أقلام حرة
محمد الزموري: رمضان في المغرب
من الطقس الديني إلى المعنى الحضاري
في المغرب لا يدخل رمضان فجأة، بل يُستدعى كما يُستدعى ضيف عزيز طال غيابه. يتهيأ له الناس منذ رجب وشعبان، وكأنهم يمهدون الطريق لنورٍ سيعبر الأزقة العتيقة ويستقر في الصدور قبل البيوت. هنا لا يُنتظر الهلال فحسب، بل يُنتظر ما يحمله من صفاءٍ ومراجعةٍ وحنين. وكما قال عبد الله العروي: «المجتمع الذي يحفظ طقوسه، يحفظ ذاكرته»، ورمضان في المغرب ذاكرةٌ تمشي على قدمين، تتجدد كل عام ولا تشيخ.
من الرباط إلى فاس، ومن العيون إلى تطوان، ومن أكادير الى طنجة، تبدأ الحكاية قبل الإعلان الرسمي لثبوت الشهر. تتغير ملامح المدن بهدوءٍ تدريجي، كأنها تدخل في حالة استعداد روحي. أول ما يتهيأ هو المسجد؛ تُغسل أرضياته، تُبدّل زرابيّه، يُعاد طلاء جدرانه، وتُختبر مكبرات الصوت كما يُختبر صدق النية. في الوجدان المغربي، المسجد بيت الجميع، و«اللي جا لدار الله مرحبا به»، لذلك ينبغي أن يكون في أبهى حلة. يُستدعى القرّاء من مدن بعيدة، بأصوات رخيمة تشبه جريان الماء في السواقي القديمة، ويجتمع الناس في التراويح صفوفاً متراصة، كأنهم يعيدون رسم صورة للبنيان كيف يجب أن يكون مرصوصا.
وفي البيوت، تبدأ طقوس لا تقل قداسة عن طقوس المحراب. تفوح رائحة العسل والسمسم واللوز المحمّص، فتعلن أن زمن «سلو» و«الشباكية» قد اقترب. ليس الأمر مجرد إعداد حلوى، بل استدعاء لذاكرة الطفولة، لذاك المشهد الذي تجلس فيه الأم أو الجدة وسط المطبخ، تُوجّه وتبتسم وتبارك. الكاتبة فاطمة المرنيسي كانت ترى أن المطبخ فضاء تصنع فيه النساء تاريخاً صامتاً، وفي رمضان يصبح هذا التاريخ مسموعاً برائحة العسل. ويقال في المثل الشعبي: «الدار اللي ما فيها شباكية، ما فيها حكاية»، وكأن الحكايات تحفظها الأطباق كما تحفظها الكتب.
ومع اقتراب الشهر، تمتلئ الأسواق بالأقمشة، ويجلس الخياطون كأنهم يحيكون الزمن نفسه. الجلابة، البلغة، القفطان… ليست مجرد ملابس تُشترى، بل هوية تتجدد. يعود كثيرون إلى لباس الأجداد، في مشهدٍ يختلط فيه الجمالي بالروحي. المفكر المهدي المنجرة قال يوماً إن الهوية طاقة متجددة وليست ماضياً جامداً، ورمضان يوقظ هذه الطاقة في تفاصيل صغيرة: في اختيار لون الجلابة، في تطريز قفطان، في انتعال بلغة جديدة مساء أول تراويح. كأن الجسد بدوره يصوم عن العادي ويرتدي ما يليق بالمناسبة.
الأسواق بدورها تدخل إيقاعاً خاصاً؛ حركة دائبة، سلال تُملأ، توابل تُوزن، تمرٌ يتكدس في الواجهات. أصوات الباعة تختلط بنداءات البركة، والناس يرددون: «اللي بغا البركة يبكر». لا أحد يريد أن يفوته شيء من استعدادات المائدة الأولى. ومع هذا الحراك، تحضر فكرة المراقبة في الأسعار وسلع التموين، لأن رمضان شهر البركة لا شهر الاحتكار، وشهر التيسير لا التعسير. إنه زمن يعيد ترتيب العلاقة بين الحاجة والأخلاق.
ولا يكتمل المشهد دون روح التضامن التي تتجلى في مبادرات الخير. «قفة رمضان» تنتقل من يد إلى يد، وموائد الرحمن تُنصب في الأحياء، والقلوب تتسع قبل الموائد. محمد عابد الجابري رأى أن الأخلاق هي العمود الفقري لأي مجتمع، وفي رمضان يظهر هذا العمود واضحاً لا لبس فيه. المغربي قد يقتسم نصف خبزه، لكنه لا يرضى أن ينام جاره جائعاً، فـ«الجار قبل الدار» ليست عبارة عابرة، بل قاعدة سلوك متجذرة.
وفي كل ذلك، تضاعف النساء جهودهن في صمت يشبه الدعاء. تُلمع الأواني، تُغسل الستائر، تُرتب الزوايا، وكأن البيت يستعد لاستقبال نورٍ مخصوص. النساء يعرفن، بفطرتهن، أن رمضان ليس امتناعاً عن الطعام فحسب، بل ترتيباً للفوضى الصغيرة في الداخل واستعداداً لصفاء أكبر.
هكذا يصبح رمضان في المغرب زمناً يُعاش بكل الحواس. تخفت الأصوات نهاراً، وتنبض الحياة بعد الأذان. تجتمع الأسرة حول مائدة واحدة، وتتجاور الأكتاف في صلاة واحدة، وتتصالح الأزقة مع سكونها القديم. هو شهر تختلط فيه العبادة بالعادة، والروح بالمجتمع، والماضي بالحاضر، حتى إذا ارتفع أول أذان مغرب، شعر الناس أن شيئاً عميقاً قد بدأ؛ أن الوطن نفسه يصوم ويصلي ويبتسم.
ومع الهلال، يهمس المغرب كله، مدنه وقراه وأمثاله الشعبية وذاكرته العتيقة: مرحباً بك يا سيدنا رمضان، يا ضيف الكرام.
***
الأستاذ محمد إبراهيم الزموري







