قراءة في خطاب عبد الراضي رضوان في مواجهة حسن حماد
بادئ ذي بدأ نقول: ليس كل خلاف حول الفلسفة خلافا فلسفيا بالضرورة، فقد يبدأ الخلاف من فكرة ثم ينتهي إلى شيء آخر تماما: إلى بناء صورة سلبية عن صاحبها، وتحويله من طرف في حوار فكري إلى متهم يقف أمام سلسلة من المحاكم الرمزية والسياسية والأخلاقية والمؤسسية. وعند هذه النقطة لا يعود السؤال: هل أصاب حسن حماد أم أخطأ؟ بل يصبح السؤال الأهم: ماذا يفعل الخطاب بصاحب الرأي، وإلى أي غاية يدفع القارئ في النظر إليه؟
ومن هذه الزاوية تحديدا تبدو مقالة الدكتور/عبد الراضي رضوان "كربلائيات التباكي على الفلسفة" والمنشورة في موقع فيتو الإلكتروني (https://www.vetogate.com/5727797 )، والتي جاءت للرد على مقالة الدكتور/ حسن حماد، والتي نشرها كبوست على صفحته الشخصية على الفيس بوك (https://www.facebook.com/share/p/1QWBkpc2qz/)، جديرة بقراءة تتجاوز ظاهرها المباشر؛ لأن القضية التي يطرحها المقال أكبر من مجرد اختلاف في الرأي حول الفلسفة، وأعمق من مجرد سجال قراءة سجال بين أستاذين حول وضع الفلسفة أو حول بعض المشتغلين بها. فنحن أمام خطاب لا يكتفي بمناقشة فكرة أو تفنيد رأي، وإنما يتوسع تدريجيا في إعادة بناء صورة حسن حماد أمام القارئ، بحيث يصبح الخلاف الفكري مدخلا إلى أسئلة أخرى تتصل بالانتماء والهوية والنوايا والوطن والاستقرار، ثم تنتهي إلى مفردات ذات حمولة قانونية وأخلاقية بالغة الخطورة.
وهنا ينبغي أن نكون منصفين في قراءة كلام حسن حماد نفسه، فإذا كان حماد قد تحدث عن "بعض" المشتغلين بالفلسفة أو عن عدد غير قليل منهم، فلا يصح أن ننسب إليه أنه حكم على جميع أساتذة الفلسفة، ثم نبني النقد كله على تعميم لم يقول به. أما مضمون ملاحظته في ذاتها، فهو قابل للنقاش بطبيعة الحال؛ يمكن البحث في مدى دقة توصيفه هذا، وحدود الظاهرة التي يشير إليها، وحجمها، ودلالاتها، والأدلة التي يستند إليها. وهذا هو المسار الطبيعي لأي نقد علمي. فإذا كانت العبارة مبالغة، فلتحدد مواضع المبالغة؛ وإذا كان التوصيف غير دقيق، فلتناقش أسبابه؛ وإذا كانت الظاهرة موجودة ولكن جرى توسيع نطاقها، فليبين ذلك بالحجة. أما الانتقال من مناقشة العبارة إلى صناعة ملف حول قائلها، فذلك انتقال من مجال النقد إلى مجال آخر.
والفلسفة نفسها لا تمنح أصحابها حصانة من النقد، كما أنها لا تمنح خصومها حق تجاوز قواعد النقد. فوجود اتجاهات فكرية محافظة أو ذات مرجعيات دينية داخل بعض أوساط المشتغلين بالفلسفة أمر يمكن بحثه ونقده كما يمكن نقد أي اتجاه آخر، خصوصا إذا ترتب على بعض هذه التصورات تضييق على التعدد أو تحفظ على حرية الاختلاف أو تقليص لدور العقل في المجال العام. لكن الفارق كبير بين نقد اتجاه فكري داخل الوسط الفلسفي وبين إصدار حكم على الوسط كله. الأول قضية معرفية قابلة للبحث، والثاني يحتاج إلى تعميم لا يصح إلا بالدليل. ولذلك فإن الدفاع عن الفلسفة لا يكون بإنكار التعدد داخلها، وإنما بإخضاع جميع الاتجاهات، المحافظة منها والتقدمية والعلمانية وغيرها، لمعيار واحد؛ وهو الحجة والنقد وحرية العقل.
ولو كان مقصد عبد الراضي رضوان هو تفنيد رأي حسن حماد فحسب، لكان الطريق واضحا في مقاله: يحدد العبارة، ويناقش مضمونها، ويبين مواضع عدم الدقة فيها، ثم يقدم الأدلة المضادة، لكن المقال لا يقف عند هذا الحد. إنه يبدأ من قضية تخص الفلسفة، ثم ينتقل إلى "تجار الحداثة وثكالى العلمانية"، وإلى "الإرضاع التضليلي"، ثم إلى "التوجيهات الخارجية"، و"زعزعة الاستقرار"، و"الفتنة الطائفية"، و"تصفية الحسابات الشخصية"، إلى أن يصل الخطاب في نهايته إلى مفردات تستدعي النيابة العامة ومحكمة الجنايات.
وهنا يصبح من الصعب على القارئ أن يتعامل مع النص باعتباره مجرد رد علمي على رأي في الفلسفة وبعض المشتغلين بها. فالرجل الذي بدأ بوصفه صاحب رأي مختلف يوضع بالتدريج داخل دوائر متتابعة من الاشتباه؛ دائرة فلسفية، ثم أخلاقية، ثم وطنية، ثم سياسية، ثم قانونية. وكأن المقال لا يريد من القارئ أن يختلف مع حسن حماد فحسب، وإنما يريد أن يغير موقعه في وعي القارئ، من أستاذ يناقش قضية إلى شخصية ينبغي أن ينظر إليها بريبة وحذر.
وهنا تكمن المسألة الأكثر دلالة في بنية الخطاب، ألا وهي بناء الخصم قبل بناء الحجة. فحين يسبق وصف الشخص مناقشة فكرته، يصبح القارئ مهيأ نفسيا للحكم عليه قبل أن يبدأ في فحص حجته. والعنوان نفسه، "كربلائيات التباكي على الفلسفة"، ليس عنوانا محايدا يفتح مجالا للنقاش، وإنما يتضمن حكما مسبقا على الطرف الآخر، إذ يضعه في موقع من يتباكى ويتقمص دور الضحية. وبذلك لا يبدأ النص من السؤال: ماذا قال الرجل؟ وإنما يبدأ من إيحاء سابق بما ينبغي أن يعتقده القارئ عنه.
ثم يتسع هذا البناء ليشمل جماعات وتيارات ومفاهيم كاملة، بحيث لا يعود الأمر متعلقا بجملة قالها حسن حماد، بل بما يمكن أن تمثله هذه الجملة في ذهن الكاتب من حداثة وعلمانية وتوجيه خارجي وتهديد للاستقرار. وهذه طريقة شديدة الخطورة في الجدل؛ لأنها تنقل النقاش من العبارة المحددة إلى شبكة من الإيحاءات التي يصبح معها الرد على فكرة واحدة ذريعة لمحاكمة صاحبها داخل سياقات لا علاقة مباشرة لها بالفكرة الأصلية.
والأشد دلالة في هذا السياق هو ما يحدث في الثلث الأخير من المقال، حيث ينتقل عبد الراضي من مناقشة موقف حسن حماد إلى استخراج عبارات بعينها من كلامه، مثل الحديث عن "تعفن عقل النخبة"، و"انحطاط وعي شباب الباحثين"، ووصف بعض المشتغلين بالفلسفة بأنهم "عبيد"، وغير ذلك من العبارات التي وردت في سياق خطاب حسن حماد نفسه. والمشكلة هنا ليست في مجرد نقل هذه العبارات أو الاعتراض عليها؛ فمن حق أي ناقد أن يتوقف عند عبارة يراها جارحة أو متجاوزة أو غير دقيقة. وإنما تكمن المشكلة في الطريقة التي اقتطعت بها هذه العبارات من سياقها، ثم أعيد تقديمها داخل خطاب عبد الراضي بوصفها مادة لإدانة صاحبها، قبل أن يتوسع الخطاب في ربطها بدلالات تتجاوز الخلاف الفكري إلى النخبة والمجتمع والاستقرار والجهات المعنية، وصولا إلى استدعاء النيابة العامة ومحكمة الجنايات.
وهنا يتغير السؤال الذي يفرضه النص على القارئ. فلم يعد الأمر مجرد هل كانت عبارات حسن حماد موفقة؟ وهل كان ينبغي أن يستخدم هذه اللغة؟ وإنما أصبح ماذا يريد هذا التوظيف المتتابع لهذه العبارات أن يصنع في صورة الرجل أمام القارئ والجهات التي يستحضرها الخطاب؟ إن اقتطاع العبارة من سياقها لا يبطل إمكان نقدها، لكنه قد يغير وظيفتها الدلالية؛ فالعبارة التي كانت جزءا من سياق جدلي محدد تتحول، بعد عزلها وإعادة ترتيبها، إلى قرينة اتهام مستقلة عن السياق الذي ولدت فيه.
وهذه نقطة منهجية لا يجوز تجاوزها، إذ لا يمكن أن نحاكم عبارة قبل أن نقرأ السياق الذي وردت فيه، ولا أن نحول لغة حادة في مقال إلى دليل على موقف أخلاقي أو وطني أو قانوني لصاحبها من غير أن نثبت الصلة بين الأمرين. فإذا كان في كلام حسن حماد تجاوز، فليحدد التجاوز في موضعه، وليناقش في سياقه، وليترك للقارئ أن يحكم عليه. أما جمع العبارات المتفرقة، ثم شحنها بإيحاءات سياسية ووطنية وقانونية، فذلك لا يعود مجرد نقد للعبارة، وإنما يصبح إعادة بناء لصورة صاحبها أمام جمهور أوسع من الجمهور الذي كان موجها إليه كلامه أصلا.
ومن هنا تبدو خطورة الانتقال من "نقد القول" إلى "توظيف القول ضد قائله". فالأول ممارسة مشروعة من صميم الاختلاف الفكري، أما الثاني فيحتاج إلى قدر أعلى من الحذر والإنصاف؛ لأن القارئ قد لا يعود يرى العبارة داخل سياقها الأصلي، وإنما يراها كما أعاد الخصم تركيبها. وعندئذ يصبح الاقتباس نفسه جزءا من صناعة الاتهام، لا مجرد وسيلة لفهم النص ونقده.
والأخطر أن النص لا يكتفي بهذا المستوى من التوصيف، بل يفتح الباب أمام السلطة القانونية حين يقرر أن مثل هذه المضامين لا مكان لمحاسبتها إلا أمام "مكتب النائب العام" أو "محكمة الجنايات". وهنا ينبغي للقارئ أن يتوقف طويلا، ما علاقة محكمة الجنايات بخلاف فكري حول الفلسفة وبعض المشتغلين بها؟ وكيف انتقلنا من مناقشة رأي أستاذ في قضية فكرية إلى استدعاء مؤسسات الدولة والقانون في مواجهة أستاذ آخر؟
هذه ليست ملاحظة شكلية، لأن استدعاء الدولة إلى قلب خلاف أكاديمي يغير طبيعة الخلاف نفسه. فعندما يبدأ الخطاب بالاختلاف مع فكرة، ثم يستدعي "الجهات المعنية"، ويتحدث عن التوجيهات الخارجية وزعزعة الاستقرار والفتنة، وينتهي باستدعاء النيابة ومحكمة الجنايات، فإننا أمام استدعاء متدرج للسلطة داخل نزاع كان يفترض أن يبقى في الأصل داخل فضاء الحجة والمناقشة العلمية.
ومن هنا يصبح من المشروع أن يسأل القارئ، هل الغاية من هذا التوسع أن يثبت أن حسن حماد أخطأ في توصيف بعض المشتغلين بالفلسفة؟ أم أن ثمة غاية أخرى تتصل بصورة الرجل ومكانته داخل الوسط الأكاديمي؟ فحين يتكرر استهداف شخص بعينه، ولا يعود النقاش منصبا على فكرة محددة، وإنما يتحول إلى سلسلة متتابعة من الأوصاف والاتهامات والإيحاءات، يصبح من حق القارئ أن يتساءل عن الوظيفة التي يؤديها هذا الخطاب داخل المجال الأكاديمي، وعن النتائج التي يمكن أن تترتب عليه في صورة الرجل وموقعه وثقة الآخرين به.
وهنا تحديدا ينبغي الانتباه إلى البعد المؤسسي الذي لا يجوز تجاهله. فالأستاذ الجامعي لا يعيش في فراغ؛ فسمعته العلمية جزء من موقعه الأكاديمي، وموقعه الأكاديمي يرتبط بلجان ومؤسسات ودوائر علمية وقرارات تتصل بمسيرته ومسيرة غيره. ومن ثم فإن تحويل الخلاف الفكري إلى خطاب يمس السمعة والمكانة لا يبقى مجرد كلام عابر، بل يمكن أن يتحول إلى أداة ضغط مؤسسي، لتنحية الرجل من مهامه بالجان والمؤسسات والدوائر العلمية التي يرتبط بها؛ حتى لو لم يصرح النص بذلك صراحة.
ولا أقول إن هذا وحده يثبت نية محددة لدى كاتب المقال، فالنوايا لا تثبت بالتخمين، ولا يصح أن ننسب إلى أحد قصدا خفيا من غير بينة. لكن النقد الجاد لا يقف عند النيات، بل ينظر أيضا في وظيفة الخطاب وأثره المحتمل. والسؤال هنا ليس ماذا كان في داخل الكاتب؟ وإنما ماذا يفعل النص إذا أخذناه كما هو؟ إنه لا يكتفي بتفنيد رأي حسن حماد، بل يضعه أمام سلسلة من الأحكام التي يمكن أن تؤثر في صورته العلمية والمؤسسية. وهذه نتيجة موضوعية يمكن للقارئ أن يراها في بنية النص نفسه، دون حاجة إلى ادعاء معرفة ما تخفيه النيات.
وتزداد المسألة دلالة حين يستدعي المقال عنوان "تصفية الحسابات الشخصية". فالمفارقة أن الكاتب يحذر من تصفية الحسابات، بينما يبني في الوقت نفسه خطابا شديد التركيز على شخص بعينه، محاطا بسلسلة من الاتهامات والتوصيفات. وهنا لا يكون السؤال اتهاما مضادا، وإنما سؤالا منهجيا وهو؛ متى يكون الحديث عن تصفية الحسابات كشفا لمنهج الخصم، ومتى يمكن أن يتحول هو نفسه إلى جزء من معركة تصنع للخصم صورة معينة في وعي الجمهور؟
والأمر نفسه ينطبق على أسلوب الإشارة غير المباشرة إلى الشخص، فعدم ذكر الاسم بصورة صريحة لا يعني بالضرورة أن الشخص خرج من دائرة الاستهداف؛ بل قد يكون التلميح، حين تتراكم حوله الأوصاف والاتهامات، أكثر تأثيرا من التصريح، لأن القارئ يصبح شريكا في استكمال الصورة، وهنا يتحول الخطاب من مجرد إخبار إلى توجيه لطريقة القراءة.
أما الاعتذار الذي يأتي في نهاية هذا النوع من الخطاب، فإنه يحتاج بدوره إلى قراءة دقيقة. فالاعتذار الحقيقي يعيد الأمور إلى أصلها، يحدد الخطأ، ويتراجع عن العبارة محل الاعتراض، ويغلق الباب أمام استمرار الاتهام. أما إذا بقيت الصورة الأساسية للشخص كما هي، وبقيت الاتهامات حاضرة في ذاكرة القارئ، ثم جاء الاعتذار في صيغة لا تسحب جوهر ما قيل، فإن الاعتذار قد يتحول من إغلاق للملف إلى صورة أكثر تهذيبا من استمرار الملف. وهنا يحق للقارئ أن يسأل، عما كان الاعتذار تحديدا؟ وما الذي سحب؟ وما الذي بقي قائما بعده؟
إن المشكلة الحقيقية في هذا الخطاب ليست أنه شديد اللهجة؛ فالفكر لا يخاف من الحدة، والفلسفة لا تزدهر بالمجاملات. وإنما المشكلة حين تتحول الحدة من قوة في الحجة إلى قوة على الشخص، وحين تصبح الأوصاف بديلا عن البرهان، والإيحاءات بديلا عن الأدلة، واستدعاء السلطة بديلا عن الحجاج.
ولا ندافع هنا عن حسن حماد لأنه لا يخطئ، ولا لأن كل ما قاله ينبغي أن يقبل بلا مناقشة، بل ندافع عن قاعدة أعمق من الأشخاص جميعا، إذا أخطأ الأستاذ، فليكشف خطؤه بالدليل؛ وإذا بالغ، فلتحدد مواضع المبالغة؛ وإذا أخطأ في توصيف ظاهرة، فلتدرس الظاهرة ويصحح توصيفها؛ وإذا اختلف في موقف فكري، فليواجه بموقف فكري أقوى. أما أن يتحول اختلافه إلى مدخل لبناء صورة سلبية عنه، وربط هذه الصورة بسياقات أخلاقية ووطنية وقانونية ومؤسسية، فهنا نكون قد غادرنا ميدان الفلسفة إلى ميدان آخر.
والأمر يستحق وقفة أعمق لأن تكرار الهجوم على الشخص نفسه لا يمكن التعامل معه دائما باعتباره مجرد تكرار عابر. فقد تتحول كثرة التكرار إلى صناعة تدريجية لصورة ذهنية مستقرة، كل مرة تضاف تهمة، وكل مقال يضيف وصفا، وكل إشارة تربط الاسم بسياق أكثر خطورة من سابقه، حتى يصبح القارئ في النهاية أمام صورة مكتملة لا يتذكر معها ربما أين بدأت القضية الأصلية. وهذه آلية معروفة في الخطاب العام، وهي أن التكرار لا يثبت الاتهام، لكنه قد يثبت صورته في الوعي.
ومن هنا فإن أخطر ما يمكن أن يحدث في الوسط الأكاديمي ليس أن يختلف أستاذان، بل أن تتحول الخلافات العلمية إلى حملات تستبدل نقد الفكرة بإضعاف صورة صاحبها. فالجامعة لا تحميها المجاملة، وإنما يحميها معيار واحد يسري على الجميع، فمن حق كل أستاذ أن ينتقد زميله، ومن حقه أيضا أن يختلف معه في الفلسفة والعلمانية والحداثة وكل ما شاء، لكن ليس من حق أحد أن يجعل من الخلاف الفكري سلما إلى إدانة أخلاقية أو سياسية أو قانونية ما لم يقدم لكل مستوى من مستويات الإدانة دليله المستقل.
فالفلسفة، قبل أن تكون مقررات ومناهج وأسماء ومواقع، هي امتحان دائم لحرية العقل، ولذلك فإن من يدافع عن الفلسفة مطالب بأن يقبل أول اختباراتها، بأن يخضع هو نفسه للنقد، وأن يحتمل الاختلاف، وأن يميز بين نقد الفكرة وإدانة صاحبها. فليس في الفلسفة رأي مقدس، وليس فيها شخص فوق المساءلة، لكن ليس فيها أيضا شخص يتحول إلى متهم لمجرد أن رأيه لم يعجب خصمه.
ولذلك فإن السؤال الذي يفرض نفسه في هذا المقال- في نظري- ليس هو هل حسن حماد على صواب في كل ما قال؟ فهذا سؤال جزئي يمكن أن يجيب عنه الدليل. وإنما السؤال الأعمق هو: هل كان موضوع المقال هو بالفعل الدفاع عن الفلسفة، أم أن الفلسفة أصبحت في بعض لحظات الخطاب ستارا لمعركة تتجاوز حدود الفكرة إلى الشخص والمكانة والموقع؟
إن هذا السؤال لا يتهم أحدا بنية خفية، لكنه يقرأ النص في وظيفته وآثاره. وحين يكون شخص بعينه هو محور سلسلة متكررة من الاتهامات، وحين تنتقل اللغة من نقد رأيه إلى التشكيك في وعيه وانتمائه ووطنيته وأخلاقه، ثم تقترب من استدعاء مؤسسات الدولة والقانون، فمن الطبيعي أن يتساءل القارئ عما إذا كان الهدف قد انتقل من إقناع الناس بخطأ فكرة إلى التأثير في نظرتهم إلى صاحبها ومكانته.
وهنا تصبح الإشارة إلى الموقع الأكاديمي أكثر من مجرد تفصيل عابر. فإذا كان الصراع يجري في فضاء تتداخل فيه لجان علمية ومواقع أكاديمية ومراكز تأثير، فإن السؤال عن المستفيد من إضعاف صورة شخص بعينه ليس اتهاما، وإنما جزء من القراءة النقدية للسياق. لا سيما إذا كان هناك، في الخلفية الأكاديمية، تنافس أو تداول محتمل على مواقع المسؤولية العلمية. وحينها لا يعود كافيا أن نسأل: من قال ماذا؟ بل يصبح من المشروع أيضا أن نسأل: ماذا يمكن أن يترتب على هذا الخطاب؟ ومن الذي يمكن أن تتعزز مكانته إذا تراجعت مكانة الطرف الآخر؟
ومرة أخرى، لا يعني طرح هذه الأسئلة الجزم بأن الكاتب قصد الإقصاء أو سعى إليه، فذلك أمر يحتاج إلى بينة مستقلة عن النص. لكن تجاهل هذا البعد تماما قد يكون سذاجة نقدية أيضا، لأن الخطاب الأكاديمي لا يعيش خارج مؤسسات القوة والمكانة. والناقد الذي يريد أن يكون عادلا لا يقرأ الكلمات فقط، بل يقرأ السياق، ويقرأ تكرار الاستهداف، ويقرأ اتجاه الخطاب، ويترك للقارئ أن يربط بين العناصر دون أن يفرض عليه نتيجة مسبقة.
وهنا تتضح المسافة بين النقد الذي يحرر العقل والخطاب الذي يحشد العقل. الأول يضع الأدلة أمام القارئ ثم يترك له الحكم، أما الثاني فيبني للخصم صورة مسبقة ثم يدعو القارئ إلى إصدار الحكم عليها. الأول يجعل الحجة في المقدمة والشخص في الخلفية، والثاني يجعل الشخص في المقدمة ثم يبحث عن الحجج التي تؤكد صورته.
ولهذا فإن الرد الحقيقي على هذا النوع من الخطاب لا يكون بشتم صاحبه ولا بإنتاج خطاب مضاد من النوع نفسه، وإنما بإعادة النقاش إلى موضعه الطبيعي، فكرة أمام فكرة، ودليل أمام دليل، وموقف أمام موقف. فإذا كان هناك خلل في رؤية حسن حماد للفلسفة، فليكشف الخلل. وإذا كان هناك قصور في حديثه عن بعض المشتغلين بها، فليبين القصور. وإذا كان ثمة اتجاه فكري داخل الوسط الفلسفي يستحق النقد، فليكن النقد صريحا ومنهجيا. أما تحويل الأستاذ إلى قضية، والقضية إلى ملف، والملف إلى صورة تهدد مكانته، فليس ذلك من الفلسفة في شيء.
الفلسفة لا تحتاج إلى محاكمات شخصية كي تنتصر، ولا تحتاج إلى تأليب سلطة على خصم فكري كي تثبت قوتها. إنها تحتاج فقط إلى عقل حر، وحجة واضحة، ونقد يقبل أن يوجه إليه ما يوجهه إلى غيره. ومن لا يستطيع أن ينتصر لفكرته إلا بعد أن يهزم صورة خصمه، قد يكون قد ربح معركة الخطاب، لكنه لم يربح معركة الفكر.
وربما يكون أكثر ما يحتاجه هذا المشهد كله هو أن نتذكر قاعدة بسيطة كثيرا ما ننساها حين تتحول الاختلافات إلى خصومات، ليس المطلوب أن نحب أفكار بعضنا، وإنما المطلوب أن نحترم حقها في أن تواجه بالحجة، وحق أصحابها في ألا تتحول أخطاؤهم إلى ذريعة لمحاكمتهم خارج ميدان الفكر. فحين يصبح نقد الفكرة طريقا إلى إقصاء صاحبها، لا تكون الفلسفة قد خسرت خصما فحسب، بل تكون قد خسرت شيئا من معناها.
***
بقلم: أ. د. ياسر البتانوني
أستاذ الفلسفة الإسلامية بكلية الآداب جامعة المنوفية








