مقدمة: ليست علاقة الفرد بالآخر علاقة تقع بين كيانين مكتملين، يقف أحدهما في مواجهة الآخر كما تقف الأشياء المتجاورة في المكان؛ فالفرد لا يوجد أولًا ثم يلتقي بالآخر لاحقًا، بل إن جزءًا أساسيًا من وجوده يتشكل في العبور نحو الآخر. فالإنسان لا يكتشف ذاته في عزلة تامة، وإنما يكتشفها عندما يرى نفسه في مرآة الآخر، ويصطدم به، ويحاوره، ويحبه، ويختلف معه، ويخضع له أو يقاومه، ويمنحه اعترافًا أو يحجبه عنه.
ومن هنا يمكن لفلسفة العبور أن تقترح قراءة مختلفة للعلاقة بين الفرد والآخر: الآخر ليس خارج الذات بصورة مطلقة، كما أن الذات ليست جزيرة مغلقة؛ إنهما يدخلان في حركة عبور مستمرة، يعيد فيها كل طرف تشكيل الآخر وتشكيل نفسه.
1. من الفرد المغلق إلى الفرد العابر
تبدأ المشكلة من التصور التقليدي للفرد بوصفه وحدة مستقلة: «أنا» في جهة، و«الآخر» في جهة أخرى. ويبدو المجتمع، وفق هذا التصور، وكأنه فضاء يأتي بعد اكتمال الفرد. لكن فلسفة العبور تقلب هذه العلاقة.
فالفرد لا يصل إلى المجتمع بعد أن يكتمل، وإنما يتكون عبر المجتمع. اللغة التي يقول بها «أنا» لم يصنعها وحده، والقيم التي يحكم بها على الأشياء لم تولد كلها داخله، والصور التي يكونها عن نفسه تتشكل عبر نظرات الآخرين، وحتى مفهومه عن النجاح والفشل والقوة والضعف والفضيلة والرذيلة يحمل آثار البيئة التي عبر من خلالها.
إن «أنا» الفرد تحمل دائمًا شيئًا من «هم». ولهذا يمكن صياغة مبدأ أول: الفرد ليس نقطة بداية العلاقة بالآخر، بل هو أحد نتائجها. فالآخر لا يظهر فقط عندما أقابله؛ إنه حاضر في الطريقة التي أفكر بها عن نفسي حتى عندما أكون وحيدًا.
2. الآخر بوصفه مرآة للذات
حين ينظر الإنسان إلى نفسه، فإنه لا يرى دائمًا ذاته كاملة. يحتاج إلى مسافة يستطيع من خلالها أن يكتشف ما لا يستطيع رؤيته من الداخل.
وهنا يصبح الآخر مرآة. لكن المرآة ليست محايدة؛ فالآخر قد يمنحني صورة عن نفسي تختلف عن الصورة التي صنعتها عن ذاتي. قد يراني قويًا وأنا أرى نفسي ضعيفًا، أو يراني متسلطًا وأنا أعتقد أنني عادل، أو يراني كريمًا وأنا أعتقد أن ما أفعله مجرد واجب. لذلك فإن العلاقة بالآخر يمكن أن تتحول إلى اختبار للذات. ومن هنا يصبح «عبور الذات إلى ذاتها» ممكنًا عبر المرور بالآخر.
فالذات لا تعود إلى نفسها مباشرة؛ إنها تغادر نفسها أولًا، تدخل فضاء الآخر، ثم تعود محملة بصورة جديدة عن ذاتها. أحيانًا لا نعرف أنفسنا إلا بعد أن نعبر من خلالها إلى الآخر. وهذا أحد أهم المعاني التي يمكن أن تضيفها فلسفة العبور إلى سؤال الفرد.
3. الآخر ليس مجرد شخص
الآخر في هذه المقاربة لا يعني الإنسان المقابل لي فقط. إنه أوسع من ذلك. قد يكون الآخر: * شخصًا. " جماعة. " أسرة. " مجتمعًا. " ثقافة. " دينًا. " مؤسسة. " سلطة. " فكرة. " وحتى صورة متخيلة عن الإنسان الذي ينبغي أن أكونه. وبذلك تصبح علاقة الفرد بالآخر شبكة من الممرات.
فالأسرة تعبر إلى الفرد من خلال التربية، والمجتمع يعبر إليه من خلال العادات، والدين يعبر إليه من خلال القيم والطقوس، والدولة تعبر إليه من خلال القانون، والسلطة تعبر إليه من خلال المراقبة والانضباط، والثقافة تعبر إليه من خلال اللغة والرموز.
وفي الاتجاه الآخر يعبر الفرد إلى هذه البنى من خلال الممارسة والرفض والاختيار والتأويل والمقاومة. وهنا تظهر علاقة أكثر تعقيدًا: المجتمع يعبر إلى الفرد، والفرد يعبر إلى المجتمع. إنها ليست علاقة اتجاه واحد، وإنما حركة ذهاب وإياب.
4. من الاعتراف إلى الصراع
غير أن العبور نحو الآخر ليس دائمًا عبورًا هادئًا. فالآخر قد يكون مصدر اعتراف، لكنه قد يكون أيضًا مصدر تهديد. وقد يكون شرطًا لوجود الذات، لكنه قد يحاول في الوقت نفسه إلغاء استقلالها. وهنا يظهر الصراع.
يريد الفرد أن يكون معترفًا به بوصفه فردًا، لكن الجماعة قد تطلب منه أن يكون نسخة منها. ويريد المجتمع أن يحافظ على تماسكه، في حين يريد الفرد مساحة للاختلاف. ومن هنا تولد واحدة من أقدم مشكلات الاجتماع الإنساني: كم يستطيع الفرد أن يختلف دون أن يتحول اختلافه إلى قطيعة؟ وكم يستطيع المجتمع أن يطلب من الفرد الانتماء دون أن يتحول الانتماء إلى إلغاء؟
فلسفة العبور لا تحل المشكلة بإلغاء أحد الطرفين، بل تبحث عن الممر بينهما. فالمطلوب ليس فردًا بلا مجتمع، ولا مجتمعًا بلا فرد، وإنما علاقة تسمح بالانتقال بين الخصوصية والمشترك.
5. الحب بوصفه أرقى أشكال العبور
إذا كان الصراع أحد أشكال العلاقة بالآخر، فإن الحب يمثل شكلًا آخر أكثر عمقًا. الحب يجعل الآخر حاضرًا في بنية الذات، لكنه يضع أمامنا سؤالًا أخلاقيًا خطيرًا: هل أحب الآخر لأنه آخر، أم أحاول امتلاكه وتحويله إلى جزء مني؟ هنا يمكن لفلسفة العبور أن تميز بين شكلين: العبور إلى الآخر وابتلاع الآخر. في الأول، تقترب الذات من الآخر مع إبقاء المسافة التي تحفظ اختلافه. أما في الثاني، فإن الذات تريد أن تلغي المسافة، فتجعل الآخر ملكًا لها. ولهذا فإن الحب الأخلاقي ليس إلغاءً للآخر، بل اعترافًا باختلافه. ومن ثم يمكن أن نقول: الحب هو عبور الذات نحو الآخر دون مصادرة حق الآخر في أن يبقى آخر. وهذه الفكرة تجعل العلاقة بالآخر قضية أخلاقية لا عاطفية فقط.
6. الجسد: حين يصبح الآخر قريبًا من الداخل تزداد المسألة تعقيدًا عندما ننتقل إلى الجسد.
فالجسد ليس ملكًا خاصًا للفرد بالمعنى البسيط؛ إذ إن المجتمع يضع عليه قواعده، ويحدد المقبول والمرفوض، ويصوغ معايير الاحتشام والجمال والذكورة والأنوثة والعمل والانضباط والرغبة. وهنا تحدث عملية عبور شديدة الأهمية: تعبر القاعدة الاجتماعية إلى الجسد، فيتحول الخارج إلى سلوك داخلي.
قد لا يحتاج المجتمع إلى مراقبة الفرد في كل لحظة؛ يكفي أن تصبح القاعدة جزءًا من وعيه حتى يبدأ الفرد بمراقبة نفسه. وهنا نصل إلى أحد أعمق ممرات فلسفة العبور: حين تعبر السلطة من الخارج إلى الداخل، لا تعود بحاجة إلى أن تقف خارج الفرد. وهذا يجعل علاقة الفرد بالآخر مرتبطة أيضًا بعلاقة الفرد بالسلطة. فالآخر قد يكون شخصًا، وقد يكون عينًا اجتماعية، وقد يكون مؤسسة، وقد يكون سلطة أصبحت مقيمة في داخل الفرد.
7. قول الحقيقة: الفرد أمام الآخر هناك مستوى آخر للعلاقة يتمثل في الحقيقة.
عندما يقول الفرد الحقيقة، فهو لا يعبّر عن فكرة فحسب؛ إنه يضع ذاته أمام الآخر. ولذلك فإن قول الحقيقة قد يحمل مخاطرة، لأن الحقيقة يمكن أن تهدم الصورة التي يريد الآخرون المحافظة عليها.
الفرد هنا يعبر من الصمت إلى الكلام، ومن الخوف إلى المواجهة، ومن الذات الخاصة إلى الفضاء العام. لكن العبور لا يحدث بلا ثمن. قد يخسر الفرد موقعه، أو علاقته، أو امتيازه، أو أمانه، لأنه اختار أن يجعل ما كان مخفيًا مرئيًا. ومن هنا تصبح الحقيقة نفسها ممرًا: قول الحقيقة هو عبور الفرد من حماية ذاته إلى اختبارها أمام الآخر.
8. هل يمكن أن يوجد الفرد دون الآخر؟
ربما يكون السؤال الأكثر جذرية هو: هل نستطيع تصور فرد مستقل تمامًا عن الآخر؟ تبدو الإجابة سلبية. حتى الفرد الذي يرفض المجتمع يحتاج إلى المجتمع لكي يكون رفضه ذا معنى. وحتى من يريد العزلة يحمل معه لغة المجتمع وذكرياته وقيمه وتجارب علاقاته السابقة.
الإنسان لا يستطيع أن يخرج من الآخر بسهولة؛ لأن الآخر ليس دائمًا شيئًا خارجيًا.
إنه يسكن في اللغة، والذاكرة، والجسد، والعادة، والضمير، والصورة التي نكونها عن أنفسنا. لكن هذا لا يعني أن الفرد مجرد انعكاس للمجتمع. فهنا تبدأ الحركة المعاكسة.
الفرد يستطيع أن يعيد تفسير ما ورثه، وأن يرفضه، وأن يحوله، وأن ينتج معنى جديدًا، وبذلك يعبر هو أيضًا إلى المجتمع. ولهذا فإن العلاقة ليست: المجتمع والفرد فقط، بل: المجتمع ⇄ الفرد. وهذه العلامة المتبادلة ربما تكون من أبسط الصيغ التي يمكن أن تختصر فلسفة العبور الاجتماعي.
خاتمة:
من منظور فلسفة العبور، لا ينبغي أن ننظر إلى الآخر بوصفه جدارًا يقف في نهاية الذات، ولا بوصفه نسخة أخرى منها، وإنما بوصفه ممرًا تتشكل الذات من خلاله وتعيد تشكيله.
الفرد يعبر إلى الآخر لكي يعرف نفسه، والآخر يعبر إلى الفرد لكي يشارك في تكوينه؛ المجتمع يعبر إلى الجسد، والسلطة تعبر إلى السلوك، والقيمة تعبر إلى الفعل، والحب يعبر من الذات إلى الآخر، والحقيقة تعبر من الصمت إلى المجال المشترك.
وبذلك يصبح الإنسان كائنًا عابرًا بالمعنى العميق للكلمة: لا يعيش داخل حدود ذاته، وإنما تتكون ذاته من الأشياء التي تعبر إليها، ومن الأشياء التي يعبر هو إليها. ولعل المسألة كلها يمكن اختصارها في قاعدة تصلح أن تكون إحدى قواعد «فلسفة العبور»: لا أكون أنا إلا بقدر ما أستطيع العبور إلى الآخر دون أن أفقد ذاتي، وبقدر ما أستطيع استقبال الآخر دون أن ألغيه.
فالمشكلة ليست في وجود الآخر، بل في كيفية العبور بيني وبينه؛ إذ قد يكون هذا العبور جسرًا للاعتراف، وقد يتحول إلى جدار للهيمنة، وقد يصبح في الحب مشاركة، وفي السلطة إخضاعًا، وفي المجتمع اندماجًا، وفي الحقيقة مواجهة.
***
د. عامر عبد زيد الوائلي








