عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

تُعرّف المبالغة على أنها الغلو في وصف الأشياء وتضخيم شكلها وقدراتها. والناس -كما يراهم الفيلسوف "سقراط"- يميلون إلى المبالغة في كل شيء إلا أخطاءهم؛ فهم يرونها لا تستحق النقاش.

لقد باتت المبالغة في حياتنا اليومية، سواء في الأفعال أو الأقوال، ظاهرة تثير الاستغراب والأسئلة؛ فنحن نشهدها ونمارسها قولاً وفعلاً، وتصل في بعض المواقف حداً يفوق المعقول ويتنافى مع طبيعة العقل السليم. يفسرها فريق من علماء النفس بأنها اضطراب نفسي، وخصوصاً المبالغة في الحرص على الأشياء، أو المبالغة في الحب، وكذلك المبالغة في تمجيد الأشخاص التي تصل حد التزوير.

يحدث ذلك عندما نرفع من شأن أناس غير جديرين بالرفعة؛ فنحن شعب يحب المبالغة والنفخ في الأشياء التي لا تستحق ولا تتحمل "النفخ". وعلى حد قول مثلنا الشعبي، نحن نجعل (من الحبه قبه)؛ فننفخ في المسؤول الأمي ونصور له أنه المنقذ لأزماتنا حتى يصدق ذلك، في حين هو عاجز عن حل أزماته الشخصية. كما نبالغ في وصف الأشرار واللصوص حتى نضعهم في مرتبة القديسين، فيصدقون ذلك ويوغلون في شرهم وسرقاتهم. نبالغ في تاريخ وسمعة الأموات البسطاء لتغدو ذات شأن ورفعة، ونضع التيجان على رؤوس البعض مع علمنا أنها رؤوس فارغة المحتوى، ومجرد بالونات منفوخة بالهواء الفاسد.

نبالغ أيضاً في طقوس أفراحنا وأحزاننا؛ فنرقص ونلطم فيها كالمجانين. أما في الأقوال، فلا تغيب المبالغة عن حديثنا؛ فعندما نريد أن نصف شيئاً فيه قليل من التميز نقول عنه: (فظيع، رهيب، شنيع، بشع، مرعب، يخبل). وحتى في تراثنا الشعري والأدبي، نقرأ كماً كبيراً من المبالغات في الوصف، وخصوصاً في المديح. وفي حقل الكنايات، عندما نريد أن نصف شدة أذى شخص لآخر نقول: (راواه نجوم الظهر).

أعتقد أن ظاهرة المبالغة لا توجد في باقي المجتمعات مثلما هي عليه عندنا. فقد زرت ضريح "المهاتما غاندي" في نيودلهي بالهند، فوجدته كياناً بسيطاً لا يرتفع عن الأرض أكثر من متر واحد، ولا يحتل مساحة واسعة، ولا تحيط به أبراج ومنارات وأضواء وزخارف، أو حمايات مدججة بالسلاح. وهو الزعيم الروحي للهند الذي حرر البلاد من دنس الاستعمار البريطاني.

ثم زرت متحفه الذي يقع على مقربة من ضريحه، والذي شُيّد في الموقع الذي اغتيل فيه في يناير عام 1948م، فلم أجد الذهب ولا الملابس الفاخرة، ولا رزم الدولارات أو صور الفلل التي تركها وراءه. إنما وجدت بساطة العيش في أبهى صورها؛ شاهدت الإبرة والخيط اللذين كان يرتق بهما ملابسه، وشاهدت نعاله الذي أكل الدهر عليه وشرب، وعصاه التي كان يتكئ عليها لدعمه أثناء المشي، وهي عبارة عن فرع شجرة بعروقها، لم تجرِ عليها عمليات صقل أو تجميل.

كذلك ضم المتحف غلاف الطلقة التي أنهت حياته، والثوب الذي كان يتوشح به ساعة الاغتيال مطرزاً ببقع الدم الذي نزفه جسده النحيل. وقفت حائراً أمام وسادته البالية وفراشه البسيط الذي كان يحتضن جسده النحيل، سائلاً نفسي: كيف تمكن رجل بهذا الزهد وهذه البساطة في العيش أن يتربع على قمة الرجال العظماء؟ وكيف استطاعت سيرته أن تؤثر في سلوك جمهور واسع من الأحرار في العالم؟

لقد قدم القائمون على المتحف -من خلال بعض مفردات الحياة اليومية التي كان يعيشها هذا الزعيم- صورة حقيقية بدون مبالغة أو تزوير. وكأنهم أرادوا القول للشعوب المهووسة بتمجيد "الإمعات": إنه بهذه البساطة تمكن زعيمنا من طرد الاستعمار، أما مكانته وقصة نضاله فهي محفوظة في قلوب الشعب الهندي.

***

ثامر الحاج أمين

 

لا يولد الإنسانُ حاملًا خطيئة، ولا يخرج إلى العالم متلبّسًا بذنبٍ سابق، ومع ذلك سرعان ما يُطالَب، في كثيرٍ من المجتمعات، بتقديم اعتذارٍ غير معلن عن كونه مختلفًا: مختلفًا في الدين، أو المذهب، أو العِرق، أو اللغة، أو حتى في طريقة التفكير. كأنّ الولادة ذاتها تصبح جريمةً إذا لم تطابق هويةَ الجماعة الغالبة، وكأنّ الاختلاف لم يعد سِمةً إنسانية، بل انحرافًا يستوجب الشكّ، وربما العقاب.

المفارقة أن هذا المنطق يتناقض مع أبسط بديهيات الأديان والفلسفات الأخلاقية. فالاختلاف ليس طارئًا على الوجود الإنساني، بل هو شرطه الأول. ولو كان التطابق هو الأصل، لما احتاج البشر إلى لغة، ولا إلى تعارف، ولا إلى قيم تضبط العلاقة بينهم. ومع ذلك، تحوّل الاختلاف في تاريخ طويل من الصراعات إلى وصمة، ثم إلى تهمة، ثم إلى مبرّر للإقصاء. لا يُسأل المختلف عمّا يفعل، بل عمّا هو، وكأنّ الهوية باتت حكمًا أخلاقيًا جاهزًا.

في مجتمعاتٍ مشحونة دينيًا وطائفيًا، يُعاد تعريف الإنسان لا بوصفه إنسانًا، بل بوصفه تابعًا. يُختزل الفرد في انتمائه، ويُلغى تاريخه الشخصي، وأخلاقه، ونواياه، ويُستبدل ذلك كلّه ببطاقة تعريف غير مرئية: هذا منّا، وهذا ليس منّا. عند هذه اللحظة، لا يعود السؤال: هل هو عادل؟ هل هو صادق؟ هل هو مسالم؟ بل يصبح: إلى أيّ صفّ ينتمي؟ وهنا يبدأ الانحدار الأخلاقي الحقيقي، لأن القيمة لم تعد في الفعل، بل في الهوية.

 الدين، في جوهره، لم يأتِ ليُحمّل الإنسان ذنبًا لم يرتكبه، بل ليحرّره من منطق الوراثة الأخلاقية. النصوص الدينية الكبرى، وفي مقدّمتها القرآن، لم تتعامل مع البشر على أساس أصولهم أو انتماءاتهم، بل على أساس أفعالهم. «إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى» ليست جملة تعريفية فحسب، بل إعلان مبدئي بأن الأصل واحد، وأن التنوّع لاحق، وأن الغاية من هذا التنوّع هي التعارف لا التناحر. لكن المشكلة لم تكن يومًا في النص، بل في القراءة التي نزعت عنه روحه الأخلاقية، وحوّلته إلى أداة فرزٍ اجتماعي.

حين يُربّى الإنسان على أن المختلف خطر، ينشأ الخوف قبل الفهم، والكراهية قبل السؤال. وحين يُقنَع بأن الحقّ حكرٌ على جماعته، يصبح العنف مبرّرًا، لا لأنه شرّ، بل لأنه «دفاع عن المقدّس». عندها لا يُقتل الإنسان لأنه أخطأ، بل لأنه وُجد في المكان الخطأ، أو حمل الاسم الخطأ، أو ورث العقيدة الخطأ. وهكذا تتحوّل الهوية من إطارٍ ثقافي إلى سكينٍ رمزية، تسبق الفعل وتُسقط عنه أيّة مساءلة.

الأخطر من ذلك أن هذا المنطق لا يدمّر الضحية فقط، بل يدمّر المجتمع نفسه. فالمجتمع الذي يصنّف أبناءه على أساس الاختلاف، لا يستطيع أن يبني ثقة، ولا أن يراكم خبرة مشتركة، ولا أن ينتج أخلاقًا عامة. يصبح كلّ فرد مراقَبًا، وكلّ رأي مشكوكًا فيه، وكلّ اجتهاد مهدَّدًا. وفي ظلّ هذا المناخ، تزدهر الخرافة، ويتراجع العقل، لأن التفكير نفسه يصبح مغامرة غير مأمونة العواقب.

لسنا بحاجة إلى دينٍ جديد، ولا إلى فلسفات مستوردة، بقدر حاجتنا إلى استعادة المعنى الأول: أن الإنسان ليس متهمًا حتى يثبت العكس، وأن الاختلاف ليس جريمة تحتاج إلى تبرير. الأخلاق لا تبدأ من الهوية، بل من السلوك، ولا تُقاس بالانتماء، بل بالقدرة على احترام الآخر. وكلّ خطاب ديني أو ثقافي لا ينطلق من هذه القاعدة، مهما ادّعى القداسة، يساهم — عن قصد أو غير قصد — في تكريس الظلم.

حين يولد الإنسان مذنبًا لأنه وُلد مختلفًا، نكون قد خسرنا الدين، وخسرنا الفلسفة، وخسرنا الإنسان معًا. وما لم نكسر هذا المنطق، سيبقى السؤال الأخلاقي معلقًا: كيف نطالب بالسلام، ونحن نعلّم أبناءنا أن وجود الآخر خطأ؟

***

بقلم: د. علي الطائي

6-1-2026

لاريب ان التعالق الوجداني المتواشج مع الماضي، هو الذي يدفع للتعلق العاطفي بالأماكن، والربوع، والأشخاص، والذكريات، عند الإستذكار الماضي، والتفاعل الوجداني معه، استلهاما للدروس، او توجدا عاطفيا، بمعايشته أيام زمان.

ولعل الإستذكارات الوجدانية، بتعزيزها حس التواصل المرهف، مع الماضي، هي التي تؤجج الشعور العاطفي بالتعالق المتواصل معه، باعتباره خلفية تشكيل الهوية، وجذرا لأصالة الحاضر.

ولذلك تظل الاستذكارات الوجدانية على هذا النحو، دافعا عاطفيا متوهجا، لتعميق الإرتباط بالأرض، والأماكن، والربوع، وخيط التواصل المستديم، مع التراث، والتقاليد، تجسيدا للأصالة، وتاطيرا للهوية..

وفي هكذا سياق، يبدو حس الاستذكار الوجداني، وسيلة تواصل للحفاظ على تقاليد المجتمع، وموروثه الشعبي. فالحكايات، والقصص، والأساطير الشعبية المتداولة، مرويات متوارثة، تنقل للأجيال، التجارب السابقة، وبالتالي فهي خيوط تواصل دائم، تربط الأجيال بموروثهم بالترادف، بما يحول دون القطيعة، والإنفصال عنه، بتداعيات التطور.

وهكذا يظل الاستذكار الوجداني، أداة تواصل مع الماضي، ووسيلة استلهمام للموروث الشعبي، من خلال تحفيز حس الإستذكار الجمعي، وتشجيع ارتياد الربوع، والأطلال، والأماكن الأثرية، بقصد التعرف على الموروث الشعبي، تقاليدا، وعادات، وأعرافا، والحفاظ عليها من المسخ، والضياع، بمرور الزمن.

***

نايف عبوش

عجل كلمة تميّز اللهجة السامرائية عن غيرها، وهي من أخوات لعد البغدادية، ويمكن القول بأنها تعني ولكن، أو "بس شلون" أي كيف إذا، أو ما هو الخيار الآخر.

البعض يمزجها بأجل لإنقلاب ألف أجل إلى عين كما يبدو من الكلمة.

أجل وفقا لما يصيبها من الحركات تدل على التبجيل والإجلال والتعظيم والتقديس والتنزيه، وغيرها من المعاني التي يمكن إضافتها إليها، لكنها لا تقترب من كلمة "عجل" في اللهجة المقصودة.

وعجل في معاجم اللغة تشير إلى السرعة والتسارع في العمل أو الإنجاز، فعجِلَ الشخص أي أسرع، فعل الشيئ قبل أوانه، وعَجَل جمع عجلة، ولها معاني أخرى بتغير الحركات على أحرفها الثلاثة.

فلا يوجد لها معنى يماثل إستخدامها باللهجة المشار إليها.

نقول عجل وين راح تروح: أي ما هو خيارك الآخر، عجل شتريد: أي ماذا تريد إن لم يعجبك ما يُقدم لك.

من الصعب تعقب أصلها، وربما تكون ذات جذر تركي من مخلفات دولة بني العباس في المدينة.

 الموضوع بحاجة إلى بحث وتقصي ودراسة أكاديمية رصينة، للوصول إلى جذور الكلمات المستعملة في اللهجات العامية، وهذه الدراسات والأبحاث نادرة في مجتمعاتنا، بعكس مجتمعات الدنيا التي تتبع جذور كلماتها.

لنعتز ونحترم لهجاتنا في كافة مدننا، فالمدن تتميز بلهجاتها، فلكل منها خصوصيته، ولا توجد مدبنة في العالم المعصر بلا لهجة ما تدل عابها.

وهذه صورة تقريبة مشوشة لعَجَل!!

لسانُ القوم في عَجَلٍ تماهى

إذا قالوا بها أجلاً تراها

هوى ألفٌ بلهْجَتِنا فبانتْ

تغيَّر حرفُها عينٌ غزاها

تميّزنا بلفظٍ عن سوانا

نُكرِّرُها بما حَفِلتْ سِماها

***

د. صادق السامرائي

لاريب أن الذكاء الإصطناعي في عصر الثورة التقنية الرقمية الراهنة، بات قادرًا على توليد نصوص، وكتابات، تشبه إلى حد كبير، ما ينتجه الإنسان منها.

فالذكاء الإصطناعي يمكنه تحليل البيانات، وتوليد نصوص، وكتابة مقالات، وقصص، وقصائد، بما يستخدم من تطبيقات رقمية تعلمه التفاعل، وإنتاج محتوى مشابها، لما يبدعه الإنسان، اعتمادا على بيانات، ومعالجات خوارزمية، يتم تغذيته، وبرمجته بها.

 والسؤال، هل يمكن للآلة أن تحاكي الحس المرهف، والمشاعر المتوهجة، التي تتميز بها الكتابة الإنسانية؟

ولعل من الجدير بالذكر، الإشارة في هذا المجال، الى ان الذكاء الإصطناعي، رغم قدرته الفائقة، على تقليد، ومحاكاة، أسلوب الكتابة الإنسانية، إلا أنه يفتقر، إلى التجربة الإنسانية، والشعور الحقيقي الحي، والحس المرهف، التي تفيص بها النصوص الانسانية عادة.ولذلك تظل الكتابة الآلية للذكاء الإصطناعي، تفتقر إلى النبض الحيوي، والحس المرهف، الذي تتميز به التجربة الادإنسانية، والكتابة الإنسانية، والتي تعبر عن مشاعر، وتجارب، الكاتب الابداعية، التي تنبض بالروح الإنسانية، باعتبار الكتابة، هي إنثيالات تجليات الذات، من خلال ما تعكسه، من مشاعر، وعواطف، تجعل الكتابة حية، في الوقت الذي تفتقر فيه الكتابة الآلية للذكاء الإصطناعي، إلى المشاعر الحقيقية، وتنقصها التجربة الوجدانية .   

 وبالرغم من قدرات الذكاء الإصطناعي في توليد النصوص، الا ان الكتابة الإنسانية، تظل تحمل نكهة فريدة، من الحس المرهف، والمشاعر المتوهجة، بما هي تعبير حي، عن رحلة الإنسان في أعماق ذاته.

فلا ريب أن الكاتب يكتب من ذاكرته، تعبيرا عن مشاعره، وما يجول في ذهنه من أفكار، مما يعطي نصوصه عمقا انسانيا حيا، تعجز البرمجة الرقمية، عن توليد مثله، فالٱلة تكتب، ولكنها لا تحلم، ولا تتطلع، وتفتفر للإلهام.

وهكذا إذن، يمكن القول، ان كتابات الذكاء الإصطناعي تظل نتاج آلة صماء، مهما بدت جميلة.. وتفتقر إلى الحس المرهف، والمشاعر المتوهجة، التي يتميز بها الإنسان، عند ممارسة الكتابة، وابداع الشعر، والغناء.

فرغم قدرة الذكاء الإصطناعي على إنتاج محتوى فوري، بمجرد أن يطلب منه ذلك، الا إنه يظل عاجزا عن نفخ المشاعر، في ما يولده من نصوص. فقد تطلب منه على سبيل المثال، كتابة عتابة موجعة، في التوجد بالاطلال، بعد أن تغذيه بما تريده أن يقول العتابة فيه، إلا إنه سوف لن يستطيع نظم عتابة بليغة معبرة، مثل تلك العتابة الوجدانية، التي ينظمها الإنسان، تعبيرا عن مشاعره الجياشة، فيما اراد القول فيه .

***

نايف عبوش

عند حافات الشواطئ، وأعماق الأنهار، حيث يلتقي الزاب الأعلى مع دجلة، تتزاحم الذكريات، وتتشابك الأحلام. وفي ربوع هذا المكان، بطبيعته الساحرة، يتوهج الحس المرهف ابداعا، ملهما للخيال، ومحفزا للتأمل، في أعماق الذات، والوجدان.

وعند ملتقى الزاب بنهر دجلة، يتوهج الحنين لمكان النشأة، وربوع الصبا، حيث السباحة، والعوم، في الشطٱن، وصيد الأسماك، أيام زمان.

 وفي نقطة التقاء الزاب الأعلى بنهر دجلة تختفي الحدود بينهما، وتصبح الطبيعة عندئذ، لوحة فنية جميلة، بمجرى واحد، فحيثما يجريان، وحيثما اختلطا، يتجدد العطاء، وتنساب الحياة، لتجد النوارس تحلق فوق الشاطئ في حركة متناغمة، مع سحر جريان الماء فيه، دون ان تغادر المكان .

أنهار ازلية، تحمل معها قصصا اسطورية، وحكايات، وأحلامًا متوهجة، وآمالًا متجددة، فكما ان الماء يروي الأرض، فإن الذكريات مع الشواطئ، والانهار، تسكن الوجدان، وتحفز الخيال، وتستعصي على النسيان.

وهكذا يظل حس الأشجان، والاشتياق لحافات الشاطى، وجدا داخليا متأججا، ينساب بشجن، وشوق، في لحظات التأمل، مع هدوء طبيعة الربوع، ليكشف حس التعبير، عما في أعماق الوجدان، من وجد واشتياق. فالحنين إلى الماضي، حيث الأمكنة أرشيف ذكريات، وثقتها عبارات مكتوبة بالقير على صخور الشاطئ، خطها بأناملهم، أناس مروا بها ذات يوم.

فلا عجب إذن أن تتدفق المشاعر بعواطف جياشة، عند الوقوف على شطٱن الأنهار، استمتاعا بألحان خرير الماء، وما تتركه في الوجدان من تأملات شجية، في جماليات طبيعة تلك الربوع الخلابة.

وهكذا نجد أنفسنا، في غمرة لحظات التأمل، نعيش الأشجان والشوق، عند ملتقى الزاب الأعلى بنهر دجلة بلهف، بعد أن ذابت الحدود، بين الزاب ودجلة، وتلاشت الفواصل، بين ٱنات الزمن، لنعيش لحظات

استذكارات شجية، تلامس بسعادتها الغامرة، أعماق الوجدان.

***

نايف عبوش

إن المشاهد المروعة التي باتت تفرض نفسها على واقعنا، حيث تتحول التجمعات البشرية إلى موجات من التحرش الجماعي والهيجان الذي يستبيح كرامة العابرين، ليست مجرد سلوكيات طائشة، بل هي إعلان عن انهيار السد الأخلاقي الأخير. نحن اليوم أمام وحشية علنية تندفع فيها الحشود بلا رادع، لتمارس أقسى صور الانتهاك الجسدي واللفظي في قلب الساحات العامة، وكأن الشارع قد استحال إلى ساحة صيد مفتوحة يمارس فيها "الرعاع" ساديتهم تجاه الفئات الأضعف لسلبهم حق الشعور بالأمان.

هذا الانفلات السلوكي المرعب، الذي يمتزج فيه العنف اللفظي البذيء بالتطاول الجسدي المهين، هو النتاج المرير لسنوات من تغييب سلطة القانون واستبدالها بسلطة الغوغاء. عندما تدار مفاصل الدولة بعقلية الغنائم والمحاصصة، وتُفرغ المؤسسات التربوية من رسالتها لصالح الولاءات الضيقة، فمن الطبيعي أن نرى في شوارعنا جيلاً يرى في التحرش الجماعي وسيلة لإثبات الحضور، وفي القذف اللفظي لغة وحيدة للتخاطب. إننا ندفع اليوم ضريبة سياسة "التجهيل المتعمد" التي حولت الفضاء العام إلى غابة يغيب فيها العقل ويحضر فيها قطيع لا يفرق بين الاحتفال والافتراس.

لقد تضخم النفاق في ظل "دولة الشعارات" إلى حد مقزز، فبينما تضج المنابر والفضائيات بوعظ أجوف حول العفة والفضيلة، يمارس الواقع في الطرقات أبشع أنواع الانحلال الممنهج. هذا التناقض الصارخ خلق حالة من النقمة المشوهة لدى فئات وجدت في استباحة كرامة الآخرين وسيلة رخيصة لتفريغ كبتها وإحباطها. إنها "ثقافة الانتهاك" التي تغلغلت في العقول قبل الأبدان، حيث يستمد الجاني جرأته من يقينه بأن القانون "أعرج" لا يطال أصحاب النفوذ ولا يردع الغوغاء، فاستمرأ الجميع لغة القوة القبيحة وسط صمت مريب من الجهات التي تدعي الوصاية على الأخلاق والآداب العامة.

إن تحول المدن والمنتزهات إلى مناطق "عالية الخطورة" يسودها الترهيب اللفظي والمطاردة الجماعية، هو جريمة مكتملة الأركان بحق هوية المجتمع. هذه المشاهد التي يتم تصويرها والتباهي بها في العالم الرقمي كأنها "بطولات" رجولية، تعكس عمق الانحدار النفسي الذي وصلنا إليه. إن هذا التوحش ليس مجرد انحراف فردي، بل هو الصرخة الأخيرة لمجتمع تم تجريفه من محتواه الحضاري، ليُترك فريسة لأجندات التفقير والتغييب، وسط لا مبالاة سياسية مقرفة تتعامل مع كرامة الإنسان كقضية ثانوية لا تستدعي سوى بيانات الاستنكار الخجولة.

نحن لا نرقب مجرد "انفلات أمني"، بل نشاهد احتضاراً مخيفاً لقيم الاحترام الإنساني في الشخصية العراقية. إن بقاء الشارع رهينة بيد الرعاع وتحت رحمة العنف اللفظي والجسدي المنفلت، يعني ببساطة أننا استبدلنا مفهوم الدولة بمفهوم "المشاع"، حيث لا مكان لضعيف، ولا حرمة لامرأة، ولا هيبة لنظام، في ظل صراع مرير لا يقدس سوى الغلبة لمن يملك صوتاً أعلى ويداً أكثر بطشاً.

***

ا. د. محمد الربيعي

عندما تتولى موقع المسؤولية في مؤسسة أو منظمة، لا تتعامل مع نمط واحد من البشر، بل مع فسيفساء إنسانية واسعة؛ اختلاف في الطباع، وتنوع في الخلفيات، وتباين في القيم والدوافع. هنا تحديداً، لا تعود القيادة منصباً، بل اختباراً أخلاقياً يومياً.

تجربتي علمتني أن العمل مع الموظفين يحتاج إلى قواعد واضحة وضوابط عادلة، لا تدار بالأهواء، ولا تكيف بالعلاقات، بل تطبق على الجميع دون استثناء. فبيئة العمل الصحية لا تقوم على المحاباة، بل على الشفافية والإنصاف والعدالة.

أصعب ما يواجه القائد أن يختبر عدالته مع من يحبهم، مع من يثق بهم، ومع من يعتبرهم من خيرة فريقه. فالعدل مع الغريب سهل، أما العدل مع القريب فهو الامتحان الحقيقي الذي يقيس فيه قوة القائد وقوامه قيمه ومسؤوليته ومهامه.

أذكر موقفاً لا يزال حاضراً في ذاكرتي؛ أحد الموظفين الذين كنت أعتبرهم الأقرب إلي، والأفضل أداء وتميزاً، والأكثر التزاماً. حدث منه تجاوز واضح في التزامه بالدوام والعمل، وهو أمر لا يمكن تجاوزه وفق القواعد المعمول بها. استدعيته إلى مكتبي، رحبت به، تحدثنا عن عمله وإنجازاته، ثم قلت له بهدوء:

ما حدث منك خروج عن القواعد والضوابط، وهذا يستوجب إنذاراً رسمياً.

اعترض بشدة، ورفض التوقيع. لم يكن الموقف سهلاً؛ فالعلاقة الإنسانية حاضرة، والتقدير المهني قائم. إلا أن العدالة لا تعرف المجاملة. أحضرته إلى المدير التنفيذي، الذي اختار بدوره إنهاء الموضوع بالتفاهم، وألغي القرار رسمياً.

انتهى الموقف إدارياً… لكنه لم ينته إنسانياً.

ذلك الموظف كان حينها يدرس الماجستير، وقلت له في أحد الأيام: أراك قائداً بالفطرة، وستكون رجلاًَ ذا شأن يوماً ما.

مرت السنوات، وأصبح يحمل درجة الدكتوراه، أستاذاً جامعياً، ورجل أعمال مرموقاً. وكلما التقيته أو اتصل بي أو اتصلت به، يكرر جملة واحدة لا أنساها: « ذلك الإنذار الذي كدت تعطيني إياه كان ممكن يوديني في حوض نعنع بل غير حياتي… جعلني أراجع نفسي، وأتعامل مع كل تفصيل بجدية ومسؤولية».

هنا أدركت معنى عميقاً في القيادة:

ليس كل قرار عادل يطبق، لكنه يترك أثره.

وليس كل حزم قسوة، أحياناً يكون أصدق أشكال المحبة.

هذه القصة ليست عن إنذار لم ينفذ، بل عن قيمة زرعت عن قائد آمن أن العدالة لا تجزأ، وأن التربية القيادية لا تكون بالتغاضي، بل بالموقف الواضح.

نحتاج أن نفرد مساحات أوسع للتعلم من قصص الحياة وتجاربها، وأن نعيد تعريف القيادة على أنها مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون سلطة إدارية.  فالعدل حين يجري في مساره الصحيح، قد لا يرضي الجميع لحظتها، لكنه يصنع بشراً أفضل على المدى البعيد.

العدالة لا تقصي… العدالة تعدل المسار وتلهم الآخرين.

***

بقلم: د. أكرم عثمان

5-1-2026

مضى عام وانصرم بكل ما حمله لنا من أحداث متباينة؛ مؤلمة تارة وسارة تارة أخرى، مرغوب عنها أو مرغوب فيها، فرديّة أو جماعية.

أذكر، ولعلّ التذكّر فيه الكثير من العبر والنعم (وذكّر فإنّ الذكرى تنفع المؤمنين) وقد تنفع غير المؤمنين. والتذكير نوعان: تذكير بما لم تعرف تفاصيله، وممّا يعرف مجمله بالفطرة والعقل والشرع، فقد فطر الله العقول على محبة الخير والمنفعة والجمال، وكراهة الشر والخسران والقبح.

استقبلت العام المنصرم قبل سنة، وودّعت العام الذي قبله، وكم من الأعوام ودّعت واستقبلت منذ ولدت. كم عام تنفّست فيه الصعداء، وكتبت لأصدقائي وأحبّائي، للبعدين عنّي مكانا، والقريبين منّي ودّا، تهاني العام الجديد، متمنيا لهم ولي عاما سعيدا وعمرا مديدا في كنف السلام والرفاهية والإنسانيّة. يومها اعتقدت أنّ العام الجديد سيمنح العالم سلاما وأخوة وحبّا وإنسانيّة، وأنّ الحروب والأوبئة والمجاعات العقلية والمعوية والعصبيّات الظلاميّة المميتة، التي تزهق كلّ يوم آلاف الأرواح البريئة وغير البريئة في أقصى الكوكب الأرضي وأدناه، ستختفي، أو- على الأقل - ستضمحلّ، وتخفّ وطأتها، وسيسعدنا العام الجديد بعد سنة كاملة من الهمّ والغمّ والكرب والوجع إلى حدّ العظم.

سوف لن يتأخر الإنسان المعاصرـ الذي يتحكّم في دواليب النظام العالمي الجديد، والذي يتشدّق كلمّا طلعت شمس يوم جديد وغربت، بالعلم والمعرفة والذكاء الاصطناعي والديمقراطيّة والحريّة وحقوق الإنسان والحيوان والبيئة البحريّة والبريّة ـ عن العودة إلى رشده وصوابه وحكمته وإنسانيته، وسيضع الأشياء في مواضعها دون أدنى تردّد، وسوف تستيقظ الإنسانيّة في نفوس القاسيّة قلوبهم، لكن شتّان بين الواقع والتمنّي، فقد قطع أبو الطيّب المتنبي منذ قرون خلت قول كلّ شاعر، حين قال في بيته الشهير: ليس كلّ ما يتمناه المرء يدركه، تجري الرياح بما لا تشتهي السفن.

ما يشغلني حقّا، ليس ما هو آت الوافد الجديد، لأنّني تعودت على فقه المفاجأة، وفقه التمنيّات التي تتحوّل إلى سراب. إنّ ما يشغلني – حقّا – هو: ماذا تحقّق من أمنيات العام المنصرم؟ وما الذي لم يتحقق منه؟ هل حقّق الإنسان مشاريعه كلّها، أو على الأقل أهمها في حياته ومصيره ومصير الأجيال القادمة؟

استقبل القسم الأكبر من العالم العام الجديد بالأفراح العارمة والألعاب الناريّة والشموع والأكلات الفاخرة والمشروبات وبطاقات التهاني والموسيقى، لكن في أجزاء من العالم، مازالت الحروب دائرة رحاها، ومازال الجوع سيّد الموائد الفارغة، ومعذّب البطون الفارغة، ومازالت دكاكين السياسة تسوّق بطاقات الموت والحياة هنا وهناك، كما تسوّق تذاكر مباريات كرة القدم وكرة السلة.

كمّ هائل من الأمنيات لم ير النور. احترقت في مهدها، وكم من كتاب كان ينتظر دوره على رفوف المكتبات، ويُفتح ويقرأ منه سطر واحد. وكم من طفل كان يحلم بلعبة، لكنّه لم تصله، وكم من أم كانت تنتظر عودة ابنها من جبهة القتال، ولمّا يعد بعد. وكم من أسرة كانت تأمل في لمّة عائليّة حول مائدة القهوة أو الشاي، لكنّ أملها خاب وغاب وسط الخراب والرعب والدخان والخيّم الغارقة في المياه والأوحال، أو تلك التي ضربتها العواصف والفيضانات وسط الدهشة والحيرة، وما أبقت منها سوى الذكريات الأليمة وصرخات النجدة والغوث.

ودّعت العام المنصرم بدموع الحزن والأسف والأسى على شعوب في أدنى الأرض وأقصاها وأوسطها، شعوب ذاقت من ويلات حروب القتل والخراب والدمار والتهجير والعذاب والجوع والعطش والقرّ والحرّ والنزوح والغرق في لجج البحر. لقد كان عاما لم تخل فيه سماؤه من أزيز الطائرات وأدخنة القنابل والقذائف ودويّها.

و كم كنت أنتظر عودة العالم المتجبّر، المتكبّر، المتحارب إلى رشده ويبادر بغلق مصانع السلاح والتقليدي وتدمير الترسانة النووية، والتطهّر من فقه الكراهيّة والبغضاء، والانتماء إلى فقه الحريّة والسلام والإنسانيّة والأخوة والتكافل. وأنا موقن أن العودة إلى عالم خال من أسلحة القتل والتدمير هو أفضل ما تنظره الإنسانيّة ويحلم به المعذبون في الأرض.

لن أحتفل بقدوم العام الجديد، وكيف أحتفل والحروب بين أبناء آدم، مازالت تدور رحاها على قدم وساق في شتّى أنحاء القارات؛ في إفريقيا وآسيا وأوروبا. لأنّ المنطق يفرض عليّ قبل الاحتفال بالعام الجديد، تقييم مجريات العام المنصرم، وإعداد تقرير أدبي حول وضعه السياسي والحقوقي والإنساني والثقافي، وإعداد خارطة الأرباح والخسائر – كما تفعل شركات الاستثمار الاقتصادي والرياضي - والمقارنة بينه وبين العالم الذي سبقه.

أنا لا تهمّني الأرباح والخسائر المادية، لأنّها قابلة للمراجعة والتعويض، ما يهمّني – حقّا – هو تحقّق من الأرباح المدرجة في البورصة الإنسانيّة. لأنّها خسائرها غير قابلة للتعويض والاعتذار بتاتا. وسأعدكم بالاحتفال بالعام الجديد في آخر يوم منه، إذا تحقّق أملي وتجسّد حلمي، وهو رؤية العالم خاليا من الحروب، متدثرا براية الإنسانيّة والمحبة تحت شجرة السلام العادل. يومئذ سأحتفل بكلّ سنة جديدة، وأبايع كلّ من أعاد الابتسامة والطمأنينة للمحرومين من الطعام والأمن والسلام.

***

بقلم الكاتب الروائي: علي فضيل العربي – الجزائر

 

من أخطر ما أصاب الوعي الديني عبر التاريخ أن يتحوّل الدين من رسالةٍ إلهيةٍ جامعة إلى هوياتٍ طائفيةٍ متناحرة، ومن دعوةٍ للإنسان إلى الله إلى دعوةٍ للناس نحو الجماعة، والمذهب، والراية، والزعيم. وهنا تتبدّى الفجوة العميقة بين إسلام الله بوصفه دينًا للإنسانية، وإسلام الطوائف بوصفه صناعةً بشرية، مشحونة بالخوف، والسلطة، والاصطفاف.

إسلام الله: رسالة قبل أن يكون هوية

إسلام الله لم يأتِ ليصنع «طائفة ناجية» في مقابل «طوائف هالكة»، بل جاء ليحرّر الإنسان من كل انتماءٍ ضيّق يحجبه عن أخيه الإنسان. جاء ليبني الضمير لا القطيع، وليوقظ العقل لا الغريزة الجماعية.

﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾… لا: يا أيها الطائفة

﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ لا: أنقاكم مذهبًا

إسلام الله يخاطب الإنسان قبل المسلم، والإنسانية قبل الجماعة، والأخلاق قبل الشعارات.

إسلام الطوائف: حين يتحوّل الدين إلى سور

أما إسلام الطوائف، فهو حين يُختَزل الدين في فهمٍ واحد، ويُختَطف النص لصالح جماعة، ويُرسم خطٌّ وهميٌّ بين «نحن» و(هم). هنا لا يعود الاختلاف ثراءً، بل يتحوّل إلى تهمة، ولا يعود التنوع آيةً، بل بدعة.

تشدُّدُ بعض الطوائف لم يكن دفاعًا عن الدين، بل دفاعًا عن الهوية المهدَّدة. وحين يخاف الإنسان على هويته، يصبح مستعدًا لتبرير العنف باسم المقدّس.

 العنف باسم الله: أمثلة لا تُنكر

التاريخ الإسلامي – كما غيره من تواريخ الأديان – ليس بريئًا من الدم. جماعاتٌ رفعت شعار «تطبيق الشريعة»، لكنها مارست القتل، والتكفير، وإلغاء الآخر:

فرقٌ كفّرت المجتمع لأنه «لا يشبهها»، فاستحلّت دمه.

جماعاتٌ رأت في الاختلاف العقدي مبررًا للقتل، لا مجالًا للحوار.

حركاتٌ أقامت «دولة الله» على جماجم البشر، ونسيت أن الله لا يُختصر في دولة ولا يُمثَّل بسلاح.

والمفارقة المؤلمة أن كل هؤلاء يستشهدون بالقرآن، بينما القرآن يقول بوضوح:

﴿مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾

لم تتأسس أغلب الطوائف بدافعٍ دينيٍّ خالص، بل في سياقات سياسية واجتماعية: صراع على السلطة، خوف من الإقصاء، شعور بالظلم، أو حاجة نفسية إلى الانتماء. ثم جاء الفقه لاحقًا ليُشرعن الواقع، وجاء التاريخ ليكتبه المنتصر، وجاءت القداسة لتُلبِس البشر لباس العصمة. وهكذا، تحوّل الاجتهاد إلى عقيدة، والرأي إلى إيمان، والزعيم إلى ظلّ الله في الأرض.

إلغاء الآخر: أخطر أشكال الشرك الخفي

إلغاء الآخر ليس خطأً أخلاقيًا فحسب، بل انحراف ديني. لأن الله نفسه أقرّ بالاختلاف:

﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾

فالذي لا يحتمل المختلف، إنما يعترض – دون أن يشعر – على مشيئة الله في التنوع.

حزب الله الحقيقي: لا الطائفي

حين ندعو إلى الرجوع إلى حزب الله، فلا نعني حزبًا سياسيًا، ولا تنظيمًا، ولا رايةً جغرافية. نعني ما قصده القرآن:

﴿فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾

وحزب الله هنا ليس بطاقة عضوية، بل قيم: العدل، الرحمة، الصدق، كرامة الإنسان، ونصرة المظلوم أيًّا كان. كل من جعل الله غايته لا وسيلته، وكل من جعل الإنسان مقصد الدعوة لا وقودها، فهو من حزب الله… وإن لم ينتمِ إلى أية طائفة.

 التعايش: أصل الدعوة لا تنازلٌ عنها

التعايش ليس ضعفًا، بل فهمًا عميقًا للدين. والنبي محمد ﷺ عاش في مجتمع متعدد: يهود، مشركون، منافقون، ولم يُلغِ أحدًا، ولم يُجبر أحدًا على الإيمان.

﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾

هذه ليست آية هدنة، بل مبدأ وجود.

كسر الأصنام الجديدة

أخطر أصنام عصرنا ليست حجرًا، بل شخصيات مقدسة لا تُسأل ولا تُناقَش. زعماء طوائف، شيوخ جماعات، دعاة كراهية… نرفعهم إلى مقام العصمة، ثم نتساءل: لماذا تعطّل العقل؟

الدين لا يحتاج أوصياء، والله لا يحتاج محامين، والحق لا يخاف من السؤال. إسلام الله واحد، واسع، رحيم، إنساني. أما إسلام الطوائف فكثير، ضيّق، متنازع، ومثقل بالتاريخ والخوف. الخلاص ليس في تبديل طائفةٍ بأخرى، بل في الخروج من منطق الطوائف أصلًا. الخلاص في دينٍ يعيد الإنسان إلى مركز المعنى، ويعيد الله إلى مقامه: إلهًا للهداية… لا أداةً للصراع.

أكتب هذا وأنا منحازٌ إلى الله لا إلى الطائفة، وإلى الدين بوصفه هداية لا هويةً مغلقة. أريد إسلامًا من الله، لا إسلامًا صاغته الفرق وصادقَت عليه الصراعات. أؤمن بربٍّ واحد لا يتجزّأ على المذاهب، ولا يُمثَّل بجماعة، ولا يُحتكَر براية. وإن كنتُ قد وُلدتُ في طائفةٍ دان بها والداي، فذلك انتماءُ الميلاد لا خيارُ الإيمان، أما إسلامي فهو اختيارُ وعي، وموقفي أن الله أوسع من الطوائف، وأن الإنسان هو غاية الرسالة لا وقودها.

***

بقلم: د. علي الطائي

2-1-2026

لم يعد الذكاء الاصطناعي فكرة مؤجلة في مستقبل بعيد، ولا وعدًا تقنيًا يخص المختبرات وحدها. لقد أصبح حاضرًا يتسلل بهدوء إلى تفاصيل حياتنا اليومية، يغيّر طريقة تعلّمنا، وأساليب عملنا، وحتى أنماط تواصلنا مع أنفسنا ومع الآخرين. لم يعد مجرد أداة، بل قوة صامتة تعيد تشكيل التجربة الإنسانية ذاتها. ولعل المفارقة الدالة أن هذا النص نفسه، كما كثير من النصوص اليوم، مرّ عبر يدٍ خوارزمية قبل أن يصل إلى القارئ، في مشهد يكثّف طبيعة اللحظة التي نعيشها.

الذكاء الاصطناعي، في جوهره، ليس قصة تقنية بحتة، بل فصل جديد من تاريخ الإنسان. فكما شكّلت النار نقطة تحوّل حاسمة في مسار البشرية، وكما أعادت الزراعة والصناعة والحوسبة رسم صورة العالم، يأتي الذكاء الاصطناعي اليوم بوصفه تكنولوجيا عامة، قادرة على إحداث تغييرات لا تمس الأدوات فقط، بل تمسّ الإنسان نفسه. النار لم تمنحنا الدفء فحسب، بل أعادت تشكيل أجسادنا، غيّرت جهازنا الهضمي، وأنماط عيشنا، وبنية مجتمعاتنا. وكذلك تفعل كل تقنية كبرى: لا تخدم الإنسان فقط، بل تعيد صناعته. ومن هذا المنظور، يصبح الذكاء الاصطناعي مرشحًا لأن يكون في أهمية النار، وربما في خطورته أيضًا.

ما يميّز هذه الموجة التقنية عن سابقاتها هو أنها تستهدف جوهر ما اعتدنا اعتباره حكرًا على الإنسان: الذكاء، والإبداع، والقدرة على المحاكاة والتعلّم. فمنذ منتصف القرن العشرين، حين طرح آلان تورينغ سؤاله الشهير: «هل يمكن للآلة أن تقنع الإنسان بأنها إنسان؟»، ظلّ هذا السؤال معلقًا بين الفلسفة والرياضيات. واليوم، وللمرة الأولى، نجد أنفسنا أمام أنظمة قادرة على الكتابة، والرسم، والتأليف، والتحليل، بطريقة تجعل الإنسان يتردد: أأنا أمام أداة أم كيان يحاكي الوعي؟ ومع ذلك، فإن هذه اللحظة ليست ذروة المسار، بل بدايته فقط. وهنا ينبثق السؤال الفلسفي الأكثر إلحاحًا: ماذا يعني أن نكون بشرًا في عالم تصبح فيه الآلة قادرة على تقليد ذكائنا وإبداعنا، وربما تتجاوزه في بعض المجالات؟

الفرص التي يفتحها هذا التحول هائلة، لكنها لا تأتي دون أثمان. فالذكاء الاصطناعي لا يعمل في فراغ أخلاقي، بل داخل عالم بشري مثقل بالتوترات والصراعات وسوء الاستخدام. كثير من النقاش العام انجرف نحو سيناريوهات كارثية كبرى: سيطرة الآلات، فقدان السيطرة، نهاية الإنسان. وهي مخاوف ليست مستحيلة، لكنها بعيدة ومشروطة. الأخطر من ذلك هو ما يحدث بالفعل، هنا والآن: استخدام الذكاء الاصطناعي في التضليل، وصناعة الأكاذيب المقنعة، وتزييف الواقع على نطاق غير مسبوق. فقبل أن «تقضي علينا الآلات»، قد يستخدمها البشر ضد بعضهم البعض بمهارة تفوق كل ما عرفناه من قبل.

في هذا السياق، لا يبدو التزييف العميق مجرد تقنية جديدة، بل زلزالًا يصيب مفهوم الحقيقة ذاته. نحن نعيش داخل منظومة رقمية حديثة العهد، لكنها أصبحت العمود الفقري للحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. هذه المنظومة كانت تعاني أصلًا من هشاشة الثقة، وجاء الذكاء الاصطناعي ليضاعف الأزمة: كل صورة قابلة للتركيب، كل صوت قابل للتقليد، كل فيديو محتمل التزييف. لم يعد السؤال: «هل هذا حقيقي؟» بل: «هل يمكن لأي شيء أن يكون حقيقيًا؟». وعندما تتآكل الثقة، تتصدع أسس الاجتماع الإنساني.

ومع ذلك، لا يخلو المشهد من محاولات للمواجهة. فهناك مساعٍ تقنية لتطوير أدوات تكشف المحتوى المولّد بالذكاء الاصطناعي، رغم محدوديتها. وهناك أفكار أكثر عمقًا، مثل توثيق أصل المحتوى وربط كل معلومة بهوية رقمية تكشف مصدرها، بحيث يصبح الصدق جزءًا من بنية المعلومة نفسها. غير أن الحلول التقنية وحدها لا تكفي؛ فالمسألة في جوهرها ثقافية وأخلاقية، تتعلق بكيفية إدراكنا للواقع، وباستعدادنا للتشكيك الواعي بدل التصديق الساذج.

حتى في أكثر المناطق حميمية في حياتنا، بدأ الذكاء الاصطناعي يمدّ ظلاله. العلاقات الإنسانية لم تعد بمنأى عن هذا التحول. نماذج المحادثة القادرة على محاكاة العاطفة خلقت أشكالًا جديدة من الارتباط، بعضها يبدو مقلقًا، وبعضها يثير أسئلة أخلاقية معقدة. هل يكفي الإحساس بالدعم العاطفي، حتى لو كان صادرًا عن آلة؟ وهل الوحدة تُعالج بالوهم إذا كان الوهم أقل قسوة من العزلة؟ ربما لا توجد إجابات جاهزة، فكل حالة تحمل سياقها الخاص، وما يبدو مرفوضًا فلسفيًا قد يكون خلاصًا عمليًا لإنسان وحيد.

في نهاية المطاف، لا يفرض الذكاء الاصطناعي علينا مستقبلًا محددًا، بل يضعنا أمام مرآة كبرى. إنه يكشف هشاشتنا، وطموحنا، ومخاوفنا، وقدرتنا على الخلق والتدمير في آن واحد. الصورة لم تعد تساوي ألف كلمة، لأنها قد تكون مصنوعة بالكامل. لكن هذا لا يعني نهاية المعنى، بل انتقاله إلى مستوى جديد من الوعي. وكما لم تُلغِ الكاميرا الرسم، لن يلغي الذكاء الاصطناعي الإنسان. إنه يغيّر شروط التعبير، ويدعونا إلى إعادة تعريف الحقيقة، والإبداع، والمسؤولية. وهنا، تحديدًا، تبدأ القصة الحقيقية: قصة الإنسان وهو يحاول أن يفهم نفسه، في زمن صارت فيه الآلة قادرة على تقليده.

***

الأستاذ محمد إبراهيم الزموري

في لحظات التحوّل الكبرى لا ينهار العالم دفعةً واحدة، بل يختلّ ميزان العقل وهو يحدّق في الانهيار. هناك، في تلك المسافة الدقيقة بين وقوع الحدث وتأويله، يدخل الوعي الجمعي حالةً يمكن تسميتها سُكر اللحظة: تلك الحالة التي تسبق فيها الصدمةُ الفهم، ويُستبدل فيها التفكير بالانفعال، ويغدو الواقع أثقل من أن يُحتمل بلا استعجال المعنى. لا يصنع هذا السُكر النصر وحده، بل تصنعه الصدمة حين تداهم العقل قبل أن يستعيد توازنه، فيتحوّل الفهم من عملية بطيئة إلى ردّ فعل متعجّل، ومن تفكير إلى طمأنة نفسية.

في تلك اللحظة، لا نفكّر بقدر ما نُصاب بالفهم ولا نحلّل بقدر ما نبحث عن يقينٍ سريع يُخفّف وطأة الدهشة. يُعاد ترتيب الواقع على عجل ويُختصر المعقّد في سرديات مريحة، ويُستبدل السؤال المفتوح بإجابات جاهزة لا تفسّر بقدر ما تُسكّن القلق. هكذا يتحوّل اللامفكَّر فيه إلى خبرٍ عاجل، ويغدو البعيد مشهداً راهناً، ويجد العقل نفسه محاصَراً بفيضٍ من الانفعال لا يترك له ترف التريّث. وهنا تحديداً يبدأ الوهم.

يتكرّر هذا المشهد كلما سقط رمز كبير أو تهاوى نظامٌ بدا طويلاً عصيّاً على الزوال. جدارٌ ينهار، دولةٌ تتفكك، تمثالٌ يُسحب من ساحة، وفي كل مرة يُعاد إنتاج السيناريو ذاته: انبهار فجّ بالقوة الصاعدة، تعميم متهوّر لمعنى السقوط وثقة متعالية بتنبؤات تُولد مكتملة ثم تموت سريعاً. في ذروة هذه اللحظة لا نخطئ في قراءة المستقبل فحسب، بل نفقد القدرة على رؤية الحاضر كما هو، لأن ردّ الفعل يطغى على الفعل، والانفعال يزاحم الحكمة، والسرعة تُقدَّم بوصفها فهماً.

يفضّل العقل، حين يُداهمه الحدث، يقيناً ناقصاً على سؤال مفتوح، وتأويلاً متعجّلاً على صمتٍ ثقيل. فالصمت يحتاج شجاعة، والتريّث يحتاج ثقة بالعقل، بينما تمنح الإجابة السريعة شعوراً زائفاً بالسيطرة. وهكذا لا يعود الخطأ في التقدير خللاً معرفياً فحسب، بل يصبح استجابة نفسية تبحث عن الاستقرار ولو كان موهوماً.

تحت وطأة الصدمة يتراجع العقل عن عادته في التفكيك البطيء ويستسلم لأحكام سريعة تُنقذه من عبء التعقيد. في مثل هذا الاضطراب، تُتخذ القرارات الجسيمة في مناخ نفسي خانق، وتغدو المشورة ضرباً من الوهم، لأن المشورة لا تولد في العاصفة الذهنية. وقد قال الإمام علي، بحدسٍ نافذ سبق العلوم:” ليس مع الخلاف مشورة“. فالخلاف هنا ليس اختلاف رأي، بل اختلال توازن، عاصفة داخلية تُفقد الرؤية صفاءها. وحين يغيب هذا الصفاء لا تعود التقديرات ثمرة عقل، بل إفرازاً لحالة تبحث عن الطمأنينة قبل الحقيقة.

ومع التسرّع يتسلّل انبهار آخر، أشدّ عمقاً وأبعد أثرا: انبهار الغالب في عيون المغلوب. ففي لحظات الانهيار، لا تُقرأ القوة بوصفها واقعة تاريخية عابرة، بل تُفهم كقيمة مطلقة، ويُعاد تفسير العالم من زاوية المنتصر وحده. هنا يتجلّى ما تنبّه له ابن خلدون حين رأى أن المغلوب مولع بتقليد الغالب، لا لقناعته بفضله، بل لانبهاره بقوته. ويأتي القول العلوي مرآةً حادّة لهذا الميل العميق:” إذا أقبلت الدنيا على أحد أعارته محاسن غيره، وإذا أدبرت عنه سلبته محاسن نفسه“. فالسقوط لا يُسقط النظام وحده، بل يُسقط معه حتى فضائله، بينما يُغدق على المنتصر ما لم يبرهن عليه بعد.

هكذا صُوِّر انهيار الإمبراطورية السوفيتية على أنه انتصار نهائي لفكرة واحدة، وكأن التاريخ بلغ ذروته ولم يعد لديه ما يقوله. وهكذا قُرئ سقوط نظام صدام في العراق بوصفه بداية تلقائية لعصر جديد، وكأن إسقاط الدولة كفيل وحده بولادة المستقبل. في الحالتين، بدا التاريخ خطّاً مستقيماً لا يعرف الالتفاف وبدا الزمن كأنه تعلّم أخيراً كيف يتوقّف عند لحظة واحدة تُختصر فيها المعاني والمصائر.

لكن التاريخ لا يعمل بمنطق الإعلانات، ولا يعترف بلغة الاحتفال. سرعان ما كشف أن ما بدا نهاية لم يكن سوى طور، وأن ما قُدّم بوصفه حتمية لم يكن إلا احتمالاً مُغلَّفاً بلغة اليقين. فالتاريخ لا يتحرّك بالقفزات التي تراها العيون المبهورة، بل بالاحتكاكات الصامتة التي لا تُثير التصفيق، ولا تخضع للسرديات المتعجّلة.

في خضم هذا الضجيج تصبح النجاة المعرفية في المسافة لا في الاصطفاف، في التريّث لا في الاندفاع، في الامتناع عن الذوبان في التيار لا في مجابهته بعصبية معاكسة. من هنا جاءت الوصية العلوية كتعليم أخلاقي للعقل في زمن الفتنة:” كن في الفتنة كابن اللبون، لا ظهر فيُركب ولا ضرع فيُحلب“. ليست هذه دعوة إلى السلبية، بل إلى حيادٍ يحفظ للعقل استقلاله فلا يُستعمل وقوداً للحدث ولا يتحوّل إلى أداة في يد اللحظة.

ويعبّر هيغل عن المعنى ذاته حين يقول إن بومة مينيرفا لا تطير إلا عند الغسق، أي أن الحكمة لا تتجلّى في ذروة العاصفة، بل بعد انقضائها. ويكمل الإمام علي هذا المنطق التاريخي السنني بقوله:” الدول دُول، والدهر يومان: يوم لك ويوم عليك“. بهذه الرؤية ينكسر وهم الديمومة المطلقة ووهم النهاية النهائية للتاريخ، فالمبالغة في التفاؤل زمن النصر، كما الإفراط في اليأس زمن الهزيمة ليسا سوى وجهين لردّ فعلٍ انفعالي، لا ثمرة قراءة واعية لمسارات التحوّل.

وهكذا يتبيّن مرة بعد أخرى، أن الحدث الكبير يفتح العيون بقدر ما يُعميها. نحدّق في وهج الانفجار، فنفقد القدرة على رؤية الحفرة التي يخلّفها. ما يُبنى في لحظة السقوط نادراً ما يكون مستقبلاً حقيقياً، غالباً ما يكون رغبةً أو خوفاً متنكرين في لغة التحليل. أما المستقبل الفعلي، فيُصاغ في التفاعلات الصامتة التي لا تلتفت إليها العيون المنبهرة، تلك التي اعتادت أن ترى ما يلمع لا ما يتجذّر.

ومن هنا يظلّ السؤال معلّقا لا ليُجاب بإجابة نهائية، بل ليُصان بوصفه يقظةً دائمة للفكر وحارسا من الانخداع:

هل نتعلّم، أخيراً، كيف ننجو بعقولنا من سُكر اللحظة، أم سنظلّ نخلط بين الضوء والحقيقة كلما دوّى التاريخ؟.. لأن التاريخ في النهاية، لا يخدعنا… نحن من نُسارع إلى خداع أنفسنا حين نعجز عن الصبر على الفهم.

***

حميد علي القحطاني

قد يبدو إحراق كتاب اليوم بلا جدوى، في زمن تحفظ فيه النسخ ورقيا ورقميا، لكن ماذا عن الكتب النادرة التي لا تعوض؟

من رماد مكتبة الاسكندرية، إلى مياه دجلة التي إسودت بالحبر... نأخذكم في رحلة عبر الزمن في إشهر محاولات محو الذاكرة الجماعية عبر التاريخ في الوطن العربي، حتى لم يكن الهدف تدمير الورق فحسب، بل محو الذاكرة، فأحرقت مكتبات تضم الآف الكتب، بعضها إنقرض تماما ولم يعد له وجود، وبعضها الآخر أنقذ ولا يزال مستمرا، ومنها بغداد... عندما إسود النهر بالحبر، ففي 656ﮬ ( 1258 م)، سقطت عاصمة الخلافة العباسية بغداد، وسقط معها (بيت الحكمة)، حين هاجمها جيش المغول بقيادة هولاكو.تروي الشهادات التاريخية مشهدا مروعا:" لم يكتف المغول بتدمير المدينة، بل ألقوا بمكتباتها العظيمة في نهر دجلة، حتى إسودت مياهه بحبر الكتب، وأحمرت بدماء العلماء".

ضاعت النسخ العربية الفريدة من الفلفسة اليونانية ومؤلفات الدولة العباسية، لكن بعض الروايات تذكردورا مركزيا للعالم نصير الدين الطوسي، الذي أستطاع في الحصار إنقاذ عشرات الآلاف من المخطوطات، ونقلها الى مراغة في شمال غرب إيران فكانت نواة مكتبة علمية جديدة بعد الدمار.

أما في الاسكندرية لم تٌمح مكتبة الاسكندرية في ليلة واحدة، بل كانت مأسآة ممتدة عبر الزمن، فقد أطلق شرارة النيران الاولى" يوليوس قيصر" عام 48 قبل الميلاد، حين أشعل سفنه وهو يحاصر الاسكندرية، فأمتد الحريق إلى مخازن الكتب القريبة من الميناء، والتهم بعض مقتنيات المكتبة.

لكن الضربة الاشد جاءت لاحقا بدافع التعصب الديني، عندما قاد الاسقف " ثيوفيلوس" حملة على المعابد الوثنية في القرن الرابع الميلادي، فهدم معبد السيرابيوم، الذي يرجح أن فيه مكتبة فرعية تضم الآف المخطوطات.

تذكر بعض الروايات أن ضياع تلك المخطوطات شمل أصولا رياضية وهندسية، ربما مكنت القدماء من بناء" آلية أنتيكيثيرا" الفلكية، ناهيك عن إختفاء مئات من مسرحيات " إسخيلوس" و" سوفوكليس" ولم يبقى منها سوى عناونين قليلة، فأختفت بذلك حقب كاملة من الذاكرة الاغريقية.

***

رنا فخري جاسم

كلية اللغات / جامعة بغداد

جلسة طارئة بلا جدول أعمال

الحب.. تلك الكلمة الصغيرة التي تتسرب إلى حياتنا بلا استئذان كفيروس ذكي يعرف كل الطرق ليجعلنا عاجزين عن التفكير العقلاني ويحولنا إلى نسخة هزيلة من أنفسنا نعم الحب ذلك النظام العشوائي الذي لا يعرف القانون ولا يحترم أي جدول أعمال، والذي يجعل البشر يضحكون ويبكون في نفس اللحظة وكأن الكون نفسه قرر إقامة مسرحية هزلية باسم القلب

وفي الحب كل شيء يبدأ بالبريق: النظرات الرسائل الهمسات والوعود التي تُكتب على الورق أو في ذاكرة الهاتف وتبدأ الأمور وكأنها حملة انتخابية ناجحة: الجميع سعيد الجميع متحمس والجميع يعتقد أن النصر مضمون لكن بعد فترة قصيرة يظهر الجانب الآخر من الحب: فوضى القرارات الانفعالات المفاجئة والانقسامات العاطفية تمامًا كما يحدث بعد أي انتخابات مفاجئة في دولة غير مستقرة.

الحب يفرض قواعده الخاصة لكنه لا يخبر أحدًا بها وكل قلب يعتقد أنه يستطيع السيطرة وكل عقل يظن أنه يتخذ القرارات الصحيحة لكن في النهاية تُهزم كل الاستراتيجيات أمام كلمة غير مقصودة أو نظرة عابرة والحب أشبه بمعركة دبلوماسية معقدة: كل طرف يحاول الحصول على تنازلات وكل طرف يعتقد أن لديه الحق المطلق والنتيجة؟

غالبًا الفوضى والضحك على سخافة الموقف

أحد أظرف عناصر الحب هو الجانب الاقتصادي نعم فالحب ليس مجرد مشاعر إنه مشروع مالي ضخم الهدايا الرحلات العشاء الفاخر الرسائل المكلفة عاطفيًا… كل هذه الأمور تجعل الحب أشبه بميزانية وطنية بلا تخطيط وأحيانًا تجد نفسك في موقف تقول فيه: “هل يجب أن أشتري هذه الزهرة؟

هل سأخرج على الطريق الصحيح للعاطفة، أم أنني سأدخل أزمة مالية ؟”

الحب يجعلنا خبراء في الحسابات لكنه لا يعلمنا الإدارة وكل الميزانيات العاطفية تنهار فجأة عند أول خلاف وكل التخطيط الذكي يتحطم أمام كلمة بسيطة أو سوء تفاهم

وبالطبع لا يمكننا تجاهل الجانب السياسي للحب والحب يجمع الناس لكنه يفرقهم أيضًا والحب يعلن حربًا بلا إشارات تحذير يفرض حصارًا عاطفيًا وينسّق المؤامرات الصغيرة بين القلوب.

كل قلب يحاول فرض سيطرته على الآخر وكل عقل يحاول البقاء حيًا بينما كل العواطف تتصارع بلا رحمة وإذا كنت تعتقد أن الحب يشبه الاقتصاد أو الحرب فأنت مخطئ: الحب أكثر فوضوية وأكثر متعة وأكثر جنونًا من أي معركة أو مفاوضات سياسية شهدتها البشرية.

ومن الطرائف الكبيرة في الحب أنه يجعلنا نفقد أي حجة عقلانية والقلب يصر على الانطلاق نحو الرومانسية بينما العقل يصر على السلامة والخطة المدروسة...النتيجة ؟ غالبًا ما نجد أنفسنا نختبئ تحت البطانيات نتبادل الرسائل الغريبة ونضحك على سخافة ما حدث قبل ساعة فقط نعم الحب يجعلنا سذجًا بطريقة ممتعة لكنه في الوقت نفسه يحوّل حياتنا إلى مسرحية كوميدية نعيشها على طبيعة يومية.

الحب أيضًا لا يعرف جدولًا زمنيًا وقد تأتي الرسالة في منتصف الليل أو الإعجاب في وقت الغداء، وكأن الكون نفسه يقول لك: “ها هي الأزمة التالية هل أنت مستعد ؟” وهو الوحيد الذي يجعل الناس يصرخون بالفرح والغضب في آن واحد وكأنهم يعيشون اجتماع طارئ لمجلس الأمن على مستوى القلب  بينما النتيجة دائمًا: صدمة عاطفية!

ومن الطرائف الأكثر إقناعًا في الحب أنه يعلمنا الصبر… أحيانًا فهو يجعلنا ننتظر ساعات على الرد أيامًا على لقاء صغير وشهورًا على اعتراف صغير وكأن كل دقيقة من الانتظار تختبرنا كأننا في امتحان عالمي لكن بالمقابل يقدم لنا مفاجآت لا يمكن التنبؤ بها: رسالة غير متوقعة اتصال عاطفي عابر، أو نظرة مليئة بالمعاني تجعل كل الانتظار يستحق. 

الحب لا يرحم أحدًا وهو يجعل الأطفال يبدو كخبراء في فنون التلاعب ويجعل البالغين يتصرفون كسذج ويجعل الكبار يعودون إلى الطفولة يتصرفون بلا خطط بلا منطق بلا تحفظ فقط استجابة للنبضات العاطفية.

والحقيقة أن الحب يشبه لعبة اللوبي الكبيرة: كل طرف يحاول السيطرة على قلب الآخر، وكل قلب يتحرك بخطوات مخفية وكل عقل يحاول فهم ما يجري لكن غالبًا بلا جدوى كما أن الحب يفرض علينا حضور الاجتماعات العاطفية المفاجئة: مأدبة الغرام نزهة البراءة عشاء الاسترضاء مكالمات الصباح ومسجات الليل.

كلها تبدو كجولات تفاوض دبلوماسية وكل منها يحمل تهديدًا ضمنيًا: “إذا لم تبتسم، ستدفع الثمن” لكننا  بلا وعي، نوافق على كل شيء ونحب كل لحظة ونضحك على كل فخ.

الحب يعلمنا أيضًا لغة جديدة: لغة التلميحات والرموز لغة الإشارات الغامضة لغة النظر والابتسامة وهذه اللغة وحدها كافية لتدمير أو إنقاذ العلاقات وكأن كل كلمة غير منطوقة هي سلاح نووي جاهز للانفجار وكل نظرة خاطفة قد تكون بمثابة هدنة دائمة أو إعلان حرب جديدة.

في النهاية الحب يشبه الانتخابات والجميع يشارك الجميع يصر على الفوز والقليل فقط ينجح في الاستمرار حتى الدورة التالية والحب يجعلنا نضحك على أنفسنا نكتشف أننا أكثر جنونًا مما كنا نظن لكنه في الوقت نفسه أجمل أزمة عرفها الإنسان على الإطلاق.

الحب… هذا النظام العشوائي هذا الاختراع الكوني هذا الترف العاطفي هذا الصراع الأبدي، هو الذي يجعل الحياة تستحق كل هذا الجنون ويجعل القلوب تعيش على أمل أن يكون الفشل مجرد درس وأن يكون النجاح لحظة قصيرة لكنها عذبة وكأننا جميعًا نتعلم السياسة لكن بطرق لا عقلانية وبضحكات لا تنتهي وبقلوب مفتوحة على الفوضى وعلى المسرح الكبير للحياة.

***

د. رافد حميد فرج القاضي

 

هل بقيت أقلام تكتب بمداد على ورق؟.. تساؤل يشخص أمام الكلمات المبثوثة في الشاشات، فالأقلام رخيصة أو مجانية، لأن الكلام مجرد من الفعل، ولا يجني صاحبه من ورائه أي مال، إلا مَن إتخذ صراط الإرتزاق سبيلا.

كنت أنشر مقالات علمية في بعض الصحف المحلية، وكان الماحسبون لا يعطوني المكافأة التي كانت في حينها ذات قيمة، ويقولون لي: "دكتور ما تحتاجها"، "شلك بيها" ، وما إستلمت منهم فلسا واحدا مع تواصل كتاباتي، وكان علي أن أطالب بحقي لكني كغيري قد أسهمنا بترعرع الفساد في عالم الكلمة والنشر.

لا أدري لماذا أكتب ولم أكسب من كتاباتي فلسا واحدا، إلا حينما كنت أكتب في مجلة الجامعة في الموصل أيام كان رئيسها المرحوم محمد المشاط، وكان المحاسب أمينا ويعطيني المكافأة كلما نشرت مقالة علمية.

الكتّاب فقراء، وأكثرهم كتاباتهم ثانوية فعندهم مصدر عيش، لأن الكتابة لا تمنع من جوع، بل تساهم في تبذير الجهود وإضاعة الوقت، فالإستثمار في الكتابة مشروع فاشل إلا فيما ندر في مجتمعاتنا، التي لا تقدر الموهوبين ولا تعتني بالمبدعين، بل تنظر إليهم شزرا، وهذا فرق واضح بين المجتمعات المتقدمة التي تعز كتابها ومفكريها وبين مجتمعاتنا.

 كان صديقي عصاميا وأعطى قلمه كل حياته، لكنه لم يقدم له متطلبات العيش الرغيد، بل حوله إلى متسول في خريف العمر، متوهما بأنه سيعتاش على بيع كتبه، وإذا بسوق الكتاب ينهار، وتفقد الكلمة قيمتها وتصبح مجانية بلا ثمن، فالذين يكتبون صاروا طوابير لا تعد ولا تحصى، وعلى ضربات المفاتيح ينتجون ما تعجز عن الإتيان به الأقلام المتراكضة على الورق.

بدلا من السبابة والإبهام صارت جميع الأصابع قادرة على الكتابة لأنها تضرب مفاتيح الكي بورد، وما عادت تعرف الإمساك بالقلم أو مجالسة القراطيس.

والمفردات تبدلت، ومعانيها تغيرت، ولكل عصر ما يعبر عنه من الكلمات، وأبناء القرن العشرين يترنحون على سفوح الربع الأول من القرن الحادي والعشرين، واللاحقون أجيال مولودة من رحم الثورات المعلوماتية والتفاعلات الإليكترونية والتكنلوجية، والمنغمسون في نشاطات الذكاء الإصطناعي، والذين يجيدون التخاطب مع الآلة لا مع البشر.

عالّمٌ جادَ بعلمٍ مُطلقِ

وترامى في فضاءٍ مُشرق

وعلى الشاشاتِ فعلٌ ناطقٌ

يَتباهى بالجديدِ الأوْرقِ

أممُ الأوهامِ خابتْ وانتهتْ

وتوارتْ بالحَضيضِ الأعْتق

يا بلاداً من أصيلِ المُحْتوى

إسْتفيقي من سباتٍ مُطبقِ

ذهبتْ أقلامُ جيلٍ حالمٍ

واخْتفى عَصرُ العَطاءِ الأعْبقِ

***

د. صادق السامرائي

كباحث واكاديمي يحمل هم هذا الوطن في قلبه، ويؤمن بأن العلم هو مالنا الاخير للنهوض، اضع اليوم تمنياتي الشخصية لعام 2026، لا بوصفها مجرد امال مرسلة، بل كخارطة طريق اخلاقية نابعة من حرصي الشديد على مستقبل اجيالنا. ان طموحي ان نرى ثورة بيضاء تعيد لقدسية العلم هيبتها، وتحرر جامعاتنا من قيود المصالح الضيقة، لنستعيد معا دور المؤسسة الاكاديمية الرائد في بناء الانسان العراقي الرصين:

اولا: النزاهة الاكاديمية وتحرير الادارة

- استعادة القيادة العلمية: ان تغدو الكفاءة والمعرفة هما المعيار الاوحد في اختيار رؤساء الجامعات والعمداء ورؤساء الاقسام، بعيدا عن المحاصصة والولاءات الضيقة، لتعود الجامعة حصنا للعلم لا ساحة للاستقطاب.

- تطهير الجسد الاكاديمي: إرساء سياسة "صفر تسامح" مع الفساد العلمي والإداري، بفصل كل من يثبت تورطه في سرقة بحثية، او شراء نتاج علمي، او ممارسة التزوير والانتحال، وكذلك كل من يثبت تقاعسه عن أداء واجباته او اخلاله بشرف المهنة التدريسية وقيمها السامية، صوناً للأمانة العلمية.

ثانيا: اصلاح منظومة التعليم الاهلي

- التعليم كرسالة لا كسلعة: تحويل الجامعات الاهلية من مؤسسات ربحية نفعية الى مؤسسات نفع عام غير ربحية، اسوة بالانظمة العالمية الرصينة، والغاء اجازة اي مؤسسة تبتز تدريسيها ااو تتهاون مع طلبتها في تطبيق معايير الجودة الاكاديمية.

- مجانية التعليم وحق المعرفة: اعادة الاعتبار للتعليم الحكومي بوصفه حقا مكفولا، عبر الغاء اجور التعليم "الموازي" و"المسائي"، لضمان تكافؤ الفرص على اساس الاستحقاق العلمي فقط.

ثالثا: جودة البحث العلمي ومواجهة "تجارة النشر"

- ثورة "الكيف" لا "الكم": التحرر من عبودية الارقام والتصنيفات التجارية (كالتايمز وغيرها)، والتركيز على بحوث رصينة تعالج مشكلات الواقع العراقي وتساهم في التنمية الحقيقية.

- دعم الباحث وانهاء النشر المأجور: انهاء الحقبة التي يمول فيها الباحث بحثه من جيبه الخاص، وتوجيه النشر نحو المجلات المجانية الرصينة، والابتعاد عن دوامة "سكوبس" التجارية التي ارهقت كاهل الاكاديميين دون مردود علمي حقيقي.

رابعا: البيئة الجامعية وبناء الانسان

- الحرية والكرامة الاكاديمية: صيانة كرامة الاستاذ الجامعي وحريته الاكاديمية، وتعزيز بيئة يسودها الاحترام المتبادل وحرية البحث والنقد.

- مناهج لصناعة المستقبل: تطوير المناهج الدراسية لتواكب متطلبات العصر، بحيث تركز على مهارات التفكير وبناء الانسان المؤهل لسوق العمل والمستعد لخدمة مجتمعه، بدلا من التلقين التقليدي.

خلاصة التمنيات: ان هذه الرؤية ليست مجرد تطلعات لعام جديد، بل هي طوق النجاة لاستعادة بوصلة التعليم؛ فاما اصلاح حقيقي يبني الانسان والوطن، او استمرار لجهل مقنع يهدد المستقبل. فليكن عاما للانتقال من "شكل" التعليم الى "جوهر" العلم الذي يستحقه العراق.

***

ا. د. محمد الربيعي

ثَمَّةَ فَجوَةٌ زمنيَّةٌ تَفصِلُ ما يعيشه العالم عمَّا يعيشه العراق. فبينما يَسيرُ العالَمُ نحوَ الذكاء الاصطناعي والحوكمة الرقمية والتعليم المدمج، ويطفو على سُحُبٍ من البيانات؛ حيثُ تُدارُ الحروبُ بالخوارزميات، وتُخاضُ المعاركُ بالكلمات المُفهرسة والرموز البرمجية، لا بالسيوف ولا بالمواعظ، لا يزال العراق يختبرُ البدايات: كيف نُديرُ مدرسة؟ كيف نحافظ على نزاهة المعلومة؟ وكيف نزرع الثقة في نظام لا يثق بنفسه؟ إنه يقف على تخوم هذا التحول كمن ينظر إلى قافلةٍ تغادره في الأفق، وهو ما زال يفتش في ترابه عن سبب تأخُّره الأبدي.

يَقِفُ العراق على مرآةٍ مزدوجة: وَجهٌ يتطلَّعُ إلى اللحاق بالعصر، وآخَرُ ما زالَ مسكوناً بأطياف الماضي. إنه بلدٌ يستخدم الإنترنت في كل بيت، لكنه يحفظ وثائقه في ملفاتٍ ورقية، ويُصدق الشائعة أكثر من الخبر الموثق، ويغلق الباب على البيانات كأنها أسرار عائلية.

قبل الثورة الرقمية، كان التفكير البشري يسير في خطوط متتابعة، فكرةً تليها أخرى. أما اليوم، فأصبح التفكير شبكياً، يشبه الإنترنت نفسه: مترابطاً، متعدد الاتجاهات، يعتمد على الروابط أكثر من التسلسل. فالعقل لم يعد يبحث عن المعلومة فحسب، بل يتنقل بين المصادر، ويقارن ويحلل ويربط بينها بسرعة غير مسبوقة.

في الماضي، كان التعليم والبحث يركزان على تخزين المعلومات. أما اليوم، ومع توفر المعرفة بضغطة زر، فقد تحوَّل التركيز إلى قدرة الفرد على التحليل والنقد والابتكار. فالعقل الرقمي يسأل: "كيف أستخدم المعلومة؟" لا "كيف أحفظها؟". لقد بات الإنسان يعيش في مستويات وجود متعددة، يفكر فيها بطرق مختلفة، شاملةً ما هو افتراضي ورمزي ومحاكى. فما كان خيالاً صار تجربة رقمية، وما كان فكرة صار تطبيقاً.

في العراق، ثمة بذورٌ لهذا التحول: فقد أُطلقت استراتيجية وطنية للذكاء الاصطناعي، تُركز على دمج "البيانات الكبيرة" في التعليم والصحة والطاقة والزراعة. وتخطو الخطوات العملية نحو فتح كلية متخصصة بالذكاء الاصطناعي في جامعة بغداد. وفي مجالات محدودة، بدأ استعمال الذكاء الاصطناعي في مشاريع تطوير البنى التحتية للطاقة، وتدريب العاملين في الإعلام على أخلاقياته.

رغم ذلك، فإن العراق ليس متأخراً عن التكنولوجيا فحسب، بل عن الذهنية التي تُنتجها. فالتحول الرقمي ليس حاسوباً جديداً أو هاتفاً ذكياً؛ إنه نظام تفكيرٍ جديد يُعيد تعريف العلاقة بين الإنسان والمعلومة، بين المعرفة والسلطة، بين الفرد والجماعة.

لكن العقل العراقي، الممزق بين قداسة الماضي وشكوك الحاضر، لم يفلح بعد في التكيّف مع هذه النقلة. إنه عقلٌ يعيش على الذاكرة، لا على التحديث؛ يقدّس الحكاية أكثر مما يؤمن بالبرهان، ويؤمن بالحدس أكثر من الخطة، ويخاف السؤال لأنه يراه بوابةً إلى الفتنة.

هنا تبدأ المحنة: محنة عقلٍ لم يتصالح بعد مع فكرة الشفافية، ولا مع معنى النظام. وفي جوهر هذه المحنة تكمن ازدواجية الوعي: فالعراقي متحمس لكل جديد، لكنه لا يثق به. يستهلك التقنية زينةً للعصر، لا أداةَ تحوّل. يحمل الهاتف الأذكى لينشر الخرافة ذاتها، وحين يدخل الإنترنت، لا يدخل إلى فضاء المعرفة، بل إلى متاهة الصراخ، يخرج منها أكثر يقيناً بجهله.

التحول الرقمي، في جوهره، ليس مشروعاً تقنياً، بل ثورة في طرائق التفكير. هو انتقال من ثقافة الشفاهة إلى ثقافة المعلومة، من الفوضى إلى التنظيم، من الاستبداد بالمعرفة إلى تداولها. يقوم على الشفافية والنظام والثقة بالعلم لا بالحدس. وهذه المفردات الثلاث هي بالضبط ما يفتقده الواقع العراقي.

ففي المدرسة العراقية، لا يزال الطالب يُكافَأ على الحفظ لا على الفهم، وعلى الطاعة لا على السؤال. فكيف ننتظر منه أن يتعامل بحرية ومسؤولية مع فضاءٍ رقمي مفتوح، وهو لم يُدرَّب بعد على التفكير النقدي؟ وفي الجامعة، يتخرج الآلاف كل عام دون أدوات البحث الحقيقي، لأن المناهج ما زالت أسيرة الورق، والعلاقة بين الطالب والأستاذ تشبه العلاقة بين التابع والسلطة.

أما في الإدارة العراقية، فالتقنية تُستخدم "زينة شكلية": مواقع إلكترونية بلا محتوى، وأنظمة إلكترونية تُدار بالعقل الورقي ذاته. فالتحول الحقيقي لا يحدث حين تُدخل التكنولوجيا إلى المؤسسة، بل حين تُخرج منها العقل القديم.

وحتى الإعلام العراقي، الذي كان يمكن أن يكون منصة ريادية في عصر الرقمنة، تحوّل إلى ساحة للضجيج. وفي زمن تنتصر فيه الخوارزميات للوضوح والدقة، ما زال الخطاب الإعلامي المحلي يفضّل الغموض والانفعال، لأن العقل الجمعي ما زال يأنس بالعاطفة أكثر من التحليل.

ثم يأتي المجتمع الرقمي العراقي، الموزّع بين صفحات الفيسبوك ودوائر الشك. فالناس هنا يعيشون في فضاءٍ رقمي، لكنهم يفكرون بعقلٍ شفاهي؛ يتبادلون الأخبار دون تدقيق، ويتفاعلون بالعاطفة قبل الفكرة، ويقيسون الوعي بعدد المتابعين لا بعمق الفهم. لقد وفّرت التكنولوجيا لكل عراقي منبراً، لكنها لم تمنحه بالضرورة لغةً جديدة للحوار.

إن التحول الرقمي في العراق لم يفشل تقنياً، بل عقلياً. فالمشكلة لم تكن يوماً في نقص الأجهزة، بل في فائض الذهنيات القديمة التي تُصّر على إدارة الجديد بعقل الأمس. العراق لا يحتاج إلى "مشروع رقمنة" بقدر ما يحتاج إلى ثورة في طريقة التفكير: ثورة على الخوف من السؤال، وعلى عبادة السلطة، وثقافة السرّية، والعجز عن العمل الجماعي.

كيف يمكن لبيئةٍ تربّت على الغموض أن تقبل الشفافية؟ كيف يمكن لمجتمعٍ يؤمن بالخلاص الفردي أن يتبنى فكرة العمل الجماعي؟ وكيف يمكن لعقلٍ نجا بالتقية أن يثق بالنظام؟.

العراق لا يعاني من نقصٍ في الذكاء، بل من تبدُّده. فالذكاء العراقي متوهّج في اللحظة الطارئة، لكنه يخبو في التنظيم. إنه ذكاء “النجاة”، لا ذكاء “البناء". وهنا تنشأ المفارقة بين العقل الذي يتعامل مع التكنولوجيا كوسيلةٍ للهروب، والعقل الذي يوظفها لبناء المستقبل. والمحنة ليست في الجهل، بل في التنافر بين الوعي القديم والأدوات الجديدة.

فمن غير الممكن أن تتحوّل ثقافة لم تُحلّ مشكلتها مع الحرية إلى بنيةٍ رقمية منفتحة. فالتحول الرقمي لا يسكن في الشاشات، بل في العقول. وما لم يتحرر العقل العراقي من سلطة الخوف، فلن ينجو من الأمية الرقمية، مهما امتلك من أجهزةٍ وبرامج.

إننا نعيش لحظةً خطرة، لا لأن العالم تغيّر بسرعة، بل لأننا ما زلنا نُجادل في ما إذا كان التغيير ضرورة أم خيانة. فكل نقلةٍ رقمية تُقابل بسؤالٍ عقيم: "هل هذا يناسب قيمنا؟"، كأنما الزمن ينتظر موافقتنا ليواصل سيره.

لكن الزمن لا ينتظر أحداً. لقد غاب عنهم أن التحول الرقمي ليس مؤامرةً على الهوية، بل امتحانٌ للعقل. وأن العراق، إن أراد أن يكون جزءاً من العالم الجديد، عليه أولاً أن يُعيد تعريف "العقل العراقي" نفسه: من عقلٍ دفاعي، مأسورٍ بالذاكرة، إلى عقلٍ استكشافي، مؤمنٍ بالخطأ بوصفه طريقاً إلى الصواب، وبالتجريب لا بالتقليد. ذهنيةٍ تضع السؤال قبل الإجابة، والتجربة قبل الفتوى، والمستقبل قبل الماضي.

حينها فقط، يمكن للعراق أن يخرج من محنته، لا ليلحق بالعالم، بل ليصنع لنفسه مكاناً في المستقبل، لا على هامش الذاكرة، بل في قلب المعرفة.

لقد آن للعقل العراقي أن يتحرر من ماضيه دون أن يتنكر له، أن يعيد تعريف نفسه لا كذاكرة، بل كقوة معرفة. فالتحول الرقمي ليس امتلاك حاسوبٍ ذكي، بل امتلاك عقلٍ يجرؤ على التفكير بحرية.

***

جورج منصور

الحقيقة مرّة، ومَن يملكها يلوذ بالصمت، لأن عواقب البوح بها وخيمة، ولهذا تسيد منهج السمع والطاعة، عبر العصور، وتخنّع البشر ليعيش ويحافظ على وجوده الأمين.

قال لي: الصمت دريئتي لأنني أعرف الحقيقة ومَن ينطقها يموت!!

تأريخ البشرية يحتشد بأنظمة الحكم القمعية، التي تحيل الكلمة إلى رصاصة تقتل صاحبها، أو سيفا يبتر عنقه، فما أكثر ضحايا الكلمات في دنيانا المعفرة بالدماء والدموع.

وعصرنا الوثاب إبتكر ما لا يخطر على بال من وسائل القتل الفتاك، وبصمت وكتمان، وبأهوال وعدوان، والأرض تدور، ويخور مَن يخور، وكل مَن عليها جان (أي جاني).

وفي تراثنا المدون أشعار وأقوال تحذر من حرية القول والتفكير، وما ينطقه اللسان، ومنها:

"كم في المقابر من قتيل لسانه...كانت تهاب لقاءه الشجعان"

الحياة مخادعة والظهور بقناع على قياس المطمورات الكامنة فينا، ومن الصعب التوصل إلى حقيقة الشخص مهما إجتهدنا، فالنفوس كالسائل الذي يأخذ شكل الوعاء الذي يوضع فيه، وتنطبق عليها قاعدة الأواني المستطرقة، فبرغم إختلافاتها تجدها ذات أفق متشابه إزاء الموقف الذي توضع فيه.

البشر لا يحتمل مواجهة الحقيقة ويستلطف التضليل والخداع، ويهرول وراء الأكاذيب والإدعاءات الباطلة لأنها تغذي أوهامه وتحافظ على قوامه النفسي من التصدع والإنهيار.

ولهذا فالسياسي البارع هو كذاب ماهر ويمتلك شطارة عالية في التلفيق ومخاطبة النفوس المستترة وراء حجاب الكلمات الإطرائية وقسمات الوجوه الفاتنة.

حَقائقها لنفسٍ إسْتباحَتْ

عيونُ الخلقِ عن حقٍّ تعامتْ

برعْبٍ صامتٍ رسمتْ خُطاها

فلا تجهرْ بأصْواتٍ تعالتْ

كتاباتٌ مطعمةٌ بشهدٍ

ومِن سمٍّ وعلقمةٍ تَساقتْ

ومَن نطقَ الحقيقةَ نالَ قهرا

وإجْحافا وموجعةً توالتْ

وإنّ الصدقَ حِرْمانٌ وبؤسٌ

لكاذبها غنائمُها تدانتْ

***

د. صادق السامرائي

 

ليست كلُّ الجوائحِ فيروساتٍ تُرى بالمجهر، بعضُها أفكارٌ، وسلوكياتٌ، وأصواتٌ تتسرّب إلى الروح على مهل، حتى إذا استيقظ المرء وجد نفسه غريباً عن نفسه. إنّ البيئة المريضة معدية، لا لأنها تصرخ، بل لأنها تُكرّر، ولا لأنها تُقنع، بل لأنها تُطَبِّع القبح حتى يبدو عادياً، والخطيئة حتى تُسمّى ذكاءً، والانحطاط حتى يُلبَس ثوب الجرأة.

هي بيئةٌ تُدار فيها المجالس بالغيبة، وتُزيَّن الأحاديث بالبهتان، وتُبنى المكانة على اتهام الآخرين، لا على تزكية النفس.

بيئةٌ إذا تكلّم فيها أحدهم، جرّح، وإذا صمت، دبّر، وإذا ابتسم، خبّأ سكيناً.

الألفاظ فيها خادشة، والنيات مشوّهة، والفضيلة غريبة، والأدب موضع سخرية.

لا تُربّي، بل تُسقِط.

لا تُهذّب، بل تُجرِّم.

لا تفترض البراءة، بل تتغذّى على الشك.

لا ترى الإنسان مشروعَ نور، بل مادةً للشيطنة.

والخطر كلُّ الخطر، في أنّ الاعتياد أخطر من الصدمة.

أن تسمع القبح مرة فتشمئز، خيرٌ من أن تسمعه ألف مرة فتبتسم. أن ترفضه من أوّل الطريق، أهون من أن تسكنه في منتصف العمر. من يُجبر على العيش في هذه البيئة، يقف أمام امتحانٍ قاسٍ، لا حياد فيه:

إمّا أن يحارب: بالكلمة الصادقة، وبالموقف النظيف، وبالثبات الذي لا يساوم، وهو طريقٌ شاقّ، لكنه طريق الأحرار.

وإمّا أن ينعزل: حفاظاً على قلبه وعقله، لأن السلامة أحياناً في الصمت، ولأن النجاة ليست دائماً في المواجهة.

وإمّا أن يستسلم: وحينها لا يبقى كما كان؛ يصبح نسخةً أخرى من القبح الذي كان يلعنه، ويشارك في الجريمة وهو يظن نفسه ضحية.

وهنا بيتُ القصيد: فليس كلُّ بقاءٍ حكمة، وليس كلُّ خروجٍ هروباً. إن البقاء في بيئة تُفسدك خيانةٌ للنفس، والخروج منها وفاءٌ للقيم. أن تُنقذ روحك ليس أنانية، بل مسؤولية؛ لأنك إن فسدت، فسد بك غيرك.

احذر… فالقيم لا تموت فجأة، بل تُغتال بالتدريج. إن الإنسان لا يسقط دفعةً واحدة، بل ينزل درجةً فدرجة، حتى ينسى أين كان يقف. قاوم… قاوم بأن تكون مختلفاً دون ضجيج، نقياً دون استعلاء، صادقاً دون قسوة. قاوم بأن تذكّر نفسك كل صباح: لستُ مضطراً أن أكون مثلهم كي أنجو.

أو غادر… غادر حين يصبح الثمن هو روحك، وضميرك، ووجهك في المرآة. غادر لأن بعض الأماكن لا تُصلَح، بل تُترك، وبعض البيئات لا تُعالَج، بل تُهجَر.

فاختر لنفسك صحبةً تُذكّرك إذا نسيت، وترفعك إذا ضعفت، وتخجلك من المعصية لا تُدرّبك عليها.

واعلَم: إن الإنسان ابنُ ما يعتاد، لا ابنُ ما يدّعي، فإن أردت النجاة، فابدأ من هنا… من اختيار البيئة، قبل أن تختارك هي.

***

الشيخ الدكتور ليث عبد الحسين العتابي

مضى عام وأوشك على الإنتهاء، مضى بكل ما حمله في طياته من نجاحات وإخفاقات، بإيجابياته وسلبياته، بحلوه ومره، بابتساماته وعبوسه، بحروبه وظلمه وجبروته وغياب الأبعاد الإنسانية والأخلاقية والقانونية والحقوق، بألفة تجمع الناس أو تمزق شملهم ووحدتهم، بصداقات تبنى أو عداوات تنهك، بأناس عاشوا وآخرون افتقدناهم، بكل ما قد يَظهر للعلن أو يبقى طي الأسرار والكتمان في القلوب والصدور والعقول والأفكار.

مضى عام، ومن قبله أعوام خلت، يأخذ كل منها من أعمارنا جزءاً، وينحت في عقولنا وأفئدتنا الكثير من الفرح والهناء، أو الألم والعناء. وما أجمل ما قال الشاعر:

دقات قلب المرء قائلةٌ له    إن الحياة دقائقٌ وثواني

أيامنا معدودة، تنقص ولا تزيد، وإذا ذهب يوم فلا عودة له. قال الحسن البصري رحمه الله:

"يا ابن آدم، إنما أنت أيام، إذا ذهب يوم ذهب بعضك"

وقال ابن القيم رحمه الله:

"إضاعة الوقت أشد من الموت؛ لأن الموت يقطعك عن الدنيا وأهلها، وإضاعة الوقت تقطعك عن الله والدار الآخرة".

بائع الثلج المسكين !!! ذكر ابن الجوزي في كتابه (المدهش) أن رجلاً كان يبيع الثلج، فكان ينادي عليه فيقول: «ارحموا من يذوب رأس ماله»! لقد كان هذا الرجل يستدِر عطف الناس وأموالَهم بأن بضاعته تذوب مع الوقت فتفنى؛ فلو لم يبع الثلج لذاب، ولضاع رأس المال، فهو ينادي في السوق: «ارحموا من يذوب رأس ماله» أي: اشتروا مني الثلج وإلا ذاب وضاع رأس مالي كله. ارحموا من يذوب رأس ماله اغتنم الأيام المعدودات.. قال واحد من السلف الصالح: لقد قرأت سورة "العصر" عشرين عاماً ولا أفهم معناها.. هنا فهمت أن هذا هو معنى القسم في سورة "العصر".. فرأس مالك في الدنيا هو عمرك.. واللحظة التي تمر من عمرك لن تعود ثانية.. فكل واحد منا يذوب رأس ماله.. فانتبهوا لرأسِ مالكم وهو الوقت الذي تحيا فيه.. قبل أن ينتهي الأجل..

تمضي الأيام والسنون دون أن نوليها ما تستحق من انتباه أو محاسبة. تمر الخبرات والتجارب ونحن غافلون عن الاستفادة منها وتقويم أخطائنا، فلا ينبغي أن نجعل الماضي سياطاً لجلد الذات، ولا نعيش أسرى الندم، بل نتخذه نبراساً يهدينا إلى طرق السلام، لا عائقاً يشدنا للخلف ويحبسنا في دوامة الحزن وكأبة الأيام.

من جمال الفعل الإنساني أن نجعل ما مضى جسراً إلى ما هو آتٍ، طريقاً معبداً يقودنا نحو مستقبل أفضل لنا ولأبنائنا، دافعاً إيانا للاستمرار رغم التحديات. فالماضي مدرسة نتعلم منها، نثبت فيها ما أحسنا فعله، ونعالج ما أخطأنا فيه، ونبدله بالأفضل الذي يدفعنا للأمام.

لقد أثبتت الدراسات أن ما بين 40% إلى 60% من الأمراض الجسدية — كأمراض القلب والضغط والسكري والقرحة والسرطان — هي نفسية المنشأ، فضلًا عن اضطرابات القلق والاكتئاب وغيرها مما يعصف بحياة الإنسان ويشوه نظرته وصورته لنفسه وللعالم. من حوله

لهذا، تصبح إدارة الوقت والعمر بوعيٍ وحكمة أمراً حاسماً في سعادتنا وتوازننا. قال ابن مسعود رضي الله عنه: "ما ندمت على شيء ندمي على يوم غربت شمسه، نقص فيه أجلي ولم يزدد فيه عملي".

فكيف لو استثمرنا أيامنا في مضاعفة نجاحاتنا وتجاوز إخفاقاتنا ووضع آليات تمنع تكرارها؟

الخطأ ليس عيباً في حد ذاته، إنما العيب أن نكرره دون مراجعة أو تصويب.

فلنزرع الجمال واللطف والإيجابية في نفوسنا وفيمن حولنا، ونبتعد عن السوداوية والتشاؤم. ولنتذكر أن الإنسان يخطئ، وبإمكاننا دائماً إعادته للصواب بلطف الكلمة وحكمة الفعل. فالمحبة والابتسامة الصادقة بلسم يشفي الجراح ويعيد الألفة والطمأنينة بين القلوب.

إن صادفنا في أعوامنا ما آلمنا، فلنجعل مرارته دافعاً للترميم، وباباً جديداً للمصالحة والعفو والتسامح، وبناء القوة داخل الأسرة والمجتمع. فالعيش بود وإخاء وتعاون أعظم بكثير من التنازع الذي لا يحرق إلا أصحابه.

إن ما يجمعنا أكبر بكثير مما يفرقنا؛ دين واحد، وطن واحد، وقواسم عظيمة لا تقاس بتفاهة الخلافات العابرة أو نزوات أنانية قصيرة الرؤية والمصالح الفردية. فالاتحاد قوة، والتفرق تمزق وضعف، كما أثبتت الأمم المتقدمة حين جعلت الاندماج سبيلاً للقوة والديمومة، بينما تبقى الشعوب التي تنهكها الصراعات رهينة التبعية والانقياد.

فلنجعل من الأعوام الماضية نقطة انطلاق نحو أعمار تثمر خيراً وبراً.

وكل عام وأنتم بخير، من صناعة الأمل لا من أسر الألم.

***

بقلم: د. أكرم عثمان

1-1-2026

في خضم الجدل الدائر منذ ايام حول حديث السيدة بلقيس شرارة حول الراحل السياب، انبرى بعض "المثقفين" لموضوع الخلاف بروح تتظاهر بالهدوء وسعة الصدر وبُعد النظر وأخذوا يدافعون عن طروحاتها ويبحثون عن ذرائع افتراضية من باب ربما كانت تقصد كذا ، او ربما خانها التعبير او انها لاتجيد اللهجة العراقية الخ....

اسأل هؤلاء السادة: ما الذي يربطنا بالكتّاب والادباء سوى كتاباتهم؟ نحن لانعرفهم ولم نلتق بهم وربما قد رحلوا من عالمنا قبل ولادتنا ،لذلك نحن نحاسبهم على مايكتبون ويقولون ونوافق عليها او نعترض او نُدين مايقولون..

اما ماكان في دواخلهم ونواياهم الدفينة فلا أحد يحق له التكهن بها ..

احد هؤلاء المثقفين قال ان ماحصل من انتقادات هو جوقة عزف نشاز تعزف لحن الكراهية ثم قال ان كل أطياف العراق هاجموها من شيوعيين وبعثيين وقوميين وسنة وشيعة الخ.. ووصف ذلك السلوك الجمعي بأنه فزعة عشائرية !!

وهذه حجة عليه وليست له لانها تعني ان القضية اصبحت عراقية وطنية عابرة لكل انتماء آخر..

كاتب آخر قال: الكل يهاجمها لانها تمردت على النفاق الاجتماعي.. !!

اليست تلك اهانة لكل المشاركين في ذلك التحرك؟

هؤلاء الذين نشأ في نفوسهم شعور بالسيادة الثقافية الأبوية مع انهم سياسيون قدماء فاشلون قرأوا العديد من الكتب دون ان يتبلور لديهم منهج واضح..انهم يفتخرون بانتقاد اي تصرف ويتصرفون باستعلاء مع كل المجتمع..

هل هنالك مؤسسات لا نعرفها تقوم بتصنيف الكتّاب وتمنحهم مراتب معينة؟

ولعمري فأن كلام هؤلاء السادة لا يقل قسوة وعنف عن كلام السيدة شرارة.

بعض ادعياء الثقافة الرصينة الهادئة المتعالية، والذين هربوا بافكارهم اليسارية الى الدول الامبريالية، هنالك يقبعون ويقدمون لنا نصائح حول سلوك المثقف مابعد الحداثوي ..

لماذا لايحق للانسان ان يغضب؟ اليس الغضب هو رد فعل انساني وهو جزء من البنية السلوكية للأنسان؟

لقد ضحكت بمرارة من قول أحد هؤلاء من شيوخ وزعماء "الثقافة" في العراق عندما قال في معرض دفاعه عن السيدة بشارة ان والد زوجها هو مؤسس الحزب الاشتراكي الديمقراطي في العراق وانه أب اليسار العراقي (يقصد السيد المرحوم كامل الجادرجي)..

مع ان السيد الجادرجي مؤسس الحزب الوطني الديمقراطي وليس الاشتراكي الديمقراطي وليس هو والد اليسار العراقي!! كان الرجل يمثل الاتجاه الوسطي بين اليسار واليمين.

وهكذا نلاحظ الجهل القابع وراء شرنقة قديمة من مخلفات المعرفة والمعلومات والتي يلعب اصحابها دور الموجه التربوي للمجتمع.

***

د. صلاح حزام

فتلك الذكريات التي تأتي وقد تؤدي وقد لا تؤدي...

ما أسرع وتيرة الزمان الذي نعيشه بالاستهلاك، حتى بات الزمن هو من يُطارد أيامنا بالتداول والمناولة، ويُهددنا بحتمية الموت، والوصول إلى خط النهاية (مفهوم القدر)، حينها قد نعتبر الزمن فرديا في تقرير(حتمية الموت) الفردية، وحين ذهابنا الآمن ضمن مكونات (ممكن الوجود)، فلن نُغير شيئا غير بقاء أثر الخير وخدمة الإنسانية، ولن يتوقف علينا حينها لا الوجود ولا الزمان من سنن الاستمرار المستديم، ولكن من رأيي أن الزمان هو نحن، ونحن الزمان بحد ذاته الفردية والجماعية، من تم فلن نحارب الزمان ولن نطارده، فهو أشد قوة منَّا، وقد نخاف منه بالتباع ، وكذا من فوضى الاستهلاك الرديء للزمن وغير الخير في الفعل.

من تعريفات مفهوم التاريخ الطريفة "فهو الروايات القديمة" ونحن لا نَعرف من الزمان غير مصطلح الماضي والحاضر والمستقبل، ولا نقدر على معرفة ما يختفي "ما بعد المستقبل" !!!  من تم، قد لا نعرف (لا ماهيته ولا جوهره الحقيقي) في ظل غياب المعقولية والحياة الموجهة بالرزانة والثقافة المرجعية (الدينية). 

ومن حسن التعريف أن الإنسان لا يمكن أن يفهم ذاته وغيره (الآخر) إلا من خلال انفتاحه على مفهوم الزمن، ومعرفة فواصل الفرق بين (الخير/ الشر). فيما التوقف عند الماضي (2025) وما قبلها، فهو الخطأ الذي نقع فيه جميعا من خلال استبدال الحلم في المستقبل المغير بالذكريات الماضية. ورغم فالماضي بحق هو المرجعية والمرآة الفاصلة، وكذا هو الهوية الذي يضمن إدراك أصالتنا الفردية والجماعية، ومعنى الحياة ضمن النظام السماوي (الحاضر والمستقبل)، وتحقيق القيم الاجتماعية الفضلى (الامتداد).

من حسن التمسك بسنن الحياة، ارتباط الحاضر والماضي بلحظات متحركة لا جامدة، وممارسة فعل الحياة المتلازمة بالعطاء... فيما الانفتاح على الزمن فقد يبقى رمزا لمتوالية رياضية (ادفع) نحو المستقبل سنة (2026) وما بعدها من أحداث خفية، من تم قد يحدث الانفتاح على المستقبل (دراسة الجدوى) دون الوقوف عند غيبية ما يمكن أن يكون (ما بعد المستقبل). وبهذا يكون الماضي مثلا سنة (2025) ليس ما انقضى من الزمن، لأن حضور الحاضر سنة (2026) ليس باللحظة الجامدة، بل هو اللحظة المتحركة بوسائط الفعل التفاعلي.

من تم، فالزمن رمز لإصباغ المعقولية على الحياة (العقل والنقل)، وضبط ساعاتها المتحركة، رغم أننا لا نعلم جوابا عن سؤال: متى ينتهي الزمن (الغيب)؟

الليلة قد تنقضي (إن شاء الله) سنة (2025) بتوافد الذكريات التي تؤدي وقد لا تؤدي (تقويم مسار الحياة)، ومدى اكتسابنا خبرة فردية أو جماعية لكل ذات وآخر، على اعتبار أن الزمن يكون فرديا قبل أن يضمنا في نحن والزمن... حلم سنة أسعد (2026) بمفهوم الكونية لا بالمرجيات التاريخية التي تتأسس عليها...

***

محسن الأكرمين

وهكذا تمضي بنا الأيام سريعاً، لنجد أنفسنا نودع عاما، عشناه، بكل تداعياته، افراحا، وشقاء، معاناة، وانبساطا، غبطة، وهموما، ونستشرف عاماً جديداً.. سنكون على موعد معه، في إطلالة صباح أول يوم منه، بعد ساعات.. متفائلين أنه سيحل علينا بإطلالة سعيدة..

هكذا تمر الأعوام كالنسيم، تحمل معها ذكرياتنا، وأحلامنا، وأشخاصنا، ليأخذ منا، كل عام يرحل، جزءًا من حياتنا، ويترك لنا دروسا بليغة، وآثارا لا تُمحى.

وفي سيرورة لا تتوقف، تمضي بنا الأعوام، ويأتي الغياب، ولا يبقى لنا منها، الا ٱثرنا، وما تتركه فينا من ذكريات.

فكلما رحلت الأعوام، تذكرنا ما مضى، وماذا غادرنا مع رحيلها، وما سيأتي معها، لتظل الأعوام، بما هي سجل ذاكرة حركة الزمن، أرشيفا، يحمل في طياته لحظات الفرح، والألم، لنتذكر أصدقاء الطفولة، وأيام الدراسة، والأماكن التي عشناها، والحنين إلى ذلك الماضي الذي غاب عنا ولم يعد..

ومع رحيل الأعوام، يغادرنا الأحبة، وتتغير الأماكن، ويتغير الأشخاص، وتندثر الكثير من المعالم، فكل شيء مع الزمن يرحل، إلا الذكرى تبقى ولاتزول..

فغياب اللاعودة، وفلسفة الزوال تعني أن الحياة رحلة مستمرة نحو النهاية الحتمية. وكل لحظة نقضيها هي جزء من سفر الرحيل، فالناس وهم يعيشون الحياة، يبدون كأنهم وراق الخريف، تتساقط مع حركة الزمن، الواحدة تلو الأخرى.

ولعل التأمل في الغياب، غياب الأشياء، والأشخاص، هو ما يجعلنا نستذكر قيمة ما كان، بعد أن افل وغاب، والتأمل في الاستعداد، للتعايش، مع القادم من المستجدات.

ولاريب أن التعامل مع رحيل الأعوام، يتجسد في الاحتفاظ بالذكريات، حيث تبقى، الصور، والكلمات، والٱثار، ارشيفا يستحضر الماضي، ويبقيه حيًا، يعيش معنا لحظات الحاضر، وكانه لم يرحل بعد، لتظل الذكريات، هي الأثر الوحيد، الذي يبقى، ولا يزول.

فكم تبدو الحياة قصيرة، برحيل الأعوام، على عجل، وكم يتحتم علينا، أن لا نضيعها في الاستغراق بالندم، ومن ثم كم يتحتم علينا، ان نحرص على أن نعيش الحاضر، بتفاصيله، وان لا ندع الماضي يسرق منا لحظة الحاضر، وان نعيش كل يوم يمر بنا، كما لو انه سيكون، آخر يوم سيمر بنا، ويرحل.

***

نايف عبوش

بعد ثلاثين عاما على رحيله في بلاد الغربة، قررت دار الشؤون الثقافية ان تعيد البسمة الى وجه شاعر الغربة بلند الحيدري، لتقدم لنا مجموعته الشعرية الكاملة، وفيها يحول الشاعر الكبير حروف كلماته وعذاب غربته إلى قصائد حب.

بلند كان مغرماً بما يكتب، يعتقد أن الفكر والشعر سيصنعان بلداً يكون ملكاً للجميع، ومجتمعاً آمناً لا تقيّد حركته خطب وشعارات ثورية، ولا يعبث باستقراره ساسة يتربصون به كلّ ليلة.. ديمقراطية، تنحاز للمواطن لا للطائفة، وتنحاز للبلاد لا للحزب والعشيرة. عاش أسير أحلامه، متنقلاً في الشعر والحب.

في السنوات الاخيرة وبجهود الشاعر عارف الساعدي تحاول الثقافة اعادة التوهج الى ذاكرة العراقيين، الاعمال الكاملة للجواهري مع مذكراته الثمينة.. اعمال نازك الملائكة ولميعة عباس عمارة وعبد الوهاب البياتي وحسب الشيخ جعفر وفوزي كريم، واحمد الصافي النجفي، وياسين طه حافظ، وجميل صدقي الزهاوي، الى جانب مؤلفات مدني صالح واعمال العلامة مهدي المخزومي وجعفر الخليلي وعشرات ممن حاولت الحكومات السابقة ان تطوي صفحاتهم في غبار النسيان.

على مدى سنوات ماضية عشنا مع سلطة ظلت تنظر اإلى الثقافة، باعتبارها كماليات زائدة لا يحتاجها المواطن العراقي في زمن القادة "العظام". أنت مواطن مثقف ما دمت تذهب إلى صناديق الاقتراع تنتخب جماعتك، وتمنحهم صوتك، وأنت مغمض العينين. ينظر الى المثقف باعتباره كائناً غريباً، لا يحق له أن يطالب بتوفير كتاب رخيص الثمن، ومشاهدة مسرحية راقية، ومتابعة ما تجود به الفرقة السيمفونية. فمهمة الدولة كانت تعبيد طرق الآخرة أمام الناس، ألم يصرخ أحد النواب في زمن "المفكر" إبراهيم الجعفري "ياجماعة حرام تخصصون أموال لوزارة تدعم الراقصات".. كانت هذه هي المسخرة التي عشنا فيها منذ أن قررت الدولة منح وزارة الثقافة لضابط شرطة، ومن بعده لقاتل، ثم تسلمها لسعدون الدليمي الذي حول اموال الثقافة إلى وزارة الدفاع تحت شعار "كل شيء في سبيل المعركة" وكانت معركته الحقيقية هي وضع حجر الأساس لدار أوبرا وهمية، وصرف مئات الملايين على نشاطات لا تمت للثقافة بصلة، واختصار فعاليات بغداد عاصمة الثقافة بحفل لمطربة درجة عاشرة اسمها "مادلين مطر"، في الوقت الذي عرفضت فيه عن إعمار مسرح الرشيد الذي وقف على خشبته نجوم المسرح العراقي.

ننظر الى الحراك الثقافي هذه الايام والذي يلعب به عارف الساعدي دورا رئيسا برغم ما يتعرض له من هجمات من "الذباب الثقافي" الذي يكره المستقبل ويصر على العيش في احضان الماضي.. اليوم صناعة الكتاب في العراق تزدهر، وسعيد افندي يحاور نجوم مهرجان كان السينمائي، والعلامة احمد سوسه يتنظر زواره في بيته الكبير، وفائق حسن يلون مجسره.. وبعد ان كانت مخصصات الثقافة تذهب لجيوب المسؤولين، تحولت اليوم الى مسرحيات ومسلسلات وافلام شبابية وكتب تزين المعارض العربية. عافية ثقافية يقف وراءها شاعر مبتسم دائماً.

***

علي حسين

بعض مفكرينا من أصحاب المشاريع النهضوية المنضّدة على رفوف التجاهل والنسيان، يرى العلة في أن الأمة مهتمة بالعلوم الدينية، ومتمترسة في ذاتها المنغلقة، وعندما تعرّضت لأنوار العلم منذ القرن التاسع عشر أصابتها الصدمة، ووجدت نفسها غير قادرة على المواكبة لعلم أوجده الغرب.

وهذا طرح لا يمتلك رصيدا واقعيا، ويكشف جهل أصحابه بتراث الأمة، ودورها في مسيرة الإنسانية الحضارية.

أمتنا منبع العلم ومنطلق أساسياته، التي أوصلت الدنيا إلى ما هي عليه اليوم، فما تمكن منه الغرب بدأ من الأرضية العلمية العربية، التي إنطلقت منذ القرن الثامن الميلادي وتواصلت لقرون، حتى أخرجت الدنيا من عصورها المظلمة، فتمتعت بأنوار العقل وتفاعلت مع العلم، بعد أن أهملت ثقافات الطاغوت والإستعباد للبشر بإسم الدين، الذي سفك دماء الملايين من أبنائها، قبل أن ترتشف النور العربي الساطع.

الأمة عالمة، والذي يهمل هذه الخاصية المتميزة يسعى لمعاداتها، وتستطيع أمتنا أن تنهض وتكون في بضعة عقود، عندما تتوفر لها قيادات ذكية، وتزدان كراسيها بالعارفين المتنورين، لا بالجاهلين المتوهمين بأنهم يعرفون، وهم في دياجير الأمية يعمهون، فيعادون أنوارها المعرفية، ويحاربون عقولها الحضارية الإبداعية، ويحشدون أبواقهم الصاخبة حول كراسي القهر والفساد والمتاجَرة بدين.

الأمة أقوى وأعرق من دعوات الغاطسين في أوحال الوهم، والتصورات المسوّقة لتدميرها ومنعها من التفاعل مع عصرها، وتدثيرها بما هو سلبي، وإقناعها بأنها عاجزة وعالة على غيرها من الأمم.

وستنتصر على الخائبين بأنواعهم، وستلد أرحامها رجالاتها المعبرين عن جوهرها، وطاقاتها الفوارة المترجمة لإرادتها الحرة الفائقة الإنجاز والتدبير.

إن تهافتهم على الطروحات السلبية، المستوردة من قاعات دروسهم في الجامعات الأجنبية، توهم الأجيال بأن الأمة كما يرونها ويريدون لها أن تكون، وهي التي تكون كما تريد أن تكون، وتفرضه طاقاتها الكامنة في ترابها وعقول أجيالها المتنورين.

فهل لبعض المفكرين أن يتكلموا بلسان عقل الأمة، لا بلسان الآخرين!!

أمة العلم وجهل القدوةِ

داؤها داءٌ وخيم السطوةِ

أنكروا ذاتا أنارت أرضنا

وسقتها من رحيق القوةِ

وعلت فوق ظلامٍ دامسٍ

وأبانت عن أصيل القدرةِ

***

د. صادق السامرائي

كنت أتجول بين الآثار، وأتساءل كيف تحوّلت القصور الجميلة الباهية إلى خرائب وأطلال خاوية؟.. وأحتار بالجواب... مَن خرب قصورهم، ومعالمهم العمرانية؟ مَن ومَن ومَن؟!!. هل أن المسير إلى الأعلى يحث قوة تدفع إلى الأسفل؟. هل أنها قوانين فيزيائية أم تفاعلات كيميائية تؤدي إلى نتائج مخيبة؟!

يبدو السلوك البشري في معظمه يخضع لمعادلات تفاعلية ذات عناصر متنوعة داخلة فيها، وكيمياء النفس البشرية أو نفس المخلوقات عموما يعبَّر عن تفاعلاتها الكيميائية بنتائج سلوكية متنوعة، والمشترك الفاعل فيها جميعا أن هناك عوامل مساعدة لإدامة التفاعل، وعندما يغيب دورها يتباطأ التفاعل وتتناقص النتائج وتترقد، فتتسبب بإنتاج عناصر مضادة لها، أو تالفة كأي حالة ساكنة يأكلها ما فيها.

إنطلقت إرادة دولة بني العباس بذروة عنفوانها المجسد لخلاصة مكوناتها، وما بلغته من الإبداع والتفاعل العقلي مع الحياة، فأشرقت أنوار العطاء الأصيل، فأضحت عاصمتها الرمز المادي الممثل لتلك القوة والعزة والكبرياء، فكانت العمارة فيها تشير لقدرات دولة ذات هيمنة، وسطوة على مساحات شاسعة في عدد من القارات.

ومضى شروق الإرادة ساطعا منذ النشأة مع بعض الكبوات وحتى مقتل المتوكل سنة (247) هجرية، حيث بدأت شمس الوجود العباسي تميل نحو الغروب محفوفة بالدماء والدموع، فما حصل في عاصمتها من تفاعلات خضعت لقوانين الكيمياء والفيزياء، وإنتهت معادلاتها إلى نتائج سلبية أزالت ما كان شامخا وحولت النار إلى رماد.

فآل البناء المهاب إلى أطلال وخراب، وتأكد أن العمران فان، إذا لم يتعهده بالإدامة إنسان!!

***

د. صادق السامرائي

3\8\2021

 

الثابت أن الموجودات في وعائها الدوّار تتغير ولا تستطيع الثبات على حالة واحدة، فما كل موجود يغيّر لكن كل موجود يتغيّر.

النشاطات التي يمارسها المخلوق الحي تتسبب بتغيِّره، وربما تغيَّر شيئا مما حوله، لكن القول بأنها ستغيِّر حتما لا يوجد دليل قاطع عليه، فالبلايين من البشر التي سعت فوق التراب تغيَّرَتْ، والقليل جدا منها غيّر.

وهذا ينطبق على كافة ميادين الحياة، فالشعراء – على سبيل المثال – ربما يتغيرون بعد كل نص يكتبونه، لكن النص لا يغير ما حوله، ومعظم الشعر يمر كالماء فوق الرمال، ويوجد شعراء قليلون غيَّروا ما حولهم وكان لهم أثر على سلوك البشر، وهم المقربون من الكراسي الفاعلة في المجتمع.

وفي ميدان الكتابة الإبداعية بأنواعها، الذي يكتب يغير نفسه، ولا يغير ما حوله، والذين يظنون أن الأقلام تساهم في صناعة ما يريدون، عليهم أن يعيدوا النظر في تصوراتهم، فالكلمات تفقد قيمتها في الزمن المعاصر، الذي إنتشرت فيه الصورة والتدوين الحي للمشاهد والتفاعلات.

ويبدو أن الكلمة ستفقد دورها في مسيرة البشر، وسيتحول العالم إلى موجود روبوتي تتحكم فيه قدرات فائقة عن بعدٍ أو قرب.

فالقرن الحادي والعشرون، يمثل مطحنة الوجود في وعاء يعمل فيه خلاط لا يتوقف، وبسرعة ثابتة وتأثيرات متعددة، ويستمد طاقته الدورانية من إرادة الأرض التي صار يعبّر عنها بعنفوان.

وعندما يصبح الكلام هو العمل، فلا قيمة له ولا معنى، ولا داعي لتضييع الوقت مع القلم، فهو الأضعف تعبيرا عن واقع الحياة في عصرنا المعلوماتي الدفاق، المزدحم بالصور والأفلام التوثيقية لكل حدث.

ما تحصل عليه من قراءة كتاب يأتيك بلمحة بصر على شاشة صغيرة منطوقا أو معروضا بإنبهارية عالية، فيجذبك ويمنحك جوهر ما في مئات الصفحات.

ما تقدم ليس ضد الكتابة، بل تعبير عن واقع معاصر غرقنا فيه، فغيَّرنا جميعا وما غيرناه، ومن صنع عالمنا العولمي بضعة أفراد، وصارت البشرية تتبع وتلتصق بإدمانية عالية بمعطيات ما أوجدوه، وأطلقوه في مجتمعاتنا المستسلمة للمستجدات.

فلا تقل أعمل لأغيِّر، وقل أعمل لأتغيَّر، وعندما يتغيّر الأفراد يكون المجتمع قد تغيّر، وتلك آلية قرن ما عهدته الأرض من قبل.

فكن فيها منيرا دون ذبول!!

تدورُ بنا على سُننٍ تراها

تغيّرنا وتمْحونا خُطاها

تقلبنا على نارِ انْتهاءٍ

لتأكلنا كما شاءتْ رؤاها

تَجاهُلها يُؤهلنا لمَوتٍ

يُباغِتنا ولا مأوى سِواها

***

د. صادق السامرائي

لم يكن الدين، في جوهره الأول، لغزًا مغلقًا ولا خطابًا نخبويًا متعاليًا. لقد وُلد في الساحة العامة، في السوق، في البيت، في الطريق، في لحظة خوفٍ أو رجاء. كان كلامًا مفهومًا، مباشرًا، يلامس القلق الإنساني، ويجيب عن أسئلة الحياة اليومية قبل أن يُنظَّر لها في بطون الكتب. غير أن ما نراه اليوم في كثير من بلداننا هو انقلاب هادئ لكنه عميق: الدين لم يَعُد خطابًا موجَّهًا إلى الناس، بل صار في كثير من الأحيان حوارًا مغلقًا بين فقهاء، بلغة لا يفهمها إلا أهلها، وكأنها شيفرة سرية لا يُسمح للعامة بفكّها.

لقد تحوّل الدين، عند بعض المتصدّرين له، من رسالة إلى “مصطلح”، ومن هداية إلى “بنية لغوية معقّدة”، ومن سؤال أخلاقي حيّ إلى تمرين ذهني تجريدي. نسمع فقيهًا يخاطب فقيهًا، ويجادل مدرسة أخرى، ويستعرض ترسانة من الاصطلاحات الفقهية والكلامية، دون أن يلتفت إلى أن السامع البسيط قد انقطع منذ الجملة الأولى. هنا لا يعود السؤال: ما الذي قيل؟ بل: لمن قيل؟ وهل قيل أصلًا لمن يحتاجه؟

إن أخطر ما أصاب الخطاب الديني في واقعنا ليس الاختلاف المذهبي، ولا حتى التسييس فحسب، بل هذا الانفصال الصامت بين “الدين كما يُدرَّس” و”الدين كما يُعاش”. فحين يتكلّم الفقيه بلغة لا يفهمها الناس، لا يرفع من شأن الدين، بل يعزله. وحين يتعالى الخطاب الديني عن الشارع، يتركه فارغًا، فيملؤه آخرون: متطرفون، أو سطحيون، أو تجّار شعارات.

التاريخ الإسلامي نفسه يقدّم لنا صورة مغايرة تمامًا. أغلب علماء المسلمين الكبار لم يكونوا ناطقين باسم الأبراج العاجية. كانوا أبناء السوق، والمجالس العامة، والناس البسطاء. إن الخطاب النبوي نفسه كان نموذجًا أعلى في البساطة العميقة: كلمات قليلة، مفهومة، لكنها قادرة على تغيير إنسان.

أما اليوم، فكأن بعض الفقهاء قد اختاروا أن يتحدثوا فوق الناس لا إليهم. وكأن النزول إلى الشارع، إلى لغة اليوميّ، إلى أسئلة البطالة والظلم والقلق الوجودي، صار أمرًا دونيًّا لا يليق بـ”مقام العلم”. فارتفعت الأسوار النفسية واللغوية، وتحوّل الدين إلى مادة استعراض معرفي، لا إلى طاقة أخلاقية حيّة.

إن الدين الذي لا يُفهم، لا يُعاش. والدين الذي لا يُخاطِب الإنسان في لحظته، يتحوّل إلى أثرٍ تاريخي لا إلى قوة فاعلة. ليست المشكلة في العمق، بل في الانغلاق؛ وليست في التخصص، بل في احتكار الخطاب. فالعلم الديني الحقيقي لا يخاف من البساطة، لأن البساطة ليست سطحية، بل شجاعة في الوصول.

نحن لا نحتاج إلى فقهاء أقل علمًا، بل إلى فقهاء أكثر إنسانية. إلى خطاب ديني يعرف أن المعرفة إن لم تُترجَم إلى لغة الناس، تحوّلت إلى عبء. وأن الفقيه إن لم يسمع ضجيج الشارع، لن يفهم صمته. الدين، في النهاية، ليس لغزًا رياضيًا، ولا شفرة مغلقة، بل نداءٌ مفتوح: يا أيها الإنسان… فهل ما زال من يوجّه هذا النداء؟ ومن يسمعه؟ أم ابتلينا بأصنامٍ تُعبَدُ، وعبّادٍ رعاع!!.

***

بقلم: د. علي الطائي

30-12-2025

ليست الكعبة حجرا يُهدم، ولا جدارا تُنهيهالمنجنيقات، بل معنى عصيّ على السقوط. كل من اقترب منها بسوء، خرج من التاريخ مثقلاً بالخذلان، مهما بدا قويا أو متجبرا

قالوا إن الحَجّاج بن يوسف هدم الكعبة وكأن التاريخ يُختصر في جملة قاسية. والحقيقة، أن الكعبة لم تكن يوما ضحية يدٍ واحدة، بل شاهدة على فتن البشر حين تتصارع السلطة والدم. في حصار مكة، لم تكن الحجارة التي تساقطت من جدرانها فعل كراهية لبيت الله، بل شظايا فتنةٍ سياسية، اختلط فيها الحق بالدم، والقداسة بالصراع. وما فعله الحَجّاج بعد ذلك لم يكن محوا للبيت، بل إعادة بنائه على صورته الأولى، بأمر خليفةٍ رأى أن يعيد الأمور إلى ما كانت عليه هكذا بقي البيت، وتبدّل الرجال.

وقبل الحَجّاج بقرون، جاء أبرهة الحبشي، واثقا من جيشٍ عظيم وفيلٍ يتقدّم الصفوف، ظانا أن القوة تُسقط القداسة، وأن العدد يهزم المعنى. لم يصل أبرهة إلى الكعبة، ولم يدخلها، ولم يترك أثرًا سوى العبرة. تؤكد الروايات التاريخية أن أبرهة الحبشي لم يُقتل في موضع حملته، بل عاد إلى اليمن مهزوما بعد فشل جيشه، وقد أصيب بداءٍ شديد، فمات هناك بعد عودته بمدة قصيرة.عاد مهزوما، جسده يتفتّت كما تفتّت غروره،عاد إلى اليمن حتى ابتلعه النسيان، وبقي البيت. ذهب أبرهة… ولم تذهب الكعبة. ما بين أبرهة والحَجّاج، يكرّر التاريخ درسه القاسي

قد تُصاب الجدران، قد تتصدّع الحجارة لكن القداسة لا تُقصف، والإيمان لا يُحاصر. الكعبة لم تنتصر لأنها بلا أعداء، بل لأنها فوق صراعاتهم. وكل من حاول أن يجعلها ساحةً لغروره، خرج منها أصغر مما دخل أو لم يخرج أصلا هكذا يكتب التاريخ سطوره الأخيرة دائما البيت باق والطغيان، مهما طال إلى زوال في زمنٍ تُفتح فيه المعرفة بضغطة يصبح الادّعاء بلا فهم... فضيحة.

***

رائدة جرجيس

تشكل هذه السردية (الآيديولوجية)، أمرا غريبا في عالم (السياسة) ومن الصعب إحتسابها على عالم الدين ايضا.

للسياسة، حساباتها الواسعة والعميقة والمتعددة، وحسابات الدين ليست سياسية، فلا سياسة في الدين، والدين ليس سياسة، كما قلناها مرارا، الدين لا سياسة فيه ولا يؤطر الدين بالسياسة، الدين هو لوجه الله لا يحتاج إلى سياسة أو أطر سياسية.. فلماذا يسيس الدين ويأطر بايديولوجيات متنوعة تنتهي بخلافات وإضطرابات وانقسامات تمنع الشعوب من الانتاج والتطور؟ ثم، لماذا يحزب الدين في شكل تنظيمات وحركات وتجمعات تظهر وتعلن انها مسؤولة عن الدين؟، وهل أن الدين بحاجة إلى تنظيم (سياسي) لكي يستقيم وينتشر؟ ما الغرض من وضع (الدين) في قالب السياسة، أي جعله سياسيا ويفاوض سياسيا وتنتهي مفاوضاته ببيان سياسي؟ لا احد يحارب الدين.. إنما اطاره (السياسي) هو الذي يثير والإشكاليات في المجتمعات ومن خلال المماحكات يتناحر ويتفكك المجتمع.

الدين اكبر من أن يؤطر أو تؤطره السياسة التي تتلون وتتشكل كما يريدها السياسي وأهواء السياسة ونوازعها ومراميها..

والتأطير السياسي يعني العمل من اجل اهداف سياسية، أما الدين فله هدف واحد هو عبادة الله الواحد الأحد سبحانه، ليست عبادة (غرضية) إنما عبادة (إيمانية) محضه لا يدخلها الشك،

أما الدين المسيس فأغراضه (دنيوية) يشوبها الشك ولا يداخله اليقين.. وخاصة حين (تدخل العمامة في السياسة وتدخل السياسة في العمامة).. وهنا يكمن الخطر، يكمن في المقولة التي اطلقتها الصهيونية كولدا مايير (نحن ندعم الدين الاسلامي من أجل تفكيكه وتدمير القومية العربية)، فدعمت بريطانيا حركة اسلامية بالمال وأسست لها جمعيات خيرية وتبنت إنشاء خلايا تنظيمية في لندن واوربا وتركيا وإيران ومصر.. هكذا إذن تعمل الصهيونية العالمية على تدمير الدين وتحطيم القومية العربية.. وقد تعاملت بريطانيا في منتصف الأربعينيات من القرن المنصرم مع الإسلام والاسلامييين بطريقتين:

اولا: دعمت ماليا (بعض) المسلمين وأنشأت لهم جمعية خيرية وتركت (البعض) الآخر عن قصد بدون دعم مالي أو مساعدة.

ثانيا: خلقت بريطانيا (شرخا) في بنية المسلمين وصراعات داخلية، أثارت تساؤلات، لماذا دعمت بريطانيا هؤلاء ولم تدعم الآخرين؟

ثالثا: قسمت الاسلام بين فئتين على أساس الشك والعمالة.

رابعا: ومنذ ذلك الوقت برزت الحركات الاسلامية ووضعت لها أطر سياسية وبات الاسلام مقسما بين الناس وبالتالي تم (تسييسه) في مسارات وتسميات مختلفة (السلفي والسني والشيعي والمتعصب والمتسامح والمهادن والمتواطئ..) إلخ

خامسا: تسييس الدين يعني وضعه في اطر وتشعبات المصالح الوضعية المتشابكة.

سادسا: هل الدين بحاجة الى اطر السياسة لكي يسود وينتشر؟

سابعا: الدين لا يحتاج الى سياسة لكي ينتشر بل يحتاج الى رعاية عقلية وأخلاقية بدون سياسة لأن السياسة فيها مخادعات وإنحرافات ومكاسب.

ثامنا: الاسلام المسيس لا يعترف بمراحل التطور بل هو عابر نحو العالمية، فهو بهذا النهج يعبر الهوية (الوطنية) ويتجاهل الهوية (القومية)، وبالتالي فهو لا يكترث إذا ما طمستا وذابتا، لتمسكه بدعوى العالمية.

تاسعا: ان (الاسلام السياسي) يؤمن بالعالمية، لكونه عابرا للحدود الوطنية والقومية.

عاشرا: إن نهج (الاسلام السياسي) هو نهج عالمي اولا وأخيرا.

احد عشر: الاسلام السياسي عابر للحدود لا يلتفت للتطور الوطني والقومي، إعتقادا من منظريه بأنه (عالمي يحرق المراحل الوطنية والقومية).

!ثنا عشر: قالت الصهيونية غولدا مائير في لندن (إننا نساعد الاسلام والمسلمين من أجل تقسيمهم والقضاء على القومية العربية).

ثلاثة عشر: المعنى في ذلك، أن تسييس الدين يعد أداة في يد الصهيونية.

أربعة عشر: من سيس الدين الاسلامي؟ فصيلان سياسيان معروفان سيستهما بريطانيا حين كانا في لندن.. وفقا لما اعلنته رئيسة وزراء الكيان الصهيوني السابقة. تحرك بريطانيا هذين الفصيلين وتمدهما بالأموال وتسلحهما وتوجههما وتقدم لهما التوجيهات السياسية.

ستة عشر: باتت هاتان الحركتان لعبة بيد دولة إقليمية وأخرى إسرائيلية، وكلتيهما تحركهما أداة خفيه..!!

***

د. جودت صالح

تركيا – 28/12/2025

 

في المثقف اليوم