليها بوفون ولامارك.

لقد اختزل الحيوان والنبات من شكله الخارجي إلى التصنيف الذي يرتكز على الخلايا، وهكذا ظهرت الحاجة إلى كلمات جديدة، نسبة للتوسع في التصنيفات والجدولة، وبهذا انتقلت اللغة إلى مكان آخر وأخذت تتطور مما كانت عليه؛ وظهر علم النحو وتوسعت العمليات الخاصة باللغة إلى فك رموز الشفرات والبحث عن اليقين. لقد كانت اللغة إناء للأفكار، وهي التي تعبر عن الفكرة المراد إيصالها، أما الاقتصاد فينشئ التبادل والذي على أساسه تخلق القيمة، وهو الذي يعطي النقود قيمتها على خلاف القرن السادس عشر إذ كان المعدن هو مايقيّم الأشياء، أما الآن فأن القيمة التبادلية أو الإستعمالية هي الأساس.

لقد كانت المعرفة في العصر الكلاسيكي قائمة على التحليل، التصنيف، الحساب، نقد، ملاحظة، بناء على الإبستيم السائد في ذلك العصر. أما العصر الحديث، والذي تتشكل المعرفة فيه بالفراغ الذي نشأ في القرنين اللذين تلاه فهو يقوم على أساسين لا ثالث لهما تتمحور حولهما المعرفة، ألا وهو الوظيفة وظهور الإنسان على السطح ليس كذات مفكرة وإنما موضوع للمعرفة، وظهور العلوم الإنسانية التي تتناول الإنسان كمادة للدراسة السسيولوجيا – الانثربولوجي – الإقتصاد السياسي...... الخ، وهذا على خلاف العصريين السابقين حيث كان الإنسان سيداً للمعرفة بإعتباره ذاتاً مفكرة، أما في العصر الحديث فقد أضحى هو موضوع دراسة كغيره من المواضيع الأخرى. وهو ما أشار اليه فوكو بـ(موت الانسان) عكس فكرة نيتشه حول موت الاله وظهور الانسان الخارق (السوبرمان) ومن رواد هذه المرحلة كانط الذي حدد فيه حدود معرفة الإنسان، وادم سميث في الإقتصاد وكارل ماركس.

يتبع................

***

مودة جمعة - تخصص فلسفة

......................

هوامش:

1-  ابستيم: هو منظومة من المسلمات والقواعد والشروط والادوات التي تتيح المعرفة في عصرٍ ما.

2-  ميشيل فوكو -الكلمات والاشياء – ص 20

3-  رسام إسباني يعتبر من أعظم ممثلي الرسم الإسباني وكبير الرسامين في العالم.

4-  الكلمات والاشياء مركز الإنماء القومي ص 30

5-  نفس المصدر ص 39

 

الترجمة: "من غير المرجح أن يكون أي منا واضحًا بشأن علاقتنا بالمال. وبدلا من استنكار ذلك، يجب علينا أن نعترف بأنه لا يمكن أن يكون الأمر خلاف ذلك، لأن هذه العلاقات شديدة التنوع والتناقض والتشابك. إنها تراث عصور مختلفة، ولم يتم إلغاء أي منها بشكل نهائي. وليس من المؤكد حتى أن مثل هذا الموقف الذي يتميز به الماضي البعيد لن يجد شرعية جديدة، في ظروف يصعب التنبؤ بها.

سأفكر في ثلاث طبقات في مخيلتنا فيما يتعلق بالمال: طبقة أخلاقية، وطبقة اقتصادية، وطبقة سياسية. إذا لم يكن من الخطأ أن نقول إن المشاعر والمواقف المتعلقة بالثانية لم تنضج إلا في القرنين السابع عشر والثامن عشر، وإذا كان اليوم هو ما نفترضه أكثر من غيره، على الرغم من أن المشاكل تندرج تحت المستوى الثالث، فإن الارتباك الحالي لدينا وتنتج المشاعر من حقيقة أن السلوكيات المكتسبة في أوقات مختلفة تظل بطريقة ما معاصرة لبعضها البعض في عمق الحاضر.

أولا: المستوى الأخلاقي

لقد كان ذلك المال مناسبة لردود فعل أخلاقية قوية تستحق شرحاً مفصلاً. للوهلة الأولى، يبدو المال غريبًا بحكم تعريفه على المجال الأخلاقي. كوسيلة للدفع، وبعبارة أخرى، باعتبارها المال، فهي مجرد إشارة مجردة، وسيلة بسيطة للتبادل. ومن ثم فإننا نميل إلى القول إن السلع المتبادلة، وهي الأشياء الحقيقية لرغبتنا في الاستحواذ والحيازة، هي وحدها التي ينبغي أن تخضع للحكم الأخلاقي وأن يطلق عليها اسم الخير أو الشر. كوسيط محايد وعالمي، ألا يقتصر المال على التعبير عن القيمة السوقية المشتركة للسلع المتبادلة، حيث يكون السعر هو مقياس هذه القيمة؟ محايدة اقتصاديا، لماذا لا تكون محايدة أخلاقيا؟ أو بالأحرى، ألا ينبغي اعتبارها مجرد سلعة جيدة، ما دامت، على النقيض من المقايضة، تفتح مساحة مزدوجة من الحرية للمشتري والبائع؟

لكن المنطق البسيط للغاية مضلل. وينتج السعر عن منافسة الرغبات المطبقة على السلع النادرة المقدمة لشهية الجميع؛ ولذلك فإن عظمة الممتلكات المكتسبة تحمل علامة عدم تحقيق رغبات الآخرين. وهكذا يتم إخفاء لعبة صغيرة قاسية في أدنى تبادل، حيث يبدو في البداية أن حرية أحدهما في الاستسلام وحرية الآخر في الاختيار هي التي تلعب دورًا. إن استبعاد طرف ثالث غير مرئي واضح وراء لفتة البيع والشراء البسيطة. ولكن هذا ليس كل شيء، أو حتى الشيء الرئيسي؛ وبقدر ما يكون المال محايدًا فيما يتعلق بالسلع التي يسمح بتبادلها، فإنه يشكل موضوعًا متميزًا للرغبة؛ إن امتلاك الوسيط العالمي يعني امتلاك مفتاح الحكم الحر لجميع معاملات السوق. عند هذا المستوى يأتي دور الأحكام الأخلاقية، خارج أي تحليل اقتصادي. وهذه الأحكام مهمة جدًا لدرجة أن الدفع الذي سيظهر لاحقًا لصالح الارتباط التجاري لا يمكن سماعه إلا على حساب الحجة نفسها التي يتم إجراؤها على أسس أخلاقية. وسنورد هنا تلك الحجج التي تتأرجح بين عدم الثقة والإدانة الصريحة. على عكس الرغبات المرتبطة بسلع المتعة، فإن الرغبة في الحصول على المبادل الشامل لا تتضمن في حد ذاتها أي إجراء؛ فلا معنى للحديث عن الرضا؛ لقد كررها الأخلاقيون من جميع المعتقدات والتقاليد: الجوع إلى الذهب لا يشبع؛ هناك نوع من "اللانهاية السيئة" يسكن هذا دائمًا، وهو ما لا يكفي أبدًا. لقد نقل الأخلاقيون المسيحيون، من الآباء إلى السكولاستيين الكبار، فقط الأخلاقيين اليونانيين عن فصل الاعتدال؛ إن فكرة أرسطو عن الوسيلة السعيدة بين الإفراط وعدم الكفاية تهدمها رغبة غير محدودة تحمل الآن علامة الخطيئة. وأقوى حجة تكمن في وصف هذه الشهوة بالهوى، إذا فهمنا بالهوى شيئاً آخر غير الشهوات؛ الرغبات تحد من بعضها البعض. في العاطفة يضع الفرد كل ما لديه؛ البشر وحدهم هم من يملكون القدرة على استهداف الرضا الكامل، حقًا أو خياليًا، وهو ما يسمونه أحيانًا السعادة؛ وعندما يتم تحديد سلعة واحدة بهذه الكلية، فإن الارتباط بهذا الخير يصبح كليًا؛ أما الآن، فإن المال، بسبب حياده وعالميته، المرتبط بقوة الاستحواذ غير المحددة التي يوفرها، هو موضوع الحلم، إذا جاز لنا أن نقول، لمثل هذا الاستثمار الشامل. هذه العاطفة تسمى الجشع. ويقول لوروبر إن البخيل "يعشق الثروات ويستمتع بتكديسها على الدوام". ولكن هل "أن تكون سعيداً" يعني أن تكون سعيداً؟ يشكك الأخلاقيون في ذلك؛ إن خيال الاستثمار الكامل للرغبة في شيء واحد يجعل من العاطفة معاناة يلحقها المرء بنفسه: ألا يطلق اسم الألماني"Leidenschaft" لايدنشافت على العاطفة ؟ هنا، لدى الأخلاقيين المسيحيين ما يقولونه أكثر تحديدًا من الأخلاقيين القدامى، بقدر ما أن الشغف بالذهب، من خلال احتلال المدى الكامل للرغبة، لا يترك مجالًا لمحبة الله التي وحدها يمكن أن تكون كاملة. إن خطيئة الجشع مميتة بالمعنى الحرفي للكلمة، بقدر ما تفصلنا عن الله تمامًا. قلنا الجوع الذي لا يشبع للذهب؛ شغفه يستهلك كل شيء. وعلى هذا الانتقاد للجشع يمكننا أن نطعم الإدانة الإضافية التي فرضتها ممارسة الحياة الرهبانية ونذر الفقر على جميع الممارسات الدنيوية، وخاصة تلك المتعلقة بالتجارة والربح. من المؤكد أن الحياة العلمانية، في حد ذاتها، لا تعتبر سيئة، ولكن، مثل الزواج، يعاني العمل من المقارنة مع البحث عن الكمال المرتبط بحياة الدير. مع القديس فرنسيس، لم يعد الراهب المسيحي مجرد رجل دين ورجل ترفيه، مثل الحكيم القديم، بل "فقير". يتم الاحتفاء بالفقر باعتباره عظمة إيجابية بسبب المساحة التي يفتحها للروح المتحررة من الرغبة في الاكتساب والتملك. صحيح أن الإصلاح اللوثري والكالفيني عكس هذا الحكم السلبي على المال والتجارة، وفي الوقت نفسه أدان النذور الرهبانية وأعاد تأهيل العمل العلماني المزين بهالة الدعوة. لكن لا يزال يتعين إثارة حجة خاصة بالمهن المالية، من بين جميع المهن: الحجة القائلة بأن المال، كونه غير منتج، لا يستحق، عندما يُقرض، راتبًا خاصًا به؛ ولا شيء يفصل بين القرض بفائدة والربا. يتذكر ج. لو جوف في كتابه "من أجل عصر وسطى آخر" أنه إذا لم يكن التاجر في العصور الوسطى مكروهًا كما قيل، وحتى لو كانت الكنيسة تحميه وتفضله في وقت مبكر جدًا، "فإنها قد سمحت منذ فترة طويلة لشكوك جدية بأن تحيط به" تخيم على نشاطها... وفي مقدمة هذه المظالم الموجهة ضد التجار، اللوم على أن أرباحهم تنطوي على رهن زمني لا يعود إلا لله" (ص 46). وهذه الحجة مثيرة للاهتمام بقدر ما تصل إلى النقطة التي تنطوي فيها الحياة الاقتصادية على رؤية كاملة للعالم، والذي يشكل الزمن بعدًا أساسيًا فيه. الآن أصبح وقت التجار فرصة للربح، إما لأن المُقرض يستغل انتظار السداد من قبل المقترض المعدم مؤقتاً، أو لأنه مستغلاً فرصة الوضع يلعب على فروق الأسعار بين الأسواق، إما لأنه فهي تخزن تحسبا للمجاعات، أو لأنها - وهذا سيكون لاحقا مصدر حجة مضادة لصالح القروض بفائدة - فإنها تفرض رسوما على المخاطر التي تتكبدها بضائعها على الطرق البرية أو البحرية. بكل هذه الطرق، "يبني التاجر نشاطه على فرضيات يكون الزمن هو نسيجها ذاته". "هذه المرة تتعارض مع الكنيسة التي تنتمي إلى الله وحده ولا يمكن أن تكون موضوعًا للربح" (المرجع نفسه). وعلى هذا الأساس بالذات ينهار الإصلاح، من خلال تسليم جميع الأنشطة الدنيوية إلى المسؤولية الإنسانية. رسالة من كالفن إلى كلود ساشين مثيرة للاهتمام للغاية في هذا الصدد: “لأننا إذا دافعنا تمامًا عن الربا [القرض بفائدة ليس له اسم آخر] فإننا نقيد الضمائر من رباط أقوى من الله نفسه. » في الحقيقة، "ليس هناك شهادة في الكتاب المقدس تدين كل الربا بشكل كامل... شريعة موسى (تثنية 23، 19) هي شريعة سياسية، لا تربط عقل الإنسانية إلا بالإنصاف والعدالة.." ومن المؤكد أنه سيكون من المرغوب فيه أن يتم طرد الربا عن الجميع، حتى لو كان الاسم غير معروف. ولكن لكي يكون هذا مستحيلاً، يجب علينا أن نستسلم للمنفعة المشتركة” (أوبرا أمنية، المجلد العاشر، الجزء الأول، ص 245).

ثانيا: الخطة الاقتصادية

من الجدير بالملاحظة أن الرأسمالية الوليدة، لكي تحظى بالقبول، قامت بالدفاع عن نفسها على نفس الأرض التي كانت فيها الرغبة في المال والبضائع موضع إدانة من جانب الأخلاقيين المسيحيين. وفي هذا الصدد، يشكل قبول الرغبة في الإثراء تغييراً حقيقياً على المستوى الأخلاقي. وكما أظهر ألبرت هيرشمان في كتابه "عواطف واهتمامات"، فإن الانقلاب كان منهجياً في البداية. يرفض سبينوزا الموقف المعياري، ويقترح في الكتاب الثالث من الأخلاق اعتبار "أفعال الإنسان وشهواته كما لو كانت مسألة خطوط أو مستويات أو أجساد". وهو متشكك في قوة العقل على العواطف، ويؤكد أن "العاطفة لا يمكن إحباطها أو قمعها إلا من خلال عاطفة تتعارض مع العاطفة التي يجب معارضتها وأقوى منها". وهو بذلك يكرّس، بعيدًا عن أي نية أخلاقية، موقف العديد من مراقبي الطبيعة البشرية الباحثين عن العاطفة التعويضية، القادرة على هزيمة المشاعر الأكثر تدميرًا، تلك التي تحرك الأمراء بشكل رئيسي في حب المجد والشجار والحرب. وعلى خلفية هذه الأفكار المتشائمة جدًا، فيما يتعلق بكل من إمبراطورية العقل الضعيفة والتأثير المدمر للعواطف العنيفة، يرى هيرشمان أن موضوع العواطف التي يتم ترويضها بالمصلحة يبرز، وأن يتم فهم هذا بمعنى العقلانية. حب الذات؛ إن الفائدة، بمعناها الأوسع، تشير إلى استبدال العنف بالحساب عبر مجموعة كاملة من المشاعر. هكذا توصلنا إلى أن نرى في العاطفة، التي تسمى حتى الآن الجشع أو الجشع أو الجشع، نموذج الاهتمام القادر على كبح الأهواء الأخرى مثل الطموح أو حب السلطة أو شهوة الجسد. إن الاهتمام، الذي يُفهم بالمعنى المحدود للشهوة لتحقيق الربح، يظهر الآن كعاطفة باردة، والتي، لأن ثباتها يجعلها قابلة للتنبؤ وبالتالي جديرة بالثقة، "لا يمكن أن تكذب"، كما يقول المثل السائد في هذا العصر. وإذا انتقلنا من المجال الخاص إلى المجال العام، أليس صحيحا أن التجارة هي المهنة الأنسب للحفاظ على الأخلاق السلمية، ضد جنون الأمراء القاتل؟؟ بالمقارنة مع العقل الأرستقراطي، فإن العقل التجاري هو بالتأكيد مقر المشاعر "اللطيفة". إن اقتران الكلمتين "حلو" و"تجارة"، الذي يأتي من مجال المحادثة، يمتد الآن إلى المجال التجاري بأكمله. هكذا تم رد محبة المال إلى المستوى الذي كانت فيه مُدانة سابقًا، وذلك تحت عنوان العاطفة السلمية. بعد كسب السبب الأخلاقي للمال، والتمييز بين الفائدة والعاطفة، الذي تم استخدامه للدفاع لصالحه، سيصبح عديم الفائدة، وسيكون من الممكن أن يتم تبرير البحث عن الربح على مستوى الاقتصاد الوحيد. اكتمل هذا التغيير في الخطة بنشر كتاب ثروة الأمم لآدم سميث في عام 1776. ولم يُؤخذ في الاعتبار الآن سوى المزايا الاقتصادية التي قد تنجم عن إزالة العقبات التي تعترض البحث عن الربح (لأن آدم سميث لا يشاركه بأي حال من الأحوال التفاؤل). "من مونتسكيو فيما يتعلق بالآثار السياسية السعيدة للتنمية الاقتصادية، حيث لا تزال السياسة تبدو له وكأنها مستسلمة لـ "جنون البشر"). يقتصر النقاش على الافتراض الأساسي، “الذي بموجبه فإن أفضل طريقة لضمان التقدم (المادي) لمجتمع ما هي السماح لكل فرد من أعضائه بمتابعة مصلحته (المادية) الخاصة به على النحو الذي يراه مناسبًا” (هيرشمان، 102).  فماذا عن تفكيرنا بشأن المال؟ وفي قدرة البحث دون عوائق عن الربح على إيجاد نوع جديد من الرابطة الاجتماعية، يكمن البديل الحقيقي الذي اقترحه الاقتصاد السياسي، في نهاية القرن الثامن عشر، للمقاربة الأخلاقية السابقة. تبادلات السوق، ومضاعفة العلاقات بين الأفراد، وتحررهم من قيود التبعية الشخصية. علاوة على ذلك، فإن الارتباط التجاري يتكون من "تآلف رغبات" حقيقي، وفقًا للتعبير السعيد ل ل. بولتانسكي و ل. ثيفينو في كتابهما "عن التبرير": "إن الأفراد، الذين يتمتعون بنفس الميل إلى التبادل، يشرعون في تحديد مشترك للسلع". يتبادلون. لكن هذا التعريف المشترك الذي يعكسه السعر لن يكون ممكنا إذا لم يتمتع الأفراد بتصرفات متعاطفة يستطيع كل فرد من خلالها أن يحتضن أذواق وعواطف الآخرين؛ ومن خلال ذلك لا تؤدي المنافسة إلى تفريق الأفراد، بل تنجح في ربطهم ببعضهم البعض. يمكن للمؤلفين المذكورين بعد ذلك أن يتحدثوا عن الارتباط التجاري باعتباره تأسيسًا لـ "مدينة"، "عالم". من الواضح أن كل شيء يعتمد على قدرة العلاقة التنافسية البحتة على إحداث تأثير تنسيقي. لكن التحرر المنهجي للاقتصاد، الذي يؤدي إلى تحييد كل التقديرات السلبية المتعلقة بالنقود، لا يشكل سوى نصف الصورة، إن جاز التعبير، الوجه الآخر. ما يجب أن نفهمه هو "الغزو التدريجي لجميع مجالات الحياة الخاصة والعامة والاجتماعية والسياسية، من خلال منطق الاقتصاد والسلع... الاقتصاد هو الشكل الأساسي للعالم الحديث، والمشاكل الاقتصادية هي الحل". اهتماماتنا الرئيسية. ومع ذلك، فإن المعنى الحقيقي للحياة يكمن في مكان آخر. الجميع يعرف ذلك. الجميع ينسى ذلك. لماذا ؟ ". هكذا عبر ج ب دوبوي وب دوموشيل في جحيم الأشياء. رينيه جيرار ومنطق الاقتصاد (1979).

بهذا السؤال نفسه يعود ج ب دوبوي في كتابه الأخير. التضحية والحسد. الليبرالية تتصارع مع العدالة الاجتماعية (1992). إنه يريد الرد على لويس دومون، الذي لا يعتبر السؤال الرئيسي بالنسبة له منهجيًا؛ إن تكوين الاقتصاد كعلم دقيق في مجال مستقل ومتخصص في الشؤون الإنسانية لا يكون له معنى إلا عندما تدعمه حركة روحية، وهي حركة الفردية الحديثة. الإنسان الاقتصادي هو الفرد الحديث، بلا جذور ولا روابط، مثقل بنفسه في عزلة مقفرة. إن العلم الذي يمثل هذا الفرد قضيته الحقيقية لا يمكنه إلا أن يؤسس استقلاليته وخاصة سيادته على حساب عمليات اختزالية وتبسيطية مؤسفة. الفردية المنهجية، التي تعكس الفردية كنموذج للمجتمع، تتعارض مع شمولية المجتمعات الهرمية. خارج نطاق الاندماج في مجموعة، بغض النظر عن أي موافقة رسمية، لا يمكن للفرد إلا أن يبرز نفسه، وفقًا للويس دومون، في حيلة العقد المبرم بين الذرات البشرية. في مقابل هذا التفسير المتشائم لرجل الاقتصاد، يعارض ج ب دوبوي التقليد العظيم للفردية الليبرالية، النابعة من عصر التنوير الاسكتلندي، والذي كان آدم سميث على وجه التحديد المبشر الرئيسي له. إن المسألة منهجية في المقام الأول: إنها مسألة معرفة ما إذا كانت الفردية المنهجية يمكن أن تكون غير اختزالية، وما إذا كان يمكنها أن تفكر في مجتمع السوق كنظام عفوي أو منظم ذاتيًا، وعلى أساسه ينتصر الفرد وينتصر. عهد العدالة الاجتماعية. وللتأكيد على الاحتمال البسيط، على حافة التطور الذي سيقود من آدم سميث إلى جون راولز، وروبرت نوزيك، وفريدريك هايك، من المهم العودة، في إطار عمل آدم سميث نفسه، من ثروة الأمم إلى نظرية المشاعر الأخلاقية، كتبها قبل سبعة عشر عامًا وأعاد آدم سميث إصدارها للمرة السادسة قبل وفاته. لقد افترضنا أعلاه أن مجموعة الرغبات لا يمكن أن تولد رابطة اجتماعية دون مساعدة ودعم من التصرفات المتعاطفة. وهذا يعني أن الاقتصاد لا يمكنه أن يسمح إلا بكتابة أطروحة جديدة عن الأهواء. ومن اللافت للنظر في هذا الصدد أن نظرية آدم سميث عن المشاعر الأخلاقية لا تدين بأي شيء للاقتصاد؛ على العكس من ذلك، هي التي تسلحها ضد الانجراف الأناني. يجب علينا بعد ذلك أن نفهم بوضوح كيف أن التعاطف لا يتفق فقط مع حب الذات، أي الاهتمام بشخصنا، بل إنه متحد معه تمامًا لدرجة أنه لا يهم. يجب علينا بعد ذلك أن نفهم أن التعاطف، وهو الشعور الأخلاقي الرئيسي والوحيد، لا ينبغي الخلط بينه وبين الخير، وأنه يفترض انفصال الكائنات، وبالتالي فإنه لا يمكن أن يرتكز إلا على الخيال الذي بفضله أصبح الآخر في الفكر. ومن خلال الدخول في تكوين مع حب الذات، يشهد التعاطف على النقش البدائي للنقص في العلاقة بين الذات وذاتها. هل فتحنا، مع ذلك، بديلاً متميزًا تمامًا للوحة ل. دومونت عن الإنسان الاقتصادي؟ هل يمكن إذن أن يكون هناك فردان، فردانية الذات المستقلة وفردانية الذات المستقلة، لاستخدام تمييز آلان رينو في عصر الفرد (1989)؟ سيكون هذا هو الحال إذا تم التعبير عن التعاطف بالكامل في النموذج الذي يستمده ج ب دوبوي من شخصيته المزدوجة والمتبادلة، أي تلك الحلقة المرجعية الذاتية (حب الذات) التي تربط الذات به - حتى من خلال المجتمع (التعاطف).إنها على وجه التحديد واحدة من أبرز المساهمات التي قام بها جيه بي دوبوي في إعادة قراءة أعمال سميث، حيث سلط الضوء على التناقض النفسي والأخلاقي على حد سواء، والذي يتأثر به التعاطف بشكل أساسي. يغلف نقيضه، وهو الحسد، أي الرغبة في الحصول على ما يملكه الآخر، لأنه هو من يملكه. ويخبرنا سميث، ج ب دوبوي، أنه كان حريصًا على مواجهة هذه الصعوبة الكبرى بإضافة فصل إلى الطبعة السادسة من كتابه "نظرية المشاعر الأخلاقية" فصلًا بعنوان: "حول فساد مشاعرنا الأخلاقية، الناتج عن ميلنا إلى الإعجاب بالمشاعر الأخلاقية". الأغنياء والعظماء واحتقار أو إهمال الفقراء والبائسين." لاحظ العلاقة بين الأغنياء/العظماء والفقراء/البائسين. تُفهم حالة الغنى على أنها حالة عظمة، وحالة الفقر على أنها حالة صغر. الآن يستهدف الحسد هذه الدول. إنه “ما يمنع التعاطف من لعب دوره التنسيقي” (ج ب دوبوي، ص 96). إنه يفسد تعاطفنا مع فرحة الآخرين. وفي الوقت نفسه، يكشف الحسد عن سمة مهمة من سمات التعاطف: ما يفسده هو "الميل إلى الإعجاب بالأغنياء والأقوياء وتبجيلهم تقريبًا، واحتقار، أو على الأقل التخلي عن الناس الفقراء أو البائسين". ظروف." أليس هذا اعترافًا بأن المشاعر التي تثيرها علاقات التبادل، وبالتالي أيضًا تلك المتعلقة بجاذبية المال، لا يمكن فصلها عن تلك التي يثيرها مشهد السلطة؟ سميث يقول ذلك جيدًا: «ما هي المزايا التي نهدف إليها من خلال هذا التصميم العظيم للوجود الذي نسميه تحسين حالتنا؟ أننا نلاحظ، أن يتم الاعتناء بنا، أن يتم الاهتمام بنا بالتعاطف والرضا والموافقة؛ هذه هي كل المزايا التي يمكن أن نهدف إليها من خلال تدريبه. إن الغرور، وليس الرفاهية أو المتعة، هو ما يهمنا. لكن الغرور يعتمد دائمًا على الاقتناع بأننا موضع اهتمام الآخرين واستحسانهم” (ص. ص. 97). الاستنتاج واضح: التعاطف، الذي قلنا من قبل أنه ليس إحسانًا، “لا يختلف عن الرغبة في الاستيلاء على ما يملكونه [العظماء]. إن الرغبة في أن يكونوا مثلهم هي حتماً رغبة في الحصول على ما لديهم” (المرجع نفسه، ص 100). أليس هذا غموضًا لا يمكن تجاوزه هو ما تؤدي إليه نظرية المشاعر الأخلاقية، حيث أن “التعاطف يحتوي على حسد، ويحتوي الفعل على كلا المعنيين” (المرجع السابق، ص 100)؟ لذلك يبدو أن عنوان الفصل الذي كتبه جيه بي دوبوي عن آدم سميث مناسب: "التعاطف الحسود. » وعنوان العمل يكشف نصف سره: التضحية والحسد. وفي الوقت نفسه، فإن "اليد الخفية" الشهيرة، والتي كان من الممكن أن يظن المرء أنها مجرد إسقاط أسطوري للتعاطف نفسه، تصبح موضع شك مرة أخرى، لأنها تعيد إلى الأذهان خدعة العقل التي، وفقًا لهيجل، تستمد من المنافسة بين المصالح الخاصة قصيرة النظر هي الشكل المستقر لنظام معقول على مقياس تاريخ الإنسان بأكمله. ألا ينبغي أن تُمنح "اليد الخفية" فضيلة "احتواء" الحسد؟

من المؤكد أنه سيكون من السخافة حصر مصير ما أطلق عليه منذ فترة طويلة "الاقتصاد السياسي" في نظرية المشاعر الأخلاقية. ونرتكب حينها الخطأ المعاكس لمن رأوا «انقلاباً» بين النظرية... وثروة الأمم. سيكون الأمر أكثر سخافة أن نحكم على التطور الإضافي للاقتصاد العلمي على مثل هذه البدايات. نماذج توازن السوق العامة تعطي فكرة التنظيم الذاتي محتوى علمي دقيق. ولكن بجعل أسطورة "اليد الخفية" زائدة عن الحاجة، فهل نجحوا في إزالة كل التساؤلات المتعلقة بالفئتين الرئيسيتين من التضحية والحسد اللذين ذكرهما ج ب دوبوي في عنوانه؟ والآن، أليس فيما يتعلق بهذه المشاعر أن مسألة العدالة تنشأ في نهاية المطاف، حتى في إطار الفردية الليبرالية؟

ولكن، قبل كل شيء، يمكننا أن نتساءل عما إذا كان العلم الدقيق لنشاط مهم ولكن جزئي، ويخضع أيضًا إلى قدر كبير من التجريد - العلوم الاقتصادية - لم يعط حيوية جديدة للسؤال المذكور أعلاه حول معرفة كيفية تحديد سعر المجال الاقتصادي قادرة على مساوية مجمل الأنشطة البشرية. السؤال مهم لأغراضنا. لأنه إذا كانت مسألة النقود، في نظر العلوم الاقتصادية، مجرد فصل واحد من فصول النظرية المعممة للتبادلات، فإنها تثير مرة أخرى سؤالاً متميزاً عندما ترتبط بما ذكر أعلاه وهو "الغزو التدريجي لجميع مجالات الحياة". الخاص والعام، الاجتماعي والسياسي، بمنطق الاقتصاد والسلعة". إن مسألة "المال الملكي"، سواء أكانت صياغتها جيدة أم سيئة، لا تنشأ إلا ضمن هذه الإشكالية. والآن لم تعد المسألة تتعلق بالاقتصاد، بل أصبحت مسألة تحول نموذجي في الحضارة؛ والمشكلة التي طرحها ل. دومونت وآخرون بشأن تقييم الفردية تظهر بنفس الحدة في نهاية هذه الرحلة. هل يمكننا بعد ذلك أن نأمل في تسليط الضوء عليه، جزئيًا على الأقل، من خلال التعامل مع السؤال المطروح باعتباره سؤالًا سياسيًا، إذا كنا نسميه سؤالًا سياسيًا يؤثر على مجمل المجتمع التاريخي المنظم كدولة؟

ثالثا: الخطة السياسية

إن طرح مسألة المال على المستوى السياسي لا يعني القفز مباشرة إلى الصيغة الشهيرة: «المال مفسد. ". إنه يسأل نفسك:

1 - إذا كانت هناك مجالات للتفاعل الإنساني، ضمن الغلاف السياسي للمدينة، تفلت من قياس السلع الاجتماعية الأولية بالعملة؛

2 - في أي ظروف يتم انتهاك الحدود بين المجالات، بطريقة تتلوث القيم غير السوقية بالقيم السوقية؛

3-كيف يتم التعبير عن هذا الانتهاك على مستوى العلاقات الفردية من خلال ما يسمى عادة "الفساد". فقط في المرحلة الثالثة من التفكير، فإن السؤال، الذي تم طرحه أولاً من حيث الأمثلة، والأنظمة الفرعية، والمجالات، و"المدن" (أو أي شيء يريد المرء أن يقوله)، سوف يشير إلى مسألة المال على المستوى الأخلاقي الذي منه نحن بدأت.

تعتبر السياسة هنا متوازية مع سلطة السيادة والتوجيه والقرار التي يتماهى بها الدولة الحديثة. إن ما يميز النشاط بأنه سياسي، بالتالي، هو علاقته بالسلطة. ومع ذلك، فإننا نصل إلى السؤال الأول من أسئلتنا الثلاثة من خلال النظر في ممارسة السلطة السياسية من منظور العدالة التوزيعية. في مجتمع سياسي معين، وتحت رعاية الدولة، يتم توزيع السلع بمختلف أنواعها: سلع السوق (التراث، الدخل، الخدمات) والسلع غير السوقية (المواطنة، الأمن، الصحة، التعليم، الرسوم العامة). والتكريم والعقوبات وغيرها). تنشأ المسألة السياسية المتعلقة بالمال مباشرة من مسألة ما إذا كان من الممكن اعتبار جميع السلع الموزعة سلعا للسوق. دعونا نفهم طبيعة السؤال: ليس السلوكيات الفردية في المقام الأول، والتي من المحتمل أن تقع تحت الحكم الأخلاقي، هي التي تؤخذ في الاعتبار هنا، ولكن طبيعة الأنظمة الفرعية التي تحددها طبيعة البضائع الموزعة. ومن المؤكد أن هذه السلع لا تستحق هذا الاسم إلا لأنها مقومة ومقدرة وبهذا المعنى تعتبر جيدة؛ لكن هذا التقدير يرتكز على «فهم مشترك»، بحسب تعبير مايكل فالزر في كتابه مجالات العدالة، الذي نتابع تحليلاته هنا. هذه الرمزية المشتركة، حتى لو كانت مفتوحة للنقد والطعن، تمثل استقرارًا لإجماع دائم، ناتج عن تقاطع التقاليد التأسيسية المتجذرة في التاريخ المشترك. إن القول بأن جميع السلع الموزعة ليست سلعًا للسوق يعني التأكيد على أن القائمة المفتوحة، على ما يبدو، للسلع الاجتماعية غير متجانسة بحكم الطابع المتعدد غير القابل للاختزال للتفاهمات المشتركة والرمزيات المشتركة. هنا، لا يختلف عالم السياسة عن عالم الأنثروبولوجيا، عندما يقتصر الأخير على توسيع خط الفهم الذي يعتقد أنه قادر على استخلاصه من الممارسات الاجتماعية نفسها، من التقديرات المدفونة فيها أو المنعكسة في رموز منفصلة. وبنفس الطريقة يعمل عالم السياسة على تحديد مختلف الرمزيات المشتركة، والتعرف على منطقها الداخلي، أي الأسباب التي تحكم مدى الصلاحية وحدود اختصاص هذا الخير الاجتماعي أو ذاك. إن مشكلتنا اللاحقة المتمثلة في الفساد بالمال تعتمد على الموقف الذي اتخذناه في البداية، عندما نقول إنه ليس كل شيء للبيع. بمعنى آخر: السوق لا يشبع الارتباط السياسي. وكما نرى، فإن مسألة النقود تطرح على مستوى وجهتها الأساسية، وهي التبادل بين سلع السوق. يتم قياس فترة حكمه من خلال اتساع المجال التجاري. يشترى. ويكفي أن نتذكر النزاع حول صكوك الغفران في زمن حركة الإصلاح الديني، أو النزاع حول التعويض عن التجنيد العسكري في فترة أحدث، لكي نضمن أن إحساسنا بالظلم واضح للغاية وحساس للفروق الدقيقة. يوجد اتفاق بشأن عدم فساد البشر (نهاية العبودية)، وفساد المناصب العامة، والعدالة، والسلطة السياسية، وحقوق الأسرة، والحريات الأساسية، بل وأكثر من ذلك، توزيع النعمة الإلهية، والحب والصداقة، والترفيه والهواء والماء. والنقاش مفتوح بالطبع على الحدود بين المجال التجاري والمجالات الأخرى: هل أعضاء الجسم البشري للبيع؟ هل ينبغي تلبية الاحتياجات الأساسية للفئات الأكثر حرمانا من قبل المجتمع ككل (مشكلة دولة الرفاهية)؟ ما هي أجزاء الخدمة الصحية والخدمات التعليمية التي يمكن تقديمها لقوانين السوق، أي معاملتها كسلع سوقية؟ إن حقيقة وجود شك حول هذا التوزيع أو ذاك تثبت بوضوح أن هناك مشكلة عدالة التوزيع هناك. إننا نتداول دائمًا على أساس توافق آراء قوي حول الفروق الأساسية حول الخطوط الفاصلة غير المؤكدة. لكن عدم اليقين ليس المشكلة الأكثر خطورة. سؤالنا الثاني ينشأ من ظاهرة أكثر إثارة للقلق، وهي ظاهرة انتهاك الأفلاك. وهو ما يضعه السيد والتزر في بداية تحقيقه ونهايته. وهو يسمي الهيمنة ميل سلع مجال معين إلى التعدي على سلع الآخرين. وإذا كان هناك وقت حيث غزت السلطة الكنسية - المالكة المفترضة للنعمة الإلهية - كافة المجالات الأخرى، فإن الخطر اليوم يأتي من ميل المجال التجاري إلى إخضاع نفسه لجميع المجالات الأخرى، مع مساواة السوق بعد ذلك لجميع المعاملات الاجتماعية. كيف هذا ممكن ؟ قبل إدانة الرجال، يجب علينا أن نتساءل عن ظاهرة أكثر خفية تحدث فيما يتعلق بتقييم السلع، وبالتالي الرمزية المشتركة.

يتحدث السيد والتزر هنا عن التحويل أو قابلية التحويل. يتمثل التحول في حقيقة أن سلعة معينة، مثل المال أو الثروة، قد تم تأسيسها كعنوان للقيمة في مجال آخر من مجالات العدالة، مثل السلطة السياسية. وهذا هو السر المطلق لما يسمى بظاهرة الهيمنة، التي تُعرف بأنها "طريقة لاستخدام سلع معينة، لا يقتصر عليها معناها الجوهري أو التي تشكل هذه المعاني في صورتها الخاصة" (ص 11). سأتحدث هنا عن العنف الرمزي. يعترف والتزر بالغموض الأساسي لهذه الظاهرة: "يتم تحويل الخير السائد إلى خير آخر أو إلى عدة سلع أخرى اعتمادًا على ما يبدو غالبًا أنه عملية طبيعية، ولكنه في الواقع يشكل عملية سحرية، يمكن مقارنتها ببعض الخيمياء الاجتماعية" ( الحادي عشر). يعيد هذا النص المذهل إلى الأذهان الفصل الشهير من كتاب ماركس "رأس المال" المخصص لـ "صنم السلعة"، حيث يتم رفع السلعة إلى العظمة الغامضة بفضل الاندماج بين الاقتصادي والديني. الآن سوف يلجأ فالزر إلى التحول عدة مرات، لكنه سيتركه، دون مزيد من التفكير، إلى مكانته كمجاز. لكن هذا ليس شيئًا إذا اعترفنا، مع المؤلف، أنه “من الممكن وصف مجتمعات بأكملها وفقًا لصور التحول السائدة فيها” (المرجع نفسه). علاوة على ذلك: "إن التاريخ لا يكشف عن خير واحد سائد، ولا خير سائد بشكل طبيعي، بل يكشف فقط عن أنواع مختلفة من السحر وفرق السحرة المتنافسة" (المرجع نفسه). وفي الواقع فإن عمل السيد والتزر هو في مجمله آلة حرب موجهة ضد ظاهرة الهيمنة. إنه كتاب قتالي، في التقليد "المؤيد لإلغاء عقوبة الإعدام". منذ البداية، حدد النغمة: "إن هدف المساواة السياسية هو مجتمع متحرر من السيطرة" (XIII). أود أن أتعمق أكثر في الثغرة التي فتحتها فكرة التحول، والتي تعتبر ظاهرة سحرية. وأسأل نفسي سؤالاً عن كيفية مساهمة الأفراد المنخرطين في معاملات تندرج ضمن هذا المجال أو ذاك من العدالة، في هذه التجاوزات، في هذه التحويلات، باختصار في سحر التحويل هذا. يبدو لي أنه لا يمكننا التحرك في هذا الاتجاه دون النظر في حالات الأشخاص المرتبطة بتقييمات السلع الاجتماعية، وبالتالي دون النظر في عظمة أو صغر الفاعلين الاجتماعيين، لاستخدام مصطلحات بولتانسكي وثيفينو العمل المذكور بالفعل. كما أشارت تحليلات آدم سميث في نظرية المشاعر الأخلاقية إلى هذا الاتجاه؛ فالثروة والعظمة، كما رأينا، يسيران معًا. لا يمكننا عزل امتلاك السلع العظيمة عن مجموعة التأثيرات المؤثرة على مستوى الاعتراف العام. أن تكون ثريًا يعني أن تشعر فعليًا بالعظمة في كل "اقتصادات العظمة" الأخرى: في اقتصادات الشهرة، والإبداع، والعلاقات المنزلية، وبطبيعة الحال، في "المدينة" الصناعية. وهنا نجد سمة المال كخاطبة عالمية. المال هو القيمة الشاملة لجميع الأغراض، ويمر عبر الجدار. ولكن إذا كانت تميل إلى استعمار كل المجالات غير السوقية، فذلك لأن العظمة التي تمنحها للناس هي عظمة صنم، تميل العظماء الآخرون إلى الانحناء أمامها. إن كل شيء يلعب دورًا في نهاية المطاف على مستوى تقدير المقادير. إن سحر الاهتداء، المتأصل في كل فرد، والذي يعمل أولاً على مستوى الخير والعظمة، يتحول إلى فساد شخصي. إن ما يسميه الخطاب العام بالفساد هو إذن مجرد ملخص لثلاث ظواهر: فيما يتعلق بمجالات العدالة، وسيطرة المجال التجاري على الآخرين، ولا سيما السلطة السياسية؛ على مستوى المقاييس المرتبطة بحالات الناس، تلوث جميع المقاييس بتلك التي تمنحها الثروة؛ من حيث استيعاب السلع الاجتماعية وعظمة المؤسسة، والفساد الشخصي. ألا يقول كانط الصارم: لكل إنسان ثمنه؟

إذا كان الأمر كذلك بالفعل، فإن هذه الظاهرة الأخيرة تعيدنا إلى تحليلاتنا الأولى. وبالعودة من قسمنا الثالث إلى الثاني، يمكننا القول إن الفساد الشخصي، وهو صورة فردية لفساد الأخلاق، تسهله حالة الحضارة الحديثة، التي تتميز بظهور وسيادة الفرد المجتث، المنعزل، المستقل، ترك لمتعته الخاصة. أخيرًا، بالعودة من الجزء الثاني إلى الأول، ألا يمكننا أن نقول إن مشهد فساد الأخلاق وإغراءات الرشوة الشخصية هي فرصة لسماع حكم الأخلاقيين مرة أخرى -بل وأكثر من ذلك حكم الحكماء والأذكياء. القديسون -على هذا المال "السيد الداخلي" الآخر؟ ولكي نقاوم التأثير "المفسد" للمال، أفلا ينبغي لنا أن نظل منفتحين على روح الاعتدال والإتقان التي يعلمها علماء الأخلاق اليونانيون واللاتين، وأن نظل قادرين على سماع حض الرسول بولس؟ إذ كتب إلى أهل كورنثوس: "دعونا والذين يشترون يعيشون كأنهم لا يملكون؛ أولئك الذين يستخدمون هذا العالم كما لو أنهم لا يستخدمونه حقًا. لأنه يمر، رقم هذا العالم "؟"

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

............................

المصدر

Texte de Paul Ricœur publié dans L’Argent. Pour une réhabilitation morale (Mutations,132).-dirigé par A. Spire, Paris : Editions Autrement, 1992, p.56-71

جرى مؤخرا نقاش مع خبير تكنلوجي حول وجود او عدم وجود الله. وبعد عرض قوة ونواقص تلك الحجج، أعلن الخبير" ان هذه الحجج في الحقيقة لا تهم كثيرا، حيث انه اختار الايمان بالله. لأن الايمان به شيء مهم جدا لحياته".

لكن هل هذه هي الطريقة التي تتم بها العقيدة؟ هل يمكن ببساطة للمرء اختيار ما يؤمن به؟ بالطبع، الناس يستطيعون قراءة مصادر معينة، قضاء وقت مع جماعة معينة او التفكير في مسألة محددة – كل واحدة من هذه الامور تؤثر في عقيدة الناس. لكن جميع هذه الخيارات تتطلب نوعا من الدليل. نحن عادة نختار الدليل، لكن من الواضح ان الدليل ذاته هو سبب تبنّي العقيدة.

في الشطر الاكبر من الألفين سنة الماضية، كان الفلاسفة مقتنعين تماما في ان الادّعاء بعقيدة معينة هو مسألة اختيار. جميع المفكرين البارزين بدءاً من الفيلسوف الايبيقوري ايبكتوس والقديس اوغستين والفيلسوف الفرنسي ديكارت ورائدة النسوية ماري استيل آمنوا بان الناس لهم السيطرة في عقائدهم.

لكن في نصف القرن الماضي، جرى رفض واسع لـ "العقائدية الطوعية" doxastic voluntarism وهي الفكرة بان العقيدة تخضع لسيطرة الرغبة. معظم الفلاسفة الحاليين لا يعتقدون ان الناس يمكنهم فورا الايمان بشيء ما فقط لأنهم يريدون ذلك. ما يمتلكه المرء من عقيدة يتقرر بفعل الناس والبيئة التي يتأثرون بها بدءاً من الايمان بالإله الى العقائد المتعلقة بالنظام الشمسي.

بعض الفلاسفة أمضى سنينا طويلة في التفكير في هذه القضية، ووجدوا ان كلا الفريقين لديهم شيء من الصواب.

انعكاس الواقع

يعتقد بعض الفلاسفة ان طبيعة العقيدة ذاتها تضمن ان الناس لا يستطيعون اختيار ما يؤمنون به. هم يرون ان العقائد لها هدف بُني فيها "هدف – الحقيقة"  truth aim : اي ان العقائد وبشكل مميز تمثل الواقع. ومن المؤسف ان الواقع عادة لا يطيع رغباتنا وتمنياتنا، لا يهم كم قدم أرغب ان يكون طولي (كأن يكون ثمانية أقدام) ،الواقع سوف يطبع في ذهني بان طولي هو ستة اقدام  كلما نظرت في المرآة او شاركت في لعبة كرة السلة. لو قررت ان اصدق ان طولي ثمانية اقدام، سوف اجد بسرعة ان هذه القرارات خاطئة تماما. ولو نظرنا في مثال آخر. اذا كانت العقيدة طوعية حقا، سوف اتخلى عن ايماني بتقلبات المناخ. لكني لم استطع ذلك. الدليل المتوفر على نطاق واسع في الأوساط العلمية اثّر بعمق في ذهني لأنه يؤكد بان تقلبات المناخ هي جزء من الواقع.

وبصرف النظر ما اذا كنت اريد الاعتقاد او عدم الاعتقاد، فان مجرد الرغبة لا تكفي لحدوث الشيء. العقائد تبدو وبشكل كبير خارج سيطرتنا.

منْ المسؤول؟

لكن اذا كان هذا هو ما يحدث حقا، سيتبع ذلك نتائج مثيرة للقلق. ربما من الافضل لو توقفنا عن لوم الناس بشأن عقائدهم، لا يهم كم هي العقائد بعيدة الاحتمال. افرض لو اني اعتقدت بادّعاء خطير وزائف مثل: ان بل غيت استعمل لقاح كوفيد - 19 لزرع شريحة الكترونية في الناس، او ان تغيرات المناخ هي خدعة و ان الهيلوكوست هي فبركة خالصة. اذا كانت العقيدة غير طوعية، فهي تبدو كما لو اني بريء من أي عمل خاطئ أقوم به. هذه العقائد هي فقط  كونها حدثت لي. اذا كانت العقائد غير طوعية،عندئذ هي تبدو نتيجة تلقائية لتعرّضي لأفكار ومؤثرات معينة  – بما فيها نقاشات الاون لاين حول نظرية المؤامرة. الان، يمكن للناس لمدى معين اختيار أي المؤثرات يسمحون بها في حياتهم . انا استطيع اقرر من أين أجمع المعلومات عن اتجاهات المناخ: هل أحصل عليها من تيار الميديا الرئيسي، او من نقاشات الاون لاين، او من الفريق الحكومي الدولي المختص بتغيرات المناخ. استطيع تحديد مقدار التفكير بما تقوله لي المصادر. تقريبا جميع الفلاسفة المعاصرين يرون ان الناس يمكنهم ممارسة هذا النوع من التحكم الطوعي في عقائدهم. لكن هل ذلك يعني انا مسؤول عن العقيدة التي توصلت اليها؟ كلا، هذا ليس بالضرورة.

اخيرا، نوع المصادر التي أستعملها وكيفية تقييمي لها يمكنها ايضا ان تتقرر بواسطة عقائدنا الموجودة سلفا. قد لا أثق بالتقرير الأخير لفريق الامم المتحدة للمناخ لو كنت اعتقد انه جزء من مؤامرة عالمية لتقليص الأسواق الحرة .

غموض البيانات

البحوث قادت للاعتقاد ان الأشياء هي أقل كآبة والصورة ليست ابيضا وأسود. الفيلسوفة اليزابيث جاكسون أجرت دراسة لم تُنشر بعد، ضمت أكثر من 300 مشارك. اُعطي المشاركون ملخصا لعدة سيناريوهات لم يكن فيها واضحا ما اذا كان الفرد ارتكب جريمة، حيث كان الدليل غامضا، بعد ذلك سألت الباحثة المشاركين هل هم اختاروا الاعتقاد بان الفرد كان بريئا، بدون الحاجة لجمع دليل او اجراء تفكير نقدي. العديد من الافراد في الدراسة قالوا انهم يفعلون هذا بالضبط. ربما هم كانوا مخطئين. لاتزال، عدة دراسات حديثة في الفلسفة وعلم النفس ترى ان الناس يمكنهم السيطرة على عقائدهم خاصة في المواقف التي يكون فيها الدليل غامضا. وهذا ينطبق على العديد من الافتراضات الهامة التي اُجبر الناس على النظر فيها، بدءاً من السياسة والمهن وحتى الرومانسية: منْ هو أفضل مرشح؟ أي مسار يجب ان اتخذ؟ هل هو من ضمنها؟

لذا، يبدو هناك سبب للاعتقاد ان الناس في النهاية قادرين على التحكم المباشر بعقائدهم . واذا كان الدليل على وجود الله ايضا غامضا، فان الخبير الآنف الذكر قد يكون صائبا في انه يستطيع تقرير ما يؤمن به.

***

حاتم حميد محسن

 

كارناب وهيدجر

كارناب فيلسوف الوضعية المنطقية حلقة فيّنا النمسا بزعامة شليك. وبعد انحلال حلقة فينا انتقل كارناب الانضمام الى الوضعية المنطقية التحليلية الانكليزية حلقة اكسفورد تحت زعامة بيرتراند رسل وجورج مور وعالم الرياضيات نورث وايتهيد وفينجشتين الشاب المتأخر. لقد حاولت المنطقية التحليلية الانكليزية تحليل فلسفة اللغة في اعتمادها محاولة دمج الرياضيات والمنطق فيها وفشلت المحاولة فشلا كبيرا وتراجعت حلقة اكسفورد عن افكارها باستثناء اصدار بيرتراند رسل ووايتهيد كتابا مشتركا لهما باسم (مباديء الرياضيات العامة 1906). هذا الربط الافتعالي في خلق توليفة تجمع الرياضيات والمنطق وفلسفة اللغة كان جاتلوب فريجة فيلسوف اللغة السويسري اوصى بها قائلا اصبح يخجلنا اننا لحد الان لم ننجح جعل الفلسفة علما يشبه الرياضيات.

انشق كارناب ومعه جورج مور عن حلقة اكسفورد وتبعهم لاحقا فينجشتين متراجعا عن غالبية افكاره في اطروحته (40) صفحة التي نال بها شهادة الدكتوراة من جامعة كامبريدج تحت اشراف بيرتراندرسل عنوانها (تحقيقات فلسفية ) عام 1953. وقد حظى هذا الكتيّب الصغير باهتمام فلسفي واثار ضجة كبيرة جدا في عالم الفلسفة. اما المهم بالموضوع هو اتفاق كارناب وفينجشتين وجورج مور فلاسفة المنطقية التحليلية الانكليزية على مقولة مفادها كل ما لا يمكن التعبير عنه بوضوح فالصمت اجدى نفعا منه. وعدم الوضوح اللغوي بالفلسفة لغو فارغ لا يستحق الاهتمام به ولا الوقوف عنده. وذهب كل من كارناب ومعه جورج مور الى المناداة تحت وطأة يأس فلسفي غاضب تاكيدهما مسالتين:

الاولى أن اللغة بريئة من تهمة أنها تضليل العقل وخيانة المعنى. كما ساد بطغيان هيمنة فلسفة اللغة وعلوم اللسانيات ونظرية المعنى خاصة بعد النصف الثاني من القرن العشرين. في اعتبار فلاسفة البنيوية بزعامة دي سوسير الذي اصدر بيانا فلسفيا قال فيه أن فلسفة اللغة باتت الفلسفة الاولى بعد تنحية مبحث الابستمولوجيا من مركز الفلسفة الاولى الذي شغلته عصورا طويلة من تاريخ الفلسفة.

الثانية وتزعمها جورج مور في إعتماده حسب تحليلي الشخصي كي نخّلص تاريخ الفلسفة من الطريق المسدود الذي ادخلتنا به فلسفة اللغة وعلوم اللسانيات ونظرية المعنى خاصة في هورمنطيقا بول ريكور وتفكيكية جاك دريدا. لذا توّجب علينا والكلام لجورج مور كتابة افكارنا الفلسفية بلغة الناس العاديين وأيده بذلك كارناب.

من المهم الاجابة عن التساؤل لماذا ادخلتنا فلسفة اللغة واللسانيات ونظرية المعنى طريقا مسدودا فلسفيا؟ طبعا يوجد استثناء انه بعد استلام الامريكان راية فلسفة اللغة من الفرنسيين حصرا والفلاسفة الاوربيين عامة ابدعوا في اختراعهم مباحث فلسفية جديدة مستقاة من فلسفة اللغة خارج المسار المسدود المنغلق التي ادخلت القارة الاوربية فلسفة اللغة في متاهة التفتيش عن موضع قدم يعيد لها الاعتبار وعجزت. ادخل الفلاسفة الاوربيون فلسفة اللغة بطريق مسدود تخبطوا به حتى غادروه عن عجز لكن من حقنا نتساءل كيف ولماذا؟. اود تثبيت رأيي الشخصي الاجتهادي في الاجابة:

- اولا كان اختراع مبحث فلسفة اللغة الغاية منه تصحيح مسار التخريب الذي لعبته اللغة في تضليل العقل وتعطيل تاريخ الفلسفة بعيدا عن الاجترار والتكرار بلا معنى ولا تجديد وكذلك اتهام اللغة خيانة المعنى بما عطّل الفلسفة من تصحيح مسار تاريخها من الاخطاء المليء باللغو الفارغ الذي اكتشفت الفلسفة الحديثة أن غالبية مباحث الفلسفة على مدى عصور طويلة كانت تجريدا لغويا لا معنى له.

- الثاني أن تطرف كل من بول ريكور في فلسفته (الهورمنطيقا) وتطرف جاك دريدا في التفكيكية كان ابتذالا فلسفيا قاتلا. فقد زرع الاثنان بذور ما اطلق عليه النسق اللغوي الفلسفي المستقل عن مركزية الانسان والحياة. عالم لغوي نسقي قائم بذاته وله اهدافه الخاصة باللغة بما هي لغة حصرا. عالم لغة نسقي داخليا لاعلاقة تفاعلية متخارجة تربطه مع الواقع وحياة الانسان. وأن النسق اللغوي نسقا له خصائصه التي توازي الواقع ولا تقاطعه. وكل شيء نجده باللغة وليس خارجها.

- السبب الثالث انه اسقط بيد الفلاسفة القارييين (الاوربيين) أن اللغة على مر عصور تاريخها لم تضلل العقل ولا خانت المعنى. وهذه الاكذوبة اخترعوها فلاسفة البنيوية ولم يعرفوا كيفية الخلاص منها. وكان الفلاسفة الاميركان هم الذين انقذوا فلسفة اللغة من تضييعها وضياعها الفلسفي.

باستلامهم راية تجديد مباحث فلسفة اللغة التي أخفق تحقيقه فلاسفة فرنسا والمانيا. من قبل فلاسفة اميركا امثال ريتشارد رورتي وجون سيرل وسانتيانا وسيلارز ونعوم جومسكي.

المهم كارناب هاجم افكار هيدجر الوجودية باقسى عبارات السخرية منه في كتاب هيدجر المعروف (الوجود والزمان). وانا بدوري اقول باعتزاز اني هاجمت افكار هيدجر بما يضعه بحجمه الحقيقي باكثر من مقال كما فعل كارناب ذلك قائلا ( ان كل ما كتبه الفيلسوف الالماني هيدجر لا يخرج عن كونه مجموعة هائلة من الاخطاء والمفارقات اللغوية الغامضة والالفاظ المعقدة التي لا معنى لها)1.

الباحث الفلسفي دكتور زكريا ابراهيم اعتبر كتاب هيدجر الذي اعطاه بعض الفلاسفة اكثر من استحقاقه (الوجود والزمان) انجيل ثان يحمل القداسة التي لا يمكن لفيلسوف غير هيدجر كتابة افضل مما كتبه ومدح افكار هيدجر الفلسفية بما لم يكن يحلم به هيدجر لا في المانيا ولا في اوربا قاطبة. نفس المفارقة الفلسفية حصلت مع كتاب شوبنهاور (العالم ارادة وتمثّل). فقد تم التغافل عنه واهماله تماما بداية صدوره مدة طويلة وبعد سنوات تم رد الاعتبار له لاسباب هي غير مضمون الكتاب بل عوامل تسويقية لافكار شوبنهاور فرضتها تحولات الظروف الفلسفية بعد وفاة هيجل.

نموذج من هذاءات هيدجر الفلسفية

نقلا عن كتاب زكريا ابراهيم (دراسات في الفلسفة المعاصرة ص 422) اورد التالي مما قاله هيدجر: ( ولقد قدم هيدجر في الفصل الخامس من كتابه الوجود والزمان وهو عن الزمانية التاريخية عرضا انطولوجيا وجوديا لمشكلة التاريخ وفيما يلي الفقرة الاولى التي استهل بها هيدجر حديثه: ان كل جهود التحليل الوجودي انما تهدف تحقيق غرض واحد وهو البحث عن امكانية الاجابة عن معنى الوجود من حيث هو وجود؟ وما يتطلبه تمحيص هذا السؤال - طبعا الكلام لصاحبنا فيلسوف الوجودية هيدجر- انما هو تحديد تلك الظاهرة التي تكون هي الكفيلة باقتيادنا الى شيء يشبه الوجود الا هي ظاهرة فهم الوجود. وقد راينا ان هذه الظاهرة انما تخص الموجود البشري من حيث هي داخلة في مقومات وجوده. وعلى ذلك فانه لا بد لنا باديء ذي بدء من ان تقوم بتاويل كينونة هذا الموجود تاويلا يسمح لنا بالكشف عن طابعه الاصلي. لاننا عندئذ وعندئذ فقط. نستطيع نتصور ظاهر فهم الوجود الذي الذي ينطوي عليها هذا الموجود في صميم تكوينه الوجودي. وهذه هي الدعامة الوحيدة التي يمكن ان يرتكز عليها السؤال الخاص بالوجود على نحو ماهو مفهوم او متضمن في صميم كينونة ذلك الموجود. بل هذه هي الدعامة الوحيدة التي تسمح لنا بان نقيم تساؤلنا على اساس من الافتراضات التي تتضمنها عملية التفهم ) 2 انتهى الاقتباس من فلسفة رائد الوجودية هيدجر. والتمس من كل مختص وباحث فلسفي أن ينورنا بما اراد هيدجر قوله بمنطق الفلسفة لاغيرها. الذي أجده هراءا تحت خانة التفلسف بلا معنى ولا منطق تفكيري.

تعقيب نقدي

أقطاب فلسفة الوجودية مطلع الستينيات من القرن العشرين أمثال مارتن هيدجر وكارل ياسبرز ومارسيل جبريل والبرت كامو باستثناء جان بول سارتر يخلطون بين مسالتين. فهم لا يفرقون بين الوجود المطلق اللانهائي وبين الموجود المحدد النهائي الانسان وموجودات الطبيعة الحيّة التي يطالها العدم. كما ولا يفرقون – اقصد فلاسفة الوجودية - بين العدم والموت على انهما جوهر واحد في التعبير عن ميتافيزيقا الفناء البيولوجي للانسان وكل الكائنات الحيّة. خطأ الوجودية المرافق لها ويلازمها أنها اعتبرت الوجود هو الانسان وليس الانسان موجودا يحتويه الوجود.

أختصر التعقيب النقدي حول عبارات هيدجر السابقة التي لا رابط فلسفي له معنى يجمعها. وقبل البدء اود الاشارة اني التقيت صديقا اهديته ثلاثة مؤلفات بالفلسفة من تأليفي. فقال لي اردت الكتابة عن احد كتبك فوجدتك عندما تكتب عن قضايا فلسفية معاصرة تكتب آراءك ويقصد اني لا استنسخ ما يقوله فلاسفة الغرب كما يفعل غالبية المشتغلين بالفلسفة بقداسة من الاكاديمين. أجبته أن مشروعي بالكتابة الفلسفية أعتمد فيه مرتكزين أولهما اني لا استعرض مايقوله الفيلسوف في منهج من القداسة والتعظيم المنزّه عن الخطأ التي غالبا ما نجده لدى اساتذة الفلسفة بالجامعات العربية من الاكاديميين ومعظم الباحثين العرب بالفلسفة الغربية فهم يكيلون التمجيد للفلسفة الغربية بلا ميزان في حين أن العصر الحالي يوجب علينا الالتزام بزرع بذور النقد الفلسفي ورعايتها والاهتمام الاستثنائي بها في محاولة ايجاد فلسفة عربية معاصرة.

المرتكز الثاني الذي أعتمده بكتاباتي الفلسفية هو مشروع (نقد) الفلسفة الغربية المعاصرة بعيدا عن التجريح وغمط الحقيقة بل أحاول تبسيط لغة التلقي للفلسفة قدر الامكان والبحث عن المعنى. فالفلسفة نمط من التعبير الاجناسي المتفرد الذي لا يمكن تغافل حقيقة أن لغة الفلسفة لغة خاصة تتسم شئنا أم أبينا بالغموض والابهام والتعقيد. ومثال على ذلك التوضيح النقدي الذي سادرجه عن آراء بعض فلاسفة الوجودية مثل هيدجر وياسبرز وسارتر:

اولا: الوجود مفهوم مطلق لانهائي والموجود هو الانسان الكائن الحي جزء من الطبيعة متمايز مستقل عنها. وكل الموجودات التي يحتويها الوجود باستقلالية تامة يدركها الحس والعقل كموضوعات له. اذن الوجود كما ذكرنا هو مفهوم فلسفي مطلق من مباحث الميتافيزيقا الفلسفية تحكمه اللانهائية. حاله حال كل المفهومات المطلقة مثل الزمن، الارادة، الحرية، الموت، العدم، الاخلاق وكذلك جميع موضوعات اكسيولوجيا القيم المرتبطة بالسلوك والنفس. موجودات الوجود هي موضوعات الادراك التي يحتويها الوجود بالتسمية المجازية وليس بالمعنى الحقيقي الواقعي. فالموجودات من ضمنها الانسان هي موضوعات مستقلة يدركها الحس والعقل ويتعامل معها على هذا الاساس. وموجودات الوجود جميعها تدور في فلك الموجود المركزي الذي هو الانسان في تعامله مع الطبيعة وموجودات العالم الخارجي.

لا يشترط ابدا ان نفهم موجودات الوجود هي في علاقة ارتباط عضوي مع الوجود. فالوجود مفهوم ميتافيزيقي مطلق بينما موجوداته من الاشياء والكائنات والموضوعات نسبية متعيّنة واقعيا وحتى خياليا يمكن تعامل الوعي بها باستقلالية تامة. يمكنننا القول أن الوجود هو الشكل الذي يحتوي مضمونه من الموجودات المستقلة عنه ادراكيا. في توضيح اكثر نحن نستطيع تناول موجودات الوجود كموضوعات في وعينا الادراكي الحسي والعقلي لكن من المحال ان نتناول الوجود في وحدة كينونية واحدة كموضوع ممكن إدراكه. اكبر التباس وخطأ اقترفته الوجودية بحقها انها تعاملت مع الوجود انه الانسان ولم تتعامل مع الانسان كموجود وكائن حي مستقل عن الوجود. خلاصة القول ان الوجود ليس هو الموجود بذاته. والوجود مطلق وليس موضوعا للعقل.

وإن كنا نقر بأن موجودات العالم الخارجي والطبيعة هي موضوعات متعينة موجوديا إلا أنه بدون ادراك ووعي العقل الانساني لها تضل في حال الموجودات الساكنة المستقلة انطولوجيا التي لا تثير حاجة الوعي بها ولا أهمية الوقوف عندها ودراستها. وموجودات الوجود الحيّة منها وغير الحيّة باستثناء الانسان غالبيتها لاتعي ذاتها ولا تمتلك جوهرا وراء الصفات الخارجية لها ولا تعي علاقة الانسان بها. نستثني من هذا التعميم الانسان في امتلاكه وعيه الخاص به كذات وفي وعيه موضوعات العالم الخارجي بتخارج معرفي باستقلالية تفريق بين الاثنين.. ذات الانسان او الانا الهوياتية تدرك ذاتيتها وتدرك موضوعها ايضا. ومقولة الذات هي موضوعها فهم فلسفي خاطيء ولا انفصال بينهما خطأ يشبه علاقة الفكر باللغة.

فلاسفة من أمثال ديفيد هيوم وجون لوك وبيركلي وتبعهم هوسرل ومن معه أنكروا وجود العالم الخارجي بجميع موجوداته المتنوعة في عبارة أشهارهم العلني الصريح بها أن ما لا يدركه العقل غير موجود وكل شيء يدرك وجوده بالذهن قبل ادراك وجوده المادي من ضمن موجودات العالم الخارجي. وكل شيء موجود في تصورات الذهن قبل وجوده موضوعا ماديا ..

ما تجب الاشارة له ان نيتشة من مجموع فلاسفة عديدين انكروا جميعا ان يكون مفهوم الوجود المطلق غير الطبيعة والانسان كما تطلق عليه الوجودية خطأ هو الموجود الانسان. لايعني شيئا عدا ان الوجود هو ليس الانسان كما خلطت فلسفة الوجودية بذلك. الوجود مفهوم ميتافيزيقي البحث فيه وليس بموجوداته لا معنى له. اما حينما نتحدث عن الانسان باعتباره كينونة موجودية من ضمن موجودات الوجود فهو بهذا المعنى يكون موضوعا لذاته ووعيا لموجودات العالم الخارجي. نيتشة إعتبر الكلام الفلسفي عن الوجود المطلق الميتافيزيقي ضربا من الهراء فلا يوجد شيء حقيقي يسمى الوجود ولا يعني نيتشة الوجود هو الانسان كما فعلت الفلسفة الوجودية.

ثانيا: هيدجر فيلسوف الوجودية بكتابه (الوجود والزمان) لم يتعامل فلسفيا مع الموت والعدم على أنهما مفهومان لجوهر ميتافيزيقي واحد. فانت عندما تقول موت تقصد بالمفردة فناء كائن حي. واذا قلت عدما تعني بها اللاشيء الذي يمتاز بخاصية حتمية إفناء الكائنات الحية ايضا. ومن اقوال هيدجر الفلسفية السطحية قوله الديزاين ويقصد به الانسان او الحياة هو ركض الموت الى العدم. في حين الموت والعدم جوهران ميتافيزيقيان في التعبير عن شيء واحد هو فناء الكائن الحي بحتمية الموت. من المهم التفريق أن الوجود لا يموت لانه مفهوم لا يطاله التعين الموجودي لوعي العقل به كموضوع مادي ولا هو كائن حي مثل كائنات حيّة غيره محكومة بحتمية النهاية الموت. الوجود مصطلح ميتافيزيقي مجازي في التعبير عن مطلق تجريدي بالفكر. أما الفناء والاندثار فهو حتمية تطال كل ماهو حي من موجودات عالمنا الخارجي والوجود. ومقولة هيدجر بكتابه المشار له سابقا (العدم لا يعدم نفسه ) وكررها وسقط في ترديدها مع الاسف سارتر اثارت الكثير من السخرية اذ لا يصح ان نقول الموت لا يميت نفسه ونحن لا نعرف ماهو الموت لا بماهيته ولا بصفاته فهو ليس موضوعا يدركه العقل بغير دلالة علاقته بافناء الكائنات الحيّة. الموت حتمية فناء الاحياء. العدم او الموت لا فرق بين اللفظتين لا يمكننا تحديد ماهيتهما ولا معرفة احداهما لاننا ندرك ان لفظتي الموت والعدم تعني اللاشيء بحتمية الفناء البيولوجي والاندثار للكائن الحي.

ثالثا: الانسان كائن ميتافيزيقي

استذكر قبل دخولي في تفاصيل عنونة هذه الفقرة تثبيت مقولة هيدجر الفلسفية الساذجة (الانسان كائن لغوي وليس كائنا عقليا) إذ من البديهيات عدم وجود لغة بعدية بغياب عقل قبلي سابق عليها. الانسان كائن عقلي بواسطته توصّل اختراع اللغة. أجد الانسان كائنا ميتافيزيقيا بالفطرة الضرورية لانسنة وجوده الذاتي المتفرد عن باقي كائنات الطبيعة. ميتافيزيقا الانسان ليس محركها البحث عن معرفة وادراك (الاله) او الخالق او حاجة الوجود الانساني الى ميتافيزيقا التديّن وكلاهما هدفان لا تنكر الميتافيزيقا الخوض فيهما فلسفيا.. بل كل تفكير انساني عبر العصور في مختلف القضايا التي تعترضه ويعيشها أما أن يختار التكيّف المغلوب على أمره معها اذا ما اتسمت تلك القضايا بميتافيزيقا التفكير. أو الاحتدام التصارعي مع الافكار القابلة للتطبيق في فرض ارادته الذاتية عليها ولا يتكيّف معها ويجاريها..

أنسنة الانسان بميتافيزيقا الروحانيات والتصوفيات الدينية أي في محاولته التسامي فوق الوجود المادي في تعطيل احساسات البدن او الجسم وفي تعطيل فاعلية العقل المحدودة بالمدركات التي تشكل لديه موضوعات موجوديته الارضية كفرد ضمن مجتمع.

بعض جوانب المباحث الميتافيزيقية الخاصة بالاديان واللاهوت تكون خاصيتها تغليب النزعة الدينية الايمانية القلبية الغيبية على العقل ولا ارى ضررا بذلك. سواء اكان الانسان هو مخترع دينه والهه بعلاقته بالطبيعة حسب فلسفة فيورباخ في محاولة الانسان معرفة وجوده الارضي بدلالة ميتافيزيقا السماء.

او سواء أن يكون الانسان معطى ديني روحاني تكون فيه ميتافيزيقا التفكير اللاهوتي عموده الفقري. اي كما في تعبير الوجودية الانسان وجود طاريء. وأجد بناء عليه يكون التدّين في حياته ملازما طارئا ايضا محكوما به الانسان.

ميتافيزيقا التفكير عند الانسان سواء اكان خرافيا اسطوريا وثنيا او تدينا روحانيا عاصر الانسان طويلا فهي أي ميتافيزيقا التفكير الديني عموما بالنتيجة كانت ضرورة حياتية قديمة جدا وضرورة نفسية يحتاجها الانسان حاضرا. أنا هنا اتجاوز نظرية علماء الفيزياء والفلك أن لا مستقبل للفلسفة أمام تقدم فتوحات العلم. كما تنبأ العالم الفيزيائي الكبير ستيفن هوكنج والسبب كونه عالما في فيزياء الكون وليس فيلسوفا على الارض.. أنشتاين رفض تصنيفه فيلسوفا على حساب انه عالم فيزياء.

حين تقودنا الميتافيزيقا الوصول الى الايمان الديني التوحيدي المعاصر فهي عندها لم تعد ميتافيزيقا إعدام علمية تفكير العقل من جهة ولا إعدام أهمية حياة الانسان الارضية من أجل أهداف غيبية يؤمل حصوله عليها في عالم ما بعد الفناء الارضي من جهة اخرى.

رابعا: استشكالات فلسفية عن الوجود:

يقول دينوسيوس الوجود الاعلى لا ينتمي الى مقولة الموجود الذي لا يدرك ولا الى مقولة اللاوجود. وبدورنا نقول الوجود في ذاته هو نومين كما اقرّه كانط، أي هو وجود الاشياء التي لا تمتلك وعيا بذاتها ولا وعيا مغايرا لها. لذا الوجود بذاته بالنسبة لادراك ألانسان له هي إستحالة وجودية إدراكية تناقض المفهوم الطبيعي للانسان. والوعي هو إدراك الآخر، والآخر موجود مغاير للوعي به.

ينكر سارتر أن يكون الوجود في ذاته وجودا حقيقيا، كما لا يمكنه أن يكون "لا وجودا". والعدم لا يعدم نفسه وهو خطأ اشرنا له ونجد صداه الاستنساخي عند هيدجر. لكن يبقى العدم هو الموت الحتمي الملازم للانسان ولكل كائن حي. ملازم كل موجود حي وصولا مرحلة إفنائه. العدم لا يعدم نفسه لانه يفني غيره من الكائنات الحية فقط اوضحنا باسطر سابقة ان الموت والعدم دلالة إفنائية لوصف حالة الفناء. حسب عبارة سارتر وهيدجر هل هناك حاجة معرفية او فلسفية ان نقول الموت لا يميت نفسه. طبعا عبارة سارتر سبق لهيدجر ان قالها.

الوجودية تدعي فهمها الوجود الذاتي بشكل خلاق، فالانسان يخلق نفسه بنفسه من حيث سعيه تكوين ماهيته في كينونة متكاملة. كما تعتبر الوجودية لا فرق بين الذات والموضوع وليس العقل هو الطريق الوحيد في إكتساب المعرفة. برايي يوجد فرق بين الذات والموضوع وادماجهما معا عضويا مفارقة خاطئة يصعب تمريرها. أما أن لا يكون العقل الطريق الوحيد في اكتساب المعرفة فهي صحيحة تفتقد البرهنة عليها والتوضيح.

عمد هيدجر في كتابه الوجود والزمان إستعماله تعبيرات غامضة لا تحمل أكثر من قشرتها التعبيرية اللغوية ومثل قوله " الوجود – في – عالم هو ليس علاقة بين ذات وموضوع". و"الموجود هناك الانسان الديزاين ليس له عمق، بل يأتي من جوف هاوية بلانهاية من العدم" " ونهاية الموجود هناك هو الموت الذي هو نهاية بلا عدم، هو ركض الموت الى العدم، هو المحمول بذاته في داخله نحو العدم"." الوجود الاصيل يكون في الانعزال عن "الهم" الاخرين، وهذا لا يتحقق بقلب العالم " نستطيع القول بامانة ان هذه المقتطفات والقفزات الكنغرية في العبارات لا تخدع المتلقي الحصيف انها بلا معنى وبعضها يدحض نفسه تلقائيا. اعتقد ماسبق وذكرته عن هذاءات وهراء فلسفة هيدجر توضحها العبارات السالفة له.

عارض سورين كيركارد الفيلسوف الشاب الدنماركي الذي توفي في عز شبابه والذي يعتبر الاب الروحي للوجودية المؤمنة غير الالحادية فقد انكر العقل كي يتسق نفسيا مع ايمانه الديني، فهو يرى أنه لا يمكن ان نصل لوجود الخالق الاله بوسيلة طرائق الفكر لأن العقيدة المسيحية مليئة بالتناقضات في معاداتها العقل. وبذلك أراد بناء فلسفة وجودية مؤمنة ليس باللاهوت كنص ديني، وإنما أراد وجودية تمزج بين المادي والروحاني في تعطيلهما فاعلية العقل الايماني غير المتحقق.

***

علي محمد اليوسف - باحث فلسفي

.....................................

الهامش:

 1. دكتور زكريا ابراهيم /دراسات في الفلسفة المعاصرة ص 394

2. نفس المصدر ص 422

يهدف المقال إلى توضيح مفهوم الرؤى السلوكية باعتبارها مجال متعدد التخصصات يطبق مقولات وتصورات مجموعة من العلوم الإنسانية والتطبيقية (علم النفس، الاجتماع، الاقتصاد السلوكي، الطب) بهدف فهم السلوك البشري وطريقة تفكير أفراد المجتمع وتصرفاتهم وآلية اتخاذهم للقرارات والتأثير عليهم في مجالات مختلفة، مثل السياسة العامة والصحة والتعليم والأعمال، بالإضافة إلى تبيان الكيفية التي يتأثر بها سلوكنا بالعوامل التي تقع خارج نطاق إدراكنا الواعي، كما يسعى المقال إلى توضيح نهج الرؤى السلوكية في تطبيق أحدث الأدلة حول ما يؤثر على السلوك البشري الفعلي، بهدف حل المشكلات العملية التي تقف عائقاً في توافق الإنسان مع بيئته وتقييم نتائج الحلول المقترحة.

تمهيد:

يمارس الإنسان سلوكه وسط بيئة متعددة العوامل، فإن هذا السلوك يتأثر بالعوامل البيئية المحيطة تأثراً كبيراً سلباً أو إيجاباً وهذه العوامل البيئية قد تكون عوامل اجتماعية أو دينية أو ثقافية أو سياسية إلخ...، وحيث إن هذا السلوك أو هذا النشاط يتأثر بما حوله، فإن فهم السلوك الإنساني أصبح مهماً، والأهم من ذلك دراسة الظروف والمواقف المحيطة بهذا السلوك بهدف رصد تمظهرات السلوك الإنساني في مختلف سياقات الحياة الاجتماعية المعاصرة من أجل تحليلها ونقدها وتفسير دوافعها التي تحدد طبيعة علاقاتنا بالآخرين.

ينظر إلى السلوك الإنساني كنشاط موجه ومقصود لتحقيق غايات محددة، ولكن السلوك الإنساني يرتبط بقدرة الفرد وتفهمه لمعنى السلوك والنتائج المرتبطة به، حيث يختلف الأفراد في مدى تفهمهم لحقيقة السلوك ومدى وعيهم بموضوعية السلوك وقدرتهم على تعديله وتنميته وتطويره من أجل الحصول على الأهداف بطريقة مثلى وبنتائج كبيرة.

وهذا يعني أن السلوك الإنساني موضوع معقد بطبيعته، وهو يتعلق بالطريقة والأسباب الكامنة وراء تصرفات الناس. بالطبع، هناك عدد لا يحصى من النظريات المرتبطة بالسلوك البشري وأنواع السلوك المختلفة. وفهم السلوك البشري مهماً جداً في الحياة الاجتماعية، حيث تسلط تلك المعرفة الضوء على الأنماط، والأسباب التي تجعل الناس يتخذون قرارات معينة، أو التعامل بطريقة ما في موقف معين. بكل تأكيد، كلما زاد فهم الأفراد للسلوك البشري، كلما كان بإمكانهم معرفة أنفسهم بشكل أفضل وفهم كيف يتصرف الآخرون، ويفسرون ويتكيفون مع بيئاتهم الاجتماعية المختلفة.

أولاً- تعريف السلوك الإنساني:

في حقيقة الأمر، يقوم السلوك Behavior  على مجموعة من الأفعال والاستجابات التي يتخذها الأفراد نحو الأفراد الآخرين، أو الكائنات الحية أو الأنظمة أو الكيانات الاصطناعية أو نحو بيئتهم بشكلها عام، والتي تشمل الأنظمة أو الكائنات الحية، بالإضافة إلى البيئة المادية غير حية. والسلوك بطبيعة الحال، هو استجابة الكائن الحي للعديد من المحفزات أو المدخلات، سواء كانت داخلية أو خارجية، شعورية أو لا شعورية، علنية أو خفية، إرادية، أو لا إرادية.

يعرف علماء علم النفس السلوكي السلوك الإنساني Behavioral Psychology: بأنه أي أنشطة ينتجها الكائن الحي استجابةً لمحفزات خارجية أو داخلية، بما في ذلك الأنشطة التي يمكن ملاحظتها بشكل موضوعي، والأنشطة التي يمكن ملاحظتها بالاستبطان والعمليات غير الواعية، بشكل أكثر تقييداً. أي إن السلوك: هو أي إجراء أو وظيفة يمكن ملاحظتها أو قياسها بشكل موضوعي استجابةً للمنبهات الخاضعة للرقابة. وبالتالي فإن السلوك، هو كل ما ينتج من الكائن الحي (الناطق) بشكل خاص، وهو يتميز بإمكانية ملاحظته وقياسه. باختصار شديد " السلوك هو ترجمة الأفكار إلى كلمات وحركة. وسلوك الإنسان وتصرفاته تدلنا على شخصيته وبواسطة هذا السلوك نستطيع أن نقرأ أفكاره ونقومها ".

نستنتج مما تقدم، أن السلوك الإنساني: هو مجموع النشاط النفسي والجسمي والحركي والفسيولوجي واللفظي الذي يصدر عن الإنسان وهو يتعامل مع بيئته ويتفاعل معها. وهو جميع أنواع الأنشطة التي تصدر عن الإنسان أثناء تعامله مع البيئة وتوافقه معها. والسلوك الإنساني يتضمن عدة جوانب، وهي كالآتي: حركية مثال: المشي عند الإشارة، الكتابة. انفعالية مثال: الغضب، الفرح، الشعور بالارتياح. عقلية (معرفية) مثال: التخيل، التذكر، الإدراك. ويتميز السلوك الإنساني بتفوقه على غيره (من الحيوانات العليا)، وأوجه التفوق تكمن في أن سلوك الإنسان مرن قابل للتغيير والتعديل على حسب ظروف بيئته، وأنه يصبح بالتعود سريع ليس بحاجة لعمليات التفكير والجهد. كما أنه قادر على الوصول لأهدافه وتحقيق رغباته وحل المشكلات التي تعترضه، وأيضاً على التفكير السليم والاستفادة من أخطائه، وأخيراً يصبح سلوك الإنسان بالتعود سريعاً محكماً سهلاً لا يحتاج إلى إعمال فكر أو جهد عميق.

تعتبر المدرسة السلوكية هي واحدة من أشهر مدارس علم النفس، ومؤسس هذه المدرسة العالم جون واطسون (1878-1958) وآخرون، الذي يهتم بتشكيل السلوك بغض النظر عن الوراثة والسمات الشخصية وخلفية الفرد، فتشكيل السلوك يكون عن طريق التجربة، فيتم تفسير سلوك الإنسان بالاطلاع على الخبرات التي اكتسبها في حياته.

ومن أهم الأسس التي تقوم عليها النظرية السلوكية قواعد التعلم، فهي تعتمد على أساليب تستطيع من خلالها أحدث تعديل أو تغير في السلوك الإنساني، لذا شغلت النظرية السلوكية مكانة هامة في مطلع عقد الستينيات من القرن الماضي، حيث ترى النظرية السلوكية إن الإنسان لا يتصف بالخير أو الشر إنما يولد بفطرته الطبيعية ومن ثم يبدأ في احتكاكه بالبيئة المحيطة به فيتعلم السلوكيات من خلالها. فالتعلم في علم النفس السلوكي هو عملية اشتراطية، لا تعتمد على الحفظ والتذكر، فنحن نتعلم من خلال التفاعل مع المثيرات الخارجية فعلى سبيل المثال نتعلم تذوق الطعام عن طريق تجربة الأطعمة المختلفة حتى يصبح الطعام ذاته مثيراً للجوع بينما هناك أنواع أخرى من الأطعمة تشعرنا بالغثيان وعدم الراحة فور رؤيتها فنحن لم نولد بهذه الغريزة إنما تعلمناها من خلال التجربة والاختبار، فالطفل الصغير قد يضع أي شيء في فمه دون أن يكون طعاماً.

وعلى العموم حاولت النظريات السلوكية* فهم السلوك البشري وأكثرها انتشاراً هي نظريات التكيف. يحدث التكيف عندما يتم إعداد شخص ما على التصرف بطريقة معينة. وهناك نوعان رئيسيان من التكيف (الكلاسيكي والفعال)، وقد يتأثر الأشخاص المختلفون بشكل أكثر من الآخر. وبطبيعة الحال، فإن تكييف البشر للتصرف بطريقة معينة يمكن أن يكون له نقاشات أخلاقية، خاصةً عندما يكون الشخص مهيئاً للتصرف بطريقة لا تتناسب مع مصالحهم وغاياتهم. ومن ناحية أخرى، يؤكد آخرون أن جميع البشر مبرمجون بطبيعتهم على التصرف بطريقة أو بأخرى.

يحدث التكيف الكلاسيكي عندما يربط شخصاً ما محفزات معينة بنتائج مختلفة. غالباً ما تشجع طريقة التكيف هذه الناس على التصرف بطرق تجلب لهم السعادة والسرور. على سبيل المثال، إذا وجد شخص ما أنه يميل إلى القيام بعمل جيد عندما يتبع غرائزه بدلاً من إتباع القواعد، فمن المرجح أن يكون غير ممتثل ويتحمل المخاطر. لا يجب أن يحدث التكيف الكلاسيكي دائماً من أفعال أو تلاعبات فرد معين. ففي بعض الأحيان، يحدث هذا النوع من التكيف من المجتمع أو من البيئة التي يتعرض فيها الشخص بشكل روتيني. أما فيما يتعلق بالتكيف الفعال (1)، نجد أنه يتم التحكم في السلوك البشري من خلال التعزيز الإيجابي والسلبي. وعادةً ما يتعلم الشخص الذي يجد نفسه في مشكلة مع القانون عندما يخالف قواعد معينة ربط خرق القواعد بالمسائل القانونية. وبالمثل، فإن الفرد الذي يدرس بانتظام للامتحانات ويؤيدها يربط الدراسة بالدرجات الإيجابية. عندما يتعلق الأمر بالسلوك البشري، يميل الناس إلى الابتعاد عما يسبب لهم الألم والانجذاب نحو المتعة والرضا الشخصي.

ثانياً- الرؤى السلوكية للدوافع الواعية وغير الواعية في السلوك الإنساني:

كثير من الأحيان نتوقف فجأة ونسأل أنفسنا: " لماذا فعلنا ما فعلناه؟ " ربما نكون قد توقفنا مؤقتاً، ونظرنا حولنا، وأدركنا أننا قد وصلنا إلى منتصف الطريق إلى المنزل بينما كانت أفكارنا في مكان آخر. أو ربما جلسنا بجوار شيء اشتريناه ونحن نتساءل عما إذا كنا نريده أو نحتاج إليه حقاً، بعد أن وجهتنا التحفيزات والتطمينات نحو شرائه دون عناء.

إن تسلط الضوء على سلوكنا غالباً ما يتأثر بعوامل تقع خارج إطار إدراكنا الواعي. ولا يمثل هذا مشكلة بالضرورة، إذ كنا سنجد صعوبة كبيرة في القيام بوظائفنا إذا كان علينا استيعاب كل شيء نقوم به بوعي والموافقة عليه. لكننا - وكذا الحكومات أو المؤسسات الأخرى - غالباً ما نميل إلى التقليل من أهمية هذا الجانب " التلقائي " من سلوكنا. وقد تكون النتيجة سياسات أو منتجات أو خططاً غير فعالة.

يحاول نهج الرؤى السلوكية معالجة هذه المشكلة عن طريق أخذ أحدث الأدلة حول ما يؤثر على السلوك، ثم تطبيق هذه الرؤى على قضايا عملية. وبما أن النهج يعطي الأولوية أيضاً لتقييم تأثير تدخلاته، يمكننا أن نعرف بالضبط كيف أحدث فارقاً في مشكلات ملموسة. ومن ثم، انتشر استخدام نهج الرؤى السلوكية من قبل الحكومات والشركات والأفراد بقوة على مدى السنوات العشر الماضية.

ولكن كان هناك أيضاً أسئلة عديدة حول ما إذا كان منهج الرؤى السلوكية موثوقاً به، وما إذا كان يمكنه معالجة القضايا الكبيرة التي تواجه المجتمع، وما إذا كان يطرح أسئلة أخلاقية جادة. هناك أيضاً قدر كبير من الالتباس حول ما يعنيه مصطلح " الرؤى السلوكية " في الواقع، فالسلوك البشري هو محط الأنظار، ومقياس الرفض والقبول على مستويات متعددة، وفق السياقات والمؤثرات التي تجعله مؤيداً أو ممتنعاً، لذلك تتداخل العلوم النفسية والاقتصادية والاجتماعية والطبية، مُشكّلة مناهج ومجالات تتقصى حياة البشر، وتفندها بطريقة دقيقة.

تلك المناهج والأدوات وُضعت في محك مع الإنسان، لقياس كيفية اتخاذ قراراته على النطاق الفردي أو في تجاه التوافق الجماعي، أو وفق الجندرية التي ربما اختلطت على كثير من الناس، فتساوت في كل شيء بناءً على المحفزات التي أعادت السلوك الإنساني إلى واجهة البحث والتقصي بما يعرف اليوم بـالرؤى السلوكية (Behavioral Insights).

بمعنى أدق الرؤى السلوكية (BI) هي مجال متعدد التخصصات يطبق رؤى من العلوم السلوكية لفهم السلوك البشري والتأثير عليه في مجالات مختلفة، مثل السياسة العامة والصحة والتعليم والأعمال. يستمد ذكاء الأعمال من ثلاث تخصصات رئيسية: علم النفس، والاقتصاد، وعلم الأعصاب. يساهم كل من هذه التخصصات في الأسس النظرية لذكاء الأعمال بطرق مختلفة:

1. يقدم علم النفس الأدلة التجريبية والنماذج النظرية لكيفية تفكير البشر وشعورهم وتصرفاتهم في المواقف المختلفة. يساعد علم النفس ذكاء الأعمال على تحديد التحيزات المعرفية والاستدلال والعوامل العاطفية التي تؤثر على اتخاذ القرار والسلوك البشري. على سبيل المثال، يشرح علم النفس سبب ميل الناس إلى المبالغة في تقدير احتمالية وقوع أحداث نادرة (اكتشاف التوفر)، ولماذا يفضلون المكافآت الفورية على المكافآت المتأخرة (التحيز الحالي)، ولماذا يتأثرون بالمعايير الاجتماعية وضغط الأقران (الدليل الاجتماعي).

2. يوفر علم الاقتصاد الأدوات والأطر التحليلية لتقييم تكاليف وفوائد التدخلات والسياسات المختلفة التي تهدف إلى تغيير السلوك البشري. يساعد الاقتصاد ذكاء الأعمال على تصميم واختبار فعالية وكفاءة مختلف الحوافز والدفعات وهياكل الاختيار التي يمكن أن تغير سلوك الأفراد والجماعات. على سبيل المثال، يفسر علم الاقتصاد لماذا يستجيب الناس للتغيرات في الأسعار (الطلب والعرض)، ولماذا هم أكثر عرضة للتصرف بناء على معلومات بارزة وذات صلة (الانتباه والتأطير)، ولماذا يقدرون الخسائر أكثر من المكاسب (النفور من الخسارة).

3. يوفر علم الأعصاب الآليات البيولوجية والفسيولوجية التي تكمن وراء الإدراك والعاطفة البشرية. يساعد علم الأعصاب الذكاء الاصطناعي على قياس ومعالجة النشاط العصبي والاستجابات الهرمونية المرتبطة بالنتائج السلوكية المختلفة. على سبيل المثال، يشرح علم الأعصاب لماذا يكون الناس أكثر انتباهاً وتحفيزاً عندما يتلقون ردود فعل إيجابية (الدوبامين)، ولماذا يعانون من التوتر والقلق عندما يواجهون عدم اليقين أو التهديد (الكورتيزول)، ولماذا يكونون أكثر تعاطفاً وتعاوناً عندما يشعرون بالارتباط مع الآخرين. أخرى (الأوكسيتوسين).

في واقع الأمر، يسعى نهج الرؤى السلوكية إلى تطبيق أحدث الأدلة حول ما يؤثر على السلوك البشري الفعلي، بهدف حل المشكلات العملية، كما يمكن أن تقدم الرؤى السلوكية وصفاً واقعياً للكيفية التي نأتي بها بأفعالنا ودوافعنا للإتيان بها، مما يسمح لنا بتصميم أو إعادة تصميم السياسات والمنتجات والخدمات وفقا لذلك. وقد أدت النتائج التي حققها هذا النهج إلى اعتماده من قبل الحكومات والمؤسسات والشركات في جميع أنحاء العالم. فما هي المبادئ الأساسية لمنهج الرؤى السلوكية، ولماذا أثبت شعبيته، وما الذي يمكن أن يحققه؟

يمثل هذا النهج الجديد تحدياً للآراء المتعارف عليها بشأن كيفية اتخاذ القرارات. غالباً ما يفترض الأفراد، وكذا الحكومات والشركات التسويقية، أن سلوكنا يخضع في الغالب لردود فعل مدروسة ومتروية تجاه المعلومات والمحفزات التي نتلقاها. ومن خلال هذا الفهم، يلاحظ الناس كل معرفة ذات صلة، ويوازنون بعناية بين تكلفة وفوائد كل خيار متاح، ويتخذون الخيار الذي يعتقدون أنه يعظم من الفوائد التي ستعود عليهم (أو على أولئك الذين يهتمون لأمرهم).

على النقيض من ذلك، تتمثل " الرؤية " الأساسية لنهج الرؤى السلوكية في أن جزءاً كبيراً من سلوكنا غير واعٍ، واعتيادي، ومدفوع بإشارات في بيئتنا أو بالطريقة التي تقدم بها الخيارات. نحن قادرون على اتخاذ القرارات بطريقة مدروسة ومتروية، ولكن هذا يحدث بمعدل أقل مما نفترض. وعوضاً عن ذلك، توجه الاختصارات الذهنية أو " القواعد الأساسية " البسيطة أفعالنا، على سبيل المثال، " افعل ما يفعله الآخرون " أو " اتخذ الخيار الأوسط ". وغالباً ما تحفز هذه الاختصارات تلقائياً - خارج نطاق إدراكنا الواعي - عن طريق سمات الخيارات أو المواقف التي نواجهها.

ونتيجة لذلك، قد تتحكم جوانب السياق أو الطريقة التي يقدم بها قرار ما في تشكيل سلوكنا على نحو أكبر بكثير مما ندرك. لنتأمل سلوكنا الغذائي مثلاً. ونظراً لأن الناس يستخدمون وجود السلطة باعتبارها اختصارا ﻟ " الطعام الصحي " على سبيل المثال عند تقييم خيارات الطعام المتاحة، فإن إضافة السلطة إلى وجبة (الهامبرغر) السريعة تجعلنا نعتقد فعلياً أنها تحتوي على سعرات حرارية أقل من الوجبة نفسها بدون السلطة. وتتأثر الكمية التي نأكلها بطرق مماثلة. فمضاعفة حجم الحصة الغذائية يعني أن استهلاك الناس من الأكل سيزداد بمقدار الثلث، في المتوسط، والإشارات التي تحيط بطعامنا مهمة أيضاً، إذ تعني عبوات الطعام الأكبر حجماً وأواني التقديم الأكبر تناول المزيد من الطعام.

إن ردود الفعل التلقائية هذه تحدث خارج إطار إدراكنا الواعي، فإنها غالباً ما تكون قد تطورت باعتبارها وسائل فعالة وقوية لتحقيق أهدافنا. بالمقابل نتأمل كم كانت حياتنا ستصبح أصعب بكثير لو اضطررنا إلى التركيز عمداً على كل عنصر من عناصر عملية ربط رباط حذائنا كل صباح، أو تقييم إيجابيات وسلبيات كل طعام نشتريه بدقة وعناية. فهذا النوع من التفكير " السريع " هو ما يسمح لنا باتخاذ الآلاف من الأحكام والقرارات الناجحة كل يوم، دون أن ندرك حتى أننا نقوم بذلك. غير أن قلة وعينا لها ثمن أيضاً، إذ تعني أننا عادة ما لا ندرك الطريقة التي تشكل بها هذه العمليات سلوكنا.

لكننا بالمقابل سنظل نطور أنظمة واستراتيجيات تعتمد على الاعتقاد بأن قراراتنا تعتمد على التفكير المتأني بينما تظهر الأدلة العكس. ويمكن للرؤى السلوكية أن توضح لنا العوامل المحركة لأفعالنا بحق في هذه الحالات. وبذلك، يوفر النهج التفسيرات والتوقعات التي توجهنا إلى خطط عمل أكثر فاعلية.

باختصار شديد، يجمع نهج الرؤى السلوكية الأدلة على كيفية تفاعل التفكير الواعي مع العمليات غير الواعية لتشكيل السلوك. ولكنه يبني أيضاً على هذه الأدلة لاقتراح حلولٍ جديدة من خلال ما يلي:

1- المعلومات: كان النهج التقليدي لتقديم المعلومات عن الأكل عموماً هو إخبار الناس بالأطعمة التي ينبغي أو لا ينبغي عليهم تناولها. ولكن نظراً لأن العديد من خياراتنا الغذائية مدفوعة بالعادات وتحدث خارج إطار إدراكنا الواعي، فقد يكون لتحسين الوعي بمخاطر وفوائد أطعمة بعينها تأثير محدود على السلوك. في الواقع، يمكن أن يأتي تقديم المعلومات بنتائج عكسية. على سبيل المثال، وجدت إحدى الدراسات أن الناس كانوا في الواقع أكثر ميلاً لتناول دواء ما بعد عرض الكثير من آثاره الجانبية المحتملة عليهم - على عكس ما قد يحدث حال عرض أثر واحد فقط - وهذا بسبب طريقة إدراكنا للمخاطر.

مع وضع هذه المبادئ في عين الاعتبار، قد يساعد نهج الرؤى السلوكية الأشخاص بدلاً من ذلك على تبني " قواعد أساسية "، عملية جديدة تركز على خلق عادات جديدة. على سبيل المثال، يمكننا وضع خطط بسيطة لتقليل احتمالية تعرضنا للطعام المغري - مثل " إذا سأل النادل عما إذا كنت أرغب في الاطلاع على قائمة الحلوى، فسأطلب فنجان قهوة ". وقد أثبت هذا النوع من التخطيط، الذي يمكن أن يؤدي إلى خلق عادات جديدة، فاعليته عبر الكثير من الدراسات. بعبارة أخرى، قد يقترح نهج الرؤى السلوكية أن المعلومات يجب أن تركز بصورة أقل على ما يجب أن يأكله الناس، والتركيز بصورة أكبر على كيف يأكلون بالفعل. لا داعي للتخلي عن التوجيه الغذائي، ولكن بدلاً من ذلك، يجب أن يكون هناك تحول نحو كيفية تحويل هذا التوجيه إلى أفعال.

2- الحوافز: تعتبر الحوافز أداة هامة من أدوات صنع السياسات، وفي الآونة الأخير تركَّز الكثير من الاهتمام، فيما يتعلق باستهلاك الغذاء، على كيفية استخدام الضرائب لزيادة أسعار الأطعمة غير الصحية. والفكرة هي التحول بمشتريات المستهلكين بعيداً عن الأطعمة غير الصحية - مما قد يؤدي إلى تحولها نحو الأطعمة الصحية - تماماً كما أدت الزيادات الضريبية إلى تقليل استخدام التبغ. على سبيل المثال، فرضت بعض الدول ضرائب على المشروبات المحلاة لهذا الهدف.

إن محاولة التأثير على مشتريات المستهلكين بهذه الطريقة أمر يستحق التفكير. لكن نهج الرؤى السلوكية يشير إلى إمكانية استخدام الضرائب بطريقة مختلفة، وربما أقوى، وهي تحفيز إعادة الصياغة. تشير الدراسات إلى أن تقديم وجبات تحتوي على سعرات حرارية أقل بمقدار الربع جعل الناس يقللون استهلاكهم للطاقة بالمقدار نفسه. بعبارة أخرى، لم يحتج الناس إلى التعويض بتناول المزيد من الطعام، ولم يقل شعورهم بالشبع عن الأشخاص الذين استهلكوا الوجبة ذات السعرات الحرارية الكاملة. لذلك، فإن إعادة تشكيل الأطعمة للتخلص من السعرات الحرارية طريقة فعالة لمعالجة الإفراط في تناول الطعام. فلن يضطر المستهلكون إلى بذل جهد لتغيير سلوكهم، إذ يمكنهم شراء المنتجات نفسها، ولكن بآثار صحية سلبية أقل. فالهدف المتمثل في دفع المنتجين إلى إعادة صياغة المنتجات هو أساس تطبيق ضريبة على المشروبات المحلاة في بريطانيا (ضريبة صناعة المشروبات الغازية)، التي أعلن عنها في عام 2016. كان لهذه السياسة سمتان أظهرتا أن الهدف الأساسي كان سلوك المنتجين، وليس المستهلكين. فكلما زاد مستوى السكر وحجم المشروب، زادت الضرائب المطبقة على المُنتج لإعادة صياغة منتجاته.

هكذا أثرت الضريبة على سلوك المنتجين كما هو متوقع. فبسرعة أعادوا صياغة محتوى كل من المشروبات ذات الأسماء الشهيرة والعلامات التجارية الخاصة بهم. وفي غضون ثلاث سنوات فقط، انخفضت كمية السكر المباع للفرد من المشروبات الغازية بنسبة (30) في المائة، أي ما يعادل (5) جرامات لكل شخص يومياً. وكان السبب في حدوث ذلك هو تغير السوق، إذ انخفض إجمالي حجم مبيعات المشروبات التي كانت خاضعة للضرائب بنسبة (50) في المائة، في حين ارتفعت مبيعات المشروبات المنخفضة السكر والخالية من السكر المعفاة من الضرائب بنسبة (40) في المائة. كان الجزء الأكبر من هذا التغيير ناتجاً عن إعادة الصياغة، وليس بسبب تبديل المستهلكين لاختياراتهم. فقد أدى اختلاف التفكير بشأن السلوك إلى سياسة ساهم فيها ولاء المستهلكين لشراء علامة تجارية بعينها بحكم العادة في النجاح، وليس الفشل.

3- التشريعات: أخيراً، يمكننا أن نرى كيف يمكن للرؤى السلوكية أن تغير طريقة تفكيرنا في القوانين التي تضعها الحكومات وكيفية تطبيقها لهذه القوانين. فيما يتعلق بالأكل، يوجد اقتراح شائع وهو مطالبة مصنعي الأغذية وبائعيها قانوناً بعرض المعلومات الغذائية على العبوات وقوائم الطعام. وكثير من هذه القوانين تحدد الطريقة الدقيقة التي يجب أن تعرض بها المعلومات. ومن الخيارات الشائعة (التي تتبناها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي) في هذا الشأن الاعتماد في الغالب أو كلياً على عرض الأرقام، مثل السعرات الحرارية. الفكرة من وراء ذلك هي أن يتابع الناس استهلاكهم من السعرات الحرارية ويتخذوا الخيارات على هذا الأساس.

إلا أن المشكلة الأساسية تكمن في أن الناس يُنقحون المعلومات الغذائية، ويعالجونها باستخدام اختصارات ذهنية سريعة. ولا تتوافق المعلومات العددية الخاصة بالسعرات الحرارية مع هذه الاختصارات، بل تعتمد على تقييمنا المتأني للسعرات الحرارية، وإضافتها إلى حصيلة مستمرة. ويبدو أن الملصقات التي تستفيد من عملية اتخاذ القرارات السريعة والحدسية تعمل بشكل أفضل. على سبيل المثال، تستخدم الملصقات القائمة على ألوان إشارات المرور نظاماً لونياً بسيطاً يمكن تفسيره بنظرة سريعة، دون انخراط واع. وقد أظهر كثير من الدراسات أن ألوان إشارات المرور لها تأثير أكبر على خيارات الطعام من حسابات السعرات الحرارية العددية البسيطة، التي غالباً ما لا يبدو أن لها أي تأثير. وأعلنت الحكومة الألمانية أنها ستدخل نظاماً واحداً قائماً على ألوان إشارات المرور لملصقات الحقائق الغذائية نظام         " نوتري سكور/ Nutri-Score "(2 ) يستعين بهذه المبادئ.

فالنقطة الأساسية الكامنة وراء هذه الأمثلة هي: التأكد من أن السياسات أو البرامج تسترشد بأفضل الأدلة حول ما يؤثر على السلوك. إذا كنت ستطرح قانوناً جديداً، فعليك فهم الخيار الذي من المرجح أن يغير السلوك. وإذا كنت ستطرح حوافز، فعليك ضبط توقيتها وحجمها وهيكلها وشروطها لتعظيم تأثيرها. وعند إنشاء حملة معلومات، ضع في اعتبارك كيفية ملاحظتنا للمعلومات ومعالجتها. بشكل عام، تأكد من أن لديك فهماً واقعياً لما يؤثر وسيؤثر على السلوك ولماذا.

- خاتمة: بناءً على ما تقدم حاولنا من خلال هذا المقال مناقشة السمات الأساسية للرؤى السلوكية، ألا وهي: الاهتمام بالمشكلات العملية، وتطبيق الأدلة حول السلوك البشري لخلق حلول محتملة جديدة لهذه المشاكل، واستخدام التجريب لتقييم تأثير هذه الحلول على السلوك. بناءً عليه يمكننا تعريف نهج الرؤى السلوكية في عبارة واحدة هو أنه " نهج يستخدم أدلة على الدوافع الواعية وغير الواعية للسلوك البشري لمعالجة القضايا العملية ".

وهكذا أضحت منهجية الرؤى السلوكية بكل أبعادها، وبحسب كثير من المختصين النموذج العلمي الذي يوجه ويتحكم في مفردات المعيشة اليومية، لذلك فقد بنت شركات التقنية تطبيقات متخصصة، وذات تركيز عالٍ في تحليل السلوك الإنساني، والتأثير فيه، بهدف تعزيز الجوانب الترفيهية التي تبعده عن ازدواجية المعايير والمواقف واختلاط المصالح، مع تأثير آخر بغرض متقاطع يوجه الجمهور إلى اكتساب أهداف محددة، ربما تكون لمصلحته أو العكس بناءً على النوايا التي يراد منها.

لقد أتاحت البرامج التقنية مسألة مراقبة سلوك الأفراد بشكل دقيق لارتباط حياتهم بها، لذلك عملت الكثير من الدول على تطبيق منهجية تحليل الرؤى السلوكية من خلال تلك البرامج المتخصصة في جمع بيانات وتفضيلات المستخدمين، والتعرف بتعمق على أنماط حياتهم التي تظهر من بين هوامش التجربة ومتون الواقع، لذلك تكون القرارات محكمة، وتخدم المصالح التي وضعت من أجلها، بانسياق الأفراد معها دون إدراكهم أنهم يتعرضون إلى توجيه وتحكم في شؤون حياتهم.

بالمقابل يعتبر كثيرون أن الاعتماد على تحليل دوافع الرؤى السلوكية إثراء للمشاركة المجتمعية في تصميم السياسات الاجتماعية والاقتصادية التي تؤثر على سلوك الجمهور، لذا فهي تهدف إلى تحقيق أبعاد إنسانية مشروعة، وتكون مدخلات لبناء قرارات حاسمة قصيرة المدى أو طويلة المدى، ضمن متطلبات راهنة أو قراءة مستقبلية.

خلاصة القول تعبّر الرؤى السلوكية عن تطبيق مفرزات العلوم السلوكية لفهم السلوك البشري والتأثير عليه. وهي مهمة لأنها قادرة على المساعدة في تصميم سياسات وبرامج وتدخلات أكثر فعالية تأخذ في الاعتبار الكيفية التي يتصرف بها الناس في الواقع، وليس الكيفية التي يفترض أن يتصرفوا بها. يمكن أن تساعد الرؤى السلوكية في معالجة التحديات المختلفة في مجالات مختلفة، مثل: الصحة، والتعليم، والبيئة، والتمويل، والحوكمة، التنمية الشاملة.

***

د. حسام الدين فياض

الأستاذ المساعد في النظرية الاجتماعية المعاصرة

قسم علم الاجتماع كلية الآداب في جامعة ماردين- حلب سابقاً

.............................

- المراجع المعتمدة:

– حسام الدين فياض: تمظهرات السلوك الإنساني في المجتمع المعاصر، سلسلة نحو علم اجتماع تنويري، الكتاب: السادس، دار الأكاديمية الحديثة، أنقرة، ط1، 2024.

- مايكل هالزوورث، وإلزبِث كيركمان: الرؤى السلوكية، ترجمة: سارة طه علام، مراجعة: شيماء طه الريدي، مؤسسة هنداوي، المملكة المتحدة، ط2، 2023.

- هلال بن سالم الزيدي: الرؤى السلوكية بين التوجيه والسيطرة، مدونة الجزيرة، الدوحة (قطر)، 23/09/2024. https://2u.pw/2sZDLAPg

- حسين حسن سليمان: السلوك الإنساني والبيئة الاجتماعية (بين النظرية والتطبيق)، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، ط1، 2005.

- محمد زياد حمدان: نظريات التعلم – تطبيقات علم النفس التعلم في التربية، دار التربية الحديثة، دمشق، ط1، 1997.

- عماد عبد الرحيم الزغول: نظريات التعلم، دار الشروق، عمان، ط1، 2010.

- أحمد عبد اللطيف: تعديل السلوك الإنساني (النظرية والتطبيق)، دار المسيرة، عمان، ط2، 2014.

- ب. ف. سكنير: تكنولوجيا السلوك الإنساني، ترجمة: عبد القادر يوسف، مراجعة: محمد رجا الدرني، سلسلة عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، العدد: 32، أغسطس 1980.

- جمال محمد أبو شنب: السلوك الاجتماعي (الاتجاه السلوكي في نظرية علم الاجتماع)، دار المعرفة الجامعية، الإسكندرية، ط1، 2008.

- هارولد ريجنا بيتش: تعديل السلوك الإنساني، تعريب: فيصل محمد الزراد، دار المريخ، الرياض، 1992.

- هاب ميد. ون: Nutri-Score: يسهل اختيار المنتجات الصحية، معهد الرأي إيجابي، وارسو (بولندا)، 7 سبتمبر 2021. https://epozytywnaopinia.pl/ar/nutri-score-ulatwia-wybor-zdrowszych-produktow

-  فاستر كابيتال: تطبيقات الرؤى السلوكية من النظرية إلى التطبيق (تطبيقات الرؤى السلوكية في العالم الحقيقي)، 26 حزيران 2024.  https://2u.pw/vsiGCcNS

هوامش

* النظرية السلوكية هي واحدة من أشهر النظريات النفسية، التي تتبنى فكرة العلاج القياسي، مثل العلاج عن طريق الكلام، والتي تؤمن أن تحسين السلوك أو تحسين نوعية الحياة يمكن أن يتم من خلال التكيف، وقد ظهرت هذه النظرية لدراسة سلوك البشر على أساس أن السلوك البشري سهل الملاحظة والدراسة من أهم روادها (إيفان بافلوف، وإدوارد لي ثورندايك، وجون بي واطسون، وبي إف سكنر). بمعنى أدق... تقوم المدرسة السلوكية على مبدأ هو أن السلوك الملاحظ لدى الفرد هو الوحدة الموضوعية فقط يمكن اعتمادها كمؤشر موثوق لشخصيته دون ما يقال عن عقله أو ذكائه أو ضميره أو أخلاقه أو عرقه أو خلفيته الثقافية أو غيرها.

(1) التكيف الفعال هو عملية تعلم يتم فيها تعديل السلوك من خلال عواقب مثل التعزيز أو العقوبة. بينما التكيف الكلاسيكي هو عملية تعلم يؤدي فيها حافز محايد مسبقاً إلى استجابة فطرية. أي يتضمن التكيف الكلاسيكي الاستجابة التلقائية للكائن الحي، بينما يتضمن التكيف الفعال الإجراءات المتعمدة للكائن الحي.

ينظر إلى التكيف على أنه نزعة فطرية تولد مع الإنسان وتمكنه من التأقلم والتعايش مع البيئة من خلال تعديل أنماطه السلوكية استجابة لمطالب البيئة، فهو بمثابة استعداد بيولوجي عام لدى الإنسان يساعده على العيش في بيئة معينة، ويمكنه من التنويع في طرق وأساليب تفكيره باختلاف فرص التفاعل والمراحل العمرية التي يمر بها. ففي الوقت الذي تعمل فيه قدرة التنظيم داخل الفرد، نجد أن قدرة التكيف تعمل في الخارج، حيث من خلال هذه العملية يعمل الفرد على تحقيق نوع من التوازن مع ما يجري من متغيرات في البيئة التي يتفاعل معها، مما يتيح له بالتالي فرصة العيش والبقاء.

وبناءً على وجهة نظر بياجيه، فإن العقل ليس مجرد صفحة بيضاء تنطبع عليها المعارف، أو مجرد مرآة تعكس ما يتم إدراكه، فهو ليس مُسجلاً سلبياً، وإنما يمتاز بالفعالية والنشاط. فالأفراد يتفاعلون على نحو نشط وفعال مع البيئة وينتج عن خبرات التفاعل هذه تطورات في الوظائف والأنشطة المعرفية يمثل التكيف الهدف النهائي لعملية التوازن، ويتضمن التغيرات التي تطرأ على الكائن الحي استجابة لمطالب البيئة.

(2) Nutri-Score نظام ذو أساس علمي قوي. تم إنشاؤه من قبل فريق الأستاذ. هيرسبيرج، عالم متخصص في البحث في علم الأوبئة التغذوية. يقوم على طريقة علمية لتقييم القيمة الغذائية للمنتجات، تم تطويره في عام 2005 من قبل فريق بحثي من جامعة أكسفورد البريطانية وتم اعتماده في عام 2007 من قبل وكالة معايير الغذاء البريطانية (وكالة معايير الغذاء، FSA). أساس النتيجة هو معادلة بناها فريق من العلماء يسمى نقاط راينر. يتم وضع تحديد القيمة الغذائية لمنتج غذائي في نظام Nutri-Score في مقدمة العبوة، على شكل ما يسمى تسمية التغذية. الملصق عبارة عن رمز بسيط مكون من 5 أحرف مع الألوان المقابلة ويوفر تقييمًا للقيمة الغذائية الإجمالية للمنتج. يتلقى كل منتج تم تمييزه بنظام Nutri-Score  إحدى الدرجات الخمس الممكنة في مقياس التصنيف، محسوبة على أساس الخوارزمية. يشمل التقييم:

1- المكونات التي يجب أن تكون محدودة في النظام الغذائي (قيمة الطاقة والسكر والدهون المشبعة ومحتوى الملح).

2- المكونات المفيدة التي يجب الترويج لاستهلاكها (محتوى الألياف والبروتين والفواكه والخضروات والمكسرات).

المنتجات المميزة باللون الأخضر لها قيمة غذائية عالية مهمة في النظام الغذائي ويمكن أن تشكل أساسه. يجدر استهلاكها في كثير من الأحيان أو أكثر. تشير الألوان البرتقالية والحمراء إلى المنتجات التي تحتوي على كمية أكبر من المكونات، ويجب أن تكون نسبتها في النظام الغذائي محدودة. يوصى باستهلاك هذه المنتجات بشكل أقل أو أقل. هذا لا يعني، مع ذلك، أنه ينبغي استبعادهم من النظام الغذائي على الإطلاق. كل منتج - بغض النظر عن التصنيف في النظام - قد يكون لها مكان في القائمة. يُظهر ملصق Nutri-Score القيمة الغذائية للمنتج ودوره في النظام الغذائي.

 

يرى سقراط، ان الروح تعيش في العالم المثالي، لأنها أبدية، لا تتغير ولن تتعرض لموت البدن.

افلاطون وهو تلميذ سقراط عرض في حواراته وصفاً شاملا لفلسفة سقراط. في حواراته، يتحدث سقراط مع شخص آخر. طوال تلك الحوارات، يعرض افلاطون فلسفة سقراط. في حوار افلاطون (فيدون)، يقابل سقراط فيدون الذي استمع تواً لحديث أجراه الخطيب ليسياس Lysis. الحوار يجري أثناء جولة عبر ضفة نهر اليسوس خارج جدران أثينا. سقراط وفيدون يجدان مكانا للراحة تحت ظلال شجرة كثيفة الأوراق متشعبة الأغصان.

هناك، يحاول سقراط إقناع فيدون لمناقشة الكلام الذي أدلى به الخطيب الشهير. في الحوار، هو يصف طبيعة الروح الانسانية من خلال اسطورة الروح المجنحة.

سقراط وروح الانسان

اعتقد سقراط ان الواقع ثنائي، مركّب من عالمين مختلفين. عالم متغير، عابر، وغير تام، بينما العالم الآخر لا يتغير وأبدي وغير فان. العالم المادي الذي نعيش به – حيث نرى ونسمع ونتذوق ونشم ونشعر – فهو ينتمي الى العالم الاول، عالم الانسان الذي يتغير باستمرار. بالنسبة لسقراط، هذا العالم تنتمي له الروح الانسانية.

بالمقابل، العالم الآخر، العالم الالهي، هو لا يتغير، أبدي، مثالي  ويتضمن الجواهر الفكرية للكون مثل الحقيقة، الخيرية والجمال. هذه هي الرواح الالهية. وعلى الرغم من وجود علاقة وثيقة بين أرواحنا وأجسامنا، لكنهما وجودان مختلفان راديكاليا. روحنا الانسانية تكافح لأجل الحكمة والكمال، والذي يتطلب عقلا. وطالما ان الروح مرتبطة بالبدن، فان هذا السعي للحكمة يُكبح من قبل نواقص العالم المادي، لأن الروح تُسحب بواسطة الجسم الى المنطقة المتغيرة. حيث "تتجول وهي مرتبكة". اذا كانت الروح قادرة على تحرير نفسها من العيوب الفاسدة للعالم المادي وتنجز "تواصلا مع اللامتغير"، عندئذ هي ستصل الى حالة الالوهية.

عادة يُشار الى أثينا القديمة بمهد الحضارة الغربية، كونها كانت مركزا مزدهرا للنشاط الفلسفي والفكري.

الروح المجنحة ورمزية العربة

طبقا لسقراط وافلاطون، الارواح هي إلهية وانسانية معا، تسافر الى السماء. كل واحدة توصف كعربة مجنحة يجرها حصانان يقودهما سائق العربة. يرمز سائق العربة الى الجزء العقلاني من الروح، الجزء الذي يفكر فيه الانسان ويحكم.

أحد الحصانين يرمز الى الجزء الروحي والذي يرتبط بعواطفنا المؤثرة مثل الغضب والاستياء وما شابه. الحصان الآخر هو الجزء الرغبي، المرتبط باحتياجاتنا الجسمية مثل الجوع والعطش والشهوة. عندما تسافر الروح في العربة، تصل الى نقطة يمكنها فيها رؤية ما وراء السماوات. هنا يكمن الوجود الحقيقي، والحقيقة المطلقة. عند الوصول الى هذه النقطة، يكون الحصانان هادئين وساكنين. هما يتبعان طوعا أوامر سائق العربة. عند هذه النقطة يمكن لأرواح الآلهة ان تتأمل بسلام جوهر وحقيقة الاشياء.

لكن هذا لا ينطبق على الارواح الانسانية. الحصان الذي يرمز الى الجزء الروحاني هو أبيض اللون.  يقف منتصبا بوضعية مثالية. يُبقي رأسه عاليا، ولديه أنف مهيب وعينان سوداوان. ذلك الحصان يقف فخورا ولكن بتواضع وتحكّم في الذات. انه صادق وشريف. هو لا يحتاج الى سوط ليتبع أوامر سائق العربة.

الحصان الآخر الذي يمثل الجزء الرغبي هو أسود اللون وجامح. جسمه يبدو ملتويا، وبديناً وذو مظهر قبيح. لديه رقبة سميكة وقصيرة، وجه عريض رمادي وعينان محتقنتان بالدم.

انه لا يستمع لأوامر سائق العربة ولا يستجيب لجلدة السوط. بدلا من ذلك، انه يميل الى الغطرسة والغرور. يقول سقراط انه في تلك الارواح الانسانية التي تبدو اكثر شبها بالروح الالهية، يرفع سائق العربة رأسه ليرى ماذا يكمن وراء السماوات.

مع ذلك، الحصانان لا يتبعان كل الأوامر. سائق العربة الذي ركز كل انتباهه على التحكم بالعربة، ينصرف ذهنه بعيدا عما يراه. الان هذه الارواح يمكنها ان ترى جزءاً كبيرا، لكنه ليس كل الحقيقة. أحصنة بعض الارواح الانسانية الاخرى هي أكثر جموحا. انها لا تسمع أوامر قادة العربات ولا تنسق حركاتها، بل بدلا من ذلك تجر العربات نحو مواقع متدنية.

يحاول قادة العربات السيطرة على عرباتهم عبر سحب اللجام بقوة. فقط في حالات محدودة هم قادرين على الالتفات برؤوسهم نحو منطقة وراء السماء. وبالنتيجة، هم يستطيعون فقط رؤية جزء صغير من الحقيقة. اخيرا، أحصنة بعض الارواح الانسانية هي شديدة التوحش. انها تصهل وتنتصب على سيقانها، وتركض نحو أحصنة آخرى بينما يحاول قادة العربات البقاء منتصبين. رغم صعوبة ما يقومون به، هم غير قادرين على التحكم بالعربات.

طبقا لسقراط في الحوار، هذه الارواح تُسحق، كل واحدة تسحب الاخرى، أجنحتها تتحطم وهي لن تنجح ابدا في إلقاء لمحة على الحقيقة.

افلاطون والروح

نظرية افلاطون في الروح مشابهة جدا لنظرية سقراط. لكن افلاطون يحلل الروح الى ثلاثة أجزاء وهي: الرغبي، الروحي، العقلاني. الجزء الرغبي يتعامل مع الرغبات الجسدية. الجزء الروحي يتعامل مع العواطف مثل الغضب عند الإهانة او الميل لتمييز المرء، والعقلاني يسعى للحقيقة ويستعمل التفكير المنطقي.

الروح التي يحكمها الجزء الرغبي هي خطيرة وتتغير باستمرار لأن كل رغبة تسيطر على كامل الروح. الجزء الروحي من الروح ليس خطيرا لكنه ليس متماسكا كليا ولا منسجما طالما لايمكنه احيانا التحكم بالعواطف. الروح المحكومة بالعقل هي متناغمة بالكامل وعادلة، انها تمارس رغبات وعواطف لكن فقط بمقدار ملائم ولأجل غايات عقلانية.

***

حاتم حميد محسن

” سعى ميلز من خلال مفهومه عن الخيال السوسيولوجي إلى ضرورة إيجاد رؤية تصورية جديدة لعلم الاجتماع، وهي رؤية لا تستند إلى إبراز التعارض بين فكرة الصراع أو التوافق، أو بين التغير والاستقرار، بل إن قوامها دراسة الإنسان في إطار التاريخ، أو كما يقول ميلز دراسة التفاعل بين التاريخ الشخصي والتاريخ الإنساني، وهذا يعني من جانبه عوداً إلى علم الاجتماع التاريخي الذي أغفلته الوظيفية. ذلك أن علم الاجتماع في تصور ميلز ينبغي أن يكون تاريخياً حتى يستطيع أن يدرك المشكلات الاجتماعية الحاسمة التي تواجه البشرية وذلك لأن طبيعة الظواهر الاجتماعية تستلزم قيام تصور لهذه الظواهر يحوي أبعادها التاريخية “.

التاريخ هو دراسة الماضي وأثره على الحاضر والمستقبل، ويمكننا تعريفه بأنه جملة من الأحوال والأحداث التي يمر بها كائن ما، وتصدق على الفرد والمجتمع. كما تصدق على الظواهر الطبيعية والإنسانية. وقد عد هيجل التاريخ جزءاً من الفلسفة، لأنه ليس مجرد دراسة وصفية، بل هو أقرب إلى التحليل وبيان الأسباب. " وعلى كل حال فإن التاريخ وببساطة شديدة هو العلم الذي يهتم بدراسة التطور الذي لحق بالمجتمعات الإنسانية منذ الماضي البعيد ".

تأتي أهميته لعلم الاجتماع في أن البحوث الاجتماعية هي بحوث تاريخية لأن علماء الاجتماع يسجلون الحوادث والظواهر التي يشاهدونها خلال احتكاكهم ببيئة ونظم المجتمع. ويستعمل اصطلاح علم الاجتماع التاريخي في دراسة الحقائق والحوادث الاجتماعية التي مضى على وقوعها فترة تزيد على الخمسين عاماً.

إن الصلة بين التاريخ وعلم الاجتماع هي صلة قوية وثيقة، ومع هذا فإن هناك من يقول بأن التاريخ يختلف عن علم الاجتماع بكونه يدرس الحوادث التاريخية الماضية التي لا يمكن تكرارها أو وقوعها ثانيةً بأية صورة من الصور، بينما يدرس علم الاجتماع حقائق ثابتة ونظريات نسبية تتعلق بالزمن الماضي والحاضر والمستقبل أضف إلى ذلك أن التاريخ يهتم بإيجاد وشرح وتعليل حقيقة أو حادثة أو شخصية تاريخية معينة، أما الاجتماع يدرس مجموعة عوامل وحقائق دراسة تفصيلية عامة تساعده على استنتاج الأحكام والقوانين التي تفسر الظواهر والعلاقات الاجتماعية تفسيراً كاملاً وعقلانياً.

بذلك فإن كلمة التاريخ تدل على مجرى الحوادث وما تصنعه الشعوب. وفي هذا الصدد يقول العلامة ابن خلدون (التاريخ فن عزيز المذهب، جم الفوائد، شريف الغاية، إذ هو يوقفنا على أحوال الماضي من أمم في أخلاقهم). ويميز بين التاريخ وعلم الاجتماع بأن التاريخ ينزع للبحث عن الحالات الفردية الفريدة للسلوك الإنساني، أما علم الاجتماع فينزع إلى البحث عن التتابعات الانتظامية في السلوك البشري. لكن علم الاجتماع لا يستطيع أن يستغني عن التاريخ والعكس صحيح، لأن التاريخ حافل بالوقائع التي صنعها الإنسان الذي هو محور وهدف دراسة علم الاجتماع. ومعظم الاستنباطات والأفكار الاجتماعية تم استنباطها من التاريخ.

وهكذا فإنه يوجد علاقة قوية بين التاريخ وعلم الاجتماع، وتتضح لنا من خلال اعتماد علم الاجتماع على المنهج التاريخي في دراسته وتتبعه لتطور وتغير الظواهر الاجتماعية، التي حدثت في الماضي بغية تحليلها وتفسيرها لمعرفة القوانين التي تحكمها. مثال: (دراسة تطور أشكال الأسرة العربية قبل ظهور القطاع الصناعي وبعد ظهوره). وتنحصر العلاقة بين العلمين بشكل واضح وجلي في جانبين أساسيين:

- تطبيق المنهج التاريخي، أي أن الظاهرة لا يمكن دراستها وتحديد طبيعتها إلا عن طريق تتبع صورها في الماضي، فمثلاً عند دراسة النظام الأسري في البلاد العربية علينا دراسة تاريخ النظام الأسري في الماضي وتحديد وظيفته في ذلك الزمان وتتبع التغيرات التي طرأت عليه حتى وقت الدراسة.

- اتخاذ التاريخ كحقل تجارب للعالم الاجتماعي، فمن المعروف أن التجربة في علم الاجتماع مجالها ضيق ومحدود، فلا يمكن إجراء تجارب على المجتمع بشكل مباشر لذا يلجأ علماء الاجتماع إلى التاريخ، مثال ذلك: لو أدرنا أن نتعرف مدى تماسك المجتمع في زمن الحروب فلا يمكن أن نجري حرب اصطناعية، وإنما ندرس تاريخ الأمم في أوقات الحرب الفعلية الماضية. بذلك سيكون علم الاجتماع دون الرجوع للتاريخ علماً ضحلاً خفيف الوزن، ولا يستطيع القيام ببحوثه ودراساته وصياغتها دون الرجوع إلى التاريخ في سعيه الدؤوب لتتبع تطور الظواهر الاجتماعية والقوانين الناظمة التي تحكمها.

بناءً على ما تقدم، يرى رايت ميلز أن علم الاجتماع يتعامل مع مشاكل البيوغرافيا، والتاريخ، ومع تقاطعاتهما داخل البناء الاجتماعي، ويعتقد أن هذه العناصر الثلاث المتمثلة بـ: البيوغرافيا، والتاريخ، والمجتمع، هي عبارة عن نقاط تتساوي في أهميتها بالنسبة للدراسة المناسبة للإنسان ولواقعه الاجتماعي.

تمثل هذه النقاط الرئيسية لميلز مساحة رئيسية ارتكز عليها في نقد لمختلف مدارس علم الاجتماع التي أهمل ممارسوها هذا التقليد الكلاسيكي. فالمشاكل الحالية التي نواجهها في عصرنا لا يمكن دراستها بصورة كافية ومناسبة دون ممارسة للرأي الذي يقول بأن التاريخ يمثل العمود الفقري للدراسة الاجتماعية التي لها أساسها السوسيولوجي وتوافقها التاريخي. لأن بدون توظيف التاريخ لا يستطيع عالم الاجتماع يحدد ويقرر أنواع المشاكل التي ينبغي أن تكون نقاط التوجيه للدراسات التي يقوم بها.

فإذا أراد عالم الاجتماع أن يفهم التغيرات الديناميكية التي تقع في أي بناء الاجتماعي معاصر، فيجب عليه أن يكشف ويتتبع بوضوح التطورات طويلة الأمد التي حدث في هذا البناء الاجتماعي الذي سيقوم بدراسته. بعد ذلك ينبغي عليه أن يطرح بعد التساؤلات الهامة حوله: ماهي الديناميات التي وقعت بها هذه التطورات مما أدى إلى حدوث التغيير بهذا المجتمع؟ فمن خلال هذه التساؤلات سيصل اهتمام عالم الاجتماع بهذه التطورات إلى ذروته. هذه الذروة لها علاقة بالانتقال التاريخي من حقبة إلى أخرى. وبذلك نسمي هذه العملية ببناء الحقبة التاريخية، فيرى ميلز أن على عالم الاجتماع، الذي يرغب في فهم طبيعة الحقبة الحالية لتحديد البناء الخاص بها، وللكشف عن القوى الرئيسية التي تعمل داخله. لا بد له من أن يحددها تحديداً ملائماً، حتى تصبح ميداناً واضحاً للدراسة تؤدي به إلى الكشف عن ميكانيزمات صنع التاريخ الخاص به، ويضرب ميلز مثال على هذا الطرح، فيقول: " إن الدور الذي تلعبه صفوة القوة في صنع التاريخ، يختلف وفقاً للمدى الذي تتمركز فيه وسائل القرار النظامية والمؤسسية ".

يعتبر ميلز مفهوم البناء الاجتماعي وديناميات " العصر الحديث "، مفهوم من المفاهيم المركزية. لأنه يتمتع بالخصوصية والسمات الجوهرية الفريدة التي قد يتميز بها، لذا لا بد للعلوم الاجتماعية وفي مقدمتها علم الاجتماع من الاعتراف به كمكون أساسي يتصل بالبعد التاريخي عند القيام بدراسة المجتمع ما. لأن معظم المشاكل الكلاسيكية التي تعاني منها العلوم الاجتماعية الحديثة لها في الحقيقة علاقة بغياب أحد التفسيرات المفصلية التي تعتبر أقرب إلى التفسير التاريخي المحدد: وهو تفسير نشأة، ومكونات، وشكل، المجتمعات الحضرية الصناعية في الغرب الحديث، الذي غالباً ما يكون نقيضاً لعصر الإقطاع.

يرى ميلز أن الكثير من المفاهيم التي يشيع استخدمها أكثر في علم الاجتماع، هي مفاهيم لها صلة بالتحول التاريخي من المجتمع الريفي إلى عهود الإقطاع إلى المجتمع الحضري في العصر الحديث من هذه المفاهيم نذكر منها: مفاهيم (مين) عن المكانة الاجتماعية والعقد الاجتماعي. مفاهيم (توينز) عن المجتمع المحلي والمجتمع العام. مفاهيم (فيبر) عن المكانة الاجتماعية. مفاهيم (هربرت سبنسر) عن المجتمع الصناعي. مفاهيم (ريدفيلد) عن المجتمع الشعبي، مفاهيم (بيكر) عن المجتمع المقدس، والمجتمع العلماني...إلخ. كل المفاهيم سابقة الذكر مهما كان شيوع استخدامها، فهي مفاهيم قد ترسخت جذورها جمعياً من الناحية التاريخية. بل حتى أولئك الذين يعتقدون بأنهم لا يعملون مستخدمين التاريخ، فهم يكشفون بصفة عامة باستخدامهم لمثل هذه التعبيرات قدراً من الفهم بالتيارات التاريخية بل وحتى إحساس بالعصر.

يحث ميلز علماء الاجتماع في نطاق هذا الوعي بديناميات وشكل " العصر الحديث " وبطبيعة أزماته، الاهتمام المعياري بالتيارات. فنحن عندما نحاول دراسة التيارات للذهاب إلى ما وراء الأحداث لكي ننظم إحساسنا بها. لذا فإننا في مثل هذه الدراسات، فإننا غالباً ما نحاول التركيز على كل تيار فيما يسبق بقليل الوضع الذي صار عليه الآن، والأكثر أهمية لكي ترى جميع التيارات في الحال، وهي أجزاء متحركة للبناء الشامل للعصر.

لذا يجب على علماء الاجتماع أن يحاولوا دراسة التاريخ وليس التقهقر بداخله، والاهتمام بالتيارات المعاصرة دون أن نكون " مجرد صحفيين "، وأن نستشرف مستقبل هذه التيارات دون أن يكون عملنا قاصر فقط على مجرد التنبؤ. مما يوجب على عالم الاجتماع قبل كل شيء، أن يحاول رؤية التيارات الرئيسية المتعددة معاً- من الناحية البنائية بأكثر من رؤيتها من أشياء واقعة في أوساط اجتماعية مبعثرة. لأن هذه الرؤية تمثل الهدف الذي يعطي دراسة التيارات صلتها الخاصة بفهم العصر، الذي يتطلب الاستخدام الكامل والاستفادة البارعة بمادة التاريخ.

وهكذا سعى ميلز من خلال مفهومه عن الخيال السوسيولوجي إلى ضرورة إيجاد رؤية تصورية جديدة لعلم الاجتماع، وهي رؤية لا تستند إلى إبراز التعارض بين فكرة الصراع أو التوافق، أو بين التغير والاستقرار، بل إن قوامها دراسة الإنسان في إطار التاريخ، أو كما يقول ميلز دراسة التفاعل بين التاريخ الشخصي والتاريخ الإنساني، وهذا يعني من جانبه عوداً إلى علم الاجتماع التاريخي الذي أغفلته الوظيفية. ذلك أن علم الاجتماع في تصور ميلز ينبغي أن يكون تاريخياً حتى يستطيع أن يدرك المشكلات الاجتماعية الحاسمة التي تواجه البشرية وذلك لأن طبيعة الظواهر الاجتماعية تستلزم قيام تصور لهذه الظواهر يحوي أبعادها التاريخية.

***

د. حسام الدين فياض

الأستاذ المساعد في النظرية الاجتماعية المعاصرة

قسم علم الاجتماع كلية الآداب في جامعة ماردين- حلب سابقاً

..............................

المراجع المعتمدة:

1. اسماعيل محمد الزيود: علم الاجتماع، دار كنوز المعرفة للنشر، عمان، ط1، 2011.

2.  صلاح مصطفى الفوال: علم الاجتماع والعلوم الاجتماعية (علاقات ومجالات وميادين)، عالم الكتب، القاهرة، 1982.

3. عبد الرحمن بن محمد بن خلدون: مقدمة ابن خلدون، تحقيق وشرح: علي عبد الواحد وافي، دار نهضة مصر للنشر، القاهرة، الجزء الأول، ط7، جديدة مزيدة ومنقحة، مارس 2014.

4. مجموعة مؤلفين: المعجم الفلسفي، مجمع اللغة العربية، الهيئة العامة لشؤون المطابع الأميرية، القاهرة، 1983.

5. رايت ميلز: الخيال العلمي الاجتماعي، ترجمة: عبد الباسط عبد المعطي- عادل مختار الهواري، تقديم: سمير نعيم أحمد، دار المعرفة الجامعية، الإسكندرية (مصر)، ط1، 1986.

6. حسام الدين فياض: تطور الاتجاهات النقدية في علم الاجتماع المعاصر (دراسة تحليلية – نقدية في النظرية السوسيولوجية المعاصرة)، سلسلة نحو علم اجتماع تنويري، الكتاب الأول، دار كريتار، إسطنبول، ط1، 2020.

7. حسام الدين فياض: المدخل إلى علم الاجتماع (من مرحلة التأصيل إلى مرحلة التأسيس)، سلسلة نحو علم اجتماع تنويري، الكتاب الثاني، مكتبة الأسرة العربية، إسطنبول، ط1، 2021.

8. Mills C.W: The Sociological Imagination, Oxford University Press, 1959.

يقول نيتشه: "لكل كلمة رائحتها: يوجد للعطور تناسق وتنافر، مثلما هو أيضا للكلمات "(1). هكذا تفوح رائحة ما من الكلمات، تماما كالعطور أو كالأزهار. فلكل كلمة رائحتها، عطرها وعبقها الخاص، رائحة طيبة وكريهة أيضا، وربّما كانت كلمات بلا "طعم ولا رائحة"، مثلما تكون في العلم بدعوى " الموضوعية " والحياد. ليست الكلمات على حدّ السواء، هي بكلّ لون وشكل وطعم وبكل رائحة أيضا. فليست عند نيتشه بالذات على قدر واحد وبرائحة واحدة. فحينما يكتب " هكذا حدّث زارادشت " أو " المسافر وظلّه "... تفوح رائحة الكلمات بمنبتها وتفصح لاعن أصلها وفصلها فحسب، بل عن مُقامها وربّما مَقامها. ينتقي نيتشه كلماته حينما يكتب، ربّما كسائر الفلاسفة أو الكتّاب، غير أنّه لا ينسى أن يجعلها " تفوح" برائحتها الخاصّة، وتلك قدرة خاصّة نلمسها حينما نقرأ نصوصه، ربّما لأنّ الكتابة عنده كيفية للحياة أو لأنّ الكلمات تفصح عن الموجودات التي تسكنها، كلّ بما فيه من " التناسق والتنافر " كما قال. إذ من الكلمات ما تتناسق وتتجاور وتترادف وتتضايف ومنها ما يتضادّ ويتمايز الخ. تماما كالموجودات. أو بالأحرى كما الحياة تتراوح بين اللذة والألم، بين المتعة والمعاناة، بين القبح والجمال...وتتقلب فيها الكائنات بين هذا وذاك. إنّ كلمة "رائحة" هي الأخرى بأكثر من معنى. فهي لا تعني في اللغة العربية " ما يُشَمُّ سواء كان طيبًا أو نتِنًا" فحسب، بل تحمل معنى مجازيا أيضا. لتعني " في قولنا مثلا عن الرجل:" ما له في وجهه رائحة دم.."، كونه لا يستحي " وغير ذلك، لتضحى كلمة " رائحة" هنا كلمة تشير مجازيا إلى انعدام الحياء. ولعلّ أغرب ما يكون، ممّا أثبته العلم " عجز الكلمات عن وصف الروائح"، مع زعمنا أنّ لها من الروائح ما طاب وما خبث.. والطريف بل ربّما "المؤسف" أن هذا القصور لا يعود إلى مبرر ثقافي، وفق آخر الدراسات العلمية، (اختلاف تجربة " التذوّق" من ثقافة إلى أخرى تعبّر عنها اختلاف دلالة "اللون " والرائحة من ثقافة إلى أخرى..) فحسب، بل إلى مبرر: عصبي" هو " انقطاع في الاتصال بين منظومة الشمّ والمنظومة اللغوية في الدماغ". وهو ما يعني أنّه قصور بنيوي في أصل التكوين. هكذا ليعجز المرء عن التعبير عمّا يجده من روائح متنوّعة محبذة ومستهجنة، فيكتفي بوصفها بكلمات جامعة طيبة أو كريهة. فكيف تكون للكلمات روائح؟

لمّا كانت الكلمات "مسكنا للوجود" كما يقول هيدجر، وكانت الكتابة تجربة حياة، أقلّه عند نيتشه، فغالبا ما تفوح بروائح الحياة ما كان على سطحها وفي عمقها ما ترسّب فيها من ماء آسن وما طاب فيها أيضا الخ. وتفصح الكلمات عن هذا وذاك حتى نكاد نشمّ " بأنوفنا" و"بأسماعنا" وبكلّ كياننا ما يفوح منها من روائح ونحن نقرأها أو حتى نكاد "نرى " ما تكشفه من " مشاهد" أو " نسمع" أصواتها، وقد حرّكت الكلمات ملكاتنا، ونشّطت قوى التخيل والتصوّر والتمثل والتذكر فينا وأثارت أحاسيسنا...يقول ميشيل هنري متحدّثا عن النص النيتشوي كيف يشتغل وكيف يستعيد ما في الذاكرة :" وكما هو الحال دوما حينما يكتشف نيتشه عمق الحياة - العاطفة والمعاناة- يشتعل النص النيتشوي، يحمله نَفَسٌ شديد، وتنفجر الصّور، وتُستدعى حرائق التاريخ الكبرى، كل دليلٍ هو نارٌ متأجّجة، وتستدعى بعض صور التعذيب الرهيبة للاستمتاع بها. هذا ما كان يجب للإنسان كي يصنع ذاكرة: "...آلام، شهداء، التضحيات والرغبات الأكثر رعبا...والتشويهات الأكثر اشمئزازا...والطقوس الأشدّ قسوة... ". وهذا ما كان يجب للإنسان الألمانيُّ:" الوسائل الأكثر رعبا...الرجْم...العجلة...آلام العصا، التمزّق، السحق تحت أقدام الخيول، سلق المجرم في الزيت...السلخ...ختان اللحم". الألم في كلّ مكان هو" المعين الأقوى للذاكرة"، تحلّ المعاناة محل الفكر وفي النهاية تُؤسّسه."(2)

إنّ قدرة الكاتب في الوصف والتعبير هي ما يمنح الكلمات امتلاءها دلالة ورائحة وطعما حتّى. يقول غادامير عن هوسرل بأنّه: " يصف ويقدّم الأشياء الأكثر سذاجة بدقّة متناهية للغة إلى درجة يحصل لنا فيها انطباع بأنّنا نرى فيها حرفيا وبالفعل هذه الأشياء. وأنّه ليس لنا صدقا، أيّ حاجة لكلماته " (3). يبدو أن الكلمات في ذاتها ليست " بطاقات تلصق على الأشياء" كما يقول نيتشه بالذات، وأنّها بما هي كذلك لا تملك أي رائحة في ذاتها، إلاّ ما نغمسه فيها بما لدينا من قدرة على التعبير، ممّا يختلج فينا من مشاعر وأحاسيس وتصورات وتمثّلات الخ. ينكشف الشعر في هذا الباب، أكثر أدوات التعبير وأقدر فنون الكتابة على أن يملأ الكلمات طعما ورائحة.."، لأنّه أكثر ما يحرّر الإنسان والكلمات أيضا بما يملكه من " قدرة شعرية "هي " أكثر ما هو حيّ في اللغات" بتعبير لغادامير. ذلك أن للشعر" قدرة على إثارة حدوسٍ تُكلّمنا حقيقة ". وتجعل الكلمات تتحرّك حية تفصح عن مضامينها وتفوح بما يسكنها من روائح بل وتجعلنا نكاد نرى " من خلالها الأشياء رأي العين أو نكاد" نشمّ رائحتها " بأنوفنا. هذه الزهور والحقول بل حتى المشاعر تكاد تتجسّد من فرط "الوصف الدقيق". حينما يكتب نيتشه عن "الليل " بأسلوب شعري، إشاري مفعم بالمجازات، تجدنا ننساب إلى الكلمات ويحملنا الخيال إلى الصور التي ترسمها ويكاد الليل يمثل أمامنا في " يقظتنا" بكل ما فيه من أشياء وبكل ما يثيره فينا من أحاسيس وروائح أيضا. يقول نيتشه في حديثه عن الليل واصفا إياه وحال الإنسان فيه بدقّة ورقّة قد لا تصل إليها "الترجمة" بل قد " تشوّهها" رغم جهد صاحبها ومهما كانت براعته:" تتغيّر انطباعاتنا عن أشياِئنا المعتادة عند قدوم الليل. هنا الريح يتسكّع عبر طرق مسدودة، يهمس كما لو أنّه يبحث عن شيء ما، ويغضب لأنه لم يعثر عليه. وبريق المصابيح، بأشعّتها الحمراء المضطربة، ووضوحها الُمتعب، تقاوم كُرهًا الليل، هذا العبُد نافذُ الصبر لإنسانٍ ساهرا ليله. هنا نَفَسُ النائم، وإيقاعُه المثير للقلق، يبعث دوما على انشغاٍل كأنّما يعزف لحنا، لا نسمعه، ولكن حينما يرتفع صدر النائم شهيقا، نحسّ بضيق، وحينما ينخفض نَفَسُه، زفيرا في صمتِ الموتِ، نقول لأنفسنا:" ارتح قليلا أيّها الفكرُ المسكينُ المُعنّى!" نتمنّى لكلّ حيّ يحيا مثل هذا الضّيق، راحة أبديّة؛ يُغري الليل بالموت- لو أمكن للناس أن يستغنوا عن النّعاس ويخوضوا المعركة مع الليل بضوء القمر وزيت المصباح، فأيّ فلسفة ستلفّهم بستائرها!. نحن لا نلاحظ بعدُ في الوجود الفكري والأخلاقي للإنسان إلاّ كثرة ما أضحى عليه من عتمة، بواسطة هذا النصف من الظلمات وغياب الشمس الذي يأتي ليحجب الحياة". (4).يبدو أن الذين يكتبون بشعرية أو يطوّعون أجمل ما في الشعر حينما يصوغون الأفكار الفلسفية، هم الذين يملئون الكلمات طعما ورائحة وينوّعونها تنوّع الأزهار والعطور. ليس نيتشه وحده من يدرك ذلك بل " إيميل سيوران " وهو الذي شرب من عيون النصوص الفلسفية النيتشوية منذ شبابه، كان يدرك هو الآخر خطورة الكلمة فكان يكتب " الشذرات والحكم والقول المأثور.."، يكتب مختصرا الكلام ليمنح الكلمات " كثافة " لا في المعنى فحسب، بل في " الرائحة" والطعم بل حتى في اللون. كأنّما نحن إزاء كائنات وموجودات حيّة ليست مجرّد وسائط للتعبير. نلمس مرارة " الكلمة " و"سوداويتها" و" وحشيتها " ورائحتها "الثقيلة " كرائحة " شراب معتّق"، حينما يتكّلم سيوران عن " الحياة " والألم اليأس، يصيبنا "الدوار" يقول سيوران:" لا شيء ممكن ولغاية الآن-لا شيء-. كل شيء مُباح ومجدداً –لا شيء. لا يهم أي طريق نسلك، إنها ليست بأفضل من غيرها. كل الأمور سواء، أنجزت شيئاً أم لم تُنجز، لديك إيمان أم لا، تماماً كما هو سواء أبكيت أم بقيت صامتاً. هناك تفسير لكل شيء ولحد الآن-لا شيء-. كل شيء حقيقي ووهمي في آن واحد، طبيعي وشاذ، رائع وتافه. لا شيء يساوي أكثر من شيء أخر، ولا فكرة أفضل من فكرة أخرى. لما ينمو أسى من حزن المرء وابتهاج من فرحه؟ بما يهم أجاءت دموعنا من الفرح أو من الألم؟ أحب تعاستك وأكره سعادتك,أخلط كل شيء! أخبصهم جميعاً,كن ندفه ثلج ترقص في الهواء، زهرة تطفو على التيار! تَحلى بالشجاعة عندما لا تحتاجها وكن جباناً حين يتوجب عليك أن تكون شجاعاً! من يدري لعلك تظل رابحاً! وإذا خسرت أيهم ذلك حقاً؟ أهناك شيء يربح في هذا العالم؟. كل مكسب هو خسارة وكل خسارة مكسب. لماذا نتوقع دائماً مواقف حاسمة، أفكاراً واضحة، كلماتٍ ذات معنى؟ أشعر أنه علي أن افتح النار رداً على كل الأسئلة التي سبق لها أن ظهرت أم لم تظهر أمامي(5).” يفوح هذا النص برائحة اليأس والتشاؤم والعدمية ونكاد نشتمّ رائحة الكلمات وقد أصابها الإعياء وتصبّبت عرقا، من فرط الدوران. وهذا باشلار صاحب " شعرية الأحلام" و" جماليات المكان" الخ ، فيلسوف يسكنه "شاعر"، حينما يكتب عن العزلة والليل نصّا " نثريا شعريّا " تنساب فيها الكلمات انسيابا وتكاد من فرط دقة الوصف أن تختفي ليحل ّ محلها المكان والزمان والأشياء، والليل بحلكته وسكونه ورائحته... يحملنا هذا النص إلى عالم الليل ويجعلنا نشارك الفيلسوف عزلته، ونكتشف وقد امتلئ كياننا مشاعر وأحاسيس مرهفة وحرّكت الكلمات حواسنا الخمس حتى لكأننا في الليل فعلا. كيف لا وقد سلمنا أنفسنا إلى سحر هذا النص:"  سأذهب إذن هذا المساء أتأمّل على الشرفة، وسأذهب لأرى كيف يعتمل الليل، وسأهب نفسي كليّا لأشكاله المطوّقة، ولستائره، وللمادّة المخاتلة التي تلفّ كلّ الزّوايا. وسأحاول الإحساس بساعات هذا الخريف واحدة فواحدة، هذه السّاعات التي ما تزال نشطة كي ينضج الثّمر، لكنّها تفقد شيئا فشيئا القوّة في الدفاع عن الأوراق المتساقطة من الشجرة. هذه الساعات هي في مجموعها حياة وموت.

هل الورقة التي تسقط في الليل، هي ذكرى تريد النّسيان؟ إرادة النّسيان، إنّها أكثر ضروب التذكّر حدّة. هل أنّ ألما صغيرا نطلقه كورقة ذاوية، هو حقّا دليل على قلب قد سَكَن؟ عند شجرة الزّيزفون وهي تداعب الشرفة، وقرب همسات الأغصان، أنسى مَهمّتي الإنسانيّة وشواغل يومي؛ وأشعر بالتأمّل النّسيِّ وقد تشكّل فيَّ، تأمّلا يدع الضّباب يعمّ الأشياء، وهو الذي لا يبالي ليلا بأمثلته. هل أنا سعيد لرؤية اختصار الكون؟ هل أنا سعيد لكوني أقلّ قربا من صوري، وأكثر عزلة بفعل رؤية ملبّدة، ووحيدا أكثر؟ هل أنا سعيد لكوني وحيدا في خريف عمري؟... إنّ العزلة في العالم هي في الحال شيخوخة.

هكذا تظهر بانتظام شديد، في السّلم وفي كلّ مراحل العمر، إحالة إلى ماض، يشيخ منه الكائن الأكثر شبابا. فيبدأ إذن حوار أصمّ بأصوات خافتة بين السّكون والعزلة. فهل لقدْر من سكون اللّيل أن يكون لطف كائن نحسّه أو أمان كائن منعكس؟ وهل أن هذا الليل هواء يُثير أم هواء يتنفّس؟ كلّ شيء يتنفّس فيّ وخارجا عنّي. إنّ إيقاعا أشارك فيه، يجذب الكون إلى السّلام. لِقَمر اليوم ضوء الأمس. ولضوء ليلٍ هادئ حجم وديمومة. وكذلك الظلّ. يحمي الليل من عزلته الأدغال والأشجار. وتحلّ على المدينة النائمة وحدة وتوازن. ويَحْرس الحديقة الحالمة، مزيجٌ من الضوء الخافت واللّيل وقد تصالحا.

سأؤمن إذن هذا المساء بسكون الأشياء في اللّيل. وسأهب سعادتي وسكينتي، وزهدي لهذا الكون البسيط والهادئ. ولكن بينما أنا أحلم بكلّ هدوء، تُوقظ بعض النّسائم ألما نائما. وتريد روحي الأبيّة، أن تغيّر الكون. هل سأشكّ مع ألمي، مثل قلب ديكارتي، مانحا ندما تائها معنى كونيّا؟ أيّها القلب دافع عن سكينتك، أيّها الليل دافع عن يقينك !

ولكن أين يشتغل هذا الشكّ الذي قد انبجس؟ من أين يأتي هذا الصّوت الذي من عمق الليل، يهمس بتمهّل:" ليست إلاّ غريبا، بالنسبة إلى هذا الكون كلّه ! ماذا؟ هل يمثّل ببساطة الاتحاد مع الليل المُجتاح، والمساواة بهدوء بين ظلمات الكائن وظلمات الليل، وتعلّم الجهل، وتجاهل الذات، ونسيان أفضل قليلا لآلام قديمة، آلاما قديمة جدّا في عالم ينسى أشكاله وألوانه، هل يمثّل هذا كلّه برنامجا كبيرا جدّا ؟ أن لا نرى إلاّ ما هو أسود، وأن نتكلّم إلاّ للصّمت، أن نكون ليلا في الليل، وأن نتدرّب على أن لا نفكّر أمام عالم لا يفكّر، هو مع ذلك تأمّل كوني لليل هادئ مهدّئ. على هذا التأمّل أن يوحّد بيسر وجودنا الأدنى مع الحدّ الأدنى لكون. ولكن، ها أنّي أشكّ حتى فوق الحدّ الأدنى للشكّ، بشكّ غير متشكّل، بشكّ لا واع، مادّي، راشح يعكّر صفو مادّة هادئة. فالّليل الحالك السّواد ليس ليلا حالك السّواد بوضوح. والعزلة فيّ ترتجف. يمنع الليل عنك بداهة عزلته وحضوره. وتجانس العزلة الإنسانيّة والكون الليلي لم يعد كاملا. لقد عاودك حزن قديم، وتستعيد وعيك بعزلتك الإنسانيّة، عزلة تريد أن تَسم كائنا يعرف التغيير بعلامة لا تمّحي. تعتقد أنّك تحلم وتتذكّر نفسك. إنّك وحيد. لقد كنت وحيدا وستكون كذلك. فالعزلة ديمومتك. وعزلتك هي موتك ذاته الذي يدوم في حياتك، وتحتها."(6)

من البيّن أن المقصود "برائحة الكلمات" هو ما نستشفّه منها من معاني وما تثيره فينا من مشاعر وأحاسيس وما تحدثه فينا من " تمثّلات" و" تخيّلات"، وصور. وإذا كانت الرائحة شيئا حسيّا يدرك إدراكا حسيا بواسطة "حاسّة الشم"، فإن "رائحة الكلمات " مجازية بلا شكّ، تحيل إلى ما يجده القارئ في نفسه من أثر يحرّك كيانه كلّه، حواسه ومخيلته ووجدانه تماما بمثل ما تحدثه العطور والأزهار فينا.

***

عبد الوهاب البراهمي

......................

هوامش:

1- نيتشه "المسافر وظلّه"

2- م. هنري "فينومينولوجيا الحياة" "نحن الشرفاء، الخيرون، الجملاء، السعداء ": انظر نيتشه، جينيالوجيا الأخلاق، المقالة الأولى:" الخيرون والأشرار"،، الحسن والسيء"، 10، ترجمة هيلدانبرنت وج. قراتيان في العمال الكاملة ، باريس قاليمار 7، 1971 ص.234).

3- من حوار مع غادامير 1998 مجلة جارمانيكا عدد22

4- "نيتشه" المسافر وظلّه" ص 11 - مقطع 8.

5-إ. سيوران -على قمم اليأس".

6- باشلار " من كتاب “مزيج من الاستيتيقا وعلم الفن ” مُهْدى إلى ” ايتيان سوريو” من زملائه وأصدقاءه وتلامذته. – مكتبة نيزات 1952 باريس.

رابطة الفضاء الفرويدي الدولي "عيون الكلام" ALYP

التحليل النفسي ليس علم له حدود، أو له نهاية كما له بداية، أو نظريات توضع فروضها وتختبر مثل باقي النظريات، التحليل النفسي هو معرفة واسعة بالنفس، ومعرفة النفس لا تنتهي لأنها دينامية متجددة مما يعطي ديمومة المعرفة ومسايرتها للعالم الخارجي للإنسان، فضلا عما يدور في النفس في مواجهة أحداث الحياة اليومية، ويقول المحلل النفسي الألماني " ليون . س. برينر " في محاضرة له بعنوان تكوين المحلل النفسي، في رابطة الفضاء الفرويدي الدولي في باريس يوم 21 / 11 / 2024 لطلبة التحليل النفسي في الرابطة والباحثين والاطباء العرب والاجانب، كل تحليل نفسي هو نقد للمجتمع، لأن المجتمع يتغير باستمرار، ونقول بأن النفس البشرية تواكب هذا التغيير مما يجعلها في مواجهة مستمرة بين النفس والتغيرات البيئية الخارجية، لذلك فإن التحليل النفسي لا ينفصل عن السؤال المركزي حول كيفية دخول الحقيقة في حياة الإنسان كما يقول جاك لاكان المحلل النفسي الفرنسي ومجدد فكر سيجموند فرويد، ويضيف أيضًا أن بعد الحقيقة، غامض وغير قابل للتفسير، ولا شيء يُمكن من ضبط ضرورته، لأن الإنسان يتعايش مع عدم الحقيقة .

يتعلم الفرد في هذا المعهد المتخصص في تعليم التحليل النفسي كيفية تأهيل محلل نفسي معالج وكذلك دراسة منظمة عن كيفية التفسير والتحليل في موضوعات الحياة المعاصرة وأزماتها مستندًا في ذلك أن بعض الناس يسقطون ضحايا هذا التغيير فنجد الكثيير في المجتمعات المتحضرة، أو الأقل تحضرًا  يسقطون صرعى العصاب " الاضطرابات النفسية "  مثل القلق – الحصر، المخاوف المرضية " الفوبيا"، الاضطرابات النفسجسمية، الاكتئاب النفسي، توهم المرض، الوساوس، وكذلك الاضطرابات الذهانية " العقلية" مثل الفصام، برانويا العظمة والاضطهاد، وأنواع الهوس، والاكتئاب العقلي السوداوي – الميلانخوليا . كل تلك يتعلم الدارس في هذه الرابطة المتخصصة أساليب متنوعة في مجال العلاج النفسي التحليلي .

يتعلم الباحث أيضًا في التخصص النفسي التحليلي ليس فقط أساليب العلاج النفسي، وإنما مدخل نفسي لمعرفة خبايا الاعلام والسياسة والتفسير النفسي التحليلي للفنون  والأداب، واللغة وهي منبع اللاوعي – اللاشعور ومعرفة تلك الأثريات الانثروبولوجية وإنعكاسها على السلوك المعاصر في حياة الشعوب .

عودنا التحليل النفسي على الاعتقاد بأن الوعي ليس سوى قشرة خارجية وأن العلم هو البحث عن المخبوء، لا يُفسر المعلوم إلا بالمجهول وهذا المجهول هو ما يكون تحت الظاهر كما دونه لنا روجيه باستيد في كتابه السوسيولوجيا والتحليل النفسي، ويضيف " باستيد " قوله تنبأ ميشيل فوكو بالتكوين القادم للغة مشتركة تجمع كل العلوم الأنسانية وقد تكون كلام اللاوعي – اللاشعور، لأن الاثنولوجيا، مثل التحليل النفسي، لا تستجوب الإنسان بذاته، بل تلك المنطقة السرية التي تجعل أية معرفة عن الإنسان سهلة، لأنها تتوصل إلى معايير يتمم الناس، انطلاقًا منها، الوظائف الحياتية، القواعد التي يحافظون من خلالها على حاجاتهم، من هنا يستشف ميشيل فوكو إمكانية وجود اثنولوجيا تحليل نفسية، وإن كانت رؤية التحليل النفسي الفرويدي تختلف عن رؤية فوكو .

يتناول تعلم التحليل النفسي في رابطة الفضاء الفرويدي " عيون الكلام " دور اللغة عند الإنسان، استنادًا على مقولة الإنسان بما هو إنسان بقدر ما هو يتكلم، ويذهب بعيدًا في دراسة اللغة وتأثيرها في وجود الإنسان .

التحليل النفسي تشكيل جديد للاوعي – للاشعور وهذا ما يمكن لمسه في دراسة التحليل النفسي في هذا الملتقى العلمي الثقافي الفكري ويقوم بتعليم أساليب التأويل ونحن نعرف ويعرف معنا من يهتم بالمعرفة النفسية المعمقة بأن التأويل في التحليل النفسي يعطيه معنى. يدرس التحليل النفسي الرمزية بمختلف أنواعها في الحياة اليومية المعاشة وفي الحلم، ويدرس الهفوات وزلات اللسان والقلم . يطرح التحليل النفسي في دروسه العلمية – النفسية العميقة بأن هذيان المريض يحمل معنى ودلالة، وهو بنفس الوقت يحاول معرفة الصراع النفسي بين قطبيه الأطروحة والأطروحة المضادة، وكما يقول العلامة مصطفى زيور أن الهذيان محاولة لاستعادة ديالكتيك الوجود مع الآخر بعد انقطاع . وكما قدمت المدرسة الفرويدية وأصولها في تكوين الاضطرابات النفسية والعقلية والانحرافات بعدًا عميقًا في التكوين المرضي عند الإنسان، فإن تصنيف جاك لاكان لم يبتعد عن رؤية سيجموند فرويد بل عمق هذا الرؤية حينما صنف الاضطرابات بثلاثة أنواع * بنية العصاب، * بنية الذهان، * بنية الانحراف، وكان يقصد "لاكان" بذلك التصنيف هو أن يبعد وصمة العار أو الدونية وربما التقليل مما يعانية مريض النفس أو العقل، لذا فإن هذا التصنيف ليس فيه وصمة عار، مخجلة بقدر ادعاء البعض هذا مريض، وهذا سليم . وخلاصة القول أن تعلم التحليل النفسي كتدريب للعلاج النفسي التحليلي، أو معرفة ثقافية  أو لمعرفة عالم الابداع والفنون والأدب  وحياة الإنسان المعاصرة بكل تناقضاتها التي تسبب الاختلال النفسي، فإنه " اي التحليل النفسي" هو ممارسه إجتماعية تمس الفرد بكينونته وعمقه، والمجتمع بكل تكوينه وما ورث من قيم وعادات وتقاليد ولغة وما تحويها من بعد لاواعي – لاشعوري عبر الأجيال .

***

د. اسعد شريف الامارة

تمهيد: منذ أن كتب جون فرنسوا ليوتار سفره المدهش الوضع ما بعد الحداثي سنة 1979 ودشن يورغن هابرماس عبارة عصر ما بعد حديث في عام 1981، أصبح هذا الموقف أكثر حدة. والآن، في الربع الأول من القرن الحادي والعشرين، أصبحت خنادق ما يسمى بالحرب الثقافية مرسومة بواسطة التوتر بين الحداثة وما بعد الحداثة. ولا تزال هاتان النظرتان العالميتان ــ المختلفتان جذرياً مثل العصور الوسطى والحداثة ــ تتداخلان إلى حد كبير. في هذه المداخلة، سوف نستكشف معنى هذين المصطلحين ــ أصولهما التاريخية، وسماتهما، وبالطبع اختلافاتهما. "إن ما بعد الحداثة تقدم نفسها بالتأكيد باعتبارها معاداة للحداثة". يصف هذا البيان تياراً عاطفياً في عصرنا اخترق جميع مجالات الحياة الفكرية. وقد وضع على جدول الأعمال نظريات ما بعد التنوير، وما بعد الحداثة، وحتى ما بعد التاريخ —يورغن هابرماس، الحداثة في مقابل ما بعد الحداثة (1981).

الحداثة

إن كلمة "حديث" مصطلح غامض يستخدم للإشارة إلى العصر الحديث منذ القرن السادس الميلادي. ولكن في العقود القليلة الماضية، تم تحديد فترة زمنية معينة باسم الحداثة. كما تختلف تواريخ هذه المرحلة الثقافية، حيث يطلق البعض على كل شيء بعد العصور الوسطى اسم الحداثة؛ ويقسم آخرون العصر الحديث إلى ثلاث مراحل:

الحداثة المبكرة: التي تتوافق مع التنوير الفرنسي والثورة العلمية؛

الحداثة الكلاسيكية: التي تتوافق مع القرن التاسع عشر الطويل؛ والنزعة العلموية

الحداثة المتأخرة: التي انتهت في مكان ما بين عامي 1968 و1989.

ولأغراضنا هنا، لا تهم التواريخ الدقيقة لأننا لا نتحدث حقًا عن فترة تاريخية. باتباع تحليل فوكو في مقاله "ما هو التنوير؟"، سنتعامل مع الحداثة "كموقف أكثر من كونها فترة من التاريخ". ولقد تجلى هذا الموقف بشكل واضح في الفترة المعروفة باسم القرن التاسع عشر الطويل والتي امتد من الثورة الفرنسية في عام 1789 إلى اندلاع الحرب العالمية الأولى في عام 1914. وكان هذا هو الوقت الذي بلغت فيه الحداثة ذروتها وكانت القوة المهيمنة في الثقافة. لذلك يحدد فوكو عددًا من سمات الحداثة بما في ذلك:

التشكيك في التقاليد أو رفضها؛

إعطاء الأولوية للفردية والحرية والمساواة الصورية؛

الإيمان بالتقدم الاجتماعي والعلمي والتكنولوجي الحتمي،

الحركة من الإقطاع نحو الرأسمالية واقتصاد السوق،

التصنيع والتحضر، والنزوح من الريف الي المدن،

العلمانية، ونقد الفكر الديني، الدين المدني،

وتطوير الدولة القومية والديمقراطية التمثيلية والتعليم العمومي،

لقد وضع فلاسفة التنوير الفرنسي الذين أثروا على الآباء المؤسسين للولايات المتحدة ومتمردي الثورة الفرنسية الأساس للحداثة. وكانت مُثُل "الحياة والحرية والسعي إلى السعادة" في الولايات المتحدة و"الحرية والمساواة والأخوة" في فرنسا بمثابة نداء صارخ للحداثة. لقد تحرر الإنسان من مضطهديه، وتم التخلي عن الأنظمة الملكية والأرستقراطية، وتم الفصل بين الكنيسة والدولة؛ وكان من المفترض أن تكون الحداثة عصر العقل. لقد اتسمت النظرة العالمية للحداثة بالتفاؤل المفرط والثقة في قوتها. لقد كان العقل هو المبدأ التوجيهي للعصر وكان حداثته مغلقة. ومعه جاءت السذاجة والتفاؤل بشأن حتمية التقدم في جميع مجالات الحياة. لقد ارتفعت هذه الثقة إلى ذروتها في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. خلال هذا الوقت، كانت التقنيات الجديدة التي أحدثت ثورة في الحياة تظهر كل عام. وفي غضون بضعة عقود، ظهرت على الساحة عشرات الاختراعات التي غيرت العالم. وللمرة الأولى كان لدينا الدراجات والطائرات والسيارات والمصابيح الكهربائية والهواتف والراديو. والآن تم القضاء على الأمراض التي كانت تقضي في الماضي على قطاعات كاملة من السكان. لقد كان العلم يحقق قفزات سريعة إلى الأمام وبدا الأمر وكأنه مجرد مسألة ربط النهايات السائبة. في القرن التاسع عشر الطويل، صيغت قوانين الديناميكا الحرارية، وتم إنشاء الجدول الدوري، ونشر أينشتاين أوراقه الثورية حول النسبية. حتى في الفلسفة كان هناك حماس شديد للدراسة الجديدة للغة والمنطق. في أحد أكثر التعبيرات النموذجية عن ثقة الحداثة في نفسها، ادعى لودفيج فيتجنشتاين في عام 1922 أنه حل جميع مشاكل الفلسفة وكتب: "لقد تم حل المشاكل بالمعنى الفعلي للكلمة - مثل قطعة من السكر تذوب في الماء". على الصعيد الاجتماعي والثقافي، كان عصر الديمقراطية عندما حصلت النساء في جميع أنحاء العالم على حق التصويت وتم حظر العبودية. ولكن كان أيضًا ما وصفه ماتي كالينيسكو بـ "عصر الإيديولوجية" عندما حاول أشخاص مثل ماركس وفرويد تقديم روايات شاملة عن الحياة البشرية. كان عصر الشيوعية والفوضوية والفاشية، حيث كان لكل منها سرد شامل كبير اقترح ثورة في الطرق التي يتم بها ترتيب المجتمع. كانت الحداثة لديها أحلام كبيرة. لقد كانت تلك الفترة في ذروة موجة التقدم، ومع النجاح الحتمي الذي حققته تلك الموجة، بدا كل شيء ممكناً. لقد كانت فترة من الأحلام الجريئة.

ما بعد الحداثة

بحلول النصف الثاني من القرن العشرين، أصبح من الواضح أن الرؤية كانت خيالاً، وبالتالي بدأ الصراع بين الحداثة وما بعد الحداثة يكتسب أهمية ثقافية. بدأت وعود الحرية والمساواة والأخوة، والحياة والحرية والسعي إلى السعادة تبدو جوفاء بشكل متزايد مع كل عام. لم تكن وحشية الفرنسيين في الجزائر تجسيدًا للحرية أو المساواة أو الأخوة. كان الجنود المدمنون على الهيروين في فيتنام بعيدين كل البعد عن الحياة والحرية والسعي إلى السعادة التي كان يتمتع بها جيفرسون. ولا شك أن الملايين من الفيتناميين الذين يعانون حتى اليوم من الآثار المترتبة على العامل البرتقالي الأمريكي يتفقون مع هذا الرأي. لقد حصلت النساء على حق التصويت ولكنهن ما زلن منبوذات من مكان العمل وبعيدات عن الاستقلال الحقيقي. ربما تحرر المجتمع الأمريكي من أصول أفريقية من العبودية من الناحية الفنية، ولكن وصفهم حتى بالمواطنين من الدرجة الثانية في أمريكا في الخمسينيات والستينيات كان ليكون أمرًا مثيرًا للسخرية. مع تقدم النصف الثاني من القرن العشرين، أصبح من الواضح أن المساواة والحرية التي وعدت بها موجة الثورات الحديثة ضد القوى القديمة كانت بالنسبة لكثيرين أفقاً لا يقترب. الدكتور كينج: عندما كتب مهندسو جمهوريتنا الكلمات الرائعة للدستور وإعلان الاستقلال، كانوا يوقعون على سند إذني كان من المفترض أن يرثه كل أمريكي. كان هذا السند وعداً بأن جميع البشر ـ نعم، االسود وكذلك البيض ـ سوف يضمنون حقوقهم غير القابلة للتصرف في الحياة والحرية والسعي إلى السعادة. من الواضح اليوم أن أمريكا تخلفت عن سداد هذا السند فيما يتصل بمواطنيها من ذوي البشرة الملونة. فبدلاً من الوفاء بهذا الالتزام المقدس، أعطت أمريكا الزنوج شيكاً بلا رصيد، شيكاً عاد إليهم مكتوباً عليه أنه لا يحتوي على أموال كافية. لقد تغير ميزان القوى، لكن الأيدي التي أمسكت به كانت تتناسب مع نفس التركيبة السكانية. ولكن الآن بدلاً من الملوك والأرستقراطيين، أصبح هناك أباطرة ومصرفيون. لقد قطعت الحداثة خطوات كبيرة إلى الأمام. ولكن هذا لم يكن كافياً. فقد بدأ التشاؤم يتسلل إلى عقولنا. لقد مات حلم الحداثة. وفي أعقابه ظهرت ما بعد الحداثة. وكان هذا الموقف الذي تبناه ما بعد الحداثة كل ما لم تكن عليه الحداثة. وداعاً للسرديات الكبرى، والسذاجة والتفاؤل، والأحلام الطوباوية بالسعادة الأبدية وتمجيد العلم. لقج بدأت ما بعد الحداثة في إحداث ثقوب في جثة الحداثة المتداعية. وتبين أن أحلام الوحدة التي حلمت بها الحداثة كانت سرديات منحرفة. لم يكن هذا هو الحال فقط مع خيالات الحداثة الوهمية الواضحة مثل الفاشية. فقد أصبح من الواضح أن الوعود المجيدة التي قدمتها الحداثة جاءت بمجموعة من الشروط والأحكام ــ البيض، والهيمنة الذكورية والمتغايرين ، ويفضل أن يكونوا من خلفية ثرية. ولكن مع ظهور عصر ما بعد الحداثة في ستينيات القرن العشرين، سئم الناس الأمر. فلم تكن ما بعد الحداثة تدور حول تحقيق رؤى طوباوية. بل كانت تدور حول العدالة والمساواة. لقد ناضلت ثقافة ما بعد الحداثة المضادة من أجل الأصوات المهملة والمستبعدة من قِبَل الحداثة. فقد قاومت حركة النساء، وحركة الفخر، وحركة الحقوق المدنية ــ كل هذه الحركات ما بعد الحداثية ــ الحداثة وحاسبتها حسابا مؤلما. لقد تبنى فلاسفة ما بعد الحداثة أصوات المستضعفين، والمستبعدين ــ أصوات النساء، والأعراق الأخرى، والمتحولات والمتغيرين، والسجناء، وغير الأسوياء، والمستعمرين. لقد كانت نبرة ما بعد الحداثة مشبعة بالسخرية والتهكم. وكانت هذه نبرة السخرية التي تأتي مع العيش في عالم من الوعود الكاذبة. وكانت النبرة الأكثر ملاءمة لمواجهة خيانة الحداثة.

الحداثة في مواجهة ما بعد الحداثة

من عجيب المفارقات أن ما بعد الحداثة، على الرغم من كل ازدرائها للحداثة، كانت تحقق أحلام سلفها. فقد احتوى نضالها من أجل العدالة والمساواة على تأكيد ضمني لقيم الحداثة. ولم تكن هناك همسة عن العودة إلى قيم الإيمان والتقوى في العصور الوسطى. بل إن ما بعد الحداثة تميزت باحتضان الحرية والمساواة التي وعدت بها الحداثة. وكانت ما بعد الحداثة تدور حول ملء الشقوق في سرد الحداثة للمساواة. ولكن ما بعد الحداثة تخلت عن العديد من العناصر الأساسية للحداثة. فقد استغنت عن كل السرديات الكبرى، واعتنقت معبود الحداثة التقدم. وكانت تنتقد هيبة العلم وقوته في الحياة الحديثة. وبعد أن أدركت ما بعد الحداثة إلى أين قادها اليقين المتغطرس للحداثة، اتسمت ما بعد الحداثة بالعدمية والنسبية التي تأتي مع رؤية العالم من وجهات نظر لا حصر لها. ومع مرور الوقت وعمل ما بعد الحداثة على الوفاء بالوعود التي تراجعت عنها الحداثة، بدأت رؤية عالمية جديدة في الظهور. هذه المرحلة الثقافية الجديدة، الحداثة الماورائية، تأخذ السخرية والمنظورات المتعددة لما بعد الحداثة وتدمجها مع التفاؤل والجرأة في الحداثة. إنها تتجاوز الصراع بين الحداثة وما بعد الحداثة من خلال توليفة تسعى إلى تبني منظور الصورة الكبيرة للحداثة - والذي تعتبره الحداثة الماورائية ضروريًا لمعالجة الأزمات الكبرى التي يواجهها العالم اليوم - مع الحفاظ على عمق وتأمل الذات اللاذع لما بعد الحداثة. هذا ما سنستكشفه في الجزء القادم من الفلسفة الحية.

مقاربة في الحداثة البعدية: ما بعد ما بعد الحداثة

"دعونا نقولها ببساطة: لقد انتهى الأمر" - ليندا هاتشيون، سياسات ما بعد الحداثة

ما هو العصر الذي يلي ما بعد الحداثة؟

قد تكون الحداثة البعدية هي الفكرة الأكثر أهمية التي تواجهك هذا العام. ففي عالم يزداد انقسامًا وتعقيدًا، تعد الحداثة الميتا رؤية عالمية تقدم طريقًا للمضي قدمًا. في مقال الأسبوع الماضي، نظرنا إلى الفرق بين النظرتين العالميتين للحداثة وما بعد الحداثة. تطورت كل منهما استجابة لاتجاهات تاريخية وثقافية معينة. كانت الحداثة، كما رأينا، المرحلة الثقافية التي بلغت ذروتها في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين. أما ما بعد الحداثة فقد نشأت في ستينيات القرن العشرين وهي المنظور الثقافي السائد في القرن الحادي والعشرين. إن المشهد الثقافي الحالي لدينا مستقطب على طول خطوط المعركة هذه. ومع وجود هاتين النظرتين العالميتين فقط للاختيار من بينهما، يبدو أن المجتمع محكوم عليه بالانقسام. ولكن هنا يأتي دور الميتا حداثة. لقد ظهرت الميتا حداثة في العقدين الماضيين وهي تقدم وسيلة لتجاوز الجمود. إن الميتا في الميتا حداثة تأتي من الكلمة اليونانية القديمة ميتاكسيس التي استخدمها أفلاطون وبلوتينوس لالتقاط شعور الوسطية. وفي حالة الميتا حداثة فإن هذا يعني أن تكون في وسط بين الحداثة وما بعد الحداثة. ولكنها ليست مجرد أرضية وسطى. وفي لغة مدرسة كين ويلبر الفكرية المتكاملة ـ والتي تشكل الأساس النظري الرئيسي لمدرسة هانزي فرايناخت للميتا حداثة سياسية ـ فإن الميتا حداثة تتجاوز هذه النظريات العالمية السابقة وتتضمنها. وهذا التوليف بالغ الأهمية للمشاكل التي نواجهها في القرن الحادي والعشرين. في عصر الأزمة الميتا حداثية، نجد أنفسنا نحدق في ستة أزمات وجودية في آن واحد. لا يتعلق الأمر بأزمة المناخ فحسب، بل بأزمة المعنى، وأزمة الصحة العقلية، ومخاطر وإمكانيات تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي الناشئة التي قد تجعلنا من ناحية غير ضروريين كنوع، ومن ناحية أخرى، مع وجود تكنولوجيا مثل أسراب الطائرات بدون طيار التي تعمل بالذكاء الاصطناعي، تهدد تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي بقاءنا بطريقة ملموسة أكثر. هناك أزمة الطاقة، وتناقص الموارد الطبيعية، وسياسة الفضاء، والحرب الباردة التي تتشكل بين الصين وأمريكا ناهيك عن زيادة عدم المساواة وطوفان البطالة القادم الناجم عن الروبوتات. هذا عصر من المشاكل المعقدة والكثير من خطابنا العام هو إعادة ترتيب كراسي التشمس على متن سفينة تيتانيك. إن التحديات التي تواجه البشرية معقدة للغاية وخطيرة للغاية بحيث لا يمكننا العودة إلى السرد المغري لنا كوهم. على أقل تقدير، تعد الحداثة الميتا رؤية عالمية جديدة لا تقع في فخ "نحن وهم" اليسار واليمين. إنها رؤية عالمية معقدة لعصر من التعقيد. في هذه المداخلة، سننظر في خصائص هذا الاتجاه الثقافي الجديد. علاقتها بالاتجاهات السابقة للحداثة وما بعد الحداثة ولماذا نحتاج في هذا العالم المأزوم إلى الحداثة الميتا.

التوليف الميتاحداثي

في المقال السابق عن الحداثة وما بعد الحداثة، نظرنا إلى خصائص هاتين النظرتين للعالم. باختصار، تميزت الحداثة بثقة مفرطة في النفس. كان هيجل يعتقد أننا نعيش في نهاية التاريخ، وكان فيتجنشتاين يعتقد أنه حل جميع مشاكل الفلسفة، وكان فرويد يعتقد أنه وجد مصدر كل الأمراض العقلية، وجاء أينشتاين بنظريته النسبية وكان يعتقد أن نظرية كل شيء في متناول يده. باختصار، بدا الأمر وكأننا نحل جميع المشاكل التي تواجهنا بوتيرة لا تصدق، وبدا أن الحقيقة النهائية كانت على بعد خطوة واحدة. كان هناك إيمان راسخ بالتقدم، وكان العقل يجلس على العرش الذي تركه الله شاغرًا. حتى في الاتجاهات المعاكسة للحداثة مثل ماركس وأعمال الفوضويين مثل باكونين وكروبوتكين، كانت هناك رؤية جريئة لليوتوبيا في متناول أيدينا. لقد اتسمت الحداثة آنذاك بالسرديات الكبرى في كل المجالات من الاجتماعية والسياسية إلى الفلسفية والعلمية. وكانت نبرة الحداثة عبارة عن إيمان متعجرف تقريبًا، وغطرسة مفادها أن الإنسان الحديث هو قمة الحياة نفسها. إن ما بعد الحداثة، كما وصفها جان فرانسوا ليوتار، تُعرَّف بأنها عدم ثقة في السرديات الكبرى. وتركز ما بعد الحداثة على الحالات الهامشية، والأطراف، والاستثناءات، وكل الشقوق في سرديات الحداثة الجميلة. لقد فككت ما بعد الحداثة كل هراء الحداثة. وقد تجسد الملل الذي يصاحب تفاؤل الحداثة في نبرة ما بعد الحداثة التي تتسم بالسخرية والتهكم والتجريح. وبدلاً من البحث عن حقيقة موضوعية متجانسة، كشفت ما بعد الحداثة عن مليون حقيقة وحقيقة واحدة لوجهات نظر مختلفة. لقد أعطت منصة للأصوات التي استغلتها وأهملتها رواية الحداثة: أصوات الأميركيين من أصل أفريقي، والنساء، ومجتمع المتحولين، والأصوات التي عانت من النزعة الاستعمارية، وأصوات السجناء وغير الاسوياء . باختصار، كل الأصوات التي استبعدتها الحداثة من إعلاناتها العظيمة عن الحياة والحرية والسعي إلى السعادة والحرية والمساواة والأخوة. من خلال تبني مثل هذه الوفرة من وجهات النظر، سادت روح النسبية والعدمية في منظور ما بعد الحداثة الأوسع. في محاولة لإعطاء صوت متساوٍ للعديد من وجهات النظر، لم يكن لدى ما بعد الحداثة رؤية مركزية موحدة كما كانت الحداثة. لم يكن لديها نقطة ارتكاز لتوجيه نفسها نحوها. لقد أدارت ظهرها لإيجاد سرد عظيم يحاول تجسيد كل هذه وجهات النظر. وهنا، تدخل الحداثة الميتافيزيقية إلى المشهد.

ما هي الحداثة الميتابعدية؟

في لغة الجدلية الهيجلية، كانت الحداثة هي الأطروحة التي عارضها نقيض ما بعد الحداثة. ومن هذا الصراع بدأ تركيب جديد في الظهور في الميتا حداثة. إن التحديات التي تواجه البشرية اليوم ترفض أن يتم ترويضها إما بالتفاؤل المتغطرس للحداثة أو بالتكاثر النسبي للمنظورات في ما بعد الحداثة. وبالمثل، لا يمكن حل هذه المشاكل المعقدة بدون جرأة الحداثة ودقة ما بعد الحداثة. وبالتالي فإن المطلوب هو دمج هذه الفضائل مع تجاوز الجمود. المطلوب هو التسامي والشمول. كما يلاحظ هانزي فرايناخت في كتابه عن الميتا حداثة السياسية "المجتمع المستمع": "إن الميتا حداثة مختلفة نوعيًا جدًا عن ما بعد الحداثة: فهي تقبل التقدم والتسلسل الهرمي والإخلاص والروحانية والتطور والسرديات الكبرى والسياسات الحزبية والتفكير في كليهما وغير ذلك الكثير. "إنها تطرح الأحلام وتقدم الاقتراحات. وما زالت تولد". من منظور الحداثة الميتا، ألقى ما بعد الحداثيون الكثير من الأشياء غير المفيدة مع مياه الاستحمام للحداثة. لا شك أن هذه السمات يمكن أن يكون لها جوانب مظلمة وقد تتحول إلى سمات سامة، لكن هذا لا يعني أنه يجب التخلص منها. في مواجهة مشاكل القرن الحادي والعشرين، نحتاج إلى الصورة الأكبر التي قدمتها الحداثة. نحن بحاجة إلى هيكل وترتيب التسلسلات الهرمية؛ نحن بحاجة إلى رؤية للتقدم وسرد عظيم حول سبب أهمية كل هذا. وأكثر من ذلك، نحتاج إلى أن نكون قادرين على التحدث عن القضايا الكبرى دون الوقوع في فخ السخرية والتهكم. إذا كان هناك شيء واحد لاحظه المعلقون المختلفون على الحداثة الميتا، فهو نبرتها الغريبة من الصدق الساخر. هذه الديناميكية مألوفة لنا جميعًا بالفعل من وسائل التواصل الاجتماعي. هناك أشخاص ينشرون منشورات محبطة صادقة على وسائل التواصل الاجتماعي مثل هذا الشخص ولا تلهم الرحمة والتعاطف. إنه يجعل الجميع الآخرين ثم هناك المتفاخر المتواضع مثل هذا الشخص. إن المشكلة في وسائل التواصل الاجتماعي هي أنه لا يمكنك ببساطة نشر شيء ما. فهناك قواعد للخطاب يجب عليك اتباعها وإلا فإنك ستنتهي إلى نشر شيء محرج. لقد أصبح لدى معظم الناس الآن وعي أكثر دقة بما قد يفكر فيه الآخرون بشأن ما ينشرونه وبالتالي يمكنهم تجنب معظم المزالق ولكن هذا يتركنا مع نوع من المأزق: كيف يمكنك أن تقول شيئًا ذا معنى على وسائل التواصل الاجتماعي؟

إن الحيل الشفافة أحادية البعد يتم إبادتها من قبل السخرية المتهكمة لأولئك الذين لديهم بعض الوعي الاجتماعي الأساسي. ولكن هذا الوعي يقيد أيضًا التعبير عن المشاعر الحقيقية. وهذا لا يقتصر بالطبع على وسائل التواصل الاجتماعي بل هو مجرد أحدث وأكثر ظهور واضح لاتجاه ثقافي يعود إلى الانفصال الساخر الذي جعل ديفيد ليترمان أيقونة لأول مرة في ثمانينيات القرن العشرين. وفي مقابل هذا لدينا عمل أشخاص مثل الباحثة في مجال العار برين براون التي تتحدث عن أهمية الضعف. "ولدينا ثقافة تحب إثارة الكثير من الضجيج حول الصحة العقلية ولكن عادة دون قول كلمة واحدة عن سبب صعوبة التعبير عن المشاعر. لذا فإن السؤال الحقيقي يصبح كيف نتواصل بشيء حقيقي في ثقافة حيث يميل التعبير العاطفي إلى أن يكون غير صادق؟ كيف يمكننا أن نكون جادين دون الشعور بالخجل؟

نغمة الميتاحداثة

وهنا يدخل الميتاحداثيون إلى المشهد. تم وصف نغمة الميتاحداثة بأنها صدق ساخر. تستخدم السخرية كآلية توصيل للصدق العميق. لا يوجد مثال أفضل على هذا من تحفة بو بيرنهام عن الميتاحداثة داخل، والتي سننظر إليها بعمق أكبر الأسبوع المقبل. أغنية الافتتاح للعرض الخاص تسمى محتوى. هذه الأغنية تجسد الصدق الساخر. عندما تم إصدار داخل، كان قد مر 5 سنوات منذ إصدار بيرنهام الخاص السابق، لذا كان هناك شيء من الفيل في الغرفة. كيف يمكنك أن تشرح للجمهور الذي يحبك سبب غيابك لمدة 5 سنوات؟ كان بإمكانه أن يفتتح حديثه بلحظة صادقة من القلب للاعتذار للجمهور وشرح أنه كان يعاني من بعض المشاكل المتعلقة بالصحة العقلية. لكنه لم يستطع فعل ذلك لأنه سيكون محرجًا. كان بإمكانه أن يستسلم للقيود التي تفرضها عليه ثقافة ما بعد الحداثة والتي تحد من هذا النوع من التعبير. كان بإمكانه أن يبرر ذلك بأنه لا يحتاج إلى شرح نفسه لجمهوره. كان بإمكانه أن يلعب بهدوء. لكن هذا ليس خيارًا رائعًا أيضًا. وبدلاً من ذلك، قام بيرنهام بدمجها في الأغنية الافتتاحية. الأغنية مضحكة وجذابة وتقول آسف بطريقة ساخرة ولكنها تفيض بالصدق العبقري. لا يقول آسف، أرجوك سامحني، وآمل أن تعجبك. إلا أنه يفعل ذلك، لكنه يغلفه بحاوية من السخرية الحلوة التي تجعل هذه الرسالة الجادة مفيدة بدلاً من أن تكون محرجة. وهذا هو جوهر النبرة الميتاحداثية. إنها تعترف بسخرية ما بعد الحداثة التي ترى في معظم أشكال الجدية نوعًا من الأداء. تعترف العبوة الساخرة بهذا، وتسخر من نفسها بشكل متواضع ولكنها في القيام بذلك تكشف عن جدية. هذه الصراحة الساخرة هي مثال على الموضوع المتناقض الذي يمتد إلى جوهر الحداثة. عندما استخدم مبدعو بيان الميتاحداثية لعام 2011 عبارات مثل المثالية البراغماتية والسذاجة المستنيرة والواقعية السحرية، كانوا يشيرون إلى تقابلات مماثلة. إن الحداثة الميتا تتجاوز القيود الساخرة التي تفرضها عليها ما بعد الحداثة وتسعى مرة أخرى إلى إيجاد شكل أعظم من المعنى، وشكل أكثر صدقاً من الاتصال وإحساس أعمق بالحقيقة. في سعيهم إلى إيجاد إحساس عظيم بالمعنى والمثالية، لا يتسم الحداثيون الميتا بمؤمنين متحمسين مثل الحداثيين. بل كما لاحظ علماء الفن الهولنديون الذين أشعلوا شرارة حركة الحداثة الميتا لأول مرة من خلال ورقتهم البحثية التي صدرت عام 2010 تحت عنوان "ملاحظات حول الحداثة الميتا": "إن نيتهم ليست تحقيقها، بل محاولة تحقيقها على الرغم من "عدم قابليتها للتحقيق". أو كما تقول هانزي فرايناخت في كتابها "مجتمع الاستماع": "إن الحداثية الميتا لديها سردها الخاص الذي لا يعتذر عنه، والذي يلخص فهمها المتاح. ولكن يتم التعامل معه باستخفاف، حيث يدرك المرء أنه خيالي جزئياً دائماً ــ توليفة أولية". وبالتالي يمكننا أن نقول إن إحدى سمات الحداثة الميتا هي المرح. إن الأمر يتطلب الوعي بحدودنا التي أصبحت ما بعد الحداثة مدركة لها بحدة، ولكن بدلاً من أن تشلها هذه الحدود فإنها تختار بدلاً من ذلك المرح لقبول عدم كفايتها وطبيعتها القابلة للخطأ. إنها متعة في المحاولة؛ إنها الاعتقاد بأن هناك شيئًا جميلًا في السعي. هذه الروح المرحة للحداثة الميتافيزيقية، وهذا الإخلاص الساخر والمثالية البراغماتية ضرورية للمشاكل التي نواجهها اليوم نحن بحاجة إلى الحداثة الميتافيزيقية. عالمنا يغرق في التعقيد. إن سذاجة الحداثة والعدمية النسبية لما بعد الحداثة لا تؤدي إلا إلى تفاقم المشاكل التي نواجهها. نحن بحاجة إلى رؤية أكبر مرة أخرى. إن عالمنا يواجه أزمة ميتافيزيقية - لدينا أزمة مناخية، وأزمة معنى، وأزمة صحة عقلية بالإضافة إلى اقترابنا من أزمة سياسية أخرى وربما حرب باردة جديدة. نحن عالم في أزمة ولا يمكن لأي قدر من السذاجة أو العدمية أن يجعلنا نتجاوز هذا. نحن بحاجة إلى سرد عظيم مرة أخرى. إننا في احتياج إلى شيء يمنحنا الأمل مرة أخرى. والحداثة الماورائية هي الاتجاه الذي يتطور من هذه الحاجة. إنها جسر البناء بين كل الفصائل المختلفة في عالمنا. وكما يلاحظ فرايناخت: "إن مبادئ الحداثة الماورائية متأصلة بالفعل في تناقضات المجتمع الحديث؛ والمجتمع الحديث المتأخر حامل بالحداثة الماورائية. يحتاج الناس إلى السخرية من أجل بناء الثقة الشخصية القائمة على المعرفة الذاتية والفكاهة والتفكير النقدي. فقط عندما تكون هذه الثقة موجودة يمكننا أن نجتمع بنجاح حول صراع ذي معنى من أجل شيء أعظم من أنفسنا، مثل أزمة المناخ. هناك غرابة ساخرة أخرى في عصرنا: "الريبية تجلب الثقة والثقة تتوج الفائز". فماذا يخفي زمن ميتا الحداثة البعدية؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

تمهيد: اود التنبيه أنى اتناول موضوع المقالة من جنبة فلسفية وليس من جنبة دينية لاهوتية تقودنا الى انواع مختلفة متباينة ومتطاحنة من الايديولوجيات الدينية السياسية المعاصرة في تعطيلها تفكير العلم والعقل خاصة في بلدان الوطن العربي..

منذ ولادة الانسان المفكر خرافيا سحريا كانت الميتافيزيقيا البدائية العمياء صنو وجوده الحيواني – البشري. وفي مرحلة متقدمة لاحقة فرضتها عليه الطبيعة كان تكيّفه لها يشبه تكيّف الحيوان الانقيادي المذعن لطبيعة لا تعقل وجوده لكنها بقيت مصدر بقائه حيا بعيدا من الانقراض كما حصل مع انقراض حيوان الماموث وسلالات الديناصورات.. وحتى انقراض انواع بدائية قبل وصولنا انسان نادرتال.

نجد في مراحل بدائية متقدمة عن سابقاتها غادر الانسان البدائي خوفه من ظواهر الطبيعة التي لم يكن تفكيره بها يقوده الى تعليل اسبابها فانتقل الى مرحلة خوفه الاشد روعا هي مرحلة خوفه من افكاره الخرافية البدائية والسحرية هل ما يفكر به صحيحا يرضي القوى الغيبية التي يخشاها حتى وصل به الخوف من افكاره والشك بها الى ان يجعل من الحيوانات والجمادات الطبيعية والمصنوعة من قبله بدائيا آلهة يعبدها (الطوطم).

كان خوفه من افكاره في تعطيل تفكير العقل المنتج في حدوده الدنيا معدوما. وكانت افعاله بما يبقيه على قيد الحياة يتصورها تثير غضب قوى لا يعرف ماهي ولا كيف يواجهها. الى ان توصلنا الى ان تلك الافكار والتصورات الخرافية الغيبية التي عاشها الانسان في عصور قديمة جدا هي ما اصطلح تسميته اليوم (الميتافيزيقا) وصرنا نؤمن ايمانا قطعيا يقينيا راسخا ان الانسان كائن ميتافيزيقي قبل معرفته الاديان منذ بداياتها والى الوقت الحاضر وحسب مقولة الاستاذ سعد البزاز الحرب تلد اخرى فلم تكن الميتافيزيقا تلد الاديان بل الاديان ولدت الميتافيزيقا.

لا نجانب الصواب قولنا اننا كائنات ميتافيزيقية قبل ان نكون كائنات عقلية او لغوية او اجتماعية وحتى قبل ان نكون كائنات علمية تنكر جميع انواع التفكير الميتافيزيقي الغيبي في تعطيلها العقل العلمي اليوم. ولم يستطع جبروت العلم القضاء على الانسان الاسطوري الميتافيزيقي الثابت في عقولنا الباطنية اللاشعورية الذي نتوارثه في جينات  DNA اننا كائنات ميتافيزيقية بداية ونهاية.

بعلاقة مع ميتافيزيقا الاديان اذكر ان ليفي شتراوس احد رواد الفلسفة البنيوية ونتيجة دراساته المعمّقة باثنولوجيا الاقوام البدائية التي لا تاريخ لها بسبب ان تلك الاقوام لم تكن تعرف التدوين الذي جاء متاخرا جدا بحدود ثلاثة الاف سنة قبل الميلاد. قال شتراوس عبارته الشهيرة والتي تلقفها منه فوكو باهتمام مبالغ فيه انه انكر شيء اسمه انسان او عقل او تاريخ وهاجم فوكو ومعه فلاسفة البنيوية قاطبة كل شيء يمت بصلة مع الحداثة منها السرديات الكبرى في طليعتها سردية اللاهوت الديني وسردية الماركسية.

ولم يسلم من هذه المعمعة سوى الفيلسوف الالماني المخضرم يورغن هبرماس المعاصر الذي جنّد نفسه مدافعا مستميتا عن الحداثة وهجومه على فلاسفة ما بعد الحداثة من البنيويين. مقولة شتراوس الاستفزازية المريبة قوله ان مشكلات الانسان واحدة على مر العصور والتاريخ هي ذاتها مشكلاته منذ العصور الحجرية والى يومنا هذا لم تتبدل في جوهرها الوجودي الانثروبولوجي.. طبعا العبارة في منطوق علمي تاريخي انثروبولوجي يجعل من بطلانها خارج منطق الفلسفة اكثر من وارد.

ولولا اختراع الانسان للعلم لكنا الى اليوم كائنات ميتافيزيقية تعيش على قناعة وممارسة اصل الحياة هو الدين اللاهوتي بكل طبعاته الوثنية والتوحيدية. ولو لم تكن حقيقتنا الوجودية اننا كائنات ميتافيزيقية بالفطرة فكيف لنا تمرير انه في امريكا ودول اوربية غالبية من شعوبها يؤمنون بالسحر والجان والخرافات والشعوذة والسحر وجميع اشكال الدجل خارج جوهر الدين؟ اذن هل نجد غريبا علينا اليوم اننا اقدم حضارة وتقدما من الغرب في الوقت الحاضر في ايماننا بالخرافات والسحر والشعوذة ومحاربتنا بالوعي الجمعي المتخلف التفكير العلمي حتى اصبح من واجبنا الحضاري الخرافي تصدير جميع خرافاتنا السحرية واليوتوبيات الفارغة وايماننا بعالم الجان للغرب المتحضر بالعلم والذكاء الصناعي والريبوتات الذكية عالم الغرب المتخلف بتفكير العقل الايماني المعتدل السليم؟

إله الفلاسفة

اذكر قرأت أن امراة متزمتة دينيا وقفت امام بيرتراند رسل وعنفته بلهجة شديدة قائلة له ماذا ستقول لله يوم الحساب والقيامة في الاخرة بعد موتك وانت تجاهر بالحادك؟ اجابها رسل وقتها اسال الله لماذا حجبت عني البراهين التي تثبت وجودك لاعبدك.؟

وعن نفس السؤال لانشتاين اجاب سائليه ساقول له – يقصد الله - انا على دين إله اسبينوزا. وكان يقصد مذهب وحدة الوجود الذي انكر فيه اسبينوزا المعجزات الدينية واعتبرها مجافية لمنطق العقل وقال الله جوهر كلي لا تدركه عقولنا ازلي خالد، وبدلالة الجواهر الموزعة في اعجاز الطبيعة بموجوداتها نستدل على وجود الله الجوهر الكامل الكلي الازلي الخالد اللانهائي. فاتهموه بالالحاد الذي كان انشتاين مسرورا انه وجد في مذهب اسبينوزا مخرجا له ينقذه من مازق اتهامه بالالحاد.

اسبينوزا في مذهب وحدة الوجود اصاب بمقولة له الماركسية والوجودية بمقتل لابراء منه بسهولة حين قال (اننا بدلالة الجوهر ندرك الوجود) ومعلوم ان ما تؤمن به الماركسية يقينا مطلقا اننا بدلالة الوجود المادي نفهم الصفات الخارجية والجوهر بالاشياء. اسبينوزا لم يكتف بتغليب الفكر على المادة خلاف الماركسية بل ذهب ابعد من ذلك حين اعتبر اننا بغير دلالة الجوهر الكلي الكامل الخالق الله لا ندرك الوجود ولا الجوهر في موجودات الطبيعة والاشياء. ما حدا بالماركسية للخروج من احراج اسبينوزا المثالي قولها البحث عن الجوهر في الطبيعة وموجودات العالم الخارجي خرافة ساذجة لاقيمة لها. واعتبرت الماركسية ان ادراك الصفات الخارجية للاشياء كافية ولا قيمة تذكر للجوهر.

كثيرا ما استوقفتني عبقرية باسكال الايمانية بالله الذي توفي مبكرا ولم يكمل مشواره الفلسفي الايماني البراجماتي. كانت عبارته الايمانية البراجماتية ما معناه عليك الايمان بوجود الله وتصرّف بالحياة بما يمليه عليك الايمان فانك بذلك سوف لن تخسر شيئا وتكون كسبت دنياك. واذا ثبت لك يوم الدينونة والحساب ان الله غير موجود فايضا سوف لن تخسر شيئا واذا تحقق لك وجوده تكون ربحت دنياك وآخرتك. اجد ان الدين عموده الفقري الايمان القلبي بالله وممارسة الطقوس العبادية الخاصة. ثم تليها مرحلة اخرى هي مرحلة الالتزام السلوكي بالقيم التي مصدرها الضمير وبالاخلاق وما يتفرع عنها من جوانب في عمل الخير والصلاح ومحبة السلام الخ. لا دين بلا قيم روحانية.

مقولة باسكال البراجماتية النفعية الايمان بالله بلا تجربة اثبات اقتبسها ماكس شيلر بتعبير آخر قائلا: " النظرية الجديدة ان الانسان نفسه اصبح مركز العالم او المحل الاوحد الذي يدرك فيه الله ذاته ويحقق ذاته. هنا شيلر يذكرنا بالفكرة التي نادى بها كل من اسبينوزا وهيجل ان الموجود الاصلي – المقصود الله – يشعر بذاته من خلال الاشياء وقد اصبح مدعما في صميم الوجود الالهي. وانتهى شيلر بايمانه الديني بفكرة (الظهور المتبادل للانسان والله). المصدر ص 390. طبعا واضح من كلام شيلر ان الخالق يدرك وجوده الالهي بدلالة ايمان الانسان به بوحدانيته وقدراته غير المحدودة وصفاته السامية المثالية التي يخلعها الانسان على معبوده.

قبل 3500 قبل الميلاد قال الفيلسوف اليوناني بروتوغوراس مقولته الشهيرة (الانسان مقياس كل شيء) وهو كان وقتها يقصد الانسان مركز كل فكر يتعلق بالوجود والطبيعة ولم يكن يقصد الانسان مركز تفكير ميتافيزيقا اللاهوت الذي لم يكن معروفا وقتذاك في الايمان بتعدد الالهة عند الاغريق والرومان.

اليس من الغريب ان نقول ان مقولة بروتوغوراس يمكننا اسقاطها الصائب على اللاهوت الديني المعاصر في مركزية الانسان اليوم.؟ وان الانسان اصبح مقياس كل شيء.؟

في كتابه الشهير"اصل الدين" يذهب فيورباخ فيلسوف المادية الطبيعية الصوفية الى ان الانسان والطبيعة والاله توليفة واحدة مركزيتها علاقة الانسان بالطبيعة في اختراعه الاله. وهو بهذا الطرح يلتقي بمذهب وحدة الوجود لدى اسبينوزا وصوفية الاديان الوثنية الشرقية عامة. بفارق واحد هو ان فيورباخ كان ماديا في صوفيته اي معتبرا الطبيعة مصدر الهام الانسان اختراعه الدين.

اسبينوزا كان متأرجحا في فلسفته مذهب وحدة الوجود بين الايمان والالحاد فهو من جهة ادان وانكر المعجزات الدينية واعتبرها اعتقادات بالية منافية للعقل. وكي يبعد عنه شبهة الالحاد التي لاحقته وجعلت الكنيست اليهودي في هولندا تعتبره مهرطقا منبوذا من طائفته الدينية اليهودية ما جعله يمضي بقية حياته متنقلا باسماء مستعارة كما فعل ديكارت نفس الشيء بعد هروبه من فرنسا محاكم التفتيش الى هولندا حتى وفاته. عمد اسبينوزا اختراع مذهب وحدة الوجود.

مذهب وحدة الوجود الصوفي في فلسفة اسبينوزا كان غريبا جدا فلا هو ينتمي حقيقة الى الايمان ولا هو يماليء المذاهب الصوفية التي حاولت تطويع التصوف لتبعية الفلسفة واخفقت. السبب الحقيقي هو ان منبع التصوف بجميع مذاهبه كان الشرق موطنه الاصلي في بلاد العرب والفرس والهنود والصين. هذا الهاجس جعل الاسكندر المقدوني يقوم بحملته التي فتح بها الهند وبلاد فارس والعراق البابلي ومصر الفرعونية ومات عام 321 قبل الميلاد دون ان يحقق حلمه في رغبته مزاوجة منطق اليونان الفلسفي العقلي مع صوفية الشرق التي ملكت قلبه. ويؤرخ الفلاسفة موت الاسكندر المقدوني هو بداية تاريخ العصر الهلنستي بالفلسفة الذي حاول إحياء حلم الاسكندر المقدوني في مزاوجة فلسفة اليونان مع صوفية الشرق بين مصر وروما.

بالعودة لشيلر نجده يؤكد مذهب وحدة الوجود متاثرا بطروحات اسبينوزا وهيجل رغم الاختلاف والبون الشاسع الاختلافي بينهما. قائلا اننا بدلالة الانسان نشعر بوجود عظمة الخالق. كذلك فيورباخ الذي مررنا به لم يغادر مقولة مركزية الانسان في وحدة الوجود الصوفية المادية التاملية التي اثارت حفيظة ماركس ضده. معتبرا فيورباخ اصل الدين هو من اختراع الانسان في علاقته بالطبيعة.

فيورباخ كان متاثرا بالطبيعة بشكل مذهل ما جعله يكتب رسالة لابيه يخبره بها انه ترك دراسة اللاهوت ليجد كل ما يتمناه بالطبيعة فاصدر ثلاثة كتب محورها دور الطبيعة في نشوء الاديان واختراع الانسان لها. يحضرني عناوين اثنين فقط من كتب فيورباخ هما كتاب (اصل الدين) وكتاب (جوهر المسيحية).

وفي هذا التعلق المستميت بالطبيعة كانت مادية فيورباخ لقبه باليونانية قناة النار. التي استعارها ماركس منه باقرار مكتوب حين وضع قانون المادية التاريخية الجدلية في مؤلفاته بعضها ثلاثة اطروحات كتبها عن فيورباخ نشرت بعد وفاة ماركس. كما اخذ ماركس الجدل المقلوب الواقف على راسه من هيجل.

برايي الشخصي رغم مادية فيورباخ الالحادية المشكوك بها الا انه وجد ضالته الميتافيزيقية بمركزية الانسان على انه كائن ميتافيزيقي ديني بالفطرة رغم ايمان فيورباخ المادي ان علاقة الانسان بالطبيعة خلقت إله السماء. كما هو الانسان كائن اجتماعي بالفطرة ايضا ومن الخطا القول الانسان حيوان ناطق بالفطرة بل حيوان لغوي ناطق بالخبرة المكتسبة. تعلم اللغة غير موروث فطري بل اكتساب من العائلة والمحيط والمجتمع.. اود الاستطراد المختصر السريع حول فطرية تعلم اللغة عند الطفل غير الرجل البالغ توجد مدرستين فلسفيتين الاولى يطلق عليها مذهب (السلوك اللفظي) رائدها سكينر تؤمن بفطرية اللغة. وكذلك مدرسة ثانية تزعمها نعوم جومسكي تناوىء مدرسة السلوك اللفظي وتؤمن بالاستعداد الفطري لتعلم اللغة بما اطلق عليه (التوليدية اللغوية ). وهي الاكثر مقبولية.

توجد مقولة تنسب لتولستوي على ما اعتقد قوله الله ضرورة لو لم نجده على الارض لاخترعناه. ولم تسلم هذه المقولة في اسقاطها على الشعر الغنائي حين قال نزار قباني في قصيدة ماذا اقول له؟ غنتها الرائعة نجاة الصغيرة (الحب بالارض بعض من تخيلنا لو لم نجده عليها لاخترعناه).

***

علي محمد اليوسف - باحث فلسفي

.................

الهوامش:

الاقتباسان في المقال هما نقلا عن زكريا إبراهيم، دراسات في الفلسفة المعاصرة

هل للدين فلسفة؟ والجواب، نعم! له فلسفته، إذا كانت له منطلقاته وقواعده وأحكامه. وكان معناه التأمل فيما يمس بؤرة الشعور الإنساني ويستغرق بالكلية منطق الوجدان، وكيف تُقام فلسفة (والفلسفة تقابل العقل، والعقل يفرز العلم والمعرفة العلميّة) على منطق ندّعيه هو منطق الوجدان؟

هذا سؤال من الأسئلة اللافتة للنظر من الوهلة الأولى غير أنه لافت للنظر مع غيبة البديهة، ولكن مع حضورها لا تجد له معنى.

نعم! تقام الفلسفة على منطق الوجدان كما تقام على منطق القانون أو على منطق اللغة أو على منطق الدين، أو على منطق العلم أو على أي منطق أرادت الفلسفة أن تقيمه. ليس هناك ما يمنع من قيامها على منطق الوجدان مع المعرفة التامة التي لا شك فيها بالفروق الفارقة بين منطق العقل ومنطق الشعور والوجدان؛ لأن هذه المعرفة مع دعوى تمامها ناقصة عجزاء إذا أغفلت بديهة حاضرة، وهى حقيقة الإنسان الأصليّة.

فليس الإنسان يعي أو يعيش بالعقل والفلسفة وحدهما، وليس هو بالشعور والوجدان إنساناً وحده، ولكنه يجمع بينهما في اتساق لا تناقض فيه، إذْ من المؤكد عندنا: استناد الفكر على الوجدان، والعقل على الشعور وهو المقرر هنا فيما لا شك فيه، كما تقرّر سلفاً لدى الإمام محمد عبده، وكما تقرر أيضاً لدى الدكتور محمد إقبال؛ لا بل كما تقرّر قبلاً لدى أفلاطون عندما قال: إنّ التفكير كلام نفسي، وصاغته ملكة الطبع العربي شعراً:

(إنّ الكلام لفي الفؤاد وإنمّا جُعل اللسانُ على الفؤاد دليلاً)

على أن توضيح الغرض من أي فلسفة، ولتكن فلسفة العلم (تاريخيّاً) يبدو في كون العلم ظاهرة إنسانية قديمة قِدم الإنسان، نشأت مع ظهوره؛ فاخترع رموز العدّ الرياضية قبل أن يضع الأبجدية المكتوبة؛ فطالما كانت الغاية تطويع البيئة بالسحر تارة، وبالتقنية التي يصيغها له العلم تارة أخرى، تلك الظاهرة المستمرة التي كانت حصيلة مجهودات بشرية متراكمة لم تتوقف أبدًا؛ فقد وضعت حضارات الشرق القديم أصوله، وصاغ الإغريق أسسه النظريّة، ثم اعتنى العرب بترجمته ودَرْسه وتطبيقه في عصورهم الذهبية، فلم يَضِع في ظلمات العصور الأوروبية الوسطى؛ فكانت ثوراته الكبرى في عصور العقلانيّة والتنوير.

وهنا تظهر الفلسفة في المشهد من جديد؛ فالعلم أصبح يشكل الواقع والمعقول؛ وبالتالي يحتاج لدراسة خاصّة تضبط منطقه وتتبع تطور أساليبه العلمية والمنهجية، كما تضطلع بعبء دراسة إطاره التاريخي وعمقه الحضاري؛ لنخرج بنظريّة فلسفيّة خاصّة بالمعرفة، وعلوم جديدة تتبع تاريخ العلم وترسم منطقه ومنهجيته وتدرس قوانينه ونتائج نظرياته في تطور لا يثبت على قرار.

غير أن فلسفة العلوم بصفة خاصة هي إحدى فروع الفلسفة، تُعنى بدراسة طرق وأسس ومضامين العلم، كما أن الأسئلة المركزية لدراسة فلسفة العلوم تتعلق بما هو مؤهل لأن يُلقب بالعلم، ومدى القدرة على الاعتماد على النظريات العلمية، والهدف النهائي للعلم.

فهل يصبح الدين علماً في مستقبل الأيام؟

نعم! تتعدد المداخل الفلسفية وتختلف باختلاف المذاهب والمدارس، وكذلك تختلف من حيث نوع العلم الذي تختص بصياغته ومناقشته وتفسيره وتحليله، ومن ضمن تلك العلوم الفلسفيّة ما يسمى بفلسفة العلوم، وهي فلسفة انتشرت على مرّ العصور، وكان لها تأثير بارز لا شك فيه.

فلئن كنتُ أنا لا أعني مطلقاً أن تكون هناك قطيعة معرفية تجئ بينا وبين الغرب، بل ولا نستطيع أن نفعل ذلك، فكل ما أقول به هو التفكير الدائب في التقليل من مثل هذا النزوع الغريب إزاء تقليد المدارس الغربية المعاصرة، ومحاولة محاكاة روّادها ومؤسسيها في مناهجهم ومذاهبهم، وليس محاولة نقدها وفحصها؛ بل لتطبيقها عنوة على عقائدنا وتراثنا وخصوصيتنا الحضاريّة وهُويّتنا الثقافية، وهى من بعدُ أفشل المحاولات!

مثل هذا الترقيع البغيض غير مقبول ببداهة المنطق من الوهلة الأولى، ومع ذلك يقع فيه الباحثون رغم عرفانهم ببديهة رفضه، وفشل الاعتماد عليه مع تطبيقه أو التنويه إليه، كما فشلت محاولات قبل ذلك ومحاولات، فمن يعتمد على الترقيع لا يَسْلَم آخر الأمر من المهانة العقلية؛ فهو موضع الخطر يقع فيه كثيرون ممّن مارسوا في السابق عملية نقد التراث أو تجديد التراث أو التماس لغة مغايرة للخطاب الديني أو دعوى التفكير العقلاني المُوغل في الدعوى المؤسسة على الاستقلال، وهى في نفس الحال دعوى غارقة في التقليد لعلماء الغرب ومفكريه والمحاكاة لهم في غير استقلال.

لا ينجمُ التقليد عن أصالة، ولا يسفر عن استقلال أو عن شعور بالتبعة من الوجهة الأخلاقية، يستوي في ذلك من يقلّد الأفكار الغربية أو يقلد الأفكار التي تنتمي إلى بني جلدته.

كل تقليد مذموم لأنه يؤدي إلى الاستكانة والجمود، وهو ضد المعرفة وضد التفكير، وهو مذموم في العقل مذموم في الدين، وفوق هذا هو مذموم في البحثّ عن الحقيقة.

وموضع الذم فيه أنه يعتمد على المتابعة التي لا يظلها جهد التفكير، ولا تجمعها وحدة معرفية أو عقلية، ولا غوص عميق في المصادر الدينية المعتبرة، بمقدار ما يعتمد على المغالطات لتزوير الحقيقة التي هو بصدد البحث فيها، لأنه لا يتوخىّ عرضها بالتجرّد والنزاهة والإنصاف، ولكن يعرضها بمطلق الهوى ومطلق الغرض وهما نقائض البحث العلمي ونقائض المنهجية العلميّة سواء، ثم لا يقتصر الأمر على هذا الحدّ؛ بل يتفاخر بمعرض السوء وصناعة الأمجاد الكاذبة.

لذلك كله؛ ومن أجل ذلك كله؛ نفضل من حيث الاصطلاح العلمي الدقيق ألا نقول "فلسفة الدين"؛ بل نقول "فلسفة العلوم الدينية"؛ لتجنب الخلط بين الوحي في ذاته، وهو مصدر الدين، وبين الفلسفة ومصدرها "العقل"، وما دامت الفلسفة تقف وراء العلم من حيث هو علم ديني لا من حيث هو دين، مصدره الوحي؛ فإنّ اصطلاح فلسفة الدين هذا، فيه مغالطة منطقية ومبالغة تصل إلى درجة الخطأ.

أمّا اصطلاح فلسفة العلوم الدينية؛ فهو اصطلاح مقبول عقلاً ومنهجاً؛ لأنه يقوم على علوم الدين لا الدين في ذاته.

وقد يُقال بالمقاربة على غرار ذلك؛ إننا نقول فلسفة العلم تماماً كما نقول فلسفة العلوم، ولا نجد غضاضة في التسمية؛ إذْ لا مشاحة في الألفاظ. والرد على ذلك بسيط جداً؛ وهو أنك عندما تقول "فلسفة العلم" لا تخرج بعيداً عن السياق المنطقي المستخدم في ميدان العلم، ولا تخرج عن ميدان الفلسفة ولا عن ميدان فلسفة العلم بوجه عام.

ولكنك حين تقول فلسفة الدين، فأنت تجعل للوحي شروطاً فلسفية فتخلط من حيث لا تدري مجالاً بمجال. ومعلوم أن مجال الدين في ذاته مقدّس، وسرُّ تقديسه أنه وحي من عند الله.

أمّا ما يُقام عليه من علوم فلا تقديس فيها، ومن حق الفلسفة أن تحيلها إلى منطقها وتتدخل فيها من حيث إضفاء الطابع النظري النقدي المنهجي على العلوم التي تتناول الدين.

أمّا الدين في ذاته، فلا. لا يمكن أن يتحوّل الدين في ذاته إلى فلسفة ولا شرط للفلسفة أن تناقش قضايا الوحي، وهو معصوم، مناقشة فلسفية حظ العقل فيها أكبر من حظوظ سواه، ما لم تقم على الوحي علوماً تفسيرية وتأويلية يتدخّل في تصنيفها العقل البشري ويطلع بالجانب الأكبر من تأسيسها، وإذْ ذاك يحق لمناهج العقل أن تبحث في فلسفة العلوم الدينية، وتظل مشروعية هذا الاصطلاح قائمة كلما توغل العقل البشري؛ ليخاطب بطرائقه المعرفية المعتبرة أصنافاً لا حدّ لها من ألوان التفكير في الدين.

ــ اصطلاحاً؛ نقول فلسفة العلوم الدينية ولا نقول فلسفة الدين؛ لتجنُّب الخلط بين مجال الإيمان الديني الذي يقوم على الوحي، ومجال العلم الذي يعتمد النظر في التجارب المعمليّة والمحسوسات الطبيعية، كما يعتمد منجزات العقل والمعرفة العقلية بمناهج يستخدمها العقل نفسه في مجال علوم الدين. وهذا أسلم للبحث العلمي وأقرب للموضوعية والنزاهة العلميّة.

وبنفس هذا المقياس في تلك الفوارق من حيث كونها مفاهيم مستخلصة، يستوقفنا التساؤل حول (العقيدة والدين)، أو حول الإيمان والعقيدة؛ ليقيم جدلاً نظريّاً إزاء ما يمكن طرحه عند دلالة المفاهيم المستخلصة؛ لتشكل رؤية قائمة مع كل مفهوم مطروح.

ولا شك أنّ جدل الأسئلة المطروحة يثير كثيراً من التساؤلات الفرعيّة ويتوقف الإجابة عليها على فعل القناعات الإيمانية والمعتقدات التي تواكب تأصّلها في الفكر والشعور؛ فنحن نضيف العقيدة أحياناً إلى الفكر كما نضيفها إلى الدين، فنقول "العقيدة الدينية" لتميزها عن العقائد الفكريّة سواء لدى الفلاسفة أو المفكرين أو الأدباء أو العلماء، فكل هؤلاء وأولئك لهم عقائدهم في مجرى التفكير والشعور، بمقدار ما لهم كذلك آراء تخصّهم أو تخص غيرهم ممّن يحيون على تلك الآراء عقائد يطبقونها على حياتهم الفعليّة ويقيمون عليها مجدّداً محاور البناء.

لا نشك في عموم الدين من حيث التّوجه به إلى أصل القداسة شعوراً من أعمق الأسس النفسية في كل ديانة؛ لأن شعور القداسة هذا هو الأصل الأصيل لكل حاسّة جديرة أن توصف بالصفة الدينيّة وتنبني عليها عقائد المؤمنين، ولولاها لما كانت ديانة على الإطلاق.

أيّهما الأعمُّ الشامل وأيهما الأخص الأضيق: العقيدة أم الدين؟

بداية لا يُقاس الدين ولا العقيدة الدينية بمعيار المنطق، وإنما معيار المنطق يجوز أن يفعّل في النتاج لا في الأصول، ويجوز أن يُرى في الوقائع لا في الأطر النظريّة.

وإذا نحن قلنا عقيدة دينية ونسبناها إلى الدين عزّ علينا أن نجرّدها من شعور القداسة، ويبقى معناها لازماً فيما يشتمل عليه وجدان المفكر في العصر الحديث؛ فهي من ثمَّ طريقة حياة لا طريق فكر ولا طريقة منطق ولا طريقة دراسة.

لا معنى للعقيدة الدينية عندنا إذا كان قصاراها هو ما تشتمل عليه الأوراق والمجلدات والمتاحف والمحفورات، ولا معنى لها عندنا اذا كان قصاراها أيضاً إقامة مجموعة دراسات نظريّة وفلسفات تمس الأطر الخارجة ولا تمس بواطن الأمور وجواهر الأشياء، وإنمّا معناها الحقيقي حاجة النفس كما يحسُّها من أحاط بتلك الدراسات، ومن فرغ من العلم والمنطق والمراجعة ليرقب مكان العقيدة من قرارة ضميره.

معناها بهذا المعنى تحقّق "الإيمان" في مسارب الفكر وخلجات الضمير.

يلزم عن هذا (من جهة المنطق) أن تتاح الحرية للعقيدة، ويتاح لها في الوقت نفسه الاستقامة، فلا شيء يقدح في العقائد غير نزع الحريات، ولا شيء يصيبها بالجدب والتجديف غير غيبة الاستقامة الصادرة رأساً عن الحرية، فالعلاقة أسمى ما تكون وأوثق ما تكون بين الحرية والاستقامة.

***

بقلم: د. مجدي إبراهيم

شيلر وكانط: كان شيلر معارضا لكانط في مقولته (نظرية المعرفة هي النظريات الاساسية الاولى القبلية) في وقت تساءل الكانطيون باستياء (كيف يمكن ثمة شيء معطى؟). ويسقط شيلر في مثالية ابتذالية اكثر من ميتافيزيقا كانط قوله (نظرية المعرفة هي جزء من العلاقات الموضوعية القائمة بين الماهيات). نقلا عن كتاب زكريا ابراهيم المصدر.

تعقيب نقدي

- كانط في اشهر مؤلف له بتاريخ الفلسفة " نقد العقل المحض" كان ميتافيزيقيا حاول مداراة نزعته المثالية في كتابة مؤلفه باسلوب لغوي معقد للتمويه عن خلطه الواقع العيني بالفكر التجريدي. وخلط العقل التجريدي مع العقل البيولوجي. آراء كانط ليست نقدية للعقل كما في عنونة الكتاب.

- نظرية المعرفة الابستمولوجيا ليست معطى فطريا فالنظريات والمعارف والاشياء المادية في شتى صنوفها وتنوعاتها لا تتساقط من السماء كما يسقط المطر. موجودات الوجود ليست معطى طبيعي مجاني بل هي مصنع حيوية المعرفة ودأب متواصل من أجل الحصول عليها بالخبرة العملانية المستمدة من واقع وتجارب الحياة. المعرفة نظريات من/عن واقع تطبيقي تجريبي مكتسب كخبرة مدّخرة بالذات.

- المعرفة مكتسبة وليست فطرية كمعطى مجاني كما هي الطبيعة في تنوع كائناتها وموجوداتها. ولا يوجد معرفة قبلية سابقة على معرفة بعدية كما ذهب كانط. فالمعرفة لا زمانية فهي ليست قبلية من الماضي ولا بعدية تنبؤية مستقبلية. نعم خاصية المعرفة الجوهرية انها تراكم خبرة كيفية لكنها ليست محكومة بالزمن.

- لا توجد علاقات (بينية) تلتقي وتتواصل بها الماهيات كما يعبّر عن ذلك شيلر. الجواهر او الماهيات مستقلة موضوعيا في تبعيتها استقلالية الموضوعات وتناثرها ولا تنتظم الماهيات علاقات بينية ادراكية حسية ولا عقلية. كما وليست الماهيات موضوعات للعقل ولا للحدس. ولا تخضع استقلاليتها الموضوعية الافتراضية لأية علاقات تواصلية مع غيرها من الماهيات لا في تخارج معرفي ولا في تكامل صفاتي ولا في جوهر خالص. الماهية جوهر انفرادي مستقل بذاته مدّخر استبطانيا في موجودات الطبيعة وعالمنا الخارجي.

كانط وخلطه الواقع بالتنظير المجرد

مقولة كانط " تلقائية الفكر" مقولة ابتذالية مثالية. فالفكر محكوم بوعي عقلي واقعي موضوعي يلجمه ان يكون سائبا. وليس الفكر تداعيات تلقائية غير منضبطة تحكمها التوقعات منفصلة عن الواقع بعلاقة الصدف الغفل ممثلة بمواضيع غير متوقعة لم يسبق التفكير بها بخزين الخبرة المعرفية المدّخرة بالذات.

ويكمل كانط تناقضه الفاضح قوله" كل علاقة يقصد العلاقة بين الماهيات والاشياء وهي علاقة وهمية غير موجودة علما انه من الخلط الفلسفي المعيب لفيلسوف كبير مثل كانط عدم التفريق بين الشيء كموجود يدركه الحس والعقل وبين الماهية كجوهر دفين وراء الصفات الخارجية للاشياء. والجوهر ليس موضوعا يدركه العقل بخلاف الاشياء فهي موضوعات للادراك الخارجي الحسي والعقلي.

ويكمل كانط تناقضه الفلسفي قائلا: "كل علاقة بين الماهيات والاشياء هي من خلق الذهن" لا يوجد دالة فلسفية تذهب هذا المنحى ان الذهن المجرد يخلق علاقات بينية واقعية بين الماهيات والاشياء. الذهن جوهر تفكيري لا يخلق الاشياء المادية بل يخلق التصورات الذهنية التجريدية. ويكون تخليق الذهن للتصورات فكر تجريدي ولا يكون هذا التخليق المزعوم من "خلق العقل العملي" على حد تعبير كانط الخاطئ.

ماهية الشيء هي كينونته الموجودية الواحدة التي لا يمكنها الانفصال عن الصفات الخارجية للاشياء. لذلك لا يلزم ان توجد علاقات تنظم الماهية مع الشيء فهما كيان موجودي واحد قائم بذاته.

ثم والاهم ليس هناك من علاقة خارجية تصل الماهية بالاشياء الاخرى. الجوهر او الماهية لها علاقة احادية واحدة انها جوهر لصفات الشيء الخارجية ضمن كينونة واحدة مستقلة تماما.

كل شيء هو كينونة موجودية تتالف من جوهر دفين وصفات خارجية واحيانا كما عند الحيوان تكون الصفات الخارجية هي الماهية او الجوهر للحيوان. اي ان الحيوان بلا جوهر او ماهية هي غير الصفات الخارجية له..

يقع الدكتور زكريا ابراهيم في إلتباس تخطئة كانط قوله " الواقع ليس هناك ثمة ذهن يستطيع كما يقول فيلسوفنا كانط ان يفرض قوانينه على قوانين الطبيعة" ص379 المصدر.

المنطق الفلسفي يذهب بنا ان تعبير كانط الذهن لا يستطيع فرض قوانينه على قوانين الطبيعة بديهة معرفية صائبة صحيحة. لكن الالتباس الحاصل يقوم على تساؤلنا هل ملكة الذهن التفكيرية بمقدورها ومستطاعها اختراع قوانين خاصة بها؟ يتمكن الذهن بها من مقارعة قوانين الطبيعة في اعجازها النظامي المعجز الثابت؟ نسبية تخليق الذهن للتصورات الخيالية تعجز المساس بمطلق قوانين الطبيعة الواقعية الثابتة.

الخطا الذي وقع فيه كانط واشار له دكتور زكريا ابراهيم ووقع به ايضا سائر القائلين بالمذهب العقلاني الكانطي انما كان في خلط كانط واشياعه بين ما هو اولي قبلي – يقصد الحدسي الفطري الغريزي غير المكتسب -  وبين ما هو عقلي مدرك. ثم اذا ماكان هناك نظاما قبليا يحكمنا كخبرة معرفية فانما يكون هو منطق القلب الايماني وليس منطق العقل الادراكي كما يذهب باسكال في تغليبه مقولات اللاهوت على منطق العقل وهو مبدأ قديم رافق نشوء الاديان التوحيدية. وكان سبقه بهذا المنحى الايماني القلبي فيلسوف الوجودية الدنماركي سورين كيركجورد الذي قال في تعطيله العقل الايماني أنه على الانسان كي يكون مؤمنا عليه القفز بفضاء المطلق الميتافيزيقي اللامتناهي بما يمليه عليه ايمان القلب وليس بما يشكك به العقل.

شيلر ومبحث القيم (الاكسيولوجيا)

في الوقت الذي يذهب له غالبية الفلاسفة الى ان مبحث القيم (الاكسيولوجيا) بالفلسفة وفي غالبية الادبيات الانسانية الطبيعية هي نسبية وليست مطلقة نجد ماكس شيلر وهو احد تلامذة هيجل الذين انشقوا وخرجوا على غالبية طروحاته الفلسفية التي كانت مهيمنة تماما على المانيا والقارة الاوربية بالقرن الثامن عشر يؤكد القيم مطلقة وليست نسبية وهي مقولة رغم ايحاء الخطأ بها في خروجها على السائد المالوف الا انها صحيحة ضمن اشتراطات ان القيم التي تتسم بالثبات تعتبر مطلقة. والقيم التي تمتاز بقابلية التحولات والتغيير الدائم المستمر تعتبر نسبية. لذا يكون توصيف شيلر صحيحا منقوصا فالقيم فيها النسبي المتغير وفيها المطلق الثابت.

حسب مفهوم شيلر القيم مطلقة بمعنى مضمونها لا يمثل علاقة ما من العلاقات الخارجية مع غيرها وهاجم شيلر نسبية القيم وارجعها جميعها الى الذات. الحقيقة التي يصاحبها الشك ان القيم ليست مطلقة جميعها ولا نسبية ايضا انها مركب قائم بين النسبية والمطلق وهي جميعها مركزيتها الذات كما ذهب شيلر. ينظر توضيح اكثر ص 377 المصدر.

يرى شيلر نسبية الاخلاق تتغيّر من دون المساس بكيانها أي أذى. هذا كلام متعثر غائم غير موزون بمنطق فلسفي. في غموض العبارة نجد وهو تحليلنا الخاص أن شيلر أراد القول أن هناك ثوابت أخلاقية وقيم ثابتة راسخة في الوعي الجمعي ليس من المتاح المساس بها وتغييرها رغم عدم اغفالنا ان بعض تلك القيم نسبية تتقبل التغيير. لذا يصفها شيلر مطلقة مجازا بمعنى التغيير الذي يطالها ولا يمس جواهرها او ماهياتها الثابتة. القيم بضوء ما ذكرناه هي تناوب يجمع بين النسبية والمطلق.

شيلر الارادة والقيم

لا ينسب شيلر للارادة أي دور اخلاقي قيمي ويراها ملكة عمياء. وبهذا يكون شيلر مناوئا شرسا لكل من كانط وشوبنهاور. وقريبا من سقراط الذي يرى الارادة تقوم على معرفة سابقة بالخير. وشيلر ذو نزعة لاعقلانية من الاخلاق. ص 379 المصدر

ما نود التعقيب عليه حول هذه الجزئية لشيلر انه من البديهي الاستنتاج بانه فيلسوف ذو نزعة مثالية غير مادية لا تؤمن بالعقل ولا بوجود العالم الخارجي خارج التصورات الذهنية. شيلر يؤمن أن الاخلاق والقيم عامة هي معطى قبلي وليس خبرة بعدية مكتسبة بالممارسة والسلوك والتعامل ضمن مجتمع يحتوي الفرد والافراد. والارادة بخلاف شيلر هي فعل الوعي القصدي الهادف في تنظيم علاقته مع موجودات العالم الخارجي. شيلر الذي يصف الارادة عمياء بالنسبة لعلاقتها بالقيم يتغاضى عن الحقيقة الموضوعية ان الارادة هي القرار العقلي غير القبلي المعطى مجانا للذات والارادة حرّة في ذاتيتها ومسلوبة ناقصة في وصاية الوعي الجمعي وسلطة القانون.. والارادة هي القرار القصدي الهادف في الحكم البعدي واقعيا على القيم الاخلاقية عامة.

 في جزئية اخرى اجد شيلر يكرر بديهة فلسفية معرفية في مقولته المنقولة عن المصدر زكريا ابراهيم (لا معقولية الماهيات الاكسيولوجية). والحقيقة ان مبحث الماهيات الموزعة في غالبية موجودات الطبيعة والعالم الخارجي والحياة هي ماهيات لاعقلانية لا يدركها العقل. حتى في افتراض وجود الماهية في الموجودات التي ندركها كموضوعات مادية يكون البحث عن الماهيات عمل عقلاني لا جدوى منه كما حذّر منه كانط. فما بالك اذا ما بحثنا عن الماهيات في القيم والاخلاق وهي ماهيات مطلقة كما يصفها شيلر. بالتاكيد سيكون بحثنا عن الماهيات لا عقلانيا لانه غير مجد (ي) يقع في مباحث الميتافيزيقا. عليه فالماهيات في اكسيولوجيا القيم غير موجودة بالاشياء كجواهر دفينة مدّخرة لا عقلانية ادراكيا. القيم هي ماهية تتراكب من نسبي ومطلق متداخلين قبل ان ينتج عنهما ارادة سلوك انفعالي في ممارسة الحياة. فمثلا من المتعذر جدا النجاح في فصل ماهية الخير عن فعل الخير بذاته كجوهر سلوكي قيمي.

ماكس شيلر والشخص

يذهب شيلر الى ان الشخص "وحدة وجود عينية لبعض الافعال" على شرط حسب اشتراطه ان لا ننظر الى هذه الافعال على انها مجرد موضوعات، فالشخص لا يوجد على وجه التحديد الا من خلال عملية القيام بافعاله.

ويؤكد شيلر الشخص موجود في كليّة افعاله وليس في كينونته البايولوجية. وهو مندمج تماما في افعاله ويتغير بتغير افعاله. ومع ذلك يجد شيلر ان افعال الشخص لا تستوعبه كشخص تماما. ويذهب ان الروح هي الدائرة الكاملة للافعال. والشخص روحاني بحكم ماهيته. " عن المصدر ص380".

في تعقيب مقتضب عن مفهوم الشخص بضوء ما جاء به ماكس شيلر أجد:

- ماهية الشخص ليست روحانية فقط بل هي تصنيع ذاتي مادي ومعنوي نفسي غير ميتافيزيقي. الماهية الشخصية نتاج عملية تخليق ذاتي يقوم بها الفرد. وتتجلى هذه الماهية الشخصية في الارادة والسلوك وردود الافعال ومواقفه التي يتخذها الفرد تجاه ما يعتريه ويواجهه من مظاهر الحياة.

- شيلر بالوقت الذي يرى الشخص هو مجموع كليّة افعاله لكن سرعان ما يستثني بقوله الفعل لا يستوعب الشخص تماما. لانه ماهية روحانية مطلقة تمثل دائرة كاملة في كل افعاله. ونجد من الطبيعي ان لا تستوعب الافعال كيان "الشخصية الفردية" تماما. والشخص حسب شيلر ماهية روحانية مطلقة لا تستوعبها الافعال. وهو خطأ سبق لنا توضيحه في اسطر سابقة فماهية الشخص كما ذكرنا هي تصنيع مادي لهوية شخصية خاصة بفرد. وقول شيلر الشخص يتغير ناتج اندماجه في كليّة افعاله. لكن مع هذا وهو رأينا الشخصي يبقى مع هذا التغيير يمتلك ماهية جوهرية هي هويته الشخصية الانفرادية المميزة ضمن تنوع مجتمعي لا حصرله.

- شيلر يخلط بين كينونة الانسان في كليّة افعاله وبين ماهيته التي يختزلها شيلر انها ماهية روحانية. الماهية ليست جوهرا متقولبا في بعد انساني واحد هو الروحانية. الماهية تصنيع ذاتي للشخصية متعددة الابعاد فهي ماهية ميتافيزيقية وماهية مادية وماهية زمانية وماهية عقلية ادراكية وماهية لغوية ناطقة وهكذا. الماهية الفردية جوانب متعددة في الشخصية هوية تلعب غرائز الجسم دورا في تشكيلها كما هي ماهية واقعية وليست مجرد تنظيرات توصيفية لا نصيب لها من فعل التطبيق. ماهية الانسان تختلف 180 درجة عن جميع الماهيات في الاشياء والموجودات.

شيلر والذات

يدين شيلر خطأ الناس اعتبارهم الانسان يدرك نفسه قبل ادراكه الاخرين، ولكن الواقع والكلام له أن الانا ليست حقيقة اولية سابقة على ما عداها. بل هي حقيقة متأخرة لا تجيء الا من مرحلة اولية تكون فيها الادراكات الحسية الموجودة لدينا بمثابة مجرى مختلط من الخبرات النفسية غير المتمايزة. المصدر ص383

الذات او الانا مشروع بناء يبدأ بالطفولة وينتهي بالشيخوخة والموت. ومع خطا الناس الذي يستنكره شيلر اقول الذات اولا ومن ثم الاخرين. الذات مشروع بناء تنمية انفرادية في اكتسابها الوعي باناها ضمن مجتمع.الذات استعداد فطري لبناء شخصية بالمغايرة مع كل شيء يحيطها.

وما لم تدرك الذات اناها الانفرادية تكون واقعا لم يكتمل اكتسابها الخبرة الكافية في النضج الكامل حين تجد وجودها متحققا بالجماعة في المغايرة وليس بالاندماج الكلي والذوبان في الوعي الجمعي.

بناء الذات لاناها الانفرادية لا يتم في مجهود ذاتي وهو محال. الذات لا تدرك اناها وجودا متحققا بوعي ناضج ما لم تكن انا متمايزة عن غيرها يحتويها مجتمع. الذات والمجتمع جوهران مطلقان لا يدركهما العقل الا ضمن علاقات تواصلية متداخلة بين عالم الذات وعالم المجتمع المتعالقين بوحدة عضوية تجانسية.. الذات حاصل بناء لمجموعة الظروف الكلية التي تصنع فردانيتها في تصنيعها لمجتمع.

الذات ليست حقيقة اولية كما ذكر شيلر الا من خلال التنمية والبناء المجتمعي لكليهما معا في علاقة عضوية تجانسية يجمعهما النوع. لا توجد انا سوية تجد قيمتها الانفرادية بمعزل عن وعيها الايجابي الفاعل انها فرد ضمن مجتمع يحتويها بالمجانسة. ودليل ذلك استشهادنا بقول شيلر" اننا لو عدنا الى الطفل او الى الرجل البدائي لاستطعنا التحقق ان الحياة الشخصية لدى كل منهما ليس حقيقة اولية – يقصد اولوية على بعدية المجتمع – فالانسان يحيا اساسا وباديء ذي بدء في الاخرين لا في ذاته وهو يحيا بالجماعة اكثر مما يحيا في فرديته الخاصة " المصدر ص 384

خلاصة الاقتباس على لسان شيلر ان الانسان كائن اجتماعي بالفطرة. ولا تنبني وتتعزز ذاتيته الا ضمن مجتمع متجانس بالنوع مختلف ومتمايز بالمغايرة المجتمعية كافراد.

الذات والاغتراب

الذات السوية مبدأ ورسالة بالحياة تغترب عن المجتمع بانعزالية تمثل وعيا متقدما عليه. هي على خلاف التصور الخاطيء الذي يرى فيها انفصامية مرضية وفي حقيقتها هي اكثر الذوات التصاقا متاثرا بهموم مجتمعيتها. اغتراب الذات عن مجتمعيتها هو توكيد وعي متقدم تمتلكه نخبة او افراد عن مجتمع فاقد لحضوره الحقيقي غير الاستهلاكي الذي استنفده روتين الحياة الموزع بين العمل والاكل والنوم والجماع الجنسي واشباع حاجات بيولوجيا وغرائز الجسد..

عندما نجد الكثرة من العباقرة والافذاذ بذكائهم يؤثرون الانعزال عن مجتمعاتهم يوصمون انهم مرضى يجب تخليصهم من عزلتهم وشفاؤهم من مرضهم. لكن فيما بعد تتضح الحقيقة ان هذه الانعزالية الاغترابية تمثل الصحة الذاتية في مجتمع مريض. وان هؤلاء الانعزاليون يمثلون نخبة وعي مجتمعي متقدم برؤاه ورسالته بالحياة. (لمن يرغب التعمق بموضوع اغتراب الذات احيله الى كتابي فلسفة الاغتراب ثلاث طبعات).

علي محمد اليوسف

***

علي محمد اليوسف – باحث فلسفي

............................

المصدر: د. زكريا ابراهيم /دراسات في الفلسفة المعاصرة

نظرية الاستبطان: نظرية الاستبطان في علم النفس التي انكرها علم النفس التجريبي تجد في الخبرة المعاشة المكتسبة عن العالم الخارجي والمحيط والحياة التي تحوزها الذات هي معرفة واعية بحد ذاتها. هذا يقودنا الى الاقرار صاغرين ان الذات لا تدرك الاشياء التي لم يكن لها فكرة مسبقة عنها. وهو ماعبّر عنه هوسرل بالوعي القصدي للذات في حمولته هدفه معه قبل ادراكه لموضوعه. هذا يترتب عليه انه لاوعي بالأشياء بلا خبرة مسبقة عنها كموضوعات يدركها العقل. لكن كيف يتخلص الوعي من مأزق تعامله مع المواضيع الغفل التي تصادفه بالحياة ولم يكن يمتلك خبرة مخزّنة عنه.؟

العبارة صحيحة حول نظرية الاستبطان المعرفي او الخبرة المدّخرة بالذات. وهنا نتوقف امام منحيين في تجليّات الوعي كمظهرين. بالمناسبة من وجهة نظري لا يوجد غير وعي واحد مصدره العقل وهو خاصية الذات المدركة للأشياء.

الوعي هو وعي الذات لنفسها بالمغايرة الموجودية وكذلك وعيها انها تمثل الخاصية الجوهرية الادراكية للعقل في تعاملها مع موجودات العالم الخارجي. وحين تكون الخبرة المكتسبة خزين وعي الذات عن العالم الخارجي تكون فعلا معرفة بحد ذاتها.

اشكالية نظرية الاستبطان وعلاقتها بالوعي كنت تناولتها نقديا في غير هذا المقال. فهي تقّسم الجسد قسمين بالنسبة لعلاقته بالعقل وأيهما يقود الاخر هل العقل يقود الجسم أم الغرائز الفطرية هي التي تقود العقل نحو الاستجابة لاشباعها؟

القسم الاول هو علاقة الجسم بالعالم الخارجي المتمثّل بالموجودات والاشياء في الطبيعة وفي العالم الخارجي عامة. وهذه العلاقة يقوم بتنفيذها الوعي بعملية تخارج معرفي بين الذات ومدركاتها. اما القسم الثاني من الجسم فهو بنك (مصرف) المعرفة الواعية المدخرة التي تمثل الاحاسيس الغريزية التي ترسلها اجهزة الجسم الداخلية لغرض اشباعها وهو اشباعات بيولوجية يحتاجها الجسم كي يبقى حيا. مثل الشعور بالعطش والجوع والاحساس بالالم والحزن والفرح والسعادة ورغبة الجماع الجنسي. من الجدير الاشارة له ان القديس اوغسطين توهم قائلا ان الحقيقة موطنها العالم الداخلي للانسان وانكرها عليه ميرلوبونتي مؤكدا ان الحقيقة لا تقع في داخل الانسان الباطني. كما وانكر ميرلوبونتي وجود عالم خارجي للجسد (كائنات الطبيعة وموجودات العالم الخارجي من الاشياء) وعالم باطني (الاحاسيس والغرائز الفطرية والمكتسبة) وهي رغم انكار ميرلوبونتي لها فهي اشباعات غرائزية فطرية اشباعية موطنها عالم الانسان الباطن ودورها فاعل واكثر اهمية من تنظيم علاقة العقل بعالم الانسان الخارجي.

الخيال والوعي

الخيال الذي لا يخضع لا للحس ولا للحدس ولا للوجدانيات ولا للقيم (الاكسيولوجيا) ولا للمدركات العقلية ولا تداولية اللغة يكون معطّلا في التوصّل لحقيقة الشيء او وجوده حتى لو كان متخيّلا عقليا في الذهن فقط،. فالخيال لا يمنح وجود الشيء او الاشياء كمتعينات مادية او تخييلية وجودها التجريدي من غير تشيؤها ذهنيا على شكل صور تمثّلية ومن ثم لغويا في حال الحاجة التعبير عنها كمواضيع للفكر، ومن غير التفكير بالوجود باللغة الصامتة عقليا، او المنطوقة الصائتة كلاما شفاهيا او مكتوبا او تصويريا، يكون الواقع الخارجي عدما والتفكير به معدوما تماما، ويصبح الوجود باكمله غير فاعل ولا موجود في استقلاله الخارجي عنا.

عندما ننصرف عنه واقعيا ومحاولتنا التفكير به وادراكه خياليا في غير قدرة وتعطيل الخيال على تجسيده كمتعين ذهني(لغويا) على الاقل يستطيع الاخرون فهمه كموضوع او كوجود قابل ان يكون في بعضه او في جله واقعا، وكون الشيء غير متحقق الوجود لا عقليا ولا متعينا ذهنيا كموضوع معبّر عنه لغويا او بأية واسطة أخرى تواصلية يعني ذلك عدم ادراك الوجود حقيقة، حتى لو كان ذلك الوجود متعينا ماديا بالنسبة لغير الذات المفكرة به من قبل الاخرين....

الخيال مجرد لوحده يفتقد فاعلية الادراك العقلي للموضوع ولوجود الاشياء ما لم يكن مزوّدا بمدركات قبلية مخزّنة بالذاكرة تجريبية اوحسّية مادية او حتى فطرية غرائزية على الاقل عن الموضوع المفكّر به خياليا تحت رقابة العقل ووصايته على الخيال، ومن دون رقابة العقل على تخيّلاتنا، تكون تلك التخيلات هلوسة هذيانية لا اكثر سواء في صمتها او اصواتها الهستيرية الغاضبة غير المفهومة.

فمن المتعذّر ان يفكر الانسان العاقل خياليا في شيء غير متعين ذهنيا في تفكيره، حتى لو كان وجود ذلك الشيء ماديا واقعيا في الخارج، فما لا يدركه فرد يدركه اخر آو اخرين في الواقع. لذا اجد ان مقولة ديكارت كما اطلقها وجرى تداولها فلسفيا اكثر مقبولية منطقية قبل اضافة هوسرل (انا افكر (في شيء مقصود)... اذن انا موجود) لان ما اراده ديكارت يعني ضمنا حاجة الفكر لمادة يفكّر بها، معزولة ومفصولة عنه وهو ما لا يقّر به هوسرل فعنده الذات هي الموضوع في تلاحمهما واندماجهما ومن الخطأ الفصل بينهما.

 ديكارت جعل اثبات الوجود الإنساني انطولوجيا في القدرة على التفكير تجريديا ذهنيا، ولم يقل ان وجود الأشياء المادية فقط تمنحنا وعي الذات كتفكير، ووعينا الاشياء المادية هو في وجودها المستقل المحايث لوعينا الذاتي. ثم وهو الأهم فان هوسرل فهم التفكير الخيالي الذهني في ادانته له انه لا يمنحنا الوجود الواقعي، وهو خطأ كبير لا يقع به حتى غير الفيلسوف، فالخيال السوي العقلاني غير المريض هو قوة مادية ليست قليلة الأهمية عن التفكير الواقعي او التجريبي، وخير مثال انه لولا الخيال لما كنا نعرف أهمية الفنون التشكيلية بكل تنوعاتها التي يبتدعها مخيال الانسان على امتداد العصور، كما لولا الخيال المنتج لما تحقق للإنسان الطيران ولا النزول على سطح القمر وهكذا بما لا يعد او يحصى في ابداعات ما يطلق عليه اليوم الخيال العلمي.

ان في عدم حضور موضوع او شيء متعيّن مدرك حسّيا تجريبيا او عقلانيا امام الانسان المفكّر يعني استحالة الوعي الادراكي بالموجودات والاشياء واقعيا ولا تنعدم معها ادراكه خياليا تجريديا محضا، وفي عدم وجود الاشياء من حولنا حسيا ولا خياليا يعني استحالة وانتفاء (التفكير) بها، او الحاجة للتفكير بها ايضا. وهذا يسقط اشتراط هوسرل انه لا وجود لموضوع او مادة خارج احساساتنا بها وادراكنا لها. فمثلا هل من الصحيح ان ننكر وجود منضدة في غرفة لا نحس بوجودها نحن في مكان وزمان معينين؟!

وجود الشيء ماديا لا يحدده عدم الادراك به من قبل شخص واحد او ملايين الاشخاص، فالطبيعة وكل ما يحيط بنا موجودة مستقلة ماديا بمعزل عن وعينا وادراكاتنا ورغائبنا. وقوانين الطبيعة موجودة ولا تشتغل على وفق رغبات الانسان واهوائه. ولا يبطل وجود او فاعلية تلك القوانين لمجرد عدم معرفتنا وادراكنا لها. وميزة الانسان انه يكتشف تلك القوانين باستمرار ويعمل على تطويعها لمصالحه ولا يكون لأدراك تلك القوانين الطبيعية من قبلنا سببا في وجودها او محاولة الغائها وهي تعمل شاء الانسان اكتشافها أم لا، او سعى لفك شفراتها العاملة لصالحه أم لا.

ان في تأكيد هوسرل ان الذات المفكّرة لا تنفصل عن موضوعها، وان كل مالا ندركه ليس له وجودا، خطأ جوهري كبير. عدم انفصال الذات عن الموضوع كما يريده هوسرل يعني استحالة الوعي العقلي والاحساس بالأشياء، وبالتالي استحالة تفكيرية ايضا في محاولة ادراك الشيء حسيا او تخييليا. الموضوع او الشيء المراد ادراكه والتفكير به يحتاج الى مسافة رصد ومعاينة منفصلة من قبل الذات لتحقيق الوعي به ومن ثم التفكير به. وفي حال اندماج الذات بالموضوع وتلاحمهما من غير مسافة رصد بينهما يكون فقط في استحالة معرفة الشيء ووجوده والتفكير به.

فكيف للذات ان تفكر في وعي ذاتها والتفكير في وعي الاشياء من حولها وهما كليهما في حالة اندماج وتناوب وظيفي في احلال احدهما محل الآخر او في اندماجهما معا في التفكير الواحد او المتباين باختلاف الموضوع . ان الذات تكون مرة ذاتا تعي وتدرك ذاتها، واخرى تعي وتدرك موضوعاتها في وقت واحد ليس تراتيبيا في الاسبقية، بمعنى وعي الذات تتداخل في وعي موضوعاتها معا في وقت ولحظة واحدة، وتختلف الذات عن موضوعها في كيفية الادراك المتبادل بينهما، وهذا يوجب علينا تفريق الذات عن الموضوع وليس كما يرغب هوسرل. (انه لا معنى في تفريق الذات وفصلها عن الموضوع.) هذا الافتراض يعدم حقيقة ان العقل والتفكير والحس والخيال والذهن واللغة ادراكنا لها كينونة وجودية واحدة في انسان واحد.

  الموضوع المادي او الشيء المتعين الموجود هو واقع استثارة التفكير به محايث له، ولا تحمل الذات المفكّرة موضوعها معها في الخيال التجريدي غير المفصح عنه فقط. ان التفكير الخيالي لدى الشخص (العاقل) غير المجنون او الانفصامي لا يلغي الوجود المادي للاشياء من حوله ولا المحيط لا برغبته ولا من دونها، والا كان وعي الخيال في لاموضوع او في  شيء متعين وجودا، لا يدركه العقل بتنظيم ذهني أو في خيال منظّم ومنتج معبر عنه لغويا هو واحد ولا فرق بينهما في الحالتين، وهو عبث لا ترجمة واقعية وجودية حقيقية له.

ان نظام التفكير الخيالي المبرج عقليا في ادراك الوجود يلتقي بداهة بالإدراك العقلي التجريبي والعلمي في ادراك ذلك الوجود ايضا. وبخلاف ان لا يكون التفكير الذهني منتظما ومنتجا عندها تنتفي جدوى ادراك الوجود خياليا تجريديا كونه يجتّر التفكير المشتت العقيم بلا ادنى تواصل لا بالموضوع ولا بالمحيط ولا يعتد هنا التعويل في معرفة الوجود الحقيقي بوساطة الخيال التجريدي الصامت المريض في عجزه التواصل مع الاخرين بانتظام لغة التفكير الخيالي المفهومة .

وما يذهب له هوسرل في عبارته: (ان كل ذات مفكّرة او كل حالة تقصد شيئا ما، وان هذا الوعي يحمل في ذاته ذلك الشيء الذي يفكّر به.)  فهذا لا يمنحنا التفكير في الشيء كوجود مستقل عنا في الذهن يرافقنا اينما انتقلنا، وفي هذا الافتراض نخلط بين وجود الشيء ذهنيا في الوعي وبين وجوده ماديا واقعيا بمعزل عن وعينا به او ادراكنا له، ان في اختلاف الوعي للوجود والاشياء حالة واقعية ايجابية لا تكرّس انتفاء الوعي بالمادة والمحيط وما يحتويه من مواضيع لا نهاية لها في اختلاف تفكيركل انسان عن الاخر، وتشكّل باختلافاتها عند الانسان حيثيات استثارة العقل على التفكير. وفي اهمية فصل الذات الادراكية المفكرة عن موضوعها، هو الذي يمنح الذات حضورها وقابليتها على الادراك والوعي والتفكير واثبات الوجود الفاعل للذات والشيء معا.

ان الموضوع او الشيء الموجود يبقى استثارة واقعية لجدوى التفكير به، وفي قصدية الحاجة الى التفكير لمعرفة ومحاولة تفسير وفهم الاشياء. ان وعي الموضوع هو وعي الذات لملكاتها الحسية والعقلية والخيالية المنتجة تواصليا. ان وعي الذات للاشياء يتم في حضورها بالذهن سواء اكانت موجودات واقعية يمكن الإحساس بها وادراكها عقليا، او موضوعات يتخيّلها الذهن أوالادراك العقلي. وهذا يؤكد بديهية اشتراك العقل والخيال في ادراك الوجود كلا بطريقته الخاصة واسلوبه المميز.

وحتى بعد غياب الموضوع المفكّر به، او تغييبنا له كوجود واقعي فانه يبقى يمثّل لنا استثارة واقعية للتفكيربه من أناس اخرين غيرنا، واهمية ما نفكر به ايضا، وان وجود الشيء خارج ادراك الحواس والعقل المفكّر يعني حسب هوسرل (لا وجود له ولا اهمية له ان يكون مادة او موضوعا مفكّرا به) . غير صحيحة ابدا في محاكمتنا ان الاشياء لا توجد حسب رغباتنا، او اهمية الوعي بها وادراكنا لها او عدم ادراكنا لها،.

فالطبيعة والاشياء والموجودات جميعها موجودة بمعزل عنا وعن اهمية ادراكنا لها او الوعي والتفكير بها أو في عدمه. فوجود الشيء باستقلالية عن الفكر لا يعني انتفاء وجوده اوبطلان الحاجة له كما يرغب هوسرل. وجود الشيء لا تحدده الرغبة الذاتية في اهميته من عدمها. وما يدركه انسان لا يشترط ادراكه من غيره . فمثلا اللون الاحمر يدركه البصير بينما لا يدركه المحروم من نعمة البصر، وفي كلا الحالتين فالأحمر موجود في استقلالية عنا، حتى لو لم يدركه الاثنان البصير والاعمى. فعدم ادراك الشيء لا يلغي وجوده المادي المستقل، والفكر العقلاني او الخيالي لا يخلق وجود الاشياء بمجرد رغبة التفكير بها. ووجود الشيء يسبق اهمية الوعي به وادراكه. وان كل ما لا يدركه انسان لا يلغي عدم وجوده في الواقع او الخيال من قبل مختلف الناس ومستويات وعيهم وتفكيرهم المنوّع في اختياراتهم المتنوعة للمواضيع والاشياء.

كل ما ذكرناه يؤكد اهمية وضرورة فصل الذات عن الموضوع كي تكتسب فعالية التفكير واقعيتها واهميتها وضرورتها، وفي قول هوسرل (التصاق الذات بالموضوع يعطي اهمية التفكير)، منطق  سليم ومشروط اوضحناه في سطور سابقة، فلا يؤخذ به الا في ان يكون للذات وعيها المستقل عن موضوعها وليس في اندماجهما معا كما يذهب له هوسرل.

ان في تغييبنا استقلالية وجود الشيء عن التفكير به، لا يلغي وجوده ولا يلغي اهمية ووجوب التفكير به. وفي غياب الذات لا يغيب الموضوع او الشيء المستقل عن الذات وجودا، كما في غياب الموضوع لا تغيب الذات أيضا، فمثلا غياب الذات المفكّرة عند المجنون او فاقد الوعي او الانفصامي لا يلغي وجود الاشياء ولا الاخرين من حوله؟ حتى لو جرى تغييب الموضوع قسرا واراديا من فرد واحد او عدة افراد، فأن وجود الاشياء خارج مدركاتهم لا ينفي وجودها المادي او الحاجة لها موضوعا تفكيريا لعدد من الناس لا يحصى، وأن تلازم الذات والموضوع لا تحدده الرغبة الذاتية العاقلة والمفكرّة في الاشياء. ونؤكد ان استقلالية الذات وادراكها لنفسها لا يتأتى من غير الوجود المستقل للموضوع عنها، وفي ذلك فقط يكون التفكير بالأشياء ممكنا، وانه لا ذات مفكّرة او واعية بدون موضوع، والمواضيع والاشياء وجود ازلي قائم بذاته سواء تناولها تفكير الانسان ام لم يتناولها الى ما شاء من العصور.

***

علي محمد اليوسف

تمهيد: يشير الآخر إلى الأنا المتغيرة (المتغيرة) نفسها (الأنا) التي تكون متشابهة ومختلفة في نفس الوقت. وهكذا فإن الآخر يشير إلى شخص آخر بطريقة غير متمايزة، إنسان آخر (ولكن ليس الله ولا الحيوان). يمكن طرح عدة أسئلة: ما المكانة التي يحتلها الآخرون لموضوع واعي مثل كل واحد منا؟ هل هو مكان ثانوي كما قد يميل المرء إلى الاعتقاد بشكل عفوي (أنا موجود أولاً وقبل كل شيء لنفسي والآخرين ينجذبون حولي في دوائر قريبة وبعيدة إلى حد ما) أم أنه يشغل هل له مكان أكثر أهمية في بناء الذات؟ هوية؟.

 كيف يمكننا أن نعرف الآخرين عندما نعلم أنه يجب علينا تفسير العلامات التي يظهرونها لنا بناءً على تجربتنا الذاتية؟ ماهي المكانة التي يجب أن ندركها في الآخرين ونعترف بها لهم في المجتمع؟   كيف يمكننا أخيرًا التعرف على الآخرين واحترامهم على حقيقتهم؟

 هذه الأسئلة تجعل من الآخرين مفهومًا يمثل جزءًا من التفكير في الوعي الذاتي أو الأخلاق أو بشكل عام في الحياة في المجتمع.

معرفة الغير

 نحن نعيش مع أشخاص آخرين نعرفهم بشكل أو بآخر. ولكن إلى أي مدى يمكننا أن نعرف الآخرين؟ أليس هناك وهم عندما نعتقد أننا نعرف الآخرين جيدا؟ ألسنا مجبرين دائمًا على تفسير الكلمات والإشارات التي ندركها من خلال تجاربنا الخاصة؟ هذه المسافة التي لا يمكن التغلب عليها بيني وبين الآخرين هي التي أكد عليها ديكارت وباسكال.  بالنسبة لديكارت، يعرف الجميع باطنهم (ما يحدث داخل أنفسنا) على الفور، في حين أننا نعرف الآخرين فقط من خلال القياس (المقارنة). عندما أحزن أبكي وإذا رأيت شخصًا آخر يبكي فأعتقد أنه حزين. لكني لا أستطيع أن أشعر أو أعرف حزنه. وهذا هو الحال بالنسبة لكل شيء موجود في وعي الآخرين والذي يبقى إلى حد كبير بعيد المنال. ومن ثم يُحكم علينا بالبقاء "منغلقين" داخل أنفسنا. هناك مسافة لا يمكن جسرها بين وعيين. بل إن وجود الغير هو ما يدعوه ديكارت إلى التشكيك مؤقتًا في مقاربته للشك المنهجي الذي يكشفه في تأملات ميتافيزيقية. إذا كان هناك استحالة للوصول إلى المعرفة الداخلية للآخرين، فلا يمكن للإنسان أن يعرف سوى وجوده: لا يوجد دليل أو فهم مباشر للذات أو وعي الآخرين. ويأخذ ديكارت موقف الانسان الذي يشاهد المارة وهم يسيرون في الشارع من نافذته، كيف يمكن أن يتأكد من أن هذه الكائنات مثله هم بشر لهم وعي لأننا يمكننا بنفس السهولة أن نتخيل أنه لا يتكون إلا من عارضات أزياء في الاستعراض (أو الروبوتات التي يمكن أن نقولها هذه الأيام). ثم ينتهي بنا الأمر إلى شكل من أشكال الذاتوية، حيث يكون الإنسان متأكدًا فقط من وجوده. ومع ذلك، يدرك ديكارت بعد ذلك أن هناك ذوات تفكير أخرى. في الواقع، إذا لم أتمكن من فهم وجودهم على الفور، فإن الأدلة غير المباشرة تظهر لي أنهم ليسوا عارضات أزياء متحركة، بل هم أشخاص يفكرون منذ اللحظة التي يمكننا فيها تبادل الكلمات. وفي هذا الصدد لا بد من التأكيد على أهمية اللغة الإنسانية كوسيلة لتجاوز المسافة التي تفصل بين الوعي ومعرفة الآخرين. ولكن هنا مرة أخرى، ليس من المؤكد دائمًا أننا نفهم بعضنا البعض بشكل مثالي حتى لو استخدمنا نفس الكلمات لأن الجميع يفسرونها من تجربتهم الخاصة. وهكذا يظل الآخر بالنسبة للذات آخرًا بمعناه الجذري، أي كائنًا لا يمكن اختزاله في الذات. هذه الغرابة هي التي نجدها أحيانًا حتى في الأشخاص الذين نعرفهم كثيرًا ولهذا السبب كثيرًا ما نسألهم: "فيم تفكر؟" مع العلم مسبقًا بمن سنعرف فقط ما يريد الآخر أن يكشفه لنا.

تطور الوعي

 إن الاعتقاد بأننا وحدنا في العالم وأن الآخرين خارجيون، وأننا نحتل المرتبة الثانية فقط، يمكن أن يتبين أيضًا أنه مجرد وهم. نحن نعلم أن الإنسان يحتاج إلى الآخرين لكي ينمي جميع قدراته حقًا. أظهرت حالات الأطفال الذين تم التخلي عنهم وتركهم دون اتصال مع الآخرين بوضوح أهمية الآخرين (رواية الطفل البري لتروفو استنادًا إلى قصة حقيقية). نحن "نحن الآخرون"، نحن الآخرون الذين استوعبناهم منذ الطفولة المبكرة منذ أن تعلمنا اللغة ومن خلالها جميع عناصر الثقافة. وبدون هذه التنشئة الاجتماعية، لن يكون الإنسان إنسانيا.  من الناحية البيولوجية، فإن دماغ الرضيع ليس مكتملاً عند الولادة، وبالتالي فمن خلال التبادلات التي يقوم بها الفرد مع من حوله سيكون قادراً على التطور "بشكل طبيعي". يصبح الإنسان إنسانًا فقط من خلال الاتصال بالغير. لا يمكنه أيضًا تحقيق الوعي الذاتي بدون الآخرين لأننا نحدد أنفسنا فقط من خلال المعارضة والتباين، كما أن الآخرين هم الذين يلعبون دور المرآة التي تسمح لنا بأن نصبح أكثر وعيًا بأنفسنا. وفي هذا السياق، كتب سارتر: "الآخرون هم الوسيط الذي لا غنى عنه في النفس و بالنفس".  البعض الآخر ضروري ليصبح إنسانًا كاملاً وإدراكًا لذاته. مما لا شك فيه أن أهمية الآخرين هي التي تجعل علاقاتنا متضاربة في كثير من الأحيان.

النضال من أجل الاعتراف

 يؤكد هيجل (1770-1831) على الصراع وصراع اشكال الوعي من أجل الاعتراف. في الواقع، نظرة الآخرين تحولني إلى "شيء". تحت أنظار الآخرين، أنا مجرد شيء واحد من بين أشياء هذا العالم. سيتعين علي بعد ذلك أن أكتسب في نظر الآخرين مكانة الذات والشخص، مما يعني أنه يمكن الاعتراف بي على قدم المساواة معهم. عندها يبدأ الصراع من أجل الاعتراف، وهو ما يتضح من جدلية السيد والعبد. بالنسبة لوعي السيد، يتحول العبد إلى حالة حيوان (أو أداة). وليس لها قيمة أخرى غير الربح الذي تجلبه. ومع ذلك، من خلال عمله، سيكشف العبد أنه ضروري لوجود السيد الذي ينتهي به الأمر إلى الاعتماد على العبيد. عندما يدرك السيد أنه لا شيء بدون العبد، أو بمعنى آخر أنه عبد لعبده، تنقلب العلاقة، وعندها يمكن للعبد أن يرفض السيد باعتباره مجرد طفيلي، صالح للعبد. - لا شيء، شخص كسول، مستغل يؤدي إلى التمرد. سيكون من الضروري بعد ذلك للسيد، الذي يصبح بدوره عبدًا، أن يثبت قيمته حتى يتم الاعتراف به بدوره بشكل كامل. فقط في نهاية هذا التطور يمكن أن يتم الاعتراف. يمكن توضيح هذا التحليل المفاهيمي لهيجل من خلال مواقف أبسط: يصل مدير جديد إلى الشركة ولا يهتم بالعمال الذين يعتبرهم بيادق يمكن استبدالهم؛ يؤدي هذا السلوك الازدراء إلى الإضراب، ويفهم رئيس العمل أنه لا شيء بدون العمال ويبدأ في أخذهم في الاعتبار بشكل أفضل؛ لكن العمال بدورهم يحتقرون هذا "الصالح مقابل لا شيء" حتى اللحظة التي يدركون فيها أن مديرهم كان قادرًا على الحصول على عقود جيدة للشركة حتى يمكن إنشاء اعتبار متبادل. هناك اعتراف متبادل. وهكذا يُظهر تحليل هيجل أن العلاقات الملموسة مع الآخرين يمكن أن تأخذ جانب الصراع ولكن أيضًا المساعدة المتبادلة والتعاون، ويمكن للآخرين بعد ذلك أن يكونوا عقبة أو حليفًا لحرية كل شخص. هكذا يُظهر هيجل ، في فقرة شهيرة من كتاب فينومينولوجيا الروح، المعروف تقليديًا بـ “جدل السيد والعبد”، أن الآخرين هم في المقام الأول منافسون. لأن "الوعي الذاتي" هو في المقام الأول فردية خالصة، فهو "يستبعد من نفسه كل ما هو آخر: جوهره وموضوعه المطلق هما الذات". المشكلة، كما يوضح هيجل، هي أن الآخر هو أيضًا “وعي ذاتي”: “ينشأ الفرد وجهًا لوجه مع فرد آخر”.في البداية، يتم التعبير عن العلاقة مع الآخرين في شكل مواجهة، لأن الحياة نفسها على المحك؛ ولهذا السبب يتحدث هيجل عن "النضال حتى الموت". الرهان في هذا النضال هو الحرية نفسها: “لا يمكن للمرء أن يحافظ على الحرية إلا من خلال المخاطرة بحياته . من الممكن أن يتم الاعتراف بالفرد الذي لم يضع حياته على المحك كشخص؛ لكنه لم يصل إلى حقيقة هذا الاعتراف كاعتراف بوعي ذاتي مستقل. ومن أجل تحقيق الاعتراف الحقيقي بوعي واحد في مواجهة وعي آخر، من الضروري خوض هذا الصراع حتى الموت. "الرغبة" هي أيضًا أصل هذه المواجهة. تتكون الرغبة من الرغبة في إنكار العالم (والآخر الذي هو جزء منه) من أجل تأكيد الذات. ولذلك فهو يشكل إنكارًا لكل ما ليس هو الذات، وذلك بهدف تأكيد الذات على وجه التحديد. نحن نفهم: هذه الرغبة تتعلق برغبة أخرى. يتصادم ضميران: من ينتصر فهو السيد، ومن يخسر العبد. نحن بالطبع نفكر في ما يحدث في الطبيعة، عندما يتقاتل حيوانان بريان للاستيلاء على منطقة ما، من أجل أن يكونا على قمة التسلسل الهرمي المحدد في المجموعة. في نهاية الصراع، أصبح أحد الفردين (أحد "الوعيين الذاتيين") هو السيد، والآخر العبد؛ فالعبد هو في النهاية من فضل الخضوع حتى الموت. من الأفضل أن تكون عبدًا حيًا من أن تكون سيدًا محرومًا من الحياة، وهو العبد المحكوم عليه.لكن هذا الوضع يؤدي في الواقع إلى طريق مسدود بالنسبة للسيد (الوعي الذاتي السائد): فهو يدرك أخيرًا أن الاعتراف بالعبد (يعترف به على أنه سيد) لا قيمة له: ما هي القيمة الفعلية للاعتراف بالعبد؟ ، من جانب كائن أدنى؟ الاعتراف له قيمة فقط في المساواة: لا يمكن للسيد أن يجد الرضا الحقيقي من الاعتراف بالعبد. عليه أن يعترف، بطريقة ما، بأن وضعه يعتمد على "احترام" الآخر، الذي يُفهم هنا على أنه "اعتراف". لكي يكون الاعتراف بالعبد صحيحا، يجب أن يتوقف عن كونه عبدا. لكي أحترم الآخرين، هل يجب أن أعتبرهم أكثر أهمية من نفسي؟

العلاقة مع الغير

كتب جان بول سارتر: "الجحيم هو الآخرون". ولأنه يحمل وجه الاختلاف، فإن الآخرين بدورهم مخيفون أو مطمعون أو بعيدون المنال أو غيورون أو يُساء فهمهم... لماذا لا نستطيع الاستغناء عنه؟

الآخرون هم أولاً وقبل كل شيء أشخاص مختلفون، سواء كانوا من فئة البانك أو الشايان أو اليابانيين. ولكن إذا كان "الغريب" غير مفهوم بالنسبة لأعضاء المجتمع، فهو أيضًا غير مفهوم بالنسبة له. بعد اكتشاف أمريكا، سعى الإسبان لمعرفة ما إذا كان السكان الأصليين لديهم روح. وفي الوقت نفسه، قام الأخير بتغطيس السجناء البيض للتحقق من أن جثثهم خضعت لنفس عمليات التعفن التي تعرضت لها جثثهم. بهذا المثال، ذكّر كلود ليفي شتراوس بأن “البربري هو أولا وقبل كل شيء الرجل الذي يؤمن بالهمجية" .إذا كان الآخرون مخيفين إلى هذا الحد، فذلك قبل كل شيء لأنهم يظلون غير قابلين للاختزال في المعرفة. نظرًا لأنه لا يقتصر على ما نراه، فذلك لأنه موضوع تفكير، يمكننا أن نفترض منه فقط عن طريق القياس ما نشعر به. لأنه على الرغم من كل التعاطف والتعاطف الممكن، لا شيء يسمح لك بوضع نفسك حقًا مكان صديقك أو أخيك. يبقى الفجيعة والمرض والمعاناة تجارب يجب تجربتها بمفردك.

احترام الغير

 إذا أخذنا مصطلح "الآخر" في جانبه المزدوج لكل من الشخص "المشابه" و"المختلف"، فإننا ندرك أنه في النهاية من الصعب للغاية احترامه لأننا نميل إما إلى تعزيز تشابهه وبالتالي إنكار اختلافه، على بل على العكس من ذلك، مع إبراز اختلافه من خلال إنكار أوجه التشابه فيه.  في الموقف العنصري، على سبيل المثال، نعتبر الأجنبي قبل كل شيء كائنًا مختلفًا، ونبرز الاختلافات إلى درجة أننا لم نعد نرى فيه إنسانًا بل نوعًا من "الحيوان". وقد أكد كلود ليفي شتراوس على هذه الفكرة في كتابه "العرق والتاريخ"، مشيرًا إلى أن الغربيين استخدموا مصطلح "متوحشين" لوصف الشعوب التي اعتبروها غير متحضرة.  وفي الآونة الأخيرة، ارتبط الاستعمار في كثير من الأحيان بالرغبة في الاستيعاب القسري الذي ينكر الاختلافات في الثقافة واللغة. ومن خلال إجبار الآخرين على رفض اختلافاتهم، والتوافق مع طريقة تفكيرهم وحياتهم الخاصة، فإن ذلك أيضًا وسيلة لممارسة العنف ضدهم. لذلك فإن الموقف الأكثر عدالة هو اعتبار أننا جميعًا متشابهون ومختلفون في نفس الوقت. يبدو أن احترام الآخرين هو أحد المبادئ الأولى التي يجب أن نتبعها لكي تكون الحياة في المجتمع ممكنة. نحن نحترم الآخر لأننا ندرك أنه هو الآخر؛ نحن نعتبره متساويًا، على الرغم من أنه ليس نحن (أو ربما، على وجه التحديد، لأنه ليس نحن). ولذلك فإن احترام الآخرين يرتكز، قبل كل شيء، على قبول مبدأ المساواة بين البشر. ونعلم أيضًا أن الآخر له نفس الحقوق التي لنا، وكذلك نفس الواجبات. إن احترام الآخرين يعني أيضًا منحهم مكانة "الشخص"، بمعنى أن مفهوم "الشخص" هو مفهوم قانوني وأخلاقي بطبيعته: فهو موضوع للقانون، ويُعتبر "الشخص" أيضًا متمتعًا بالضمير والضمير سبب. حرة ومسؤولة، فهي قادرة على التعرف على نفسها كممثل وموضوع لأفعالها وقراراتها. وفي هذا السياق، يبدو أن احترام الشخص مقبول عالميًا.

ولكن ماذا يحدث عندما يكون الشخص الذي نعتبره شخصًا، لأنه إنسان، لا يستوفي الشروط التي تجعله، على وجه التحديد، «شخصًا»؟ هل يجب أن نحترم من لا يحترمنا؟ هل هناك حدود لاحترام الآخرين؟ هذا هو السؤال الذي يمكننا أن نطرحه على أنفسنا: هل القاتل أم الإرهابي محترم؟ احترام الآخرين، على هذا النحو، لا يمكن أن يكون "واجبا". يمكننا أن نقدر، بشكل عام، سواء كان ذلك صحيحًا أو خاطئًا، أن بعض الأشخاص محترمون، والبعض الآخر ليسوا كذلك، وفقًا لمعاييرنا. من الممكن أيضًا أن يكون ذلك طوعًا أو لا إراديًا (نفكر في بعض الأفراد الذين يعانون، على سبيل المثال، من إعاقة عقلية، مما يعني أنه لا يمكن اعتبارهم واعين تمامًا أو مسؤولين عن أفعالهم)، يمكننا أن نعتبر أن بعض الأشخاص لا يستحقون الاهتمام. الاحترام الذي نمنحه للآخرين بشكل عام. هل يمكن تبرير هذا؟

احترام الآخرين: مطلب أخلاقي كوني

نجد في معظم الأديان وفي معظم الفلسفات هذه القاعدة الأخلاقية، معبرًا عنها بطرق مختلفة، وتعتبر قاعدة ذهبية: "لا تفعل بغيرك ما لا تريد أن يفعله الآخرون بك". إنه أساس ما نسميه "العالمية الأخلاقية". يخبرنا الرسولان متى ولوقا، في العهد الجديد، أن يسوع يوصينا أن نحب قريبنا كنفسنا. وهكذا، يتم التعبير عن احترام الآخرين وفقًا لقاعدة المعاملة بالمثل، التربوية والسلبية على السواء: فمن خلال وضع أنفسنا في مكان الآخرين نتعلم احترامهم. لكي نفهم أننا يجب أن نحترم الآخرين، يجب أن نعتبرهم كآخرين بأنفسنا. إن شرط وجود قاعدة أخلاقية عالمية، فيما يتعلق بما نسميه "احترام الآخرين"، ذكره كانط (1724-1804)، في شكل "ضرورات قطعية" (أسس ميتافيزيقا الأخلاق، القسم الثاني). نأخذ الصيغتين الرئيسيتين مرة أخرى.

الامر القطعي الكانطي الاول

"تصرف بطريقة تجعلك تعامل الإنسانية، سواء في شخصك أو في شخص الآخرين، دائمًا في نفس الوقت كغاية، وليس أبدًا كمجرد وسيلة." فالإنسان، ككائن عاقل، هو جزء من "مملكة الغايات"، بحسب كانط. وهذا يعني أن كل إنسان له قيمة كبيرة لدرجة أنه لا يمكن، بالمعنى الدقيق للكلمة، أن يكون له "ثمن". لا يمكنك استخدام الرجل كما تستخدم شيئًا. الإنسان ليس جزءًا من العالم المادي، من الأشياء التي يتكون منها والتي يمكننا التخلص منها (يمكننا، دون الانحراف عن الأخلاق، شراء وبيع الأشياء).على سبيل المثال، تعتمد قوانين أخلاقيات علم الأحياء لعام 2004 في فرنسا على الحتمية الكانطية المطلقة لتبرير أن نقل الأعضاء، أو عناصر الجسم البشري، سواء من متبرع حي أو متوفى، لا يمكن أن يكون موضوعا للتجارة. لا يمكننا التخلص من الجسد كما نتخلص من الشيء. لكن في بلدان أخرى، يكون للأعضاء (أو الأمشاج البشرية، مثل البويضات أو الحيوانات المنوية) ثمنها.

 الامر القطعي الكانطي الثاني

"تصرف وفقًا للمبدأ الذي يمكن في نفس الوقت أن يتحول إلى قانون عالمي." هذه الحتمية غير المشروطة، وهي الركن الثاني للأخلاق الكانطية، قادت معظم الفلاسفة، بعد كانط، إلى القول بأن الأخلاق الكانطية كانت مسألة شكلية خالصة. ومن الناحية العملية، فإن هذه الأخلاق لن تكون قابلة للتطبيق. لا يمكننا أن نكذب، على سبيل المثال، لأننا إذا فعلنا ذلك، فسنثبت الكذب على الفور باعتباره "قانونًا عالميًا": وبالتالي يصبح أي مجتمع مستحيلًا. الحتمية قاطعة في الواقع لأنها لا تقبل أي استثناءات. كان بنيامين كونستانت (1767-1830) غاضبًا: نحن مجبرون على الكذب في بعض الحالات، رد على سبيل المثال لقاتل يلاحق صديقنا الذي جاء ليلجأ إلى منزلنا، والذي يطرق الباب ليسأل عما إذا كان هذا الصديق هناك. من الواضح أنه من "الأخلاقي" في هذه الحالة أن نحمي صديقنا من قاتل. وبشكل أكثر عمومية، يمكننا أن نقول إننا لا ندين بالحقيقة لشخص لا يحترم الحقيقة. وبالتالي فإن التصرف من منطلق الواجب من أجل الواجب ليس مبدأً قابلاً للدفاع عنه، وفقًا للبعض. ذكرت حنة أرندت، في كتابها أيخمان في القدس (1963)، أن أيخمان، وهو مسؤول نازي رفيع المستوى، "عاش حياته بأكملها وفقًا لمبادئ كانط الأخلاقية، وخاصة وفقًا لتعريف كانط للواجب. كان القانون هو القانون، تستمر أرندت؛ لم نتمكن من تقديم استثناءات. ووفقا لها، فإن أيخمان "شوه" الامر القطعي الكانطي المطلق؛ من الواضح أن كانط لم يكن يعني ضرورة الالتزام بقوانين هتلر. وهذا يعني قبل كل شيء أن الامر القطعي الكانطي ليس خاليا من كل "المحتوى"، كما يقال في كثير من الأحيان. إن الرجل الذي يطيع القوانين بشكل أعمى، دون أن يسأل عن محتوى هذه القوانين (هنا، أمرت القوانين بإبادة اليهود)، لا يمكن وصفه بأنه "كائن عاقل". كيف يمكننا أن نتخيل، كما تشير أرندت، أن كانط يمكن أن يقول أننا يجب أن نعامل كل إنسان كغاية، وأن طاعة القانون يمكن أن تبرر إبادة جزء من الإنسانية، باسم انتمائه إلى المجتمع اليهودي؟ هل كان كانط يتخيل أن "الكائن العاقل" سيتصرف مثل أيخمان؟

باختصار، تعني صياغة الأمر أنه يجب علينا دائمًا أن نتصرف بالطريقة التي نود أن يتصرف بها الآخرون. يجب علينا ألا نكذب على الآخرين، بكل بساطة، لأننا لا نستطيع أن نتمنى لهم أن يكذبوا علينا. من الناحية النظرية، هذا صحيح.

هل يقتصر الاحترام على شرط الاعتراف المتبادل؟

قانون تاليون

لذلك يمكننا أن نثبت أن الاعتراف بالآخر باعتباره شخصًا آخر هو المبدأ الأساسي الذي يسمح لي باحترام الآخر، والآخر أن يحترمني. من الصعب أن نرى كيف أن الاحترام لن يكون متبادلاً أو متبادلاً. كيف نحترم من لا يحترمنا؟

إن إلغاء عقوبة الإعدام (1981، في فرنسا) يرمز إلى محاولة تجاوز التبادلية، والمعاملة بالمثل المتأصلة على ما يبدو في مبدأ الاحترام. إن عدم القيام بالآخرين ما لا نرغب في أن يفعلوه بنا يعني أننا لا نفعل بشكل منهجي للآخرين ما فعلوه بنا. يجب التغلب على قانون تاليون الذي مبدأه "العين بالعين والسن بالسن". إن إلغاء عقوبة الإعدام يعني الاعتراف بأن الإنسان مهما فعل يظل رجلاً. وبذلك تصبح إنسانية الإنسان مبدأً متعاليًا. ومع ذلك، تظل حماية الضحايا من الجلادين مطلبًا يجب اعتباره "متعاليًا" أيضًا.

بهذا المعنى يبدو أن التغلب على قانون تاليون المذكور سابقاً يشكل تقدماً على المستوى الفردي (في علاقة الفرد بفرد آخر) وعلى المستوى الجماعي (في العلاقة التي تربط مجموعة من الأفراد بآخر). مجموعة من الأفراد). ومن دون أن نتمكن من مطالبة الضحايا بـ "العفو" الذي يمكنهم منحه لجلاديهم، يمكننا أن نتصور تخليهم عن الانتقام.

البعد الايتيقي لعلاقتي مع الآخرين

يرفض فيلسوفان معاصران، إيمانويل لفيناس (1906-1995) وبول ريكور (1913-2005)، اعتبار الذات أولية بالنسبة للآخر. وفي هذا فإنهم يشككون في مدى انتشار "الكوجيتو" الديكارتي. أن تكون مسؤولاً عن الآخر، بالنسبة لليفيناس، يعني أن تفعل شيئًا من أجل الآخر. إنها القدرة على العطاء دون قيد أو شرط. لكن أليس الآخرون مسؤولون تجاهي بنفس الطريقة؟ ربما يجيب ليفيناس: «لكن هذا هو عمله. وبقدر ما تكون العلاقة بيني وبين الآخرين غير متبادلة، فأنا خاضع للآخرين”؛ وأنا «ذات بشكل أساسي بهذا المعنى» (الأخلاق واللانهاية، 1982). أنا نفسي فقط، في هذا الصدد، إذا كنت مسؤولاً عن الآخر. أنا موجود بشكل كامل فقط كموضوع من هذا الآخر الذي يجب أن أراقبه. وبالتالي فإن بُعد العلاقة مع الآخر هو بُعد أخلاقي.

الآخر يشكل هويتي الخاصة

كما يضع بول ريكور العلاقة مع الآخر في بعد أخلاقي أساسي، لكنه ينتقد التفوق الذي يعطيه لفيناس للآخر، فيما يتعلق بالذات. يقول ريكور من حيث الجوهر، من الضروري تجريد الذات من امتيازاتها، دون منح هذه الامتيازات للآخرين. وهو يستنكر، في تاريخ الفلسفة، هذا الانقلاب الذي أصبحت به الذات "المرتفعة" لديكارت، أخيرا، ذاتا "مذلة"، من خلال محاولات تدمير الذات التي قام بها نيتشه أو ماركس أو فرويد. وبطريقة أخرى، فإن ليفيناس، من خلال وضع الـ"أنا" بعد الآخر، يشارك في إذلال الذات.

ولهذا السبب، في كتابه "عين الذات آخر" (1990)، بحسب ريكور، من الضروري إيجاد وسط سعيد بين "التمجيد" و"الإذلال"، وهي المصطلحات التي يستخدمها. للقيام بذلك، يستبدل "أنا" بكلمة "الذات". "الذات" أكثر حيادية؛ إنه يشير إلى موضوع متحرر من أنانيته ووقاحته. بين الهوية، التي تتكون من تفضيل "النفس" (أي "النفس"، "أنا")، والغيرية، التي تتكون من افتراض أن الآخر مهم أيضًا، أو أكثر أهمية مني، هي الذات. "الذات" وكذلك "الآخر". وهكذا ينضم ريكور إلى فكرة أن الآخر هو، بكل بساطة، مكون لهويتي الخاصة.

خاتمة

الغير يعني شخصًا آخر غيري، والآخرون، كلهم اناس. ولهذا قال بودلير: "الآخر قريب وبعيد في نفس الوقت". دون أن نكون قادرين على الوصول إلى داخل الغير، فإننا نميل إلى افتراض ما يحدث داخله من أنفسنا... في الواقع، الاعتراف بالغير ينطوي على الاعتراف بالذات، والعكس صحيح. الأفراد والجماعات لا توجد إلا من خلال المعاملة بالمثل. إن احترام الآخرين، كما بينا، عند لفيناس كما عند ريكور، يكون في المقام الأول من منظور أخلاقي. وبصورة أعم، يهدف احترام الآخرين إلى ترسيخه كمبدأ عالمي. هذه هي الطريقة التي يؤكد بها إعلان حقوق الإنسان والمواطن (26 أغسطس 1789) على وجود حقوق عليا يجب أن يتمكن جميع البشر من التمتع بها، بما يتجاوز خصوصياتهم أو اختلافاتهم. واليوم، من خلال العنصرية أو كراهية الأجانب يمكن إثارة مسألة احترام الآخرين. ويتم التعبير عن الاختلاف، بهذا المعنى، فيما يتعلق بالاختلاف: "العنصري" هو من لا يعترف بذات أخرى في الآخر بحجة أنه لا يحمل نفس الأصول، أو لا ينتمي إلى نفس الثقافة. الاختلاف يؤدي إلى الخوف وعدم الثقة وبالتالي الرفض. ولم تعد مسألة الآخر، في هذا المنظور، تُطرح ببساطة في إطار "الوعي" أو الذاتية. والآخر هو من ليس له نفس لون البشرة، أو نفس عادات الأكل، أو حتى نفس الدين؛ ويمكن أيضًا أن تكون حالة لا تقع ضمن "الحالة الطبيعية" الراسخة، وفقًا للقواعد الاجتماعية أو الثقافية التي تحدد هذه الحالة الطبيعية. والآخر قد يكون الشخص المعاق، أو كبير السن، الذي لا يتمتع بممارسة جميع قدراته، أو الذي يجد نفسه ضعيفًا أو متضائلا. لذا فإن احترام الآخرين يعتمد في كثير من الأحيان على التعليم والتعلم: يجب تعليم الاعتراف بأن الشخص المختلف ليس بالضرورة أقل شأنا. يبدو أنه ليس من الطبيعي أن يحترم الأفراد الآخرين.  فكيف يمكن معاملة الأغيار زمن الحروب والأزمات؟ والي مدى نحن بحاجة للآخرين لبناء ذواتنا؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

استُخدم مفهوم الأيديولوجيا أول مرة عام 1797 من قبل المنظر الفرنسي ديستوت دو تراسي، وكان يعني بالنسبة له مجرد “علم أفكار” عام، أي دراسة كيف نفكر ونتكلم ونحاجج. والمفهوم مشتق من الكلمتين اليونانيتين eidos (فكر) وlogos (سبب، خطاب)، وارتبط بمشروع تأسيس علم الظواهر العقلية ودراسة تكوين الأفكار. وقد أدرك دو تراسي أنه على الرغم من أن الاسم كان جديدا، إلا أن العلم كان له تاريخ جدير بالاعتبار. يمكن القول بالفعل أنه أضاف تحسينات طفيفة فقط إلى النظام الذي وضعه كونديلاك. لكن "علم الأفكار" يعود إلى أوقات مختلفة في التاريخ الفرنسي؛ وعندما قدم دو تراسي مفهوم “أيديولوجيا”، وجد هو وزملاؤه الممارسون للعلم الجديد أنفسهم يواجهون صعوبات سياسية. وأدركوا أن الوقت كان حرجا،  لاستخدام هكذا مفهوم في ظل الأوضاع السياسية والثقافية السائدة.

اكتسب مفهوم الأيديولوجيا عدداً من المعاني خلال قرنين من وجوده القصير، وتم صياغته من خلال وجهات نظر مختلفة. وعند فحص كيف تعاملت العلوم الاجتماعية، على وجه الخصوص، مع الأيديولوجيا، غالبا ما نجد أن الانطباع الأول للمرء يكون ارتباكا كبيرا .مثّلت في البداية القائمة الطويلة من الكتب والمقالات التي يرتبط فيها علم الاجتماع بالإيديولوجيا -آلاف النصوص- صعوبة إضافية في فهم الأيديولوجيا؛ نظرا لاختلاف التعريفات ووجهات النظر ونماذج المقاربات لهذا المفهوم على نحو كبير. المفارقة التي ينبغي الإشارة إليها هي أن الماركسية لديها قِدم في كلا الاتجاهين: من ناحية، فإن الرجوع إلى كارل ماركس يوفر للعلوم الاجتماعية أحد أكثر مصادرها مصداقية. ومن ناحية أخرى، برزت الماركسية في القرن العشرين، باعتبارها أيديولوجيا بامتياز؛ نتيجة الفهم الجامد للماركسية من قبل الأحزاب الشيوعية خصوصا التي كانت في السلطة والتي حولت نصوصها إلى مسلمات غير قابلة للتطور، وعدم النظر للماركسية كمشروع فكري متواصل يغتني ويتطور مع مستجدات العصر، وكان هذا من الأسباب الرئيسة التي أدت إلى  إخفاق تجربة البلدان الاشتراكية.

لا تزال الأيديولوجيا من المفاهيم الملتبسة في العلوم الاجتماعية التي يدور النقاش حولها وهي موضع خلاف كبير. وهناك العديد من التعريفات لهذا المفهوم. فقد اعتبر ماركس أن الأيديولوجيا هي تشويه للواقع و"وعي زائف" لصالح طبقة اجتماعية معينة، وعادة ما تكون الطبقة الحاكمة. فالليبرالية، على سبيل المثال، كانت أيديولوجيا البرجوازية التي تخفي استغلال واضطهاد الطبقات الأخرى. واعتُبرت نظريات ماركس علمية وبالتالي فهي ليست أيديولوجية. وهي "تمثّل عند إنغلز في قراءته لماركس، ومن ثم العديد من الاتجاهات الماركسية، تجليا لـ "الوعي الزائف"؛ أي معتقدات غير صائبة يؤمن بها كثيرون بسبب تثبيت الطبقة الحاكمة لها بهدف إضفاء الشرعية على الوضع القائم، والتستر على الأحوال الاجتماعية والاقتصادية التي يقاسيها العمال في الواقع"(1). وفي هذا السياق من المفيد أن نستحضر قول نيكوس بولانتزاس، بأن الفاشية نشأت من بين أمور أخرى، من أزمة أيديولوجية.

اختار علماء الاجتماع في النهاية إدراج الأيديولوجيا كموضوع للدراسة في تخصصهم. ولكن تطلب الأمر منهم الوصول إلى تعريف لهذا المفهوم المربك من خلال محاولات وضع المفاهيم conceptualizations المتعلقة به. لقد كان ماركس هنا أيضاً بمثابة أحد الآباء المؤسسين في هذا الميدان؛ فبالنسبة له، كانت الأيديولوجيا وظيفة للعلاقات الاجتماعية للإنتاج. بكلمات أخرى، افترض ماركس أن الأيديولوجيا لا يمكن فهمها دون الرجوع إلى البنية الاجتماعية والعلاقات الاجتماعية وطبيعة الفاعلين الذين ينقلونها. وبعد قرن تقريبا، في منتصف سبعينيات القرن العشرين، اقترح السوسيولوجي الفرنسي  بيير أنسار، أحد ورثة هذا المنهج، تأسيس علم اجتماع الأيديولوجيات. علما "إن عملية كشف الأيديولوجيات سهلة حينما تكون صريحة، لكنها أيضا تكون غير مباشرة أو ضمنية أو مخفاة أو تأتي في بنيات خطاب يصعب الانتباه إليها.(2) "

إن فكر ماركس بحد ذاته مبني على الحداثة؛ فهو مقتنع بأنه يستمد أفكاره من العقل في مقابل نزعة إعاقة التحضر المترسخة في التقاليد البالية، وهو يحارب التضليل الإيديولوجي الذي من المفترض أنه يخفي مصالح الطبقات المهيمنة. في الكتاب الضخم المعروف جيدا "الإيديولوجيا الألمانية" الذي ألفه ماركس وأنغلز، يوضح ماركس أنه في كل الأيديولوجيات يظهر الناس وظروفهم مقلوبة رأسا على عقب، كما في الكاميرا المظلمة. من وجهة النظر هذه، فإن هدف العلم هو وضع الأفكار في سياق الحياة الواقعية، وهو يرى أن الأيديولوجيا هي نقيض الحقيقة والمعرفة. وينبغي استخدام العلم نفسه للعمل والكفاح ضد الظلم الاجتماعي. لقد كان واضحا، أن الماركسيين تصدوا للأيديولوجيا من خلال تعريف أنفسهم أنهم مع العلم. وفي الكتاب تجري الإشارة إلى أن وجود البشر الاجتماعي هو الذي يقرر وعيهم الاجتماعي. لذا المطلوب دراسة العلاقات الاجتماعية لأن هذه العلاقات هي التي تفسر تصوراتنا وأفكارنا، وليس العكس كما يذكر الأيديولوجيون الذين "تصبح الفكرة المجردة عندهم القوة المحركة للتاريخ ... بحيث يرتد التاريخ إلى تاريخ الفلسفة".

خلال فترة طويلة استمرت حتى نهاية الثمانينيات من القرن العشرين، احتل مفهوم الأيديولوجيا بالفعل مساحة متعددة المعاني. ولم يتداخل هذا إلى حد كبير مع اهتمامات علم الاجتماع الذي بلغ سن الرشد في أعمال إميل دوركايم وماكس فيبر ووصل إلى مرحلة النضج مع تالكوت بارسونز. وقد لعبت الأيديولوجيا دوراً رئيسا في النقاشات السياسية والأسئلة التاريخية الرئيسة المركزيتين، وغذت النقاشات بشأن شئون العالم، والصراع الطبقي، والاشتراكية، والاختيار بين اليمين واليسار، والحرب الباردة ... الخ. حيث كان علماء الاجتماع مجرد فئة من المشتغلين في دراسة هذا الحقل من بين حقول معرفية أخرى. وهكذا، في المرحلة التي امتدت من صياغة المصطلح إلى نهاية ثمانينيات القرن العشرين، كان علماء الاجتماع إما يبالغون في تقدير أهمية الأيديولوجيا وإما يقللون من أهميتها.

من ناحية أخرى، عادة ما يربط الليبراليون الأيديولوجيا بما يسمونه أنظمة الفكر المغلقة التي تدعي أنها الحقيقة المطلقة. وتزعم الليبرالية أنها مجموعة من المبادئ الفلسفية السليمة، في حين أن العقائد الأخرى مثل الماركسية هي أيديولوجيا، بينما تصنف الليبرالية من قبل الباحثين بأنها أيديولوجيا، والدليل على ذلك ما أعلنه فرانسيس فوكوياما في كتابه "نهاية التاريخ والإنسان الأخير"، بأن الديمقراطية الليبرالية هي النظام الأفضل الذي وصلت له البشرية. وبإمكانها أن تشكل فعلا “منتهى التطور الأيديولوجي للإنسانية” و"الشكل النهائي لأي حكم إنساني"، أي أنها من هذه الزاوية “نهاية التاريخ”. وهذا إقرار واضح بأن الليبرالية تمثّل أيديولوجيا بامتياز. وعن العلاقة بين الدولة والأيديولوجيا، يجري التأكيد أن مفاهيم مثل الدولة والسلطة لها حتماً دلالات أيديولوجية تعتمد على التوجهات الثقافية والاجتماعية في المجتمع. وهناك من ينظر إلى الأيديولوجيا باعتبارها تنظيما للأفكار والقيم في المجتمع. وأن ثمة تمييز بين الخطاب الأيديولوجي الذي يمثّل سياق النقاشات الأيديولوجية، وأيديولوجيات معينة تعبر بوجهات نظر مختلفة عن طبيعة المجتمع في الخطاب لأيديولوجي.

***

د. هاشم نعمة

..................................

 (1) تون فان دايك، الأيديولوجيا والخطاب، ترجمة سعيد بكار ولحسن بوتكلاي، بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2023، ص 94-95.

(2)  المصدر نفسه، ص 59.

كم من المحمود أن يستشرف الإنسان ما سيكون عليه العالم في المستقبل، فيتنبأ بما سيحدث تبعاً لما حدث، وصاحب هذه الكلمات يكتب عن (مستقبل الفلسفة)، لكنَّ ذلك ما لا يمكن أن يكون محموداً، لأنه ضربٌ في العماية، فطبيعة الاستشراف عمّا سيحدث تستتبع أن نقرأ ما حدث بصورةٍ دقيقة، والحقيقة تقول بعدم وجود منجزٍ للفلسفة في العراق، فكيف لنا أن نتحدّث عن مستقبلها؟. لقد عانت الأفكار الفلسفية، منذ ولادتها على لسان جدّنا طاليس حينما سئل عن أصل الوجود، وما تبعه من منجزات فلسفية، معاناة كثيرة وكبيرة، وغالباً ما تم محاربتها من قبل العامة، المدفوعون بوصايات إيمانية زائفة من قبل المؤسسات الدينية، لكن ذلك الصراع والاحتدام لم يزدها إلّا قوة وصلابة، ولو استمر ذلك الصراع إلى يوم نُبعث، لما أضر في الفلسفة شيء، بل قد تكون هذه الصراعات أبواباً للفتح في ديمومة موضوعات الفلسفة وتطورها. وكما يقول (جورج مارتن) في رائعته (رقصة التنانين): لا يمكن لنا أن نشهد يوماً تنكسر فيه التنانين وتُفنى في معاركها ضدَّ الخصوم، إنَّ ما يبشّر بنفيها وانهيار مملكة (آل تارغريان) هو صراع التنانين مع بعضها. وهكذا الأمر في الفلسفة، فلم يكن لأحدٍ أن ينال من عظمتها إلا الفلاسفة ذاتهم، فهم القادرون على نفي آثارها وسرقة رونقها.

وأولُ الأسلحة التي قادها الفلاسفة ضدَّ الفلسفة هو الإيمان بعدم قدرتها على طرح إجابات لما طُرح من تساؤلات عن الواقع المعاش، على أنَّ ذلك الإشكال كان سبيلاً لتطوير المباحث الفلسفية، فحينما شعر الفلاسفة بعدم قدرة المباحث الطبيعية والمنطقية والأخلاقية على الإتيان بمجموعة الإجابات للأسئلة المطروحة، تمَّ  تبديل مسار البحث إلى المرحلة اللاهوتية، وبذلك نشأت فلسفة القرون الوسطى، وحينما عجز مفهوم اللاهوت عن التصدي لمجمل الإشكالات التي فتكت في الإنسان وحولته إلى كائن شكّاك، تمَّ أيضاً تحويل مسار البحث من اللاهوت إلى النزعة العلمية والأبستمولوجيا، وهكذا نشأت الفلسفة الحديثة، ومن جهةٍ ثالثة تطورت الفلسفة حينما تم تحويل مسار البحث من المعرفة إلى القيم، نتيجة عدم امكانية المباحث المعرفية وفلسفة السرديات الكبرى للتصدي إلى ما واجه الإنسان ومستقبل البشرية، فنشأت بذلك فلسفات التشضي واللاحسم، وهي فلسفات الفكر المعاصر، وهنا بدأ عصر اضطراب الأفكار الفلسفية، فلقد قاد الفيلسوف الدنيماركي (سورن كيركيجورد) حملته الشعواء ضدّ المنظومة الهيغليه، وهكذا فعلت مطرقة الفيلسوف الألماني (فريدريك نيتشه)، فالأخير لم يبقي لنا إلّا أطياف (هيغل). والذي يفقه تاريخ الفلسفة المعاصرة، لا يجدُ أحداً قد تمكن من الإفلات ممّا أسسه (كيركيجورد ونيتشه).

ولكن، هل لنا أن نعود بأسباب تعثر الفلسفة إلى ما أسلفنا، حتماً لا، لأننا أمام مرحلة جديدة من تاريخ تطور الفلسفة، وهو ميلاد المرحلة النقدية، والتي لم تكتف بتطوير مباحث الفلسفة بتحويل المسار فحسب، وإنما في هدم المسار السابق أيضاً. وبذلك انتعشت الفلسفة وشهدت ميلاد العديد من التيارات كالوجودية والبراغماتية وغيرها. أما اليوم، فقد تلاشت الفلسفة الغربية نتيجة الإخفاق بتحويل مسار البحث، والانسلاخ عن الهوية الفلسفية، فلا نجد أحداً قد بادر بالقول بفلسفته، بل عمد الكثيرون على الحديث بأحاديث عامة ومتشظية وتحت هويات مختلفة. وبالتالي يمكن لنا أن نقول أن الذي أسس لخراب الفلسفة هو التملص عن هوية الفلسفة والانصهار في هويات معرفية اخرى، اجتماعية ونفسية وسياسية.

أما إذا انتقلنا إلى العالم العربي عموماً، فنجد أن القصور الرئيس في التأسيس لفلسفة لائقة وناضجة، يتمثل بطبيعة العالم العربي في الاعتناق والخضوع للأنموذج الغربي، وبما أن ذلك الانموذج قد انسلخ عن هويته الفلسفية، فإن الفكر العربي اعتنق تلك المنظومة المنسلخة عن الفلسفة، وبذلك لم يجد لنفسه طريقاً يستند عليه في إنشاء فلسفة، فليس ثمة طريق أصلاً ليحوّل الفكر العربي مساره بغية التطور أو التطوير. من جهةٍ أخرى نجد قصور العالم العربي في عملية الإبداع، وليس هناك من يتحمل ذلك أكثر من المؤسسات الأكاديمية الحاضنة للفلسفة، وأودُّ هنا أن أتحدث عن دور المؤسسات الرسمية في هدم الممارسة الفلسفية، في العراق المعاصر تحديداً.

تبدأ الفلسفة في العراق مع الإعدادية، في مرحلة الخامس الأدبي فقط، وقبل أن نستطرد بالقول في أسسها، يجدر بنا أن نقف عن مشكلة أكبر وأعقد، ولا تتمثل هذه المرة بمستقبل الفلسفة، وإنما بمستقبل الفرع الأدبي والعلوم الإنسانية. فلقد شهد الفرع الأدبي ونتاجاته الإنسانية عزوفاً كبيراً على حساب الفرع العلمي، فلقد بات الإقبال شديداً نتيجة دفع أولياء الأمور لأبنائهم الطلبة من جهة، وقصور الدولة في وضع حلول لتعيين أصحاب العلوم الإنسانية من جهةٍ أخرى، فالأب الكاسب وربة البيت يُريدان أن يكون الابن طبيباً أو مهندساً، وقطعاً لا يُريداه أن يكون مورخاً أو مدرساً أو خريجاً من أقسام الفلسفة والاجتماع وعلم النفس.

ولما تقدّم، سيشهد العراق نفوراً، لا عزوفاً فحسب، عن الفرع الأدبي في الدراسة الإعدادية، ونتيجةً لذلك، فإنَّ في السنوات القليلة القادمة ستخلو الجامعات من طلبة الدراسات الإنسانية، فالكلُّ سيرتاد الفرع العلمي، لأن الجميع يُريد أن يكون طبيباً، وحتى إن فشل في تحقيق ذلك، فهنالك ما هو قادرٌ على الترحيب به، بفشله وما آل إليه غباءه، وهي التجارة الأهلية، وأقصد بها الجامعات غير الحكومية، فهي أول من تنبّهت لمستقبل الدراسات الإنسانية، فاكتفت بفتح باب القبول للدراسات العلمية فقط. وهذا الموضوع معقد ويحتاج إلى دراسات متخصصة، والتفات حقيقي من الجهات المسؤولة، للحيلولة دون إغلاق الكليات الإنسانية. 

أما بالرجوع إلى طبيعة الدرس الفلسفي في الأكاديميات العراقية، فكما قلنا تبدأ رحلة الفلسفة مع الصف الخامس الاعدادي للفرع الأدبي، وهي مرحلة متأخرة كثيراً، تبدأ بكتاب عقيم لا يصلح لشيء، مضطرب في منهجيته التعليمية، بعيداً كلَّ البعد على كونه كتاباً يريد أن يعدَّ ذهنية متلقية لموضوعٍ جديد، أو محاولة خلق عقلي إشكالي، مع استاذ هش وغير متخصص، قد يكون بالأساس استاذاً لمادة الفنية أو الإرشاد أو التربية الرياضية، لا الطالب ولا الاستاذ ولا الإدارة يوليان أدنى أهمية لذلك الدرس، فليس مهماً إلّا بعدّه درساً شاغراً، يمرح الطلاب فيه، ويقلب الاستاذ بهاتفه، وتنتظر الإدارة دق الجرس؛ ولعدم أهميته يكون النجاح فيه مطمئناً، فعلى قدر الهدوء والجلوس الحسن يأتي النجاح فيه، بعد ذلك تذهب الفلسفة إل البيت، فتواجه سخط الأب بموجة إلحادية كبيرة، وتبدأ سيرة النصح، يا بنيَّ، لا ترهق نفسك بها ولا تتعمق فيها، فما هي إلا حلقة مفرغة من التابوات، اعتني بغيرها جيداً.

بعد ذلك تنتقل الفلسفة إلى الجامعات، لترحبَّ بالفاشلين، فهي لا تستقبل إلا الأقلون معدلاً، وهكذا تبدأ المرحلة الأولى من الدهشة، فمن أراد أن يتجاهلها نجح فحسب، ومن أراد أن يسايرها تقدّم إلى اختبارات الدراسات العليا، وهذه هي ثمرة الفلسفة الأولى، فقد أصبح لها منتمون، وهي بذلك تسترعي انتباه أنصارها، وهم مُثقلون بكتب الفلاسفة وحيرة التساؤلات الكبرى. لكن سرعان ما تذبل هذه الثمرة، تحديداً حينما يجلس الطالب المجتاز للمرحلة التحضيرية بين أساتيذه من اللجان العلمية بغية اختيار عنوان البحث الملائم لرسالته، لتبدأ مزاجات التدجين في النيل من القدرة التي بدأت تتفتح وتفتح بها آفاقاً جديدة للأفكار النقدية، خصوصاً حينما يتمُّ اقتراح العنوان من قبل اللجنة، حينها على الطالب وفلسفته السلام.

وهكذا تبدأ عملية التدوير للموضوعات الفلسفة، فلا زلنا نكتب عن الفلسفة الرواقية، ولا زال أوغسطين حاضراً بيننا، ولا زلنا نرتاد تهافت الغزالي، وإذا ما تطورنا قليلاً سنجد أنفسنا أمام تهافت الفيلسوف الاندلسي ابن رشد، وصولاً إلى ديكارت ولوك ومن تبعهم. نكتب عنهم ونحن في غفلةٍ عن مجمل التحولات التي أُحدثت من أجل تطوير الفلسفة ورفدها بجديدة المعاصرة. وهكذا تفرغ الفلسفةُ من محتواها، نتيجة الترديد في موضوعات قد رُدّدت كثيراً، ولذلك فإن تطوير شيء لا يكون بتراكم الموضوعات ذاتها وتحسينها والإضافة عليها فحسب، بل قد يكون بتحويل مسار الموضوعات والاتجاه إلى ما يخدم الواقع، بالاحتفاظ أكيداً على أصل النهج والطريق.

مما تقدم نجد أن تحويل المسار الفلسفي نحو الاهتمام بقضايا معاصرة ومشكلات آنية، هو السبيل إلى ديمومتها والبقاء على إرثها والاحتفاظ بلمعانها، فيمكن لنا أن نعدَّ كتاب (خارج أسوار الأكاديمية) لاستاذنا الدكتور (قاسم جمعة) كتاباً فلسفياً بامتياز، وكذلك كتاب استاذنا الدكتور (فوزي الهيتي) عن (الفلسفة ومشكلاتنا اليومية)، فضلاً عن كتابات استاذنا الدكتور (علي عبود المحمداوي)... فمن قماشة ما كتبه هؤلاء، يمكن لنا أن نطمئن على مستقبل الفلسفة في العراق.

***

د. حيدر عبد السادة جودة

إنَّ تفكيك أطروحة الاستعمار سواءً بمعناه القديم (البريطاني والفرنسي) الذي قسم الوطن العربي إلى دول في محاولة لأضعاف هذا البناء الكبير (الوطن العربي) من خلال زرع كيان غاصب للأرض العربية في (فلسطين)، أو بمعناه الجديد (الأمريكي) الذي دعم هذا الكيان الغاصب بمختلف أشكال الدعم السياسي والعسكري والاقتصادي وغيرها، وهذا الدعم الذي توضح في الحرب الأخيرة على فلسطين وطوفان أقصاها . لكن تفكيك هذه الأطروحة الاستعمارية بقديمها وجديدها تصدى لها الكثير من الداعمين للقضية الفلسطينية، وبأدوات ووسائل مختلفة إعلامية وفنية وأدبية وثقافية لفضح الجرائم الصهيونية في الأرض المغتصبة، ومن بين هذه الأدوات المهمة يأتي المسرح العربي عامة والعراقي خاصة من خلال تقديم عدد من النصوص والعروض المسرحية التي تناقش واقع الاستعمار بتوجهاته المختلفة، وكذلك القضية الفلسطينية، وهذا المنتج الفني الثقافي قد طرح القضية الفلسطينية بوصفها ظاهرة مهمة في المسرح العربي ولها تأثيرها في الواقع العربي . تأتي أهمية دراسة المسرح ودوره في القضية الفلسطينية على وفق رؤية في خطابات ما بعد الاستعمار، وخاصة الجديد كون أن هذا الاستعمار عمل على تشكيل " حياة ما يزيد على ثلاثة أرباع شعوب العالم اليوم، من خلال الخبرة الاستعمارية. وقد يكون من اليسير إدراك مدى أهمية هذه المسألة في المجالات السياسية والاقتصادية، لكن تأثيرها العام على أطر إدراك الشعوب المعاصرة عادةً ما يكون أقل وضوحاً" (اشكروفت، الرد بالكتابة،2006، ص15.) ومن بين هذه المساحات الجغرافية والاجتماعية التي أثر عليها الاستعمار هي فلسطين، هذه الأرض وهذا الشعب الذي تعرض إلى مختلف أنواع التغيير الثقافي والاجتماعي لهويته وأرضه ومجتمعه.

العرب ومسرح ما بعد الاستعمار

   إنَّ استلهام التراث العربي في المسرحيات ما بعد الاستعمارية المناهضة للمستعِمر والأوضاع القلقة التي أوجدها وخططه الرامية إلى إسكات الصوت المقاوم، وغيرها من الأسباب جعلت من كتّاب المسرح العربي يستخدمون أساليب التلميح والإشارة على الوضع الراهن من خلال مسرحيات تتناول أحداث مشابهة وقعت في التاريخ العربي والإسلامي، ومن بين الكتّاب الذين وظفوا هذه الصورة في أعمالهم المسرحية الشاعر والكاتب المسرحي المصري (أحمد شوقي) الذي عرض في مسرحيته (علي بك الكبير) أو (دولة المماليك) حكم والي مصر الذي قاوم السيطرة العثمانية، والذي وقع في فخ الخيانة الذي نصبه له مملوكه محمد أبو الذهب. وهذه الصورة مقاربة مع وضع مصر الحديث، (ينظر: هلال، محمد غنمي: في النقد المسرحي، ص95). كذلك تكررت فكرة الاقتباس من التاريخ عند الكاتب السوري (محمد الماغوط) الذي وظف شخصية (صقر قريش)، ولكن هذه المرة بإعادة بعث روح هذه الشخصية التاريخية على المسرح تتساءل عن أمجاد الأمة وانتصاراتها في الأندلس وغيرها من بقاع المعمورة التي وصل إليها الإسلام، وبشكل إيحائي- للدلالة على التفرقة والتجزئة التي أرادها المستعمر في خطابه الاستعماري وحققها على أرض الواقع -، ينطق مهرج (محمد الماغوط) بإجابات موجعة على تساؤلات (صقر قريش) بأن الأرض قد ضاعت وانجازاتكم وتضحياتكم لأجل رفع شأن الأمة، قد تمكن منها من دحرتموه سابقاً (ينظر: محمود، فاطمة موسى: قاموس المسرح، ص1463 – ص1464). في إشارة واضحة إلى حجم التأثير الذي حققه الغرب، فهو من جهة يذّكر بأهداف المستعمر، ومن أهم دلالاتها التقسيم لإضعاف الأمة العربية الإسلامية، ومن جهة ثانية يظهر (الماغوط) حجم التغلغل للسلطة الاستعمارية وتحقيق أهدافها، وهنا يكمن وعي المؤلف في خطابه ما بعد الاستعماري ضد الأهداف الخفية للاستعمار الثقافي.

لم يقتصر الخطاب المسرحي النقيض في سوريا ومصر، بل انتقل أيضاً للمسرح الفلسطيني وقضيته الفلسطينية ودوره أيضاً في مجابهة الخطاب اليهودي ومخططاته المستندة إلى خطاب الغرب الاستعماري ولاسيما في مسألة تهويد القدس والأراضي العربية المحتلة، إذ قدمت ضمن مسرحيات المقاومة، مسرحية (الباب) للمؤلف المسرحي (غسان كنفاني)، وكانت قصتها تدور حول المقاومة ومجابهة الموت بدلاً من الدعوة إلى الخضوع والخنوع والاستكانة للمحتل(ينظر: البشتاوي، يحيى: توظيف التراث في المسرح العربي، ص102) .كما أن القضية الفلسطينية كانت محور عدد من المسرحيات العربية التي حاول الكاتب العربي تسليط الضوء عليها لكونها جزءاً من مخطط ثقافي غربي يريد تفكيك المنطقة العربية من خلال إيجاد كيان دائم لهذا النفوذ الثقافي الذي اتخذ من الدين اليهودي مصدراً لأفكاره، حيث قدم (عبد الرحمن الشرقاوي) مسرحية (وطني عكا) التي يخاطب بها أهل فلسطين لمقاومة المحتل بدلاً من الاعتماد على الآخرين في استرداد الأرض، والمسرحية مكونة من خمسة عشر مشهداً حبكتها الرئيسة تدور حول موضوعة النفع الخاص، ولكن بتقدم الأحداث تتكشف عدم جدوى الاعتماد على الآخرين في إيجاد حلول للقضية الفلسطينية (ينظر: فتحي، كرامي: القدس في المسرح العربي،ص67).

كما صاغ (سعد الله ونوس) هذه القضية في مسرحية (حفلة سمر من اجل (5) حزيران) وتناول هزيمة يونيو 1967، محاولاً منه استخدام المسرح في إدانة السلطات العربية التي أسهمت في إضاعة الأرض والانسياق وراء مبررات ومسوغات تدخل في إطار تشويه حقائق الشعوب العربية ومن أهم هذه المبررات هي (تفرقة) بين أبناء الأمة والابتعاد عن هدفها المشروع، واستخدام (ونوس) في مسرحيته أسلوب الكتابة التحريضية في مواجهة الأحداث العنيفة التي هزت الساحة الثقافية العربية وكشف عن طريق التهكم الذي يبتدئ به عنوان مسرحيته، لنسف العقائد السياسية المطروحة على الساحة العربية (ينظر: محمود، فاطمة موسى:، ص1809). كذلك توسعت اهتمامات كتّاب المسرح العربي في خطابهم النقيض بأكثر من قضية، حيث تناولوا قضايا الاستعمار الفرنسي للمغرب العربي، وقدمت مسرحيات نادت بمقاومة الاستعمار وعلى أثرها أغلقت المسارح في المغرب بعد أن أدت الانفعالات الجماهيرية إلى حدوث إضرابات سياسية، على أثرها صدر مرسوم في مايو 1930 في هذا الشأن، ومن هذه المسرحيات المقاومة للاستعمار مسرحية (انتصار البرابرة) لـ محمد الزغاري ومسرحية (انتصار الحق بالباطل) لـ (عبد الخالق الطريس) (ينظر: محمود، فاطمة موسى، ص1571)..

وفي (الجزائر) التي خضعت للاحتلال الفرنسي، وقدمت العديد من التضحيات في سبيل التحرر والاستقلال، حيث وظف المسرح الجزائري لخدمة هذا الغرض، ومناهضة التركة الثقافية الاستعمارية التي خلفتها فرنسا في هذا البلد العربي، فقد استلهم المؤلف الجزائري (كاتب ياسين 1929 -1989) "مسرحياته من بطولات مقاومة الشعب الجزائري للاستعمار الفرنسي وكفاحهم ضد المشاكل الداخلية بالبلاد، عُرضت أولى مسرحياته (دائرة الانتقام) (1958) ببروكسل بسبب الموقف السياسي في فرنسا وفي (1967) نشرت له ثلاثية بعنوان (دائرة الانتقام) (...) بصفة عامة تصور مسرحياته المذابح والفضائح التي ارتكبها الجيش الفرنسي" (محمود، فاطمة موسى، ص1831) بحق أبناء وطنه.

  أما في (العراق) فقد قدم المسرح العراقي العديد من المسرحيات التي تتصف بطابع المقاومة للخطاب الثقافي الاستعماري، ومن أهم ما قدم في المسرح العراقي من مسرحيات فكانت لـ (يوسف العاني) حيث اتصفت مسرحياته بنقد الواقع السياسي الذي كان مسيطراً عليه الخطاب الثقافي الاستعماري البريطاني، ومن هذه المسرحيات مسرحية (أنا أمك يا شاكر) ومسرحية (الخان) التي تناولت موضوع ثورة (رشيد عالي الكيلاني) وزملائه للوصول إلى حكم وطني دون تبعية للتاج البريطاني وحكوماته المنصبة في العراق، حيث أرخ (العاني) لفترة حرجة من فترات العراق، وقد استخدم الوثائق التاريخية التي سجلها المؤرخون عن هذه الانتفاضة التي قمعها العسكر البريطاني لمساعدة حكومته في العراق، إن (العاني) بمسرحيته أراد أن يذكر بالتدخلات الغربية في الوطن من أجل بث الوعي عند الجمهور بمخاطر هذه التدخلات على الساحة العراقية والعربية (ينظر: حسين، علي: مخرجون عراقيون،، ص53.)

 كذلك قدم الكاتب العراقي (نور الدين فارس) مسرحية (جدار الغضب) التي يتناول فيها (ثورة الزنوج) من خلال محاكمة يدلي فيها أطراف النزاع بشهاداتهم عن الثورة، وكيف أن (الزنوج) قد شعروا بالتفاوت الطبقي بينهم وبين الآخرين، هذا التفاوت الطبقي ومن بعده التمييز العنصري اتجاه فئة من الشعب جعلت (فارس) يوظف هذه الطبقة الفقيرة في، صفوف الثائر (علي بن محمد) للدلالة على توحد صوت المظلومين لكن سرعان ما يحصل انقسام في الثورة لصالح الخليفة الذي يبدأ بشق صفوف الثوار والإطاحة بالثورة (ينظر: الراعي، علي: المسرح في الوطن العربي ص327، ص328.) أراد (فارس) من هذا الصورة المسرحية أن يذكر بوحدة الصف الجماهيري اتجاه الأطماع الأجنبية واليد الخارجية التي أسهمت في ضياع الثروات في العراق ودعم المتسلط باسم الاعتماد على الأجنبي الذي يفرق الشعوب لصالح مصالحه الخاصة.

  أما على مستوى الإخراج ومسرح ما بعد الاستعمار في المسرح العربي، فقد قدم المخرجون العرب عدد من مسرحياتهم التي أرادوا من خلالها كشف الخطاب الثقافي الاستعماري عن طريق خطاب نقيض له .

 إنَّ أهم النقاط في مجال العرض المسرحي ما بعد الاستعمار هي التي فتحت المجال أمام المسرح المناقشة القضايا التي تخص الجماهير وليس النخبة المسيطرة على الوضع الثقافي والتابعة للخطاب الاستعماري، وعلى هذا الأساس قدمت عروض مسرحية في مصر اهتمت بتوجهات الشعب المصري والعربي وقضاياه المصيرية. ومن المخرجين الذين قدموا خطاب مسرحي ما بعد استعماري المخرج (سعد اردش) من خلال مسرحية (النار والزيتون) التي اخرجها على وفق أسلوب المسرح التسجيلي، والتي تناولت الصراع العربي الصهيوني، وظف فيها عدد من الوثائق والشهادات التاريخية التي تدين الاحتلال الصهيوني للأرض الفلسطينية، كذلك استخدم الغناء والحركات الأدائية المدعومة بالحركة العنيفة من اجل دعم الجانب التثويري لصالح هذه القضية. (ينظر: أبو دومه، محمود: تحولات المشهد المسرحي .ص 159.)

كذلك قدم المخرج (فهمي خولي) عرض مسرحية (لن تسقط القدس) لدعم القضية الفلسطينية، وهذه المسرحية من تأليف (شريف الشوباشي)، حيث تناولت المسرحية حقبة تاريخية من الصراع بين الشرق والغرب، هي الحروب الصليبية ومالها من دلالات معاصرة تنطبق على الاستيطان الصهيوني للأرض العربية وغزو أمريكا للشرق في حربي (أفغانستان والعراق)، فقد اعتمد (الخولي) في لتفكيك الخطاب الثقافي الاستعماري، على فكرة المسرحية التي تفكك موضوع إعادة الشرق للدائرة الغربية، بل بنفس المواصفات الاستعمارية في وصف الشرق الغرائبي و الهمجي ذات الأهداف الشريرة والأفكار الأسطورية الخرافية. لقد عمل (الخولي) في كشف الأهداف الاستعمارية من خلال استخداماته لقطع الديكور التي تربط بين الواقع والرمز والإيحاء من خلال الحبال التي تتعامل مع تغير الديكور وكأنها قضبان سجن، وكذلك قلب القبة وتحويلها إلى العكس نحو التقعر، في دلالة إلى محاولة تحويل الإسلام في القدس من فكر ديني ذي قيم عالية إلى مجرد أفكار بالية قديمة مفرغة من أهم نتاجاتها الإنسانية، وإيحاء بأن الشرق هو سجن للعقل البشري بعد إفراغه من حضارته الإنسانية، وهذه كلها من أهداف الخطاب الثقافي الاستعماري نحو الشرق (ينظر: سلماوي، محمد: لن تسقط القدس،، ص40-ص44.)

  وقدم المخرج (روجيه عساف) أيضا عرض مسرحية (الجرس)، من تأليف (رفيق علي احمد) والتي تتناول قضية الجنوب اللبناني بعد الاحتلال الإسرائيلي، وهي تحكي قصة راعي غنم من الجنوب اللبناني الذي يقتل ولده على يد المحتلين، حيث ينسحب من الحياة، التي دلل عليها من خلال تجريد (معزته) من جرسها المربوط في رقبتها، وهنا دلالة على توقف الحياة وصوتها الذي يرمز له بالجرس، حيث يقدم (عساف) هذه المسرحية في عرض مسرحي يرفض من خلاله المسرح الغربي المستورد، ويقدم العرض في صيغة الحكواتي، التي أسس فرقته على هذا الشكل الدرامي التراثي، الذي كان سائداً في العصر الإسلامي(ينظر: محمود، فاطمة موسى:، ص1032). أتخذ (عساف) من فكرة (الجرس) عرضاً لتفكيك الخطاب اليهودي وادعاءاته في إسكات صوت الآخر بحجة الحضارة والمدنية التي يمتلكها، والآخر العربي ساكن الصحراء أو راعي الغنم الذي يعيش في أرض لا يستحقها بل هي ملك لليهود، فإسكات صوت (الجرس) وقتل الابن واستباحة الأرض، هي من مرتكزات الخطاب اليهودي ضد الآخر التي يفضحها (عساف) في عرضه المسرحي.

أما في العراق، وتوجد نماذج أخرى في المسرح العربي تناولت مناهضة الخطاب الاستعماري مثل مسرحية (الخان) للمخرج (سامي عبد الحميد)، كما قدم المسرح العراقي دعمه للقضية الفلسطينية من خلال أخراج مسرحية (قضية الشهيد الرقم 1000)، وهي من أخراج (قاسم محمد)، تناول فيها (حرب سيناء)، حيث قَدَّمَ العرض المسرحي صورة عن قضية الشهداء المصريين الذين ضحوا من أجل تحرير (سيناء)، وإبعاد المطامع الصهيونية في تجريد (سيناء) من ثوبها العربي .

 ويتناول النص المسرحي أحداث تقع بعد الحرب وتبدأ بزيارة (السادات) للقدس وتوقيع اتفاقية السلام مع (اليهود) وبعد عدد من المشاهد يأتي صوت (الشهيد الرقم 1000) الذي ينادي بسرقة دماء الشهداء وتضحياتهم، لتتحول المسرحية إلى ثورة احتجاجية من قبل الشهداء بعد أن يخرجوا من قبورهم، وفي المشهد الأخير يحاول إسكات صوت الشهيد من خلال القبض عليه والحكم عليه بالإعدام ليتحول صوته ودمه علامات رفض لمعاهدة السلام (ينظر: عطية، احمد سلمان: الاتجاهات الإخراجية الحديثة،ص211، ص214) . يوثق (قاسم محمد) في العرض المسرحي لمفهوم الرفض لمعاهدة السلام التي جعلت من اليهود المغتصبين لأرض (فلسطين) أصدقاء لبعض الحكام العرب، وفتحت الأراضي العربية أمامهم من أجل التطبيع، الذي أسهم فيه الخطاب الغربي من خلال تسويقه لثقافة الاستسلام على حساب الأرض العربية، أي بمعنى أن المعاهد شرعنة الاحتلال والاستيطان وتثبيت أحقية اليهود في فلسطين .

يتمظهر الإخراج عند (قاسم محمد) بتركيزه على عمل الممثل واللحظة التي يتعامل بها معه في التمارين المسرحية هي المقياس الحقيقي في الإخراج لديه، حيث لا يعتمد على التخطيط المسبق للعملية الاخراجية، بل يعتمد على تدريب الممثل و تطوير مهاراته قبل الدخول في التمرين المسرحي في أي مسرحية يريد إخراجها. كذلك يتميز (قاسم محمد) بملامح واقعية وشعبية ينطلق منها في إخراج مسرحياته من حيث النص المسرحي معتمداً في أغلب الأحيان على التراث والاشعار الحماسية والموروث الشعبي، بل حتى على المفردات الشعبية التي تنمي الإحساس الوجداني عند المتلقي منطلقاً من التركيز" على واحدة من أبرز سمات (الدراما الشعبية) المتمثلة في المشاركة الوجدانية بين الصالة وخشبة المسرح ويتم فيها بحث المتلقي على الإحساس بأنه مشارك في العرض وبقوانين اللعبة، ومن ثم بناء العرض ومفردات الأداء ووسائل التعبير" (عباس، علي مزاحم: عباس، علي مزاحم: لا تسدلوا الستار، 2005: ص126) في عرض مسرحية (قضية الشهيد الرقم 1000) يبني (قاسم محمد) العرض المسرحي من عشرة مشاهد مسرحية يتناول فيها أوضاع الشهداء المصريين الذين قتلوا في حرب سيناء من أجل الوطن وليس الرئيس (أنور السادات) الذي خطط للحرب قادها لتحرير (سيناء) من (الصهاينة)، وقدمت مصر فيها عدداً من الشهداء، لكن بعد ذلك عبر(السادات) على أجساد الشهداء ليصافح (الصهاينة) من أجل السلام، ومن هذه المفارقة تبدأ عملية ترتيب المشاهد في المسرحية. فالمشهد الأول يبدأ بصدمة زيارة (السادات) للقدس المحتلة لعقد معاهدة السلام هذا الخبر يسربه للجمهور باعة الصحف الثلاث وتصدر صرخة ومن ثم تساؤل عن سبب الصرخة من ثلاثة أشخاص يؤيدون اتفاقية السلام على المسرح ويجيبونهم كورس الشهداء من أعلى المسرح الذي يقسمه (قاسم) إلى نصفين أعلى وأسفل، بأن السلام يتم على حساب تضحياتهم. ثم يبدأ المشهد الثاني بنداء يشق الصمت صوت (الشهيد الرقم 1000) وهو ينادي بالقتال،ويسأل المؤيدون عن أسباب سرقة دماء الشهداء حتى يتحول المشهدان الثالث والرابع عن إعلان باعة الصحف عن الشهداء وخروجهم من القبور ليهرع أهالي الشهداء للبحث عنهم وتظهر ثلاث نساء، هن عائلة الشهيد (الأم، الأخت، الزوجة) حيث يعلن عن فخرهن بالشهيد الذي ينادي بالقتال، ويبدأ بعد ذلك صراع بين السلطات الداعية إلى السلام والشهيد (رقم 1000)،الذي يحاول عبور الحدود من أجل القتال ورفض الاستسلام للعدو، وهذا يتم من خلال أربعة مشاهد، أما المشهدين التاسع والعاشر فيتم القبض على الشهيد ويصدر أمر الإعدام بحقه، وبالتالي يتحول دمه إلى رفض للسلام مع العدو  (ينظر: عطية، احمد سلمان: ص214،ص211.)

. يستخدم (قاسم محمد) مجموعة من العناصر المسرحية في كشف الخطاب الاستعماري والمتمثل في إخضاع الشعوب العربية إلى سلام غير عادل مع (الصهاينة) والمتمثل بمعاهدة السلام التي وقعها الرئيس المصري (محمد أنور السادات) ورفضتها الشعوب العربية، هذه المعاهدة التي أنهت الحرب بين (مصر والصهاينة) على حساب باقي الجبهات الأخرى وأبرزها الجبهة الفلسطينية. فالمخرج يكشف عن رؤيته في خطابه المسرحي ما بعد الاستعماري، من خلال ما يأتي:-

  يقسم (قاسم محمد) خشبة المسرح إلى قسمين علوي وسفلي ويقسمهما من خلال قطعة قماش سوداء اللون وهو الحد الفاصل أو البرزخ بين عالمين، حيث أعطى لكل واحد منهم عدداً من الصور المتحولة من مشهد إلى مشهد آخر، في الأعلى يرمز للعالم العلوي عالم القيم والمثل والمحبة والشهادة وكذلك يرمز إلى سلطة الشعب التي تخيم على كل ما في البلاد، والأسفل يرمز إلى عالم الدنيا العالم الأسفل الذي يتصارع فيه البشر والذي يخضع للمقاسات الدنيوية الضعيفة، فالشهيد ينزل جسده الى العالم السفلي لكن روحه تنتقل إلى العالم الآخر لتشاهد ما يفعل البشر في الأرض. لا يستخدم (قاسم محمد) قطعاً ديكورية بقدر اعتماده على الأجساد في تشكيل صور العرض، إذ يتم تشكيل المشاهد على هذه الشاكلة ابتداءً من المشهد الأول وظهور باعة الصحف وانتهاء بإعدام الشهيد مروراً بأحداث تشكلها الأجساد وهذه الأجساد (الممثلين) تتحول من صراع داخلي بين الأرض والشهداء ومن ثم بين الشهداء وأصحاب معاهدة السلام، وبين الشهداء (الأجساد) وأصحاب النفوذ في الضفة الأخرى، بالإضافة إلى أن المسرحية تحمل الصفة العددية للشهداء والمتمثلة (بالرقم 1000)، وهذا ما يدل على إن الأجساد الألف (الشهداء) يلخصون بالشهيد الأخير الذي يحمل (الرقم 1000) كلهم يحملون القضية نفسها.

  يستخدم (قاسم محمد) العملية التوثيقية من خلال الصحف وفي عمليتين متناقضتين الأولى: توثيق لدور السلطة التي توقع معاهدة السلام ومن يقف وراءها ويدعمها بالمال والإعلام وحتى السلاح الذي توجهه بعد ذلك إلى الشعب ممثلاً بالشهيد (رقم 1000). أما التوثيق الثاني فهو للرفض والرافضين لسياسات الإملاء والخضوع وبيع الأوطان، رفض الأهداف الاستعمارية التي تريد أن تجعل الآخر الشرقي (العربي) خاضعاً وهو يرى أرضه تتجزأ أمام عينيه، ففصل (مصر) من الصراع هو إبعاد قوة مؤثرة في الصراع وبالتالي ستكون فلسطين (لقمة سائغة) بالإمكان ابتلاعها وكأن (قاسم محمد) يحذر في مسرحيته من الأيام الحاضرة التي أصبحت فيها فلسطين مجرد ضفتين متصارعتين (الضفة الغربية وغزة)، وأصبحت اغلب الأراضي تسمى اليوم دولياً (إسرائيل) فجاء التوثيق الثاني لإعلان حالة الرفض الشعبية وليست الحكومة الميالة إلى المصالح الشخصية. والأزياء في المسرحية كانت (واقعية) فكل زي يشير إلى الشخصية ودورها وبخاصة ملابس الشهداء العسكرية الممزقة، حيث أراد (قاسم) من خلالها إلى توثيق واقع الهزيمة أولاً ومن ثم إن الملابس الممزقة لا تصلح للاستخدام مرة أخرى، وبذلك أراد (قاسم محمد) إظهار حقيقة مؤلمة وهي تجريد القضية من حقيقتها والمرتكزة على الجهاد والقتال من أجل تحرير الأرض العربية، لكن الملابس العسكرية البالية هي عنوان الانهزامية . (ينظر: عطية، احمد سلمان: ص216) وكذلك استخدام السواد هو للدلالة على الحزن على الأبطال الذين ذهبت دمائهم سدى دون أن تكرم هذه الدماء، حيث افقدنها معاهدة السلام عزتها، إذا لماذا قتلوا لو إن الأمر سينتهي بالاستسلام؟.

إنَّ التشكيل الجسدي للممثلين يدخل في عدة أشكال ويعطي عدداً من الدلالات ففي مشهد" خروج الشهداء من قبورهم، وفي مشهدية (هيئة المحكمة) نجد أنها تخلو من منصة الحاكم أو قفص الاتهام أو مقاعد الجمهور، فالتمثيل يجري وقوفاً (...) فأجساد الممثلين لا تتوقف عن خلق صور المناظر المسرحية على عدد دقائق العرض، فهي قبور، وهي شهيد وهي سلاح، وهي صرخات، وهي رقصات متوحشة وكثير من الصور الأخرى، يساعد في ذلك إيقاظ مخيلة المشاهد ليتوغل مع هذه الصور في تأليف المكان والزمان"( عطية، احمد سلمان: ص214) .إن (قاسم محمد) الذي يبحث في المسرح عن تفكيك التأثير الذي يفرض على الزمان والمكان في مخيلة المتلقي العربي التي تشكلت بفعل الأحداث التي أدارها الأقوى، ليشكل الذاكرة حسب ما يريد فيما بعد وحسب مفهوم الهدم والبناء أو ما يسمى بنظرية (الفوضى الخلاقة)، التي تقوم على هدم وبعثرة أشياء المكان الأصلية ثم إعادة صياغتها مرة أخرى، فـ(قاسم محمد) يعود بالأحداث قبل البعثرة والهدم ليتزامن بناء الزمان والمكان وإعادة تشكيل الذاكرة وفق مفهومه الخاص وليس وفق ما يرسم في عالم السياسة والمصالح الخاصة، بل وفق الوعي الجماهيري الشعبي المتماسك بصورة (الوطن الأصل) وليس صورة (الوطن المعاد)، لهذا بادر (قاسم محمد) إلى تفتيت (الصورة الملقنة) وكشف (الأصل المغطى)، لهذا ساعدت التشكيلات الجسدية للمثلين في رسم ملامح الزمان والمكان الأصليين وكشف زيف المكان والزمان المزيفين (معاهدة الاستسلام وبيع القضية الفلسطينية للمحتل). وفي نهاية العرض المسرحي (قضية الشهيد الرقم 1000) نهاية مفتوحة تبقى فيها الاحداث مستمرة، والقضية متابعة ومراقبة من أبناء الشعب الذين يعبرون عن حزنهم بصمت وكبرياء، فالشهداء قد يصبحوا (2000) أو (3000) ما دامت القضية غير منتهية، وما إعدام (الشهيد الرقم 1000) إلا إعادة بعث روح القضية إزاء خطاب يريد لها أن تنتهي.

***

أ. د. محمد كريم خلف الساعدي

لعبت الفلسفة اليونانية القديمة دورا عظيما في تشكيل الفكر الحديث، وبالذات الثقافة الغربية. برزت تلك الفلسفة في القرن السادس قبل الميلاد في اليونان وبقية أجزاء الامبراطورية الرومانية. انها عالجت عدة حقول من ضمنها الاخلاق والسياسة والبلاغة والرياضيات والمنطق وعلم الفلك والبايولوجي. سقراط وافلاطون وارسطو كانوا من بين الفلاسفة الكلاسيكيين الأكثر تأثيرا على الفكر الحديث.

كانت لهؤلاء الفلاسفة مساهمات هائلة في تقدم الفن والسياسة والعلوم. هم ابدعوا في فن استطلاع الطبيعة عقليا وتطوير نظريات توضح وجود الكون. دمج فلاسفة اليونان افكارا من العلوم والفلسفة والفن والسياسة ليكوّنوا رؤية عالمية كلية نقلتهم بعيدا عن المنظور الميثولوجي السائد. ان تطبيق المنطق والعقل والاستجواب هو الذي جعل الفلسفة اليونانية القديمة (ماقبل سقراط، اليونانية الكلاسيكية والفلسفة الهلنستية) تشكّل الفكر الحديث في الشرق وفي الغرب.

هناك دليل واضح بوجود تشابه بين الفلسفة اليونانية القديمة والفكر الحديث في عدة مجالات، حيث ان اليونانيين القدماء تبنّوا رؤية شمولية عن العالم تم تطويرها من خلال توليفة من مختلف الموضوعات بما في ذلك العلوم والدين والفلسفة والفن. هذه الرؤية اختلفت اليوم مع استمرار تأثير الفلاسفة القدماء على الفكر الحديث بطرق عديدة.

فمثلا، العلم الاستدلالي برز من افتراضات طاليس حول الزوايا القائمة. الفيلسوف طاليس جادل بان رسم المثلث في نصف دائرة شكّل زاوية قائمة. هذا المفهوم قد يبدو مبسطا، لكنه استُعمل في المجتمع المعاصر من جانب الرياضيين في مجال الهندسة. كذلك، التفكير الاستدلالي طُبق على نطاق واسع كأداة لتوليد افتراضات معينة. الفكرة بان كل أشكال المادة يمكن تجزئتها الى عناصر جرى استطلاعها بعمق أثناء عصر طاليس مقارنة بأي عصر آخر.

تأثير الفلسفة اليونانية في التعليم

كان تأثير أعمال ارسطو واضحا في مختلف حقول الفكر الحديث. حيث صاغ ارسطو مفهوم اكتساب المعرفة الحقيقية. هو أفاد بان الروح المفكرة لا تكتسب الفهم الحقيقي الاّ عندما تتجاهل أحداث العالم. هو ايضا جادل بان المعلومات المتلقاة من الحواس هي عادة ملوثة ومشوشة للناس. لاحظ ارسطو ان أي شكل من التعليم يهدف الى تحقيق مُثل انسانية معينة، ورأى ان التعليم هو أحسن طريقة للانسان في انجاز اهدافه الاساسية وتطوير نفسه بالكامل.

هذه الافكار تُطبق اليوم في النظام التعليمي الراهن حيث يسعى التعليم الى تطوير الشخصية ومساعدة الطلاب في اكتشاف منْ هم، والكشف عن امكانات الكائن البشري. ارسطو ايضا علّم بان التعليم وحده يمكّن الناس ليصبحوا اناسا حقيقيين رغم امتلاكهم قدرات طبيعية. نظرية ارسطو في التعليم تُستعمل على نطاق واسع في عدة دول كأساس للسياسات والممارسات التعليمية.

فيثاغوروس لاتزال نظريته تُستعمل اليوم في الرياضيات. العديد من المؤرخين يرون انها أصل مناهج الرياضيات في الغرب. انها تُدرّس كمفهوم أساسي في الرياضيات في مدارس العالم. كذلك، كانت النظرية تُستعمل من جانب العديد من الباحثين في صياغة فرضيات اخرى تساعد في فهم وحل مختلف التحديات في العالم الحديث. ارسطو اسّس له مدرسة عام 385 قبل الميلاد ليبشر بخلق مؤسسات تعليمية عالية المستوى. عدة مفاهيم اساسية طوّرها فلاسفة اليونان تُدرّس في المؤسسات التعليمية الحالية. الأمثلة تتضمن المادية، العقلانية، الميتافيزيقا، التجريبية، والاخلاق. هذه الايديولوجيات لاتزال تؤثر على الفكر الحديث في المجالات السياسية والاجتماعية. السؤال الميتافيزيقي بشأن أصل الكون ووجود الله له جذوره في الفلسفة اليونانية القديمة.

لكن، المفكرين والفلاسفة الحديثين يستمرون في الكفاح لإيجاد جواب. التحقيقات الابستيمولوجية في الخير والشر، الصحيح والخطأ، الحقيقي والزائف، صيغت من جانب فلاسفة اليونان في محاولة لفهم العالم. هذه المفاهيم اثّرت جدا في الفكر الحديث خاصة في حقول الدين والسياسة والسوسيولوجي. انها تغلغلت في مناهج المعاهد المتوسطة والعالية لمساعدة الطلاب في فهم وحل القضايا المعقدة.

ان مفهوم الذرات صيغ من جانب ديموقريطس وليوكيوس اللذان افترضا ان الروح صُنعت من ذرات كروية الشكل يمكنها التحرك. هما افترضا ان كل مادة مؤلفة من جسيمات صغيرة جدا لا يمكن فصلها. هذه الفكرة شكلت الأساس في معظم البحوث الحالية في علم الذرة. الفيلسوفان اُعتبرا كأبوين لنظرية الذرة الحديثة. فلاسفة آخرون اعتقدوا ان الذرات هي جسيمات صغيرة لا يمكن رؤيتها او تحطيمها وهي صلبة تماما. انها توجد في مختلف الأشكال والأحجام وتفتقر الى بناء داخلي. هذه الافكار جرى تصحيحها وتطويرها من جانب العلماء والباحثين في العالم الحديث. لكن فلاسفة اليونان كانوا أصل النظريات والافكار والتي تستمر في التأثير على عدة مجالات في المجتمع المعاصر.

كان لسقراط الفضل في جعل الفلسفة موضوعا اساسيا يستعمله الناس لتعريف لأخلاق ومسائلة الاخلاق المجتمعية. فلسفته تأسست على فن طرح السؤال. الافكار الانسانية والآراء كانت حاسمة لتعاليمه. طريقته في الاستجواب تطلبت طرح سلسلة من الاسئلة قادت الى كشف عقائد الناس وقيمهم. معظم تأثير سقراط على الفكر الحديث يمكن رؤيته في التعليم. المحاضرون في كل مكان يستعملون طريقة سقراط لمساعدة الطلاب في الوصول الى استنتاجات بأنفسهم بدون ذكر مباشر للرسالة المقصودة . طريقة التعليم هذه تسمح للافراد بالاستكشاف والتفكير بأنفسهم. هذه الطريقة ترسخ فهما اكبر وتشجع على التفكير المنطقي الضروري خاصة في البحوث.

تأثير الفلسفة اليونانية في الدين

يؤكد المؤرخون ان الفلسفة اليونانية لم تكن المصدر المباشر للعقائد الروحية في تطوير المسيحية. لكن تأثيرها واضح في النقاشات والأنظمة المستعملة في التعاليم المسيحية، بالاضافة الى فهم الحقيقة الانجيلية. فمثلا، المسيحيين الأوائل مثل بول وجون استعملا طرقا فلسفية معينة لتعليم عقيدتهم. الثيولوجيا المسيحية تُفهم بشكل أفضل عبر تطبيق طرق لها اصولها في اليونان القديمة.

ان تأثير الفلسفة اليونانية على الفكر الحديث لوحظ بشكل واسع في الدين. كان الفهم المعاصر، والتفسيرات، ومعنى الروح الانسانية مستحيلا بدون الرؤى التي طورها فلاسفة اليونان. طاليس كان اول مفكر يفترض مفهوم الروح الانسانية الذي طُور لاحقا من جانب افلاطون. اعتقد افلاطون في روح الانسان وفي الاجزاء الثلاثة: العقلاني والروحي والرغبي. هو جادل بان الجزء الرغبي يفسر لماذا لدى الناس رغبات يرغبون باشباعها.

هذه الحجج فيها عدة نقاط ضعف. لكن المحاولات التي تمت من جانب الفلاسفة القدماء لفهم الكون وتوضيح ظواهره سهّلت افتراض مفاهيم أفضل. جادل ارسطو ان الروح هي الجزء الحاسم في الكائن البشري بسبب تفوقها على البدن. هذه الحجة صاغت ايديولوجيات للعديد من المسيحيين الثيولوجيين المعاصرين الذين يعتقدون ان الروح الجزء الأهم في الفرد. ان تطوير المسيحية خضع لدمج ايديولوجيات من الرواقية والافلاطونية في أخلاقها وثيولوجيتها. اندماج التعاليم الافلاطونية والارسطية مع المسيحية قاد الى ولادة عقائد مثل القدرة المطلقة والعلم الكلي وخير الله والتي هي اسس الدين الحديث. ان الرؤية الدينية لله ككائن لا متناهي لها جذورها في نظرية افلاطون في الأشكال.

هذه النظرية افترضت ان كل شيء مادي في العالم ما هو الاّ ظلال لشكل تام، وهذه النظرية اصبحت لاحقا نظرية في الله. المفهوم الحديث لله تمت استعارته من المسيحيين اليونانيين الذين تبنّوه من الفلسفة اليونانية القديمة التي نسبت الصفات اللامتناهية مثل القوة والمعرفة والخيرية والحب لله. طبيعة الله اللامحدودة تعني انه لا يتغير وغير قابل للتغيير. تأسس الدين الحديث على الايمان بان الله قدير وعالم بكل شيء وخيّر وانه كائن تام لا متناهي. مبادئ الفلسفة اليونانية قادت الى تطوير مختلف العقائد والثيولوجيات التي تدرّسها الكنائس في العالم المسيحي الحديث.

تأثير الفلسفة اليونانية في السياسة

يعود تاريخ الفلسفة السياسية الى عصر افلاطون. البناء السياسي اليوناني تطلّب دولة المدينة city-states التي طبقت مختلف اشكال التنظيم السياسي التي صنفها افلاطون كملكية، اوليغارتية، ديمقراطية، استبدادي، تيموقراطية. ان تطوير الدول الديمقراطية في المجتمع الحالي يمكن ان يعزى الى رؤى المفكرين القدماء. الايديولوجيات السياسية المستعملة اليوم يمكن ان توجد في اعمال افلاطون (الجمهورية) وارسطو (السياسة والاخلاق النيقوماخية). فلاسفة اليونان القدماء استطلعوا بعمق مفاهيم السياسة والعدالة والمساواة.

تُستعمل اليوم مفاهيم من حوارات افلاطون الثلاثة، أي، الجمهورية، القوانين، رجل الدولة لتوضيح المفاهيم السياسية في سياسات الوقت الحالي. قضايا مثل العدالة، النظام، الحكومة الملائمة، والمساواة هيمنت على النقاشات في كل من السياقات الاجتماعية والسياسية في نفس الطريقة التي جرت بها في اليونان القديمة. جادل افلاطون بان المجتمع المزدهر يتميز بأربعة مظاهر رئيسية: الشجاعة والعدالة والإعتدال والحكمة. اقترح افلاطون ان الروح يجب ان تتوقف عن الشرور الدنيئة كالشهوة والطمع لكي تكون قيادة الفرد فعالة.

الفساد يتفشى لأن تورط الناس فيه يتأسس على الطمع في السلطة والثروة. نصح افلاطون القادة بالابتعاد عن الفساد لأنه يحط من قيمة المجتمعات ويضر بالقيادة الفعالة وتطويرها. من الضروري نشر الانصاف لتحقيق العدالة للجميع. الحرية والعدالة والمساواة هي الأفكار الثلاثة الاساسية اليوم في المجتمع.

تسعى الحضارات في كل العالم لخلق حكومات وجاليات ترسخ هذه القيم. الديمقراطية الليبرالية الحديثة تتأسس على مبادئ اساسية بما فيها الحرية وحكم القانون والمساواة. الديمقراطية الغربية اليوم تشبه نظام الحكم الذي اقترحه افلاطون الذي يعتمد نجاحه على ترسيخ الفضيلة. هو اعتقد ان اكتساب معرفة معينة سيمكّن المجتمعات من التعامل مع قضايا متفشية مثل الفساد واللااخلاق والفئوية. مفاهيم افلاطون تُستعمل في الشأن السياسي اليوم بما في ذلك الانصاف والحكومة المختلطة والحكمة التطبيقية الضرورية للقيادة الجيدة وحكم القانون وتعزيز الانصاف والعدالة.

الاستنتاج

الدراسة الدقيقة للفكر الحديث تبيّن ان الفلسفة اليونانية لعبت دورا حاسما في تطوره سواء في اسلوب حياة الناس او في تقدم موضوعات معينة. الفلاسفة القدماء جمعوا بين المعرفة في الفن والعلوم والاخلاق والمنطق ليوضحوا أصل الكون ومظاهره المختلفة . العديد من الحضارات الحديثة مدينة في تقدمها لفلاسفة اليونان القدماء كافلاطون وسقراط وطاليس وارسطو. المفاهيم الفلسفية القديمة تُستعمل في التعليم والسياسة والسوسيولوجي والدين. الابتعاد عن المعتقدات الميثولوجية نحو العقل والتحقيق هو الذي ميّز تطور الفلسفة في اليونان القديمة.

***

حاتم حميد محسن

........................

The impact of ancient Greek philosophy on modern day thought. Studycorgi.(2012,June9)

 

يتبنى هوسرل في فلسفة الفينامينالوجيا مقولة الوعي هو موضوع نفسي. ويعزو سبب ذلك الى حقيقة الوعي ليس موضوعا يقبل المشاهدة او الملاحظة الخارجية بل هو حقيقة نفسية تستلزم ضربا من التحليل القصدي على حد تعبيره الخاطئ.

الوعي اشمل من ان يكون حقيقة نفسية وليس حقيقة عقلية. طالما نعجز عن تعريف ما هو الوعي؟ بذلك نكون اخرجنا ان يكون الوعي موضوعا للنفس وحتى موضوعا مستقلا للعقل لكن يبقى وعينا الاشياء ومعرفتها وادراكها هو وسيلة العقل في تنظيم وتخارج معرفي بين الوعي والاشياء. بعلاقات لا حصر لها مع موجودات عالمنا الخارجي من ضمنها عالم الشعور النفسي...

 ميزة الوعي هو الذاتية الانفرادية في دخول معرفتنا العقلية وخبراتنا مع المدركات. اذا اجزنا لانفسنا استعارة مقولة ديكارت العقل اعدل قسمة مشتركة بين بني البشر فنكون مطمئنين القول الوعي هو اعدل قسمة يمتلكها جميع البشر الاسوياء لكن باختلافات نوعية.

ولا يحتاج الوعي الى ضرب من التحليل القصدي النفسي حسب ما يرغبه تعبير هوسرل وذهب الى ان التحليل القصدي يمهد الطريق كي يستخلص من المعاني الكامنة في كل من الشعور والادراك الحسي والتصور الذهني ماهياتها الفينامينالوجية.

الوعي وسيلة وظائفية للعقل الانفرادي أي ما يدركه (س) من الناس هو غير ما يدركه آخرين للموضوع المشترك الواحد. الوعي بمفهومه النفسي كما يطرحه برجسون يعجز عن استخلاص المعاني الكامنة في الشعور والادراك الحسي والتصور الذهني وصولا الى معرفة الماهيات.

هذه القصديات الذاتية السلوكية النفسية التي ادرجها هوسرل يحققها الوعي العقلي وليس الوعي النفسي. هنا نود تثبيت الوعي كمصطلح مفهومي أنه جوهر خاصية النوع البشري حاله حال العقل واللغة والزمن والوجود.

الوعي وبعدد بما لا يمكننا حصره بمجالات اشتغاله لكنه وعي عقلي واحد لا ينقسم الى كثرة من الوعي. نستطيع الجزم القاطع ان الانسان والطبيعة والعالم الخارجي وكل المدركات الارضية والكونية هي وعي عقلي واحد لا غيره فلا يوجد فبركة فلسفية ابتدعها هوسرل اسماها الوعي القصدي فالوعي تفكير قصدي مجرد في حقيقته ناتج عقلي.. فليس هناك وعي خاص بالنفس وآخر خاص باللغة وثالث خاص بالحواس وهكذا. الوعي هو وسيلة العقل في معرفة وجودنا بمجمل طبيعتنا الادراكية. والوعي بخلاف الزمن غير محايد في علاقته بموضوعه.

لذا عمد ديكارت الى اختزال كل هذه الحالات والتجليّات الوجودية في عبارته ان الانسان موجود لانه يفكّر ولم يقل يفكر بماذا معتبرا التفكير بذاته وعيا بموضوع من الواقع او من الخيال... التفكير المجرد عن معناه مجردا بالضرورة الاستباقية الاولى هي لا تفكير له معنى ليس له موضوعا.، لان ذلك بديهية لوظيفة العقل الذي يفكر موضوعيا وتجريديا فكريا ايضا، بمعنى اوضح لاوجود لتفكير من فراغ او عدم بلا موضوع متعيّن يفكّر العقل به يكون محايث الادراك والتفكير في اثبات الوجود النوعي للانسان، حتى وان كان موضوع التفكير متخيّلا فكريا خارج المعطى المحسوس او العياني الواقعي للاشياء.

على اعتبار ان تخيّل الشيء ذهنيا لا ادراكيا حسيّا عقليا يدل على فعالية واشتغال (العقل) في اثبات وجود الشخص تأمليا مفكرا وذاتا تعي وجودها والمحيط من حولها. وان الخيال العقلاني المفكر الصامت يختلف عن الحوار المتعيّن وجودا ادراكيا في وعي الذات والتعبير عن موضوع لغويا. وحوار اللغة صمتا تفكيريا يكون بين الذات ووعيها لمدركاتها الموضوعية، بخلاف الخيال المعبّر عنه في اللغة المكتوبة او المنطوقة او الصورية او الفنية فيكون تفكيرا واقعيا.

كذلك فان وجود اي شخص كوعي ذاتي وادراك عقلي او حسي يعي الموجودات من حوله، يصبح مفروغا منه، في عبارة ديكارت(انا افكر اذن انا موجود) ليس من تفكيره حتى الخيالي بشيء معين دون غيره وحسب، وانما وجود الانسان الواقعي الفاعل المتواصل الدائم يأتي من قدرة الانسان على التفكير وامتلاكه ملكة العقل والذكاء والخيال واللغة في ما لا نهاية له من ادراكات الموضوعات والاشياء الواقعية او المتخيّلة التي تشغل التفكير ويكون تثبيت الوجود الذاتي والموضوعي معا بها ومن خلالها كعلّة وسبب . 

ان الموجودات والاشياء اللامتناهية في الطبيعة والكوني التي يريد الشخص ادراكها ومعرفتها هي التي تمنحه وجوده الفاعل بالحياة، ووعي الذات لا يكون في غياب الموضوعات او الاشياء عنه عقليا ولا تخييليا . فليس الانسان موجود لانه يفكر تجريديا ذهنيا فقط كما يذهب له ديكارت، بل هو موجود في امتلاكه اثبات قدراته العقلية الذهنية اللغوية وملكته على الفهم والادراك لوجوده ووجود الاشياء من حوله أيضا وفي إمكانية التاثير المتبادل بينهما.

أي ان وعي الذات لا يقوم على التفكير المجرد في وعي الوجود الذاتي لنفسه فقط من دون حضور الاشياء المفكر بها، لان وعي الوجود مرهون بالسبب المحايث للتفكير الذي هو وجود الموجودات والاشياء اللانهائية المادية وغير المادية وعلاقة الانسان بها .

فوعي الوجود لا يتم الا بوعي الموجودات والمحيط واقعيا أو خياليا صامتا عندما لا يعبّر الوعي عن التفكير الذهني الصامت لغويا، على اعتبار الخيال هو تفكير او حوار لغوي داخلي صامت يتم في الذهن المتخيّل عقليا تجريديا فقط، وعندما لا يتحول التفكير الخيالي الى لغة ناطقة تداولية او فعالية تعبيرية فنية تخاطب الاخر، فان فاعلية الخيال المنتج تتوقف عن تحويل موضوع الخيال المفكر به، مدركا كان او متعيّنا واقعيا مستقلا بوجوده، اوموجودا باللغة او غيرها من وسائط التواصل في التعريف بذلك الموجود او الموضوع المفكر به.

وفي تغييب هذه الخاصية التنظيمية للافكار لا يكون للخيال أي معنى او مغزى بل يصبح تهويما داخليا في العقل لا علاقة له بالتنظيم اللغوي السليم ولا في قدرة الخيال تحويل الموضوع المفكّر به الى موجود متعين او خيالي يمتلك تداولية القبول به مع الاخر، وهذا النوع من التخيلات العقيمة نجدها في هلاوس المجانين والانفصاميين العصابيين ومرضى الذهان العقلي  وغيرها من عوامل تجعل الوجود المرضي وتفكيره بلا معنى، فهو عندهم تفكير غير معقلن لا يتوسط اللغة تداوليا، كسبب وعي الوجود وكذلك المحيط والموضوعات من حوله.

بمعنى ان التفكير العقلي الذهني الصامت المجرد وسيلة افتراقه عن الخيال المريض هي أن هذا الاخير عاجز عن تعيين وجوده وغيره من الموجودت بواسطة نظام اللغة التواصلي.

وفي التوضيح اكثر هو ان فاعلية الفكر بادراك الشيء والوعي به مصدرها الاحساس بالموضوع اولا ومرجعية العقل ثانيا، عليه نضع انفسنا امام استحالة ادراكية – عقلية وذهنية في الوعي  بشيء مادي او غير مادي، بمجرد قولنا حسب هوسرل (ان الاشياء ومواضيع الادراك غير موجودة ولا فائدة منها بمجرد عدم وعينا وادراكنا لها). هذا كلام فارغ فموجودات الوجود لا تحدد وجودها الادراكي رغبة الانسان من عدمها فالموجودات مستقلة موجودة قبل رغبة الادراك العقلي فهمها.

وهنا يكون الادراك مثاليا في ادراك ذهني لا علاقة له بالخيال المنتج او ادراك الواقع. وهذا النوع من الادراك تم تجاوزه فلسفيا  كما  موجود في فلسفة هيجل المثالية الجدلية، على يد ماركس في المادية الديالكتيكية والتاريخية التي تذهب عكس ما ذهب له هوسرل في أسبقية الوعي على المادة، وبأن المادة حسب ماركس أسبق على الوعي المفروز عنها. أي وجود الشيء مسبقا يحدد تفكيرنا به لاحقا، وليس العكس ان وعي البشر هو الذي يحدد وجود الاشياء، بل العكس ان وجود الناس الاجتماعي والطبقي هو الذي يحدد وعيهم الفكري والثقافي والفني والديني.

كما ان ما لا ندركه لا أهمية له لدى هوسرل ربما تنطبق صحته الوهمية الساذجة في عدم حاجتنا او بعضنا التفكير في امور الميتافيزيقا ومسائل الدين في الجنة والنار وغيرها من غيبيات اللاهوت، فهي لا تعني كل الناس في اهمية ووجوب التفكير بها عقليا ادراكيا والتوصّل الى يقينيات بشأنها، وانما الايمان والتسليم بها غيبيا في القلب هي الغالبة.

ومن دعوة هوسرل (انه لا ذات بلا موضوع) التي هي سليمة وصحيحة الى حد ما، اذا ما فهمت الجملة بصيغة الجدل الديالكتيكي في تبادل التاثير المتناوب بين الذات والموضوع، وتصبح باطلة غير صحيحة في قول هوسرل: (ليس هناك من حاجة او اهمية لفصل الذات عن الموضوع!! والذات والموضوع متداخلان لا يمكن ولا يجوز الفصل بينهما، والذات والموضوع شيء واحد) حسب ادبيات فلسفته الظاهراتية (الفينامينالوجيا).

هنا يكرر هوسرل مفهوم الدائرة المغلقة عند شوبنهاور، بان الوجود الانساني هو الحلقة الدائرية التي يحياها الانسان في تعاقب ابدي هو فهم مستمد من نيتشه انه لا حقيقة نعيش من اجلها الحياة، ولا حقيقة نعيش من اجلها وهم الخلود بعد الموت، وان دورة الحياة الدائرية انما هي تبدا بنقطة افتراضية وهمية ولا تنتهي بنقطة تتوقف عندها بعد الممات.

 وفي فهم هوسرل ان (الانسان ذات وموضوع في وقت واحد) التي أخذها عن شوبنهاور، هو فهم صحيح بالنسبة للانسان وحده كوجود مستقل عن الاخر وعالم الاشياء الخارجية المحيطة به تماما،  في ادراك الانسان ذاته ووعيه بها عندما يتأمل وجوده كموضوع، الموضوع المتداخل مع ذاته في كينونة مستقلة واحدة تجمعهما، اما في حال ادراك الانسان للمواضيع والاشياء الخارجية عنه، فهنا تكون الذات والموضوع كلا منهما وجودا مستقلا عن الاخر، وفي استقلالية وجودية احدهما عن الاخر، ولا تبقى الذات والموضوع واحدا في وحدة اندماجية لا يتم التفريق بينهما. او يتعذر ذلك الفصل المطلوب بينهما.

هنا احاول اضرب مثالا هو القول بعدم امكانية فصل الموضوع عن الذات وهم فلسفي غير صائب. لو اخذنا بالقانون الميكانيكي الفيزيائي (لكل فعل رد فعل يعاكسه بالاتجاه ويساويه بالمقدار) هذا بدا بالقانون الفعل هو الموضوع الاستفزازي للذات بالرد (الذات) على الموضوع الصادر عنه الفعل برد فعل يعاكسه الاتجاه ويساويه بالمقدار. ولو كانت الذات هي والموضوع جوهرا واحدا لابطلنا صحة القانون الفيزيائي لانه فرّق بين الذات والموضوع.

اضرب مثالا آخر على خطل وعدم صواب ان تكون الذات هي موضوعها وكلاهما جوهر واحد لا انفكاك بينهما. توجد للمؤرخ العالم بتاريخ نشوء وشيخوخة الحضارات هو شبنجلر. القانون الذي اخ اضرب مثالا آخر على خطل وعدم صواب ان تكون الذات هي موضوعها وكلاهما جوهر واحد لا انفكاك بينهما. توجد للمؤرخ العالم بتاريخ نشوء وشيخوخة الحضارات هو شبنجلر. القانون الذي اخترعه الالماني اوسفولد شبنجلر فيلسوف ومؤرخ وعالم تاريخ الحضارات 1880-1936 هو قانون (التحدي والاستجابة) الذي هو نسخة اسقاطية للقانون الفيزيائي الذي مررنا عليه (لكل فعل رد فعل....الخ) اسقطه شبنجلر على نظريته بنشوء الحضارات. بداية نشوء كل حضارة هي استفزاز الظروف الموضوعية والتاريخية لارادة الانسان بوجوب المواجهة ووجوب وضع الحلول للافضل بالحياة والتاريخ.

التفكير لا يكون آلية بيولوجية - فيزيائية

 ان امتلاك الانسان قدرة وآلية التفكير الواقعي او التجريدي لا  تجعل من الانسان مفكرّا، الا بعد أن يكون في وعيه وادراكه أو حتى في خياله موضوعا او شيئا متعيّنا مفكّرا به اي يكون موضوعا للتفكير، وبهذا الفهم تصبح مقولة هوسرل انا افكر بشيء اذن انا موجود صحيحة لكنها لا تمثّل تخطئة صائبة لكوجيتو ديكارت.

وهي مشروطة بعدم وجود فعالية تفكيرية عقلانية يحوزها الانسان فقط، من غير موضوع او موجود مستقل مفكّر به سواء ادركه العقل ام لم يدركه حسيا او تخيليا. وحتى الصمت الخيالي هو في حقيقته تفكير وحوار داخلي لا يعبّر عنه باللغة التداولية، لكنه يبقى تفكيرا ذهنيا تنعدم فيه اللغة المنطوقة او المكتوبة او المعبّر عنها باللغة الحركية الصورية الايحائية، ولا يمكننا الحديث عن ادراك للذات بدون موضوع او شيء مغاير عنها (شيء آخر غير الانا المفكّرة). ووعي الانسان بذاته لا يتحقق من دون ارتباطه واقترانه بشيء مغاير لذاته. ولا يمكننا التأكد من حضورنا كذوات مفكّرة وموجودة دون وجود الغير المتعّين او الاشياء بأي شكل او صيغة بدت لنا، ولا نتوحد معها كيفيا في تطابق بالصفات بالنسبة للنوع كبشر، أي وعي الناس بوجودهم المفكر ذاتيا لا يكون حقيقيا من دون احساسهم بالوجود الخارجي للأشياء المفارق لوجودهم وتفكيرهم.

 ان الوجود ممثلا بالطبيعة وقوانينها المستقلة عن الوجود الانساني، وفي مختلف التجليات لوجود الاشياء هو وجود قائم بذاته خارج رغباتنا. وجود الذات هو في المغايرة مع وجود الآخر كمتعيّن حاضر في علاقة الارتباط بغيره من الاشياء. وان وعي الانسان بوجود انسان آخرمثله، لا يعني تطابقهما الكيفي بادراك الذات او الوجود المغاير، حتى في الموضوع الواحد المشترك بينهما، وانما بالتقاء صفاتهما او بعضها في الجنس الواحد كنوع جامع لهما، لكنهما يبقيان محتفظان بادراكهما المتمايز المختلف في فهم الوجود والاشياء وهو ما يصح تعميمه على الوجود البشري عامة، بأن جميع الادراكات مختلفة ومتنوعة بعدد البشر ولا نهائية الاشياء والموجودات والكوني وفي لا نهائية ولادة البشر وموتهم جيلا بعد جيل.

للمقال صلة

***

علي محمد اليوسف

 

في كتاب الجمهورية لأفلاطون كان يدعو الى شيوعية الأطفال أي ان يكون الأطفال تحت رعاية الدولة، وهي التي تتكلف بتربيتهم ونشأتهم حتى يمتلكوا شعور الولاء للدولة، وحتى تتولد عاطفة جماعية اتجاه الأطفال من قبل المجتمع، وكذلك تعامل معهم ارسطو اذ جعل تفكير الأطفال بمستوى تفكير العبيد ؛ لأنه تفكير سطحي ويفتقر للحكمة والمنطق ولا يستحق الاهتمام، وفرق كذلك بين أبناء الطبقة السفلى، والمتوسطة، والعليا، وهي طبقة العبيد، والطبقة البرجوازية، والطبقة الحاكمة النبلاء، وتلقي التربية والتعليم الجيد يجب ان تكون أولويته لأبناء الطبقة الوسطى والعليا للمجتمع.

وفي العصر الوسيط كان التعامل مع الأطفال على أسس دينية واحكام قبلية، تستند بعضها الى المتوارث من الأفكار، والتقاليد الاجتماعية التي تضيع كثير من حقوق الطفل. وفي العصر الحديث بدأت الأفكار التنويرية تلقي بظلالها على طبيعة التفكير في الطفل وتربيته ونشأته ومستقبله، وذكر عن روسو مقولته "يا معشر الفلاسفة اننا نجهل الطفولة" في اشاره الى الإهمال التاريخي في التعامل مع الطفل وحقوقه، وهي بمثابة دعوة الى العناية بالطفل على وفق النظريات الحديثة، والتنويرية الضامنة لحقوق الطفل، ورعايته من قبل أبويه رعاية واعية. وبعدها تطورت النظريات الناظرة في نشأة الطفل وتربيته والعناية به ضمن نظريات سلوكية، ونظريات النمو، ونظريات التربية، وقدمت كل من النظرية الماركسية، والنظرية البركماتية، والنظرية الفرويدية، والنظرية النازية، أفكار عن الطفل وكيفية تربيته بما يتلائم مع التوجهات الفكرية والسياسية والأيديولوجية، اذ انها ابتعدت أيضا عن التعامل مع الطفل على أساس برائته وفطرته، وأدخلته في الحسابات الاقتصادية والسياسية والعسكرية والتجارية. مثل : استغلال النازية لنظريات تطوير النسل لصالح الأيديولوجية الألمانية النازية.

أما المحور الثاني فتحدثنا فيه عن القواعد التأسيسية في تكوين الأطفال، وانجابهم، وتربيتهم، وصولاً الى مرحلة البلوغ، وتطرقنا الى خطورة النظريات البايولوجية المعاصرة التي تتحكم بالجينات والرحم، والنطف، وعقاقير النمو، ومعالجة أمراض الطفولة، وتطوير مهارات الأذكياء منهم، وهي ما كانت محط اهتمام مباحث البيوتيقا ودراساتها المعمقة لكل المشاكل الناتجة عن تطور الأبحاث البايولوجية على حساب كرامة الإنسان ومستقبل الطفل البايولوجية، وبقدر ما قدم العلم والبايولوجيا أفكار وتطبيقات مفيدة في خدمة البشرية وسلامة الطفولة، بقدر ما اضرت به من خلال التوظيف غير الصحيح لكل التفوق البحثي والصناعي والتكنولوجي للتحكم بالبيوض، والنطف، والجينات، والنمو، والوعي عند الأطفال ونشأتهم.

فالقواعد التأسيسية لإنجاب الأطفال وهي مرحلة تأسيسية تنطلق من غريزة الأمومة، أو الأبوة، أو من فكرة انجاب الأطفال لأهداف خاصة لكل فرد من افراد المجتمع، احدهم يريد ان ينجب أطفال بدوافع اقتصادية أي يريد من الطفل ان يساعده في اعماله وكسب رزقه وتشغيله. ومنهم يريده ان يكون امتدادا له لحفظ ثروته من الضياع او التمثيل الاجتماعي امام العشيرة والعائلة والمجتمع، أو ان يكون له مساعد في شؤون الأسرة العامة. فالطفل هنا لا يكون مرغوب في ذاته بل بقصدية هي ادنى من منزلة الطفل وكرامته، فالطفل بعد ما يولد يكون انسان له قيمته المعنوية، وكرامته، وحقوقه وشرفه، وله اعتباره الذي يجب ان يؤخذ بالحسبان من كل خطة يخطوها الوالدين اتجاه الطفل منذ فكرته ونطفته ووجوده في بطن امه بمختلف مراحله.

وهي مرحلة المحاولة لإنجاب الأطفال، سواء كان بالحالة الطبيعية، او بالحالة الصناعية، بين مرحلة تنظيم الإنجاب طبيعيا أو صناعيا، بما فيها محاولات معالجات العقم. واعطت الأبحاث البايولوجية الحق للأفراد بأتباع وسائل بدائية، أو علمية متقدمة في محاولات الحصول على طفل. واعطت التشريعات القانونية للأفراد الحق في الانجاب، أو الحد من الإنجاب، أو المعالجة العقمية لمحاولات الإنجاب. وهذه القواعد تأثرت في وقتنا الراهن بتطور النظريات السياسية والتوجهات الليبرالية الخاضعة لسلطة العلم، ويدخل في ذلك حق المرحلة الجنينية.

اما القواعد التأسيسية لما بعد الإيجاد (الانجاب): مثل : حق مسقط الرأس، وحق الاسم، وحق الحماية، وحق الرعاية، وحق الإمومة، وحق الحياة، وحق الميراث. وتتأثر هذه القواعد كذلك في النظريات الفلسفية، والدينية، والسياسية، والاقتصادية، والاجتماعية وغيرها. مثل : نظرية شيوعية الأطفال عن أفلاطون التي سبق ذكرها والنظرية الشيوعية الماركسية، والنظرية العدمية، والنظرية الأمريكية البركماتية. والنظرية النازية، وهذه المرحلة تخضع لعدة قواعد منها القواعد الاخلاقية، وقواعد قانونية، وقواعد شرعية، وقواعد تربوية، وقواعد سياسية، وقواعد بايولوجية ونفسية.

وفي المحور الثالث تحدثنا فيه عن التشريعات القانونية، وتساءلنا فيه ؛ من الذي يحدد مرحلة الخروج من مرحلة الطفولة ؟ حدد القانون الدولي والقانون العراقي عمر ما ان اتمه الطفل حتى عد رجلاً بالغاً، وهو تمام الثامنة عشرة من العمر.

وتطرقنا إلى تاريخية القوانين التي شرعت لصالح الطفل وحمايته وضمان حقوقه، وبينا فيه طبيعة تعامل الحكومات العراقية منذ تاريخ الدولة العراقية الحديثة مع حقوق الطفل، والتي كانت ليست بمنأى عن الاستغلال السياسي والايديولوجي، فضلا ًعن التناقض بين التشريع وتطبيق ذلك التشريع، اذ سخر الأطفال لصالح أيديولوجيا حزب البعث في زجهم بمعسكرات التدريب في ما يعرف (اشبال صدام) وطالتهم أيضا الاعدامات والمعتقلات والجوع والموت، بفعل سياسة التجويع، والحصار، واليتم، وفقدان المعيل بسبب الهاء الآباء والأمهات في فعاليات الحزب والعسكرة.

فالمشرع العراقي لم يغفل اهم الحقوق للطفل العراقي، وانصفه واولى رعايته بشكل دقيق، ولكن دائما ما نعاني من مشكلة عدم التطبيق والإهمال والتقصير في ذلك، فقد ضمن المشرع حق الطفل في الحياة، والرعاية، والاسم، والنسب، والجنسية وحق رعاية القاصرين والميراث والموهبة، وغيرها من الحقوق الأساسية الضامنة لحقوقه، وهذا على مستوى الحقوق المباشرة، اما الحقوق الملازمة لحقه في الأمومة، والأبوة، والرعاية الأسرية، والتعليم، والتربية، فقد صدرت قوانين تؤكد على هذا الحق وتضمنه، مثل: قانون الزامية التعليم، والزامية الرعاية الصحية والرعاية وغيرها.

وفي الختام بينا قصدية انجاب الأطفال وهدفيتها ورسالتها، كرسالة إلهية عبر قصتين من القرآن الكريم، وهي قصة إسماعيل وقصة عيسى عليها السلام، والذي كان انجابهم لإبراهيم ومريم عليما السلام بقصد ألهي، وعلى ذلك فالبشر يجب ان تكون لهم قصدية، وهدف، ورسالة من انجاب الأطفال، وليس ترك الأمر للفطرة، والغريزة، ورغبة التكاثر.

***

د. رائد عبيس

أستاذ الفلسفة المعاصرة في جامعة الكوفة

20/11/2024

......................

* القيت هذه المحاضرة في مركز دراسات الكوفة في ندوة حوارية حول حقوق الطفل بمناسبة اليوم العالمي لحقوق الطفل، وكانت محاضرتنا الموسومة (حقوق الطفل بين النظريات الفلسفية والقوانين) بينا في المحور الأول منها تاريخية التعامل مع الطفولة عبر النظريات الفلسفية التي قدمت رؤية أُحادية الجانب في معالجة مشاكل الطفل، مما جعل الطفل عرضة للتوظيفات السياسية والأيديولوجية ولم تراع فيه براءته ونشأته وتربيته والهدف من إيجاد الأطفال وانجابهم.

حاتم حميد محسنقبل آلاف السنين بدأ السعي لفهم العالم الذي حولنا، الانسان والطبيعة والكون والعلاقات بينهم. كان واضحا وجود نوعين من الأشياء، المادة الجامدة والكينونات الواعية الحية المندفعة بقوة الحياة والتي تسمى الروح. كان هناك وعي حدسي لليد اللامرئية لذلك الذكاء الهائل الذي أفرز مفهوم "الاله" القدير الكلي وما تفرّع عنه مما سمي بمؤسسة الدين. اشتبك ذهن الانسان مع هذا اللغز وحاول فهمه. في البداية كان هناك فقط تحقيق متكامل منفرد – وهو السعي لمعرفة الكون واشير اليه في اليونان القديمة بالفلسفة الطبيعية، والناس الذين انخرطوا في هذا التحقيق كانوا محترمين كونهم متعلمين وحكماء في المجتمع. هذا السعي ضم مختلف الاتجاهات التي نسميها الآن دين، فلسفة، ميتافيزيقا، علوم.

في هذا السياق يُعتبر الاتجاه العلمي كما نعرفه اليوم جديدا نسبيا، كونه برز فقط قبل أربعة او خمسة قرون. ما يعرف الآن بـ "العلم الحديث او الغربي" بدأ مع اناس مثل غاليلو وكبلر وكوبرنيكوس وباكون تبعهم نيوتن وبويل وغيرهم. تاريخيا بدأ في هذا الوقت ممارسو العلوم والدين والفلسفة/الميتافيزيقا الانفصال وتأسيس مدارس متخصصة منفصلة للتحقيق في كل من هذه الحقول. (من اللافت انه الى اليوم تشير الدكتوراه في العلوم او الرياضيات او الهندسة او الانسانيات فقط الى "دكتور في الفلسفة" او PhD). هناك فرق كبير في المنهجية المتبناة من جانب العلوم وتلك المتّبعة في الحقول الاخرى للتحقيق. ان الطريقة العلمية تتميز بكونها "موضوعية" و "تجريبية"، مرتكزة على التحليلات المنطقية والعقلانية للملاحظات، بينما التحقيق الروحاني هو بالمقام الأول "ذاتي" الى حد كبير. الفرق الأساسي يبدو ليس بين العلوم والروحانيات بذاتها طالما كلاهما يدّعي السعي لفهم "الحقيقة"، وانما هو بين الطريقة العلمية في التحقيق والطبيعة الحدسية للتحقيق الروحاني.

غير انه من الواضح لأي شخص ذو ذهن حساس ومنفتح في متابعة "الحقيقة"،ان العلوم والطريقة العلمية لهما محدودياتهما. هناك سنصل الى نقطة في عملية التحقيق العلمي في طبيعة الأشياء والانسان ومكانه وهدفه في الكون، فيها تكون التحليلات المنطقية والعقلية غير قادرة على توفير كل الأجوبة، ستبقى هناك عدة أسئلة لا يمكن الإجابة عليها بالإرتكاز على البيانات الحسية وحدها. العديد من العلماء الكبار توصلوا الى نفس هذا الاستنتاج.

ان "الحكمة التقليدية" او "الفلسفة الدائمة" التي تجسدت في الأدب الثيوصوفي أظهرت بوضوح العملية الحدسية والتأملية والإستبطانية التي نحتاج تبنّيها لتحملنا قدما الى ما وراء النقطة التي تصل بها العلوم الى طريق مسدود. هذا الاتجاه حتما يقودنا الى مسار وُصف بـ "التحقيق الروحاني". لسوء الحظ ان النجاح الساحر والمذهل للعلوم وربيبتها "التكنلوجيا" في الأوقات الأخيرة، أعطى انطباعا زائفا (خاصة لجيل الشباب) بان العلم "يعرف كل شيء" وانه تمكّن من كل الطبيعة، وان الكون بأكمله يمكن توضيحه وفهمه من خلال العلم وحده. بعض المتحمسين بافراط ومن العقلانيين ايضا عززوا هذا الانطباع. في هذا المقال سنطرح بعض المحاولات لكيفية ردم الفجوة بين العلم والروحانيات وكيفية التوفيق بين الاتجاهات الاستنتاجية/الاختزالية و البديهية/التأملية. سيتم التركيز على اهتمام العقلانيين الصادقين والمنفتحين بان هناك حقا عنصر هام للحقيقة يفتقده العلم؟

هذه المقالة لاتتحدث لا عن انموذج تيار العلوم السائد ولا عن الخصائص الاساسية للتحقيق الروحاني، وانما تفحص مختلف الجهود التحقيقية الحالية التي تكمن في منطقة التفاعل والإلتقاء بين العلم والروحانيات.

فيزياء القرن التاسع عشر،"الكالفينيون والمادية

يمكن تحديد ثلاث حقب زمنية في تقدم العلوم:

1- ما قبل القرن السادس عشر او "العلم القديم" والذي جرى اتّباعه كجزء من دراسة الفلسفة الطبيعية.

2- فترة ما بعد القرن السادس عشر او فترة فيزياء نيوتن.

3- ما بعد اينشتاين/النسبية/فيزياء الكوانتم او فيزياء القرن العشرين.

في نهاية القرن التاسع عشر،سيطرت فيزياء نيوتن او الفيزياء الكلاسيكية او الميكانيكية على التفكير العلمي فاتحة الباب لعصر "المادية". العلماء ادّعوا انهم فهموا كل ما في الطبيعة بمساعدة لغة الرياضيات. عندما عبّر الشاب ماكس بلانك عن رغبته للعمل بحقل الفيزياء تلقّى نصيحة بالعمل في التجارة كونها أفضل له من العمل بالفيزياء لأن الأخيرة لم يعد فيها شيء لم يُكتشف بعد. الفلكيون يمكنهم ان يصفوا بدقة حركة الكواكب حول الشمس والتنبؤ بالخسوف، المهندسون يمكنهم تصميم جسور عملاقة وناطحات سحاب وبناء سفن ضخمة مصنوعة من الستيل، يمكنهم إنشاء محركات بخارية قوية لسحب قطارات الشحن الطويلة وصنع بنادق مميتة وقنابل. ساعات مصممة بشكل معقد يمكنها قياس الوقت بدقة. الكهرباء جرى توليدها من السدود ومحطات إحراق الفحم لسحب عجلات الصناعة، بينما اختراع اديسون للمصباح الضوئي أضاء كامل المدن. النفط الخام كان قد اكتُشف توا وتم وضع الأساس لصناعة كيميائية مزدهرة. ظن العلم بان الكون كان في الأساس ساعة عملاقة يمكن قياس تقدمها بدقة والتنبؤ باستعمال قانون نيوتن في الحركة، وقوانين الديناميكا الحرارية ومختلف قوانين الكيمياء ومعادلات ماكسويل في الكهرومغناطيسية التي توضح كل شيء. المؤسسة العلمية كانت مقتنعة بان البشرية سيطرت على كل الطبيعة. أحد أكبر المؤيدين لهذا النوع من التفكير كان اللورد كالفن الفيزيائي اللامع الذي بفضله نقيس الحرارة المطلقة للجسم بوحدات من درجات كالفن يوميا. لكن هذا النوع من "التفكير المتغطرس" يوصف الآن "كالفيني" لأننا الان نعرف ان الفيزياء لايزال امامها طريق طويل في التحقيق لحل أسرار الطبيعة. كانت هناك حاجة لولادة فيزياء نواة الذرة ومفهوم المساواة بين الكتلة والطاقة الذي يُفترض ان يرسل موجات صادمة حول العالم .

ثورة الكوانتم في القرن العشرين

شهد القرن العشرون ظهور كل من النسبية وفيزياء الكوانتم. بدءاً من تجارب ماكس بلانك في الإشعاع عام 1900، والنظرية النسبية الخاصة لاينشتاين التي أسست الزمن كبعد رابع، ثم تطور نظرية الكوانتم لتوضيح نموذج بوهر الذري المتّبع وفق مفهوم ثنائية الجسيم-الموجة، ومبدأ اللايقين لهيزنبيرغ وغيرها، حتى بلوغ الذروة في الملاحظات التجريبية المدهشة لـ "الجسيمات المتشابكة"، اصبحت الفيزياء الآن تقبل بـ اللامكانية (non locality) كحقيقة للطبيعة. هذا غيّر كليا موقف الفيزيائيين تجاه الروحانيات. النسبية وفيزياء الكوانتم كانا مؤثران جدا في جعل العلم أقل مادية رغم حقيقة ان مناصري النسبية (اينشتاين) وفيزياء الكوانتم (خاصة نيلز بوهر) كانا في تخاصم مع بعضهما حتى وفاة اينشتاين. في هذا السياق قد يتذكر القرّاء عبارة اينشتاين الشهيرة "الله لا يلعب النرد ". وبعد مجيء فيزياء الكوانتم، كان هناك قليل من الحافز لدى علماء بارزين، خاصة الفيزيائيين، في متابعة الدراسات المتصلة بالروحانيات كتلك الذي ذاع صيتها بفعل أعمال شرودينجر و فريتجاف و كابي و روجر بنروز و بول ديفس و ديفد بوهيم. ونفس الشيء كانت هناك ايضا ثورة في البايولوجي وعلوم الحياة (DNA، الشفرة الوراثية)، خلقت اهتماما متجددا في الأسئلة الروحانية.

يُقال ان "الموضوعية" هي حجر الزاوية في المنهجية العلمية خاصة الفيزياء الكلاسيكية التي تؤكد على قابلية الفصل بين المراقِب والمراقب. هناك افتراض ضمني أساسي متأصل بان توجد هناك "حقيقة مستقلة عن المشاهد" وان فعل الملاحظة لايشوش الشيء الذي تجري ملاحظته. هذه الخصائص المفترضة للاتجاه العلمي كانت العقيدة الأساسية لفيزياء نيوتن لكنها لم تعد صالحة لعصر ما بعد الكوانتم. خاصة في المسائل المتعلقة بعالم الذرات المجهرية والجسيمات الأساسية.

من غير الواضح ان كان لايزال من الملائم القول ان هدف العلم هو فهم الواقع. من الملائم القول ان فهم الواقع كان الهدف الأصلي للعلم عندما بدأ المشروع العلمي أول مرة. ولكن ربما من الملائم اكثر القول الآن ان العلم اليوم هو اكثر اهتماما باشتقاق نماذج رياضية تصف وتتنبأ بسلوك الانظمة الفيزيائية اكثر مما تسعى لإعطاء وصف مفاهيمي للواقع. يبدو ان الطبيعة تتبع شكلا غريبا من المنطق(او اللغة) تطور بفعل الانسان نشير له بـ "رياضيات". الفيزيائي بول ديفس في كتابه (ذهن الاله) وآخرون ركزوا على سبيل المثال على "الفاعلية غير المعقولة للرياضيات في العلوم الطبيعية". غير ان النماذج الرياضية والنظريات ليست مقدسة وانما عرضة للمراجعة المرتكزة على ملاحظات جديدة. العلوم اليوم هي راضية تماما بالنماذج النظرية القائمة التي توضح الملاحظات التجريبية وتتنبأ بالسلوك المستقبلي للأنظمة الفيزيائية في ظل مجموعة جديدة من الظروف، وهي أقل اهتماما بالأسئلة حول ما اذا كانت النماذج الرياضية لها أي علاقة بالواقع .

الظواهر الخارقة والعلم الهامشي

كانت الملاحظات أكّدت مبكرا بان "تيار العلم السائد" يبدو تجاوز كليا مظاهر معينة من الواقع. الظاهرة بان العلم غير قادر على الفهم والتوضيح سميت بالخوارق او فوق الطبيعة او الظاهرة النفسية. التحقيق العلمي بمثل هذه الظواهر يقع تحت فرع من العلوم يسمى "التخاطر" parapsychology. هناك مؤسسة للتخاطر مرتبطة بالمؤسسة الامريكية لتقدم العلوم. يبدو ان المؤسسة العلمية السائدة كانت متسامحة علنا مع البحوث في هذه العوالم الغامضة ولكن في التطبيق نجد غالبية علماء التيار السائد يصفون البحث بمثل هكذا مواضيع بـ"العلم الزائف" او "العلم الهامشي" fringe science. من بين العديد من الكتب الحديثة التي لخصت المكانة الحالية للتحقيقات العلمية للظواهر الخارقة، كان كتاب دين رادنس (الكون الواعي – الحقيقة العلمية للظواهر النفسية،1997)، و كلود سوانسن في كتابه (الكون المتزامن – العلم الجديد للخوارق،2003) و جون بوكري في كتابه (مواجهة بين الفيزياء والظواهر الخارقة،2005) وجميعها كانت كتابات مقنعة جدا. بعض الظواهر الخارقة التي جرى التحقيق فيها باستعمال المنهجية العلمية هي:

1- الظواهر الذهنية الشاذة و"الطاقات الخفية" وهي صفات استثنائية للذهن الانساني ( على الأقل ذهن بعض الاشخاص) مثل التخاطر والتصورات بما هو خارج الحواس، وظاهرة التفاعل بين الذهن والمادة او تحريك الشيء بجهد ذهني فقط (psychokinesis) وغيرها.

في هذا السياق يتجه اهتمام الشكاك والعقلانيين الى ثلاثة مجالات مهمة جدا من البحث. الاول هو التحقيق العلمي (وتطبيقاته اللاحقة لأغراض عسكرية) في قدرة الذهن الانساني (عُرف منذ العصور القديمة في الهند بـ ديفيا درشتي Divya-Drishti)، في الرؤية المباشرة للأشياء والاحداث والمناظر الواقعة في مكان جغرافي بعيد (وربما منفصل مؤقتا). كان هناك برنامج صُنف بالسرّي للغاية موّلته وكالة الاستخبارات العسكرية الامريكية اثناء الحرب الباردة (1972-1995)،والذي سُمي رسميا برنامج "الرؤية من بعد" Remote Viewing". ولكن اشير اليه كما معروف بـ "التجسس النفسي". استنتاجات برنامج البحث هذا الذي شارك فيه فيزيائيون في معهد البحوث العلمية SRI الدولي، كاليفورنيا، بالاضافة الى الامثلة عن "مهمات التجسس" الحقيقية المنفذة تحت الاشراف المباشر للبنتاغون (مشروع ستارغيت) متوفرة كلها على الانترنيت (الرؤية عن بُعد) في غوغل.

بالنسبة للثيوصوفيين كل هذا شيء قديم الطراز. لكن من المهم ملاحظة التماهي القوي بين الاستنتاجات العلمية المنبثقة من برنامج الرؤية من بعد  وملاحظات ليدبيتر في كتابه الصادر عام 1899 بعنوان (استبصار).clairvoyance.

الدراسة العلمية الثانية هي برنامج بحث تجريبي مستمر بعنوان "مشروع الوعي العالمي"(GCP) ويعتمد على سلسلة من 60 كومبيوتر شخصي، كل واحد فيه سوفتوير خاص صغير(مولّد لرقم عشوائي) تفحص "نطاق وعي جمعي" لكل العالم على مدار الساعة. تفاصيل هذا المشروع واستنتاجاته الهامة متوفرة على الموقع الألكتروني لـ (Gcp) على http://noosphere.princeton.edu..

الاستجابة الهامة والمذهلة لشبكة Gcp حدثت في 11 سبتمبر 2001 عندما ضرب الارهابيون مركز التجارة العالمي في نيويورك. في ورقة راجعت البيانات الملتقطة في ذلك اليوم فقط نُشرت في  منشورات اسس الفيزياء عام 2003 افترضت بان رد فعل متزامن لبلايين الناس الذين يشاهدون برنامج تلفزيوني عن الاحداث المتكشفة في زمن واقعي خلقت تماسكا في نطاق وعي الجماعة العالمي والذي بدوره أثّر على خصائص مولدات الرقم العشوائي.

التحقيق العلمي الهام الثالث هو العمل التجريبي الاخير للبروفيسور تيلر الذي اعتُبر أب فيزياء الطاقة الخفية. تيلر كفيزيائي متميز وبروفيسور فخري في جامعة ستانفورد، يبدو قد عثر صدفة على آلية فيزيائية اساسية بواسطتها يتفاعل وعي الانسان وربما حتى الحيوان  مع كل من المادة الحية وغير الحية. هو وصل الى نموذج نظري جديد لكنه تأملي مرتكز على تجاربه وفق "فكرة مغروسة بوسيلة الكترونية" حيث  يدّعي انه نجح في زرع "افكار ونوايا خاصة" في وسيلة الكترونية. هذه التجارب لو صمدت في اختبارات متكررة وبتوثيق مستقل فهي ستكون رائدة حقا ونذيرا لثورة علمية ثالثة. دراسات تيلر واسعة جدا ولدرجة لا تسمح بالتعامل معها كموضوع لهذه المقالة. لكن اولئك المهتمين قد يرغبون بالاطلاع على كتابه "بعض مغامرات العلم مع لغز حقيقي،2005". كانت الآلية التي يتفاعل بها ذهن ما مع آخر او يتاثر به  او بشيء آخر(تفاعل شبحي من بُعد) كما سماه اينشتاين لغزا مستمرا للمجموعة العلمية. هناك جمعية دولية للدراسة العلمية للطاقة الخفية وطب الطاقة مع مطبوعاتها،مجلة الطاقة الخفية التي اهدافها هي "تحقيق علمي في كل اشكال التفاعلات المعلوماتية والطاقية في الانظمة البايولوجية". تجارب تيلر تقترح ان الطاقات الخفية هي ايضا نوع من التفاعلات الالكترومغناطيسية، هو ادخل مفهوم  التفاعلات "المغناطيسية الكهربائية" لتوضيح ظاهرة الطاقة الخفية.

2- السؤال عن وجود محتمل للروح لا تفنى بعد الموت، ودراسة السؤال المتصل بالتناسخ الذي صُنف في التخاطر بـ "بحث البقاء". جمعية البحث النفسي في المملكة المتحدة ونظيرتها في الولايات المتحدة كانتا تحققان علميا في بقاء الروح بعد الموت منذ قرن، زعمتا الاتصال من وجودات لاجسمية عبر وسائط.

هل هناك أي صلاحية علمية للادّعاء باتصالات ما بعد الموت من "الجانب الاخر"؟. في عام 2003 في اجتماع جمعية الاستطلاع العلمي، عرض سكرتير لجنة بحوث البقاء في المملكة المتحدة تفاصيل لحالة جريمة ملفتة حُلّت في اغسطس من عام 2001 بعد 18 سنة،بعد استلام 125 قطعة من المعلومات الدقيقة المتصلة بالجريمة، يُزعم انها من ضحية ميتة. التحقيقات اللاحقة المرتكزة على تقرير وسيط قادت بالنهاية لإتهام المشكوك فيه. كذلك التقرير الرسمي لـ SPR(جمعية البحث النفسي) حول تحقيقات (سكوا) في المملكة المتحدة المنشور في ديسمبر 1999 أكّد حقيقة "وجود نطاق واسع للظواهر النفسية مثل الظواهر المرئية والسمعية واللمسية من فريق من "ارواح متصلة" عبر جماعة وسيطة. هناك مجموعة كبيرة من الاوراق البحثية والكتب تتعامل مع تجارب الاقتراب من الموت و تحقيق الادّعاءات المتعلقة بتناسخ الاطفال.

هل يمكن رفض كل هذا واعتباره غير علمي فقط لأنه من غير الممكن اكتشاف او قياس الروح الميتة باستعمال وسائل علمية او كتابة معادلة تصف تجارب الاقتراب من الموت؟. القضية المثيرة للاهتمام والتي تحتاج للتحقيق هي الوجود المحتمل للكينونات الوهمية التي اشير اليها في جميع الثقافات القديمة كالجن او الملائكة او اشياء سماوية. هنا مرة اخرى بالنسبة للثيوصوفيين ترتكز حقيقة هذا الموضوع على دراسات الاستبصار لـ  ليدبيتر و جيفري هودسن والتي اُخذ بها كمسلمات. العقلاني سيطرح سؤالا حول ما اذا كان هناك أي دليل علمي لكل هذا ام انه كله تلفيق تام من عمل الخيال؟ مع ان هذا السؤال يتجاوز نطاق هذه المقالة، لكن يجدر القول ان هذه الاسئلة جرى التعامل معها في العديد من الكتب الجديدة المنشورة في السنوات الاخيرة في هذا الموضوع.

أحد هذه الكتب ذات الفائدة للثيوصوفيين هو كتاب "الحياة السرية للطبيعة،1997" للكاتب بيتر تومبكنس، صاحب الكتاب الشهير "الحياة السرية للنباتات". مقدمة الكتاب الاول تبدأ بالاشارة لعمل بيسانت و ليدبيتر حول الكيمياء الغامضة ويستمر ليقترح ان بيسانت و ليدبيتر صحيحان جدا في وصف البناء المفصل للذرة.

استنتاج

هناك دائما عنصر من الحقيقة يمكن تحسسه مباشرة بمقدار اقل او اكثر وبمقدار من العمق عبر مستويات عليا من الوعي الانساني. هذا العنصر العالي للحقيقة يُشار اليه بالحقيقة الباطنية "inner reality". وبمقدار ما يتعلق الامر بالحقيقة الخارجية، يجب الاعتراف بانه بجانب الطريقة العلمية المعروفة،فان طريقة "العلم الغامض" في التصور الحدسي المباشر توفر فعلا طريقة بديلة ومكملة للحصول على المعرفة، رغم ان كل من هاتين الطريقتين لهما عيوبهما ومحدودياتهما. وهكذا حتى العقلانيين المشككين الذين يعتقدون ان لاشيء هناك يمكن معرفته اكثر مما يقدم العلم، اُجبروا على الإعتراف بان مختلف حقول التحقيق، أي العلم الغربي الحديث و العلم الغامض يسيران جنبا الى جنب مع الروحانية، ويكملان بعضهما البعض وكلاهما يكافحان لإعطاء صورة متكاملة للعالمين الخارجي والداخلي. وبهذا فان الحدود بين كلا المجالين من التحقيق "العلم" و "الروحانيات" تصبح تدريجيا أقل وضوحا.

 

حاتم حميد محسن

.......................

Bridging the gap between science and spirituality, Electronic Journal of sociology, ISSN: 1198 3655

للخبير سرينيفاسان (الرئيس السابق لقسم الطاقة الذرية الهندي).

 

 

 

علي محمد اليوسفتصدير: اللغة تجريد التعبير اللفظي عن المعنى الادراكي في مرجعية بيولوجيا العقل. فهل اللغة استعداد فطري موروث؟ ام هي نزوع انساني غريزي مكتسب بالتجربة الحياتية ومؤثرات البيئة والمحيط وقبلهما العائلة لغرض ادامة التواصل الدائم بين النوع الواحد البشرالذين يربطهم العيش المشترك؟

اللغة البيولوجيا والفطرة

نرى الامر واقعا انثروبولوجيا طبيعيا حينما نعتبر فهمنا اللغة البشرية على انها (موضوع بيولوجي)، رغم خاصية اللغة التجريدية الغالبة على البيولوجيا. على الاقل بما تذهب له النظريات العلمية في دراسة وظائف مكونات الدماغ. وليس مباحث الفلسفة على السواء التي ترى موضوع اللغة بالتفسير البيولوجي مصدره الرؤية الذاتية لاختراع تصنيع كل فرد لغته الخاصة به كسلوك مجتمعي في محكومية اشتراطات عديدة منها فطرية واخرى بيئية مكتسبة في تكوين ما يطلق عليه عالم اللغات جومسكي (النحو الكلي) الذي يجمع قواعد اكثر من لغة واحدة.

اللغة تولد استعدادا فطريا بيولوجيا عضويا ناتج تطور حنجرة الطفل الوليد الانسان باختلافها عن حنجرة الحيوان على مدى احقاب زمنية سحيقة في التطور الانثروبولوجي. فاللغة اخترعها الانسان تواصليا في تقليده اصوات الحيوانات والتي اختلفت عنها لدى الانسان على انها اصوات ذات معنى تواصلي محدد مع عدد من الاختلافات التي سنمر بها سريعا لاحقا في فرادة لغة الانسان.

ربما يذهب تفكير البعض ان صيحات انواع الحيوانات هي ايضا ذات معنى تواصلي يجمعها في درء الخطر عن نوع تلك الحيوانات وفي نداءات صيحات الحيوان من اجل اشباع غريزته الجنسية التي تكون عادة موسمية بخلاف عملية الجنس لدى الانسان التي تكون حاضرة على الدوام. وهو تساؤل وجيه والاجابة عليه ان تطور حنجرة الانسان الصوتية جعلته يهتدي الى اختراع نوع من الابجدية الصورية اللغوية بينما بقيت حنجرة الحيوان لا تمتلك الخاصية التعبيرية اللغوية في الوصول الى شكل صوري معين يحمل دلالة صوتية يفهمها النوع والسبب وراء ذلك ليس في انثروبولوجيا تطورات الطبيعة وانما السبب يكمن في ذكاء الانسان النوعي بما لا يمتلكه الحيوان..

الفرق بين لغة الانسان ولغة الحيوان

في مطالعتي مقالة الباحث مصطفى بن الزهرة على موقع كوكل نت خرجت بالتالي بتصرف مني: اللغة سواء عند الانسان او عند الحيوان انما تكون لاشباع رغبات وحاجات مختلفة يحتاجها الجسم. كما ان الرمزية الدلالية اللغوية اي الابجدية الصوتية تختلف بين الانسان كما هي تختلف عند الحيوان. فلغة العربي هي غير لغة الفرنسي، كذلك صيحات القرود هي لغة تختلف عن صيحات الاسود او النمور.اما عن الاختلافات بين لغة الانسان عنها عند الحيوان فيمكن اختصارها بالتالي:

- لغة الانسان مكتسبة من البيئة والمحيط بخلاف لغة الحيوان الفطرية الطبيعية غير المكتسبة. (طبعا هذا ينسجم مع وجهة نظري في متن هذه المقالة، ويقاطع تماما منحى التوليد الفطري الذي يربط الفعالية اللغوية بالسلوك النفسي اللفظي وملكة التوليد اللغوي التي يحوزها الانسان كخاصية بيولوجية عقلية.).

- لغة الانسان واعية بينما لغة الحيوان طبيعية عفوية. (الحقيقة الثابتة التي مررنا عليها تقول كما هي لغة الانسان قصدية لتحقيق هدف او اشباع حاجة غريزية كذلك هي عند الحيوان، والفرق لا يكون باللغة بل بالوعي الذكي. ولا يعني هذا ان الحيوان لا يمتلك وعيا بل يمتلكه بحد ادنى من خصائص ما يمتلكه وعي الانسان من خصائص متعالية تقوم على ذكاء العقل البشري).

- لغة الانسان ابداعية تتسم بالتنسيق الجمالي المفتوح على أطر وفضاءات وعي الحياة بينما هي عند الحيوان عفوية ساذجة. (لانعدام خاصية الذكاء والوعي بالزمن وفقدان الحيوان ملكة توليدية افكار لغوية تعمل على تطوير لغته).

- لغة الانسان متطورة بالتقادم الزمني بينما تكون لغة الحيوان لا تتقبل التطور لانها لا تدرك حاجاتها المستقبلية له . طالما انها تحقق هدفي التواصل النوعي في مجموعاتها وهدف التكاثر النوعي معا.

اصل اللغة انثروبولوجيا

اللغة في تطورها وصلت قبل 300 عام ق. م الى ابجدية مقطعية صورية وليست ابجدية حرفية (من الحرف) اخذت شكل تدوين صوري تفهمه مجموعة من الاقوام ولا تولد اللغة فطرية يمتلكها الطفل بالولادة كما هو الحال في امتلاكه الموروثات الجينية الاخرى التي توصل معرفتها علم اللغة واللسانيات وعلم النفس السلوكي..الا ان هناك فلاسفة وعلماء نفس يعتبرون اللغة استعداد فطري لتعلم اللغة وهو صحيح اذا ما كان مرادفا لا يعني الفطرة الموروثة خالصة كما في امتلاك ملكة العقل.

يعتبر التدوين الابجدي الصوري الصوتي في لغة السومريين والفراعنة والصين والهند يمثل بداية تاريخ دخول الانسان في مرحلة صنعه الحضارة الانسانية التي يرجعها علماء الانثروبولوجيا الى نهايات العصر الزراعي الذي بدأ 7500 ق.م وشهد بروز الاديان الوثنية. كما ويطلقون على تاريخ ما قبل التدوين هو تاريخ اللاتاريخ للاقوام البدائية (الاثنولوجيا) التي نعرف لاتاريخها غير المدون اليوم في اركيولوجيا الحفريات الاثارية وليس بالكتابة التي لم تمكن معروفة تدوينيا.

اعتقد اوضحنا التفريق بين اثنولوجيا الاقوام البدائية التي لا تمتلك بقايا كتابات بسيطة لذا تكون الحفريات الاركيولوجية هي الاساس الذي يعتمده المؤرخين في دراستهم لتلك الاقوام البدائية، بينما انثروبولوجيا العصر الزراعي امتازت بمعرفة ظهور الكتابة المسمارية في العصر النحاسي الاول يرافقها بروز الطقوس الوثنية الدينية.

نظرية جومسكي في النحو اللغوي الكلي

 اللغات التي اخترعها الانسان عبر العصور تجاوز المئات وربما تصل عشرات الالوف اليوم واكثر اذا اضفنا لها اللهجات العامية الخاصة بكل مجموعة بشرية حتى لو كانت صغيرة تعيش في كنف لغة شعب اشمل من لهجات الاقليات التي تتعايش معها. ولكل حرف في لهجة عامية او لغة شعب اكتسبت بمرور الاستخدام التداولي مجتمعيا قواعد نحويه ثابتة مستقرة لدى بعض الشعوب هو ابجدية صوتية مختلفة عن غيرها من لغات شعوب وامم العالم.

لذا اللغة وليد استعداد فطري يكتسب كامل تمام بنيته الابجدية وقواعده النحوية من العائلة والمجتمع ومراحل التعليم الدراسي وفي قراءة الكتب ليتوقف على نحو لغوي من القواعد والاحكام الصرفية والبلاغية ورسم دلالة الحرف الصائت وغيرها لا يشابه غيره في لغات اخرى.. ولا يمكن تداخل لغة مع اخرى بالاندماج في احتواء الاشمل للمحدود من اللهجات اللغوية. وهذا لا يشبه تداخل مفردات لغوية مع مفردات اخرى قد تقترب في الابجدية وتختلف بالمعنى، وربما العكس واردا.

واللغة ليست حوارا تواصليا سيسيولوجيا فقط عند اصحاب السعي نحو ايجاد نحو كلي جامع لاكثر من لغة واحدة في محاولتهم تسهيل قواعد بعض اللغات. ولا هي فعالية ادراكية تبدا بالحواس وتنتهي بالنفس كما تذهب له المدرسة السلوكية اللفظية الامريكية في علم النفس والتي يعتمدها جومسكي بتفرد نقدي خاص له عليها اطلق عليه القابلية الفطرية التوليدية في تعلم اللغة. بينما يرى الاخرون اللغة موضوعا بيولوجيا عقليا يرتبط بوظائف المخ وتخليقه الفكرالادراكي والوعي بالموجودات في صور تجريد اللغة التعبيرعن تلك المدركات.

إنكار بعض فلاسفة اللسانيات ان اللغة ليست تخليقا ادراكيا استبطانيا على صعيدي التعبير عن موضوعات الخيال ومخزون الذاكرة ولا في التعبير عن موجودات العالم الخارجي المادية وظواهره لكن هذا لا يلغي حقيقة العلم في تاصيل السمة العضوية البيولوجية لانتاج العقل للغة انثروبولوجيا. ولا يمكن فصل اللغة عن تفكير العقل. اللغة ليست ماهية فكرية مغلقة للعقل، بل هي خاصية انفرادية منفتحة للعقل. بمعنى اللغة ليست ماهية العقل الوحيدة بل هي إحدى خصائص العقل الانفرادية من مجموع خواص عقلية لا يمكن حصرها.

من المهم التنويه ان تفكير العقل استبطانيا جوانيا في مواضيع خيالية لا يختلف عن التفكير في تعبير اللغة عن المدركات الخارجية في العالم الخارجي. فالتفكير العقلي في كل احواله الادراكية المادية والخيالية هو تجريد لغوي يقوم على ابجدية الاصوات في شكلها الصوري الذي يتمثّل الاشياء والمدركات المادية في نفس آلية التعبير التجريدي الصوري لمواضيع الخيال والمادة على السواء.

بمعنى اللغة من حيث ايصالها المعنى في كتابة قصة بالادب هي نفسها اللغة المعبّرة عن وجود ازهار في حديقة. ففي الحالتين تكون اللغة تفكير عقلي تجسده اللغة من حيث الآلية التي تقوم على ثنائية الادراك الحسي والخيالي في التعبير اللغوي عن تلك المدركات..فمثلا حين يريد شخص وصف الحالة الجوية فهو يستعمل لغة تجريد هي نفسها في ابجدية تجريد كتابة رسالة من حيث آلية رصف الحروف والكلمات والجمل في التعبير عن المعنى. وطبعا من المحال ان تكون ابجدية لغة عربية هي نفسها ابجدية لغة فرنسية او انكليزية.

يرى عالم اللغات الفيلسوف نعوم جومسكي ان اللسانيات يجب ان تخضع كما هو العلم الطبيعي الى منهج التجريبية، وان اللغة ليس منشأها التوليدي البيولوجيا العضوية الناتجة عن تركيبات فسلجة وظائف اعضاء محتويات وتكوينات المخ في منظومة الخلايا العصبية التي هي فعل تخليق بيولوجي صادر عن بعض مناطق تكوينات المخ المرتبطة بخاصية كهربائية عصبونية تصدرها الخلايا العصبية كردود افعال استقبالية للمخ او ردود افعال انعكاسية صادرة عنه تجاه مدركاته.، وانما القول اللغة فعالية ادراكية تقوم على البصيرة التفسيرية وقوة نظرياتها وليس في امتثالها لقيود الفلسفة كما يرغب جومسكي ذلك. فهي مسالة تنسف الطريق المسدود الذي قطعته فلسفة اللغة ونظرية المعنى. طريق فلسفة اللغة المسدود هو في اعتبارهم النسق اللغوي هو نظام محايد يوازي واقع الحياة ولا يقاطعه.

ديكارت وماهية اللغة

كما يرفض علماء اللسانيات ومنهم جومسكي بيولوجيا اللغة التي تبدأ بوعي المدركات الحسية ومواضيع المخيلة الذاكراتية وتنتهي بعضوية بايولوجيا علاقة العقل بالجسد التي يجدونها علاقة معقدة ممثلة في تداخل السلوك النفسي للغة مع الخاصية التجريدية لتعبير اللغة عن العالم المادي والعالم الخيالي على السواء..

أي اللغة هي ليست محدودية ماهوية في تجريدها تفكير العقل وفي التعبيرلغويا عنه الذي وصفه ديكارت العقل جوهر غير فيزيائي ماهيته التفكير الادراكي في معرفة العالم الخارجي ولا تربطه علاقة تخارجية بالجسد. ديكارت عزل تفكير العقل اللغوي عن بيولوجيا الجسد الفاني. بمعنى موت الجسد لا يلغي خلود العقل غير الفيزيائي المجرد. هنا اعتبر ديكارت لغة العقل هي ماهية العقل في خاصية التفكير الخالد الذي لا يموت بموت الجسد.

هذا العقل التجريدي والذي تطلق عليه فلسفة اللغة الخطاب او اللوغوس. هو حسب توصيفات ديكارت العقل القائم جوهره على تجريد جوهر اللغة وليس على جوهر بيولوجيا العقل ذاته. وليس هناك من علاقة عضوية بيولوجية تربط تجريد اللغة بالمخ والاعصاب والحواس. اي اللغة ليست موضوعا بيولوجيا كما يقول به اليوم جومسكي وعلماء اللسانيات اللفظية السلوكية. هذا يقودنا الى أن اللغة آلية تقوم بها الحنجرة واللسان من دون مرجعية بيولوجيا العقل.

من المعلوم جيدا أن ديكارت يعتبر العقل هو الجوهر غير الفيزيائي الذي يلازم النفس بعدم الفناء وخلودهما (العقل والنفس) بعد فناء الجسم عضويا. ديكارت عندما يقول خلود (النفس) انما كان يقصد او لا يقصد مرادفها (الروح). والا لم يكن سقط في تعبيره النفس جوهر خالد. النفس رغم استدلالية التعبير عنها بالسلوك النفسي القصدي لاشباع حاجات بيولوجية بتجريد لغوي الا أن النفس موضوع بيولوجي يختلف عن الروح التي هي مفهوم ميتافيزيقي لا يمكننا التحقق منه.

النفس في علم النفس التجريبي ظاهرة استبطانية وجدانية تحكمها الرغبة في اشباع حاجات الجسم النفسية وترتبط عضويا تجريديا بالعقل وترجمة السلوك لها يمكن ادراكها ولا يعاملها علم النفس على انها روح خالدة كما يصورها لنا اللاهوت الديني. مصطلح الروح لا معنى له خارج التصورات الميتافيزيقية الغامضة التي تستوعبها بالحديث عنها وحسب وتعجز تفسير ماهيتها.

 ديكارت تغاضى عن معاملة النفس سلوكا فرديا ضمن مجتمع كما هو دارج في ابسط ادبيات علم النفس. والنفس ممكن اخضاعها لتجارب علم النفس كما تفعل العلوم الطبيعية بتجاربها وقال ديكارت بخلود النفس والعقل. كونهما جوهرين من التجريد الذي يفارق فناء الجسد العضوي.

الصوفية في الاديان الوثنية البوذية والهندوسية والزرادشتية لا يؤمنون بالخلود لذا نجد الحلول النفسي الصوفي في موجودات الطبيعة عندهم هو تجسيد النفس – الروح ولا فرق بينهما. مذهب وحدة الوجود يعتبر الحلول النفسي في موجودات الطبيعة هي تجسيد عظمة نظام الكون لا فرق ان يكون خالقا او مخلوقا. غالبا ما يستخدم صوفيي الاديان الوثنية تعبير الروح عوضا عن النفس رغم التعالق الازدواجي الذي يجمعهما.

تجزيء العقل بما يلغي ماهيته التجريدية اللغوية يلغي بيولوجيا العقل – الجسد، ويلغي بيولوجيا اللغة - السلوك. كما يلغي بيولوجيا العقل التوليدي للغة المكتسبة عن المحيط والاسرة ومراحل التعليم، والغاء العلاقة التوليدية اللغوية ان لا تكون لها رابطة بالفلسفة بل رابطتها الحقيقية بالبصيرة التفسيرية كما يذهب له جومسكي. وهي نظرية نراها تحتاج العديد من الاسانيد. (تنظر مقالتنا المنشورة على صحيفة اوروك بعنوان: نظرية السلوك اللفظي اللغوي ومواقع عربية عديدة).

اللغة جزء أو مبحث من مباحث علوم اللسانيات، والفلسفة كمنهج معرفي رغم احتشادها بمختلف شؤون المعرفة والطبيعة واللغة والحياة والانسان، مثل علم النفس، البيولوجيا، الانثروبولوجيا، والابستمولوجيا، والتاريخ، والوعي الفطري والوعي المكتسب والسلوك وغيرها من مباحث فلسفية يجعل من تواصل وشيجة اللسانيات بفلسفة اللغة اقوى من تلك التداخلات التي مررنا بها. بمحكومية جميع تلك التداخلات وغيرها هي مباحث متعالقة بالفلسفة في اوثق الاواصر منها فلسفة اللغة.

بعيدا عن اعتماد البصيرة التفسيرية وقوة نظرياتها بعيدا عن الفلسفة على حد تعبير جومسكي. البصيرة التفسيرية اضافة الى انها تنحو نحو الفردانية في الفهم الا اننا من المهم ان لا نجعل البصيرة النافذة تغلب على الوصاية العقلية في تفسير معنى اللغة وتعالقاتها بغيرها من حلقات منظومة العقل الادراكية.

البصيرة الحدسية التفسيرية لا يمكنها اختزال العقل في الادراك التجريدي الذي وسيلته الوحيدة هو تعبير اللغة. كما ان العقل يعامل اللغة على انها اصوات تعبيرية عن معاني الاشياء المادية وموضوعات الخيال التي يدركها.

صحيح الفلسفة ليست المنهج التقليدي الوحيد في تفسيره قضايا اللغة ومباحث علوم اللسانيات الا انها الارجح والاقرب اكثر من غيرها مثل اعتماد البصيرة التفسيرية وقوة نظرياتها بعيدا عن مباحث الفلسفة في فلسفة اللغة. البصيرة التفسيرية اضافة الى انها تنحو منحى الفردانية كما ذكرنا الا انها لا يمكنها اختزال ادراكات العقل في تجريد تعبير اللغة عما نريده. البصيرة التفسيرية حشد استقبالي لمعاني مدركات تعبير اللغة، بينما العقل هو تخليق عضوي بيولوجي للغة. ونحصل بالاخير على نتيجة موضوع اللغة بيولوجيا وليس موروثا فطريا.

فريدريك سكينر ومباديء السلوك اللفظي

 سكينر فيلسوف وعالم نفس امريكي 1904 - 1990 حاول دراسة ترابط علم اللغة بعلم النفس. وعمل استاذا في جامعة كامبريدج الامريكية. عضو الجمعية الامريكية للفلسفة. برز سكينر رائدا لهذا الاتجاه حين أصدر كتابه "السلوك اللفظي" وكان الكتاب يعتمد تداخل صوت اللغة مع السلوك اللغوي في مرجعية علم النفس في السعي الوصول الى اثبات عدة فرضيات نظرية فلسفية لغوية هي:

- تركيز الاهتمام بالظاهر الخارجي من اللغة (الصوت - الكلام) فقط ومعاملتها حالها حال أية ظاهرة سلوكية أخرى ترتبط بعلم النفس . 1

- اهمال دراسة المعنى اللغوي على إعتبار ان المعنى ليس مظهرا خارجيا يمكن النظر فيه والتحقق منه كموضوع مستقل بالمنهج العلمي التجريبي كما يجري في دراسة موضوعات ونظريات العلوم الطبيعية التي تقوم على التجربة. 2

هنا لا بد من التنويه أن علماء السلوك اللفظي اللغوي حين أهملوا جانب المعنى في اللغة، فهم جردوها من أهم مقوماتها وأهم اهدافها الحياتية المتفرعة عنها وهي عديدة لا حصر لها. في مقدمتها يأتي مهمة التواصل وتعطيل تبادل إكتساب المعرفة العلمية بانواعها وكذلك تعرية اللغة من قواعد النحو والصرف والاشتقاق وغيرها الخاصة بكل لغة مكتوبة تمثل خاصية انفرادية لشعب من الشعوب او امة من الامم.. في السعي نحو الوصول لما اطلق عليه جومسكي (النحو الكلي) الجامع لخصائص نحوية لاكثر من لغة واحدة.

ركز اللغويون السلوكيون على اللغة المنطوقة (الصوت – الكلام) واهملوا المعنى في اللغة المكتوبة إهمالا كبيرا، وصّبوا جلّ إهتمامهم على نظام اللغة الصوتي وإعتبروه المظهر الاساس باللغة. 3

كما إهتموا بالصوت كمظهر خارجي وحيد يمكن إعتماده بدراسة اللغة في مقارنتها بظواهر صوتية في لغات أخرى محاولين الوصول الى قواسم مشتركة تجمع بين لغات مختلفة في نحو توليدي خاص يجمع اختلافاتها النحوية ويعمل على تيسير سهولتها التداولية وهو ما يطعن الهوية الوطنية للشعوب التي تجد لغتها القومية الخاصة قد انصهرت وذابت في معترك ما يسمى النحو الكلي الجامع لاكثر من لغة.. لم يول(ي) علماء لسانيات السلوك اللفظي وفلاسفة الفطرة التوليدية في اكتساب اللغة كثير اهتمام أن اللغة كائن انثروبولوجي حاله حال الانسان بمجموعته الكينونية الموحدة يتطور ويتغير باستمرار.

جومسكي ومبحث النحو التوليدي

تلقى كتابات جومسكي في اللسانيات والسياسة ومختلف مباحث الفلسفة رواجا غربيا كبيرا في الجامعات الامريكية والعالمية، والشيء المهم انه انبرى العديد من علماء اللسانيات وفلاسفة العقل واللغة الدفاع عن سقطة جومسكي اعتباره اللغة فطرية بالكامل ويرجع له الفضل في اكتشافه النحو الكلي. ويفهم من هذا ان النحو التوليدي الجامع لأبجدية اصوات اللغات المختلفة كانت موجودة واكتشفها جومسكي ولم يخترعها من عنده وهي مغالطة اقبح من ذنب. ويعزو جومسكي سبب ايمانه بالنحو الكلي يعود الى استعداد فطري لدى الطفل في تعلمه اللغة. وتدارك بعض علماء اللسانيات الانجليز قولهم ان هذا المفهوم سبق لهم ان قالوا هم به.

لا اعتقد جرى في مباحث فلسفة اللغة التفريق بين الاستعداد الفطري لدى الطفل تعلم اللغة هل يعود لموروث عضوي تكويني في تمايز حنجرة الانسان وتوافقها الوظيفي مع اللسان في نطق ابجدية اصوات اللغة باختلاف عن الحيوان.؟

أم الاستعداد الفطري في تعلم اللغة الذي يؤيدونه جومسكي واتباعه انه لا علاقة عضوية بيولوجية تربط التعلم بالوعي العضوي العقلي، وانما يرثه الانسان كما يرث الخصائص الجينية الموروثة التي اكتشفها العلم؟ وعلى البصيرة التفسيرية حسب جومسكي تحقيق البرهنة في اكتشاف التفسير التجريبي حاله حال اجراء التجارب على اية قضية علمية.

إرجاع الاستعداد الفطري لتعلم اللغة الى ملكة تجريد صوتية غير عضوية خطأ سبق وان قال به ديكارت حين اعتبر ماهية وخاصية التفكير العقلي تجريد غير فيزيائي لا علاقة له بالعقل العضوي (المخ). وبنى على هذا الخطأ تصوره الخاطيء الآخر أن لا علاقة تربط بين ازلية جوهر العقل التفكيري وخلوده مع النفس ولم يقل الروح بعد مغادرتهما الجسم الفاني المتفسخ عضويا بعد الممات.

تعامل ديكارت قوله العقل والنفس جوهرين خالدين لا يفنيان بعد موت الجسم خطأ جسيم لا يفرق بين تجريدية الادراك العقلي الذي مرجعيته لا فيزيائية ولا عضوية – وهو محال – وبين ماهية العقل التجريدية لغويا في مرجعية تكوينه عضو بيولوجي يستقر في جمجمة الانسان ويفنى بفناء الجسم.

الحصيلة التي لم يتقبلها ديكارت تحت سطوة التماهي مع سلطة ونفوذ رجال الدين وقتذاك القرن السابع عشر أنه لا بد من التسليم بوجود خلود بعد الموت وفناء الجسد. فاختار ديكارت اهون الشرين امام اللاهوت الذي يرى الروح خالدة ولم يقل النفس. ولما كانت الروح مصطلحا لاهوتيا تقاطع نزعته العلمية التجريبية قال بالنفس الخالدة.

لا يوجد ما يثبت لنا ان العقل والنفس جوهران لا يفنيان بفناء الجسم. اللغة في جميع تحولاتها الاستبطانية في تعبيرها عن موضوعات الخيال وفي ادراكاتها عالم المادة الخارجي هي اولا واخيرا تجسيد لعلاقة عضوية تربط اللغة بتفكير العقل ولا حتى ترتبط بتفكير الذهن خارج تعالق الذهن بوصاية العقل عليه. البعض ينسب للذهن خاصية تفكيرية مستقلة ايضا لا علاقة عضوية تربطها بالعقل. وغالبا ما يعبّر عن الذهن هو العقل.

اكرر نفس العبارة التي سبق لي ذكرها ان اللغة ليست ماهية العقل الوحيدة بل هي خاصية عقلية واحدة من جملة ما لا يحصى من خصائص عقلية تربط علاقة الجسد بالعقل بيولوجيا.

فهم اللغة بدلالة علاقة العقل بالجسد

يصر جومسكي اعتباره اللغة ليست موضوعا بيولوجيا ويتغاضى عن حقيقة " ان الرؤية الذاتية للغة تدخله في حقل علم النفس – كما اشرنا له سابقا – وفي نهاية المطاف يدخل حقل علم الاحياء (البيولوجيا) ما يرتب على ذلك وجوب تحليل اللغة عن طريق منهجية العلوم الطبيعية التجريبية وهو ما لا يقبل به جومسكي "4

هذه الاشكالية التي ينكر طبيعتها المنهجية جومسكي يقودنا الدخول في معضلة علاقة العقل بالجسد "وكيف يستطيع ما هو تعريف – مجازي خيالي تجريدي للعقل لا مادي ممثلا بتفكير العقل اللغوي – تحريك ما هو مادي الجسد في تكويناته البيولوجية؟

امام هذه الاشكالية التي زامنت الفلسفة يعترف جومسكي بتشائمه من حل هذه المعضلة التعالقية بين العقل والجسد في توسيط اللغة. ويعزو الحل الى وجوب توفر امكانية التوصل لحل علمي متى ما يتحقق لنا التفريق بين استعمالنا اللغة كمقابل معرفتنا ماهية اللغة.

اود تثبيت الملاحظات التالية:

1- ارى ان تجريد اللغة من انثروبولوجيتها وجيناليوجيتها في التاصيل البيولوجي من تاريخ اختراع ونشأة اللغة، يقود الى العلاقة الاشكالية بين العقل والجسد. وعلاقة اللغة بالسلوك، وعلاقة النفس بالعقل، وجميع هذه التجليات الاشكالية تدور بالمحصلة حول المشكلة وليس الدخول في حل واف يستطيع البرهنة على ان اللغة استعداد فطري موروث وليس موضوعا بيولوجيا.

2- بنفس هذه الآلية في تاصيل اللغة بيولوجيا، بما يعزز مباحث علوم الانثروبولوجيا والتطور التاريخي للانسان، تحيلنا حل معضلة هيمنة العقل اللامادي على الجسد المادي وتجسيد ذلك انما يكون من خلال التعالقات الوظائفية بينهما ابرزها ان اللغة سلوك انساني وفهم ادراكي للعالم.

3- الفقرة الاخيرة التي تثير تشاؤم جومسكي في استغلاقها العصي على الحل هو ما لم يتم التفريق بين استعمالنا اللغة – اي بيولوجيا اللغة السلوكي – وبين اعتبار ذلك مرادفا لمعرفتنا ماهية اللغة، نجدها لا تمثل اشكالية فالاستعمال الوظائفي للغة هو الذي يمنحنا معنى اللغة بالحياة .

 

علي محمد اليوسف /الموصل

...................................

الهوامش:

 نعوم جومسكي: افاق جديدة في دراسة اللغة والعقل ترجمة عدنان حسين .

هوامش 1،2،3،4 الصفحات 19 - 21

 

علي رسول الربيعيتمثل الديمقراطية قمة للفلسفة السياسية، يرتبط فهمها ارتباطًا وثيقًا بمفهوم الاجتماعي. لذلك من المنطقي أن نسأل عن الديمقراطية في إطار الفلسفة الاجتماعية. لا يتعلق الأمر هنا بمسألة إلقاء الضوء فلسفيا على أسئلة محددة ومفصلة عن تصميم النظام الديمقراطي، بل بالأحرى بالأسس الاجتماعية الفلسفية للديمقراطية. وذلك من اجل فهم  ماتعبر عنه هذه الأسس للتواصل السياسي (الإجماع مقابل الخلاف)، ومعالجتها للتطورات العالمية الحالية (الدولة مقابل المجتمع العالمي) واستجابتهم للرقمنة (الرقمية مقابل التناظرية).

لقد أصبحت هذه المسائل أكثر أنتشاراليوم على خلفية القضايا السياسية الأكثر أهمية وراهنية. يبدو نموذج الديمقراطية غالبا في هذا السياق حتى يومنا هذا بوصفه أفضل شكل ممكن للحكم السياسي. ومع ذلك، فإن الظواهر السياسية والاقتصادية والثقافية الحالية تتحدى الديمقراطية كمفهوم نظري وكشكل من أشكال التنظيم السياسي. تتنوع هذه التحديات مثل: تعقيد التطورات الاجتماعية في مجال الرعاية الصحية سواء في دول العالم الراسمالي او الدول الاخرى القل تطورا، ظاهرة "المواطنين الغاضبين" الذين يعبرون عن خيبة أملهم من خلال في مظاهرات غاضبة؛ أو الجهود الكبيرة التي تبذلها أغلبية دول العالم لمحاربة الأزمة المالية واثرها على حياة الناس، حيث يبدو تأثير الدولة الديمقراطية خاضعًا للقيود الاقتصادية؛ وأخيرًا الاختلاف المتزايد بين المخولين باتخاذ القرارات والمتأثرين بالقرارات في ضوء المشكلات العالمية.

أدت كل هذه الظواهر إلى فتح  نقاش حول أزمة الديمقراطية. لكن لا ينبغي المبالغة في هذه المناقشات حول الأزمة، لأن تصور الأزمة قد رافق الديمقراطية لأكثر من 2000 عام، فهي  ربما جزء من مسار الديمقراطية نفسها الى حد ما. يميز ميركل[1] بين نموذجين قويين يمثلان، إلى حد ما ، أقطاب النقاش: نموذج الحد  الأدنى ويركز على الانتخابات الحرة والمتساوية، ونموذج  الحد الأقصى الذي يدمج سرديات العدالة الاجتماعية أو المواطنة النشطة أو المؤسسات في مفهوم الديمقراطية. ففي رأيه تكون نتائج الأزمة أكبر كلما زاد فهم الديمقراطية. واستنادًا إلى كلا النموذجين، لم يكن هناك عدد من الديمقراطيات المستقرة كما هو الحال اليوم. ومع ذلك، تكمن المشكلة في أن السكان عادة ما يكون لديهم مستوى عالٍ من الثقة في الإدارة والشرطة والقضاء فقط، في حين تتعرض المؤسسات الأساسية للديمقراطية التمثيلية (مثل الأحزاب السياسية) لانتقادات شديدة. تعمل الشعوبية بشكل خاص في أشكالها المختلفة حاليًا على تكثيف هذا النقد للديمقراطية. هذه خلفيات مهمة للنقاش الذي اثيره هنا.

إجماع أم نزاع

يتعلق أول تمييز مهم للفلسفة الاجتماعية بمسألة أي شكل من أشكال التواصل السياسي له أهمية خاصة في الديمقراطية. يلعب راولز وهابرماس من ناحية، ومن ناحية أخرى، الديموقراطيون الراديكاليون مثل شانتال موف أو بتلر دورًا مهمًا في هذا. حيث يمكن لأفكارهم (على سبيل المثال المصممة أيديولوجيًا) عن الحياة الخيرة أن تكون جزءًا من العملية السياسية. كان راولز قد حدد بالفعل حقيقة التعددية كنقطة انطلاق لفلسفته، لكنه طالب بعد ذلك بأولوية الحق والعدالة على الخير، وبالتالي لم يأخذ في الحسبان الأفكار التعددية للخير أو الحياة الناجحة. إن السمات المركزية للاستخدام العمومي للعقل بالنسبة لراولز،على هذه الخلفية، هي المعاملة بالمثل والفهم العام للقناعات المقدمة.

إن المذاهب الشاملة أو وجهات النظر العالمية، بالنسبة لراولز، هي تعليمات للحياة الخيرة، لا يمكن استخدامها علنًا  أو في المجال العام إلا إذا اجتازت مرشح العقل العملي وقبلت أولوية الحق على الخير.[2] لا يمكن للمذاهب الشاملة أن تساهم بشيء ما في الخطاب السياسي إلا إذا كانت قد مرت بعمليات ترجمة مناسبة. إن رؤى العالم التي لا تريد الالتزام بحد الاستخدام العام للعقل "أو غير قادرة على التعامل معه، لا تستطيع أن تلعب دورًا نشطًا داخل مجتمع منظم جيدًا".[3]

يرى راولز أنه يمكن أيضًا أن ندع المفاهيم الاجتماعية للعدالة تتأثر بالعقائد الشاملة، لكن ينبغي تجريدها من ذلك في الخطاب العمومي ، ايً الخطاب في المجال العام. لذلك يطالب راولز بالطبيعة الملزمة لعقد افتراضي من وجهة نظر غير حزبية ويطالب بالاحترام المتبادل في الخطاب العمومي، حيث يدين جميع المواطنين لبعضهم البعض بأسباب لتفهم لمعتقداتهم بشكل عام. فالمداولات الديموقراطية، بالنسبة له، تهدف إلى إعطاء وأخذ الأسباب التي من المحتمل أن يفهمها جميع الناس وتمثل الإجماع المتداخل أو توافق الآراء المتداخلة بين هذه المواقف.

هناك أمورًا مركزية مشتركة بين راولز وهابرماس في هذا السياق حتى لو اختلفت مقارباتهما في العديد من النواحي. يدعو هابرماس على أساس أخلاقيات الخطاب التي تم تحديدها بالفعل ، إلى تبادل معقول للحجج في المجال السياسي أيضًا ، والتي تنشأ من مفهوم العقل التواصلي. أظهر هابرماس في العديد من الكتابات كيف يمكن تطبيق هذه الرؤية الفلسفية سياسيًا. إن الديمقراطية التداولية هي الشعار الذي يقف فوق هذه الاعتبارات. يريد عند القيام بذلك ، أن يميز نفسه عن المواقف الليبرالية التي تؤكد على البعد الاجتماعي بشكل ضئيل للغاية والتي من الواضح أن السياسة فيها لا تضع في الاعتبار سوى حماية أو إنفاذ المصالح الخاصة.

تسعى الديمقراطية التداولية، في المقابل، إلى إضفاء الطابع المؤسسي على عمليات الرأي وصنع القرار، والتي يشارك من خلالها أكبر عدد ممكن من الناس في المجتمع في المناقشات حول المسائل الحاسمة للعيش المشترك. يضمن المجال العام الطبيعي و العفوي واللامركزي تعددية الآراء. يتبنى هابرماس عند القيام بذلك، أيضًا، أفكارًا براغماتية من حيث اهتمامه بتنوع الممارسات الاجتماعية التي تشكل أساس العمومي، وبالتالي للحوار والتفاوض السياسي.[4]

إن الهدف من مثل هذه الإجراءات هو إجماع معقول ومتولد بشكل تواصلي. إن هذه هي الطريقة الوحيدة، بالنسبة له،لإضفاء الشرعية على القرارات السياسية من أجل تعايشنا وحث الناس على دعمها في بيئتهم المعيشية. يغير هذا شرعية الإجراءات الديمقراطية في نهاية المطاف أيضًا. لا تعني الديموقراطية - حسب هابرماس - فقط أن السياسيين المنتخبين يالذين تحكمون في العمليات الاجتماعية ، بل تعني اعتبارًا خاصًا للمجتمع المدني أيضًا.

"فلم تعد قدرت العملية الديمقراطية على إضفاء الشرعية وحدها، ولا حتى في المقام الأول، من المشاركة والتعبير عن الإرادة، ولكن من الوصول العام لعملية تداولية" التي تسمح بتوقع نتائج مقبولة عقلانيًا. يغير هذا الفهم النظري لخطاب الديمقراطية المتطلبات النظرية لشروط شرعية السياسة الديمقراطية.[5]

إن مثل هذا الفهم للسياسة القائمة على أخلاقيات الخطاب هو ماينكره الديمقراطيون الراديكاليون. ترتبط في هذه النظرية، التي تتبع بالمعنى الأوسع فلسفة هيجل الاجتماعية، خطوط مختلفة من التقاليد مثل  عناصر من ماركس أو أنطونيو جرامشي أو دريدا. تمثل النظرية الراديكالية للديمقراطية، في المناقشة الحالية، نقيضًا مهمًا للنظرية الليبرالية للديمقراطية، وسنبين  من خلال النظر في اقتراحات موف كمثال.

تتميز الديمقراطية، في تفسير موف، بطبيعة متناقضة لا يلتقطها التيار الليبرالي السائد. المفارقة هي أن الديمقراطية تجمع بين وجهين متعارضين ظاهريًا، وهما الحرية الفردية ومبدأ المساواة. وتعتبر أن التوتر بين الجانبين لا يمكن التغلب عليه حيث يمثل  وفي الوقت نفسه قوة دافعة مركزية للديمقراطية.

طورت موف جنبا إلى جنب مع إرنستو لاكلو أساسًا اجتماعيًا فلسفيًا لاعتباراتهم الديمقراطية النظرية في وقت مبكر من الثمانينيات.[6] يظهرالمجتمع فيها كشكل معقد من الخطاب،ويبدو هنا تاثرهم بمنهج  فوكو التحليلي للخطاب. لا ينشأ المعنى، بالنسبة لموف، من خلال الإشارة إلى العالم الخارجي، ولكن في الخطابات الاجتماعية والسياسية فقط. فالخطاب هو مجموع اجتماعي يتغير ديناميكيًا باستمرار. إنهم يعتقدون بسبب هذه الديناميكية وعدم القدرة على تثبيت المجتمع على معنى واحد، أن المجتمع دائمًا غير مستقر وهش. لهذا السبب توجد دائمًا حجج جديدة حول ترسيخ أو تثبيت الخطابات؛ وهذه هي السمة المركزية للسياسة.

تشرح موف هذه الاعتبارات من خلال اللجوء إلى الفلسفة السياسية ونظرية كارل شميت تحديدا، أحد أكثر الفلاسفة الاجتماعيين إثارة للجدل في القرن العشرين. فالسمة المركزية للسياسة بالنسبة لشميت، هي التمييز بين الصديق والعدو. فيتشكل المجتمع من خلال الهويات الجماعية التي تستبعد بعضها البعض بالضرورة وبالتالي تتقاتل. ينتقد شميت الليبرالية لأنها: أولاً، تركز كثيرًا على الفرد وتتجاهل تلك الهويات الجماعية، وثانيًا، تبالغ في تقدير إمكانات الاتحادات الاجتماعية.[7]

تتعاطف موف مع فهم الديمقراطية بوصفها تعددية فيما يتعلق بالنضالات السياسية، لكنها أنتقدت شميت ايضا لأن تميل أعتباراته نحو شكل شمولي للمجتمع. هذا هو السبب في أنها تدعو إلى التحول من العداء إلى نوع من الخصام بوصفها نظرية سياسة تؤكد على الجوانب الإيجابية المحتملة لأشكال معينة من الصراع، وتسعى لإظهار كيف يمكن للأفراد قبول هذا الصراع وتوجيهه بشكل إيجابي.  فترى أنه في الديمقراطيات يمكن محاربة المواقف بديلا عن مفهوم العداء؛ حيث "لكل فرد الحق في تمثيل مواقفه بشكل قوي وعاطفي. فيكون الخصم هنا عدو شرعي، يقبله المرء على الأقل موجودًا و إنه جزء مبررمن النضال السياسي.

تنتقد موف، مع هذا المفهوم للديمقراطية الراديكالية،الفهم الليبرالي للديمقراطية. فمن وجهة نظرها ، يرى مفكرون مثل هابرماس أن القليل جدًا من السياسة هو ساحة للنضال العام. إنها لا تفهم هذا الصراع على أنه صراع بين الأفراد، ولكنه صراع داخل حقائق خطابية، أيً بين علاقات القوة/ السلطة المنظمة بشكل  خطابي.

وتوجه موف نقطة ثانية من النقد إلى المفكريين الليبراليين: أذ تتجاهل النظريات الليبرالية للديمقراطية، في رأيها، الروابط داخل المجتمع. إنها تؤكد على غرار فالزر،[8] على لحظة العاطفة، التي تفسرها بوصفها محرك للعمليات الديمقراطية. "تتمتع السياسة دائمًا  ببُعد من الحزبية العاطفية وهذا بالضبط ما هو مفقود في تمجيد للديمقراطية غير المتحمسة وغير المتحيزة اليوم ".[9] تدور نظريات الديمقراطية الراديكالية حول نقد أساسي للفهم الليبرالي للعقل. فيشير المفكرون ذوو الطابع الليبرالي، وفقًا لتقدير موف، إلى مفهوم شكلي ولكنه قوي للعقل الذي يريد ربط التعددية الاجتماعية بالوحدة. وضرب هابرماس مثلا على ذلك أيضًا من مفكرين ما بعد الحداثة مثل Wolfgang Welsch ، الذي "يريد أن يربط التعددية بالوحدة، على الرغم من أنه لم يعد قادرًا على كشف كيف  أنه مازال من الممكن تصور هذه الوحدة".[10] وهكذا يتم دفع تعددية الآراء الاجتماعية (على أنها غير معقولة) إلى المجال الخاص. يمكن تمثيل ذلك من خلال اعتبارات هابرماس حول المجتمع ما بعد العلماني، حيث يعتبر المعتقدات الدينية مبهمة وبالتالي يتم تفسيرها جزئيًا في البيئة الأخلاقية الخاصة.[11] تسير تأملات راولز حول التعاليم الشاملة في اتجاه مشابه جدًا. تعكس هذه الاعتبارات مرة أخرى من منظور الديمقراطية الراديكالية ،انخفاضًا في قيمة التعددية، والذي يرتبط أيضًا بالتمييز الليبرالي (الذي يجب انتقاده) بين الخاص والعام.

إن هذا له تأثير أيضا على مسألة البُنى الديمقراطية العالمية. بينما يؤمن المفكرون التداوليون بالحجة العقلانية لبناء مؤسسات عالمية مشتركة، يركز آخرون مثل موف على أهمية  الأخذ في الحسبان  الخلافات والنزاعات بين مختلف الجهات الفاعلة على المستوى العالمي وفي مناطق محليًة.[12] ومن الأمثلة على ذلك تركيزهم على تعددية النماذج الديمقراطية في مناطق مختلفة من العالم.

تشير العديد من مناهج الديمقراطية الراديكالية، من الناحية الفلسفية، إلى دريدا. حيث يفسر الديمقراطية التوافق مع تفسيره للقانون كشيء قادم، فيصفها بأنها "ديمقراطية قادمة".أيً  يشير " إلى إمكانية جذرية لانتقاد وإعادة صياغة العلاقات السياسية القائمة. فالديمقراطية وعد يجب خلقه وتجديده مرارًا وتكرارًا في الخطاب الاجتماعي. فتعني قادمة أن الديموقراطية رؤية تتغير أو تتجدد من قبل الناس كل يوم. شيء يجب العمل من أجلها. هناك ضرورة ملحة لأن العمل على الديمقراطية القادمة لا يمكن تأجيله.[13]

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

............................... 

[1] Merkel, W .: Is the crisis of democracy an invention? In: Reder, M./Cojocaru, M.D. (Ed.), Future of Democracy: End of an Illusion or Departure to New Forms? Stuttgart 2014, 25-46

[2] Rawls, J.:Political Liberalism, ‎ Columbia University Press; 2005,133-135.

[3] Wallner, J .: Rawls and Religion. On the legal conception of religion in the work of John Rawls. In: Austrian Archives for Law and Religion (50 / 3-4), 2003, 554-587.

[4] Nida-Rümelin, J .: On the philosophy of cosmopolitanism. ln: Journal for International Relations (13/2), 2006, 227-234.

[5] Habermas, J.:The Theory of Communicative Action, Volume 2: Lifeworld and System: A Critique of Functionalist Reason.

[6] إرنستو لاكلو ، شانتال موف: الهيمنة والاستراتيجية الاشتراكية،ترجمة، هيثم الناهي، المنظمة العربية للترجمة، 2016.

[7] Mouffe, C.:On the Political, ‎ Routledge,2011. 

[8] Walzer.M.: Spheres Of Justice: A Defense Of Pluralism And Equality,Basic Books, 1984.

[9] Mouffe, C.:On the Political, ‎ Routledge,2011. 40-41.

[10] Welsch, W .: reason. The contemporary critique of reason and the concept of transversal reason. Frankfurt / M. 1995.139.

https://ecommons.cornell.edu/handle/1813/54

https://ecommons.cornell.edu/bitstream/handle/1813/56/Welsch_Reason_traditional_and_contemporary.htm?sequence=1

[11] https://socialtheoryapplied.com/2015/05/14/awareness-missing/

[12]https://philpapers.org/go.pl?id=MOUWWO&proxyId=&u=http%3A%2F%2Fwestminsterresearch.wmin.ac.uk%2F6633%2F1%2FMouffe_2008_header.pdf

[13] https://ces260jh.files.wordpress.com/2013/01/derrida-rogues-two-essays-on-reason.pdf

 

مجدي ابراهيملم يكن "ديكارت" ببعيد عن الصواب حينما أراد أن يمثل لمبدأ العقل بمجاز الشمس؛ لتشبيه مبدأ العقل كمبدأ أولي لكل العلوم؛ كالشمس في إشراقها وإشعاع نورها على الأشياء لتضيئيها؛ فكما تطل الشمس على العالم لتنيره فكذلك نور العقل يطل بإشراق المعارف ويقول "ديكارت" في كتابه قواعد لهداية الذهن، أو قواعد لتوجيه الفكر: "إذا أراد أحد أن يبحث عن الحقيقة؛ فيجب عليه ألا يدرس فكراً خاصَّاً؛ لأن العلوم جميعها متحدة فيما بينها، ويرتبط بعضها ببعض. واختلاف الموضوعات أمرٌ عرضي والضامن لمعرفتها واحد وهو وحدة العقل والحقيقة". فهذه الوحدة العقلية إنما هى نور العقل الذي هو كالشمس في إشراقها تطل على العالم لتنيره، وكذلك يطل العقل بنوره بالعلوم والمعارف فيكشف وحدتها وينير غسقها ويجمع شتات ما تفرّق منها ويلم جزئياتها وتفاصيلها تحت مبدأ كلي معرفي عام. 

ــ المراجعة منهجُ فلسفي:

وربما جهل كثيرون أهميّة المراجعات الفلسفية من طريق جهلهم بتطبيق القاعدة الرابعة والأخيرة من قواعد المنهج الديكارتي؛ الأمر الذي لفت انتباه المفكرين المعاصرين إلى خلوّ الساحة القلمية الفكرية من أمثال هذه الدراسات، وكشف كتاب المفكر البارز الدكتور عصمت نصّار، أستاذ الفلسفة الإسلامية والفكر العربي بآداب القاهرة : "مراجعات فلسفية في الفكر العربي الحديث" (الصادر عن دار نيوبوك للنشر والتوزيع في طبعته الأولى بالعام 2018م)، عن هذه اللفتة الغائبة، فصدّر مقدّمة كتابه بتصدير وافٍ عن مصطلح المراجعات، إذْ قال: لم يشغل مصطلح المراجعات الفلسفية (Revisions Philosophy) موقعه الذي يستحقه على مائدة البحث الفلسفي، ولم تدرجه معظم المعاجم المتخصصة ضمن موادها. وذلك على الرغم من عنايتها بالمصطلحات التي انبثقت منه أو احتواها في جوفه، مثل الشرح والتفسير والتأويل والتأكد من سلامة أسس المناهج والرؤى النقدية للقراءات المعاصرة؛ فجميع تلك المصطلحات لا تعدو أن تكون ماصدقات لمفهوم المراجعة" (ص 11).

وراح يشرح منزع النهضويين والمجددين من الفلاسفة بداية من "هيرقليطس" إلى "جاك دريدا"، وتوكيدهم على أن القيمة الحقيقية للعقل تكمن في قدرته على المراجعة الحرة؛ ولأن العقلية الناقدة هى وحدها العقلية القادرة على المراجعة حتى إذا وجد العقل كان النقد ضرورة لازمة له، يأتي بمنأى على أية سلطة سابقة حدّدت معاني الكلمات وفسّرت العبارات وأوّلت النصوص ووجهت القراءات.

يعمل النقد بمعزل عن السلطات، وهو لا يعمل إلا بمراجعة فاحصة متأملة.

وتعرّضت المقدّمة التي تصدّرت كتاب "مراجعات فلسفية" إلى قواعد فرنسيس بيكون وديكارت؛ وهما ينشدان العلماء بضرورة تطبيق آلية المراجعة، لاختبار معارفهم ومشاهداتهم. فمن الواجب مراجعة ما علق في الذهن من معارف وأخبار ومعتقدات قبل الشروع في تأسيس المعرفة العلمية على أسس حقيقية مستمدة من الواقع؛ فالعقل البشري أشبه بالمرآة التي لا تقوم بوظيفتها كاملة إلا إذا تم صقلها صقلاً تاماً حتى تزول عنها الأوساخ ثم توجيهها التوجيه المناسب نحو الضوء؛ الأمر الذي يمكنها من ظهور الشيء المراد رؤيته ظهوراً كاملاً على سطحها.

وهذا ينطبق على العقل؛ إذ يجب أولاً أن يبدأ الإنسان بتطهير عقله ممّا علق به من أوهام (كأوهام الكهف، والجنس، والمسرح، والسوق) التي حدّثنا عنها "بيكون"، والتي من شأنها أن تعوق تفكير العقل السليم حتى يمكنه التوجه نحو المعرفة اليقينية؛ ثم يمُكن العقل صاحبه من المعرفة الصحيحة بالفعل. وتكمن المراجعة في عمليتي تنظيف المرآة حتى لا ينعكس على سطحها أشياء غير موجودة في الواقع بفعل ما حاق بها من فساد، ثم مراجعة المعارف الذهنية المتوهمة التي أختزلها العقل دون تدقيق أو نقد أو شك.

للمراجعة ممّا لا شك فيه دور فاعل مُؤثر، وبالغ التأثير، في مجال كشف الحقيقة. وهى عند "بيكون" المدخل الرئيس الذي لا غنى عنه للوصول للحقيقة العلمية، والآلية الأقوم لتنقية الذهن من أوهامه.

وكما حدثتنا مقدمة كتاب "مراجعات فلسفية" لمؤلفه الدكتور عصمت نصار، عن "بيكون"، تحدثنا كذلك عن "ديكارت" بفحص ثلاث كتب منهجية (مقال في هداية الذهن، والتأملات، ومقال في المنهج) يتبيّن من خلالها وجوب مُراجعة المعارف الذهنية التي اختزلها العقل من الموروث الثقافي أو المعارف الحسية أو المقولات الذهنية غير المتسقة؛ وذلك عن طريق الشك في مصداقيتها ثم نقد سياقاتها من طريق خطوات أربعة: 

ــ أولها: عدم قبول الغامض والملتبس والمعتم من المصطلحات والأفكار والمعتقدات، وقبول ما هو واضح ومتميز بذاته، أي بديهي. ومعنى كلمة بديهي هنا أنها موصولة بالحدس؛ فكل ما هو بديهي إنما هو نتيجة حدس.

والحدس ـ كما علمنا فيما تقدّم ـ مرحلة أولية يأتي بعدها الاستنباط العقلي، ثم تحليل مضمون ما سلمنا بصحته من الأفكار، ثم إعادة ترتيبه.

ــ وأخيراً : مراجعة ما استقر العقل على صحته من حيث الشكل والمضمون، ثم إحصاء الأفكار الصحيحة وإدخالها ثانية في الذهن باعتبارها معارف معقولة وأقرب إلى اليقين منها إلى الشك. يقول "ديكارت" : لا أستطيع عندما يكون لديّ سلسلة من الروابط أن أحدّد بدقة إذا كنت أتذكرها كلها، لذلك يجب عليّ أن أعيد النظر فيها مرات عدّة بحركة ذهنية متصلة من حركات الفكر حتى إذا تصورت إحداها بالحدس والبديهة انتقلت منها إلى غيرها ... وهكذا إلى أن أتبين كيف يمكنني الانتقال من رابطة إلى رابطة بسرعة لا تدع مجالاً للذاكرة فأحصل بمثل هذا على حدس للكل في وقت واحد" (ص12من الكتاب المذكور).

ويقول في كتابه "مقال في المنهج" عن القاعدة الرابعة التي ذكرناها فيما تقدّم : أن أعمل في جميع الأحوال من الإحصاءات الكاملة والمراجعات الوافية ممّا يجعلني على ثقةٍ من أنني لم أغفل شيئاً يتصل بالمشكلة المعروضة للبحث" (ص 12).

ويحدّثنا في كتابه "التأملات" عن المراجعة باعتبارها ملكة ناقدة قادرة على الاستقصاء والتحليل والوصول إلى الحقائق متسقة الأجزاء، وتكشف في الوقت نفسه عن علة الأخطاء التي يمكن للذهن أن يقع فيها بفعل السلطات السائدة أو المعارف الزائفة. ويضيف "ديكارت" أن عملية الإثبات أو النفي والحكم على الأفكار التي يحتويها الذهن لا يمكن وقوعها إلا بإرادة حرَّة؛ فيقول :" لكي نثبت أو ننفي الأشياء التي يفرضها الذهن، ولكي نقْدِم عليها أو نحجم عنها، علينا أن نتصرّف بمحض اختيارنا دون أن نحسّ ضغطاً من الخارج يُملي علينا ذلك التصرّف". فحرية الإرادة من أجل هذا ركيزة أساسية من ركائز حركة الذهن في البحث عن الحقائق.

وصفوة القول : إنّ "ديكارت" لم ينظر لقاعدة المراجعة على أنها آلية للتأكد من صحة خطوات منهجه؛ بل كان أشمل وأوسع؛ إذْ جعل المراجعة الركن الرئيس لإثبات صحة الحكم والاستنتاج والاستنباط وإزالة اللبس والغموض من مفاهيمنا وأذهاننا؛ لكأنه يريد يقول إن في المراجعة رؤية يجب التنبه إليها، وذلك إذا ما توافر فيها خصائص هى : الأناة والرويّة، والشمول والإحاطة، والنظام والترتيب (ص :13).

ــ تكوين الرؤية الخاصّة:

يلزم للباحث العلمي في مجال العلوم الإنسانية؛ إذا هو طبق قواعد المنهج الفلسفي، أن يستخلص من وراء هذا التطبيق رؤية خاصّة. فقد سبقت الإشارة إلى أن جوهر البحث العلمي يكمن في إضافة الجديد واقتحام المجهول، وما دون ذلك ركود يتنافى مع المنهجية العلمية. وماذا عساه يكون الحال فيما لو كان البحث بحثاً فلسفياً، له شروطه وخصائصه في فحص المقروء والمكتوب؟

ولا جرم في أن منهج العلم يواجه الذات (ذات الباحث) ويعلو عليها، ويفرض قيوده صارمةً في خطواته المنهجية على البحث العلمي في سبيل الموضوع إذا كان يريد كشف الحقيقة وتكوين رؤية خاصّة بصاحبها؛ يتبيّن من خلالها تطبيق قواعد المنهج العلمي. وعلى هذا الأساس؛ لا يعرقل مسيرة البحث العلمي لدى الباحث المنهجي بما فيه من بعد أكاديمي غير كونه يركل الموضوعية منذ بداية طريق سيره في المنهج، ويظل يعبد مُقدِّساً ما يسمى بالبعد الذاتي، مع أن هذا الأخير ضرورياً في اختيار موضوع البحث والرجوع إلى ما يقرّره النص من مضمون يتفاعل مع الذات الباحثة؛ ليكوّن ـ من ثم ـ رؤية خاصّة بذات الباحث.

لكنه غير ضروري في بداية الطريق وغير ضروري أيضاً في إضفاء البعد الذاتي قبل موضوعية العلم؛ فيما لو أردنا تطبيق قواعد المنهج الفلسفي كما تبينت لنا فيما سبق؛ لأن العلم الذي يتعارف عليه مجموع الباحثين، لم يعد يعترف بأبعاد الذات بقدر ما يُخلي تماماً بينه وبين كل نزعة ذاتية أولية كشرط من شرائط الكشف عن الحقيقة في أول الطريق. وليس هنالك ما يشفي غُلة باحث سوى التسليم بضوابط البحث العلمي والفلسفي المتعارف عليها.

ولأجل هذا؛ كان من البديهي لكل بحث علمي جيد من أمرين : ترتيب المقدمات ترتيباً منطقياً خالياً من الخطأ والتشويش يسهل عليك وعلى كل ناظر بعدك إلى موضوع كموضوعك أن يستنتج النتائج من تلك المقدمات في صورتها الأخيرة.

ثم التنزه التام عن الأغراض والأهواء بدفع الشبهات؛ لأن الانقياد إلى الغرض مرض، وتحكيم الهوى في البحث العلمي باطل لا محالة، يخفي حقيقة ما عساه يتوصل إليه الباحث من نتائج أسفرت عنها مقدمات. وهو عينه المراد بالتخلي عن النزعة الذاتية وشوائب التعصب قبل الأخذ بالموضوعية الأمينة لمعالجة القضية التي يكون الباحث بصدد البحث فيها.

ولعلّ أهم السمات الخاصة ـ ولو فيما نراه نحن ـ بالباحث الأصيل، ذلك الذي ينفرد بين فئة الباحثين بقدرة الرد والتمحيص وقدرة الإقناع الشافي فيما يتصل بالمسائل التي يكثر فيها الخلاف، وتنشب حولها اضطرابات الأخذ والرد، والقيل والقال؛ هى أن تكون له مقدرة بالغة على خوض غمار البحث ومشكلاته، ولا يكون ممن يبحثون ولا يعيشون أبحاثهم وموضوعاتهم بأعصابهم ودمائهم، فتأتي أبحاثهم من غير باحثين رؤية وتحليلاً. فليس يكفي أن أحشد كماً هائلاً من الفقرات والنصوص في موضوع اخترته للبحث فيما هو أمامي من ركام الآراء والمذاهب لأستخرج منها جديداً صالحاً للقبول، وأرفض ما قد تجاوز بحكم الزمن صلاحية القبول. وهذه ظاهرة غريبة تشيع في الدراسات الفلسفية على التعميم، وفي الفلسفة الإسلامية على وجه الخصوص : تكرارٌ مع اجترار سافر، وقلة هضم تدل على ضعف العقل من أول وهلة؛ ناهيك عن التقليد والمحاكاة وعدم القدرة على مجاوزة ألفاظ النصوص وحرفيتها.

ومن المؤكد أن النصوص بالنسبة لمجال الدراسات الفلسفية والإنسانية كالمواد الأولية الخام بالنسبة لمجال العلوم الطبيعية، لا يمكن لباحث أن يتخطاها. ولكنها مع ذلك هى جامدة صماء لا تنطق بذاتها إلا إذا استنطقها الباحث بمنهجيته وترتيب فكرة في الذهن عنها واضحة. هذا الاستنطاق للنصوص ومحاولة الحفر الدائم في أغوارها هو الذي يشكل رؤيته الباحث الخاصة لها. فليس من رؤية بدون تأمل وتفكر واستبصار. 

وإنك لتجد أكداساً من الكتب والدراسات لا تقدِّم جديداً فيما يُراد منه من مفهوم "الرؤية الخاصة" عن طريق منهج الحفر في النصوص، وتحليل المشكلة إلى عناصرها الأولية وأجزائها البسيطة كما نبهنا عليه "ديكارت" من كتابه مقال في المنهج، في قاعدته الثانية (قاعدة التحليل العقلي). ثم استخراج الرؤية الخاصة بذات الباحث بعد التحليل ثم التركيب ثم المراجعة والتنقيح. ولكن كل ما تراه هنالك مجموعة من النصوص والنقولات رُصت رصاً غير مضبوط بمنهج ـ أياً كان هذا المنهج ـ يُراعى فيه كشف حقيقة النقطة البحثية أولاً؛ والرؤية الخاصّة ثانياً، وافتقرت من ثم إلى طريقة التحليل والتقسيم والتنظيم والتركيب والمراجعة، ثم الوقوف أمام النصوص والفقرات بدايةً وقفة الناقد الممحص (لا وقفة الناقل المقلد) يقبل ما يراه صالحاً للقبول وفق مبادئ بديهية، ويرفض ما يتجاوز بحكم الزمن أو بحكم التقليد كل السلطات التي تقيّده وتفقده صلاحية القبول.

ولأجل هذا، لا يكون مصير تلك الأكداس المتراكمة والأبحاث التي ليس منها جدوى، غير الركون المهمل على رفوف المكتبات.

إنما الباحث الحق هو الذي ينفرد بين فئة الباحثين بالرؤية التحليلية ولا ينفرد بجمع المادة العلمية أو نقل النصوص من أصولها، أو من غير أصولها، (أعني نقلها من باحثين سابقين عليهم نقلوا بدورهم مثل هذه النصوص وتركوها مهجورة بغير نقد ولا تمحيص لم يستنطقوها، ولم يعرفوها ما هو مكنون خفيٌّ فيها) ثم رصها رصاً مشوهاً يكون من غير الجدير قرائتها في طبعات جديدة من غير إضافة وفي غير تحليل.

وعلى الباحث في مجال البحث النظري الفلسفي، إنْ أراد أن يكون باحثاً بحق، أن يعيش المادة ويهضمها ويضيف عليها من نفسه ما شاءت له الإضافة دون الإخلال بالمنهجية المتبعة، وهو من بعدُ إزاء كل اضطراب في الآراء والأفكار لا يرضى بديلاً عن الوضوح والبساطة. يبدأ بأضعف الآراء وأبسط الأدلة تدعيماً لما يقول، فإذا أراد تقوية آرائه حول قضية بعينها أو مشكلة من المشكلات، فلا يجري قلمه أولاً إلا على أضعف الأدلة سنداً لرأيه، ثم يتدرج من الرأي الضعيف إلى الدليل القوي. ولو كان هنالك عدة أدلة لهذا الرأي لوجب أن يتدرج من الضعف ثم إلى القوة ثم إلى الأكثر قوة، فإذا أستوفى سائر دلائل الرأي واضعاً في اعتباره هذا التدرج المنطقي من ضعف الأدلة إلى أقواها كان برهانه واضحاً مقبولاً في العقل والمنطق وبداهة الرأي السديد.

هنالك تصبح الرؤية الخاصة للباحث محققة بالفعل. ثم لا تزال هنالك مرحلة أخيرة لا تخفى على الباحث الأصيل وهى أن يلقى في روع القارئ أدلته إلقاء ذكياً يمرّنه بالانتقال بالفكرة من الجزء البسيط إلى الكل المركب؛ يلقيها بصورة كلية بعد أن استوفى أجزاءها التفصيلية، ولا ينقصها سوى الدليل الوجيه بحيث ينقله من جانب المعارضة إلى جانب الموافقة، وهو لا يزال يبعث في ذهن القارئ حيرة التشكك ويظل محتفظاً بأقوى أدلته لا يبوح له بها على الإطلاق إلا إذا اشتدت حيرة الشكوك في ذهن القارئ، فإذا أطمن إلى ذلك غاية الاطمئنان، ألقى بأقوى أدلته؛ لتصادف عقلاً متردداً فتجذبه جذباً إلى رأي الباحث فلا يعتقد غيره في هذه النقطة أو تلك من آراء.

لكن هذا لا يتأتى بحال إلا بعد هضم المادة وتكوين الرؤية واستخدام المنهج التحليل النقدي ـ بالدُّربة والتمرين ـ إزاء كل مقروء ومكتوب استخداماً حسناً. وليكن في معلومنا جميعاً : أنه كلما هضمنا من الحقائق أكبر قدر ممكن، استطعنا ترويض عقولنا على إفراز وتكوين الرؤية الخاصة بنا؛ وبمنهج معقول مقبول. وإني لأذكر عبارة لــ "بيرك" يقول فيها :"الحقائق للعقل كالطعام للجسم. وعلى هضم الحقائق هضماً لائقاً تتوقف قدرة الإنسان العقلية وحجاه، كما تتوقف العافية والصحة على الطعام. وإن الرجل الذي يهضم عقله أكبر عدد من الحقائق لهو أعقل الرفاق في المجالس، وأقدرهم على المناظرات، وأرقهم في الحياة معاملة ومعاشرة".

(وللحديث بقيّة)

 

بقلم: د. مجدي إبراهيم

 

في المثقف اليوم