أقلام فكرية

أقلام فكرية

هل للدين فلسفة؟ والجواب، نعم! له فلسفته، إذا كانت له منطلقاته وقواعده وأحكامه. وكان معناه التأمل فيما يمس بؤرة الشعور الإنساني ويستغرق بالكلية منطق الوجدان، وكيف تُقام فلسفة (والفلسفة تقابل العقل، والعقل يفرز العلم والمعرفة العلميّة) على منطق ندّعيه هو منطق الوجدان؟

هذا سؤال من الأسئلة اللافتة للنظر من الوهلة الأولى غير أنه لافت للنظر مع غيبة البديهة، ولكن مع حضورها لا تجد له معنى.

نعم! تقام الفلسفة على منطق الوجدان كما تقام على منطق القانون أو على منطق اللغة أو على منطق الدين، أو على منطق العلم أو على أي منطق أرادت الفلسفة أن تقيمه. ليس هناك ما يمنع من قيامها على منطق الوجدان مع المعرفة التامة التي لا شك فيها بالفروق الفارقة بين منطق العقل ومنطق الشعور والوجدان؛ لأن هذه المعرفة مع دعوى تمامها ناقصة عجزاء إذا أغفلت بديهة حاضرة، وهى حقيقة الإنسان الأصليّة.

فليس الإنسان يعي أو يعيش بالعقل والفلسفة وحدهما، وليس هو بالشعور والوجدان إنساناً وحده، ولكنه يجمع بينهما في اتساق لا تناقض فيه، إذْ من المؤكد عندنا: استناد الفكر على الوجدان، والعقل على الشعور وهو المقرر هنا فيما لا شك فيه، كما تقرّر سلفاً لدى الإمام محمد عبده، وكما تقرر أيضاً لدى الدكتور محمد إقبال؛ لا بل كما تقرّر قبلاً لدى أفلاطون عندما قال: إنّ التفكير كلام نفسي، وصاغته ملكة الطبع العربي شعراً:

(إنّ الكلام لفي الفؤاد وإنمّا جُعل اللسانُ على الفؤاد دليلاً)

على أن توضيح الغرض من أي فلسفة، ولتكن فلسفة العلم (تاريخيّاً) يبدو في كون العلم ظاهرة إنسانية قديمة قِدم الإنسان، نشأت مع ظهوره؛ فاخترع رموز العدّ الرياضية قبل أن يضع الأبجدية المكتوبة؛ فطالما كانت الغاية تطويع البيئة بالسحر تارة، وبالتقنية التي يصيغها له العلم تارة أخرى، تلك الظاهرة المستمرة التي كانت حصيلة مجهودات بشرية متراكمة لم تتوقف أبدًا؛ فقد وضعت حضارات الشرق القديم أصوله، وصاغ الإغريق أسسه النظريّة، ثم اعتنى العرب بترجمته ودَرْسه وتطبيقه في عصورهم الذهبية، فلم يَضِع في ظلمات العصور الأوروبية الوسطى؛ فكانت ثوراته الكبرى في عصور العقلانيّة والتنوير.

وهنا تظهر الفلسفة في المشهد من جديد؛ فالعلم أصبح يشكل الواقع والمعقول؛ وبالتالي يحتاج لدراسة خاصّة تضبط منطقه وتتبع تطور أساليبه العلمية والمنهجية، كما تضطلع بعبء دراسة إطاره التاريخي وعمقه الحضاري؛ لنخرج بنظريّة فلسفيّة خاصّة بالمعرفة، وعلوم جديدة تتبع تاريخ العلم وترسم منطقه ومنهجيته وتدرس قوانينه ونتائج نظرياته في تطور لا يثبت على قرار.

غير أن فلسفة العلوم بصفة خاصة هي إحدى فروع الفلسفة، تُعنى بدراسة طرق وأسس ومضامين العلم، كما أن الأسئلة المركزية لدراسة فلسفة العلوم تتعلق بما هو مؤهل لأن يُلقب بالعلم، ومدى القدرة على الاعتماد على النظريات العلمية، والهدف النهائي للعلم.

فهل يصبح الدين علماً في مستقبل الأيام؟

نعم! تتعدد المداخل الفلسفية وتختلف باختلاف المذاهب والمدارس، وكذلك تختلف من حيث نوع العلم الذي تختص بصياغته ومناقشته وتفسيره وتحليله، ومن ضمن تلك العلوم الفلسفيّة ما يسمى بفلسفة العلوم، وهي فلسفة انتشرت على مرّ العصور، وكان لها تأثير بارز لا شك فيه.

فلئن كنتُ أنا لا أعني مطلقاً أن تكون هناك قطيعة معرفية تجئ بينا وبين الغرب، بل ولا نستطيع أن نفعل ذلك، فكل ما أقول به هو التفكير الدائب في التقليل من مثل هذا النزوع الغريب إزاء تقليد المدارس الغربية المعاصرة، ومحاولة محاكاة روّادها ومؤسسيها في مناهجهم ومذاهبهم، وليس محاولة نقدها وفحصها؛ بل لتطبيقها عنوة على عقائدنا وتراثنا وخصوصيتنا الحضاريّة وهُويّتنا الثقافية، وهى من بعدُ أفشل المحاولات!

مثل هذا الترقيع البغيض غير مقبول ببداهة المنطق من الوهلة الأولى، ومع ذلك يقع فيه الباحثون رغم عرفانهم ببديهة رفضه، وفشل الاعتماد عليه مع تطبيقه أو التنويه إليه، كما فشلت محاولات قبل ذلك ومحاولات، فمن يعتمد على الترقيع لا يَسْلَم آخر الأمر من المهانة العقلية؛ فهو موضع الخطر يقع فيه كثيرون ممّن مارسوا في السابق عملية نقد التراث أو تجديد التراث أو التماس لغة مغايرة للخطاب الديني أو دعوى التفكير العقلاني المُوغل في الدعوى المؤسسة على الاستقلال، وهى في نفس الحال دعوى غارقة في التقليد لعلماء الغرب ومفكريه والمحاكاة لهم في غير استقلال.

لا ينجمُ التقليد عن أصالة، ولا يسفر عن استقلال أو عن شعور بالتبعة من الوجهة الأخلاقية، يستوي في ذلك من يقلّد الأفكار الغربية أو يقلد الأفكار التي تنتمي إلى بني جلدته.

كل تقليد مذموم لأنه يؤدي إلى الاستكانة والجمود، وهو ضد المعرفة وضد التفكير، وهو مذموم في العقل مذموم في الدين، وفوق هذا هو مذموم في البحثّ عن الحقيقة.

وموضع الذم فيه أنه يعتمد على المتابعة التي لا يظلها جهد التفكير، ولا تجمعها وحدة معرفية أو عقلية، ولا غوص عميق في المصادر الدينية المعتبرة، بمقدار ما يعتمد على المغالطات لتزوير الحقيقة التي هو بصدد البحث فيها، لأنه لا يتوخىّ عرضها بالتجرّد والنزاهة والإنصاف، ولكن يعرضها بمطلق الهوى ومطلق الغرض وهما نقائض البحث العلمي ونقائض المنهجية العلميّة سواء، ثم لا يقتصر الأمر على هذا الحدّ؛ بل يتفاخر بمعرض السوء وصناعة الأمجاد الكاذبة.

لذلك كله؛ ومن أجل ذلك كله؛ نفضل من حيث الاصطلاح العلمي الدقيق ألا نقول "فلسفة الدين"؛ بل نقول "فلسفة العلوم الدينية"؛ لتجنب الخلط بين الوحي في ذاته، وهو مصدر الدين، وبين الفلسفة ومصدرها "العقل"، وما دامت الفلسفة تقف وراء العلم من حيث هو علم ديني لا من حيث هو دين، مصدره الوحي؛ فإنّ اصطلاح فلسفة الدين هذا، فيه مغالطة منطقية ومبالغة تصل إلى درجة الخطأ.

أمّا اصطلاح فلسفة العلوم الدينية؛ فهو اصطلاح مقبول عقلاً ومنهجاً؛ لأنه يقوم على علوم الدين لا الدين في ذاته.

وقد يُقال بالمقاربة على غرار ذلك؛ إننا نقول فلسفة العلم تماماً كما نقول فلسفة العلوم، ولا نجد غضاضة في التسمية؛ إذْ لا مشاحة في الألفاظ. والرد على ذلك بسيط جداً؛ وهو أنك عندما تقول "فلسفة العلم" لا تخرج بعيداً عن السياق المنطقي المستخدم في ميدان العلم، ولا تخرج عن ميدان الفلسفة ولا عن ميدان فلسفة العلم بوجه عام.

ولكنك حين تقول فلسفة الدين، فأنت تجعل للوحي شروطاً فلسفية فتخلط من حيث لا تدري مجالاً بمجال. ومعلوم أن مجال الدين في ذاته مقدّس، وسرُّ تقديسه أنه وحي من عند الله.

أمّا ما يُقام عليه من علوم فلا تقديس فيها، ومن حق الفلسفة أن تحيلها إلى منطقها وتتدخل فيها من حيث إضفاء الطابع النظري النقدي المنهجي على العلوم التي تتناول الدين.

أمّا الدين في ذاته، فلا. لا يمكن أن يتحوّل الدين في ذاته إلى فلسفة ولا شرط للفلسفة أن تناقش قضايا الوحي، وهو معصوم، مناقشة فلسفية حظ العقل فيها أكبر من حظوظ سواه، ما لم تقم على الوحي علوماً تفسيرية وتأويلية يتدخّل في تصنيفها العقل البشري ويطلع بالجانب الأكبر من تأسيسها، وإذْ ذاك يحق لمناهج العقل أن تبحث في فلسفة العلوم الدينية، وتظل مشروعية هذا الاصطلاح قائمة كلما توغل العقل البشري؛ ليخاطب بطرائقه المعرفية المعتبرة أصنافاً لا حدّ لها من ألوان التفكير في الدين.

ــ اصطلاحاً؛ نقول فلسفة العلوم الدينية ولا نقول فلسفة الدين؛ لتجنُّب الخلط بين مجال الإيمان الديني الذي يقوم على الوحي، ومجال العلم الذي يعتمد النظر في التجارب المعمليّة والمحسوسات الطبيعية، كما يعتمد منجزات العقل والمعرفة العقلية بمناهج يستخدمها العقل نفسه في مجال علوم الدين. وهذا أسلم للبحث العلمي وأقرب للموضوعية والنزاهة العلميّة.

وبنفس هذا المقياس في تلك الفوارق من حيث كونها مفاهيم مستخلصة، يستوقفنا التساؤل حول (العقيدة والدين)، أو حول الإيمان والعقيدة؛ ليقيم جدلاً نظريّاً إزاء ما يمكن طرحه عند دلالة المفاهيم المستخلصة؛ لتشكل رؤية قائمة مع كل مفهوم مطروح.

ولا شك أنّ جدل الأسئلة المطروحة يثير كثيراً من التساؤلات الفرعيّة ويتوقف الإجابة عليها على فعل القناعات الإيمانية والمعتقدات التي تواكب تأصّلها في الفكر والشعور؛ فنحن نضيف العقيدة أحياناً إلى الفكر كما نضيفها إلى الدين، فنقول "العقيدة الدينية" لتميزها عن العقائد الفكريّة سواء لدى الفلاسفة أو المفكرين أو الأدباء أو العلماء، فكل هؤلاء وأولئك لهم عقائدهم في مجرى التفكير والشعور، بمقدار ما لهم كذلك آراء تخصّهم أو تخص غيرهم ممّن يحيون على تلك الآراء عقائد يطبقونها على حياتهم الفعليّة ويقيمون عليها مجدّداً محاور البناء.

لا نشك في عموم الدين من حيث التّوجه به إلى أصل القداسة شعوراً من أعمق الأسس النفسية في كل ديانة؛ لأن شعور القداسة هذا هو الأصل الأصيل لكل حاسّة جديرة أن توصف بالصفة الدينيّة وتنبني عليها عقائد المؤمنين، ولولاها لما كانت ديانة على الإطلاق.

أيّهما الأعمُّ الشامل وأيهما الأخص الأضيق: العقيدة أم الدين؟

بداية لا يُقاس الدين ولا العقيدة الدينية بمعيار المنطق، وإنما معيار المنطق يجوز أن يفعّل في النتاج لا في الأصول، ويجوز أن يُرى في الوقائع لا في الأطر النظريّة.

وإذا نحن قلنا عقيدة دينية ونسبناها إلى الدين عزّ علينا أن نجرّدها من شعور القداسة، ويبقى معناها لازماً فيما يشتمل عليه وجدان المفكر في العصر الحديث؛ فهي من ثمَّ طريقة حياة لا طريق فكر ولا طريقة منطق ولا طريقة دراسة.

لا معنى للعقيدة الدينية عندنا إذا كان قصاراها هو ما تشتمل عليه الأوراق والمجلدات والمتاحف والمحفورات، ولا معنى لها عندنا اذا كان قصاراها أيضاً إقامة مجموعة دراسات نظريّة وفلسفات تمس الأطر الخارجة ولا تمس بواطن الأمور وجواهر الأشياء، وإنمّا معناها الحقيقي حاجة النفس كما يحسُّها من أحاط بتلك الدراسات، ومن فرغ من العلم والمنطق والمراجعة ليرقب مكان العقيدة من قرارة ضميره.

معناها بهذا المعنى تحقّق "الإيمان" في مسارب الفكر وخلجات الضمير.

يلزم عن هذا (من جهة المنطق) أن تتاح الحرية للعقيدة، ويتاح لها في الوقت نفسه الاستقامة، فلا شيء يقدح في العقائد غير نزع الحريات، ولا شيء يصيبها بالجدب والتجديف غير غيبة الاستقامة الصادرة رأساً عن الحرية، فالعلاقة أسمى ما تكون وأوثق ما تكون بين الحرية والاستقامة.

***

بقلم: د. مجدي إبراهيم

شيلر وكانط: كان شيلر معارضا لكانط في مقولته (نظرية المعرفة هي النظريات الاساسية الاولى القبلية) في وقت تساءل الكانطيون باستياء (كيف يمكن ثمة شيء معطى؟). ويسقط شيلر في مثالية ابتذالية اكثر من ميتافيزيقا كانط قوله (نظرية المعرفة هي جزء من العلاقات الموضوعية القائمة بين الماهيات). نقلا عن كتاب زكريا ابراهيم المصدر.

تعقيب نقدي

- كانط في اشهر مؤلف له بتاريخ الفلسفة " نقد العقل المحض" كان ميتافيزيقيا حاول مداراة نزعته المثالية في كتابة مؤلفه باسلوب لغوي معقد للتمويه عن خلطه الواقع العيني بالفكر التجريدي. وخلط العقل التجريدي مع العقل البيولوجي. آراء كانط ليست نقدية للعقل كما في عنونة الكتاب.

- نظرية المعرفة الابستمولوجيا ليست معطى فطريا فالنظريات والمعارف والاشياء المادية في شتى صنوفها وتنوعاتها لا تتساقط من السماء كما يسقط المطر. موجودات الوجود ليست معطى طبيعي مجاني بل هي مصنع حيوية المعرفة ودأب متواصل من أجل الحصول عليها بالخبرة العملانية المستمدة من واقع وتجارب الحياة. المعرفة نظريات من/عن واقع تطبيقي تجريبي مكتسب كخبرة مدّخرة بالذات.

- المعرفة مكتسبة وليست فطرية كمعطى مجاني كما هي الطبيعة في تنوع كائناتها وموجوداتها. ولا يوجد معرفة قبلية سابقة على معرفة بعدية كما ذهب كانط. فالمعرفة لا زمانية فهي ليست قبلية من الماضي ولا بعدية تنبؤية مستقبلية. نعم خاصية المعرفة الجوهرية انها تراكم خبرة كيفية لكنها ليست محكومة بالزمن.

- لا توجد علاقات (بينية) تلتقي وتتواصل بها الماهيات كما يعبّر عن ذلك شيلر. الجواهر او الماهيات مستقلة موضوعيا في تبعيتها استقلالية الموضوعات وتناثرها ولا تنتظم الماهيات علاقات بينية ادراكية حسية ولا عقلية. كما وليست الماهيات موضوعات للعقل ولا للحدس. ولا تخضع استقلاليتها الموضوعية الافتراضية لأية علاقات تواصلية مع غيرها من الماهيات لا في تخارج معرفي ولا في تكامل صفاتي ولا في جوهر خالص. الماهية جوهر انفرادي مستقل بذاته مدّخر استبطانيا في موجودات الطبيعة وعالمنا الخارجي.

كانط وخلطه الواقع بالتنظير المجرد

مقولة كانط " تلقائية الفكر" مقولة ابتذالية مثالية. فالفكر محكوم بوعي عقلي واقعي موضوعي يلجمه ان يكون سائبا. وليس الفكر تداعيات تلقائية غير منضبطة تحكمها التوقعات منفصلة عن الواقع بعلاقة الصدف الغفل ممثلة بمواضيع غير متوقعة لم يسبق التفكير بها بخزين الخبرة المعرفية المدّخرة بالذات.

ويكمل كانط تناقضه الفاضح قوله" كل علاقة يقصد العلاقة بين الماهيات والاشياء وهي علاقة وهمية غير موجودة علما انه من الخلط الفلسفي المعيب لفيلسوف كبير مثل كانط عدم التفريق بين الشيء كموجود يدركه الحس والعقل وبين الماهية كجوهر دفين وراء الصفات الخارجية للاشياء. والجوهر ليس موضوعا يدركه العقل بخلاف الاشياء فهي موضوعات للادراك الخارجي الحسي والعقلي.

ويكمل كانط تناقضه الفلسفي قائلا: "كل علاقة بين الماهيات والاشياء هي من خلق الذهن" لا يوجد دالة فلسفية تذهب هذا المنحى ان الذهن المجرد يخلق علاقات بينية واقعية بين الماهيات والاشياء. الذهن جوهر تفكيري لا يخلق الاشياء المادية بل يخلق التصورات الذهنية التجريدية. ويكون تخليق الذهن للتصورات فكر تجريدي ولا يكون هذا التخليق المزعوم من "خلق العقل العملي" على حد تعبير كانط الخاطئ.

ماهية الشيء هي كينونته الموجودية الواحدة التي لا يمكنها الانفصال عن الصفات الخارجية للاشياء. لذلك لا يلزم ان توجد علاقات تنظم الماهية مع الشيء فهما كيان موجودي واحد قائم بذاته.

ثم والاهم ليس هناك من علاقة خارجية تصل الماهية بالاشياء الاخرى. الجوهر او الماهية لها علاقة احادية واحدة انها جوهر لصفات الشيء الخارجية ضمن كينونة واحدة مستقلة تماما.

كل شيء هو كينونة موجودية تتالف من جوهر دفين وصفات خارجية واحيانا كما عند الحيوان تكون الصفات الخارجية هي الماهية او الجوهر للحيوان. اي ان الحيوان بلا جوهر او ماهية هي غير الصفات الخارجية له..

يقع الدكتور زكريا ابراهيم في إلتباس تخطئة كانط قوله " الواقع ليس هناك ثمة ذهن يستطيع كما يقول فيلسوفنا كانط ان يفرض قوانينه على قوانين الطبيعة" ص379 المصدر.

المنطق الفلسفي يذهب بنا ان تعبير كانط الذهن لا يستطيع فرض قوانينه على قوانين الطبيعة بديهة معرفية صائبة صحيحة. لكن الالتباس الحاصل يقوم على تساؤلنا هل ملكة الذهن التفكيرية بمقدورها ومستطاعها اختراع قوانين خاصة بها؟ يتمكن الذهن بها من مقارعة قوانين الطبيعة في اعجازها النظامي المعجز الثابت؟ نسبية تخليق الذهن للتصورات الخيالية تعجز المساس بمطلق قوانين الطبيعة الواقعية الثابتة.

الخطا الذي وقع فيه كانط واشار له دكتور زكريا ابراهيم ووقع به ايضا سائر القائلين بالمذهب العقلاني الكانطي انما كان في خلط كانط واشياعه بين ما هو اولي قبلي – يقصد الحدسي الفطري الغريزي غير المكتسب -  وبين ما هو عقلي مدرك. ثم اذا ماكان هناك نظاما قبليا يحكمنا كخبرة معرفية فانما يكون هو منطق القلب الايماني وليس منطق العقل الادراكي كما يذهب باسكال في تغليبه مقولات اللاهوت على منطق العقل وهو مبدأ قديم رافق نشوء الاديان التوحيدية. وكان سبقه بهذا المنحى الايماني القلبي فيلسوف الوجودية الدنماركي سورين كيركجورد الذي قال في تعطيله العقل الايماني أنه على الانسان كي يكون مؤمنا عليه القفز بفضاء المطلق الميتافيزيقي اللامتناهي بما يمليه عليه ايمان القلب وليس بما يشكك به العقل.

شيلر ومبحث القيم (الاكسيولوجيا)

في الوقت الذي يذهب له غالبية الفلاسفة الى ان مبحث القيم (الاكسيولوجيا) بالفلسفة وفي غالبية الادبيات الانسانية الطبيعية هي نسبية وليست مطلقة نجد ماكس شيلر وهو احد تلامذة هيجل الذين انشقوا وخرجوا على غالبية طروحاته الفلسفية التي كانت مهيمنة تماما على المانيا والقارة الاوربية بالقرن الثامن عشر يؤكد القيم مطلقة وليست نسبية وهي مقولة رغم ايحاء الخطأ بها في خروجها على السائد المالوف الا انها صحيحة ضمن اشتراطات ان القيم التي تتسم بالثبات تعتبر مطلقة. والقيم التي تمتاز بقابلية التحولات والتغيير الدائم المستمر تعتبر نسبية. لذا يكون توصيف شيلر صحيحا منقوصا فالقيم فيها النسبي المتغير وفيها المطلق الثابت.

حسب مفهوم شيلر القيم مطلقة بمعنى مضمونها لا يمثل علاقة ما من العلاقات الخارجية مع غيرها وهاجم شيلر نسبية القيم وارجعها جميعها الى الذات. الحقيقة التي يصاحبها الشك ان القيم ليست مطلقة جميعها ولا نسبية ايضا انها مركب قائم بين النسبية والمطلق وهي جميعها مركزيتها الذات كما ذهب شيلر. ينظر توضيح اكثر ص 377 المصدر.

يرى شيلر نسبية الاخلاق تتغيّر من دون المساس بكيانها أي أذى. هذا كلام متعثر غائم غير موزون بمنطق فلسفي. في غموض العبارة نجد وهو تحليلنا الخاص أن شيلر أراد القول أن هناك ثوابت أخلاقية وقيم ثابتة راسخة في الوعي الجمعي ليس من المتاح المساس بها وتغييرها رغم عدم اغفالنا ان بعض تلك القيم نسبية تتقبل التغيير. لذا يصفها شيلر مطلقة مجازا بمعنى التغيير الذي يطالها ولا يمس جواهرها او ماهياتها الثابتة. القيم بضوء ما ذكرناه هي تناوب يجمع بين النسبية والمطلق.

شيلر الارادة والقيم

لا ينسب شيلر للارادة أي دور اخلاقي قيمي ويراها ملكة عمياء. وبهذا يكون شيلر مناوئا شرسا لكل من كانط وشوبنهاور. وقريبا من سقراط الذي يرى الارادة تقوم على معرفة سابقة بالخير. وشيلر ذو نزعة لاعقلانية من الاخلاق. ص 379 المصدر

ما نود التعقيب عليه حول هذه الجزئية لشيلر انه من البديهي الاستنتاج بانه فيلسوف ذو نزعة مثالية غير مادية لا تؤمن بالعقل ولا بوجود العالم الخارجي خارج التصورات الذهنية. شيلر يؤمن أن الاخلاق والقيم عامة هي معطى قبلي وليس خبرة بعدية مكتسبة بالممارسة والسلوك والتعامل ضمن مجتمع يحتوي الفرد والافراد. والارادة بخلاف شيلر هي فعل الوعي القصدي الهادف في تنظيم علاقته مع موجودات العالم الخارجي. شيلر الذي يصف الارادة عمياء بالنسبة لعلاقتها بالقيم يتغاضى عن الحقيقة الموضوعية ان الارادة هي القرار العقلي غير القبلي المعطى مجانا للذات والارادة حرّة في ذاتيتها ومسلوبة ناقصة في وصاية الوعي الجمعي وسلطة القانون.. والارادة هي القرار القصدي الهادف في الحكم البعدي واقعيا على القيم الاخلاقية عامة.

 في جزئية اخرى اجد شيلر يكرر بديهة فلسفية معرفية في مقولته المنقولة عن المصدر زكريا ابراهيم (لا معقولية الماهيات الاكسيولوجية). والحقيقة ان مبحث الماهيات الموزعة في غالبية موجودات الطبيعة والعالم الخارجي والحياة هي ماهيات لاعقلانية لا يدركها العقل. حتى في افتراض وجود الماهية في الموجودات التي ندركها كموضوعات مادية يكون البحث عن الماهيات عمل عقلاني لا جدوى منه كما حذّر منه كانط. فما بالك اذا ما بحثنا عن الماهيات في القيم والاخلاق وهي ماهيات مطلقة كما يصفها شيلر. بالتاكيد سيكون بحثنا عن الماهيات لا عقلانيا لانه غير مجد (ي) يقع في مباحث الميتافيزيقا. عليه فالماهيات في اكسيولوجيا القيم غير موجودة بالاشياء كجواهر دفينة مدّخرة لا عقلانية ادراكيا. القيم هي ماهية تتراكب من نسبي ومطلق متداخلين قبل ان ينتج عنهما ارادة سلوك انفعالي في ممارسة الحياة. فمثلا من المتعذر جدا النجاح في فصل ماهية الخير عن فعل الخير بذاته كجوهر سلوكي قيمي.

ماكس شيلر والشخص

يذهب شيلر الى ان الشخص "وحدة وجود عينية لبعض الافعال" على شرط حسب اشتراطه ان لا ننظر الى هذه الافعال على انها مجرد موضوعات، فالشخص لا يوجد على وجه التحديد الا من خلال عملية القيام بافعاله.

ويؤكد شيلر الشخص موجود في كليّة افعاله وليس في كينونته البايولوجية. وهو مندمج تماما في افعاله ويتغير بتغير افعاله. ومع ذلك يجد شيلر ان افعال الشخص لا تستوعبه كشخص تماما. ويذهب ان الروح هي الدائرة الكاملة للافعال. والشخص روحاني بحكم ماهيته. " عن المصدر ص380".

في تعقيب مقتضب عن مفهوم الشخص بضوء ما جاء به ماكس شيلر أجد:

- ماهية الشخص ليست روحانية فقط بل هي تصنيع ذاتي مادي ومعنوي نفسي غير ميتافيزيقي. الماهية الشخصية نتاج عملية تخليق ذاتي يقوم بها الفرد. وتتجلى هذه الماهية الشخصية في الارادة والسلوك وردود الافعال ومواقفه التي يتخذها الفرد تجاه ما يعتريه ويواجهه من مظاهر الحياة.

- شيلر بالوقت الذي يرى الشخص هو مجموع كليّة افعاله لكن سرعان ما يستثني بقوله الفعل لا يستوعب الشخص تماما. لانه ماهية روحانية مطلقة تمثل دائرة كاملة في كل افعاله. ونجد من الطبيعي ان لا تستوعب الافعال كيان "الشخصية الفردية" تماما. والشخص حسب شيلر ماهية روحانية مطلقة لا تستوعبها الافعال. وهو خطأ سبق لنا توضيحه في اسطر سابقة فماهية الشخص كما ذكرنا هي تصنيع مادي لهوية شخصية خاصة بفرد. وقول شيلر الشخص يتغير ناتج اندماجه في كليّة افعاله. لكن مع هذا وهو رأينا الشخصي يبقى مع هذا التغيير يمتلك ماهية جوهرية هي هويته الشخصية الانفرادية المميزة ضمن تنوع مجتمعي لا حصرله.

- شيلر يخلط بين كينونة الانسان في كليّة افعاله وبين ماهيته التي يختزلها شيلر انها ماهية روحانية. الماهية ليست جوهرا متقولبا في بعد انساني واحد هو الروحانية. الماهية تصنيع ذاتي للشخصية متعددة الابعاد فهي ماهية ميتافيزيقية وماهية مادية وماهية زمانية وماهية عقلية ادراكية وماهية لغوية ناطقة وهكذا. الماهية الفردية جوانب متعددة في الشخصية هوية تلعب غرائز الجسم دورا في تشكيلها كما هي ماهية واقعية وليست مجرد تنظيرات توصيفية لا نصيب لها من فعل التطبيق. ماهية الانسان تختلف 180 درجة عن جميع الماهيات في الاشياء والموجودات.

شيلر والذات

يدين شيلر خطأ الناس اعتبارهم الانسان يدرك نفسه قبل ادراكه الاخرين، ولكن الواقع والكلام له أن الانا ليست حقيقة اولية سابقة على ما عداها. بل هي حقيقة متأخرة لا تجيء الا من مرحلة اولية تكون فيها الادراكات الحسية الموجودة لدينا بمثابة مجرى مختلط من الخبرات النفسية غير المتمايزة. المصدر ص383

الذات او الانا مشروع بناء يبدأ بالطفولة وينتهي بالشيخوخة والموت. ومع خطا الناس الذي يستنكره شيلر اقول الذات اولا ومن ثم الاخرين. الذات مشروع بناء تنمية انفرادية في اكتسابها الوعي باناها ضمن مجتمع.الذات استعداد فطري لبناء شخصية بالمغايرة مع كل شيء يحيطها.

وما لم تدرك الذات اناها الانفرادية تكون واقعا لم يكتمل اكتسابها الخبرة الكافية في النضج الكامل حين تجد وجودها متحققا بالجماعة في المغايرة وليس بالاندماج الكلي والذوبان في الوعي الجمعي.

بناء الذات لاناها الانفرادية لا يتم في مجهود ذاتي وهو محال. الذات لا تدرك اناها وجودا متحققا بوعي ناضج ما لم تكن انا متمايزة عن غيرها يحتويها مجتمع. الذات والمجتمع جوهران مطلقان لا يدركهما العقل الا ضمن علاقات تواصلية متداخلة بين عالم الذات وعالم المجتمع المتعالقين بوحدة عضوية تجانسية.. الذات حاصل بناء لمجموعة الظروف الكلية التي تصنع فردانيتها في تصنيعها لمجتمع.

الذات ليست حقيقة اولية كما ذكر شيلر الا من خلال التنمية والبناء المجتمعي لكليهما معا في علاقة عضوية تجانسية يجمعهما النوع. لا توجد انا سوية تجد قيمتها الانفرادية بمعزل عن وعيها الايجابي الفاعل انها فرد ضمن مجتمع يحتويها بالمجانسة. ودليل ذلك استشهادنا بقول شيلر" اننا لو عدنا الى الطفل او الى الرجل البدائي لاستطعنا التحقق ان الحياة الشخصية لدى كل منهما ليس حقيقة اولية – يقصد اولوية على بعدية المجتمع – فالانسان يحيا اساسا وباديء ذي بدء في الاخرين لا في ذاته وهو يحيا بالجماعة اكثر مما يحيا في فرديته الخاصة " المصدر ص 384

خلاصة الاقتباس على لسان شيلر ان الانسان كائن اجتماعي بالفطرة. ولا تنبني وتتعزز ذاتيته الا ضمن مجتمع متجانس بالنوع مختلف ومتمايز بالمغايرة المجتمعية كافراد.

الذات والاغتراب

الذات السوية مبدأ ورسالة بالحياة تغترب عن المجتمع بانعزالية تمثل وعيا متقدما عليه. هي على خلاف التصور الخاطيء الذي يرى فيها انفصامية مرضية وفي حقيقتها هي اكثر الذوات التصاقا متاثرا بهموم مجتمعيتها. اغتراب الذات عن مجتمعيتها هو توكيد وعي متقدم تمتلكه نخبة او افراد عن مجتمع فاقد لحضوره الحقيقي غير الاستهلاكي الذي استنفده روتين الحياة الموزع بين العمل والاكل والنوم والجماع الجنسي واشباع حاجات بيولوجيا وغرائز الجسد..

عندما نجد الكثرة من العباقرة والافذاذ بذكائهم يؤثرون الانعزال عن مجتمعاتهم يوصمون انهم مرضى يجب تخليصهم من عزلتهم وشفاؤهم من مرضهم. لكن فيما بعد تتضح الحقيقة ان هذه الانعزالية الاغترابية تمثل الصحة الذاتية في مجتمع مريض. وان هؤلاء الانعزاليون يمثلون نخبة وعي مجتمعي متقدم برؤاه ورسالته بالحياة. (لمن يرغب التعمق بموضوع اغتراب الذات احيله الى كتابي فلسفة الاغتراب ثلاث طبعات).

علي محمد اليوسف

***

علي محمد اليوسف – باحث فلسفي

............................

المصدر: د. زكريا ابراهيم /دراسات في الفلسفة المعاصرة

نظرية الاستبطان: نظرية الاستبطان في علم النفس التي انكرها علم النفس التجريبي تجد في الخبرة المعاشة المكتسبة عن العالم الخارجي والمحيط والحياة التي تحوزها الذات هي معرفة واعية بحد ذاتها. هذا يقودنا الى الاقرار صاغرين ان الذات لا تدرك الاشياء التي لم يكن لها فكرة مسبقة عنها. وهو ماعبّر عنه هوسرل بالوعي القصدي للذات في حمولته هدفه معه قبل ادراكه لموضوعه. هذا يترتب عليه انه لاوعي بالأشياء بلا خبرة مسبقة عنها كموضوعات يدركها العقل. لكن كيف يتخلص الوعي من مأزق تعامله مع المواضيع الغفل التي تصادفه بالحياة ولم يكن يمتلك خبرة مخزّنة عنه.؟

العبارة صحيحة حول نظرية الاستبطان المعرفي او الخبرة المدّخرة بالذات. وهنا نتوقف امام منحيين في تجليّات الوعي كمظهرين. بالمناسبة من وجهة نظري لا يوجد غير وعي واحد مصدره العقل وهو خاصية الذات المدركة للأشياء.

الوعي هو وعي الذات لنفسها بالمغايرة الموجودية وكذلك وعيها انها تمثل الخاصية الجوهرية الادراكية للعقل في تعاملها مع موجودات العالم الخارجي. وحين تكون الخبرة المكتسبة خزين وعي الذات عن العالم الخارجي تكون فعلا معرفة بحد ذاتها.

اشكالية نظرية الاستبطان وعلاقتها بالوعي كنت تناولتها نقديا في غير هذا المقال. فهي تقّسم الجسد قسمين بالنسبة لعلاقته بالعقل وأيهما يقود الاخر هل العقل يقود الجسم أم الغرائز الفطرية هي التي تقود العقل نحو الاستجابة لاشباعها؟

القسم الاول هو علاقة الجسم بالعالم الخارجي المتمثّل بالموجودات والاشياء في الطبيعة وفي العالم الخارجي عامة. وهذه العلاقة يقوم بتنفيذها الوعي بعملية تخارج معرفي بين الذات ومدركاتها. اما القسم الثاني من الجسم فهو بنك (مصرف) المعرفة الواعية المدخرة التي تمثل الاحاسيس الغريزية التي ترسلها اجهزة الجسم الداخلية لغرض اشباعها وهو اشباعات بيولوجية يحتاجها الجسم كي يبقى حيا. مثل الشعور بالعطش والجوع والاحساس بالالم والحزن والفرح والسعادة ورغبة الجماع الجنسي. من الجدير الاشارة له ان القديس اوغسطين توهم قائلا ان الحقيقة موطنها العالم الداخلي للانسان وانكرها عليه ميرلوبونتي مؤكدا ان الحقيقة لا تقع في داخل الانسان الباطني. كما وانكر ميرلوبونتي وجود عالم خارجي للجسد (كائنات الطبيعة وموجودات العالم الخارجي من الاشياء) وعالم باطني (الاحاسيس والغرائز الفطرية والمكتسبة) وهي رغم انكار ميرلوبونتي لها فهي اشباعات غرائزية فطرية اشباعية موطنها عالم الانسان الباطن ودورها فاعل واكثر اهمية من تنظيم علاقة العقل بعالم الانسان الخارجي.

الخيال والوعي

الخيال الذي لا يخضع لا للحس ولا للحدس ولا للوجدانيات ولا للقيم (الاكسيولوجيا) ولا للمدركات العقلية ولا تداولية اللغة يكون معطّلا في التوصّل لحقيقة الشيء او وجوده حتى لو كان متخيّلا عقليا في الذهن فقط،. فالخيال لا يمنح وجود الشيء او الاشياء كمتعينات مادية او تخييلية وجودها التجريدي من غير تشيؤها ذهنيا على شكل صور تمثّلية ومن ثم لغويا في حال الحاجة التعبير عنها كمواضيع للفكر، ومن غير التفكير بالوجود باللغة الصامتة عقليا، او المنطوقة الصائتة كلاما شفاهيا او مكتوبا او تصويريا، يكون الواقع الخارجي عدما والتفكير به معدوما تماما، ويصبح الوجود باكمله غير فاعل ولا موجود في استقلاله الخارجي عنا.

عندما ننصرف عنه واقعيا ومحاولتنا التفكير به وادراكه خياليا في غير قدرة وتعطيل الخيال على تجسيده كمتعين ذهني(لغويا) على الاقل يستطيع الاخرون فهمه كموضوع او كوجود قابل ان يكون في بعضه او في جله واقعا، وكون الشيء غير متحقق الوجود لا عقليا ولا متعينا ذهنيا كموضوع معبّر عنه لغويا او بأية واسطة أخرى تواصلية يعني ذلك عدم ادراك الوجود حقيقة، حتى لو كان ذلك الوجود متعينا ماديا بالنسبة لغير الذات المفكرة به من قبل الاخرين....

الخيال مجرد لوحده يفتقد فاعلية الادراك العقلي للموضوع ولوجود الاشياء ما لم يكن مزوّدا بمدركات قبلية مخزّنة بالذاكرة تجريبية اوحسّية مادية او حتى فطرية غرائزية على الاقل عن الموضوع المفكّر به خياليا تحت رقابة العقل ووصايته على الخيال، ومن دون رقابة العقل على تخيّلاتنا، تكون تلك التخيلات هلوسة هذيانية لا اكثر سواء في صمتها او اصواتها الهستيرية الغاضبة غير المفهومة.

فمن المتعذّر ان يفكر الانسان العاقل خياليا في شيء غير متعين ذهنيا في تفكيره، حتى لو كان وجود ذلك الشيء ماديا واقعيا في الخارج، فما لا يدركه فرد يدركه اخر آو اخرين في الواقع. لذا اجد ان مقولة ديكارت كما اطلقها وجرى تداولها فلسفيا اكثر مقبولية منطقية قبل اضافة هوسرل (انا افكر (في شيء مقصود)... اذن انا موجود) لان ما اراده ديكارت يعني ضمنا حاجة الفكر لمادة يفكّر بها، معزولة ومفصولة عنه وهو ما لا يقّر به هوسرل فعنده الذات هي الموضوع في تلاحمهما واندماجهما ومن الخطأ الفصل بينهما.

 ديكارت جعل اثبات الوجود الإنساني انطولوجيا في القدرة على التفكير تجريديا ذهنيا، ولم يقل ان وجود الأشياء المادية فقط تمنحنا وعي الذات كتفكير، ووعينا الاشياء المادية هو في وجودها المستقل المحايث لوعينا الذاتي. ثم وهو الأهم فان هوسرل فهم التفكير الخيالي الذهني في ادانته له انه لا يمنحنا الوجود الواقعي، وهو خطأ كبير لا يقع به حتى غير الفيلسوف، فالخيال السوي العقلاني غير المريض هو قوة مادية ليست قليلة الأهمية عن التفكير الواقعي او التجريبي، وخير مثال انه لولا الخيال لما كنا نعرف أهمية الفنون التشكيلية بكل تنوعاتها التي يبتدعها مخيال الانسان على امتداد العصور، كما لولا الخيال المنتج لما تحقق للإنسان الطيران ولا النزول على سطح القمر وهكذا بما لا يعد او يحصى في ابداعات ما يطلق عليه اليوم الخيال العلمي.

ان في عدم حضور موضوع او شيء متعيّن مدرك حسّيا تجريبيا او عقلانيا امام الانسان المفكّر يعني استحالة الوعي الادراكي بالموجودات والاشياء واقعيا ولا تنعدم معها ادراكه خياليا تجريديا محضا، وفي عدم وجود الاشياء من حولنا حسيا ولا خياليا يعني استحالة وانتفاء (التفكير) بها، او الحاجة للتفكير بها ايضا. وهذا يسقط اشتراط هوسرل انه لا وجود لموضوع او مادة خارج احساساتنا بها وادراكنا لها. فمثلا هل من الصحيح ان ننكر وجود منضدة في غرفة لا نحس بوجودها نحن في مكان وزمان معينين؟!

وجود الشيء ماديا لا يحدده عدم الادراك به من قبل شخص واحد او ملايين الاشخاص، فالطبيعة وكل ما يحيط بنا موجودة مستقلة ماديا بمعزل عن وعينا وادراكاتنا ورغائبنا. وقوانين الطبيعة موجودة ولا تشتغل على وفق رغبات الانسان واهوائه. ولا يبطل وجود او فاعلية تلك القوانين لمجرد عدم معرفتنا وادراكنا لها. وميزة الانسان انه يكتشف تلك القوانين باستمرار ويعمل على تطويعها لمصالحه ولا يكون لأدراك تلك القوانين الطبيعية من قبلنا سببا في وجودها او محاولة الغائها وهي تعمل شاء الانسان اكتشافها أم لا، او سعى لفك شفراتها العاملة لصالحه أم لا.

ان في تأكيد هوسرل ان الذات المفكّرة لا تنفصل عن موضوعها، وان كل مالا ندركه ليس له وجودا، خطأ جوهري كبير. عدم انفصال الذات عن الموضوع كما يريده هوسرل يعني استحالة الوعي العقلي والاحساس بالأشياء، وبالتالي استحالة تفكيرية ايضا في محاولة ادراك الشيء حسيا او تخييليا. الموضوع او الشيء المراد ادراكه والتفكير به يحتاج الى مسافة رصد ومعاينة منفصلة من قبل الذات لتحقيق الوعي به ومن ثم التفكير به. وفي حال اندماج الذات بالموضوع وتلاحمهما من غير مسافة رصد بينهما يكون فقط في استحالة معرفة الشيء ووجوده والتفكير به.

فكيف للذات ان تفكر في وعي ذاتها والتفكير في وعي الاشياء من حولها وهما كليهما في حالة اندماج وتناوب وظيفي في احلال احدهما محل الآخر او في اندماجهما معا في التفكير الواحد او المتباين باختلاف الموضوع . ان الذات تكون مرة ذاتا تعي وتدرك ذاتها، واخرى تعي وتدرك موضوعاتها في وقت واحد ليس تراتيبيا في الاسبقية، بمعنى وعي الذات تتداخل في وعي موضوعاتها معا في وقت ولحظة واحدة، وتختلف الذات عن موضوعها في كيفية الادراك المتبادل بينهما، وهذا يوجب علينا تفريق الذات عن الموضوع وليس كما يرغب هوسرل. (انه لا معنى في تفريق الذات وفصلها عن الموضوع.) هذا الافتراض يعدم حقيقة ان العقل والتفكير والحس والخيال والذهن واللغة ادراكنا لها كينونة وجودية واحدة في انسان واحد.

  الموضوع المادي او الشيء المتعين الموجود هو واقع استثارة التفكير به محايث له، ولا تحمل الذات المفكّرة موضوعها معها في الخيال التجريدي غير المفصح عنه فقط. ان التفكير الخيالي لدى الشخص (العاقل) غير المجنون او الانفصامي لا يلغي الوجود المادي للاشياء من حوله ولا المحيط لا برغبته ولا من دونها، والا كان وعي الخيال في لاموضوع او في  شيء متعين وجودا، لا يدركه العقل بتنظيم ذهني أو في خيال منظّم ومنتج معبر عنه لغويا هو واحد ولا فرق بينهما في الحالتين، وهو عبث لا ترجمة واقعية وجودية حقيقية له.

ان نظام التفكير الخيالي المبرج عقليا في ادراك الوجود يلتقي بداهة بالإدراك العقلي التجريبي والعلمي في ادراك ذلك الوجود ايضا. وبخلاف ان لا يكون التفكير الذهني منتظما ومنتجا عندها تنتفي جدوى ادراك الوجود خياليا تجريديا كونه يجتّر التفكير المشتت العقيم بلا ادنى تواصل لا بالموضوع ولا بالمحيط ولا يعتد هنا التعويل في معرفة الوجود الحقيقي بوساطة الخيال التجريدي الصامت المريض في عجزه التواصل مع الاخرين بانتظام لغة التفكير الخيالي المفهومة .

وما يذهب له هوسرل في عبارته: (ان كل ذات مفكّرة او كل حالة تقصد شيئا ما، وان هذا الوعي يحمل في ذاته ذلك الشيء الذي يفكّر به.)  فهذا لا يمنحنا التفكير في الشيء كوجود مستقل عنا في الذهن يرافقنا اينما انتقلنا، وفي هذا الافتراض نخلط بين وجود الشيء ذهنيا في الوعي وبين وجوده ماديا واقعيا بمعزل عن وعينا به او ادراكنا له، ان في اختلاف الوعي للوجود والاشياء حالة واقعية ايجابية لا تكرّس انتفاء الوعي بالمادة والمحيط وما يحتويه من مواضيع لا نهاية لها في اختلاف تفكيركل انسان عن الاخر، وتشكّل باختلافاتها عند الانسان حيثيات استثارة العقل على التفكير. وفي اهمية فصل الذات الادراكية المفكرة عن موضوعها، هو الذي يمنح الذات حضورها وقابليتها على الادراك والوعي والتفكير واثبات الوجود الفاعل للذات والشيء معا.

ان الموضوع او الشيء الموجود يبقى استثارة واقعية لجدوى التفكير به، وفي قصدية الحاجة الى التفكير لمعرفة ومحاولة تفسير وفهم الاشياء. ان وعي الموضوع هو وعي الذات لملكاتها الحسية والعقلية والخيالية المنتجة تواصليا. ان وعي الذات للاشياء يتم في حضورها بالذهن سواء اكانت موجودات واقعية يمكن الإحساس بها وادراكها عقليا، او موضوعات يتخيّلها الذهن أوالادراك العقلي. وهذا يؤكد بديهية اشتراك العقل والخيال في ادراك الوجود كلا بطريقته الخاصة واسلوبه المميز.

وحتى بعد غياب الموضوع المفكّر به، او تغييبنا له كوجود واقعي فانه يبقى يمثّل لنا استثارة واقعية للتفكيربه من أناس اخرين غيرنا، واهمية ما نفكر به ايضا، وان وجود الشيء خارج ادراك الحواس والعقل المفكّر يعني حسب هوسرل (لا وجود له ولا اهمية له ان يكون مادة او موضوعا مفكّرا به) . غير صحيحة ابدا في محاكمتنا ان الاشياء لا توجد حسب رغباتنا، او اهمية الوعي بها وادراكنا لها او عدم ادراكنا لها،.

فالطبيعة والاشياء والموجودات جميعها موجودة بمعزل عنا وعن اهمية ادراكنا لها او الوعي والتفكير بها أو في عدمه. فوجود الشيء باستقلالية عن الفكر لا يعني انتفاء وجوده اوبطلان الحاجة له كما يرغب هوسرل. وجود الشيء لا تحدده الرغبة الذاتية في اهميته من عدمها. وما يدركه انسان لا يشترط ادراكه من غيره . فمثلا اللون الاحمر يدركه البصير بينما لا يدركه المحروم من نعمة البصر، وفي كلا الحالتين فالأحمر موجود في استقلالية عنا، حتى لو لم يدركه الاثنان البصير والاعمى. فعدم ادراك الشيء لا يلغي وجوده المادي المستقل، والفكر العقلاني او الخيالي لا يخلق وجود الاشياء بمجرد رغبة التفكير بها. ووجود الشيء يسبق اهمية الوعي به وادراكه. وان كل ما لا يدركه انسان لا يلغي عدم وجوده في الواقع او الخيال من قبل مختلف الناس ومستويات وعيهم وتفكيرهم المنوّع في اختياراتهم المتنوعة للمواضيع والاشياء.

كل ما ذكرناه يؤكد اهمية وضرورة فصل الذات عن الموضوع كي تكتسب فعالية التفكير واقعيتها واهميتها وضرورتها، وفي قول هوسرل (التصاق الذات بالموضوع يعطي اهمية التفكير)، منطق  سليم ومشروط اوضحناه في سطور سابقة، فلا يؤخذ به الا في ان يكون للذات وعيها المستقل عن موضوعها وليس في اندماجهما معا كما يذهب له هوسرل.

ان في تغييبنا استقلالية وجود الشيء عن التفكير به، لا يلغي وجوده ولا يلغي اهمية ووجوب التفكير به. وفي غياب الذات لا يغيب الموضوع او الشيء المستقل عن الذات وجودا، كما في غياب الموضوع لا تغيب الذات أيضا، فمثلا غياب الذات المفكّرة عند المجنون او فاقد الوعي او الانفصامي لا يلغي وجود الاشياء ولا الاخرين من حوله؟ حتى لو جرى تغييب الموضوع قسرا واراديا من فرد واحد او عدة افراد، فأن وجود الاشياء خارج مدركاتهم لا ينفي وجودها المادي او الحاجة لها موضوعا تفكيريا لعدد من الناس لا يحصى، وأن تلازم الذات والموضوع لا تحدده الرغبة الذاتية العاقلة والمفكرّة في الاشياء. ونؤكد ان استقلالية الذات وادراكها لنفسها لا يتأتى من غير الوجود المستقل للموضوع عنها، وفي ذلك فقط يكون التفكير بالأشياء ممكنا، وانه لا ذات مفكّرة او واعية بدون موضوع، والمواضيع والاشياء وجود ازلي قائم بذاته سواء تناولها تفكير الانسان ام لم يتناولها الى ما شاء من العصور.

***

علي محمد اليوسف

تمهيد: يشير الآخر إلى الأنا المتغيرة (المتغيرة) نفسها (الأنا) التي تكون متشابهة ومختلفة في نفس الوقت. وهكذا فإن الآخر يشير إلى شخص آخر بطريقة غير متمايزة، إنسان آخر (ولكن ليس الله ولا الحيوان). يمكن طرح عدة أسئلة: ما المكانة التي يحتلها الآخرون لموضوع واعي مثل كل واحد منا؟ هل هو مكان ثانوي كما قد يميل المرء إلى الاعتقاد بشكل عفوي (أنا موجود أولاً وقبل كل شيء لنفسي والآخرين ينجذبون حولي في دوائر قريبة وبعيدة إلى حد ما) أم أنه يشغل هل له مكان أكثر أهمية في بناء الذات؟ هوية؟.

 كيف يمكننا أن نعرف الآخرين عندما نعلم أنه يجب علينا تفسير العلامات التي يظهرونها لنا بناءً على تجربتنا الذاتية؟ ماهي المكانة التي يجب أن ندركها في الآخرين ونعترف بها لهم في المجتمع؟   كيف يمكننا أخيرًا التعرف على الآخرين واحترامهم على حقيقتهم؟

 هذه الأسئلة تجعل من الآخرين مفهومًا يمثل جزءًا من التفكير في الوعي الذاتي أو الأخلاق أو بشكل عام في الحياة في المجتمع.

معرفة الغير

 نحن نعيش مع أشخاص آخرين نعرفهم بشكل أو بآخر. ولكن إلى أي مدى يمكننا أن نعرف الآخرين؟ أليس هناك وهم عندما نعتقد أننا نعرف الآخرين جيدا؟ ألسنا مجبرين دائمًا على تفسير الكلمات والإشارات التي ندركها من خلال تجاربنا الخاصة؟ هذه المسافة التي لا يمكن التغلب عليها بيني وبين الآخرين هي التي أكد عليها ديكارت وباسكال.  بالنسبة لديكارت، يعرف الجميع باطنهم (ما يحدث داخل أنفسنا) على الفور، في حين أننا نعرف الآخرين فقط من خلال القياس (المقارنة). عندما أحزن أبكي وإذا رأيت شخصًا آخر يبكي فأعتقد أنه حزين. لكني لا أستطيع أن أشعر أو أعرف حزنه. وهذا هو الحال بالنسبة لكل شيء موجود في وعي الآخرين والذي يبقى إلى حد كبير بعيد المنال. ومن ثم يُحكم علينا بالبقاء "منغلقين" داخل أنفسنا. هناك مسافة لا يمكن جسرها بين وعيين. بل إن وجود الغير هو ما يدعوه ديكارت إلى التشكيك مؤقتًا في مقاربته للشك المنهجي الذي يكشفه في تأملات ميتافيزيقية. إذا كان هناك استحالة للوصول إلى المعرفة الداخلية للآخرين، فلا يمكن للإنسان أن يعرف سوى وجوده: لا يوجد دليل أو فهم مباشر للذات أو وعي الآخرين. ويأخذ ديكارت موقف الانسان الذي يشاهد المارة وهم يسيرون في الشارع من نافذته، كيف يمكن أن يتأكد من أن هذه الكائنات مثله هم بشر لهم وعي لأننا يمكننا بنفس السهولة أن نتخيل أنه لا يتكون إلا من عارضات أزياء في الاستعراض (أو الروبوتات التي يمكن أن نقولها هذه الأيام). ثم ينتهي بنا الأمر إلى شكل من أشكال الذاتوية، حيث يكون الإنسان متأكدًا فقط من وجوده. ومع ذلك، يدرك ديكارت بعد ذلك أن هناك ذوات تفكير أخرى. في الواقع، إذا لم أتمكن من فهم وجودهم على الفور، فإن الأدلة غير المباشرة تظهر لي أنهم ليسوا عارضات أزياء متحركة، بل هم أشخاص يفكرون منذ اللحظة التي يمكننا فيها تبادل الكلمات. وفي هذا الصدد لا بد من التأكيد على أهمية اللغة الإنسانية كوسيلة لتجاوز المسافة التي تفصل بين الوعي ومعرفة الآخرين. ولكن هنا مرة أخرى، ليس من المؤكد دائمًا أننا نفهم بعضنا البعض بشكل مثالي حتى لو استخدمنا نفس الكلمات لأن الجميع يفسرونها من تجربتهم الخاصة. وهكذا يظل الآخر بالنسبة للذات آخرًا بمعناه الجذري، أي كائنًا لا يمكن اختزاله في الذات. هذه الغرابة هي التي نجدها أحيانًا حتى في الأشخاص الذين نعرفهم كثيرًا ولهذا السبب كثيرًا ما نسألهم: "فيم تفكر؟" مع العلم مسبقًا بمن سنعرف فقط ما يريد الآخر أن يكشفه لنا.

تطور الوعي

 إن الاعتقاد بأننا وحدنا في العالم وأن الآخرين خارجيون، وأننا نحتل المرتبة الثانية فقط، يمكن أن يتبين أيضًا أنه مجرد وهم. نحن نعلم أن الإنسان يحتاج إلى الآخرين لكي ينمي جميع قدراته حقًا. أظهرت حالات الأطفال الذين تم التخلي عنهم وتركهم دون اتصال مع الآخرين بوضوح أهمية الآخرين (رواية الطفل البري لتروفو استنادًا إلى قصة حقيقية). نحن "نحن الآخرون"، نحن الآخرون الذين استوعبناهم منذ الطفولة المبكرة منذ أن تعلمنا اللغة ومن خلالها جميع عناصر الثقافة. وبدون هذه التنشئة الاجتماعية، لن يكون الإنسان إنسانيا.  من الناحية البيولوجية، فإن دماغ الرضيع ليس مكتملاً عند الولادة، وبالتالي فمن خلال التبادلات التي يقوم بها الفرد مع من حوله سيكون قادراً على التطور "بشكل طبيعي". يصبح الإنسان إنسانًا فقط من خلال الاتصال بالغير. لا يمكنه أيضًا تحقيق الوعي الذاتي بدون الآخرين لأننا نحدد أنفسنا فقط من خلال المعارضة والتباين، كما أن الآخرين هم الذين يلعبون دور المرآة التي تسمح لنا بأن نصبح أكثر وعيًا بأنفسنا. وفي هذا السياق، كتب سارتر: "الآخرون هم الوسيط الذي لا غنى عنه في النفس و بالنفس".  البعض الآخر ضروري ليصبح إنسانًا كاملاً وإدراكًا لذاته. مما لا شك فيه أن أهمية الآخرين هي التي تجعل علاقاتنا متضاربة في كثير من الأحيان.

النضال من أجل الاعتراف

 يؤكد هيجل (1770-1831) على الصراع وصراع اشكال الوعي من أجل الاعتراف. في الواقع، نظرة الآخرين تحولني إلى "شيء". تحت أنظار الآخرين، أنا مجرد شيء واحد من بين أشياء هذا العالم. سيتعين علي بعد ذلك أن أكتسب في نظر الآخرين مكانة الذات والشخص، مما يعني أنه يمكن الاعتراف بي على قدم المساواة معهم. عندها يبدأ الصراع من أجل الاعتراف، وهو ما يتضح من جدلية السيد والعبد. بالنسبة لوعي السيد، يتحول العبد إلى حالة حيوان (أو أداة). وليس لها قيمة أخرى غير الربح الذي تجلبه. ومع ذلك، من خلال عمله، سيكشف العبد أنه ضروري لوجود السيد الذي ينتهي به الأمر إلى الاعتماد على العبيد. عندما يدرك السيد أنه لا شيء بدون العبد، أو بمعنى آخر أنه عبد لعبده، تنقلب العلاقة، وعندها يمكن للعبد أن يرفض السيد باعتباره مجرد طفيلي، صالح للعبد. - لا شيء، شخص كسول، مستغل يؤدي إلى التمرد. سيكون من الضروري بعد ذلك للسيد، الذي يصبح بدوره عبدًا، أن يثبت قيمته حتى يتم الاعتراف به بدوره بشكل كامل. فقط في نهاية هذا التطور يمكن أن يتم الاعتراف. يمكن توضيح هذا التحليل المفاهيمي لهيجل من خلال مواقف أبسط: يصل مدير جديد إلى الشركة ولا يهتم بالعمال الذين يعتبرهم بيادق يمكن استبدالهم؛ يؤدي هذا السلوك الازدراء إلى الإضراب، ويفهم رئيس العمل أنه لا شيء بدون العمال ويبدأ في أخذهم في الاعتبار بشكل أفضل؛ لكن العمال بدورهم يحتقرون هذا "الصالح مقابل لا شيء" حتى اللحظة التي يدركون فيها أن مديرهم كان قادرًا على الحصول على عقود جيدة للشركة حتى يمكن إنشاء اعتبار متبادل. هناك اعتراف متبادل. وهكذا يُظهر تحليل هيجل أن العلاقات الملموسة مع الآخرين يمكن أن تأخذ جانب الصراع ولكن أيضًا المساعدة المتبادلة والتعاون، ويمكن للآخرين بعد ذلك أن يكونوا عقبة أو حليفًا لحرية كل شخص. هكذا يُظهر هيجل ، في فقرة شهيرة من كتاب فينومينولوجيا الروح، المعروف تقليديًا بـ “جدل السيد والعبد”، أن الآخرين هم في المقام الأول منافسون. لأن "الوعي الذاتي" هو في المقام الأول فردية خالصة، فهو "يستبعد من نفسه كل ما هو آخر: جوهره وموضوعه المطلق هما الذات". المشكلة، كما يوضح هيجل، هي أن الآخر هو أيضًا “وعي ذاتي”: “ينشأ الفرد وجهًا لوجه مع فرد آخر”.في البداية، يتم التعبير عن العلاقة مع الآخرين في شكل مواجهة، لأن الحياة نفسها على المحك؛ ولهذا السبب يتحدث هيجل عن "النضال حتى الموت". الرهان في هذا النضال هو الحرية نفسها: “لا يمكن للمرء أن يحافظ على الحرية إلا من خلال المخاطرة بحياته . من الممكن أن يتم الاعتراف بالفرد الذي لم يضع حياته على المحك كشخص؛ لكنه لم يصل إلى حقيقة هذا الاعتراف كاعتراف بوعي ذاتي مستقل. ومن أجل تحقيق الاعتراف الحقيقي بوعي واحد في مواجهة وعي آخر، من الضروري خوض هذا الصراع حتى الموت. "الرغبة" هي أيضًا أصل هذه المواجهة. تتكون الرغبة من الرغبة في إنكار العالم (والآخر الذي هو جزء منه) من أجل تأكيد الذات. ولذلك فهو يشكل إنكارًا لكل ما ليس هو الذات، وذلك بهدف تأكيد الذات على وجه التحديد. نحن نفهم: هذه الرغبة تتعلق برغبة أخرى. يتصادم ضميران: من ينتصر فهو السيد، ومن يخسر العبد. نحن بالطبع نفكر في ما يحدث في الطبيعة، عندما يتقاتل حيوانان بريان للاستيلاء على منطقة ما، من أجل أن يكونا على قمة التسلسل الهرمي المحدد في المجموعة. في نهاية الصراع، أصبح أحد الفردين (أحد "الوعيين الذاتيين") هو السيد، والآخر العبد؛ فالعبد هو في النهاية من فضل الخضوع حتى الموت. من الأفضل أن تكون عبدًا حيًا من أن تكون سيدًا محرومًا من الحياة، وهو العبد المحكوم عليه.لكن هذا الوضع يؤدي في الواقع إلى طريق مسدود بالنسبة للسيد (الوعي الذاتي السائد): فهو يدرك أخيرًا أن الاعتراف بالعبد (يعترف به على أنه سيد) لا قيمة له: ما هي القيمة الفعلية للاعتراف بالعبد؟ ، من جانب كائن أدنى؟ الاعتراف له قيمة فقط في المساواة: لا يمكن للسيد أن يجد الرضا الحقيقي من الاعتراف بالعبد. عليه أن يعترف، بطريقة ما، بأن وضعه يعتمد على "احترام" الآخر، الذي يُفهم هنا على أنه "اعتراف". لكي يكون الاعتراف بالعبد صحيحا، يجب أن يتوقف عن كونه عبدا. لكي أحترم الآخرين، هل يجب أن أعتبرهم أكثر أهمية من نفسي؟

العلاقة مع الغير

كتب جان بول سارتر: "الجحيم هو الآخرون". ولأنه يحمل وجه الاختلاف، فإن الآخرين بدورهم مخيفون أو مطمعون أو بعيدون المنال أو غيورون أو يُساء فهمهم... لماذا لا نستطيع الاستغناء عنه؟

الآخرون هم أولاً وقبل كل شيء أشخاص مختلفون، سواء كانوا من فئة البانك أو الشايان أو اليابانيين. ولكن إذا كان "الغريب" غير مفهوم بالنسبة لأعضاء المجتمع، فهو أيضًا غير مفهوم بالنسبة له. بعد اكتشاف أمريكا، سعى الإسبان لمعرفة ما إذا كان السكان الأصليين لديهم روح. وفي الوقت نفسه، قام الأخير بتغطيس السجناء البيض للتحقق من أن جثثهم خضعت لنفس عمليات التعفن التي تعرضت لها جثثهم. بهذا المثال، ذكّر كلود ليفي شتراوس بأن “البربري هو أولا وقبل كل شيء الرجل الذي يؤمن بالهمجية" .إذا كان الآخرون مخيفين إلى هذا الحد، فذلك قبل كل شيء لأنهم يظلون غير قابلين للاختزال في المعرفة. نظرًا لأنه لا يقتصر على ما نراه، فذلك لأنه موضوع تفكير، يمكننا أن نفترض منه فقط عن طريق القياس ما نشعر به. لأنه على الرغم من كل التعاطف والتعاطف الممكن، لا شيء يسمح لك بوضع نفسك حقًا مكان صديقك أو أخيك. يبقى الفجيعة والمرض والمعاناة تجارب يجب تجربتها بمفردك.

احترام الغير

 إذا أخذنا مصطلح "الآخر" في جانبه المزدوج لكل من الشخص "المشابه" و"المختلف"، فإننا ندرك أنه في النهاية من الصعب للغاية احترامه لأننا نميل إما إلى تعزيز تشابهه وبالتالي إنكار اختلافه، على بل على العكس من ذلك، مع إبراز اختلافه من خلال إنكار أوجه التشابه فيه.  في الموقف العنصري، على سبيل المثال، نعتبر الأجنبي قبل كل شيء كائنًا مختلفًا، ونبرز الاختلافات إلى درجة أننا لم نعد نرى فيه إنسانًا بل نوعًا من "الحيوان". وقد أكد كلود ليفي شتراوس على هذه الفكرة في كتابه "العرق والتاريخ"، مشيرًا إلى أن الغربيين استخدموا مصطلح "متوحشين" لوصف الشعوب التي اعتبروها غير متحضرة.  وفي الآونة الأخيرة، ارتبط الاستعمار في كثير من الأحيان بالرغبة في الاستيعاب القسري الذي ينكر الاختلافات في الثقافة واللغة. ومن خلال إجبار الآخرين على رفض اختلافاتهم، والتوافق مع طريقة تفكيرهم وحياتهم الخاصة، فإن ذلك أيضًا وسيلة لممارسة العنف ضدهم. لذلك فإن الموقف الأكثر عدالة هو اعتبار أننا جميعًا متشابهون ومختلفون في نفس الوقت. يبدو أن احترام الآخرين هو أحد المبادئ الأولى التي يجب أن نتبعها لكي تكون الحياة في المجتمع ممكنة. نحن نحترم الآخر لأننا ندرك أنه هو الآخر؛ نحن نعتبره متساويًا، على الرغم من أنه ليس نحن (أو ربما، على وجه التحديد، لأنه ليس نحن). ولذلك فإن احترام الآخرين يرتكز، قبل كل شيء، على قبول مبدأ المساواة بين البشر. ونعلم أيضًا أن الآخر له نفس الحقوق التي لنا، وكذلك نفس الواجبات. إن احترام الآخرين يعني أيضًا منحهم مكانة "الشخص"، بمعنى أن مفهوم "الشخص" هو مفهوم قانوني وأخلاقي بطبيعته: فهو موضوع للقانون، ويُعتبر "الشخص" أيضًا متمتعًا بالضمير والضمير سبب. حرة ومسؤولة، فهي قادرة على التعرف على نفسها كممثل وموضوع لأفعالها وقراراتها. وفي هذا السياق، يبدو أن احترام الشخص مقبول عالميًا.

ولكن ماذا يحدث عندما يكون الشخص الذي نعتبره شخصًا، لأنه إنسان، لا يستوفي الشروط التي تجعله، على وجه التحديد، «شخصًا»؟ هل يجب أن نحترم من لا يحترمنا؟ هل هناك حدود لاحترام الآخرين؟ هذا هو السؤال الذي يمكننا أن نطرحه على أنفسنا: هل القاتل أم الإرهابي محترم؟ احترام الآخرين، على هذا النحو، لا يمكن أن يكون "واجبا". يمكننا أن نقدر، بشكل عام، سواء كان ذلك صحيحًا أو خاطئًا، أن بعض الأشخاص محترمون، والبعض الآخر ليسوا كذلك، وفقًا لمعاييرنا. من الممكن أيضًا أن يكون ذلك طوعًا أو لا إراديًا (نفكر في بعض الأفراد الذين يعانون، على سبيل المثال، من إعاقة عقلية، مما يعني أنه لا يمكن اعتبارهم واعين تمامًا أو مسؤولين عن أفعالهم)، يمكننا أن نعتبر أن بعض الأشخاص لا يستحقون الاهتمام. الاحترام الذي نمنحه للآخرين بشكل عام. هل يمكن تبرير هذا؟

احترام الآخرين: مطلب أخلاقي كوني

نجد في معظم الأديان وفي معظم الفلسفات هذه القاعدة الأخلاقية، معبرًا عنها بطرق مختلفة، وتعتبر قاعدة ذهبية: "لا تفعل بغيرك ما لا تريد أن يفعله الآخرون بك". إنه أساس ما نسميه "العالمية الأخلاقية". يخبرنا الرسولان متى ولوقا، في العهد الجديد، أن يسوع يوصينا أن نحب قريبنا كنفسنا. وهكذا، يتم التعبير عن احترام الآخرين وفقًا لقاعدة المعاملة بالمثل، التربوية والسلبية على السواء: فمن خلال وضع أنفسنا في مكان الآخرين نتعلم احترامهم. لكي نفهم أننا يجب أن نحترم الآخرين، يجب أن نعتبرهم كآخرين بأنفسنا. إن شرط وجود قاعدة أخلاقية عالمية، فيما يتعلق بما نسميه "احترام الآخرين"، ذكره كانط (1724-1804)، في شكل "ضرورات قطعية" (أسس ميتافيزيقا الأخلاق، القسم الثاني). نأخذ الصيغتين الرئيسيتين مرة أخرى.

الامر القطعي الكانطي الاول

"تصرف بطريقة تجعلك تعامل الإنسانية، سواء في شخصك أو في شخص الآخرين، دائمًا في نفس الوقت كغاية، وليس أبدًا كمجرد وسيلة." فالإنسان، ككائن عاقل، هو جزء من "مملكة الغايات"، بحسب كانط. وهذا يعني أن كل إنسان له قيمة كبيرة لدرجة أنه لا يمكن، بالمعنى الدقيق للكلمة، أن يكون له "ثمن". لا يمكنك استخدام الرجل كما تستخدم شيئًا. الإنسان ليس جزءًا من العالم المادي، من الأشياء التي يتكون منها والتي يمكننا التخلص منها (يمكننا، دون الانحراف عن الأخلاق، شراء وبيع الأشياء).على سبيل المثال، تعتمد قوانين أخلاقيات علم الأحياء لعام 2004 في فرنسا على الحتمية الكانطية المطلقة لتبرير أن نقل الأعضاء، أو عناصر الجسم البشري، سواء من متبرع حي أو متوفى، لا يمكن أن يكون موضوعا للتجارة. لا يمكننا التخلص من الجسد كما نتخلص من الشيء. لكن في بلدان أخرى، يكون للأعضاء (أو الأمشاج البشرية، مثل البويضات أو الحيوانات المنوية) ثمنها.

 الامر القطعي الكانطي الثاني

"تصرف وفقًا للمبدأ الذي يمكن في نفس الوقت أن يتحول إلى قانون عالمي." هذه الحتمية غير المشروطة، وهي الركن الثاني للأخلاق الكانطية، قادت معظم الفلاسفة، بعد كانط، إلى القول بأن الأخلاق الكانطية كانت مسألة شكلية خالصة. ومن الناحية العملية، فإن هذه الأخلاق لن تكون قابلة للتطبيق. لا يمكننا أن نكذب، على سبيل المثال، لأننا إذا فعلنا ذلك، فسنثبت الكذب على الفور باعتباره "قانونًا عالميًا": وبالتالي يصبح أي مجتمع مستحيلًا. الحتمية قاطعة في الواقع لأنها لا تقبل أي استثناءات. كان بنيامين كونستانت (1767-1830) غاضبًا: نحن مجبرون على الكذب في بعض الحالات، رد على سبيل المثال لقاتل يلاحق صديقنا الذي جاء ليلجأ إلى منزلنا، والذي يطرق الباب ليسأل عما إذا كان هذا الصديق هناك. من الواضح أنه من "الأخلاقي" في هذه الحالة أن نحمي صديقنا من قاتل. وبشكل أكثر عمومية، يمكننا أن نقول إننا لا ندين بالحقيقة لشخص لا يحترم الحقيقة. وبالتالي فإن التصرف من منطلق الواجب من أجل الواجب ليس مبدأً قابلاً للدفاع عنه، وفقًا للبعض. ذكرت حنة أرندت، في كتابها أيخمان في القدس (1963)، أن أيخمان، وهو مسؤول نازي رفيع المستوى، "عاش حياته بأكملها وفقًا لمبادئ كانط الأخلاقية، وخاصة وفقًا لتعريف كانط للواجب. كان القانون هو القانون، تستمر أرندت؛ لم نتمكن من تقديم استثناءات. ووفقا لها، فإن أيخمان "شوه" الامر القطعي الكانطي المطلق؛ من الواضح أن كانط لم يكن يعني ضرورة الالتزام بقوانين هتلر. وهذا يعني قبل كل شيء أن الامر القطعي الكانطي ليس خاليا من كل "المحتوى"، كما يقال في كثير من الأحيان. إن الرجل الذي يطيع القوانين بشكل أعمى، دون أن يسأل عن محتوى هذه القوانين (هنا، أمرت القوانين بإبادة اليهود)، لا يمكن وصفه بأنه "كائن عاقل". كيف يمكننا أن نتخيل، كما تشير أرندت، أن كانط يمكن أن يقول أننا يجب أن نعامل كل إنسان كغاية، وأن طاعة القانون يمكن أن تبرر إبادة جزء من الإنسانية، باسم انتمائه إلى المجتمع اليهودي؟ هل كان كانط يتخيل أن "الكائن العاقل" سيتصرف مثل أيخمان؟

باختصار، تعني صياغة الأمر أنه يجب علينا دائمًا أن نتصرف بالطريقة التي نود أن يتصرف بها الآخرون. يجب علينا ألا نكذب على الآخرين، بكل بساطة، لأننا لا نستطيع أن نتمنى لهم أن يكذبوا علينا. من الناحية النظرية، هذا صحيح.

هل يقتصر الاحترام على شرط الاعتراف المتبادل؟

قانون تاليون

لذلك يمكننا أن نثبت أن الاعتراف بالآخر باعتباره شخصًا آخر هو المبدأ الأساسي الذي يسمح لي باحترام الآخر، والآخر أن يحترمني. من الصعب أن نرى كيف أن الاحترام لن يكون متبادلاً أو متبادلاً. كيف نحترم من لا يحترمنا؟

إن إلغاء عقوبة الإعدام (1981، في فرنسا) يرمز إلى محاولة تجاوز التبادلية، والمعاملة بالمثل المتأصلة على ما يبدو في مبدأ الاحترام. إن عدم القيام بالآخرين ما لا نرغب في أن يفعلوه بنا يعني أننا لا نفعل بشكل منهجي للآخرين ما فعلوه بنا. يجب التغلب على قانون تاليون الذي مبدأه "العين بالعين والسن بالسن". إن إلغاء عقوبة الإعدام يعني الاعتراف بأن الإنسان مهما فعل يظل رجلاً. وبذلك تصبح إنسانية الإنسان مبدأً متعاليًا. ومع ذلك، تظل حماية الضحايا من الجلادين مطلبًا يجب اعتباره "متعاليًا" أيضًا.

بهذا المعنى يبدو أن التغلب على قانون تاليون المذكور سابقاً يشكل تقدماً على المستوى الفردي (في علاقة الفرد بفرد آخر) وعلى المستوى الجماعي (في العلاقة التي تربط مجموعة من الأفراد بآخر). مجموعة من الأفراد). ومن دون أن نتمكن من مطالبة الضحايا بـ "العفو" الذي يمكنهم منحه لجلاديهم، يمكننا أن نتصور تخليهم عن الانتقام.

البعد الايتيقي لعلاقتي مع الآخرين

يرفض فيلسوفان معاصران، إيمانويل لفيناس (1906-1995) وبول ريكور (1913-2005)، اعتبار الذات أولية بالنسبة للآخر. وفي هذا فإنهم يشككون في مدى انتشار "الكوجيتو" الديكارتي. أن تكون مسؤولاً عن الآخر، بالنسبة لليفيناس، يعني أن تفعل شيئًا من أجل الآخر. إنها القدرة على العطاء دون قيد أو شرط. لكن أليس الآخرون مسؤولون تجاهي بنفس الطريقة؟ ربما يجيب ليفيناس: «لكن هذا هو عمله. وبقدر ما تكون العلاقة بيني وبين الآخرين غير متبادلة، فأنا خاضع للآخرين”؛ وأنا «ذات بشكل أساسي بهذا المعنى» (الأخلاق واللانهاية، 1982). أنا نفسي فقط، في هذا الصدد، إذا كنت مسؤولاً عن الآخر. أنا موجود بشكل كامل فقط كموضوع من هذا الآخر الذي يجب أن أراقبه. وبالتالي فإن بُعد العلاقة مع الآخر هو بُعد أخلاقي.

الآخر يشكل هويتي الخاصة

كما يضع بول ريكور العلاقة مع الآخر في بعد أخلاقي أساسي، لكنه ينتقد التفوق الذي يعطيه لفيناس للآخر، فيما يتعلق بالذات. يقول ريكور من حيث الجوهر، من الضروري تجريد الذات من امتيازاتها، دون منح هذه الامتيازات للآخرين. وهو يستنكر، في تاريخ الفلسفة، هذا الانقلاب الذي أصبحت به الذات "المرتفعة" لديكارت، أخيرا، ذاتا "مذلة"، من خلال محاولات تدمير الذات التي قام بها نيتشه أو ماركس أو فرويد. وبطريقة أخرى، فإن ليفيناس، من خلال وضع الـ"أنا" بعد الآخر، يشارك في إذلال الذات.

ولهذا السبب، في كتابه "عين الذات آخر" (1990)، بحسب ريكور، من الضروري إيجاد وسط سعيد بين "التمجيد" و"الإذلال"، وهي المصطلحات التي يستخدمها. للقيام بذلك، يستبدل "أنا" بكلمة "الذات". "الذات" أكثر حيادية؛ إنه يشير إلى موضوع متحرر من أنانيته ووقاحته. بين الهوية، التي تتكون من تفضيل "النفس" (أي "النفس"، "أنا")، والغيرية، التي تتكون من افتراض أن الآخر مهم أيضًا، أو أكثر أهمية مني، هي الذات. "الذات" وكذلك "الآخر". وهكذا ينضم ريكور إلى فكرة أن الآخر هو، بكل بساطة، مكون لهويتي الخاصة.

خاتمة

الغير يعني شخصًا آخر غيري، والآخرون، كلهم اناس. ولهذا قال بودلير: "الآخر قريب وبعيد في نفس الوقت". دون أن نكون قادرين على الوصول إلى داخل الغير، فإننا نميل إلى افتراض ما يحدث داخله من أنفسنا... في الواقع، الاعتراف بالغير ينطوي على الاعتراف بالذات، والعكس صحيح. الأفراد والجماعات لا توجد إلا من خلال المعاملة بالمثل. إن احترام الآخرين، كما بينا، عند لفيناس كما عند ريكور، يكون في المقام الأول من منظور أخلاقي. وبصورة أعم، يهدف احترام الآخرين إلى ترسيخه كمبدأ عالمي. هذه هي الطريقة التي يؤكد بها إعلان حقوق الإنسان والمواطن (26 أغسطس 1789) على وجود حقوق عليا يجب أن يتمكن جميع البشر من التمتع بها، بما يتجاوز خصوصياتهم أو اختلافاتهم. واليوم، من خلال العنصرية أو كراهية الأجانب يمكن إثارة مسألة احترام الآخرين. ويتم التعبير عن الاختلاف، بهذا المعنى، فيما يتعلق بالاختلاف: "العنصري" هو من لا يعترف بذات أخرى في الآخر بحجة أنه لا يحمل نفس الأصول، أو لا ينتمي إلى نفس الثقافة. الاختلاف يؤدي إلى الخوف وعدم الثقة وبالتالي الرفض. ولم تعد مسألة الآخر، في هذا المنظور، تُطرح ببساطة في إطار "الوعي" أو الذاتية. والآخر هو من ليس له نفس لون البشرة، أو نفس عادات الأكل، أو حتى نفس الدين؛ ويمكن أيضًا أن تكون حالة لا تقع ضمن "الحالة الطبيعية" الراسخة، وفقًا للقواعد الاجتماعية أو الثقافية التي تحدد هذه الحالة الطبيعية. والآخر قد يكون الشخص المعاق، أو كبير السن، الذي لا يتمتع بممارسة جميع قدراته، أو الذي يجد نفسه ضعيفًا أو متضائلا. لذا فإن احترام الآخرين يعتمد في كثير من الأحيان على التعليم والتعلم: يجب تعليم الاعتراف بأن الشخص المختلف ليس بالضرورة أقل شأنا. يبدو أنه ليس من الطبيعي أن يحترم الأفراد الآخرين.  فكيف يمكن معاملة الأغيار زمن الحروب والأزمات؟ والي مدى نحن بحاجة للآخرين لبناء ذواتنا؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

استُخدم مفهوم الأيديولوجيا أول مرة عام 1797 من قبل المنظر الفرنسي ديستوت دو تراسي، وكان يعني بالنسبة له مجرد “علم أفكار” عام، أي دراسة كيف نفكر ونتكلم ونحاجج. والمفهوم مشتق من الكلمتين اليونانيتين eidos (فكر) وlogos (سبب، خطاب)، وارتبط بمشروع تأسيس علم الظواهر العقلية ودراسة تكوين الأفكار. وقد أدرك دو تراسي أنه على الرغم من أن الاسم كان جديدا، إلا أن العلم كان له تاريخ جدير بالاعتبار. يمكن القول بالفعل أنه أضاف تحسينات طفيفة فقط إلى النظام الذي وضعه كونديلاك. لكن "علم الأفكار" يعود إلى أوقات مختلفة في التاريخ الفرنسي؛ وعندما قدم دو تراسي مفهوم “أيديولوجيا”، وجد هو وزملاؤه الممارسون للعلم الجديد أنفسهم يواجهون صعوبات سياسية. وأدركوا أن الوقت كان حرجا،  لاستخدام هكذا مفهوم في ظل الأوضاع السياسية والثقافية السائدة.

اكتسب مفهوم الأيديولوجيا عدداً من المعاني خلال قرنين من وجوده القصير، وتم صياغته من خلال وجهات نظر مختلفة. وعند فحص كيف تعاملت العلوم الاجتماعية، على وجه الخصوص، مع الأيديولوجيا، غالبا ما نجد أن الانطباع الأول للمرء يكون ارتباكا كبيرا .مثّلت في البداية القائمة الطويلة من الكتب والمقالات التي يرتبط فيها علم الاجتماع بالإيديولوجيا -آلاف النصوص- صعوبة إضافية في فهم الأيديولوجيا؛ نظرا لاختلاف التعريفات ووجهات النظر ونماذج المقاربات لهذا المفهوم على نحو كبير. المفارقة التي ينبغي الإشارة إليها هي أن الماركسية لديها قِدم في كلا الاتجاهين: من ناحية، فإن الرجوع إلى كارل ماركس يوفر للعلوم الاجتماعية أحد أكثر مصادرها مصداقية. ومن ناحية أخرى، برزت الماركسية في القرن العشرين، باعتبارها أيديولوجيا بامتياز؛ نتيجة الفهم الجامد للماركسية من قبل الأحزاب الشيوعية خصوصا التي كانت في السلطة والتي حولت نصوصها إلى مسلمات غير قابلة للتطور، وعدم النظر للماركسية كمشروع فكري متواصل يغتني ويتطور مع مستجدات العصر، وكان هذا من الأسباب الرئيسة التي أدت إلى  إخفاق تجربة البلدان الاشتراكية.

لا تزال الأيديولوجيا من المفاهيم الملتبسة في العلوم الاجتماعية التي يدور النقاش حولها وهي موضع خلاف كبير. وهناك العديد من التعريفات لهذا المفهوم. فقد اعتبر ماركس أن الأيديولوجيا هي تشويه للواقع و"وعي زائف" لصالح طبقة اجتماعية معينة، وعادة ما تكون الطبقة الحاكمة. فالليبرالية، على سبيل المثال، كانت أيديولوجيا البرجوازية التي تخفي استغلال واضطهاد الطبقات الأخرى. واعتُبرت نظريات ماركس علمية وبالتالي فهي ليست أيديولوجية. وهي "تمثّل عند إنغلز في قراءته لماركس، ومن ثم العديد من الاتجاهات الماركسية، تجليا لـ "الوعي الزائف"؛ أي معتقدات غير صائبة يؤمن بها كثيرون بسبب تثبيت الطبقة الحاكمة لها بهدف إضفاء الشرعية على الوضع القائم، والتستر على الأحوال الاجتماعية والاقتصادية التي يقاسيها العمال في الواقع"(1). وفي هذا السياق من المفيد أن نستحضر قول نيكوس بولانتزاس، بأن الفاشية نشأت من بين أمور أخرى، من أزمة أيديولوجية.

اختار علماء الاجتماع في النهاية إدراج الأيديولوجيا كموضوع للدراسة في تخصصهم. ولكن تطلب الأمر منهم الوصول إلى تعريف لهذا المفهوم المربك من خلال محاولات وضع المفاهيم conceptualizations المتعلقة به. لقد كان ماركس هنا أيضاً بمثابة أحد الآباء المؤسسين في هذا الميدان؛ فبالنسبة له، كانت الأيديولوجيا وظيفة للعلاقات الاجتماعية للإنتاج. بكلمات أخرى، افترض ماركس أن الأيديولوجيا لا يمكن فهمها دون الرجوع إلى البنية الاجتماعية والعلاقات الاجتماعية وطبيعة الفاعلين الذين ينقلونها. وبعد قرن تقريبا، في منتصف سبعينيات القرن العشرين، اقترح السوسيولوجي الفرنسي  بيير أنسار، أحد ورثة هذا المنهج، تأسيس علم اجتماع الأيديولوجيات. علما "إن عملية كشف الأيديولوجيات سهلة حينما تكون صريحة، لكنها أيضا تكون غير مباشرة أو ضمنية أو مخفاة أو تأتي في بنيات خطاب يصعب الانتباه إليها.(2) "

إن فكر ماركس بحد ذاته مبني على الحداثة؛ فهو مقتنع بأنه يستمد أفكاره من العقل في مقابل نزعة إعاقة التحضر المترسخة في التقاليد البالية، وهو يحارب التضليل الإيديولوجي الذي من المفترض أنه يخفي مصالح الطبقات المهيمنة. في الكتاب الضخم المعروف جيدا "الإيديولوجيا الألمانية" الذي ألفه ماركس وأنغلز، يوضح ماركس أنه في كل الأيديولوجيات يظهر الناس وظروفهم مقلوبة رأسا على عقب، كما في الكاميرا المظلمة. من وجهة النظر هذه، فإن هدف العلم هو وضع الأفكار في سياق الحياة الواقعية، وهو يرى أن الأيديولوجيا هي نقيض الحقيقة والمعرفة. وينبغي استخدام العلم نفسه للعمل والكفاح ضد الظلم الاجتماعي. لقد كان واضحا، أن الماركسيين تصدوا للأيديولوجيا من خلال تعريف أنفسهم أنهم مع العلم. وفي الكتاب تجري الإشارة إلى أن وجود البشر الاجتماعي هو الذي يقرر وعيهم الاجتماعي. لذا المطلوب دراسة العلاقات الاجتماعية لأن هذه العلاقات هي التي تفسر تصوراتنا وأفكارنا، وليس العكس كما يذكر الأيديولوجيون الذين "تصبح الفكرة المجردة عندهم القوة المحركة للتاريخ ... بحيث يرتد التاريخ إلى تاريخ الفلسفة".

خلال فترة طويلة استمرت حتى نهاية الثمانينيات من القرن العشرين، احتل مفهوم الأيديولوجيا بالفعل مساحة متعددة المعاني. ولم يتداخل هذا إلى حد كبير مع اهتمامات علم الاجتماع الذي بلغ سن الرشد في أعمال إميل دوركايم وماكس فيبر ووصل إلى مرحلة النضج مع تالكوت بارسونز. وقد لعبت الأيديولوجيا دوراً رئيسا في النقاشات السياسية والأسئلة التاريخية الرئيسة المركزيتين، وغذت النقاشات بشأن شئون العالم، والصراع الطبقي، والاشتراكية، والاختيار بين اليمين واليسار، والحرب الباردة ... الخ. حيث كان علماء الاجتماع مجرد فئة من المشتغلين في دراسة هذا الحقل من بين حقول معرفية أخرى. وهكذا، في المرحلة التي امتدت من صياغة المصطلح إلى نهاية ثمانينيات القرن العشرين، كان علماء الاجتماع إما يبالغون في تقدير أهمية الأيديولوجيا وإما يقللون من أهميتها.

من ناحية أخرى، عادة ما يربط الليبراليون الأيديولوجيا بما يسمونه أنظمة الفكر المغلقة التي تدعي أنها الحقيقة المطلقة. وتزعم الليبرالية أنها مجموعة من المبادئ الفلسفية السليمة، في حين أن العقائد الأخرى مثل الماركسية هي أيديولوجيا، بينما تصنف الليبرالية من قبل الباحثين بأنها أيديولوجيا، والدليل على ذلك ما أعلنه فرانسيس فوكوياما في كتابه "نهاية التاريخ والإنسان الأخير"، بأن الديمقراطية الليبرالية هي النظام الأفضل الذي وصلت له البشرية. وبإمكانها أن تشكل فعلا “منتهى التطور الأيديولوجي للإنسانية” و"الشكل النهائي لأي حكم إنساني"، أي أنها من هذه الزاوية “نهاية التاريخ”. وهذا إقرار واضح بأن الليبرالية تمثّل أيديولوجيا بامتياز. وعن العلاقة بين الدولة والأيديولوجيا، يجري التأكيد أن مفاهيم مثل الدولة والسلطة لها حتماً دلالات أيديولوجية تعتمد على التوجهات الثقافية والاجتماعية في المجتمع. وهناك من ينظر إلى الأيديولوجيا باعتبارها تنظيما للأفكار والقيم في المجتمع. وأن ثمة تمييز بين الخطاب الأيديولوجي الذي يمثّل سياق النقاشات الأيديولوجية، وأيديولوجيات معينة تعبر بوجهات نظر مختلفة عن طبيعة المجتمع في الخطاب لأيديولوجي.

***

د. هاشم نعمة

..................................

 (1) تون فان دايك، الأيديولوجيا والخطاب، ترجمة سعيد بكار ولحسن بوتكلاي، بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2023، ص 94-95.

(2)  المصدر نفسه، ص 59.

كم من المحمود أن يستشرف الإنسان ما سيكون عليه العالم في المستقبل، فيتنبأ بما سيحدث تبعاً لما حدث، وصاحب هذه الكلمات يكتب عن (مستقبل الفلسفة)، لكنَّ ذلك ما لا يمكن أن يكون محموداً، لأنه ضربٌ في العماية، فطبيعة الاستشراف عمّا سيحدث تستتبع أن نقرأ ما حدث بصورةٍ دقيقة، والحقيقة تقول بعدم وجود منجزٍ للفلسفة في العراق، فكيف لنا أن نتحدّث عن مستقبلها؟. لقد عانت الأفكار الفلسفية، منذ ولادتها على لسان جدّنا طاليس حينما سئل عن أصل الوجود، وما تبعه من منجزات فلسفية، معاناة كثيرة وكبيرة، وغالباً ما تم محاربتها من قبل العامة، المدفوعون بوصايات إيمانية زائفة من قبل المؤسسات الدينية، لكن ذلك الصراع والاحتدام لم يزدها إلّا قوة وصلابة، ولو استمر ذلك الصراع إلى يوم نُبعث، لما أضر في الفلسفة شيء، بل قد تكون هذه الصراعات أبواباً للفتح في ديمومة موضوعات الفلسفة وتطورها. وكما يقول (جورج مارتن) في رائعته (رقصة التنانين): لا يمكن لنا أن نشهد يوماً تنكسر فيه التنانين وتُفنى في معاركها ضدَّ الخصوم، إنَّ ما يبشّر بنفيها وانهيار مملكة (آل تارغريان) هو صراع التنانين مع بعضها. وهكذا الأمر في الفلسفة، فلم يكن لأحدٍ أن ينال من عظمتها إلا الفلاسفة ذاتهم، فهم القادرون على نفي آثارها وسرقة رونقها.

وأولُ الأسلحة التي قادها الفلاسفة ضدَّ الفلسفة هو الإيمان بعدم قدرتها على طرح إجابات لما طُرح من تساؤلات عن الواقع المعاش، على أنَّ ذلك الإشكال كان سبيلاً لتطوير المباحث الفلسفية، فحينما شعر الفلاسفة بعدم قدرة المباحث الطبيعية والمنطقية والأخلاقية على الإتيان بمجموعة الإجابات للأسئلة المطروحة، تمَّ  تبديل مسار البحث إلى المرحلة اللاهوتية، وبذلك نشأت فلسفة القرون الوسطى، وحينما عجز مفهوم اللاهوت عن التصدي لمجمل الإشكالات التي فتكت في الإنسان وحولته إلى كائن شكّاك، تمَّ أيضاً تحويل مسار البحث من اللاهوت إلى النزعة العلمية والأبستمولوجيا، وهكذا نشأت الفلسفة الحديثة، ومن جهةٍ ثالثة تطورت الفلسفة حينما تم تحويل مسار البحث من المعرفة إلى القيم، نتيجة عدم امكانية المباحث المعرفية وفلسفة السرديات الكبرى للتصدي إلى ما واجه الإنسان ومستقبل البشرية، فنشأت بذلك فلسفات التشضي واللاحسم، وهي فلسفات الفكر المعاصر، وهنا بدأ عصر اضطراب الأفكار الفلسفية، فلقد قاد الفيلسوف الدنيماركي (سورن كيركيجورد) حملته الشعواء ضدّ المنظومة الهيغليه، وهكذا فعلت مطرقة الفيلسوف الألماني (فريدريك نيتشه)، فالأخير لم يبقي لنا إلّا أطياف (هيغل). والذي يفقه تاريخ الفلسفة المعاصرة، لا يجدُ أحداً قد تمكن من الإفلات ممّا أسسه (كيركيجورد ونيتشه).

ولكن، هل لنا أن نعود بأسباب تعثر الفلسفة إلى ما أسلفنا، حتماً لا، لأننا أمام مرحلة جديدة من تاريخ تطور الفلسفة، وهو ميلاد المرحلة النقدية، والتي لم تكتف بتطوير مباحث الفلسفة بتحويل المسار فحسب، وإنما في هدم المسار السابق أيضاً. وبذلك انتعشت الفلسفة وشهدت ميلاد العديد من التيارات كالوجودية والبراغماتية وغيرها. أما اليوم، فقد تلاشت الفلسفة الغربية نتيجة الإخفاق بتحويل مسار البحث، والانسلاخ عن الهوية الفلسفية، فلا نجد أحداً قد بادر بالقول بفلسفته، بل عمد الكثيرون على الحديث بأحاديث عامة ومتشظية وتحت هويات مختلفة. وبالتالي يمكن لنا أن نقول أن الذي أسس لخراب الفلسفة هو التملص عن هوية الفلسفة والانصهار في هويات معرفية اخرى، اجتماعية ونفسية وسياسية.

أما إذا انتقلنا إلى العالم العربي عموماً، فنجد أن القصور الرئيس في التأسيس لفلسفة لائقة وناضجة، يتمثل بطبيعة العالم العربي في الاعتناق والخضوع للأنموذج الغربي، وبما أن ذلك الانموذج قد انسلخ عن هويته الفلسفية، فإن الفكر العربي اعتنق تلك المنظومة المنسلخة عن الفلسفة، وبذلك لم يجد لنفسه طريقاً يستند عليه في إنشاء فلسفة، فليس ثمة طريق أصلاً ليحوّل الفكر العربي مساره بغية التطور أو التطوير. من جهةٍ أخرى نجد قصور العالم العربي في عملية الإبداع، وليس هناك من يتحمل ذلك أكثر من المؤسسات الأكاديمية الحاضنة للفلسفة، وأودُّ هنا أن أتحدث عن دور المؤسسات الرسمية في هدم الممارسة الفلسفية، في العراق المعاصر تحديداً.

تبدأ الفلسفة في العراق مع الإعدادية، في مرحلة الخامس الأدبي فقط، وقبل أن نستطرد بالقول في أسسها، يجدر بنا أن نقف عن مشكلة أكبر وأعقد، ولا تتمثل هذه المرة بمستقبل الفلسفة، وإنما بمستقبل الفرع الأدبي والعلوم الإنسانية. فلقد شهد الفرع الأدبي ونتاجاته الإنسانية عزوفاً كبيراً على حساب الفرع العلمي، فلقد بات الإقبال شديداً نتيجة دفع أولياء الأمور لأبنائهم الطلبة من جهة، وقصور الدولة في وضع حلول لتعيين أصحاب العلوم الإنسانية من جهةٍ أخرى، فالأب الكاسب وربة البيت يُريدان أن يكون الابن طبيباً أو مهندساً، وقطعاً لا يُريداه أن يكون مورخاً أو مدرساً أو خريجاً من أقسام الفلسفة والاجتماع وعلم النفس.

ولما تقدّم، سيشهد العراق نفوراً، لا عزوفاً فحسب، عن الفرع الأدبي في الدراسة الإعدادية، ونتيجةً لذلك، فإنَّ في السنوات القليلة القادمة ستخلو الجامعات من طلبة الدراسات الإنسانية، فالكلُّ سيرتاد الفرع العلمي، لأن الجميع يُريد أن يكون طبيباً، وحتى إن فشل في تحقيق ذلك، فهنالك ما هو قادرٌ على الترحيب به، بفشله وما آل إليه غباءه، وهي التجارة الأهلية، وأقصد بها الجامعات غير الحكومية، فهي أول من تنبّهت لمستقبل الدراسات الإنسانية، فاكتفت بفتح باب القبول للدراسات العلمية فقط. وهذا الموضوع معقد ويحتاج إلى دراسات متخصصة، والتفات حقيقي من الجهات المسؤولة، للحيلولة دون إغلاق الكليات الإنسانية. 

أما بالرجوع إلى طبيعة الدرس الفلسفي في الأكاديميات العراقية، فكما قلنا تبدأ رحلة الفلسفة مع الصف الخامس الاعدادي للفرع الأدبي، وهي مرحلة متأخرة كثيراً، تبدأ بكتاب عقيم لا يصلح لشيء، مضطرب في منهجيته التعليمية، بعيداً كلَّ البعد على كونه كتاباً يريد أن يعدَّ ذهنية متلقية لموضوعٍ جديد، أو محاولة خلق عقلي إشكالي، مع استاذ هش وغير متخصص، قد يكون بالأساس استاذاً لمادة الفنية أو الإرشاد أو التربية الرياضية، لا الطالب ولا الاستاذ ولا الإدارة يوليان أدنى أهمية لذلك الدرس، فليس مهماً إلّا بعدّه درساً شاغراً، يمرح الطلاب فيه، ويقلب الاستاذ بهاتفه، وتنتظر الإدارة دق الجرس؛ ولعدم أهميته يكون النجاح فيه مطمئناً، فعلى قدر الهدوء والجلوس الحسن يأتي النجاح فيه، بعد ذلك تذهب الفلسفة إل البيت، فتواجه سخط الأب بموجة إلحادية كبيرة، وتبدأ سيرة النصح، يا بنيَّ، لا ترهق نفسك بها ولا تتعمق فيها، فما هي إلا حلقة مفرغة من التابوات، اعتني بغيرها جيداً.

بعد ذلك تنتقل الفلسفة إلى الجامعات، لترحبَّ بالفاشلين، فهي لا تستقبل إلا الأقلون معدلاً، وهكذا تبدأ المرحلة الأولى من الدهشة، فمن أراد أن يتجاهلها نجح فحسب، ومن أراد أن يسايرها تقدّم إلى اختبارات الدراسات العليا، وهذه هي ثمرة الفلسفة الأولى، فقد أصبح لها منتمون، وهي بذلك تسترعي انتباه أنصارها، وهم مُثقلون بكتب الفلاسفة وحيرة التساؤلات الكبرى. لكن سرعان ما تذبل هذه الثمرة، تحديداً حينما يجلس الطالب المجتاز للمرحلة التحضيرية بين أساتيذه من اللجان العلمية بغية اختيار عنوان البحث الملائم لرسالته، لتبدأ مزاجات التدجين في النيل من القدرة التي بدأت تتفتح وتفتح بها آفاقاً جديدة للأفكار النقدية، خصوصاً حينما يتمُّ اقتراح العنوان من قبل اللجنة، حينها على الطالب وفلسفته السلام.

وهكذا تبدأ عملية التدوير للموضوعات الفلسفة، فلا زلنا نكتب عن الفلسفة الرواقية، ولا زال أوغسطين حاضراً بيننا، ولا زلنا نرتاد تهافت الغزالي، وإذا ما تطورنا قليلاً سنجد أنفسنا أمام تهافت الفيلسوف الاندلسي ابن رشد، وصولاً إلى ديكارت ولوك ومن تبعهم. نكتب عنهم ونحن في غفلةٍ عن مجمل التحولات التي أُحدثت من أجل تطوير الفلسفة ورفدها بجديدة المعاصرة. وهكذا تفرغ الفلسفةُ من محتواها، نتيجة الترديد في موضوعات قد رُدّدت كثيراً، ولذلك فإن تطوير شيء لا يكون بتراكم الموضوعات ذاتها وتحسينها والإضافة عليها فحسب، بل قد يكون بتحويل مسار الموضوعات والاتجاه إلى ما يخدم الواقع، بالاحتفاظ أكيداً على أصل النهج والطريق.

مما تقدم نجد أن تحويل المسار الفلسفي نحو الاهتمام بقضايا معاصرة ومشكلات آنية، هو السبيل إلى ديمومتها والبقاء على إرثها والاحتفاظ بلمعانها، فيمكن لنا أن نعدَّ كتاب (خارج أسوار الأكاديمية) لاستاذنا الدكتور (قاسم جمعة) كتاباً فلسفياً بامتياز، وكذلك كتاب استاذنا الدكتور (فوزي الهيتي) عن (الفلسفة ومشكلاتنا اليومية)، فضلاً عن كتابات استاذنا الدكتور (علي عبود المحمداوي)... فمن قماشة ما كتبه هؤلاء، يمكن لنا أن نطمئن على مستقبل الفلسفة في العراق.

***

د. حيدر عبد السادة جودة

إنَّ تفكيك أطروحة الاستعمار سواءً بمعناه القديم (البريطاني والفرنسي) الذي قسم الوطن العربي إلى دول في محاولة لأضعاف هذا البناء الكبير (الوطن العربي) من خلال زرع كيان غاصب للأرض العربية في (فلسطين)، أو بمعناه الجديد (الأمريكي) الذي دعم هذا الكيان الغاصب بمختلف أشكال الدعم السياسي والعسكري والاقتصادي وغيرها، وهذا الدعم الذي توضح في الحرب الأخيرة على فلسطين وطوفان أقصاها . لكن تفكيك هذه الأطروحة الاستعمارية بقديمها وجديدها تصدى لها الكثير من الداعمين للقضية الفلسطينية، وبأدوات ووسائل مختلفة إعلامية وفنية وأدبية وثقافية لفضح الجرائم الصهيونية في الأرض المغتصبة، ومن بين هذه الأدوات المهمة يأتي المسرح العربي عامة والعراقي خاصة من خلال تقديم عدد من النصوص والعروض المسرحية التي تناقش واقع الاستعمار بتوجهاته المختلفة، وكذلك القضية الفلسطينية، وهذا المنتج الفني الثقافي قد طرح القضية الفلسطينية بوصفها ظاهرة مهمة في المسرح العربي ولها تأثيرها في الواقع العربي . تأتي أهمية دراسة المسرح ودوره في القضية الفلسطينية على وفق رؤية في خطابات ما بعد الاستعمار، وخاصة الجديد كون أن هذا الاستعمار عمل على تشكيل " حياة ما يزيد على ثلاثة أرباع شعوب العالم اليوم، من خلال الخبرة الاستعمارية. وقد يكون من اليسير إدراك مدى أهمية هذه المسألة في المجالات السياسية والاقتصادية، لكن تأثيرها العام على أطر إدراك الشعوب المعاصرة عادةً ما يكون أقل وضوحاً" (اشكروفت، الرد بالكتابة،2006، ص15.) ومن بين هذه المساحات الجغرافية والاجتماعية التي أثر عليها الاستعمار هي فلسطين، هذه الأرض وهذا الشعب الذي تعرض إلى مختلف أنواع التغيير الثقافي والاجتماعي لهويته وأرضه ومجتمعه.

العرب ومسرح ما بعد الاستعمار

   إنَّ استلهام التراث العربي في المسرحيات ما بعد الاستعمارية المناهضة للمستعِمر والأوضاع القلقة التي أوجدها وخططه الرامية إلى إسكات الصوت المقاوم، وغيرها من الأسباب جعلت من كتّاب المسرح العربي يستخدمون أساليب التلميح والإشارة على الوضع الراهن من خلال مسرحيات تتناول أحداث مشابهة وقعت في التاريخ العربي والإسلامي، ومن بين الكتّاب الذين وظفوا هذه الصورة في أعمالهم المسرحية الشاعر والكاتب المسرحي المصري (أحمد شوقي) الذي عرض في مسرحيته (علي بك الكبير) أو (دولة المماليك) حكم والي مصر الذي قاوم السيطرة العثمانية، والذي وقع في فخ الخيانة الذي نصبه له مملوكه محمد أبو الذهب. وهذه الصورة مقاربة مع وضع مصر الحديث، (ينظر: هلال، محمد غنمي: في النقد المسرحي، ص95). كذلك تكررت فكرة الاقتباس من التاريخ عند الكاتب السوري (محمد الماغوط) الذي وظف شخصية (صقر قريش)، ولكن هذه المرة بإعادة بعث روح هذه الشخصية التاريخية على المسرح تتساءل عن أمجاد الأمة وانتصاراتها في الأندلس وغيرها من بقاع المعمورة التي وصل إليها الإسلام، وبشكل إيحائي- للدلالة على التفرقة والتجزئة التي أرادها المستعمر في خطابه الاستعماري وحققها على أرض الواقع -، ينطق مهرج (محمد الماغوط) بإجابات موجعة على تساؤلات (صقر قريش) بأن الأرض قد ضاعت وانجازاتكم وتضحياتكم لأجل رفع شأن الأمة، قد تمكن منها من دحرتموه سابقاً (ينظر: محمود، فاطمة موسى: قاموس المسرح، ص1463 – ص1464). في إشارة واضحة إلى حجم التأثير الذي حققه الغرب، فهو من جهة يذّكر بأهداف المستعمر، ومن أهم دلالاتها التقسيم لإضعاف الأمة العربية الإسلامية، ومن جهة ثانية يظهر (الماغوط) حجم التغلغل للسلطة الاستعمارية وتحقيق أهدافها، وهنا يكمن وعي المؤلف في خطابه ما بعد الاستعماري ضد الأهداف الخفية للاستعمار الثقافي.

لم يقتصر الخطاب المسرحي النقيض في سوريا ومصر، بل انتقل أيضاً للمسرح الفلسطيني وقضيته الفلسطينية ودوره أيضاً في مجابهة الخطاب اليهودي ومخططاته المستندة إلى خطاب الغرب الاستعماري ولاسيما في مسألة تهويد القدس والأراضي العربية المحتلة، إذ قدمت ضمن مسرحيات المقاومة، مسرحية (الباب) للمؤلف المسرحي (غسان كنفاني)، وكانت قصتها تدور حول المقاومة ومجابهة الموت بدلاً من الدعوة إلى الخضوع والخنوع والاستكانة للمحتل(ينظر: البشتاوي، يحيى: توظيف التراث في المسرح العربي، ص102) .كما أن القضية الفلسطينية كانت محور عدد من المسرحيات العربية التي حاول الكاتب العربي تسليط الضوء عليها لكونها جزءاً من مخطط ثقافي غربي يريد تفكيك المنطقة العربية من خلال إيجاد كيان دائم لهذا النفوذ الثقافي الذي اتخذ من الدين اليهودي مصدراً لأفكاره، حيث قدم (عبد الرحمن الشرقاوي) مسرحية (وطني عكا) التي يخاطب بها أهل فلسطين لمقاومة المحتل بدلاً من الاعتماد على الآخرين في استرداد الأرض، والمسرحية مكونة من خمسة عشر مشهداً حبكتها الرئيسة تدور حول موضوعة النفع الخاص، ولكن بتقدم الأحداث تتكشف عدم جدوى الاعتماد على الآخرين في إيجاد حلول للقضية الفلسطينية (ينظر: فتحي، كرامي: القدس في المسرح العربي،ص67).

كما صاغ (سعد الله ونوس) هذه القضية في مسرحية (حفلة سمر من اجل (5) حزيران) وتناول هزيمة يونيو 1967، محاولاً منه استخدام المسرح في إدانة السلطات العربية التي أسهمت في إضاعة الأرض والانسياق وراء مبررات ومسوغات تدخل في إطار تشويه حقائق الشعوب العربية ومن أهم هذه المبررات هي (تفرقة) بين أبناء الأمة والابتعاد عن هدفها المشروع، واستخدام (ونوس) في مسرحيته أسلوب الكتابة التحريضية في مواجهة الأحداث العنيفة التي هزت الساحة الثقافية العربية وكشف عن طريق التهكم الذي يبتدئ به عنوان مسرحيته، لنسف العقائد السياسية المطروحة على الساحة العربية (ينظر: محمود، فاطمة موسى:، ص1809). كذلك توسعت اهتمامات كتّاب المسرح العربي في خطابهم النقيض بأكثر من قضية، حيث تناولوا قضايا الاستعمار الفرنسي للمغرب العربي، وقدمت مسرحيات نادت بمقاومة الاستعمار وعلى أثرها أغلقت المسارح في المغرب بعد أن أدت الانفعالات الجماهيرية إلى حدوث إضرابات سياسية، على أثرها صدر مرسوم في مايو 1930 في هذا الشأن، ومن هذه المسرحيات المقاومة للاستعمار مسرحية (انتصار البرابرة) لـ محمد الزغاري ومسرحية (انتصار الحق بالباطل) لـ (عبد الخالق الطريس) (ينظر: محمود، فاطمة موسى، ص1571)..

وفي (الجزائر) التي خضعت للاحتلال الفرنسي، وقدمت العديد من التضحيات في سبيل التحرر والاستقلال، حيث وظف المسرح الجزائري لخدمة هذا الغرض، ومناهضة التركة الثقافية الاستعمارية التي خلفتها فرنسا في هذا البلد العربي، فقد استلهم المؤلف الجزائري (كاتب ياسين 1929 -1989) "مسرحياته من بطولات مقاومة الشعب الجزائري للاستعمار الفرنسي وكفاحهم ضد المشاكل الداخلية بالبلاد، عُرضت أولى مسرحياته (دائرة الانتقام) (1958) ببروكسل بسبب الموقف السياسي في فرنسا وفي (1967) نشرت له ثلاثية بعنوان (دائرة الانتقام) (...) بصفة عامة تصور مسرحياته المذابح والفضائح التي ارتكبها الجيش الفرنسي" (محمود، فاطمة موسى، ص1831) بحق أبناء وطنه.

  أما في (العراق) فقد قدم المسرح العراقي العديد من المسرحيات التي تتصف بطابع المقاومة للخطاب الثقافي الاستعماري، ومن أهم ما قدم في المسرح العراقي من مسرحيات فكانت لـ (يوسف العاني) حيث اتصفت مسرحياته بنقد الواقع السياسي الذي كان مسيطراً عليه الخطاب الثقافي الاستعماري البريطاني، ومن هذه المسرحيات مسرحية (أنا أمك يا شاكر) ومسرحية (الخان) التي تناولت موضوع ثورة (رشيد عالي الكيلاني) وزملائه للوصول إلى حكم وطني دون تبعية للتاج البريطاني وحكوماته المنصبة في العراق، حيث أرخ (العاني) لفترة حرجة من فترات العراق، وقد استخدم الوثائق التاريخية التي سجلها المؤرخون عن هذه الانتفاضة التي قمعها العسكر البريطاني لمساعدة حكومته في العراق، إن (العاني) بمسرحيته أراد أن يذكر بالتدخلات الغربية في الوطن من أجل بث الوعي عند الجمهور بمخاطر هذه التدخلات على الساحة العراقية والعربية (ينظر: حسين، علي: مخرجون عراقيون،، ص53.)

 كذلك قدم الكاتب العراقي (نور الدين فارس) مسرحية (جدار الغضب) التي يتناول فيها (ثورة الزنوج) من خلال محاكمة يدلي فيها أطراف النزاع بشهاداتهم عن الثورة، وكيف أن (الزنوج) قد شعروا بالتفاوت الطبقي بينهم وبين الآخرين، هذا التفاوت الطبقي ومن بعده التمييز العنصري اتجاه فئة من الشعب جعلت (فارس) يوظف هذه الطبقة الفقيرة في، صفوف الثائر (علي بن محمد) للدلالة على توحد صوت المظلومين لكن سرعان ما يحصل انقسام في الثورة لصالح الخليفة الذي يبدأ بشق صفوف الثوار والإطاحة بالثورة (ينظر: الراعي، علي: المسرح في الوطن العربي ص327، ص328.) أراد (فارس) من هذا الصورة المسرحية أن يذكر بوحدة الصف الجماهيري اتجاه الأطماع الأجنبية واليد الخارجية التي أسهمت في ضياع الثروات في العراق ودعم المتسلط باسم الاعتماد على الأجنبي الذي يفرق الشعوب لصالح مصالحه الخاصة.

  أما على مستوى الإخراج ومسرح ما بعد الاستعمار في المسرح العربي، فقد قدم المخرجون العرب عدد من مسرحياتهم التي أرادوا من خلالها كشف الخطاب الثقافي الاستعماري عن طريق خطاب نقيض له .

 إنَّ أهم النقاط في مجال العرض المسرحي ما بعد الاستعمار هي التي فتحت المجال أمام المسرح المناقشة القضايا التي تخص الجماهير وليس النخبة المسيطرة على الوضع الثقافي والتابعة للخطاب الاستعماري، وعلى هذا الأساس قدمت عروض مسرحية في مصر اهتمت بتوجهات الشعب المصري والعربي وقضاياه المصيرية. ومن المخرجين الذين قدموا خطاب مسرحي ما بعد استعماري المخرج (سعد اردش) من خلال مسرحية (النار والزيتون) التي اخرجها على وفق أسلوب المسرح التسجيلي، والتي تناولت الصراع العربي الصهيوني، وظف فيها عدد من الوثائق والشهادات التاريخية التي تدين الاحتلال الصهيوني للأرض الفلسطينية، كذلك استخدم الغناء والحركات الأدائية المدعومة بالحركة العنيفة من اجل دعم الجانب التثويري لصالح هذه القضية. (ينظر: أبو دومه، محمود: تحولات المشهد المسرحي .ص 159.)

كذلك قدم المخرج (فهمي خولي) عرض مسرحية (لن تسقط القدس) لدعم القضية الفلسطينية، وهذه المسرحية من تأليف (شريف الشوباشي)، حيث تناولت المسرحية حقبة تاريخية من الصراع بين الشرق والغرب، هي الحروب الصليبية ومالها من دلالات معاصرة تنطبق على الاستيطان الصهيوني للأرض العربية وغزو أمريكا للشرق في حربي (أفغانستان والعراق)، فقد اعتمد (الخولي) في لتفكيك الخطاب الثقافي الاستعماري، على فكرة المسرحية التي تفكك موضوع إعادة الشرق للدائرة الغربية، بل بنفس المواصفات الاستعمارية في وصف الشرق الغرائبي و الهمجي ذات الأهداف الشريرة والأفكار الأسطورية الخرافية. لقد عمل (الخولي) في كشف الأهداف الاستعمارية من خلال استخداماته لقطع الديكور التي تربط بين الواقع والرمز والإيحاء من خلال الحبال التي تتعامل مع تغير الديكور وكأنها قضبان سجن، وكذلك قلب القبة وتحويلها إلى العكس نحو التقعر، في دلالة إلى محاولة تحويل الإسلام في القدس من فكر ديني ذي قيم عالية إلى مجرد أفكار بالية قديمة مفرغة من أهم نتاجاتها الإنسانية، وإيحاء بأن الشرق هو سجن للعقل البشري بعد إفراغه من حضارته الإنسانية، وهذه كلها من أهداف الخطاب الثقافي الاستعماري نحو الشرق (ينظر: سلماوي، محمد: لن تسقط القدس،، ص40-ص44.)

  وقدم المخرج (روجيه عساف) أيضا عرض مسرحية (الجرس)، من تأليف (رفيق علي احمد) والتي تتناول قضية الجنوب اللبناني بعد الاحتلال الإسرائيلي، وهي تحكي قصة راعي غنم من الجنوب اللبناني الذي يقتل ولده على يد المحتلين، حيث ينسحب من الحياة، التي دلل عليها من خلال تجريد (معزته) من جرسها المربوط في رقبتها، وهنا دلالة على توقف الحياة وصوتها الذي يرمز له بالجرس، حيث يقدم (عساف) هذه المسرحية في عرض مسرحي يرفض من خلاله المسرح الغربي المستورد، ويقدم العرض في صيغة الحكواتي، التي أسس فرقته على هذا الشكل الدرامي التراثي، الذي كان سائداً في العصر الإسلامي(ينظر: محمود، فاطمة موسى:، ص1032). أتخذ (عساف) من فكرة (الجرس) عرضاً لتفكيك الخطاب اليهودي وادعاءاته في إسكات صوت الآخر بحجة الحضارة والمدنية التي يمتلكها، والآخر العربي ساكن الصحراء أو راعي الغنم الذي يعيش في أرض لا يستحقها بل هي ملك لليهود، فإسكات صوت (الجرس) وقتل الابن واستباحة الأرض، هي من مرتكزات الخطاب اليهودي ضد الآخر التي يفضحها (عساف) في عرضه المسرحي.

أما في العراق، وتوجد نماذج أخرى في المسرح العربي تناولت مناهضة الخطاب الاستعماري مثل مسرحية (الخان) للمخرج (سامي عبد الحميد)، كما قدم المسرح العراقي دعمه للقضية الفلسطينية من خلال أخراج مسرحية (قضية الشهيد الرقم 1000)، وهي من أخراج (قاسم محمد)، تناول فيها (حرب سيناء)، حيث قَدَّمَ العرض المسرحي صورة عن قضية الشهداء المصريين الذين ضحوا من أجل تحرير (سيناء)، وإبعاد المطامع الصهيونية في تجريد (سيناء) من ثوبها العربي .

 ويتناول النص المسرحي أحداث تقع بعد الحرب وتبدأ بزيارة (السادات) للقدس وتوقيع اتفاقية السلام مع (اليهود) وبعد عدد من المشاهد يأتي صوت (الشهيد الرقم 1000) الذي ينادي بسرقة دماء الشهداء وتضحياتهم، لتتحول المسرحية إلى ثورة احتجاجية من قبل الشهداء بعد أن يخرجوا من قبورهم، وفي المشهد الأخير يحاول إسكات صوت الشهيد من خلال القبض عليه والحكم عليه بالإعدام ليتحول صوته ودمه علامات رفض لمعاهدة السلام (ينظر: عطية، احمد سلمان: الاتجاهات الإخراجية الحديثة،ص211، ص214) . يوثق (قاسم محمد) في العرض المسرحي لمفهوم الرفض لمعاهدة السلام التي جعلت من اليهود المغتصبين لأرض (فلسطين) أصدقاء لبعض الحكام العرب، وفتحت الأراضي العربية أمامهم من أجل التطبيع، الذي أسهم فيه الخطاب الغربي من خلال تسويقه لثقافة الاستسلام على حساب الأرض العربية، أي بمعنى أن المعاهد شرعنة الاحتلال والاستيطان وتثبيت أحقية اليهود في فلسطين .

يتمظهر الإخراج عند (قاسم محمد) بتركيزه على عمل الممثل واللحظة التي يتعامل بها معه في التمارين المسرحية هي المقياس الحقيقي في الإخراج لديه، حيث لا يعتمد على التخطيط المسبق للعملية الاخراجية، بل يعتمد على تدريب الممثل و تطوير مهاراته قبل الدخول في التمرين المسرحي في أي مسرحية يريد إخراجها. كذلك يتميز (قاسم محمد) بملامح واقعية وشعبية ينطلق منها في إخراج مسرحياته من حيث النص المسرحي معتمداً في أغلب الأحيان على التراث والاشعار الحماسية والموروث الشعبي، بل حتى على المفردات الشعبية التي تنمي الإحساس الوجداني عند المتلقي منطلقاً من التركيز" على واحدة من أبرز سمات (الدراما الشعبية) المتمثلة في المشاركة الوجدانية بين الصالة وخشبة المسرح ويتم فيها بحث المتلقي على الإحساس بأنه مشارك في العرض وبقوانين اللعبة، ومن ثم بناء العرض ومفردات الأداء ووسائل التعبير" (عباس، علي مزاحم: عباس، علي مزاحم: لا تسدلوا الستار، 2005: ص126) في عرض مسرحية (قضية الشهيد الرقم 1000) يبني (قاسم محمد) العرض المسرحي من عشرة مشاهد مسرحية يتناول فيها أوضاع الشهداء المصريين الذين قتلوا في حرب سيناء من أجل الوطن وليس الرئيس (أنور السادات) الذي خطط للحرب قادها لتحرير (سيناء) من (الصهاينة)، وقدمت مصر فيها عدداً من الشهداء، لكن بعد ذلك عبر(السادات) على أجساد الشهداء ليصافح (الصهاينة) من أجل السلام، ومن هذه المفارقة تبدأ عملية ترتيب المشاهد في المسرحية. فالمشهد الأول يبدأ بصدمة زيارة (السادات) للقدس المحتلة لعقد معاهدة السلام هذا الخبر يسربه للجمهور باعة الصحف الثلاث وتصدر صرخة ومن ثم تساؤل عن سبب الصرخة من ثلاثة أشخاص يؤيدون اتفاقية السلام على المسرح ويجيبونهم كورس الشهداء من أعلى المسرح الذي يقسمه (قاسم) إلى نصفين أعلى وأسفل، بأن السلام يتم على حساب تضحياتهم. ثم يبدأ المشهد الثاني بنداء يشق الصمت صوت (الشهيد الرقم 1000) وهو ينادي بالقتال،ويسأل المؤيدون عن أسباب سرقة دماء الشهداء حتى يتحول المشهدان الثالث والرابع عن إعلان باعة الصحف عن الشهداء وخروجهم من القبور ليهرع أهالي الشهداء للبحث عنهم وتظهر ثلاث نساء، هن عائلة الشهيد (الأم، الأخت، الزوجة) حيث يعلن عن فخرهن بالشهيد الذي ينادي بالقتال، ويبدأ بعد ذلك صراع بين السلطات الداعية إلى السلام والشهيد (رقم 1000)،الذي يحاول عبور الحدود من أجل القتال ورفض الاستسلام للعدو، وهذا يتم من خلال أربعة مشاهد، أما المشهدين التاسع والعاشر فيتم القبض على الشهيد ويصدر أمر الإعدام بحقه، وبالتالي يتحول دمه إلى رفض للسلام مع العدو  (ينظر: عطية، احمد سلمان: ص214،ص211.)

. يستخدم (قاسم محمد) مجموعة من العناصر المسرحية في كشف الخطاب الاستعماري والمتمثل في إخضاع الشعوب العربية إلى سلام غير عادل مع (الصهاينة) والمتمثل بمعاهدة السلام التي وقعها الرئيس المصري (محمد أنور السادات) ورفضتها الشعوب العربية، هذه المعاهدة التي أنهت الحرب بين (مصر والصهاينة) على حساب باقي الجبهات الأخرى وأبرزها الجبهة الفلسطينية. فالمخرج يكشف عن رؤيته في خطابه المسرحي ما بعد الاستعماري، من خلال ما يأتي:-

  يقسم (قاسم محمد) خشبة المسرح إلى قسمين علوي وسفلي ويقسمهما من خلال قطعة قماش سوداء اللون وهو الحد الفاصل أو البرزخ بين عالمين، حيث أعطى لكل واحد منهم عدداً من الصور المتحولة من مشهد إلى مشهد آخر، في الأعلى يرمز للعالم العلوي عالم القيم والمثل والمحبة والشهادة وكذلك يرمز إلى سلطة الشعب التي تخيم على كل ما في البلاد، والأسفل يرمز إلى عالم الدنيا العالم الأسفل الذي يتصارع فيه البشر والذي يخضع للمقاسات الدنيوية الضعيفة، فالشهيد ينزل جسده الى العالم السفلي لكن روحه تنتقل إلى العالم الآخر لتشاهد ما يفعل البشر في الأرض. لا يستخدم (قاسم محمد) قطعاً ديكورية بقدر اعتماده على الأجساد في تشكيل صور العرض، إذ يتم تشكيل المشاهد على هذه الشاكلة ابتداءً من المشهد الأول وظهور باعة الصحف وانتهاء بإعدام الشهيد مروراً بأحداث تشكلها الأجساد وهذه الأجساد (الممثلين) تتحول من صراع داخلي بين الأرض والشهداء ومن ثم بين الشهداء وأصحاب معاهدة السلام، وبين الشهداء (الأجساد) وأصحاب النفوذ في الضفة الأخرى، بالإضافة إلى أن المسرحية تحمل الصفة العددية للشهداء والمتمثلة (بالرقم 1000)، وهذا ما يدل على إن الأجساد الألف (الشهداء) يلخصون بالشهيد الأخير الذي يحمل (الرقم 1000) كلهم يحملون القضية نفسها.

  يستخدم (قاسم محمد) العملية التوثيقية من خلال الصحف وفي عمليتين متناقضتين الأولى: توثيق لدور السلطة التي توقع معاهدة السلام ومن يقف وراءها ويدعمها بالمال والإعلام وحتى السلاح الذي توجهه بعد ذلك إلى الشعب ممثلاً بالشهيد (رقم 1000). أما التوثيق الثاني فهو للرفض والرافضين لسياسات الإملاء والخضوع وبيع الأوطان، رفض الأهداف الاستعمارية التي تريد أن تجعل الآخر الشرقي (العربي) خاضعاً وهو يرى أرضه تتجزأ أمام عينيه، ففصل (مصر) من الصراع هو إبعاد قوة مؤثرة في الصراع وبالتالي ستكون فلسطين (لقمة سائغة) بالإمكان ابتلاعها وكأن (قاسم محمد) يحذر في مسرحيته من الأيام الحاضرة التي أصبحت فيها فلسطين مجرد ضفتين متصارعتين (الضفة الغربية وغزة)، وأصبحت اغلب الأراضي تسمى اليوم دولياً (إسرائيل) فجاء التوثيق الثاني لإعلان حالة الرفض الشعبية وليست الحكومة الميالة إلى المصالح الشخصية. والأزياء في المسرحية كانت (واقعية) فكل زي يشير إلى الشخصية ودورها وبخاصة ملابس الشهداء العسكرية الممزقة، حيث أراد (قاسم) من خلالها إلى توثيق واقع الهزيمة أولاً ومن ثم إن الملابس الممزقة لا تصلح للاستخدام مرة أخرى، وبذلك أراد (قاسم محمد) إظهار حقيقة مؤلمة وهي تجريد القضية من حقيقتها والمرتكزة على الجهاد والقتال من أجل تحرير الأرض العربية، لكن الملابس العسكرية البالية هي عنوان الانهزامية . (ينظر: عطية، احمد سلمان: ص216) وكذلك استخدام السواد هو للدلالة على الحزن على الأبطال الذين ذهبت دمائهم سدى دون أن تكرم هذه الدماء، حيث افقدنها معاهدة السلام عزتها، إذا لماذا قتلوا لو إن الأمر سينتهي بالاستسلام؟.

إنَّ التشكيل الجسدي للممثلين يدخل في عدة أشكال ويعطي عدداً من الدلالات ففي مشهد" خروج الشهداء من قبورهم، وفي مشهدية (هيئة المحكمة) نجد أنها تخلو من منصة الحاكم أو قفص الاتهام أو مقاعد الجمهور، فالتمثيل يجري وقوفاً (...) فأجساد الممثلين لا تتوقف عن خلق صور المناظر المسرحية على عدد دقائق العرض، فهي قبور، وهي شهيد وهي سلاح، وهي صرخات، وهي رقصات متوحشة وكثير من الصور الأخرى، يساعد في ذلك إيقاظ مخيلة المشاهد ليتوغل مع هذه الصور في تأليف المكان والزمان"( عطية، احمد سلمان: ص214) .إن (قاسم محمد) الذي يبحث في المسرح عن تفكيك التأثير الذي يفرض على الزمان والمكان في مخيلة المتلقي العربي التي تشكلت بفعل الأحداث التي أدارها الأقوى، ليشكل الذاكرة حسب ما يريد فيما بعد وحسب مفهوم الهدم والبناء أو ما يسمى بنظرية (الفوضى الخلاقة)، التي تقوم على هدم وبعثرة أشياء المكان الأصلية ثم إعادة صياغتها مرة أخرى، فـ(قاسم محمد) يعود بالأحداث قبل البعثرة والهدم ليتزامن بناء الزمان والمكان وإعادة تشكيل الذاكرة وفق مفهومه الخاص وليس وفق ما يرسم في عالم السياسة والمصالح الخاصة، بل وفق الوعي الجماهيري الشعبي المتماسك بصورة (الوطن الأصل) وليس صورة (الوطن المعاد)، لهذا بادر (قاسم محمد) إلى تفتيت (الصورة الملقنة) وكشف (الأصل المغطى)، لهذا ساعدت التشكيلات الجسدية للمثلين في رسم ملامح الزمان والمكان الأصليين وكشف زيف المكان والزمان المزيفين (معاهدة الاستسلام وبيع القضية الفلسطينية للمحتل). وفي نهاية العرض المسرحي (قضية الشهيد الرقم 1000) نهاية مفتوحة تبقى فيها الاحداث مستمرة، والقضية متابعة ومراقبة من أبناء الشعب الذين يعبرون عن حزنهم بصمت وكبرياء، فالشهداء قد يصبحوا (2000) أو (3000) ما دامت القضية غير منتهية، وما إعدام (الشهيد الرقم 1000) إلا إعادة بعث روح القضية إزاء خطاب يريد لها أن تنتهي.

***

أ. د. محمد كريم خلف الساعدي

لعبت الفلسفة اليونانية القديمة دورا عظيما في تشكيل الفكر الحديث، وبالذات الثقافة الغربية. برزت تلك الفلسفة في القرن السادس قبل الميلاد في اليونان وبقية أجزاء الامبراطورية الرومانية. انها عالجت عدة حقول من ضمنها الاخلاق والسياسة والبلاغة والرياضيات والمنطق وعلم الفلك والبايولوجي. سقراط وافلاطون وارسطو كانوا من بين الفلاسفة الكلاسيكيين الأكثر تأثيرا على الفكر الحديث.

كانت لهؤلاء الفلاسفة مساهمات هائلة في تقدم الفن والسياسة والعلوم. هم ابدعوا في فن استطلاع الطبيعة عقليا وتطوير نظريات توضح وجود الكون. دمج فلاسفة اليونان افكارا من العلوم والفلسفة والفن والسياسة ليكوّنوا رؤية عالمية كلية نقلتهم بعيدا عن المنظور الميثولوجي السائد. ان تطبيق المنطق والعقل والاستجواب هو الذي جعل الفلسفة اليونانية القديمة (ماقبل سقراط، اليونانية الكلاسيكية والفلسفة الهلنستية) تشكّل الفكر الحديث في الشرق وفي الغرب.

هناك دليل واضح بوجود تشابه بين الفلسفة اليونانية القديمة والفكر الحديث في عدة مجالات، حيث ان اليونانيين القدماء تبنّوا رؤية شمولية عن العالم تم تطويرها من خلال توليفة من مختلف الموضوعات بما في ذلك العلوم والدين والفلسفة والفن. هذه الرؤية اختلفت اليوم مع استمرار تأثير الفلاسفة القدماء على الفكر الحديث بطرق عديدة.

فمثلا، العلم الاستدلالي برز من افتراضات طاليس حول الزوايا القائمة. الفيلسوف طاليس جادل بان رسم المثلث في نصف دائرة شكّل زاوية قائمة. هذا المفهوم قد يبدو مبسطا، لكنه استُعمل في المجتمع المعاصر من جانب الرياضيين في مجال الهندسة. كذلك، التفكير الاستدلالي طُبق على نطاق واسع كأداة لتوليد افتراضات معينة. الفكرة بان كل أشكال المادة يمكن تجزئتها الى عناصر جرى استطلاعها بعمق أثناء عصر طاليس مقارنة بأي عصر آخر.

تأثير الفلسفة اليونانية في التعليم

كان تأثير أعمال ارسطو واضحا في مختلف حقول الفكر الحديث. حيث صاغ ارسطو مفهوم اكتساب المعرفة الحقيقية. هو أفاد بان الروح المفكرة لا تكتسب الفهم الحقيقي الاّ عندما تتجاهل أحداث العالم. هو ايضا جادل بان المعلومات المتلقاة من الحواس هي عادة ملوثة ومشوشة للناس. لاحظ ارسطو ان أي شكل من التعليم يهدف الى تحقيق مُثل انسانية معينة، ورأى ان التعليم هو أحسن طريقة للانسان في انجاز اهدافه الاساسية وتطوير نفسه بالكامل.

هذه الافكار تُطبق اليوم في النظام التعليمي الراهن حيث يسعى التعليم الى تطوير الشخصية ومساعدة الطلاب في اكتشاف منْ هم، والكشف عن امكانات الكائن البشري. ارسطو ايضا علّم بان التعليم وحده يمكّن الناس ليصبحوا اناسا حقيقيين رغم امتلاكهم قدرات طبيعية. نظرية ارسطو في التعليم تُستعمل على نطاق واسع في عدة دول كأساس للسياسات والممارسات التعليمية.

فيثاغوروس لاتزال نظريته تُستعمل اليوم في الرياضيات. العديد من المؤرخين يرون انها أصل مناهج الرياضيات في الغرب. انها تُدرّس كمفهوم أساسي في الرياضيات في مدارس العالم. كذلك، كانت النظرية تُستعمل من جانب العديد من الباحثين في صياغة فرضيات اخرى تساعد في فهم وحل مختلف التحديات في العالم الحديث. ارسطو اسّس له مدرسة عام 385 قبل الميلاد ليبشر بخلق مؤسسات تعليمية عالية المستوى. عدة مفاهيم اساسية طوّرها فلاسفة اليونان تُدرّس في المؤسسات التعليمية الحالية. الأمثلة تتضمن المادية، العقلانية، الميتافيزيقا، التجريبية، والاخلاق. هذه الايديولوجيات لاتزال تؤثر على الفكر الحديث في المجالات السياسية والاجتماعية. السؤال الميتافيزيقي بشأن أصل الكون ووجود الله له جذوره في الفلسفة اليونانية القديمة.

لكن، المفكرين والفلاسفة الحديثين يستمرون في الكفاح لإيجاد جواب. التحقيقات الابستيمولوجية في الخير والشر، الصحيح والخطأ، الحقيقي والزائف، صيغت من جانب فلاسفة اليونان في محاولة لفهم العالم. هذه المفاهيم اثّرت جدا في الفكر الحديث خاصة في حقول الدين والسياسة والسوسيولوجي. انها تغلغلت في مناهج المعاهد المتوسطة والعالية لمساعدة الطلاب في فهم وحل القضايا المعقدة.

ان مفهوم الذرات صيغ من جانب ديموقريطس وليوكيوس اللذان افترضا ان الروح صُنعت من ذرات كروية الشكل يمكنها التحرك. هما افترضا ان كل مادة مؤلفة من جسيمات صغيرة جدا لا يمكن فصلها. هذه الفكرة شكلت الأساس في معظم البحوث الحالية في علم الذرة. الفيلسوفان اُعتبرا كأبوين لنظرية الذرة الحديثة. فلاسفة آخرون اعتقدوا ان الذرات هي جسيمات صغيرة لا يمكن رؤيتها او تحطيمها وهي صلبة تماما. انها توجد في مختلف الأشكال والأحجام وتفتقر الى بناء داخلي. هذه الافكار جرى تصحيحها وتطويرها من جانب العلماء والباحثين في العالم الحديث. لكن فلاسفة اليونان كانوا أصل النظريات والافكار والتي تستمر في التأثير على عدة مجالات في المجتمع المعاصر.

كان لسقراط الفضل في جعل الفلسفة موضوعا اساسيا يستعمله الناس لتعريف لأخلاق ومسائلة الاخلاق المجتمعية. فلسفته تأسست على فن طرح السؤال. الافكار الانسانية والآراء كانت حاسمة لتعاليمه. طريقته في الاستجواب تطلبت طرح سلسلة من الاسئلة قادت الى كشف عقائد الناس وقيمهم. معظم تأثير سقراط على الفكر الحديث يمكن رؤيته في التعليم. المحاضرون في كل مكان يستعملون طريقة سقراط لمساعدة الطلاب في الوصول الى استنتاجات بأنفسهم بدون ذكر مباشر للرسالة المقصودة . طريقة التعليم هذه تسمح للافراد بالاستكشاف والتفكير بأنفسهم. هذه الطريقة ترسخ فهما اكبر وتشجع على التفكير المنطقي الضروري خاصة في البحوث.

تأثير الفلسفة اليونانية في الدين

يؤكد المؤرخون ان الفلسفة اليونانية لم تكن المصدر المباشر للعقائد الروحية في تطوير المسيحية. لكن تأثيرها واضح في النقاشات والأنظمة المستعملة في التعاليم المسيحية، بالاضافة الى فهم الحقيقة الانجيلية. فمثلا، المسيحيين الأوائل مثل بول وجون استعملا طرقا فلسفية معينة لتعليم عقيدتهم. الثيولوجيا المسيحية تُفهم بشكل أفضل عبر تطبيق طرق لها اصولها في اليونان القديمة.

ان تأثير الفلسفة اليونانية على الفكر الحديث لوحظ بشكل واسع في الدين. كان الفهم المعاصر، والتفسيرات، ومعنى الروح الانسانية مستحيلا بدون الرؤى التي طورها فلاسفة اليونان. طاليس كان اول مفكر يفترض مفهوم الروح الانسانية الذي طُور لاحقا من جانب افلاطون. اعتقد افلاطون في روح الانسان وفي الاجزاء الثلاثة: العقلاني والروحي والرغبي. هو جادل بان الجزء الرغبي يفسر لماذا لدى الناس رغبات يرغبون باشباعها.

هذه الحجج فيها عدة نقاط ضعف. لكن المحاولات التي تمت من جانب الفلاسفة القدماء لفهم الكون وتوضيح ظواهره سهّلت افتراض مفاهيم أفضل. جادل ارسطو ان الروح هي الجزء الحاسم في الكائن البشري بسبب تفوقها على البدن. هذه الحجة صاغت ايديولوجيات للعديد من المسيحيين الثيولوجيين المعاصرين الذين يعتقدون ان الروح الجزء الأهم في الفرد. ان تطوير المسيحية خضع لدمج ايديولوجيات من الرواقية والافلاطونية في أخلاقها وثيولوجيتها. اندماج التعاليم الافلاطونية والارسطية مع المسيحية قاد الى ولادة عقائد مثل القدرة المطلقة والعلم الكلي وخير الله والتي هي اسس الدين الحديث. ان الرؤية الدينية لله ككائن لا متناهي لها جذورها في نظرية افلاطون في الأشكال.

هذه النظرية افترضت ان كل شيء مادي في العالم ما هو الاّ ظلال لشكل تام، وهذه النظرية اصبحت لاحقا نظرية في الله. المفهوم الحديث لله تمت استعارته من المسيحيين اليونانيين الذين تبنّوه من الفلسفة اليونانية القديمة التي نسبت الصفات اللامتناهية مثل القوة والمعرفة والخيرية والحب لله. طبيعة الله اللامحدودة تعني انه لا يتغير وغير قابل للتغيير. تأسس الدين الحديث على الايمان بان الله قدير وعالم بكل شيء وخيّر وانه كائن تام لا متناهي. مبادئ الفلسفة اليونانية قادت الى تطوير مختلف العقائد والثيولوجيات التي تدرّسها الكنائس في العالم المسيحي الحديث.

تأثير الفلسفة اليونانية في السياسة

يعود تاريخ الفلسفة السياسية الى عصر افلاطون. البناء السياسي اليوناني تطلّب دولة المدينة city-states التي طبقت مختلف اشكال التنظيم السياسي التي صنفها افلاطون كملكية، اوليغارتية، ديمقراطية، استبدادي، تيموقراطية. ان تطوير الدول الديمقراطية في المجتمع الحالي يمكن ان يعزى الى رؤى المفكرين القدماء. الايديولوجيات السياسية المستعملة اليوم يمكن ان توجد في اعمال افلاطون (الجمهورية) وارسطو (السياسة والاخلاق النيقوماخية). فلاسفة اليونان القدماء استطلعوا بعمق مفاهيم السياسة والعدالة والمساواة.

تُستعمل اليوم مفاهيم من حوارات افلاطون الثلاثة، أي، الجمهورية، القوانين، رجل الدولة لتوضيح المفاهيم السياسية في سياسات الوقت الحالي. قضايا مثل العدالة، النظام، الحكومة الملائمة، والمساواة هيمنت على النقاشات في كل من السياقات الاجتماعية والسياسية في نفس الطريقة التي جرت بها في اليونان القديمة. جادل افلاطون بان المجتمع المزدهر يتميز بأربعة مظاهر رئيسية: الشجاعة والعدالة والإعتدال والحكمة. اقترح افلاطون ان الروح يجب ان تتوقف عن الشرور الدنيئة كالشهوة والطمع لكي تكون قيادة الفرد فعالة.

الفساد يتفشى لأن تورط الناس فيه يتأسس على الطمع في السلطة والثروة. نصح افلاطون القادة بالابتعاد عن الفساد لأنه يحط من قيمة المجتمعات ويضر بالقيادة الفعالة وتطويرها. من الضروري نشر الانصاف لتحقيق العدالة للجميع. الحرية والعدالة والمساواة هي الأفكار الثلاثة الاساسية اليوم في المجتمع.

تسعى الحضارات في كل العالم لخلق حكومات وجاليات ترسخ هذه القيم. الديمقراطية الليبرالية الحديثة تتأسس على مبادئ اساسية بما فيها الحرية وحكم القانون والمساواة. الديمقراطية الغربية اليوم تشبه نظام الحكم الذي اقترحه افلاطون الذي يعتمد نجاحه على ترسيخ الفضيلة. هو اعتقد ان اكتساب معرفة معينة سيمكّن المجتمعات من التعامل مع قضايا متفشية مثل الفساد واللااخلاق والفئوية. مفاهيم افلاطون تُستعمل في الشأن السياسي اليوم بما في ذلك الانصاف والحكومة المختلطة والحكمة التطبيقية الضرورية للقيادة الجيدة وحكم القانون وتعزيز الانصاف والعدالة.

الاستنتاج

الدراسة الدقيقة للفكر الحديث تبيّن ان الفلسفة اليونانية لعبت دورا حاسما في تطوره سواء في اسلوب حياة الناس او في تقدم موضوعات معينة. الفلاسفة القدماء جمعوا بين المعرفة في الفن والعلوم والاخلاق والمنطق ليوضحوا أصل الكون ومظاهره المختلفة . العديد من الحضارات الحديثة مدينة في تقدمها لفلاسفة اليونان القدماء كافلاطون وسقراط وطاليس وارسطو. المفاهيم الفلسفية القديمة تُستعمل في التعليم والسياسة والسوسيولوجي والدين. الابتعاد عن المعتقدات الميثولوجية نحو العقل والتحقيق هو الذي ميّز تطور الفلسفة في اليونان القديمة.

***

حاتم حميد محسن

........................

The impact of ancient Greek philosophy on modern day thought. Studycorgi.(2012,June9)

 

يتبنى هوسرل في فلسفة الفينامينالوجيا مقولة الوعي هو موضوع نفسي. ويعزو سبب ذلك الى حقيقة الوعي ليس موضوعا يقبل المشاهدة او الملاحظة الخارجية بل هو حقيقة نفسية تستلزم ضربا من التحليل القصدي على حد تعبيره الخاطئ.

الوعي اشمل من ان يكون حقيقة نفسية وليس حقيقة عقلية. طالما نعجز عن تعريف ما هو الوعي؟ بذلك نكون اخرجنا ان يكون الوعي موضوعا للنفس وحتى موضوعا مستقلا للعقل لكن يبقى وعينا الاشياء ومعرفتها وادراكها هو وسيلة العقل في تنظيم وتخارج معرفي بين الوعي والاشياء. بعلاقات لا حصر لها مع موجودات عالمنا الخارجي من ضمنها عالم الشعور النفسي...

 ميزة الوعي هو الذاتية الانفرادية في دخول معرفتنا العقلية وخبراتنا مع المدركات. اذا اجزنا لانفسنا استعارة مقولة ديكارت العقل اعدل قسمة مشتركة بين بني البشر فنكون مطمئنين القول الوعي هو اعدل قسمة يمتلكها جميع البشر الاسوياء لكن باختلافات نوعية.

ولا يحتاج الوعي الى ضرب من التحليل القصدي النفسي حسب ما يرغبه تعبير هوسرل وذهب الى ان التحليل القصدي يمهد الطريق كي يستخلص من المعاني الكامنة في كل من الشعور والادراك الحسي والتصور الذهني ماهياتها الفينامينالوجية.

الوعي وسيلة وظائفية للعقل الانفرادي أي ما يدركه (س) من الناس هو غير ما يدركه آخرين للموضوع المشترك الواحد. الوعي بمفهومه النفسي كما يطرحه برجسون يعجز عن استخلاص المعاني الكامنة في الشعور والادراك الحسي والتصور الذهني وصولا الى معرفة الماهيات.

هذه القصديات الذاتية السلوكية النفسية التي ادرجها هوسرل يحققها الوعي العقلي وليس الوعي النفسي. هنا نود تثبيت الوعي كمصطلح مفهومي أنه جوهر خاصية النوع البشري حاله حال العقل واللغة والزمن والوجود.

الوعي وبعدد بما لا يمكننا حصره بمجالات اشتغاله لكنه وعي عقلي واحد لا ينقسم الى كثرة من الوعي. نستطيع الجزم القاطع ان الانسان والطبيعة والعالم الخارجي وكل المدركات الارضية والكونية هي وعي عقلي واحد لا غيره فلا يوجد فبركة فلسفية ابتدعها هوسرل اسماها الوعي القصدي فالوعي تفكير قصدي مجرد في حقيقته ناتج عقلي.. فليس هناك وعي خاص بالنفس وآخر خاص باللغة وثالث خاص بالحواس وهكذا. الوعي هو وسيلة العقل في معرفة وجودنا بمجمل طبيعتنا الادراكية. والوعي بخلاف الزمن غير محايد في علاقته بموضوعه.

لذا عمد ديكارت الى اختزال كل هذه الحالات والتجليّات الوجودية في عبارته ان الانسان موجود لانه يفكّر ولم يقل يفكر بماذا معتبرا التفكير بذاته وعيا بموضوع من الواقع او من الخيال... التفكير المجرد عن معناه مجردا بالضرورة الاستباقية الاولى هي لا تفكير له معنى ليس له موضوعا.، لان ذلك بديهية لوظيفة العقل الذي يفكر موضوعيا وتجريديا فكريا ايضا، بمعنى اوضح لاوجود لتفكير من فراغ او عدم بلا موضوع متعيّن يفكّر العقل به يكون محايث الادراك والتفكير في اثبات الوجود النوعي للانسان، حتى وان كان موضوع التفكير متخيّلا فكريا خارج المعطى المحسوس او العياني الواقعي للاشياء.

على اعتبار ان تخيّل الشيء ذهنيا لا ادراكيا حسيّا عقليا يدل على فعالية واشتغال (العقل) في اثبات وجود الشخص تأمليا مفكرا وذاتا تعي وجودها والمحيط من حولها. وان الخيال العقلاني المفكر الصامت يختلف عن الحوار المتعيّن وجودا ادراكيا في وعي الذات والتعبير عن موضوع لغويا. وحوار اللغة صمتا تفكيريا يكون بين الذات ووعيها لمدركاتها الموضوعية، بخلاف الخيال المعبّر عنه في اللغة المكتوبة او المنطوقة او الصورية او الفنية فيكون تفكيرا واقعيا.

كذلك فان وجود اي شخص كوعي ذاتي وادراك عقلي او حسي يعي الموجودات من حوله، يصبح مفروغا منه، في عبارة ديكارت(انا افكر اذن انا موجود) ليس من تفكيره حتى الخيالي بشيء معين دون غيره وحسب، وانما وجود الانسان الواقعي الفاعل المتواصل الدائم يأتي من قدرة الانسان على التفكير وامتلاكه ملكة العقل والذكاء والخيال واللغة في ما لا نهاية له من ادراكات الموضوعات والاشياء الواقعية او المتخيّلة التي تشغل التفكير ويكون تثبيت الوجود الذاتي والموضوعي معا بها ومن خلالها كعلّة وسبب . 

ان الموجودات والاشياء اللامتناهية في الطبيعة والكوني التي يريد الشخص ادراكها ومعرفتها هي التي تمنحه وجوده الفاعل بالحياة، ووعي الذات لا يكون في غياب الموضوعات او الاشياء عنه عقليا ولا تخييليا . فليس الانسان موجود لانه يفكر تجريديا ذهنيا فقط كما يذهب له ديكارت، بل هو موجود في امتلاكه اثبات قدراته العقلية الذهنية اللغوية وملكته على الفهم والادراك لوجوده ووجود الاشياء من حوله أيضا وفي إمكانية التاثير المتبادل بينهما.

أي ان وعي الذات لا يقوم على التفكير المجرد في وعي الوجود الذاتي لنفسه فقط من دون حضور الاشياء المفكر بها، لان وعي الوجود مرهون بالسبب المحايث للتفكير الذي هو وجود الموجودات والاشياء اللانهائية المادية وغير المادية وعلاقة الانسان بها .

فوعي الوجود لا يتم الا بوعي الموجودات والمحيط واقعيا أو خياليا صامتا عندما لا يعبّر الوعي عن التفكير الذهني الصامت لغويا، على اعتبار الخيال هو تفكير او حوار لغوي داخلي صامت يتم في الذهن المتخيّل عقليا تجريديا فقط، وعندما لا يتحول التفكير الخيالي الى لغة ناطقة تداولية او فعالية تعبيرية فنية تخاطب الاخر، فان فاعلية الخيال المنتج تتوقف عن تحويل موضوع الخيال المفكر به، مدركا كان او متعيّنا واقعيا مستقلا بوجوده، اوموجودا باللغة او غيرها من وسائط التواصل في التعريف بذلك الموجود او الموضوع المفكر به.

وفي تغييب هذه الخاصية التنظيمية للافكار لا يكون للخيال أي معنى او مغزى بل يصبح تهويما داخليا في العقل لا علاقة له بالتنظيم اللغوي السليم ولا في قدرة الخيال تحويل الموضوع المفكّر به الى موجود متعين او خيالي يمتلك تداولية القبول به مع الاخر، وهذا النوع من التخيلات العقيمة نجدها في هلاوس المجانين والانفصاميين العصابيين ومرضى الذهان العقلي  وغيرها من عوامل تجعل الوجود المرضي وتفكيره بلا معنى، فهو عندهم تفكير غير معقلن لا يتوسط اللغة تداوليا، كسبب وعي الوجود وكذلك المحيط والموضوعات من حوله.

بمعنى ان التفكير العقلي الذهني الصامت المجرد وسيلة افتراقه عن الخيال المريض هي أن هذا الاخير عاجز عن تعيين وجوده وغيره من الموجودت بواسطة نظام اللغة التواصلي.

وفي التوضيح اكثر هو ان فاعلية الفكر بادراك الشيء والوعي به مصدرها الاحساس بالموضوع اولا ومرجعية العقل ثانيا، عليه نضع انفسنا امام استحالة ادراكية – عقلية وذهنية في الوعي  بشيء مادي او غير مادي، بمجرد قولنا حسب هوسرل (ان الاشياء ومواضيع الادراك غير موجودة ولا فائدة منها بمجرد عدم وعينا وادراكنا لها). هذا كلام فارغ فموجودات الوجود لا تحدد وجودها الادراكي رغبة الانسان من عدمها فالموجودات مستقلة موجودة قبل رغبة الادراك العقلي فهمها.

وهنا يكون الادراك مثاليا في ادراك ذهني لا علاقة له بالخيال المنتج او ادراك الواقع. وهذا النوع من الادراك تم تجاوزه فلسفيا  كما  موجود في فلسفة هيجل المثالية الجدلية، على يد ماركس في المادية الديالكتيكية والتاريخية التي تذهب عكس ما ذهب له هوسرل في أسبقية الوعي على المادة، وبأن المادة حسب ماركس أسبق على الوعي المفروز عنها. أي وجود الشيء مسبقا يحدد تفكيرنا به لاحقا، وليس العكس ان وعي البشر هو الذي يحدد وجود الاشياء، بل العكس ان وجود الناس الاجتماعي والطبقي هو الذي يحدد وعيهم الفكري والثقافي والفني والديني.

كما ان ما لا ندركه لا أهمية له لدى هوسرل ربما تنطبق صحته الوهمية الساذجة في عدم حاجتنا او بعضنا التفكير في امور الميتافيزيقا ومسائل الدين في الجنة والنار وغيرها من غيبيات اللاهوت، فهي لا تعني كل الناس في اهمية ووجوب التفكير بها عقليا ادراكيا والتوصّل الى يقينيات بشأنها، وانما الايمان والتسليم بها غيبيا في القلب هي الغالبة.

ومن دعوة هوسرل (انه لا ذات بلا موضوع) التي هي سليمة وصحيحة الى حد ما، اذا ما فهمت الجملة بصيغة الجدل الديالكتيكي في تبادل التاثير المتناوب بين الذات والموضوع، وتصبح باطلة غير صحيحة في قول هوسرل: (ليس هناك من حاجة او اهمية لفصل الذات عن الموضوع!! والذات والموضوع متداخلان لا يمكن ولا يجوز الفصل بينهما، والذات والموضوع شيء واحد) حسب ادبيات فلسفته الظاهراتية (الفينامينالوجيا).

هنا يكرر هوسرل مفهوم الدائرة المغلقة عند شوبنهاور، بان الوجود الانساني هو الحلقة الدائرية التي يحياها الانسان في تعاقب ابدي هو فهم مستمد من نيتشه انه لا حقيقة نعيش من اجلها الحياة، ولا حقيقة نعيش من اجلها وهم الخلود بعد الموت، وان دورة الحياة الدائرية انما هي تبدا بنقطة افتراضية وهمية ولا تنتهي بنقطة تتوقف عندها بعد الممات.

 وفي فهم هوسرل ان (الانسان ذات وموضوع في وقت واحد) التي أخذها عن شوبنهاور، هو فهم صحيح بالنسبة للانسان وحده كوجود مستقل عن الاخر وعالم الاشياء الخارجية المحيطة به تماما،  في ادراك الانسان ذاته ووعيه بها عندما يتأمل وجوده كموضوع، الموضوع المتداخل مع ذاته في كينونة مستقلة واحدة تجمعهما، اما في حال ادراك الانسان للمواضيع والاشياء الخارجية عنه، فهنا تكون الذات والموضوع كلا منهما وجودا مستقلا عن الاخر، وفي استقلالية وجودية احدهما عن الاخر، ولا تبقى الذات والموضوع واحدا في وحدة اندماجية لا يتم التفريق بينهما. او يتعذر ذلك الفصل المطلوب بينهما.

هنا احاول اضرب مثالا هو القول بعدم امكانية فصل الموضوع عن الذات وهم فلسفي غير صائب. لو اخذنا بالقانون الميكانيكي الفيزيائي (لكل فعل رد فعل يعاكسه بالاتجاه ويساويه بالمقدار) هذا بدا بالقانون الفعل هو الموضوع الاستفزازي للذات بالرد (الذات) على الموضوع الصادر عنه الفعل برد فعل يعاكسه الاتجاه ويساويه بالمقدار. ولو كانت الذات هي والموضوع جوهرا واحدا لابطلنا صحة القانون الفيزيائي لانه فرّق بين الذات والموضوع.

اضرب مثالا آخر على خطل وعدم صواب ان تكون الذات هي موضوعها وكلاهما جوهر واحد لا انفكاك بينهما. توجد للمؤرخ العالم بتاريخ نشوء وشيخوخة الحضارات هو شبنجلر. القانون الذي اخ اضرب مثالا آخر على خطل وعدم صواب ان تكون الذات هي موضوعها وكلاهما جوهر واحد لا انفكاك بينهما. توجد للمؤرخ العالم بتاريخ نشوء وشيخوخة الحضارات هو شبنجلر. القانون الذي اخترعه الالماني اوسفولد شبنجلر فيلسوف ومؤرخ وعالم تاريخ الحضارات 1880-1936 هو قانون (التحدي والاستجابة) الذي هو نسخة اسقاطية للقانون الفيزيائي الذي مررنا عليه (لكل فعل رد فعل....الخ) اسقطه شبنجلر على نظريته بنشوء الحضارات. بداية نشوء كل حضارة هي استفزاز الظروف الموضوعية والتاريخية لارادة الانسان بوجوب المواجهة ووجوب وضع الحلول للافضل بالحياة والتاريخ.

التفكير لا يكون آلية بيولوجية - فيزيائية

 ان امتلاك الانسان قدرة وآلية التفكير الواقعي او التجريدي لا  تجعل من الانسان مفكرّا، الا بعد أن يكون في وعيه وادراكه أو حتى في خياله موضوعا او شيئا متعيّنا مفكّرا به اي يكون موضوعا للتفكير، وبهذا الفهم تصبح مقولة هوسرل انا افكر بشيء اذن انا موجود صحيحة لكنها لا تمثّل تخطئة صائبة لكوجيتو ديكارت.

وهي مشروطة بعدم وجود فعالية تفكيرية عقلانية يحوزها الانسان فقط، من غير موضوع او موجود مستقل مفكّر به سواء ادركه العقل ام لم يدركه حسيا او تخيليا. وحتى الصمت الخيالي هو في حقيقته تفكير وحوار داخلي لا يعبّر عنه باللغة التداولية، لكنه يبقى تفكيرا ذهنيا تنعدم فيه اللغة المنطوقة او المكتوبة او المعبّر عنها باللغة الحركية الصورية الايحائية، ولا يمكننا الحديث عن ادراك للذات بدون موضوع او شيء مغاير عنها (شيء آخر غير الانا المفكّرة). ووعي الانسان بذاته لا يتحقق من دون ارتباطه واقترانه بشيء مغاير لذاته. ولا يمكننا التأكد من حضورنا كذوات مفكّرة وموجودة دون وجود الغير المتعّين او الاشياء بأي شكل او صيغة بدت لنا، ولا نتوحد معها كيفيا في تطابق بالصفات بالنسبة للنوع كبشر، أي وعي الناس بوجودهم المفكر ذاتيا لا يكون حقيقيا من دون احساسهم بالوجود الخارجي للأشياء المفارق لوجودهم وتفكيرهم.

 ان الوجود ممثلا بالطبيعة وقوانينها المستقلة عن الوجود الانساني، وفي مختلف التجليات لوجود الاشياء هو وجود قائم بذاته خارج رغباتنا. وجود الذات هو في المغايرة مع وجود الآخر كمتعيّن حاضر في علاقة الارتباط بغيره من الاشياء. وان وعي الانسان بوجود انسان آخرمثله، لا يعني تطابقهما الكيفي بادراك الذات او الوجود المغاير، حتى في الموضوع الواحد المشترك بينهما، وانما بالتقاء صفاتهما او بعضها في الجنس الواحد كنوع جامع لهما، لكنهما يبقيان محتفظان بادراكهما المتمايز المختلف في فهم الوجود والاشياء وهو ما يصح تعميمه على الوجود البشري عامة، بأن جميع الادراكات مختلفة ومتنوعة بعدد البشر ولا نهائية الاشياء والموجودات والكوني وفي لا نهائية ولادة البشر وموتهم جيلا بعد جيل.

للمقال صلة

***

علي محمد اليوسف

 

في كتاب الجمهورية لأفلاطون كان يدعو الى شيوعية الأطفال أي ان يكون الأطفال تحت رعاية الدولة، وهي التي تتكلف بتربيتهم ونشأتهم حتى يمتلكوا شعور الولاء للدولة، وحتى تتولد عاطفة جماعية اتجاه الأطفال من قبل المجتمع، وكذلك تعامل معهم ارسطو اذ جعل تفكير الأطفال بمستوى تفكير العبيد ؛ لأنه تفكير سطحي ويفتقر للحكمة والمنطق ولا يستحق الاهتمام، وفرق كذلك بين أبناء الطبقة السفلى، والمتوسطة، والعليا، وهي طبقة العبيد، والطبقة البرجوازية، والطبقة الحاكمة النبلاء، وتلقي التربية والتعليم الجيد يجب ان تكون أولويته لأبناء الطبقة الوسطى والعليا للمجتمع.

وفي العصر الوسيط كان التعامل مع الأطفال على أسس دينية واحكام قبلية، تستند بعضها الى المتوارث من الأفكار، والتقاليد الاجتماعية التي تضيع كثير من حقوق الطفل. وفي العصر الحديث بدأت الأفكار التنويرية تلقي بظلالها على طبيعة التفكير في الطفل وتربيته ونشأته ومستقبله، وذكر عن روسو مقولته "يا معشر الفلاسفة اننا نجهل الطفولة" في اشاره الى الإهمال التاريخي في التعامل مع الطفل وحقوقه، وهي بمثابة دعوة الى العناية بالطفل على وفق النظريات الحديثة، والتنويرية الضامنة لحقوق الطفل، ورعايته من قبل أبويه رعاية واعية. وبعدها تطورت النظريات الناظرة في نشأة الطفل وتربيته والعناية به ضمن نظريات سلوكية، ونظريات النمو، ونظريات التربية، وقدمت كل من النظرية الماركسية، والنظرية البركماتية، والنظرية الفرويدية، والنظرية النازية، أفكار عن الطفل وكيفية تربيته بما يتلائم مع التوجهات الفكرية والسياسية والأيديولوجية، اذ انها ابتعدت أيضا عن التعامل مع الطفل على أساس برائته وفطرته، وأدخلته في الحسابات الاقتصادية والسياسية والعسكرية والتجارية. مثل : استغلال النازية لنظريات تطوير النسل لصالح الأيديولوجية الألمانية النازية.

أما المحور الثاني فتحدثنا فيه عن القواعد التأسيسية في تكوين الأطفال، وانجابهم، وتربيتهم، وصولاً الى مرحلة البلوغ، وتطرقنا الى خطورة النظريات البايولوجية المعاصرة التي تتحكم بالجينات والرحم، والنطف، وعقاقير النمو، ومعالجة أمراض الطفولة، وتطوير مهارات الأذكياء منهم، وهي ما كانت محط اهتمام مباحث البيوتيقا ودراساتها المعمقة لكل المشاكل الناتجة عن تطور الأبحاث البايولوجية على حساب كرامة الإنسان ومستقبل الطفل البايولوجية، وبقدر ما قدم العلم والبايولوجيا أفكار وتطبيقات مفيدة في خدمة البشرية وسلامة الطفولة، بقدر ما اضرت به من خلال التوظيف غير الصحيح لكل التفوق البحثي والصناعي والتكنولوجي للتحكم بالبيوض، والنطف، والجينات، والنمو، والوعي عند الأطفال ونشأتهم.

فالقواعد التأسيسية لإنجاب الأطفال وهي مرحلة تأسيسية تنطلق من غريزة الأمومة، أو الأبوة، أو من فكرة انجاب الأطفال لأهداف خاصة لكل فرد من افراد المجتمع، احدهم يريد ان ينجب أطفال بدوافع اقتصادية أي يريد من الطفل ان يساعده في اعماله وكسب رزقه وتشغيله. ومنهم يريده ان يكون امتدادا له لحفظ ثروته من الضياع او التمثيل الاجتماعي امام العشيرة والعائلة والمجتمع، أو ان يكون له مساعد في شؤون الأسرة العامة. فالطفل هنا لا يكون مرغوب في ذاته بل بقصدية هي ادنى من منزلة الطفل وكرامته، فالطفل بعد ما يولد يكون انسان له قيمته المعنوية، وكرامته، وحقوقه وشرفه، وله اعتباره الذي يجب ان يؤخذ بالحسبان من كل خطة يخطوها الوالدين اتجاه الطفل منذ فكرته ونطفته ووجوده في بطن امه بمختلف مراحله.

وهي مرحلة المحاولة لإنجاب الأطفال، سواء كان بالحالة الطبيعية، او بالحالة الصناعية، بين مرحلة تنظيم الإنجاب طبيعيا أو صناعيا، بما فيها محاولات معالجات العقم. واعطت الأبحاث البايولوجية الحق للأفراد بأتباع وسائل بدائية، أو علمية متقدمة في محاولات الحصول على طفل. واعطت التشريعات القانونية للأفراد الحق في الانجاب، أو الحد من الإنجاب، أو المعالجة العقمية لمحاولات الإنجاب. وهذه القواعد تأثرت في وقتنا الراهن بتطور النظريات السياسية والتوجهات الليبرالية الخاضعة لسلطة العلم، ويدخل في ذلك حق المرحلة الجنينية.

اما القواعد التأسيسية لما بعد الإيجاد (الانجاب): مثل : حق مسقط الرأس، وحق الاسم، وحق الحماية، وحق الرعاية، وحق الإمومة، وحق الحياة، وحق الميراث. وتتأثر هذه القواعد كذلك في النظريات الفلسفية، والدينية، والسياسية، والاقتصادية، والاجتماعية وغيرها. مثل : نظرية شيوعية الأطفال عن أفلاطون التي سبق ذكرها والنظرية الشيوعية الماركسية، والنظرية العدمية، والنظرية الأمريكية البركماتية. والنظرية النازية، وهذه المرحلة تخضع لعدة قواعد منها القواعد الاخلاقية، وقواعد قانونية، وقواعد شرعية، وقواعد تربوية، وقواعد سياسية، وقواعد بايولوجية ونفسية.

وفي المحور الثالث تحدثنا فيه عن التشريعات القانونية، وتساءلنا فيه ؛ من الذي يحدد مرحلة الخروج من مرحلة الطفولة ؟ حدد القانون الدولي والقانون العراقي عمر ما ان اتمه الطفل حتى عد رجلاً بالغاً، وهو تمام الثامنة عشرة من العمر.

وتطرقنا إلى تاريخية القوانين التي شرعت لصالح الطفل وحمايته وضمان حقوقه، وبينا فيه طبيعة تعامل الحكومات العراقية منذ تاريخ الدولة العراقية الحديثة مع حقوق الطفل، والتي كانت ليست بمنأى عن الاستغلال السياسي والايديولوجي، فضلا ًعن التناقض بين التشريع وتطبيق ذلك التشريع، اذ سخر الأطفال لصالح أيديولوجيا حزب البعث في زجهم بمعسكرات التدريب في ما يعرف (اشبال صدام) وطالتهم أيضا الاعدامات والمعتقلات والجوع والموت، بفعل سياسة التجويع، والحصار، واليتم، وفقدان المعيل بسبب الهاء الآباء والأمهات في فعاليات الحزب والعسكرة.

فالمشرع العراقي لم يغفل اهم الحقوق للطفل العراقي، وانصفه واولى رعايته بشكل دقيق، ولكن دائما ما نعاني من مشكلة عدم التطبيق والإهمال والتقصير في ذلك، فقد ضمن المشرع حق الطفل في الحياة، والرعاية، والاسم، والنسب، والجنسية وحق رعاية القاصرين والميراث والموهبة، وغيرها من الحقوق الأساسية الضامنة لحقوقه، وهذا على مستوى الحقوق المباشرة، اما الحقوق الملازمة لحقه في الأمومة، والأبوة، والرعاية الأسرية، والتعليم، والتربية، فقد صدرت قوانين تؤكد على هذا الحق وتضمنه، مثل: قانون الزامية التعليم، والزامية الرعاية الصحية والرعاية وغيرها.

وفي الختام بينا قصدية انجاب الأطفال وهدفيتها ورسالتها، كرسالة إلهية عبر قصتين من القرآن الكريم، وهي قصة إسماعيل وقصة عيسى عليها السلام، والذي كان انجابهم لإبراهيم ومريم عليما السلام بقصد ألهي، وعلى ذلك فالبشر يجب ان تكون لهم قصدية، وهدف، ورسالة من انجاب الأطفال، وليس ترك الأمر للفطرة، والغريزة، ورغبة التكاثر.

***

د. رائد عبيس

أستاذ الفلسفة المعاصرة في جامعة الكوفة

20/11/2024

......................

* القيت هذه المحاضرة في مركز دراسات الكوفة في ندوة حوارية حول حقوق الطفل بمناسبة اليوم العالمي لحقوق الطفل، وكانت محاضرتنا الموسومة (حقوق الطفل بين النظريات الفلسفية والقوانين) بينا في المحور الأول منها تاريخية التعامل مع الطفولة عبر النظريات الفلسفية التي قدمت رؤية أُحادية الجانب في معالجة مشاكل الطفل، مما جعل الطفل عرضة للتوظيفات السياسية والأيديولوجية ولم تراع فيه براءته ونشأته وتربيته والهدف من إيجاد الأطفال وانجابهم.

حاتم حميد محسنقبل آلاف السنين بدأ السعي لفهم العالم الذي حولنا، الانسان والطبيعة والكون والعلاقات بينهم. كان واضحا وجود نوعين من الأشياء، المادة الجامدة والكينونات الواعية الحية المندفعة بقوة الحياة والتي تسمى الروح. كان هناك وعي حدسي لليد اللامرئية لذلك الذكاء الهائل الذي أفرز مفهوم "الاله" القدير الكلي وما تفرّع عنه مما سمي بمؤسسة الدين. اشتبك ذهن الانسان مع هذا اللغز وحاول فهمه. في البداية كان هناك فقط تحقيق متكامل منفرد – وهو السعي لمعرفة الكون واشير اليه في اليونان القديمة بالفلسفة الطبيعية، والناس الذين انخرطوا في هذا التحقيق كانوا محترمين كونهم متعلمين وحكماء في المجتمع. هذا السعي ضم مختلف الاتجاهات التي نسميها الآن دين، فلسفة، ميتافيزيقا، علوم.

في هذا السياق يُعتبر الاتجاه العلمي كما نعرفه اليوم جديدا نسبيا، كونه برز فقط قبل أربعة او خمسة قرون. ما يعرف الآن بـ "العلم الحديث او الغربي" بدأ مع اناس مثل غاليلو وكبلر وكوبرنيكوس وباكون تبعهم نيوتن وبويل وغيرهم. تاريخيا بدأ في هذا الوقت ممارسو العلوم والدين والفلسفة/الميتافيزيقا الانفصال وتأسيس مدارس متخصصة منفصلة للتحقيق في كل من هذه الحقول. (من اللافت انه الى اليوم تشير الدكتوراه في العلوم او الرياضيات او الهندسة او الانسانيات فقط الى "دكتور في الفلسفة" او PhD). هناك فرق كبير في المنهجية المتبناة من جانب العلوم وتلك المتّبعة في الحقول الاخرى للتحقيق. ان الطريقة العلمية تتميز بكونها "موضوعية" و "تجريبية"، مرتكزة على التحليلات المنطقية والعقلانية للملاحظات، بينما التحقيق الروحاني هو بالمقام الأول "ذاتي" الى حد كبير. الفرق الأساسي يبدو ليس بين العلوم والروحانيات بذاتها طالما كلاهما يدّعي السعي لفهم "الحقيقة"، وانما هو بين الطريقة العلمية في التحقيق والطبيعة الحدسية للتحقيق الروحاني.

غير انه من الواضح لأي شخص ذو ذهن حساس ومنفتح في متابعة "الحقيقة"،ان العلوم والطريقة العلمية لهما محدودياتهما. هناك سنصل الى نقطة في عملية التحقيق العلمي في طبيعة الأشياء والانسان ومكانه وهدفه في الكون، فيها تكون التحليلات المنطقية والعقلية غير قادرة على توفير كل الأجوبة، ستبقى هناك عدة أسئلة لا يمكن الإجابة عليها بالإرتكاز على البيانات الحسية وحدها. العديد من العلماء الكبار توصلوا الى نفس هذا الاستنتاج.

ان "الحكمة التقليدية" او "الفلسفة الدائمة" التي تجسدت في الأدب الثيوصوفي أظهرت بوضوح العملية الحدسية والتأملية والإستبطانية التي نحتاج تبنّيها لتحملنا قدما الى ما وراء النقطة التي تصل بها العلوم الى طريق مسدود. هذا الاتجاه حتما يقودنا الى مسار وُصف بـ "التحقيق الروحاني". لسوء الحظ ان النجاح الساحر والمذهل للعلوم وربيبتها "التكنلوجيا" في الأوقات الأخيرة، أعطى انطباعا زائفا (خاصة لجيل الشباب) بان العلم "يعرف كل شيء" وانه تمكّن من كل الطبيعة، وان الكون بأكمله يمكن توضيحه وفهمه من خلال العلم وحده. بعض المتحمسين بافراط ومن العقلانيين ايضا عززوا هذا الانطباع. في هذا المقال سنطرح بعض المحاولات لكيفية ردم الفجوة بين العلم والروحانيات وكيفية التوفيق بين الاتجاهات الاستنتاجية/الاختزالية و البديهية/التأملية. سيتم التركيز على اهتمام العقلانيين الصادقين والمنفتحين بان هناك حقا عنصر هام للحقيقة يفتقده العلم؟

هذه المقالة لاتتحدث لا عن انموذج تيار العلوم السائد ولا عن الخصائص الاساسية للتحقيق الروحاني، وانما تفحص مختلف الجهود التحقيقية الحالية التي تكمن في منطقة التفاعل والإلتقاء بين العلم والروحانيات.

فيزياء القرن التاسع عشر،"الكالفينيون والمادية

يمكن تحديد ثلاث حقب زمنية في تقدم العلوم:

1- ما قبل القرن السادس عشر او "العلم القديم" والذي جرى اتّباعه كجزء من دراسة الفلسفة الطبيعية.

2- فترة ما بعد القرن السادس عشر او فترة فيزياء نيوتن.

3- ما بعد اينشتاين/النسبية/فيزياء الكوانتم او فيزياء القرن العشرين.

في نهاية القرن التاسع عشر،سيطرت فيزياء نيوتن او الفيزياء الكلاسيكية او الميكانيكية على التفكير العلمي فاتحة الباب لعصر "المادية". العلماء ادّعوا انهم فهموا كل ما في الطبيعة بمساعدة لغة الرياضيات. عندما عبّر الشاب ماكس بلانك عن رغبته للعمل بحقل الفيزياء تلقّى نصيحة بالعمل في التجارة كونها أفضل له من العمل بالفيزياء لأن الأخيرة لم يعد فيها شيء لم يُكتشف بعد. الفلكيون يمكنهم ان يصفوا بدقة حركة الكواكب حول الشمس والتنبؤ بالخسوف، المهندسون يمكنهم تصميم جسور عملاقة وناطحات سحاب وبناء سفن ضخمة مصنوعة من الستيل، يمكنهم إنشاء محركات بخارية قوية لسحب قطارات الشحن الطويلة وصنع بنادق مميتة وقنابل. ساعات مصممة بشكل معقد يمكنها قياس الوقت بدقة. الكهرباء جرى توليدها من السدود ومحطات إحراق الفحم لسحب عجلات الصناعة، بينما اختراع اديسون للمصباح الضوئي أضاء كامل المدن. النفط الخام كان قد اكتُشف توا وتم وضع الأساس لصناعة كيميائية مزدهرة. ظن العلم بان الكون كان في الأساس ساعة عملاقة يمكن قياس تقدمها بدقة والتنبؤ باستعمال قانون نيوتن في الحركة، وقوانين الديناميكا الحرارية ومختلف قوانين الكيمياء ومعادلات ماكسويل في الكهرومغناطيسية التي توضح كل شيء. المؤسسة العلمية كانت مقتنعة بان البشرية سيطرت على كل الطبيعة. أحد أكبر المؤيدين لهذا النوع من التفكير كان اللورد كالفن الفيزيائي اللامع الذي بفضله نقيس الحرارة المطلقة للجسم بوحدات من درجات كالفن يوميا. لكن هذا النوع من "التفكير المتغطرس" يوصف الآن "كالفيني" لأننا الان نعرف ان الفيزياء لايزال امامها طريق طويل في التحقيق لحل أسرار الطبيعة. كانت هناك حاجة لولادة فيزياء نواة الذرة ومفهوم المساواة بين الكتلة والطاقة الذي يُفترض ان يرسل موجات صادمة حول العالم .

ثورة الكوانتم في القرن العشرين

شهد القرن العشرون ظهور كل من النسبية وفيزياء الكوانتم. بدءاً من تجارب ماكس بلانك في الإشعاع عام 1900، والنظرية النسبية الخاصة لاينشتاين التي أسست الزمن كبعد رابع، ثم تطور نظرية الكوانتم لتوضيح نموذج بوهر الذري المتّبع وفق مفهوم ثنائية الجسيم-الموجة، ومبدأ اللايقين لهيزنبيرغ وغيرها، حتى بلوغ الذروة في الملاحظات التجريبية المدهشة لـ "الجسيمات المتشابكة"، اصبحت الفيزياء الآن تقبل بـ اللامكانية (non locality) كحقيقة للطبيعة. هذا غيّر كليا موقف الفيزيائيين تجاه الروحانيات. النسبية وفيزياء الكوانتم كانا مؤثران جدا في جعل العلم أقل مادية رغم حقيقة ان مناصري النسبية (اينشتاين) وفيزياء الكوانتم (خاصة نيلز بوهر) كانا في تخاصم مع بعضهما حتى وفاة اينشتاين. في هذا السياق قد يتذكر القرّاء عبارة اينشتاين الشهيرة "الله لا يلعب النرد ". وبعد مجيء فيزياء الكوانتم، كان هناك قليل من الحافز لدى علماء بارزين، خاصة الفيزيائيين، في متابعة الدراسات المتصلة بالروحانيات كتلك الذي ذاع صيتها بفعل أعمال شرودينجر و فريتجاف و كابي و روجر بنروز و بول ديفس و ديفد بوهيم. ونفس الشيء كانت هناك ايضا ثورة في البايولوجي وعلوم الحياة (DNA، الشفرة الوراثية)، خلقت اهتماما متجددا في الأسئلة الروحانية.

يُقال ان "الموضوعية" هي حجر الزاوية في المنهجية العلمية خاصة الفيزياء الكلاسيكية التي تؤكد على قابلية الفصل بين المراقِب والمراقب. هناك افتراض ضمني أساسي متأصل بان توجد هناك "حقيقة مستقلة عن المشاهد" وان فعل الملاحظة لايشوش الشيء الذي تجري ملاحظته. هذه الخصائص المفترضة للاتجاه العلمي كانت العقيدة الأساسية لفيزياء نيوتن لكنها لم تعد صالحة لعصر ما بعد الكوانتم. خاصة في المسائل المتعلقة بعالم الذرات المجهرية والجسيمات الأساسية.

من غير الواضح ان كان لايزال من الملائم القول ان هدف العلم هو فهم الواقع. من الملائم القول ان فهم الواقع كان الهدف الأصلي للعلم عندما بدأ المشروع العلمي أول مرة. ولكن ربما من الملائم اكثر القول الآن ان العلم اليوم هو اكثر اهتماما باشتقاق نماذج رياضية تصف وتتنبأ بسلوك الانظمة الفيزيائية اكثر مما تسعى لإعطاء وصف مفاهيمي للواقع. يبدو ان الطبيعة تتبع شكلا غريبا من المنطق(او اللغة) تطور بفعل الانسان نشير له بـ "رياضيات". الفيزيائي بول ديفس في كتابه (ذهن الاله) وآخرون ركزوا على سبيل المثال على "الفاعلية غير المعقولة للرياضيات في العلوم الطبيعية". غير ان النماذج الرياضية والنظريات ليست مقدسة وانما عرضة للمراجعة المرتكزة على ملاحظات جديدة. العلوم اليوم هي راضية تماما بالنماذج النظرية القائمة التي توضح الملاحظات التجريبية وتتنبأ بالسلوك المستقبلي للأنظمة الفيزيائية في ظل مجموعة جديدة من الظروف، وهي أقل اهتماما بالأسئلة حول ما اذا كانت النماذج الرياضية لها أي علاقة بالواقع .

الظواهر الخارقة والعلم الهامشي

كانت الملاحظات أكّدت مبكرا بان "تيار العلم السائد" يبدو تجاوز كليا مظاهر معينة من الواقع. الظاهرة بان العلم غير قادر على الفهم والتوضيح سميت بالخوارق او فوق الطبيعة او الظاهرة النفسية. التحقيق العلمي بمثل هذه الظواهر يقع تحت فرع من العلوم يسمى "التخاطر" parapsychology. هناك مؤسسة للتخاطر مرتبطة بالمؤسسة الامريكية لتقدم العلوم. يبدو ان المؤسسة العلمية السائدة كانت متسامحة علنا مع البحوث في هذه العوالم الغامضة ولكن في التطبيق نجد غالبية علماء التيار السائد يصفون البحث بمثل هكذا مواضيع بـ"العلم الزائف" او "العلم الهامشي" fringe science. من بين العديد من الكتب الحديثة التي لخصت المكانة الحالية للتحقيقات العلمية للظواهر الخارقة، كان كتاب دين رادنس (الكون الواعي – الحقيقة العلمية للظواهر النفسية،1997)، و كلود سوانسن في كتابه (الكون المتزامن – العلم الجديد للخوارق،2003) و جون بوكري في كتابه (مواجهة بين الفيزياء والظواهر الخارقة،2005) وجميعها كانت كتابات مقنعة جدا. بعض الظواهر الخارقة التي جرى التحقيق فيها باستعمال المنهجية العلمية هي:

1- الظواهر الذهنية الشاذة و"الطاقات الخفية" وهي صفات استثنائية للذهن الانساني ( على الأقل ذهن بعض الاشخاص) مثل التخاطر والتصورات بما هو خارج الحواس، وظاهرة التفاعل بين الذهن والمادة او تحريك الشيء بجهد ذهني فقط (psychokinesis) وغيرها.

في هذا السياق يتجه اهتمام الشكاك والعقلانيين الى ثلاثة مجالات مهمة جدا من البحث. الاول هو التحقيق العلمي (وتطبيقاته اللاحقة لأغراض عسكرية) في قدرة الذهن الانساني (عُرف منذ العصور القديمة في الهند بـ ديفيا درشتي Divya-Drishti)، في الرؤية المباشرة للأشياء والاحداث والمناظر الواقعة في مكان جغرافي بعيد (وربما منفصل مؤقتا). كان هناك برنامج صُنف بالسرّي للغاية موّلته وكالة الاستخبارات العسكرية الامريكية اثناء الحرب الباردة (1972-1995)،والذي سُمي رسميا برنامج "الرؤية من بعد" Remote Viewing". ولكن اشير اليه كما معروف بـ "التجسس النفسي". استنتاجات برنامج البحث هذا الذي شارك فيه فيزيائيون في معهد البحوث العلمية SRI الدولي، كاليفورنيا، بالاضافة الى الامثلة عن "مهمات التجسس" الحقيقية المنفذة تحت الاشراف المباشر للبنتاغون (مشروع ستارغيت) متوفرة كلها على الانترنيت (الرؤية عن بُعد) في غوغل.

بالنسبة للثيوصوفيين كل هذا شيء قديم الطراز. لكن من المهم ملاحظة التماهي القوي بين الاستنتاجات العلمية المنبثقة من برنامج الرؤية من بعد  وملاحظات ليدبيتر في كتابه الصادر عام 1899 بعنوان (استبصار).clairvoyance.

الدراسة العلمية الثانية هي برنامج بحث تجريبي مستمر بعنوان "مشروع الوعي العالمي"(GCP) ويعتمد على سلسلة من 60 كومبيوتر شخصي، كل واحد فيه سوفتوير خاص صغير(مولّد لرقم عشوائي) تفحص "نطاق وعي جمعي" لكل العالم على مدار الساعة. تفاصيل هذا المشروع واستنتاجاته الهامة متوفرة على الموقع الألكتروني لـ (Gcp) على http://noosphere.princeton.edu..

الاستجابة الهامة والمذهلة لشبكة Gcp حدثت في 11 سبتمبر 2001 عندما ضرب الارهابيون مركز التجارة العالمي في نيويورك. في ورقة راجعت البيانات الملتقطة في ذلك اليوم فقط نُشرت في  منشورات اسس الفيزياء عام 2003 افترضت بان رد فعل متزامن لبلايين الناس الذين يشاهدون برنامج تلفزيوني عن الاحداث المتكشفة في زمن واقعي خلقت تماسكا في نطاق وعي الجماعة العالمي والذي بدوره أثّر على خصائص مولدات الرقم العشوائي.

التحقيق العلمي الهام الثالث هو العمل التجريبي الاخير للبروفيسور تيلر الذي اعتُبر أب فيزياء الطاقة الخفية. تيلر كفيزيائي متميز وبروفيسور فخري في جامعة ستانفورد، يبدو قد عثر صدفة على آلية فيزيائية اساسية بواسطتها يتفاعل وعي الانسان وربما حتى الحيوان  مع كل من المادة الحية وغير الحية. هو وصل الى نموذج نظري جديد لكنه تأملي مرتكز على تجاربه وفق "فكرة مغروسة بوسيلة الكترونية" حيث  يدّعي انه نجح في زرع "افكار ونوايا خاصة" في وسيلة الكترونية. هذه التجارب لو صمدت في اختبارات متكررة وبتوثيق مستقل فهي ستكون رائدة حقا ونذيرا لثورة علمية ثالثة. دراسات تيلر واسعة جدا ولدرجة لا تسمح بالتعامل معها كموضوع لهذه المقالة. لكن اولئك المهتمين قد يرغبون بالاطلاع على كتابه "بعض مغامرات العلم مع لغز حقيقي،2005". كانت الآلية التي يتفاعل بها ذهن ما مع آخر او يتاثر به  او بشيء آخر(تفاعل شبحي من بُعد) كما سماه اينشتاين لغزا مستمرا للمجموعة العلمية. هناك جمعية دولية للدراسة العلمية للطاقة الخفية وطب الطاقة مع مطبوعاتها،مجلة الطاقة الخفية التي اهدافها هي "تحقيق علمي في كل اشكال التفاعلات المعلوماتية والطاقية في الانظمة البايولوجية". تجارب تيلر تقترح ان الطاقات الخفية هي ايضا نوع من التفاعلات الالكترومغناطيسية، هو ادخل مفهوم  التفاعلات "المغناطيسية الكهربائية" لتوضيح ظاهرة الطاقة الخفية.

2- السؤال عن وجود محتمل للروح لا تفنى بعد الموت، ودراسة السؤال المتصل بالتناسخ الذي صُنف في التخاطر بـ "بحث البقاء". جمعية البحث النفسي في المملكة المتحدة ونظيرتها في الولايات المتحدة كانتا تحققان علميا في بقاء الروح بعد الموت منذ قرن، زعمتا الاتصال من وجودات لاجسمية عبر وسائط.

هل هناك أي صلاحية علمية للادّعاء باتصالات ما بعد الموت من "الجانب الاخر"؟. في عام 2003 في اجتماع جمعية الاستطلاع العلمي، عرض سكرتير لجنة بحوث البقاء في المملكة المتحدة تفاصيل لحالة جريمة ملفتة حُلّت في اغسطس من عام 2001 بعد 18 سنة،بعد استلام 125 قطعة من المعلومات الدقيقة المتصلة بالجريمة، يُزعم انها من ضحية ميتة. التحقيقات اللاحقة المرتكزة على تقرير وسيط قادت بالنهاية لإتهام المشكوك فيه. كذلك التقرير الرسمي لـ SPR(جمعية البحث النفسي) حول تحقيقات (سكوا) في المملكة المتحدة المنشور في ديسمبر 1999 أكّد حقيقة "وجود نطاق واسع للظواهر النفسية مثل الظواهر المرئية والسمعية واللمسية من فريق من "ارواح متصلة" عبر جماعة وسيطة. هناك مجموعة كبيرة من الاوراق البحثية والكتب تتعامل مع تجارب الاقتراب من الموت و تحقيق الادّعاءات المتعلقة بتناسخ الاطفال.

هل يمكن رفض كل هذا واعتباره غير علمي فقط لأنه من غير الممكن اكتشاف او قياس الروح الميتة باستعمال وسائل علمية او كتابة معادلة تصف تجارب الاقتراب من الموت؟. القضية المثيرة للاهتمام والتي تحتاج للتحقيق هي الوجود المحتمل للكينونات الوهمية التي اشير اليها في جميع الثقافات القديمة كالجن او الملائكة او اشياء سماوية. هنا مرة اخرى بالنسبة للثيوصوفيين ترتكز حقيقة هذا الموضوع على دراسات الاستبصار لـ  ليدبيتر و جيفري هودسن والتي اُخذ بها كمسلمات. العقلاني سيطرح سؤالا حول ما اذا كان هناك أي دليل علمي لكل هذا ام انه كله تلفيق تام من عمل الخيال؟ مع ان هذا السؤال يتجاوز نطاق هذه المقالة، لكن يجدر القول ان هذه الاسئلة جرى التعامل معها في العديد من الكتب الجديدة المنشورة في السنوات الاخيرة في هذا الموضوع.

أحد هذه الكتب ذات الفائدة للثيوصوفيين هو كتاب "الحياة السرية للطبيعة،1997" للكاتب بيتر تومبكنس، صاحب الكتاب الشهير "الحياة السرية للنباتات". مقدمة الكتاب الاول تبدأ بالاشارة لعمل بيسانت و ليدبيتر حول الكيمياء الغامضة ويستمر ليقترح ان بيسانت و ليدبيتر صحيحان جدا في وصف البناء المفصل للذرة.

استنتاج

هناك دائما عنصر من الحقيقة يمكن تحسسه مباشرة بمقدار اقل او اكثر وبمقدار من العمق عبر مستويات عليا من الوعي الانساني. هذا العنصر العالي للحقيقة يُشار اليه بالحقيقة الباطنية "inner reality". وبمقدار ما يتعلق الامر بالحقيقة الخارجية، يجب الاعتراف بانه بجانب الطريقة العلمية المعروفة،فان طريقة "العلم الغامض" في التصور الحدسي المباشر توفر فعلا طريقة بديلة ومكملة للحصول على المعرفة، رغم ان كل من هاتين الطريقتين لهما عيوبهما ومحدودياتهما. وهكذا حتى العقلانيين المشككين الذين يعتقدون ان لاشيء هناك يمكن معرفته اكثر مما يقدم العلم، اُجبروا على الإعتراف بان مختلف حقول التحقيق، أي العلم الغربي الحديث و العلم الغامض يسيران جنبا الى جنب مع الروحانية، ويكملان بعضهما البعض وكلاهما يكافحان لإعطاء صورة متكاملة للعالمين الخارجي والداخلي. وبهذا فان الحدود بين كلا المجالين من التحقيق "العلم" و "الروحانيات" تصبح تدريجيا أقل وضوحا.

 

حاتم حميد محسن

.......................

Bridging the gap between science and spirituality, Electronic Journal of sociology, ISSN: 1198 3655

للخبير سرينيفاسان (الرئيس السابق لقسم الطاقة الذرية الهندي).

 

 

 

علي محمد اليوسفتصدير: اللغة تجريد التعبير اللفظي عن المعنى الادراكي في مرجعية بيولوجيا العقل. فهل اللغة استعداد فطري موروث؟ ام هي نزوع انساني غريزي مكتسب بالتجربة الحياتية ومؤثرات البيئة والمحيط وقبلهما العائلة لغرض ادامة التواصل الدائم بين النوع الواحد البشرالذين يربطهم العيش المشترك؟

اللغة البيولوجيا والفطرة

نرى الامر واقعا انثروبولوجيا طبيعيا حينما نعتبر فهمنا اللغة البشرية على انها (موضوع بيولوجي)، رغم خاصية اللغة التجريدية الغالبة على البيولوجيا. على الاقل بما تذهب له النظريات العلمية في دراسة وظائف مكونات الدماغ. وليس مباحث الفلسفة على السواء التي ترى موضوع اللغة بالتفسير البيولوجي مصدره الرؤية الذاتية لاختراع تصنيع كل فرد لغته الخاصة به كسلوك مجتمعي في محكومية اشتراطات عديدة منها فطرية واخرى بيئية مكتسبة في تكوين ما يطلق عليه عالم اللغات جومسكي (النحو الكلي) الذي يجمع قواعد اكثر من لغة واحدة.

اللغة تولد استعدادا فطريا بيولوجيا عضويا ناتج تطور حنجرة الطفل الوليد الانسان باختلافها عن حنجرة الحيوان على مدى احقاب زمنية سحيقة في التطور الانثروبولوجي. فاللغة اخترعها الانسان تواصليا في تقليده اصوات الحيوانات والتي اختلفت عنها لدى الانسان على انها اصوات ذات معنى تواصلي محدد مع عدد من الاختلافات التي سنمر بها سريعا لاحقا في فرادة لغة الانسان.

ربما يذهب تفكير البعض ان صيحات انواع الحيوانات هي ايضا ذات معنى تواصلي يجمعها في درء الخطر عن نوع تلك الحيوانات وفي نداءات صيحات الحيوان من اجل اشباع غريزته الجنسية التي تكون عادة موسمية بخلاف عملية الجنس لدى الانسان التي تكون حاضرة على الدوام. وهو تساؤل وجيه والاجابة عليه ان تطور حنجرة الانسان الصوتية جعلته يهتدي الى اختراع نوع من الابجدية الصورية اللغوية بينما بقيت حنجرة الحيوان لا تمتلك الخاصية التعبيرية اللغوية في الوصول الى شكل صوري معين يحمل دلالة صوتية يفهمها النوع والسبب وراء ذلك ليس في انثروبولوجيا تطورات الطبيعة وانما السبب يكمن في ذكاء الانسان النوعي بما لا يمتلكه الحيوان..

الفرق بين لغة الانسان ولغة الحيوان

في مطالعتي مقالة الباحث مصطفى بن الزهرة على موقع كوكل نت خرجت بالتالي بتصرف مني: اللغة سواء عند الانسان او عند الحيوان انما تكون لاشباع رغبات وحاجات مختلفة يحتاجها الجسم. كما ان الرمزية الدلالية اللغوية اي الابجدية الصوتية تختلف بين الانسان كما هي تختلف عند الحيوان. فلغة العربي هي غير لغة الفرنسي، كذلك صيحات القرود هي لغة تختلف عن صيحات الاسود او النمور.اما عن الاختلافات بين لغة الانسان عنها عند الحيوان فيمكن اختصارها بالتالي:

- لغة الانسان مكتسبة من البيئة والمحيط بخلاف لغة الحيوان الفطرية الطبيعية غير المكتسبة. (طبعا هذا ينسجم مع وجهة نظري في متن هذه المقالة، ويقاطع تماما منحى التوليد الفطري الذي يربط الفعالية اللغوية بالسلوك النفسي اللفظي وملكة التوليد اللغوي التي يحوزها الانسان كخاصية بيولوجية عقلية.).

- لغة الانسان واعية بينما لغة الحيوان طبيعية عفوية. (الحقيقة الثابتة التي مررنا عليها تقول كما هي لغة الانسان قصدية لتحقيق هدف او اشباع حاجة غريزية كذلك هي عند الحيوان، والفرق لا يكون باللغة بل بالوعي الذكي. ولا يعني هذا ان الحيوان لا يمتلك وعيا بل يمتلكه بحد ادنى من خصائص ما يمتلكه وعي الانسان من خصائص متعالية تقوم على ذكاء العقل البشري).

- لغة الانسان ابداعية تتسم بالتنسيق الجمالي المفتوح على أطر وفضاءات وعي الحياة بينما هي عند الحيوان عفوية ساذجة. (لانعدام خاصية الذكاء والوعي بالزمن وفقدان الحيوان ملكة توليدية افكار لغوية تعمل على تطوير لغته).

- لغة الانسان متطورة بالتقادم الزمني بينما تكون لغة الحيوان لا تتقبل التطور لانها لا تدرك حاجاتها المستقبلية له . طالما انها تحقق هدفي التواصل النوعي في مجموعاتها وهدف التكاثر النوعي معا.

اصل اللغة انثروبولوجيا

اللغة في تطورها وصلت قبل 300 عام ق. م الى ابجدية مقطعية صورية وليست ابجدية حرفية (من الحرف) اخذت شكل تدوين صوري تفهمه مجموعة من الاقوام ولا تولد اللغة فطرية يمتلكها الطفل بالولادة كما هو الحال في امتلاكه الموروثات الجينية الاخرى التي توصل معرفتها علم اللغة واللسانيات وعلم النفس السلوكي..الا ان هناك فلاسفة وعلماء نفس يعتبرون اللغة استعداد فطري لتعلم اللغة وهو صحيح اذا ما كان مرادفا لا يعني الفطرة الموروثة خالصة كما في امتلاك ملكة العقل.

يعتبر التدوين الابجدي الصوري الصوتي في لغة السومريين والفراعنة والصين والهند يمثل بداية تاريخ دخول الانسان في مرحلة صنعه الحضارة الانسانية التي يرجعها علماء الانثروبولوجيا الى نهايات العصر الزراعي الذي بدأ 7500 ق.م وشهد بروز الاديان الوثنية. كما ويطلقون على تاريخ ما قبل التدوين هو تاريخ اللاتاريخ للاقوام البدائية (الاثنولوجيا) التي نعرف لاتاريخها غير المدون اليوم في اركيولوجيا الحفريات الاثارية وليس بالكتابة التي لم تمكن معروفة تدوينيا.

اعتقد اوضحنا التفريق بين اثنولوجيا الاقوام البدائية التي لا تمتلك بقايا كتابات بسيطة لذا تكون الحفريات الاركيولوجية هي الاساس الذي يعتمده المؤرخين في دراستهم لتلك الاقوام البدائية، بينما انثروبولوجيا العصر الزراعي امتازت بمعرفة ظهور الكتابة المسمارية في العصر النحاسي الاول يرافقها بروز الطقوس الوثنية الدينية.

نظرية جومسكي في النحو اللغوي الكلي

 اللغات التي اخترعها الانسان عبر العصور تجاوز المئات وربما تصل عشرات الالوف اليوم واكثر اذا اضفنا لها اللهجات العامية الخاصة بكل مجموعة بشرية حتى لو كانت صغيرة تعيش في كنف لغة شعب اشمل من لهجات الاقليات التي تتعايش معها. ولكل حرف في لهجة عامية او لغة شعب اكتسبت بمرور الاستخدام التداولي مجتمعيا قواعد نحويه ثابتة مستقرة لدى بعض الشعوب هو ابجدية صوتية مختلفة عن غيرها من لغات شعوب وامم العالم.

لذا اللغة وليد استعداد فطري يكتسب كامل تمام بنيته الابجدية وقواعده النحوية من العائلة والمجتمع ومراحل التعليم الدراسي وفي قراءة الكتب ليتوقف على نحو لغوي من القواعد والاحكام الصرفية والبلاغية ورسم دلالة الحرف الصائت وغيرها لا يشابه غيره في لغات اخرى.. ولا يمكن تداخل لغة مع اخرى بالاندماج في احتواء الاشمل للمحدود من اللهجات اللغوية. وهذا لا يشبه تداخل مفردات لغوية مع مفردات اخرى قد تقترب في الابجدية وتختلف بالمعنى، وربما العكس واردا.

واللغة ليست حوارا تواصليا سيسيولوجيا فقط عند اصحاب السعي نحو ايجاد نحو كلي جامع لاكثر من لغة واحدة في محاولتهم تسهيل قواعد بعض اللغات. ولا هي فعالية ادراكية تبدا بالحواس وتنتهي بالنفس كما تذهب له المدرسة السلوكية اللفظية الامريكية في علم النفس والتي يعتمدها جومسكي بتفرد نقدي خاص له عليها اطلق عليه القابلية الفطرية التوليدية في تعلم اللغة. بينما يرى الاخرون اللغة موضوعا بيولوجيا عقليا يرتبط بوظائف المخ وتخليقه الفكرالادراكي والوعي بالموجودات في صور تجريد اللغة التعبيرعن تلك المدركات.

إنكار بعض فلاسفة اللسانيات ان اللغة ليست تخليقا ادراكيا استبطانيا على صعيدي التعبير عن موضوعات الخيال ومخزون الذاكرة ولا في التعبير عن موجودات العالم الخارجي المادية وظواهره لكن هذا لا يلغي حقيقة العلم في تاصيل السمة العضوية البيولوجية لانتاج العقل للغة انثروبولوجيا. ولا يمكن فصل اللغة عن تفكير العقل. اللغة ليست ماهية فكرية مغلقة للعقل، بل هي خاصية انفرادية منفتحة للعقل. بمعنى اللغة ليست ماهية العقل الوحيدة بل هي إحدى خصائص العقل الانفرادية من مجموع خواص عقلية لا يمكن حصرها.

من المهم التنويه ان تفكير العقل استبطانيا جوانيا في مواضيع خيالية لا يختلف عن التفكير في تعبير اللغة عن المدركات الخارجية في العالم الخارجي. فالتفكير العقلي في كل احواله الادراكية المادية والخيالية هو تجريد لغوي يقوم على ابجدية الاصوات في شكلها الصوري الذي يتمثّل الاشياء والمدركات المادية في نفس آلية التعبير التجريدي الصوري لمواضيع الخيال والمادة على السواء.

بمعنى اللغة من حيث ايصالها المعنى في كتابة قصة بالادب هي نفسها اللغة المعبّرة عن وجود ازهار في حديقة. ففي الحالتين تكون اللغة تفكير عقلي تجسده اللغة من حيث الآلية التي تقوم على ثنائية الادراك الحسي والخيالي في التعبير اللغوي عن تلك المدركات..فمثلا حين يريد شخص وصف الحالة الجوية فهو يستعمل لغة تجريد هي نفسها في ابجدية تجريد كتابة رسالة من حيث آلية رصف الحروف والكلمات والجمل في التعبير عن المعنى. وطبعا من المحال ان تكون ابجدية لغة عربية هي نفسها ابجدية لغة فرنسية او انكليزية.

يرى عالم اللغات الفيلسوف نعوم جومسكي ان اللسانيات يجب ان تخضع كما هو العلم الطبيعي الى منهج التجريبية، وان اللغة ليس منشأها التوليدي البيولوجيا العضوية الناتجة عن تركيبات فسلجة وظائف اعضاء محتويات وتكوينات المخ في منظومة الخلايا العصبية التي هي فعل تخليق بيولوجي صادر عن بعض مناطق تكوينات المخ المرتبطة بخاصية كهربائية عصبونية تصدرها الخلايا العصبية كردود افعال استقبالية للمخ او ردود افعال انعكاسية صادرة عنه تجاه مدركاته.، وانما القول اللغة فعالية ادراكية تقوم على البصيرة التفسيرية وقوة نظرياتها وليس في امتثالها لقيود الفلسفة كما يرغب جومسكي ذلك. فهي مسالة تنسف الطريق المسدود الذي قطعته فلسفة اللغة ونظرية المعنى. طريق فلسفة اللغة المسدود هو في اعتبارهم النسق اللغوي هو نظام محايد يوازي واقع الحياة ولا يقاطعه.

ديكارت وماهية اللغة

كما يرفض علماء اللسانيات ومنهم جومسكي بيولوجيا اللغة التي تبدأ بوعي المدركات الحسية ومواضيع المخيلة الذاكراتية وتنتهي بعضوية بايولوجيا علاقة العقل بالجسد التي يجدونها علاقة معقدة ممثلة في تداخل السلوك النفسي للغة مع الخاصية التجريدية لتعبير اللغة عن العالم المادي والعالم الخيالي على السواء..

أي اللغة هي ليست محدودية ماهوية في تجريدها تفكير العقل وفي التعبيرلغويا عنه الذي وصفه ديكارت العقل جوهر غير فيزيائي ماهيته التفكير الادراكي في معرفة العالم الخارجي ولا تربطه علاقة تخارجية بالجسد. ديكارت عزل تفكير العقل اللغوي عن بيولوجيا الجسد الفاني. بمعنى موت الجسد لا يلغي خلود العقل غير الفيزيائي المجرد. هنا اعتبر ديكارت لغة العقل هي ماهية العقل في خاصية التفكير الخالد الذي لا يموت بموت الجسد.

هذا العقل التجريدي والذي تطلق عليه فلسفة اللغة الخطاب او اللوغوس. هو حسب توصيفات ديكارت العقل القائم جوهره على تجريد جوهر اللغة وليس على جوهر بيولوجيا العقل ذاته. وليس هناك من علاقة عضوية بيولوجية تربط تجريد اللغة بالمخ والاعصاب والحواس. اي اللغة ليست موضوعا بيولوجيا كما يقول به اليوم جومسكي وعلماء اللسانيات اللفظية السلوكية. هذا يقودنا الى أن اللغة آلية تقوم بها الحنجرة واللسان من دون مرجعية بيولوجيا العقل.

من المعلوم جيدا أن ديكارت يعتبر العقل هو الجوهر غير الفيزيائي الذي يلازم النفس بعدم الفناء وخلودهما (العقل والنفس) بعد فناء الجسم عضويا. ديكارت عندما يقول خلود (النفس) انما كان يقصد او لا يقصد مرادفها (الروح). والا لم يكن سقط في تعبيره النفس جوهر خالد. النفس رغم استدلالية التعبير عنها بالسلوك النفسي القصدي لاشباع حاجات بيولوجية بتجريد لغوي الا أن النفس موضوع بيولوجي يختلف عن الروح التي هي مفهوم ميتافيزيقي لا يمكننا التحقق منه.

النفس في علم النفس التجريبي ظاهرة استبطانية وجدانية تحكمها الرغبة في اشباع حاجات الجسم النفسية وترتبط عضويا تجريديا بالعقل وترجمة السلوك لها يمكن ادراكها ولا يعاملها علم النفس على انها روح خالدة كما يصورها لنا اللاهوت الديني. مصطلح الروح لا معنى له خارج التصورات الميتافيزيقية الغامضة التي تستوعبها بالحديث عنها وحسب وتعجز تفسير ماهيتها.

 ديكارت تغاضى عن معاملة النفس سلوكا فرديا ضمن مجتمع كما هو دارج في ابسط ادبيات علم النفس. والنفس ممكن اخضاعها لتجارب علم النفس كما تفعل العلوم الطبيعية بتجاربها وقال ديكارت بخلود النفس والعقل. كونهما جوهرين من التجريد الذي يفارق فناء الجسد العضوي.

الصوفية في الاديان الوثنية البوذية والهندوسية والزرادشتية لا يؤمنون بالخلود لذا نجد الحلول النفسي الصوفي في موجودات الطبيعة عندهم هو تجسيد النفس – الروح ولا فرق بينهما. مذهب وحدة الوجود يعتبر الحلول النفسي في موجودات الطبيعة هي تجسيد عظمة نظام الكون لا فرق ان يكون خالقا او مخلوقا. غالبا ما يستخدم صوفيي الاديان الوثنية تعبير الروح عوضا عن النفس رغم التعالق الازدواجي الذي يجمعهما.

تجزيء العقل بما يلغي ماهيته التجريدية اللغوية يلغي بيولوجيا العقل – الجسد، ويلغي بيولوجيا اللغة - السلوك. كما يلغي بيولوجيا العقل التوليدي للغة المكتسبة عن المحيط والاسرة ومراحل التعليم، والغاء العلاقة التوليدية اللغوية ان لا تكون لها رابطة بالفلسفة بل رابطتها الحقيقية بالبصيرة التفسيرية كما يذهب له جومسكي. وهي نظرية نراها تحتاج العديد من الاسانيد. (تنظر مقالتنا المنشورة على صحيفة اوروك بعنوان: نظرية السلوك اللفظي اللغوي ومواقع عربية عديدة).

اللغة جزء أو مبحث من مباحث علوم اللسانيات، والفلسفة كمنهج معرفي رغم احتشادها بمختلف شؤون المعرفة والطبيعة واللغة والحياة والانسان، مثل علم النفس، البيولوجيا، الانثروبولوجيا، والابستمولوجيا، والتاريخ، والوعي الفطري والوعي المكتسب والسلوك وغيرها من مباحث فلسفية يجعل من تواصل وشيجة اللسانيات بفلسفة اللغة اقوى من تلك التداخلات التي مررنا بها. بمحكومية جميع تلك التداخلات وغيرها هي مباحث متعالقة بالفلسفة في اوثق الاواصر منها فلسفة اللغة.

بعيدا عن اعتماد البصيرة التفسيرية وقوة نظرياتها بعيدا عن الفلسفة على حد تعبير جومسكي. البصيرة التفسيرية اضافة الى انها تنحو نحو الفردانية في الفهم الا اننا من المهم ان لا نجعل البصيرة النافذة تغلب على الوصاية العقلية في تفسير معنى اللغة وتعالقاتها بغيرها من حلقات منظومة العقل الادراكية.

البصيرة الحدسية التفسيرية لا يمكنها اختزال العقل في الادراك التجريدي الذي وسيلته الوحيدة هو تعبير اللغة. كما ان العقل يعامل اللغة على انها اصوات تعبيرية عن معاني الاشياء المادية وموضوعات الخيال التي يدركها.

صحيح الفلسفة ليست المنهج التقليدي الوحيد في تفسيره قضايا اللغة ومباحث علوم اللسانيات الا انها الارجح والاقرب اكثر من غيرها مثل اعتماد البصيرة التفسيرية وقوة نظرياتها بعيدا عن مباحث الفلسفة في فلسفة اللغة. البصيرة التفسيرية اضافة الى انها تنحو منحى الفردانية كما ذكرنا الا انها لا يمكنها اختزال ادراكات العقل في تجريد تعبير اللغة عما نريده. البصيرة التفسيرية حشد استقبالي لمعاني مدركات تعبير اللغة، بينما العقل هو تخليق عضوي بيولوجي للغة. ونحصل بالاخير على نتيجة موضوع اللغة بيولوجيا وليس موروثا فطريا.

فريدريك سكينر ومباديء السلوك اللفظي

 سكينر فيلسوف وعالم نفس امريكي 1904 - 1990 حاول دراسة ترابط علم اللغة بعلم النفس. وعمل استاذا في جامعة كامبريدج الامريكية. عضو الجمعية الامريكية للفلسفة. برز سكينر رائدا لهذا الاتجاه حين أصدر كتابه "السلوك اللفظي" وكان الكتاب يعتمد تداخل صوت اللغة مع السلوك اللغوي في مرجعية علم النفس في السعي الوصول الى اثبات عدة فرضيات نظرية فلسفية لغوية هي:

- تركيز الاهتمام بالظاهر الخارجي من اللغة (الصوت - الكلام) فقط ومعاملتها حالها حال أية ظاهرة سلوكية أخرى ترتبط بعلم النفس . 1

- اهمال دراسة المعنى اللغوي على إعتبار ان المعنى ليس مظهرا خارجيا يمكن النظر فيه والتحقق منه كموضوع مستقل بالمنهج العلمي التجريبي كما يجري في دراسة موضوعات ونظريات العلوم الطبيعية التي تقوم على التجربة. 2

هنا لا بد من التنويه أن علماء السلوك اللفظي اللغوي حين أهملوا جانب المعنى في اللغة، فهم جردوها من أهم مقوماتها وأهم اهدافها الحياتية المتفرعة عنها وهي عديدة لا حصر لها. في مقدمتها يأتي مهمة التواصل وتعطيل تبادل إكتساب المعرفة العلمية بانواعها وكذلك تعرية اللغة من قواعد النحو والصرف والاشتقاق وغيرها الخاصة بكل لغة مكتوبة تمثل خاصية انفرادية لشعب من الشعوب او امة من الامم.. في السعي نحو الوصول لما اطلق عليه جومسكي (النحو الكلي) الجامع لخصائص نحوية لاكثر من لغة واحدة.

ركز اللغويون السلوكيون على اللغة المنطوقة (الصوت – الكلام) واهملوا المعنى في اللغة المكتوبة إهمالا كبيرا، وصّبوا جلّ إهتمامهم على نظام اللغة الصوتي وإعتبروه المظهر الاساس باللغة. 3

كما إهتموا بالصوت كمظهر خارجي وحيد يمكن إعتماده بدراسة اللغة في مقارنتها بظواهر صوتية في لغات أخرى محاولين الوصول الى قواسم مشتركة تجمع بين لغات مختلفة في نحو توليدي خاص يجمع اختلافاتها النحوية ويعمل على تيسير سهولتها التداولية وهو ما يطعن الهوية الوطنية للشعوب التي تجد لغتها القومية الخاصة قد انصهرت وذابت في معترك ما يسمى النحو الكلي الجامع لاكثر من لغة.. لم يول(ي) علماء لسانيات السلوك اللفظي وفلاسفة الفطرة التوليدية في اكتساب اللغة كثير اهتمام أن اللغة كائن انثروبولوجي حاله حال الانسان بمجموعته الكينونية الموحدة يتطور ويتغير باستمرار.

جومسكي ومبحث النحو التوليدي

تلقى كتابات جومسكي في اللسانيات والسياسة ومختلف مباحث الفلسفة رواجا غربيا كبيرا في الجامعات الامريكية والعالمية، والشيء المهم انه انبرى العديد من علماء اللسانيات وفلاسفة العقل واللغة الدفاع عن سقطة جومسكي اعتباره اللغة فطرية بالكامل ويرجع له الفضل في اكتشافه النحو الكلي. ويفهم من هذا ان النحو التوليدي الجامع لأبجدية اصوات اللغات المختلفة كانت موجودة واكتشفها جومسكي ولم يخترعها من عنده وهي مغالطة اقبح من ذنب. ويعزو جومسكي سبب ايمانه بالنحو الكلي يعود الى استعداد فطري لدى الطفل في تعلمه اللغة. وتدارك بعض علماء اللسانيات الانجليز قولهم ان هذا المفهوم سبق لهم ان قالوا هم به.

لا اعتقد جرى في مباحث فلسفة اللغة التفريق بين الاستعداد الفطري لدى الطفل تعلم اللغة هل يعود لموروث عضوي تكويني في تمايز حنجرة الانسان وتوافقها الوظيفي مع اللسان في نطق ابجدية اصوات اللغة باختلاف عن الحيوان.؟

أم الاستعداد الفطري في تعلم اللغة الذي يؤيدونه جومسكي واتباعه انه لا علاقة عضوية بيولوجية تربط التعلم بالوعي العضوي العقلي، وانما يرثه الانسان كما يرث الخصائص الجينية الموروثة التي اكتشفها العلم؟ وعلى البصيرة التفسيرية حسب جومسكي تحقيق البرهنة في اكتشاف التفسير التجريبي حاله حال اجراء التجارب على اية قضية علمية.

إرجاع الاستعداد الفطري لتعلم اللغة الى ملكة تجريد صوتية غير عضوية خطأ سبق وان قال به ديكارت حين اعتبر ماهية وخاصية التفكير العقلي تجريد غير فيزيائي لا علاقة له بالعقل العضوي (المخ). وبنى على هذا الخطأ تصوره الخاطيء الآخر أن لا علاقة تربط بين ازلية جوهر العقل التفكيري وخلوده مع النفس ولم يقل الروح بعد مغادرتهما الجسم الفاني المتفسخ عضويا بعد الممات.

تعامل ديكارت قوله العقل والنفس جوهرين خالدين لا يفنيان بعد موت الجسم خطأ جسيم لا يفرق بين تجريدية الادراك العقلي الذي مرجعيته لا فيزيائية ولا عضوية – وهو محال – وبين ماهية العقل التجريدية لغويا في مرجعية تكوينه عضو بيولوجي يستقر في جمجمة الانسان ويفنى بفناء الجسم.

الحصيلة التي لم يتقبلها ديكارت تحت سطوة التماهي مع سلطة ونفوذ رجال الدين وقتذاك القرن السابع عشر أنه لا بد من التسليم بوجود خلود بعد الموت وفناء الجسد. فاختار ديكارت اهون الشرين امام اللاهوت الذي يرى الروح خالدة ولم يقل النفس. ولما كانت الروح مصطلحا لاهوتيا تقاطع نزعته العلمية التجريبية قال بالنفس الخالدة.

لا يوجد ما يثبت لنا ان العقل والنفس جوهران لا يفنيان بفناء الجسم. اللغة في جميع تحولاتها الاستبطانية في تعبيرها عن موضوعات الخيال وفي ادراكاتها عالم المادة الخارجي هي اولا واخيرا تجسيد لعلاقة عضوية تربط اللغة بتفكير العقل ولا حتى ترتبط بتفكير الذهن خارج تعالق الذهن بوصاية العقل عليه. البعض ينسب للذهن خاصية تفكيرية مستقلة ايضا لا علاقة عضوية تربطها بالعقل. وغالبا ما يعبّر عن الذهن هو العقل.

اكرر نفس العبارة التي سبق لي ذكرها ان اللغة ليست ماهية العقل الوحيدة بل هي خاصية عقلية واحدة من جملة ما لا يحصى من خصائص عقلية تربط علاقة الجسد بالعقل بيولوجيا.

فهم اللغة بدلالة علاقة العقل بالجسد

يصر جومسكي اعتباره اللغة ليست موضوعا بيولوجيا ويتغاضى عن حقيقة " ان الرؤية الذاتية للغة تدخله في حقل علم النفس – كما اشرنا له سابقا – وفي نهاية المطاف يدخل حقل علم الاحياء (البيولوجيا) ما يرتب على ذلك وجوب تحليل اللغة عن طريق منهجية العلوم الطبيعية التجريبية وهو ما لا يقبل به جومسكي "4

هذه الاشكالية التي ينكر طبيعتها المنهجية جومسكي يقودنا الدخول في معضلة علاقة العقل بالجسد "وكيف يستطيع ما هو تعريف – مجازي خيالي تجريدي للعقل لا مادي ممثلا بتفكير العقل اللغوي – تحريك ما هو مادي الجسد في تكويناته البيولوجية؟

امام هذه الاشكالية التي زامنت الفلسفة يعترف جومسكي بتشائمه من حل هذه المعضلة التعالقية بين العقل والجسد في توسيط اللغة. ويعزو الحل الى وجوب توفر امكانية التوصل لحل علمي متى ما يتحقق لنا التفريق بين استعمالنا اللغة كمقابل معرفتنا ماهية اللغة.

اود تثبيت الملاحظات التالية:

1- ارى ان تجريد اللغة من انثروبولوجيتها وجيناليوجيتها في التاصيل البيولوجي من تاريخ اختراع ونشأة اللغة، يقود الى العلاقة الاشكالية بين العقل والجسد. وعلاقة اللغة بالسلوك، وعلاقة النفس بالعقل، وجميع هذه التجليات الاشكالية تدور بالمحصلة حول المشكلة وليس الدخول في حل واف يستطيع البرهنة على ان اللغة استعداد فطري موروث وليس موضوعا بيولوجيا.

2- بنفس هذه الآلية في تاصيل اللغة بيولوجيا، بما يعزز مباحث علوم الانثروبولوجيا والتطور التاريخي للانسان، تحيلنا حل معضلة هيمنة العقل اللامادي على الجسد المادي وتجسيد ذلك انما يكون من خلال التعالقات الوظائفية بينهما ابرزها ان اللغة سلوك انساني وفهم ادراكي للعالم.

3- الفقرة الاخيرة التي تثير تشاؤم جومسكي في استغلاقها العصي على الحل هو ما لم يتم التفريق بين استعمالنا اللغة – اي بيولوجيا اللغة السلوكي – وبين اعتبار ذلك مرادفا لمعرفتنا ماهية اللغة، نجدها لا تمثل اشكالية فالاستعمال الوظائفي للغة هو الذي يمنحنا معنى اللغة بالحياة .

 

علي محمد اليوسف /الموصل

...................................

الهوامش:

 نعوم جومسكي: افاق جديدة في دراسة اللغة والعقل ترجمة عدنان حسين .

هوامش 1،2،3،4 الصفحات 19 - 21

 

علي رسول الربيعيتمثل الديمقراطية قمة للفلسفة السياسية، يرتبط فهمها ارتباطًا وثيقًا بمفهوم الاجتماعي. لذلك من المنطقي أن نسأل عن الديمقراطية في إطار الفلسفة الاجتماعية. لا يتعلق الأمر هنا بمسألة إلقاء الضوء فلسفيا على أسئلة محددة ومفصلة عن تصميم النظام الديمقراطي، بل بالأحرى بالأسس الاجتماعية الفلسفية للديمقراطية. وذلك من اجل فهم  ماتعبر عنه هذه الأسس للتواصل السياسي (الإجماع مقابل الخلاف)، ومعالجتها للتطورات العالمية الحالية (الدولة مقابل المجتمع العالمي) واستجابتهم للرقمنة (الرقمية مقابل التناظرية).

لقد أصبحت هذه المسائل أكثر أنتشاراليوم على خلفية القضايا السياسية الأكثر أهمية وراهنية. يبدو نموذج الديمقراطية غالبا في هذا السياق حتى يومنا هذا بوصفه أفضل شكل ممكن للحكم السياسي. ومع ذلك، فإن الظواهر السياسية والاقتصادية والثقافية الحالية تتحدى الديمقراطية كمفهوم نظري وكشكل من أشكال التنظيم السياسي. تتنوع هذه التحديات مثل: تعقيد التطورات الاجتماعية في مجال الرعاية الصحية سواء في دول العالم الراسمالي او الدول الاخرى القل تطورا، ظاهرة "المواطنين الغاضبين" الذين يعبرون عن خيبة أملهم من خلال في مظاهرات غاضبة؛ أو الجهود الكبيرة التي تبذلها أغلبية دول العالم لمحاربة الأزمة المالية واثرها على حياة الناس، حيث يبدو تأثير الدولة الديمقراطية خاضعًا للقيود الاقتصادية؛ وأخيرًا الاختلاف المتزايد بين المخولين باتخاذ القرارات والمتأثرين بالقرارات في ضوء المشكلات العالمية.

أدت كل هذه الظواهر إلى فتح  نقاش حول أزمة الديمقراطية. لكن لا ينبغي المبالغة في هذه المناقشات حول الأزمة، لأن تصور الأزمة قد رافق الديمقراطية لأكثر من 2000 عام، فهي  ربما جزء من مسار الديمقراطية نفسها الى حد ما. يميز ميركل[1] بين نموذجين قويين يمثلان، إلى حد ما ، أقطاب النقاش: نموذج الحد  الأدنى ويركز على الانتخابات الحرة والمتساوية، ونموذج  الحد الأقصى الذي يدمج سرديات العدالة الاجتماعية أو المواطنة النشطة أو المؤسسات في مفهوم الديمقراطية. ففي رأيه تكون نتائج الأزمة أكبر كلما زاد فهم الديمقراطية. واستنادًا إلى كلا النموذجين، لم يكن هناك عدد من الديمقراطيات المستقرة كما هو الحال اليوم. ومع ذلك، تكمن المشكلة في أن السكان عادة ما يكون لديهم مستوى عالٍ من الثقة في الإدارة والشرطة والقضاء فقط، في حين تتعرض المؤسسات الأساسية للديمقراطية التمثيلية (مثل الأحزاب السياسية) لانتقادات شديدة. تعمل الشعوبية بشكل خاص في أشكالها المختلفة حاليًا على تكثيف هذا النقد للديمقراطية. هذه خلفيات مهمة للنقاش الذي اثيره هنا.

إجماع أم نزاع

يتعلق أول تمييز مهم للفلسفة الاجتماعية بمسألة أي شكل من أشكال التواصل السياسي له أهمية خاصة في الديمقراطية. يلعب راولز وهابرماس من ناحية، ومن ناحية أخرى، الديموقراطيون الراديكاليون مثل شانتال موف أو بتلر دورًا مهمًا في هذا. حيث يمكن لأفكارهم (على سبيل المثال المصممة أيديولوجيًا) عن الحياة الخيرة أن تكون جزءًا من العملية السياسية. كان راولز قد حدد بالفعل حقيقة التعددية كنقطة انطلاق لفلسفته، لكنه طالب بعد ذلك بأولوية الحق والعدالة على الخير، وبالتالي لم يأخذ في الحسبان الأفكار التعددية للخير أو الحياة الناجحة. إن السمات المركزية للاستخدام العمومي للعقل بالنسبة لراولز،على هذه الخلفية، هي المعاملة بالمثل والفهم العام للقناعات المقدمة.

إن المذاهب الشاملة أو وجهات النظر العالمية، بالنسبة لراولز، هي تعليمات للحياة الخيرة، لا يمكن استخدامها علنًا  أو في المجال العام إلا إذا اجتازت مرشح العقل العملي وقبلت أولوية الحق على الخير.[2] لا يمكن للمذاهب الشاملة أن تساهم بشيء ما في الخطاب السياسي إلا إذا كانت قد مرت بعمليات ترجمة مناسبة. إن رؤى العالم التي لا تريد الالتزام بحد الاستخدام العام للعقل "أو غير قادرة على التعامل معه، لا تستطيع أن تلعب دورًا نشطًا داخل مجتمع منظم جيدًا".[3]

يرى راولز أنه يمكن أيضًا أن ندع المفاهيم الاجتماعية للعدالة تتأثر بالعقائد الشاملة، لكن ينبغي تجريدها من ذلك في الخطاب العمومي ، ايً الخطاب في المجال العام. لذلك يطالب راولز بالطبيعة الملزمة لعقد افتراضي من وجهة نظر غير حزبية ويطالب بالاحترام المتبادل في الخطاب العمومي، حيث يدين جميع المواطنين لبعضهم البعض بأسباب لتفهم لمعتقداتهم بشكل عام. فالمداولات الديموقراطية، بالنسبة له، تهدف إلى إعطاء وأخذ الأسباب التي من المحتمل أن يفهمها جميع الناس وتمثل الإجماع المتداخل أو توافق الآراء المتداخلة بين هذه المواقف.

هناك أمورًا مركزية مشتركة بين راولز وهابرماس في هذا السياق حتى لو اختلفت مقارباتهما في العديد من النواحي. يدعو هابرماس على أساس أخلاقيات الخطاب التي تم تحديدها بالفعل ، إلى تبادل معقول للحجج في المجال السياسي أيضًا ، والتي تنشأ من مفهوم العقل التواصلي. أظهر هابرماس في العديد من الكتابات كيف يمكن تطبيق هذه الرؤية الفلسفية سياسيًا. إن الديمقراطية التداولية هي الشعار الذي يقف فوق هذه الاعتبارات. يريد عند القيام بذلك ، أن يميز نفسه عن المواقف الليبرالية التي تؤكد على البعد الاجتماعي بشكل ضئيل للغاية والتي من الواضح أن السياسة فيها لا تضع في الاعتبار سوى حماية أو إنفاذ المصالح الخاصة.

تسعى الديمقراطية التداولية، في المقابل، إلى إضفاء الطابع المؤسسي على عمليات الرأي وصنع القرار، والتي يشارك من خلالها أكبر عدد ممكن من الناس في المجتمع في المناقشات حول المسائل الحاسمة للعيش المشترك. يضمن المجال العام الطبيعي و العفوي واللامركزي تعددية الآراء. يتبنى هابرماس عند القيام بذلك، أيضًا، أفكارًا براغماتية من حيث اهتمامه بتنوع الممارسات الاجتماعية التي تشكل أساس العمومي، وبالتالي للحوار والتفاوض السياسي.[4]

إن الهدف من مثل هذه الإجراءات هو إجماع معقول ومتولد بشكل تواصلي. إن هذه هي الطريقة الوحيدة، بالنسبة له،لإضفاء الشرعية على القرارات السياسية من أجل تعايشنا وحث الناس على دعمها في بيئتهم المعيشية. يغير هذا شرعية الإجراءات الديمقراطية في نهاية المطاف أيضًا. لا تعني الديموقراطية - حسب هابرماس - فقط أن السياسيين المنتخبين يالذين تحكمون في العمليات الاجتماعية ، بل تعني اعتبارًا خاصًا للمجتمع المدني أيضًا.

"فلم تعد قدرت العملية الديمقراطية على إضفاء الشرعية وحدها، ولا حتى في المقام الأول، من المشاركة والتعبير عن الإرادة، ولكن من الوصول العام لعملية تداولية" التي تسمح بتوقع نتائج مقبولة عقلانيًا. يغير هذا الفهم النظري لخطاب الديمقراطية المتطلبات النظرية لشروط شرعية السياسة الديمقراطية.[5]

إن مثل هذا الفهم للسياسة القائمة على أخلاقيات الخطاب هو ماينكره الديمقراطيون الراديكاليون. ترتبط في هذه النظرية، التي تتبع بالمعنى الأوسع فلسفة هيجل الاجتماعية، خطوط مختلفة من التقاليد مثل  عناصر من ماركس أو أنطونيو جرامشي أو دريدا. تمثل النظرية الراديكالية للديمقراطية، في المناقشة الحالية، نقيضًا مهمًا للنظرية الليبرالية للديمقراطية، وسنبين  من خلال النظر في اقتراحات موف كمثال.

تتميز الديمقراطية، في تفسير موف، بطبيعة متناقضة لا يلتقطها التيار الليبرالي السائد. المفارقة هي أن الديمقراطية تجمع بين وجهين متعارضين ظاهريًا، وهما الحرية الفردية ومبدأ المساواة. وتعتبر أن التوتر بين الجانبين لا يمكن التغلب عليه حيث يمثل  وفي الوقت نفسه قوة دافعة مركزية للديمقراطية.

طورت موف جنبا إلى جنب مع إرنستو لاكلو أساسًا اجتماعيًا فلسفيًا لاعتباراتهم الديمقراطية النظرية في وقت مبكر من الثمانينيات.[6] يظهرالمجتمع فيها كشكل معقد من الخطاب،ويبدو هنا تاثرهم بمنهج  فوكو التحليلي للخطاب. لا ينشأ المعنى، بالنسبة لموف، من خلال الإشارة إلى العالم الخارجي، ولكن في الخطابات الاجتماعية والسياسية فقط. فالخطاب هو مجموع اجتماعي يتغير ديناميكيًا باستمرار. إنهم يعتقدون بسبب هذه الديناميكية وعدم القدرة على تثبيت المجتمع على معنى واحد، أن المجتمع دائمًا غير مستقر وهش. لهذا السبب توجد دائمًا حجج جديدة حول ترسيخ أو تثبيت الخطابات؛ وهذه هي السمة المركزية للسياسة.

تشرح موف هذه الاعتبارات من خلال اللجوء إلى الفلسفة السياسية ونظرية كارل شميت تحديدا، أحد أكثر الفلاسفة الاجتماعيين إثارة للجدل في القرن العشرين. فالسمة المركزية للسياسة بالنسبة لشميت، هي التمييز بين الصديق والعدو. فيتشكل المجتمع من خلال الهويات الجماعية التي تستبعد بعضها البعض بالضرورة وبالتالي تتقاتل. ينتقد شميت الليبرالية لأنها: أولاً، تركز كثيرًا على الفرد وتتجاهل تلك الهويات الجماعية، وثانيًا، تبالغ في تقدير إمكانات الاتحادات الاجتماعية.[7]

تتعاطف موف مع فهم الديمقراطية بوصفها تعددية فيما يتعلق بالنضالات السياسية، لكنها أنتقدت شميت ايضا لأن تميل أعتباراته نحو شكل شمولي للمجتمع. هذا هو السبب في أنها تدعو إلى التحول من العداء إلى نوع من الخصام بوصفها نظرية سياسة تؤكد على الجوانب الإيجابية المحتملة لأشكال معينة من الصراع، وتسعى لإظهار كيف يمكن للأفراد قبول هذا الصراع وتوجيهه بشكل إيجابي.  فترى أنه في الديمقراطيات يمكن محاربة المواقف بديلا عن مفهوم العداء؛ حيث "لكل فرد الحق في تمثيل مواقفه بشكل قوي وعاطفي. فيكون الخصم هنا عدو شرعي، يقبله المرء على الأقل موجودًا و إنه جزء مبررمن النضال السياسي.

تنتقد موف، مع هذا المفهوم للديمقراطية الراديكالية،الفهم الليبرالي للديمقراطية. فمن وجهة نظرها ، يرى مفكرون مثل هابرماس أن القليل جدًا من السياسة هو ساحة للنضال العام. إنها لا تفهم هذا الصراع على أنه صراع بين الأفراد، ولكنه صراع داخل حقائق خطابية، أيً بين علاقات القوة/ السلطة المنظمة بشكل  خطابي.

وتوجه موف نقطة ثانية من النقد إلى المفكريين الليبراليين: أذ تتجاهل النظريات الليبرالية للديمقراطية، في رأيها، الروابط داخل المجتمع. إنها تؤكد على غرار فالزر،[8] على لحظة العاطفة، التي تفسرها بوصفها محرك للعمليات الديمقراطية. "تتمتع السياسة دائمًا  ببُعد من الحزبية العاطفية وهذا بالضبط ما هو مفقود في تمجيد للديمقراطية غير المتحمسة وغير المتحيزة اليوم ".[9] تدور نظريات الديمقراطية الراديكالية حول نقد أساسي للفهم الليبرالي للعقل. فيشير المفكرون ذوو الطابع الليبرالي، وفقًا لتقدير موف، إلى مفهوم شكلي ولكنه قوي للعقل الذي يريد ربط التعددية الاجتماعية بالوحدة. وضرب هابرماس مثلا على ذلك أيضًا من مفكرين ما بعد الحداثة مثل Wolfgang Welsch ، الذي "يريد أن يربط التعددية بالوحدة، على الرغم من أنه لم يعد قادرًا على كشف كيف  أنه مازال من الممكن تصور هذه الوحدة".[10] وهكذا يتم دفع تعددية الآراء الاجتماعية (على أنها غير معقولة) إلى المجال الخاص. يمكن تمثيل ذلك من خلال اعتبارات هابرماس حول المجتمع ما بعد العلماني، حيث يعتبر المعتقدات الدينية مبهمة وبالتالي يتم تفسيرها جزئيًا في البيئة الأخلاقية الخاصة.[11] تسير تأملات راولز حول التعاليم الشاملة في اتجاه مشابه جدًا. تعكس هذه الاعتبارات مرة أخرى من منظور الديمقراطية الراديكالية ،انخفاضًا في قيمة التعددية، والذي يرتبط أيضًا بالتمييز الليبرالي (الذي يجب انتقاده) بين الخاص والعام.

إن هذا له تأثير أيضا على مسألة البُنى الديمقراطية العالمية. بينما يؤمن المفكرون التداوليون بالحجة العقلانية لبناء مؤسسات عالمية مشتركة، يركز آخرون مثل موف على أهمية  الأخذ في الحسبان  الخلافات والنزاعات بين مختلف الجهات الفاعلة على المستوى العالمي وفي مناطق محليًة.[12] ومن الأمثلة على ذلك تركيزهم على تعددية النماذج الديمقراطية في مناطق مختلفة من العالم.

تشير العديد من مناهج الديمقراطية الراديكالية، من الناحية الفلسفية، إلى دريدا. حيث يفسر الديمقراطية التوافق مع تفسيره للقانون كشيء قادم، فيصفها بأنها "ديمقراطية قادمة".أيً  يشير " إلى إمكانية جذرية لانتقاد وإعادة صياغة العلاقات السياسية القائمة. فالديمقراطية وعد يجب خلقه وتجديده مرارًا وتكرارًا في الخطاب الاجتماعي. فتعني قادمة أن الديموقراطية رؤية تتغير أو تتجدد من قبل الناس كل يوم. شيء يجب العمل من أجلها. هناك ضرورة ملحة لأن العمل على الديمقراطية القادمة لا يمكن تأجيله.[13]

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

............................... 

[1] Merkel, W .: Is the crisis of democracy an invention? In: Reder, M./Cojocaru, M.D. (Ed.), Future of Democracy: End of an Illusion or Departure to New Forms? Stuttgart 2014, 25-46

[2] Rawls, J.:Political Liberalism, ‎ Columbia University Press; 2005,133-135.

[3] Wallner, J .: Rawls and Religion. On the legal conception of religion in the work of John Rawls. In: Austrian Archives for Law and Religion (50 / 3-4), 2003, 554-587.

[4] Nida-Rümelin, J .: On the philosophy of cosmopolitanism. ln: Journal for International Relations (13/2), 2006, 227-234.

[5] Habermas, J.:The Theory of Communicative Action, Volume 2: Lifeworld and System: A Critique of Functionalist Reason.

[6] إرنستو لاكلو ، شانتال موف: الهيمنة والاستراتيجية الاشتراكية،ترجمة، هيثم الناهي، المنظمة العربية للترجمة، 2016.

[7] Mouffe, C.:On the Political, ‎ Routledge,2011. 

[8] Walzer.M.: Spheres Of Justice: A Defense Of Pluralism And Equality,Basic Books, 1984.

[9] Mouffe, C.:On the Political, ‎ Routledge,2011. 40-41.

[10] Welsch, W .: reason. The contemporary critique of reason and the concept of transversal reason. Frankfurt / M. 1995.139.

https://ecommons.cornell.edu/handle/1813/54

https://ecommons.cornell.edu/bitstream/handle/1813/56/Welsch_Reason_traditional_and_contemporary.htm?sequence=1

[11] https://socialtheoryapplied.com/2015/05/14/awareness-missing/

[12]https://philpapers.org/go.pl?id=MOUWWO&proxyId=&u=http%3A%2F%2Fwestminsterresearch.wmin.ac.uk%2F6633%2F1%2FMouffe_2008_header.pdf

[13] https://ces260jh.files.wordpress.com/2013/01/derrida-rogues-two-essays-on-reason.pdf

 

مجدي ابراهيملم يكن "ديكارت" ببعيد عن الصواب حينما أراد أن يمثل لمبدأ العقل بمجاز الشمس؛ لتشبيه مبدأ العقل كمبدأ أولي لكل العلوم؛ كالشمس في إشراقها وإشعاع نورها على الأشياء لتضيئيها؛ فكما تطل الشمس على العالم لتنيره فكذلك نور العقل يطل بإشراق المعارف ويقول "ديكارت" في كتابه قواعد لهداية الذهن، أو قواعد لتوجيه الفكر: "إذا أراد أحد أن يبحث عن الحقيقة؛ فيجب عليه ألا يدرس فكراً خاصَّاً؛ لأن العلوم جميعها متحدة فيما بينها، ويرتبط بعضها ببعض. واختلاف الموضوعات أمرٌ عرضي والضامن لمعرفتها واحد وهو وحدة العقل والحقيقة". فهذه الوحدة العقلية إنما هى نور العقل الذي هو كالشمس في إشراقها تطل على العالم لتنيره، وكذلك يطل العقل بنوره بالعلوم والمعارف فيكشف وحدتها وينير غسقها ويجمع شتات ما تفرّق منها ويلم جزئياتها وتفاصيلها تحت مبدأ كلي معرفي عام. 

ــ المراجعة منهجُ فلسفي:

وربما جهل كثيرون أهميّة المراجعات الفلسفية من طريق جهلهم بتطبيق القاعدة الرابعة والأخيرة من قواعد المنهج الديكارتي؛ الأمر الذي لفت انتباه المفكرين المعاصرين إلى خلوّ الساحة القلمية الفكرية من أمثال هذه الدراسات، وكشف كتاب المفكر البارز الدكتور عصمت نصّار، أستاذ الفلسفة الإسلامية والفكر العربي بآداب القاهرة : "مراجعات فلسفية في الفكر العربي الحديث" (الصادر عن دار نيوبوك للنشر والتوزيع في طبعته الأولى بالعام 2018م)، عن هذه اللفتة الغائبة، فصدّر مقدّمة كتابه بتصدير وافٍ عن مصطلح المراجعات، إذْ قال: لم يشغل مصطلح المراجعات الفلسفية (Revisions Philosophy) موقعه الذي يستحقه على مائدة البحث الفلسفي، ولم تدرجه معظم المعاجم المتخصصة ضمن موادها. وذلك على الرغم من عنايتها بالمصطلحات التي انبثقت منه أو احتواها في جوفه، مثل الشرح والتفسير والتأويل والتأكد من سلامة أسس المناهج والرؤى النقدية للقراءات المعاصرة؛ فجميع تلك المصطلحات لا تعدو أن تكون ماصدقات لمفهوم المراجعة" (ص 11).

وراح يشرح منزع النهضويين والمجددين من الفلاسفة بداية من "هيرقليطس" إلى "جاك دريدا"، وتوكيدهم على أن القيمة الحقيقية للعقل تكمن في قدرته على المراجعة الحرة؛ ولأن العقلية الناقدة هى وحدها العقلية القادرة على المراجعة حتى إذا وجد العقل كان النقد ضرورة لازمة له، يأتي بمنأى على أية سلطة سابقة حدّدت معاني الكلمات وفسّرت العبارات وأوّلت النصوص ووجهت القراءات.

يعمل النقد بمعزل عن السلطات، وهو لا يعمل إلا بمراجعة فاحصة متأملة.

وتعرّضت المقدّمة التي تصدّرت كتاب "مراجعات فلسفية" إلى قواعد فرنسيس بيكون وديكارت؛ وهما ينشدان العلماء بضرورة تطبيق آلية المراجعة، لاختبار معارفهم ومشاهداتهم. فمن الواجب مراجعة ما علق في الذهن من معارف وأخبار ومعتقدات قبل الشروع في تأسيس المعرفة العلمية على أسس حقيقية مستمدة من الواقع؛ فالعقل البشري أشبه بالمرآة التي لا تقوم بوظيفتها كاملة إلا إذا تم صقلها صقلاً تاماً حتى تزول عنها الأوساخ ثم توجيهها التوجيه المناسب نحو الضوء؛ الأمر الذي يمكنها من ظهور الشيء المراد رؤيته ظهوراً كاملاً على سطحها.

وهذا ينطبق على العقل؛ إذ يجب أولاً أن يبدأ الإنسان بتطهير عقله ممّا علق به من أوهام (كأوهام الكهف، والجنس، والمسرح، والسوق) التي حدّثنا عنها "بيكون"، والتي من شأنها أن تعوق تفكير العقل السليم حتى يمكنه التوجه نحو المعرفة اليقينية؛ ثم يمُكن العقل صاحبه من المعرفة الصحيحة بالفعل. وتكمن المراجعة في عمليتي تنظيف المرآة حتى لا ينعكس على سطحها أشياء غير موجودة في الواقع بفعل ما حاق بها من فساد، ثم مراجعة المعارف الذهنية المتوهمة التي أختزلها العقل دون تدقيق أو نقد أو شك.

للمراجعة ممّا لا شك فيه دور فاعل مُؤثر، وبالغ التأثير، في مجال كشف الحقيقة. وهى عند "بيكون" المدخل الرئيس الذي لا غنى عنه للوصول للحقيقة العلمية، والآلية الأقوم لتنقية الذهن من أوهامه.

وكما حدثتنا مقدمة كتاب "مراجعات فلسفية" لمؤلفه الدكتور عصمت نصار، عن "بيكون"، تحدثنا كذلك عن "ديكارت" بفحص ثلاث كتب منهجية (مقال في هداية الذهن، والتأملات، ومقال في المنهج) يتبيّن من خلالها وجوب مُراجعة المعارف الذهنية التي اختزلها العقل من الموروث الثقافي أو المعارف الحسية أو المقولات الذهنية غير المتسقة؛ وذلك عن طريق الشك في مصداقيتها ثم نقد سياقاتها من طريق خطوات أربعة: 

ــ أولها: عدم قبول الغامض والملتبس والمعتم من المصطلحات والأفكار والمعتقدات، وقبول ما هو واضح ومتميز بذاته، أي بديهي. ومعنى كلمة بديهي هنا أنها موصولة بالحدس؛ فكل ما هو بديهي إنما هو نتيجة حدس.

والحدس ـ كما علمنا فيما تقدّم ـ مرحلة أولية يأتي بعدها الاستنباط العقلي، ثم تحليل مضمون ما سلمنا بصحته من الأفكار، ثم إعادة ترتيبه.

ــ وأخيراً : مراجعة ما استقر العقل على صحته من حيث الشكل والمضمون، ثم إحصاء الأفكار الصحيحة وإدخالها ثانية في الذهن باعتبارها معارف معقولة وأقرب إلى اليقين منها إلى الشك. يقول "ديكارت" : لا أستطيع عندما يكون لديّ سلسلة من الروابط أن أحدّد بدقة إذا كنت أتذكرها كلها، لذلك يجب عليّ أن أعيد النظر فيها مرات عدّة بحركة ذهنية متصلة من حركات الفكر حتى إذا تصورت إحداها بالحدس والبديهة انتقلت منها إلى غيرها ... وهكذا إلى أن أتبين كيف يمكنني الانتقال من رابطة إلى رابطة بسرعة لا تدع مجالاً للذاكرة فأحصل بمثل هذا على حدس للكل في وقت واحد" (ص12من الكتاب المذكور).

ويقول في كتابه "مقال في المنهج" عن القاعدة الرابعة التي ذكرناها فيما تقدّم : أن أعمل في جميع الأحوال من الإحصاءات الكاملة والمراجعات الوافية ممّا يجعلني على ثقةٍ من أنني لم أغفل شيئاً يتصل بالمشكلة المعروضة للبحث" (ص 12).

ويحدّثنا في كتابه "التأملات" عن المراجعة باعتبارها ملكة ناقدة قادرة على الاستقصاء والتحليل والوصول إلى الحقائق متسقة الأجزاء، وتكشف في الوقت نفسه عن علة الأخطاء التي يمكن للذهن أن يقع فيها بفعل السلطات السائدة أو المعارف الزائفة. ويضيف "ديكارت" أن عملية الإثبات أو النفي والحكم على الأفكار التي يحتويها الذهن لا يمكن وقوعها إلا بإرادة حرَّة؛ فيقول :" لكي نثبت أو ننفي الأشياء التي يفرضها الذهن، ولكي نقْدِم عليها أو نحجم عنها، علينا أن نتصرّف بمحض اختيارنا دون أن نحسّ ضغطاً من الخارج يُملي علينا ذلك التصرّف". فحرية الإرادة من أجل هذا ركيزة أساسية من ركائز حركة الذهن في البحث عن الحقائق.

وصفوة القول : إنّ "ديكارت" لم ينظر لقاعدة المراجعة على أنها آلية للتأكد من صحة خطوات منهجه؛ بل كان أشمل وأوسع؛ إذْ جعل المراجعة الركن الرئيس لإثبات صحة الحكم والاستنتاج والاستنباط وإزالة اللبس والغموض من مفاهيمنا وأذهاننا؛ لكأنه يريد يقول إن في المراجعة رؤية يجب التنبه إليها، وذلك إذا ما توافر فيها خصائص هى : الأناة والرويّة، والشمول والإحاطة، والنظام والترتيب (ص :13).

ــ تكوين الرؤية الخاصّة:

يلزم للباحث العلمي في مجال العلوم الإنسانية؛ إذا هو طبق قواعد المنهج الفلسفي، أن يستخلص من وراء هذا التطبيق رؤية خاصّة. فقد سبقت الإشارة إلى أن جوهر البحث العلمي يكمن في إضافة الجديد واقتحام المجهول، وما دون ذلك ركود يتنافى مع المنهجية العلمية. وماذا عساه يكون الحال فيما لو كان البحث بحثاً فلسفياً، له شروطه وخصائصه في فحص المقروء والمكتوب؟

ولا جرم في أن منهج العلم يواجه الذات (ذات الباحث) ويعلو عليها، ويفرض قيوده صارمةً في خطواته المنهجية على البحث العلمي في سبيل الموضوع إذا كان يريد كشف الحقيقة وتكوين رؤية خاصّة بصاحبها؛ يتبيّن من خلالها تطبيق قواعد المنهج العلمي. وعلى هذا الأساس؛ لا يعرقل مسيرة البحث العلمي لدى الباحث المنهجي بما فيه من بعد أكاديمي غير كونه يركل الموضوعية منذ بداية طريق سيره في المنهج، ويظل يعبد مُقدِّساً ما يسمى بالبعد الذاتي، مع أن هذا الأخير ضرورياً في اختيار موضوع البحث والرجوع إلى ما يقرّره النص من مضمون يتفاعل مع الذات الباحثة؛ ليكوّن ـ من ثم ـ رؤية خاصّة بذات الباحث.

لكنه غير ضروري في بداية الطريق وغير ضروري أيضاً في إضفاء البعد الذاتي قبل موضوعية العلم؛ فيما لو أردنا تطبيق قواعد المنهج الفلسفي كما تبينت لنا فيما سبق؛ لأن العلم الذي يتعارف عليه مجموع الباحثين، لم يعد يعترف بأبعاد الذات بقدر ما يُخلي تماماً بينه وبين كل نزعة ذاتية أولية كشرط من شرائط الكشف عن الحقيقة في أول الطريق. وليس هنالك ما يشفي غُلة باحث سوى التسليم بضوابط البحث العلمي والفلسفي المتعارف عليها.

ولأجل هذا؛ كان من البديهي لكل بحث علمي جيد من أمرين : ترتيب المقدمات ترتيباً منطقياً خالياً من الخطأ والتشويش يسهل عليك وعلى كل ناظر بعدك إلى موضوع كموضوعك أن يستنتج النتائج من تلك المقدمات في صورتها الأخيرة.

ثم التنزه التام عن الأغراض والأهواء بدفع الشبهات؛ لأن الانقياد إلى الغرض مرض، وتحكيم الهوى في البحث العلمي باطل لا محالة، يخفي حقيقة ما عساه يتوصل إليه الباحث من نتائج أسفرت عنها مقدمات. وهو عينه المراد بالتخلي عن النزعة الذاتية وشوائب التعصب قبل الأخذ بالموضوعية الأمينة لمعالجة القضية التي يكون الباحث بصدد البحث فيها.

ولعلّ أهم السمات الخاصة ـ ولو فيما نراه نحن ـ بالباحث الأصيل، ذلك الذي ينفرد بين فئة الباحثين بقدرة الرد والتمحيص وقدرة الإقناع الشافي فيما يتصل بالمسائل التي يكثر فيها الخلاف، وتنشب حولها اضطرابات الأخذ والرد، والقيل والقال؛ هى أن تكون له مقدرة بالغة على خوض غمار البحث ومشكلاته، ولا يكون ممن يبحثون ولا يعيشون أبحاثهم وموضوعاتهم بأعصابهم ودمائهم، فتأتي أبحاثهم من غير باحثين رؤية وتحليلاً. فليس يكفي أن أحشد كماً هائلاً من الفقرات والنصوص في موضوع اخترته للبحث فيما هو أمامي من ركام الآراء والمذاهب لأستخرج منها جديداً صالحاً للقبول، وأرفض ما قد تجاوز بحكم الزمن صلاحية القبول. وهذه ظاهرة غريبة تشيع في الدراسات الفلسفية على التعميم، وفي الفلسفة الإسلامية على وجه الخصوص : تكرارٌ مع اجترار سافر، وقلة هضم تدل على ضعف العقل من أول وهلة؛ ناهيك عن التقليد والمحاكاة وعدم القدرة على مجاوزة ألفاظ النصوص وحرفيتها.

ومن المؤكد أن النصوص بالنسبة لمجال الدراسات الفلسفية والإنسانية كالمواد الأولية الخام بالنسبة لمجال العلوم الطبيعية، لا يمكن لباحث أن يتخطاها. ولكنها مع ذلك هى جامدة صماء لا تنطق بذاتها إلا إذا استنطقها الباحث بمنهجيته وترتيب فكرة في الذهن عنها واضحة. هذا الاستنطاق للنصوص ومحاولة الحفر الدائم في أغوارها هو الذي يشكل رؤيته الباحث الخاصة لها. فليس من رؤية بدون تأمل وتفكر واستبصار. 

وإنك لتجد أكداساً من الكتب والدراسات لا تقدِّم جديداً فيما يُراد منه من مفهوم "الرؤية الخاصة" عن طريق منهج الحفر في النصوص، وتحليل المشكلة إلى عناصرها الأولية وأجزائها البسيطة كما نبهنا عليه "ديكارت" من كتابه مقال في المنهج، في قاعدته الثانية (قاعدة التحليل العقلي). ثم استخراج الرؤية الخاصة بذات الباحث بعد التحليل ثم التركيب ثم المراجعة والتنقيح. ولكن كل ما تراه هنالك مجموعة من النصوص والنقولات رُصت رصاً غير مضبوط بمنهج ـ أياً كان هذا المنهج ـ يُراعى فيه كشف حقيقة النقطة البحثية أولاً؛ والرؤية الخاصّة ثانياً، وافتقرت من ثم إلى طريقة التحليل والتقسيم والتنظيم والتركيب والمراجعة، ثم الوقوف أمام النصوص والفقرات بدايةً وقفة الناقد الممحص (لا وقفة الناقل المقلد) يقبل ما يراه صالحاً للقبول وفق مبادئ بديهية، ويرفض ما يتجاوز بحكم الزمن أو بحكم التقليد كل السلطات التي تقيّده وتفقده صلاحية القبول.

ولأجل هذا، لا يكون مصير تلك الأكداس المتراكمة والأبحاث التي ليس منها جدوى، غير الركون المهمل على رفوف المكتبات.

إنما الباحث الحق هو الذي ينفرد بين فئة الباحثين بالرؤية التحليلية ولا ينفرد بجمع المادة العلمية أو نقل النصوص من أصولها، أو من غير أصولها، (أعني نقلها من باحثين سابقين عليهم نقلوا بدورهم مثل هذه النصوص وتركوها مهجورة بغير نقد ولا تمحيص لم يستنطقوها، ولم يعرفوها ما هو مكنون خفيٌّ فيها) ثم رصها رصاً مشوهاً يكون من غير الجدير قرائتها في طبعات جديدة من غير إضافة وفي غير تحليل.

وعلى الباحث في مجال البحث النظري الفلسفي، إنْ أراد أن يكون باحثاً بحق، أن يعيش المادة ويهضمها ويضيف عليها من نفسه ما شاءت له الإضافة دون الإخلال بالمنهجية المتبعة، وهو من بعدُ إزاء كل اضطراب في الآراء والأفكار لا يرضى بديلاً عن الوضوح والبساطة. يبدأ بأضعف الآراء وأبسط الأدلة تدعيماً لما يقول، فإذا أراد تقوية آرائه حول قضية بعينها أو مشكلة من المشكلات، فلا يجري قلمه أولاً إلا على أضعف الأدلة سنداً لرأيه، ثم يتدرج من الرأي الضعيف إلى الدليل القوي. ولو كان هنالك عدة أدلة لهذا الرأي لوجب أن يتدرج من الضعف ثم إلى القوة ثم إلى الأكثر قوة، فإذا أستوفى سائر دلائل الرأي واضعاً في اعتباره هذا التدرج المنطقي من ضعف الأدلة إلى أقواها كان برهانه واضحاً مقبولاً في العقل والمنطق وبداهة الرأي السديد.

هنالك تصبح الرؤية الخاصة للباحث محققة بالفعل. ثم لا تزال هنالك مرحلة أخيرة لا تخفى على الباحث الأصيل وهى أن يلقى في روع القارئ أدلته إلقاء ذكياً يمرّنه بالانتقال بالفكرة من الجزء البسيط إلى الكل المركب؛ يلقيها بصورة كلية بعد أن استوفى أجزاءها التفصيلية، ولا ينقصها سوى الدليل الوجيه بحيث ينقله من جانب المعارضة إلى جانب الموافقة، وهو لا يزال يبعث في ذهن القارئ حيرة التشكك ويظل محتفظاً بأقوى أدلته لا يبوح له بها على الإطلاق إلا إذا اشتدت حيرة الشكوك في ذهن القارئ، فإذا أطمن إلى ذلك غاية الاطمئنان، ألقى بأقوى أدلته؛ لتصادف عقلاً متردداً فتجذبه جذباً إلى رأي الباحث فلا يعتقد غيره في هذه النقطة أو تلك من آراء.

لكن هذا لا يتأتى بحال إلا بعد هضم المادة وتكوين الرؤية واستخدام المنهج التحليل النقدي ـ بالدُّربة والتمرين ـ إزاء كل مقروء ومكتوب استخداماً حسناً. وليكن في معلومنا جميعاً : أنه كلما هضمنا من الحقائق أكبر قدر ممكن، استطعنا ترويض عقولنا على إفراز وتكوين الرؤية الخاصة بنا؛ وبمنهج معقول مقبول. وإني لأذكر عبارة لــ "بيرك" يقول فيها :"الحقائق للعقل كالطعام للجسم. وعلى هضم الحقائق هضماً لائقاً تتوقف قدرة الإنسان العقلية وحجاه، كما تتوقف العافية والصحة على الطعام. وإن الرجل الذي يهضم عقله أكبر عدد من الحقائق لهو أعقل الرفاق في المجالس، وأقدرهم على المناظرات، وأرقهم في الحياة معاملة ومعاشرة".

(وللحديث بقيّة)

 

بقلم: د. مجدي إبراهيم

 

في المثقف اليوم