عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

حين يتحول الإصلاح من فضيلة إلى ثمن

أن تكون صالحاً، فهذا سمت أصحاب الأخلاق والقيم والمبادئ السمحاء؛ أولئك الذين تستقيم سريرتهم، ويصفو تعاملهم، فيمدحهم القريب والبعيد، الرئيس والمرؤوس، الفقير والغني، القوي والضعيف. يذكرهم الناس بخير، ويتغنون بما يمتلكونه من أخلاق وقيم أصيلة، ويكسونهم بأبهى الأوصاف الجميلة وأجلها لفظاً ومعنى.

فالصلاح حالة من الانسجام والسلام الداخلي والتصالح مع الذات، وهدوء النفس ولسلوك، واتزان التصرف والفعل الحسن، وهو مقصد نبيل تسعى إليه النفوس السوية، وتطمئن له المجتمعات التي تبحث عن السمو الروحي والنفسي والاجتماعي.

وقد جسد النبي محمد ﷺ هذا المعنى أصدق تجسيد قبل بعثته، حين لقبه أهل مكة " بـ الصادق الأمين"؛ وصف لم يمنح مجاملة، بل شهادة موثقة من المجتمع الذي يعيش في كنفه، وصف جامع على صدقه وأمانته.

ويكفي أن نتأمل حادثة التحكيم في وضع الحجر الأسود، حين تنازعت القبائل وكاد الخلاف أن يتحول إلى اقتتال بينهم، فقالوا: نحكم أول من يدخل علينا، فلما دخل ﷺ قالوا بلسان واحد: جاءنا الصادق الأمين.

كان ذلك إجماعاً على خصاله وصلاح رجل لم يكن بعد قد أعلن دعوته، ولم يمس بنية المجتمع أو مصالح سادته هيمنتها ومكانتها ومطامعها.

وهكذا هو ديدن الناس مع الصالحين؛ يأنسون بهم، ويطمئنون إلى وجودهم، لأن الصالح في الغالب ينشغل بإصلاح ذاته، وتهذيبها وتقويم سلوكه، وبناء أخلاقه، فتستقيم سيرته وتحمد سيرته ومسيرته، دون أن يدخل في مواجهة مباشرة مع منظومات الظلم أو شبكات الفساد أو أعراف الانحراف الذي يحدثونه.

فالصالح لا يهدد توازنات القوة، ولا يزعج أصحاب المصالح والمراكز والكراسي، ولا يربك القائمين على الجور والتعدي والتجاوز، ولذلك يحظى بالقبول والارتياح، وربما الاحتفاء.

غير أن المشهد يتغير جذرياً حين ينتقل الإنسان من دائرة الصلاح الفردي إلى ساحة الإصلاح المجتمعي.

فهنا لا يعود الأمر متعلقاً بسلوك شخصي أو أخلاق فردية تعيش بمفردها، بل بموقف، ورسالة، ورؤية وتوجه تسعى إلى صناعة التغيير وقلب الموازين، وتكشف الخلل، وتطالب بالعدالة والكرامة الإنسانية والمجتمعية، وتسمي الأشياء بأسمائها دون مواربة أو مجاملة لأحد.

المصلح لا يكتفي بأن يكون صالحاً في ذاته، بل يحمل هم غيره، ويتحمل مسؤولية مجتمعه، ويسعى إلى تقويم الاعوجاج، ورد الحقوق إلى أصحابها، وكسر دوائر الظلم والجور الذي يعشش لسنوات، ويبني وعياً جديداً ومنهجية لم يعتاد عليها سادة المجتمع وكبراءه.

ومن هنا يبدأ الثمن الحقيقي.

فالإصلاح يزعج، ويقلق، ويربك، لأنه يهدد مصالح راسخة، ويكشف زيفاً متجذراً في النفوس والكيانات، ويفضح منظومات اعتادت البقاء في الظل دون أن يقف في وجهها أحد ويطالبها بالتعديل والنماء والتطوير وإحداث إصلاح في منظومات شاخت وهرمت واصبحت تذيق أفرادها وجماعاتها الذل والهوان والعبودية، لذلك لا يستقبل المصلح بالتصفيق، بل بالتشكيك، ولا يقابل بالمدح والثناء، بل بالتهم، ولا يكافأ بالاحتضان، بل بالإقصاء والتغييب والابعاد والفناء.

وهذا بالضبط ما واجهه الرسول ﷺ بعد البعثة؛ فبعد أن كان الصادق الأمين، أصبح – في خطاب خصومه – كاذباً، وساحراً، ومجنوناً (وحاشى لله أن يكون كذلك)، لم تتغير شخصيته، ولم تتبدل أخلاقه، ولم يطرأ على صدقه نقص، لكن الذي تغير هو أنه أصبح مصلحاً، يحمل رسالة سامية وعظيمة تهدد بنية الشرك، وتفضح الطغيان والظلم، وتدعو إلى العدالة والإنصاف، وتكسر احتكار السلطة والمال والوجاهة.

لم يكن الأذى الذي لقيه ﷺ وليد ضعف أو خطأ، بل نتيجة طبيعية لطريق الإصلاح؛ مؤامرات، دسائس، تشويه، حصار، تهديد بالإبعاد، ثم بالنفي، ثم بالقتل. ومع ذلك، لم يتراجع، لأن الإصلاح ليس طريق الباحثين عن السلامة، بل درب المؤمنين بالحق والسالكين فيه. وهنا يتجلى الفرق الجوهري بين الصالح والمصلح: فالصالح صالح لنفسه، يعيش في دائرة أخلاقه، ويصلح ذاته، ولا يصطدم بالضرورة مع الواقع المنحرف. أما المصلح، فيحمل مشروعاً وهماً إيجابياً، ويواجه واقعاً خرباً، ويقف في وجه الظلم والجور والطغيان، ويطالب بمجتمع يسير على هدى وبصيرة، وعدل واستقامة، بدل الفوضى، وانعدام الأمن، وغياب العدالة.

ولذلك، فإن المصلح يدفع ثمناً نفسياً واجتماعياً ومهنياً، وقد يكون وجودياً، يساء فهمه، وتحرف نواياه، ويحاكم على نياته لا على أفعاله، ويطلب منه أن يصمت باسم “الحكمة”، أو يتراجع باسم “السلامة”، أو يساوم باسم “الواقعية”.، ومع ذلك، يبقى الإصلاح ضرورة ورسالة لا ترفاً، ورسالة لا خياراً ثانوياً.

فالأمم لا تتقدم بالصالحين وحدهم، بل بالمصلحين الذين امتلكوا الشجاعة ليقولوا: لا، حين كان الصمت أسهل، والحق أثقل، والثمن أغلى. إن الصلاح محمود، وغاية سامية، لكن الإصلاح مقام أعلى، لا يبلغه إلا من أدرك أن رضا الله أولى من رضا الناس، وأن الحق أغلى من المديح، وأن العدل أثمن من السلامة.

وهكذا، سيبقى الصالح محبوباً، ويبقى المصلح ممتحناً، لكن التاريخ لا يخلد إلا أولئك الذين اختاروا طريق الإصلاح، مهما كان وعراً وصعباً، ومهما كان الثمن المدفوع.

***

د. أكرم عثمان

7-2-2026

بأذن الله تفصلنا ايام قلائل عن شهر مضان المبارك، ويتميز شهر رمضان بأجوائه الإيمانية التي تعكس روح العبادة والتقرب إلى الله، وتتضاعف الطاعات وتزداد أعداد المصلين في المساجد، حيث تُقام العديد من الأنشطة الدينية التي تخلق بيئة روحانية متميزة تعزز التقوى وتعمق الروابط بين المسلمين لما للمساجد في رمضان من دور محوري في حياة المسلمين، إذ تصبح منارة للعبادة والذكر والتعلم والتقرب إلى الله وفعل الخير

يعد المسجد في رمضان القلب النابض للعبادة، حيث يشهد إقبالاً كبيراً لإقامة الصلوات الخمس والتراويح، والاعتكاف، وإحياء ليلة القدر. تتهيأ المساجد لاستقبال المصلين عبر الدروس العلمية، وقراءة القرآن، وحلقات الذكر، مع مراعاة الضوابط الشرعية في حضور النساء، مما يجعله محطة إيمانية تزيد من الروحانية والترابط الاجتماعي، لمسجد منارة هدى تبث شعاع الهداية والسكينة والطمأنينة في نفوس مرتاديها، ويتأكد ذلك في شهر الصيام، شهر رمضان الذي كرَّمه الله تعالى وشرَّفه، وجعله خير الشهور في العام، وتظهر روحانيات المسجد في رمضان في عدة صور أو مشاهد، من خلال زيادة الإقبال على الصلاة؛ حيث تمتاز المساجد في رمضان بكثرة المصلين، خاصة في صلاة التراويح والقيام، مما يعزز الشعور بالجماعة والسكينة، وأجواء الخشوع والطمأنينة؛ حيث تمتزج في المسجد روحانية التلاوة مع الخشوع في الدعاء، فتكون لحظات السجود والقيام أكثر تأثيرًا في النفوس

المسجد يمثل مؤسسة تربوية رفيعة تربي الجيل الإيماني المتصل بخالقه والمدرك لمسؤوليته في الحياة، كي يكون عبدا متكامل البناء في خلقه وسلوكه وعمله وعبادته، في علاقته بربه وبنفسه وبالناس جميعا، موضحا أن الوظيفة الأولى للمساجد هي أنها أماكن عبادة، فيها يؤدي المسلمون صلواتهم وجمعهم أو جماعاتهم، ويقرؤون القرآن ويذكرون الله وتلاوة القرآن الكريم؛ حيث يُكثِر المصلون من قراءة القرآن والاستماع إليه خلال الصلوات الجهرية، مما يُغذِّي القلب ويُجدِّد الإيمان،، بالإضافة إلى الإفطار الجماعي؛ حيث يلتقي المسلمون على موائد الإفطار في المساجد، فيتجسَّد معنى التكافل والتآخي

الإسلام هو للناس كافة فعند التمعن في الآية الكريمة "وما أرسلناك إلا كافةً للناس بشيرًا ونذيرًا ولكن أكثر الناس لا يعلمُون" (سبأ: 28) سنصل إلى قناعة مفادها أنه طالما أن الرسول بُعث للناس كافة فهذا يعني بالضرورة أن هناك أدوات فلسفية ومادية تساهم بشكل أو بآخر في تحقيق هذه الرسالة الواضحة. وبما أنني مهتم بعمارة المسجد على وجه الخصوص وتنوعه العالمي، توصلت إلى قناعة أنه يمثل الهوية الثقافية والمكانية للإسلام كونه كذلك مكانا لكل الناس

في تصورنا أن المسجد يرتكز على مجموعة مفاهيم فلسفية تكمل بعضها البعض، وجميعها تنطلق من كون هذا المبنى وجد للناس ومن أجلهم كي يساعدهم على خلق المنهج الاجتماعي الملائم لهم وعلى مستويات متعددة تبدأ من المجموعة البشرية المتقاربة سكنيًا وتنتهي بالبشرية جمعاء

المسجد بصفته المادية يمكن أن يجسد المعنى التجريدي للأمة، وهذا يجعله مبنى يعبر عن المفهوم الأوسع الذي أشارت إليه الآية الكريمة. نجد هنا صلة وجودية بين مفهومي "الأمة" و"لتعارفوا" كون الأمة لا تتحقق إلا من خلال التعارف، وإذا ما توسعنا قليلا وأضفنا مصطلح "كافة للناس" سوف نشعر باللا حدود التي يصنعها المسجد، فبهذا المعنى يشمل مفهوم الأمة كل الناس، والدعوة الصامتة هنا دعوة للدخول في مفهوم "الأمة" التي هي كل البشرية. يثير هذا التصور كثيرا من الأفكار حول الغاية التي من أجلها وجد المسجد، فالأرض كلها مسجد، وهذه خاصية، لم تكن اعتباطية، بل هي مرتبطة برباط مشيمي بكون الصلاة تؤدى في وقتها، وأن الإسلام للناس كافة، وهذا يجعلنا نُفرق بين كون المسجد مبنى ماديا وبين كونه مكانا مجازيا. عندما يكون هناك اتجاه (القبلة) يتجسد المسجد مكانيا، فهو يخلق المكان الدائم والإشارة البصرية التي تصنع بالضرورة الرابطة المكانية المتجددة، وعنما يكون مكانا مجازيا عابرا (فكرة)، فإن الرابطة تكون مؤقتة تخلقها ضرورة أداة الصلاة في وقتها، لكن كلا المكانين يملكان قدرة مدهشة على تبليغ الدعوة الصامتة

***

نهاد الحديثي

ما يحدث اليوم في المشهد التعليمي العراقي ليس توسعا معرفيا، بل هو عملية اغراق سوق منظمة، تتبع سياسة الربح السريع على حساب امن البلاد الاقتصادي والمجتمعي. لقد تحولت الجامعات الاهلية من صروح لبناء العقول الى "دكاكين اكاديمية" تبيع الوهم للطلبة، وتصدر للمجتمع افواجا من العاطلين بمرتبة "خريج".

من المثير للسخرية والمرارة معا، ان تجد شارعا واحدا يضم ثلاث جامعات اهلية، والثلاث تفتتح كليات لطب الاسنان والصيدلة والتمريض. هل يعقل ان استراتيجية التعليم العالي في بلد بحجم العراق تُبنى على "التقليد والمحاكاة"؟

لقد اغرقت هذه التخصصات السوق المحلية حتى وصلنا الى مرحلة "التشبع القاتل". اننا لا نخرج اطباء ومحامين، بل نخرج ضحايا جدد لطوابير التعيين المركزي الوهمي، او شبابا يضطرون لفتح مشاريع بعيدة كل البعد عن دراستهم لكي لا يموتوا جوعا.

لم يتوقف الامر عند التكرار، بل انتقل الى "الفانتازيا" التعليمية. فجاة، وبدون مقدمات لوجستية او بنية تحتية، بدانا نسمع عن تخصصات الطائرات المسيرة والتخدير والذكاء الاصطناعي في جامعات تفتقر لابسط المختبرات التقنية.

السؤال الجوهري: هل الهدف هو مواكبة العصر؟ ام هو مجرد "واجهة اعلانية" لجذب الطلبة تحت مسمى التخصصات "المودرن" لزيادة المداخيل المالية؟

ان اقحام تخصصات دقيقة وحساسة في بيئة لم تهيئ لها سوق عمل حقيقي هو ضرب من العبث بمستقبل الشباب.

الجامعات الاهلية تُروّج لفرية تلبية "رغبة الطالب"، لكن الحقيقة انها تلبي "رغبة الخزينة" لديها.. التعليم ليس سلعا تُعرض في سوبر ماركت بناءً على طلب الزبون، التعليم هو محرك الدولة الاساسي.

ان الاستمرار في سياسة "فتح الباب لمن يدفع" دون النظر الى حاجة السوق الفعلية هو جريمة وطنية. نحن بحاجة الى:

- ستراتيجية انقاذ: تبدا بفرض "حظر اكاديمي" وايقاف منح الرخص لتخصصات مثل طب الاسنان والصيدلة والقانون والتربية الاسلامية فورا لعدة سنوات، لاعادة تقييم حاجة السوق الحقيقية بعيدا عن ارقام الارباح.

- التوجيه المهني التقني: تحويل الاستثمار نحو الصناعة والزراعة الحديثة والطاقة المتجددة وادارة الازمات المائية.

- ربط الترخيص بالتشغيل: لا يجوز لجامعة ان تفتتح قسما الا اذا اثبتت بالدراسات والارقام ان هذا التخصص له مقعد في سوق العمل الخاص او العام.

ان بناء الاوطان لا يتم بزيادة اعداد الخريجين، بل بنوعيتهم ومدى احتياج الارض لجهودهم.

الى متى ننتظر؟ هل ننتظر حتى يصبح لكل مواطن عراقي "شهادة دكتوراه" وهو لا يجد ثمن خبزه؟

لقد حان الوقت لتغيير البوصلة من "الاستثمار في الجيوب" الى "الاستثمار في العقول المنتجة".

ان لم نوقف هذا النزيف الاكاديمي، فسنواجه انفجارا اجتماعيا يقوده جيش من "المتعلمين العاطلين" الذين خدعتهم الجامعات بقطعة ورق تسمى شهادة.

***

ا. د. محمد الربيعي

رؤية إسلامية في دور الأسرة والمجتمع

لقد قدّم الإسلام رؤية متكاملة لحماية الطفل منذ اللحظة الأولى لوجوده، فجعل حياته مقدسة وأحاطه بسياج من الرحمة والرعاية.

 يبدأ الطفل رحلته في رحم أمه، حيث وفّر الله سبحانه وتعالى له بيئة خاصة تحميه وتغذيه، فيتكون شيئًا فشيئًا في هذا الملاذ الرحماني، محاطًا بعناية إلهية لا يراها أحد لكنها تحفظه حتى يخرج إلى الدنيا.

هذه البيئة التي خلقها الله داخل رحم الأم هي دليل على أن حماية الطفل تبدأ قبل أن يولد، وأنه أمانة منذ أن يكون نطفة، فيكبر في رحمٍ أُعدّ له بعناية ليكون مأوى آمنًا. 

ومن هنا جاء الإسلام ليقطع دابر الجاهلية التي كانت ترى في قتل الأولاد وسيلة لتخفيف الأعباء أو التخلص من العار، فجعل ذلك جريمة كبرى، وأدان وأد البنات، واعتبر الجنين في بطن أمه نفسًا لها حرمة لا يجوز الاعتداء عليها.

 هذه المبادئ القرآنية والشرعية وضعت أساسًا متينًا لحماية الطفل، وأكدت أن حياته ليست ملكًا لأحد بل هي هبة من الله يجب أن تُصان. 

وعبر التاريخ، انعكست هذه الرؤية على المجتمعات العربية والإسلامية، فكان الطفل دائمًا في قلب الاهتمام، حتى في ظل الحروب والأزمات.

 ورغم ما واجهته الدول العربية من تحديات اقتصادية وسياسية، ظل الاهتمام بالطفل جزءًا من المنظومة العامة، منبعه هو الدين الإسلامي الذي جعل الإنسان إنسانًا، وأكد أن الطفل ليس عبئًا بل هو مستقبل الأمة.

 لذلك نجد أن الدول العربية، وإن تفاوتت في إمكانياتها، وجهت عنايتها للأطفال عبر التعليم، والرعاية الصحية، والاهتمام بذوي الهمم، بما في ذلك الأطفال الذين يعانون من التوحد أو إعاقات مختلفة، حيث اعتُبروا أمانة يجب أن تُصان لا عبئًا يُتخلّى عنه. 

هذه العناية لم تكن مجرد سياسات عابرة، بل هي انعكاس مباشر للدستور الإسلامي الذي نظّم حياة الإنسان، وجعل حماية الطفل واجبًا شرعيًا وأخلاقيًا.

 فالطفل في الإسلام ليس مجرد فرد ضعيف، بل هو قرة عين ورحمة، وزهرة يجب أن تُروى بالحب والرعاية حتى تثمر مجتمعًا صالحًا. 

لقد ضجّت منصات التواصل الاجتماعي بصور ومشاهد تُشَمِّئز لها القلوب، صور تُظهر تجمعات غريبة وحركات شيطانية تُستغل فيها براءة الأطفال، حتى بدا وكأن دماء هؤلاء الأبرياء تُستباح لتُمسخ بها وجوهًا فقدت إنسانيتها.

هذه الصور الوحشية كثيرًا ما نحاول أن نُخفيها عن أطفالنا، حتى لا تكسر قلوبهم أو تزرع فيهم الخوف من عالم فقد الرحمة.

 وفي المقابل، يظهر الإسلام الذي طالما وُصف ظلمًا بأنه دين الإرهاب، وكانوا يتخوفون من العمامة والعباءة الإسلامية، ليكشف اليوم عن وجهه الحقيقي: دين الله الواحد الأحد، دين الرحمة والتسامح والكرامة، الدين الوحيد الذي يحافظ على كرامة الإنسان طفلًا كان أو شيخًا، امرأة أو رجلًا، شابًا أو فتاة.

الإسلام يعيد إثبات نفسه من جديد بأنه ليس دينًا للعنف كما صُوِّر، بل هو الدين الذي يضع الإنسان في مركز الرحمة الإلهية، ويجعل حماية الطفل جزءًا من العقيدة، لا مجرد شعار يُرفع، فالإسلام منذ نزول الوحي قدّم دستورًا رحمانيًا شاملًا لحماية الطفل، دستورًا يبدأ من رحم الأم وينتهي ببناء المجتمع، ليجعل حياة الإنسان أمانة مقدسة لا يجوز المساس بها، وبينما تكشف بعض المجتمعات الغربية عن وجوه فقدت إنسانيتها، يظل الإسلام دين الله الواحد الأحد، دين الرحمة والعدل والكرامة، الذي يحفظ للطفل حقه في الحياة، وللإنسان حقه في أن يكون إنسانًا. إن حماية الطفل ليست شعارًا يُرفع، بل هي مسؤولية إيمانية وأخلاقية، بها تُبنى الأمم وتنهض الحضارات.

***

د. نسرين ابراهيم الشمري

 

حين يتخلّى الجسد عن دوره ويبدأ السؤال تأمل في هشاشة الوجود، وخذلان العادة، ورحمة ما لا يُرى

لم يكن المرض حدثًا طارئًا، بل انكشافًا. لم يدخل عليّ من باب الجسد فقط، بل من شقٍّ خفيّ في اليقين. أعرف المرض كما يعرفه الجميع: زائرًا ثقيلًا، يترك فوضى مؤقتة ثم يمضي. لكن هذه المرّة لم يمضِ سريعًا، ولم يكتفِ بإيلام الجسد؛ بل طالبني بأن أنظر. وهنا تحديدًا بدأت الكتابة. لا لأنني مريض، بل لأنني صرت واعيًا بأن المرض ليس حالة بيولوجية فحسب، بل موقفًا وجوديًا.

الجسد، هذا الكيان الذي نعامله كأداة مطيعة، قرّر فجأة أن يستقيل. لا تمرّد معلن، بل انسحاب صامت من أداء المهام. الأشياء التي كنّا نمنحها صفات الشفاء فقدت معناها: الطعام صار عبئًا، والدواء وعدًا مؤجّلًا، والزمن نفسه تكسّر إلى شظايا لا يمكن جمعها. عند تلك النقطة أدركت أن ما نسمّيه أسبابًا ليس سوى عادات نجحت طويلًا، حتى صدّقنا أنها قوانين.

المرض لا يشرح نفسه. لا يقدّم مرافعة دفاعية، ولا يعترف بمنطق. إنّه يفرض نظامه الخاص، نظامًا بلا لغة. الحُمّى، في جوهرها، ليست ارتفاع حرارة، بل ارتفاع سؤال: ماذا يبقى من الإنسان حين تُسحب منه السيطرة؟ حين لا يعود الجسد حليفًا، بل أرضًا متنازعًا عليها؟

في المرض يتراجع الإنسان خطوة إلى الخلف، لا ليهرب، بل ليرى المشهد كاملًا. هنا لا يعود الجسد مسكنًا مريحًا للروح، بل سؤالًا مفتوحًا بلا سقف. تشعر أن لك جسدًا لا أنك جسد، وأن هذا الجسد الذي دافعت عنه طويلًا بوصفه (أنا ) يمكن أن يتحوّل في لحظة إلى شيء غريب، إلى عبء، إلى أرضٍ لا تُطيع قوانينها السابقة. المرض لا يسرق القوّة فقط، بل يسرق البداهة؛ يجعل كل ما كان عاديًا موضع شك، حتى التنفّس يصبح فعلًا واعيًا، وحتى الزمن يتردّد قبل أن يمرّ...

في تلك اللحظات، تنهار الثقة الصامتة التي عقدناها مع العالم. الأسباب التي طالما آمنتَ بها لا تختفي، لكنها تفقد صوتها. الدواء موجود، لكن يقينه يتآكل. النصائح حاضرة، لكنها لا تُقنع. كأن الوجود يهمس لك بأن العلاقة بين السبب والنتيجة ليست آلية كما لقّنوك، وأن العالم لا يعمل دائمًا بمنطق الحساب، بل أحيانًا بمنطق الإذن. هنا فقط تفهم معنى أن تُؤخذ الأسباب بوصفها طاعة، لا ضمانة، وسلوكًا أخلاقيًا لا عقدًا مع النتائج.

في تلك المساحة الرمادية بين الوعي وغيابه، يتعرّى الإنسان من سردياته الكبرى. لا يعود المثقف مثقفًا، ولا القوي قويًا. يعود كائنًا هشًّا، معلقًا بين احتمالين، لا يفصل بينهما سوى نفَس. الإغماء ليس موتًا مصغّرًا كما نحب أن نعتقد، بل تعليق للحياة، تعليق للحكم، كأن الوجود يقول لك: انتظر، لم يُحسم الأمر بعد.......

المرض يُعلّمك قسوة الوحدة الداخلية. أنت محاط بالناس، لكنك وحدك في الجسد. لا أحد يشعر بالألم كما تشعر به، ولا أحد يمكنه أن يحمل عنك تلك اللحظة التي يضيق فيها الوعي، وتتشابك الصور، وتفقد الأفكار ترتيبها. هناك، بين يقظة ناقصة وغياب مؤقّت، تتساقط الأفكار كحبات عقد انفرط خيطه: لا فكرة تكتمل، ولا صورة تستقر. ليس هذا جنونًا، بل اقتراب خطير من الحقيقة: العقل نفسه هشّ، والوعي ليس صخرة بل موجة....

وحين يُحمل المرء في ضعفه، لا في قوته، يكتشف مفارقة موجعة: الأمان لا يُولد من السيطرة، بل من الاعتماد. أن يحيطك الآخرون، أن تُدار هشاشتك بأيدٍ متعبة لكنها صادقة، تلك ليست لحظة عاطفية، بل كشف أخلاقي. هنا فقط نفهم أن الإنسان لا يُقاس باستقلاله، بل بقدرته على القبول.......

الزوجة، في صمتها العامل، لم تكن تؤدي دورًا، بل كانت الواجب وهو يتحرّك. بعض القيم لا تُكتب في الدساتير، بل تُمارَس في غرف الانتظار، حين يتعب الجميع ولا ينسحب أحد. في العيادة، تحوّل الجسد إلى أرقام، لكن خلف الأرقام ظلّ سؤال بلا إجابة: هل الطب يعالج الجسد أم يؤجّل السقوط فقط؟ وهل الرحمة نتيجة، أم شرط سابق لكل نتيجة؟

المرض، في أعمق مستوياته، ليس ألمًا بل تفكيكًا. تفكيك صورة الإنسان عن نفسه، عن قدرته، عن استحقاقه. هناك تنهار الأوهام الصغيرة: وهم الاستحقاق، وهم التحكّم، ووهم العلاقة الآلية بين السبب والنتيجة. نفهم متأخرين أن الأخذ بالأسباب واجب أخلاقي، لا عقد ضمان؛ وأن الشفاء لا يأتي لأنه يجب، بل لأنه سُمح له أن يأتي.......

خرجت من التجربة لا مُتعافيًا تمامًا، بل أقلّ ادعاءً. تعلّمت أن الحياة لا تستمر لأننا نفهمها، بل لأن الرحمة لم تغلق بابها بعد. وأن المرض، مهما بدا قاسيًا، ليس دائمًا عدوًا؛ أحيانًا هو المعلّم الأكثر فظاظة، الذي لا يجامل، لكنه يقول الحقيقة كاملة.....

من لا يحتمل رؤية هشاشته، لن يحتمل الحقيقة ومن لم يمرض وجوديًا، لن يفهم لماذا نكتب حين ينهار الجسد.

***

بقلم رابح بلحمدي / الجزائر

إن دراسة الماضي وحوادثه ومعرفة  نتاجه الادبي والفكري والعقائدي ضرورة للأجيال القادمة لا بد منها لنتعرف ونطلع عليه كونه خيط الإرتباط وتلاقح مع الأجيال ولهم جل الأحترام لشخوصه وفضائل رواده ومفكريه الأفاضل مهما كانت بسيطة لأنها كانت نقطة  الأنطلاق نحو المستقبل لهم وكلما تعمقت الشعوب بدراسة ومعرفة ماضيها تقدمت نحو الأمام لتأخذ الصحيح والجانب المشرق والجيد منه لتكملة المشروع والشروع نحو الأمام والتطور نحو التحديث في أسلوب وسلوكيات مجتمعهم وترك الباقي كونه حجرة عثرة نحو البناء والتقدم وهذا ما عملت عليه شعوب العالم بترك ماضيها المظلم الذي أنحدر بها نحو الهاوية وتحجيم قدرات من أراد لعجلة تقدمهم الوقوف لكن لم تقطع الخيط الرابط والعروة الوثثقى بين ماضيهم وحاضرهم وهذا الأمر يمكننا أسقاطه على ماضينا الإسلامي العربي والمعرفي كونه ماض مشرق ومضئ ومثمر في كثير من مفاصله حيث أن الحضارة العربية الإسلامية طالما ساهمت في تطور ونهضة كثير من الأمم المعاصرة لها بما جاءت به من أفكار ومعرفة ودراسات علمية بحثية وعلوم إنسانية وفلسفة تركت آثارا واضحة في حياة كثير من الشعوب بزعامة رجالا وضعوا بصمتهم في مجتمعاتهم في وقتهم ومكانهم .ليس لنا الحق أن نغيب أو ننكر ما قدمه الماضون لأنهم واكبوا عصرا وزماننا خاصا بهم ولنا الحق الفخر بأنجازاتهم المشرقة لأنها أمتدادا لنا نسبا وفكرا وأجتماعيا والمراد من الجيل الجديد أن يقدم ما هو الأفضل للمجتمع بناءا على ما قدمه الذين سبقونا بالعطاء الفكري ولن نبقى نتغنى على مفاخر الماضي الجميل وأطلال حضارة قد هدمت وطُمست وننكل وننتقد أفعالهم وأفكارهم وأعمالهم بل علينا أن نبني فوق ما بنوه من بنيان الساحة والوسائل المعرفية متاحة للجيل الجديد وهي أفضل مما تسنى لهم ومفتحة الأبواب على مصراعيها وكل مؤهلات النهضة الفكرية والعلمية والعملية متاحة للجميع للذي يريد أن يستفاد منها .فالأحترام والتقدير للمفكرين من رجال سابقين وضعوا بصمتهم الفكرية والثقافية في معرفة العقيدة والدين وفهمها وكان لهم الأثر الطيب برفدها بعقولهم التي ما زالت آثارهم الثقافية والمعرفية شامخة وقائمة لحد الآن لذا أن تكون نقطة الشروع لنا في إكمال هذه المسيرة بعقلية المفكر المتنور والمتدبر المعاصر للإسهام في بناء الفكر الجديد المتطور بحسب  معطيات العصر الحالي لخدمة الإنسانية والمجتمع بعيدا عن التناحر والتقاطع الديني والتعصب الأعمى للماضي السحيق أن المشروع الثقافي الجديد المنادى به والمتبنى من قبل المفكرين الجدد عليه أن يكون رسالة وجدانية علمية وعملية وفكرية لتأسيس طريق مستقيم واحد نحو المستقبل وأجياله فعلينا البحث والسعي الحثيث لتقليب وغربلة الماضي والتراث السابق لننهل منه ما هو الجيد والغض والسمين والمفيد الذي يجعل تقاربنا أكثر من تخالفنا وتصارعنا وهذه المسؤولية تقع أولا على عاتق مفكرينا وثانياعلى المؤسسات الفكرية والعلمية الدينية على أن تكون برامجها وقواعد البحث والتحري عن الموروث الديني والفكري القديم وقواعد نسق معرفة كيفية معرفة وتدبر مفاهيم ومراد الفقه الإسلامي والدستور الألهي وفق منهج واحد متفق عليه من الجميع متجردين من التعصب وفرض الأرادات الفكرية وأن تكون هذه القواعد قاعدة رصينة للأجيال القادمة ومحاولة ردم الفجوة بين الماضي والحاضر في فهم القرآن المجيد ومراده لربط الفكر الماضي والحاضر والمستقبل لنكون طريقا مستقيما في المعرفة والعقيدة الإسلامية  وأن يكون الإسلام ومنهجه أكثر وضوحا وعقلانية للمتتبع والمتبني للعقيدة الإسلامية.

***

ضياء محسن الاسدي

السلاح النووي فقد قيمته ودوره في الهيمنة والسيطرة على مصير البشرية، وكيفيات تحقيق الأهداف تطورت بعد الحربين العالميتين، فإنتبهت البشرية إلى أسلحة أعتى من القنابل النووية، فآثار القصف النووي لهيروشيما ونكازاكي، لم يستمر طويلا بعد إلقائهما وتحقق الإنطلاق الوطني الإيجابي والإبداعي بعدهما.

أما القنابل النووية الحقيقية، فتتلخص بالطائفية وإذكاء الصراعات البينية وإطلاق سلوكيان التحزبية والمناطقية والعشائرية .

ترى كم من الناس أبيدوا في منطقة الشرق الأوسط منذ تأسيس الأحزاب المؤدينة في الربع الأول من القرن العشرين، ولا يزال ناعور الفتك البيني في ذروته، إن ما تم قتله من الأبرياء بذرائع شتى، لا يمكن لأية قنبلة نووية أن تنجزه.

إنّ بعبع النووي لعبة إعلامية سياسة لتمرير تحقيق الأهداف المرجوة، فهل حققت المنطقة نسبة ضئبلة مما كانت تطمح إليه؟

لقد سارت بعكس الإتجاه وإنشغلت بما يضرها ولا ينفعها، وصار هدفها حرا طليقا يتمادى في سحقها وتجريدها من قدرات البقاء على قيد الحياة.

اليوم العديد من المجتمعات تأكل نفسها وتدمر ذاتها وموضوعها، وتحولت الكثير منها إلا آفات تنخر لب وجودها، وتحث الخطى للوقوع في خنادق الويلات والنكبات العاتبة.

فأيهما أمضى سلاحا، القنبلة النووية أم القنابل التفريقية التي جعلت عناصر الهدف تتحرك ضده؟

تمزّقتِ الجموعُ بما اعْتراها

تهاجمُ بعضها تُردي أخاها

صدورُ رجالِها انْحرَفتْ وزاغَتْ

فأوْفتْ عن أعاديها مُناها

لماذا تاهَتِ الأجيالُ صَرعى

تنازلُ بعْضها فغدتْ غَضاها

***

د. صادق السامرائي

 

قليلون هم الذين يحملون مبادئهم ويدافعون عنها ويموتون من اجلها، لقد كان فردريك انجلز رجل مبادئ، كان يحمل مبادئه مثلما يحمل قلبه وعيونه.. هو ثالث ثلاثة: ماركس -انجلز - لينين هذا الثلاثي الذي غير وجه العالم واخرجه من الظلمات إلى النور

انجلز.. سيرة حياة مناضل

كان انجلز فيلسوفاً المانياً وصديقاً لكارل ماركس ومعيناً مالياً له انظم في بداية شبابه الى المدرسة الهيغلية للشباب يعتبر سفره الى انكلترا نقلة نوعية في حياته كونها بلداً صناعياً حيث احتك بالطبقة العاملة وشاهد الظروف الاقتصادية السيئة التي يمر بها العمال وبعد لقاءه بماركس كتب كتابه الشهير (العائلة المقدسة) ثم اشتركا في كتابة (البيان الشيوعي) عام ١٨٤٨ م و البيان هو عبارة عن دعوة الى اقامة دولة عمالية حيث مهد هذا البيان الطريق الى قيام عدة ثورات في العالم , ثم كتاب (انتي دوهرنغ) الذي يعد انجيل الشيوعين في كل ارجاء العالم

وعندما قامت ثورات ١٨٤٨م في اوربا قام انجلز بدور صحفي تبشيري ونشر نظرية (كفاح البروليتاريا) ثم قام بنشر عدة كتب حول تحالف الطبقة الفلاحية مع الطبقة العاملة وخيانة البرجوازية لها كما انه حلل مشكلات الفلسفة والاقتصاد والعلم.

واكد ان ماوراء الحياة مادة وان ما بعدها مادة وان الكون والإنسان والحياة مادة في مادة وكان لهذه الآراء فضل كبير على (لينين) حيث جعلته قادراً على تحويل هذه العقيدة من مجالها النظري الى حيز التطبيق عندما قاد لينين ثورة اكتوبر عام ١٩١٧ واطاح بالقيصرية

انجلز واراءه الثورية

كان انجلز يقرأ بتعمق وقد تبلورت افكاره حول الدين وكان للفيلسوف الألماني (فيور باخ) دور في هذا التبلور في كتابه (جوهر المسيحية) الذي جعل فيه فيورباخ ان الدين مجرد انعكاس للظروف المادية وهكذا اخذ انجلز يعلن انه ملحد في الدين

كما تأثر ايضاً بكتابات (موسى هس) وهو فيلسوف الماني يهودي الذي اعلن أن الثورة وشيكة في انكلترا وعليها ان تجمع بين الاصلاح الالماني والثورة الفرنسية فاخذ انجلز يعلن ان القانون مجرد اضطهاد للبرجوازية وان العدالة غير موجودة وتأثر بمقولة فيور باخ (ان الانسان هو ما يأكله)، اذ كان للانسان البدائي حافزاً واحداً هو البحث عن الطعام.

وفي كتابه (جدليات الطبيعة) وجدان اكتشاف الخلية والطاقة ونظرية التطور دليل على صحة قوانين المادية الجدلية واعلن ان العمل اساسى للتطور البشري وانتقال الانسان من المرحلة الفردية إلى المرحلة الانسانية.

وفاة انجلز 1895 م

بعد ان زار انجلز مدينة (زيورخ) السوسرية وحضر مؤتمر الاتحاد الدولي الاشتراكي حيث استقبل استقبالاً حافلاً باعتباره ممثل ماركس وباعتباره ايضاً الرجل الذي حمل راية الاشتراكية مدة (٥٠) سنة وبكل عزيمة واصرار انتهى به المطاف الى لندن وفي لندن اكتشف احد اصدقاءه الاطباء ان انجلز مصاب بسرطان الحنجرة وتطور مرضه بحيث انه فقد القدرة على الكلام لكنه لم يفقد مرحه وعندما ادركه دنو اجله اوصى بان يترك مبلغ من المال الى الحزب الاشتراكي الالماني وقال لاعضاء الحزب (اشربوا زجاجة نبيذ نخب ذلك، أن هذا سيكون تذكاراً عظيماً لي)، ثم اوصى بان تقسم باقي ممتلكاته على بنات ماركس - ثم اوصى بعد ذلك بان يحرق جثمانه بعد موته وان بنثر  الرماد فى البحر، وبعد وفاته تكونت مجموعة من اصدقاءه لوداعه الاخير والقى ابن اخيه كلمة الوداع ثم توجهوا إلى المحرقة ونثروا رماده في بحر الشمال وهكذا توفى انجلز الذي كان فيلوسوفاً مادياً نذر نفسه للمبادئ التي آمن بها. لم يطلب اقامة نصب تذكاري له، لقد مات انجلز لكن افكاره ومبادئه لن تموت وستبقى خالده الى الابد. وسيبقى اسمه رمزاً للنضال والثبات على المبادئ.

***

غريب دوحي

 

كلٌّ منَّا يتذكر البدايات الناعمة وذات الإحساس اللطيف في الوقع على الذات العليلة بالمتغيرات. نعشق ما يلمع من مظاهر البهجة الآتي من الماضي والذي قد يُخفي المسكوت من العوائق حينذاك. الكلُّ يَعْلقُ تيمنا في شباك فخ البدايات المثيرة بالفرحة، ولن يسطع التخلص منها مهما تفنن في صبغها بألوان تُظهر النهايات المفزعة التي قد تكون. من تم فإذا كانت البدايات جميلة إلى هذا الحد المُغْرِي بالتَّذكر، فلما لا نسعى نحو بدايات جديدة، وكل يوم نستأنس فعلا بحياة البدايات لا النهايات.

هيهات هيهات ... فلن يتجمد أحد منَّا بِبنج البدايات فقط، ولا يبرح استهلاك مراحل الحياة كما هي في فرحها ومآسيها وعمرها المكاني وسُلمها الزمني. عندها ستبدو لنا الحقيقة خيالا حالما فاتنا، واليقظة تبقى من الحلم فَزعا مُهلكا للذات والتذكر، من تم فهل البدايات بهذا الحسن والنهايات بهذا البؤس؟ منذ الآن ستبدو لكم كلماتي بها نبرة من حلم ذكريات البدايات، والتي قد أُفْزعها يقظة عند المناداة عنها بالإتيان وبلا منشطات محظورة.

الماضي يُوصف بالجميل والذهبي، رغم أنِّي أكره التمييز ما بين الحاضر والماضي، وحتى المستقبل منهما والذي سيأتي لاحقا بما يخفيه سرُّ الغيب. في البدايات أذكر عندها أرض جدي رحمه الله (الحاج عبد الكريم) الفلاحية، في البلاد المسمات العويجة خارج باب كبيش بمدينة مكناس السلاطين. أذكر الخضر والفواكه المتنوعة ذات الجودة (البيولوجية/ Bio/ العضوية) والخالية من المبيدات الكيميائية. أذكر نعناع أبي (رحمه الله) الذي كان عِشقا حصريا في ربوع الوطن وخارجه. أذكر سواقي وادي بوفكران التي كانت تزود فلاحي العويجة بالماء المتدفق عبر (السلوقية) بين الأسوار. أذكر كيف كانت المياه تُوزع بين سواقي المسلمين وساقية النصارى في ( بَداَلْ الكِيدُونات)، وما أشد الظلم عندما كانت مياه ساقية النصارى تُعادل الثلثين (2/3) ولا يجرأ أحد على مَسِّ استغلالها من فلاحي المسلمين. أذكر عساس الماء الواقف والحاكم بأمره على توزيع (النوبة المائية) بباب كبيش من أبا امبارك والصديق وبا محمد ... رحمهم الله جميعا. أذكر كيف كانت (نوبة الماء) توزع بين الفلاحين بالعدل وحسب مساحة الحقول، وحصص التناوب بين الليل والنهار. أذكر رسما حبسيا من الوقف الإسلامي ورثناه من جدي رحمه الله، وكان بمثابة ظهير ملكي موقع من طرف المرحوم السلطان محمد الخامس (طيب الله تراه) يُقِرُّ بوقف حبسي لنصيب من الماء المتدفق من واد بوفكران باتجاه أرض العويجة وعراصي الزيتون والروى وبالمجان.

أقف عند الزمن الماضي، وكأني أعود بعقارب الساعة نحو الخلف. لكن وُقوفي هذا لا يروم نحو التذكير بأحداث وأمكنة وتلك التغيرات الموضعية اللاحقة التي طرأت على المكان والناس، بل نحو امتلاك متغيرات أشد أناقة من البدايات. نعم أريد ما أمكن من أنبش عن بعض التحولات التي طرأت على بلاد العويجة وحي الزيتون والروى...، وعن وجوه عمرت الأراضي الفلاحية، وكانت بحق التاريخ والتأريخ، ومن بين كثافة أزهار المكان والذكريات الراسخة. بحق كان الخير فياضا، وكل من مرَّ (بالبَحِيرة) الفلاحية، إلا ويجني قسطا من نعيمها، ويتذوق من فواكهها خاصة أشجار التين (الكرموس).

مرت سنوات بالتتابع ولازال الشوق نحو البدايات يتسلل لقلبي بغير النهايات، لازال عشق رائحة تراب أرض الأجداد والآباء حاضرا، ومجموعة من الذكريات لازالت عالقة بالمخيلة، وأتنفس بهوائها الطيب. تلك الأرض الطيبة (العويجة) شهدت أجيالا متعاقبة من الأجداد ومن الخلف، والآن من خلالها عُدت أكره النهايات الفزعة.

حين أتجول في بلاد العويجة، أتأسف عن المآلات غير المريحة، لكني رغم ذلك أؤمن بسنن المتحولات والمتغيرات، لحظتها أذكر الماضي بخير ولم أذكر فيه البكاء بل بهجة المكان والزمن، وإذ كنت أرى في نهاية الخضرة واحتباس مياه وادي بوفكران وبالا قاسيا على مدينة مكناس التي تحولت كثمرة بلح من الآجور في أيدي مقاولات الجشع العمراني. تلك الحكايات لأرض معطاء لازالت حاضرة في ذاكرة ساكنة الزيتون والروى، هي العويجة قديما وحديثا.

***

محسن الأكرمين

يعيش العراق منذ مايزيد على الربع قرن حالة انهيار تاريخي شامله مجتمعيا وكيانيا، الجانب الاخطر والاهم فيها القصور دون وعيها، لدرجه اعادة تكريس موضوعاتها، والعناصر التي هي مصدر ومسبب الانهيار الراهن، وبالذات تلك التي كانت حامله مشروع الكيانيه "الوطنيه" الحديثة كما فرضت مع عشرينات القرن المنصرم، برانيا، بما هي حالة الحاق كينونة العراق بالنموذجية الغربية، وصيغتها التوهمية "العصرية/ الحديثة"،  من باب البداهة والمسلم به، انصياعا لاشتراطات النهوض الغربي الالي وغلبته الانية على المعمورة، بغض النظر، ومن دون اية محاولة  تحر ذاتي، او تطلع في الكينونه والبنيه غير العادية والحاضرة بقوة على مستوى البدئية البشرية المجتمعية، والتوسطية، ماقد اعتبر بلا ادنى تلبث من قبيل "الماضي" غير الجدير بالتوقف، الا بصفته كذكرى، مادام الزمن تغير وانقلب، مع ان الحاصل عالميا لم يكن بالاحرى سوى مفتتح  وبداية تحولية، من اليدوية الى الاليه، كانت لاتزال ابعد من ان تكون مكتمله التشكل.

 وهنا على وجه التحديد يواجه هذا الموضع من المعمورة معضلة تاريخية خارج الحل، تظل فعاله وداله على مصدرها غير المحدد بعد، عرف اخيرا بمثابة  قصور عقلي  بشري شامل بازاء الظاهرة المجتمعية  ودينامياتها على مدى التاريخ المجتمعي، كما حصل مع الاعلان عن القصور المذكور ابان  المتغيرات الاليه الواقعه في اوربا مع القرن التاسع عشر، ساعة وقع الانتباه وقتها الى الجانب غير المدرك عقليا، والقاصربازاء الظاهرة المجتمعية،  ليظهر من يومها ماعرف ب "آخر العلوم"، الذي لم يتعد هو الاخر كونه خطوة ابتدائية على طريق مايزال طويلا، الكشف عن كينونة العراق المجتمعية، وبنيته الابتداء، اهم، لابل الشرط الذي عنده ومعه يصل العقل لحظة تجاوز قصوريته التاريخيه الطويلة المشار اليها.

 فالعقل ملزم كي يعي ذاته بان يميط اللثام عن ظاهرة "الازدواج المجتمعي" التي بها فقط  تصير المجتمعية ماهي، هذا مع شرط النوع ( اللاارضوي / الارضوي) الحاكم للثنائية الازدواجية المنوه عنها، ذلك علما بان مناسبه من قبيل اكتشاف "الصراع الطبقي"  الازدواجي الاوربي، قد جعلت اهم منظرية يقرر وقتها بان (تاريخ المجتمعات ماهو الا تاريخ صراع طبقات) دون ان يكون قادرا على ادراك تدني مستوى ومدى فعالية الازدواج "الطبقي" الذي هو منه، مقارنه بالازدواج الاساس الاصل والمطابق للحقيقة الكبرى"المجتمعية"، بحيث  يتوجب تحويل موضوعته  الشهيرة السابق ذكرها، من حالتها التي وضعت  عليها، الى: (ان تاريخ المجتمعات ماهو الا اصطراع مجتمعات، مادتها  وخليتها  الحية  الكائن البشري مزدوج الكينونة اصلا "جسدية/ عقليه") مع مايترتب على اقرار كهذا من ضرورات نظر في القانون الناظم للتاريخ المجتمعي، مع التعيين اللازم للهدف الكامن وراء العملية المجتمعية، مثلما فعل ماركس من جهته وعلى قدر استيعابه ضمن شروطه، ب "المادية التاريخيه"، والقول بالمراحل التاريخيه وصولا لنهايتها التي هي عود على بدء، لا من "الشيوعيه البدائية" الى " الشيوعيه الالية" بل من "اللاارضويةغير القابلة للتحقق" الى "التحقق اللاارضوي" بعد اكتمال الشروط المادية والاعقالية الضرورية اللازمه.

  ولاشك بان ديناميات الازدواج المجتمعي اعلى واكثر استعصاء حتى مع اللحظة والشروط الابتدائية الاليه،  وماقد تسببت به من تسارع في الديناميات، وفي  المقاربات العقلية لمختلف الشؤون الحياتيه والوجودية، فلم يحدث ان تسببت نظرية "الاصطراع الطبقي" الاوربية كمثال، في لفت الانتباه الى "الازدواج المجتمعي" في ارضه، مع ان اولئك الذين تبنوا افكار ماركس في العراق قد وجدوا انفسهم مشمولين بزخم الاصطراع اللاارضوي مع الارضوية البرانيه  الافنائية بصيغتها الاليه الابتدائية، بينما هم يصرون على اعتماد توهمية الطبقات، وقوانين "المادية التاريخيه" في موضع ازدواجي فريد، القانون الناظم لتاريخه ووجوده، قانون " الدورات والانقطاعات"  التي يقعون اليوم تحت وطاة الشوط الانقطاعي المستمر الاخير منها،  والموصول الى 1258 مع سقوط بغداد عاصمة الامبراطورية الازدواجية الثانيه، بعد الاولى بابل، وماقد حل بعدها من انقطاع استمر حتى الفتح الجزيري في لبقرن السابع.

 ذلك مع العلم بان ان الكينونه المجتمعية الازدواجية واصطراعيتها الحالية خلال دورتها الراهنه، هي تحديدا المتطابقه مع الانقلابيه الاليه ومستهدفاتها، وليس الموضع الازدواجي الطبقي الاوربي، الذاهب للتحول بفعل الاله خارج الطبقية والبنيه الارضوية اليدوية التي انتهى زمنها في وقته، وان ظلت متبقاياتها وآليات انتهاء صلاحيتها، ساريه بعد ماعاشته تاريخيا من قرون مديده، بمايعني واقعا، تاخر حضور اللاارضوية كمحور تحولي، الى حين  بلوغ الانقلابيه الاليه قمتها، وماهي مرشحة لبلوغه ككمال،  عبر محطات تبدا بالالة المصنعية، وتتحول الى التكنولوجيا الانتاجية، ومن ثم التكنولوجيا العليا العقلية. ووقتها تظل اللاارضوية  واقعة تحت طائلة الفعالية الارضوية الحداثية، ومايعرف ب "العصرية" المواكبه على محطتين افنائيتين للكينونه، اوربية، تتبعها وتحل محلها امريكية ساحقه متشكله خارج التاريخ المجتمعي، وبانفصال عنه، مايولد نوع اصطراعية راهنه، هي بالاحرى الاصطراعية الالية الفعلية، وليست المعروفة بالطبقية الاوربية، منها وفي اواخرها  يتم الوصول الى اللاكيانيه العامه، الشامله بحكم غياب الوسيلة الضرورية لوجودها، اي " اليدوية"، وهنا تقع اهم مواطن القصور العقلي الشامله الباقية مستمرة، تلك التي  تعجز عن رهن البنيه المجتمعية ونوعها بالوسيلة الانتاجية، فلا تعرف علاقة الكينونه المجتمعية الارضوية بالانتاجية  اليدوية المجتمعية واشتراطاتها الموافقه  والمكرسة للجسدية الحاجاتيه، مع كل مايتصل بذلك من انواع تنظيم مجتمعي وكياني، تنتهي اسباب استمراريته مع انتهاء الطور اليدوي.

  ثمة اذن والحالة هذه ثغرة هائلة في النظر المعتمد اوربيا للمجتمعية وديناميات تشكلها النوعي البنيوي، تظل مهيمنه على النظر للماضي المجتمعي، ومن ثم الحالي استمرارا بما ان الاسباب الموجبه لتبديل زاوية الحكم، غير واردة بالاصل، بما يجعل من غير المتوقع القول بان المجتمعية القائمه المعروفه الى اليوم، قد انتهت اجلا، لان وسيلة الانتاج تغيرت نوعيا، بما يجعل الباقي من وجودها واستمراريتها الحالية ختام طبيعي سابق على الزوال.

 ولعل جانبا هائل الحضور والدلاله، يبقى خارج الانتباه،  ليس من دون تقصد افتعال التغاضي، من نوع انتهاء  عملية الانتقال الالى مجتمعيا بتصدر نوع "لامجتمعية" افنائية لماقبلها، كما الحال الامريكي،  وكيانيتة "الرساليه"  بلا اساس، مع غلبة "الفكرة" المرتهنه لتكريس الخصوصية والتميز الالهي، في مجتمع هو الاكثر تشبعا بالنزعه الدينيه(1) ممزوجه تقصدا بالنموذجية الغربيه المعتبرة الارفع نمطا كنظام. وهو ماقد دخل اليوم ومن هنا فصاعدا ازمة وجود متعاظمة الخطورة بلا حل، بحكم  انتفاء  المقومات البنيوية التاريخيه،  الضرورية  لزوما لاجل توفير اسباب تجاوزها، بما ان المازوم راهنا نوع كيانيه مستجده بلا تاريخ، ولاسيرورة تكوينيه لا مجتمعية متلائمه مع الحاصل المتعدي للمجتمعية ابتداء وتبلورا لاارضويا، كما الحال في ارض مابين النهرين، وجنوبها السومري الباقي على مر التاريخ كنمطية مضادة للغالبة يدويا، من دون تحقق، لغياب العوامل الضرورية، تلك التي اقتربت اليوم من الحضور على مستوى المعمورة، ان لم تكن صارت حاضرة، بما يجعل المجتمعات كلها على مشارف بدئية جديده هي " عودة على بدء مجتمعي"، هي  التبلور الثاني التحققي للاارضوية العقلية المؤجله المنتظرة.

ـ يتبع ـ

***

عبد الأمير الركابي

 

عندما تتحول الدولة إلى تل رمل فأن الإنتصار عليها بعيد، لأنها ستمتص الضربات وتحاول صب الماء على النار.

التأريخ يحدثنا عن العديد من الدول التي إمتصت الضربات القاسية، وتمكنت من المواصلة والتفاعل النافع مع تبدل الأحوال في عصرها.

الضعيف عليه أن يتعلم سياسات تل الرمل، ويختزن طاقات إمتصاص الصولات العاتية، وما جرى لبغداد على يد هولاكو (1258)، كان يمثل آليات مغايرة لسياسات تل الرمل، فكانت الرؤية وهمية وذات تصورات خيالية، مستندة على أرضية سرابية من القدرات التأريخية، التي خلعت الواقع وتفاعلت برؤية غابرة لا قيمة إقتدارية لها، فاحترقت بغداد ونجت دويلات تل الرمل من حولها.

وآليات ما جرى لبغداد في حينها تتكرر بين زمان وزمان، فما حصل لها في بداية القرن الحادي والعشرين، كان مبنيا على قائمة طويلة من الأوهام الفارغة، التي تحسب التراب سيتحول إلى أسلحة فائقة التدمير، وهي تواجه النار بالتراب وتتدحرج نحو الدمار والخراب.

والأبعد من ذلك أن صلح الحديبية فيه الكثير من آليات سياسات تل الرمل، التي تعني الصبر على العدوان لحين التمكن وتوفر الإقتدار الذي يؤكد النصر المبين.

ويبدو أن ما سيحصل في المنطقة يستند إلى سياسات تل الرمل الذي سيمنع الدمار ويستعد للظفر المبين عندما يحين.

فهل صدق المنجمون وما كذبوا، و"السيف أصدق إنباءً من الكتب"؟!!

إذا كُنتَ الضعيفَ بدارِ أقْوى

فلا تَسعى إلى وَهمٍ بفَتوى

مَسيرَتُها على سُبلٍ تواصَتْ

بحاديةٍ مُعزّزةٍ بتَقوى

فمَنْ بلغَ السيادةَ في زمانٍ

يُداهِمها وقد أشْقى وأغْوى

***

د. صادق السامرائي

 

في سياق التفاعل المجتمعي اليومي، تبرز أحيانًا سلوكيات فردية شاذة عن النسق العام، تتسم بإثارة الشكوك، وبث روح التشكيك، والتهكم على المبادرات أو المنجزات مهما كانت أهميتها. وحجمها هذه السلوكيات لا تُعبّر عن نقد بنّاء بقدر ما تعكس نمطًا سلبيًا في التفكير والتعامل مع الآخرين، الأمر الذي يسبب إرباكًا وخلخلة في الوعي الجمعي ويؤثر سلبًا على حالة الانسجام المجتمعي.

من خلال المعايشة المباشرة داخل المجتمع، يمكن ملاحظة فئة من الأفراد ينصبّ اهتمامها على تضخيم السلبيات، والتقليل من قيمة الجهود الصادقة، وتوجيه انتقادات غير موضوعية، غالبًا ما تفتقر إلى الأدلة أو الطرح العقلاني. هؤلاء يعتمدون نظرة تشاؤمية ثابتة تجاه كل ما يُطرح على الساحة، ويقابلون الحقائق بالتكذيب، والإنجازات بالاستخفاف، ما يعكس أزمة في أسلوب التفكير وليس في الحدث ذاته.

ومن المهم التأكيد أن هذا النمط السلوكي لا يمكن التعامل معه باعتباره رأيًا مخالفًا فحسب، بل هو في كثير من الأحيان نتاج تراكمات نفسية واجتماعية، مثل الإحباط، ضعف الثقة، أو العجز عن التكيّف مع التغيير والنجاح الجماعي. ومع ذلك، فإن المعالجة لا تكون عبر الإقصاء أو التصعيد، بل من خلال الوعي، والحوار الهادئ، وتعزيز ثقافة النقد البنّاء القائم على المسؤولية والاحترام.

إن المجتمعات السليمة تُبنى على حسن الظن، وتقدير الجهود، وتصحيح الأخطاء بروح إيجابية، لا على بث الشكوك أو تحطيم المعنويات. ومن هذا المنطلق، فإن المسؤولية تقع على عاتق الجميع—مؤسسات وأفراد—في الحد من تأثير هذه السلوكيات، عبر ترسيخ قيم المحبة، والتسامح،.

وفي الختام، يبقى الأمل قائمًا في أن يعيد أصحاب هذه السلوكيات الخاطئه النظر في مواقفهم، وأن يتجهوا نحو قدر أكبر من الرشد، وأن ينظروا إلى الآخرين بعين الود والإنصاف، ويساهموا في تصحيح ما صدر منهم تجاه المجتمع، بما يعزز التماسك الاجتماعي ويخدم مستقبلًا أكثر إشراقًا للجميع.

***

بقلم: خليل الحلي

رئيس تحرير صحيفة العهد

في بيوت أجدادنا كانت تقيم قطع أثاث تشبه الوعد: خزائن خشبية ثقيلة، طاولات لا تهتز، أسرّة صلبة كأنها صُمِّمت لتشهد حياة كاملة من البدايات حتى الخواتيم. أثاث بدا، ولا يزال، جديدًا على نحو يثير الدهشة بعد عقود طويلة، كأنه لم يُخلق للاستهلاك بل للاستمرار. كنا ننظر إليه بإجلالٍ ممزوج بالاغتراب؛ نقدّر قيمته، نلمس متانته، لكننا لا نشعر بأنه لنا. إنه جميل، لكنه ينتمي إلى زمن آخر، زمن كانت فيه الحياة تُبنى كما تُبنى البيوت: على اليقين، وعلى المدى الطويل.

ذلك الأثاث لم يكن مجرد خشب ومسامير، بل كان امتدادًا لرؤية كاملة للعالم. عملٌ يُختار في سنّ مبكرة ويُلازم صاحبه حتى التقاعد، زواجٌ يُفترض أنه أبدي، منزلٌ يُشترى مرة واحدة ليكون «البيت الأخير». لهذا كان من المنطقي أن تُغطّى الطاولات بالمفارش، وأن تُحمى الأرائك بالأقمشة، لأن ما هو مُعدّ للبقاء يستحق الحماية. الزمن كان يُفهم آنذاك بوصفه تراكمًا لا انقطاعًا، وكان المستقبل امتدادًا طبيعيًا للحاضر.

لكن تلك الخطوط المستقيمة التي رسمت حياة آبائنا وأجدادنا تكسّرت اليوم إلى مسارات متشعبة، غير مضمونة، قصيرة الأجل. العمل لم يعد وعدًا، بل مشروعًا مؤقتًا؛ ورأس المال، كما يصفه زيغمونت باومان، صار «سائلًا»، لا يقيم في مكان، ولا يعترف بالحدود، يحمل نفسه بخفة وينتقل حيثما شاء. الزواج ذاته فقد صلابته القديمة، وتحول من مؤسسة إلى تجربة، ومن مصير إلى خيار قابل للمراجعة.

في هذا العالم السائل، لم نعد نعرف إن كنا سنقيم طويلًا في مدينة واحدة، أو إن كان شراء منزل خطوة حكيمة، أو عبئًا قد نندم عليه. لذلك نحتاج إلى أثاث يشبه حياتنا: سهل التفكيك، خفيف الوزن، محايد اللون، قابل للنقل من شقة إلى أخرى، ومن مرحلة إلى أخرى. أثاث لا يطالبنا بالالتزام، ولا يوبخنا إن قررنا الرحيل. هنا تدخل إيكيا، لا كمجرّد متجر، بل كفلسفة معيشة.

حتى علاقاتنا لم تعد تُصاغ بلغة «إلى الأبد»، بل بلغة «ما دام الأمر ممكنًا». نحن نعيش تقاطع الحيوات أكثر مما نعيش امتدادها. كل شيء بات عرضة لما يمكن تسميته «التقادم الوجودي»: الأشياء تُستبدل، والعلاقات تُستنفد، والناس أنفسهم قد يُستبدلون، تحت وهمٍ دائم بأن الأفضل قد يكون في المحاولة التالية. الحرية الواسعة في الاختيار تمنحنا إحساسًا بالقوة، لكنها تسلبنا في المقابل شعور الأمان.

نحن، بلا شك، أغنى بالتجارب، أوسع أفقًا، أكثر معرفة بالعالم. عشنا في مدن مختلفة، وبيوت متعددة، ومع أناس كُثُر. لكن هذا الغنى نفسه يأتي بثمن: مستقبل أقل يقينًا، وصعوبة في البناء طويل الأمد. وكما لاحظت الفلسفة منذ هوبز ولوك، فإن الحرية والأمن غالبًا ما يقفان على طرفي نقيض. نحن اليوم أحرار في الاختيار، لكننا لسنا واثقين من قدرتنا على الاستقرار.

لهذا، لم يعد أثاث الأجداد صالحًا لنا، لا لأنه سيئ، بل لأنه ينتمي إلى زمن لا يشبهنا. نحتفظ أحيانًا بقطعة أو اثنتين منه، لا للاستعمال، بل كأثرٍ، كتذكار لعالم كان أكثر ثباتًا. ثم نذهب إلى إيكيا لنكمل حياتنا بأثاث يعرف أنه مؤقت، يعرف أنه قد يُفكك ويُرمى دون ندم كبير. فهو، مثل حياتنا تمامًا، صُمّم لا ليقاوم الزمن، بل ليواكبه — حتى لو كان ذلك يعني أن يكون قابلًا للتحلل.

***

محمد إبراهيم الزموري

حين يطل من النافذة نحو الخارج.. ينقسم الفكر إلى نصفين: نصف يحاول أن يستوعب حركة الخارج كما هي، ونصفه الآخر ينسى الداخل كما هو ايضا.

في لحظة غائية.. خارج نافذة الضباب الذي يختلط مع الغبار وينتشر بكثافة على زجاج النافذة المتسخ بفوضى الخارج المشبع برائحة التقاطعات المتناقضة.. هنا ينشطر الفكر نصفين:

نصف يراقب الخارج ونصف يهمس بأن لا جدوى من التطلع عبر النافذة، لكون الخارج يطفح بالفوضى.

الخارج يتحرك بصورة دائبة  كما لو كان فوضويا ولكنه يتحرك ضمن اطر تجمع على الحركة الدائبة التي لا تنتهي.. هكذا يسمونها بلا تردد.

هنا يكمن الترابط بين (قوة الحركة) وبين (حركة القوة) التي تصنع الواقع الدائب كما هو في كل مكان وزمان..

***

د. جودت صالح

28/ 1 /2026

.........................

* من وحي فلسفة الزمنكان، التي تجمع بين الزمان والمكان.. !!

 

هل ولدنا والوحدة فينا؟ سؤالٌ يتردد صداه في ردهات النفس البشرية كلما اشتد عليها زحام الحياة. حين جئنا إلى هذا العالم، جئنا لغةً لا يفهمها أحد، وصرخةً لم يدرك كنهها سواك. كنا على الفطرة، قلوبنا معلقة بالسماء، نمارس توكلاً فطرياً لا يشوبه قلق الأسباب. ولكن، مع مرور السنوات، كبرت أجسادنا وانكمشت تلك البراءة، واستبدلنا "حبل الدعاء" الممتد إلى مالا نهاية بحبال الأسباب الواهية التي ما فتئت تنقطع بنا في منتصف الطريق.

مفهوم الطفل الداخلي وعلاقته بجروح الماضي

إن النفس البشرية، في أعمق أغوارها، ليست مجرد كتلة من المشاعر، بل هي تاريخٌ طويل يبدأ بطفلٍ لم يكبر. طفلٌ كُبِتت عفويته تحت وطأة قيود الأجداد، وقُمِع إبداعه في مجتمعاتٍ ترى في رأي الصغير "وقاحة" وفي صمته "أدباً". هذا "الطفل الداخلي" الذي وصفه عالم النفس كارل يونغ، هو ذلك الجزء المتسامح الحيّ فينا، الذي يختبر الحياة بفضول، لكنه في الوقت ذاته يحمل ندوب الماضي وجروح التنمر والإساءة.

مواجهة الظلام في أغوار النفس البشرية

حين نبحث في المكان الأكثر سوءاً في النفس، في ذلك الظلام الذي نخشى مواجهته، سنجد بقايا حقدٍ دفين، ليس لأننا أشرار بالفطرة، بل لأننا لم نعد نفهم أنفسنا ولا الآخرين. لقد رمينا في ظلمات غلنا كل من جرحنا، متناسين أن الفطرة الأولى هي "الحب"، وأن القسوة التي نراها في العالم ما هي إلا صدىً لأطفالٍ أُجبروا على الخضوع والانقياد حتى فقدوا القدرة على إرشاد ذواتهم.

كيفية التصالح مع الذات وعلاج الطفل الداخلي

إن علاج النفس يبدأ من التصالح مع هذا الطفل القابع في الداخل. عندما نتجاهله، نشعر بالانفصال عن الحياة وبالفراغ والشقاء، لأننا نترك قطعة جوهرية منا تائهة في مهب القلق. إن حب الذات الحقيقي ليس ترفاً، بل هو شجاعة في تحديد احتياجاتنا العاطفية والاجتماعية التي حُرِمنا منها يوماً، وهو قرارٌ واعٍ بأن نأخذ ما نريد نحن، لا ما يريده الآخرون لنا.

نحو أمل لا يشيخ: دعوة للتحرر الإبداعي

ليت البراءة تكبر فينا كما تكبر عقولنا، وليت المسؤولية تخف حين نقدحها بقدح التوكل. إن الرحلة إلى أغوار النفس تبدأ بخطوة شجاعة نحو الداخل، لتنظيف حطام الحقد، وإحياء الأمل الذي لا يشيخ، ولإعادة الاعتبار لذاك الطفل الذي ينتظر منا كلمة حبٍ واحدة ليحررنا من قيودنا.

***

بقلم الحرية: فاطمة الدفعي

............................

* لمتابعة المزيد من هذه الرحلة الغائرة في النفس البشرية، والاطلاع على فصول "كتاب رحلة إلى أغوار النفس" و"كتاب طفلك الداخلي"، يسعدني استقبالكم في مدونتي الشخصية (قلم الحرية) عبر الرابط التالي:

https://qalamalhurriya.com

 

ما يؤذي الهدف ويديم إستنزافه وتشظيه سيتواصل، وما يدور في وسائل الإعلام الموجهة والمدجنة لتأمين القبض على مصير الهدف، محض كلام للتضليل وإبعاد الأنظار عن مسار التفاعلات القاضية بتأمين تآكل الهدف، وإصابته بالهزال والترنح في أوعية النهايات المرسومة بقسوة وعنفوان.

السفينة تتحرك وفقا لِما تحدده البوصلة ويقرره الربان الذي يريد الوصول إلى ميناء النصر المبين، والمحللون يتراقصون بقواربهم فوق الأمواج المتولدة من قوة دفع السفينة لمياه الأحداث في صالون الإفتراسات الطغيانية الهائجة.

يتصورون ويستنتجون وهم حول صحون المخططات يتحدثون، ولا يستطيعون الإقتراب من الجوهر ومعرفة ما يحتويه الماعون.

تحليلات غير مبصرة، وإستحضارات عشوئية لمفردات وعناصر، لها تأثيرات مدمّرة لواقع أمة وأوطان تتمايل على سواحل المتاجرة بالبشر السكران.

الحصاد وفير، فكيف يجب قطع الماء وتدمير الزرع، وتجفيف الضرع، ودوامة التنابز بالرصاص في ذروة عنفوانها، وعديد ضحاياها، فعناصر الهدف تتماحق، والعدوانية البينية تتفاقم، والطامع في أسعد أوقاته، يتبادل أنخاب النصر بلا خسائر، فالهدف قد أوجد مَن يدمره وكأنه يؤدي مراسيم إنتحار لصالح المفترسين.

الأهداف لا تسقط إن لم تكن منخورة، وتتوطنها ديدان الأرضة التي تنهكها بصمت وسرية تامة، حتى تهب عليها الأعاصير فتتهاوى وعندها يكتشف الهدف عدوه الحقيقي بعد فوات الأوان، وخراب المكان، فالجذوع الخاوية يبدأ تراب الغياب بأكلها وتحويلها إلى أبجديات وجودها البعيد.

والمجتمعات القوية تعتصم بذاتها الأبية، وتتخلص من الآفات الوطنية، وتسعى للكرامة والحرية.

مراسيمُ الضياعِ بها اغْتفالُ

وأجيالٌ يُداهمها اعْتقالُ

تحاورتِ الخَطايا والبرايا

يُدحْرجها وجيعٌ واعْتضالُ

شعوبٌ هَوتْ من داءِ ذاتٍ

يُضعّفها ويَمحقها اغْتيالُ

***

د. صادق السامرائي

 

أن تكون قدوة تحمل الخير وتدفع الشر ليس مجرد طموح أخلاقي، بل مشروع حياة يبدأ من وعي الإنسان بذاته وينعكس على محيطه الاجتماعي، فالقدوة تُصنع حين ينسجم القول مع الفعل، وحين تتحول المبادئ إلى سلوك يومي ثابت لا يتغير بتغير الظروف، الإنسان الذي يلتزم بالصدق في حديثه، والأمانة في عمله، والعدل في أحكامه، يزرع بذور الثقة في قلوب من حوله، وهذه الثقة هي أساس التأثير الإيجابي طويل المدى، كما أن القدوة لا تتطلب منصبًا أو شهرة، بل تتطلب حضورًا أخلاقيًا ثابتًا يجعل الآخرين يرون في صاحبها نموذجًا عمليًا يُحتذى به.

وتتجلى القدوة في التفاصيل الصغيرة قبل المواقف الكبرى؛ في احترام الوقت، وحسن التعامل، وضبط اللسان، وإتقان العمل، وهذه السلوكيات اليومية تبني صورة متكاملة للشخصية المتوازنة، وتؤكد أن الخير ليس سلوكًا موسميًا، بل أسلوب حياة، وعندما يتعلم الإنسان أن يواجه المواقف الصعبة بهدوء وحكمة، وأن يختار الحلول التي تحفظ الكرامة وتمنع الظلم، فإنه يرسل رسالة غير مباشرة مفادها أن القوة الحقيقية ليست في السيطرة، بل في القدرة على ضبط النفس وتحقيق العدل

كما أن دفع الشر لا يكون فقط برفضه، بل بإيجاد بدائل إيجابية له. فبدل الانسحاب من المشكلات، يمكن تحويلها إلى فرص للتعلم والإصلاح، وبدل الرد على الإساءة بالإساءة، يمكن استخدام الحوار الهادئ والتسامح الحكيم الذي لا يبرر الخطأ ولكنه يمنع تضخيمه. كذلك فإن نشر ثقافة التعاون والتطوع والمبادرة المجتمعية يخلق بيئة صحية تقل فيها مظاهر الأنانية والعنف، وتزداد فيها روح المسؤولية المشتركة، وكلما اتسعت دائرة التأثير الإيجابي للفرد، أصبح جزءًا من منظومة اجتماعية قادرة على مقاومة الشر بأساليب حضارية بنّاءة

ومن العوامل المهمة في صناعة القدوة الاهتمام ببناء الذات علميًا وفكريًا؛ فالعلم يوجه السلوك ويمنحه عمقًا، ويمنع الوقوع في التسرع أو الأحكام السطحية، كما أن القراءة المستمرة، والاستماع لتجارب الآخرين، وتقبل النقد البناء، كلها أدوات ترفع مستوى الوعي وتزيد القدرة على اتخاذ قرارات أخلاقية متوازنة. كما أن اختيار البيئة المحيطة بعناية، من أصدقاء وزملاء، يسهم في تعزيز الاستقامة والثبات، لأن الإنسان يتأثر بالمحيط بقدر ما يؤثر فيه

ومن وجهة نظري أن أساس القدوة يبدأ من الصدق مع النفس قبل محاولة التأثير في الآخرين. أرى أن الشخص الذي يراجع أخطاءه بانتظام ويعترف بها دون مكابرة يمتلك شجاعة أخلاقية عالية، وهذه الشجاعة هي المفتاح الحقيقي للتغيير، كما أعتقد أن محاسبة النفس اليومية، ولو لفترة قصيرة، تساعد على تصحيح المسار مبكرًا وتمنع تراكم السلوكيات السلبية، وتُنشئ لدى الفرد حسًا دائمًا بالمسؤولية تجاه أفعاله

ومن رأيي أيضًا أن القدوة لا تعني الكمال، بل تعني الاستمرارية في التحسن. كثيرون يترددون في لعب دور إيجابي خوفًا من الوقوع في الخطأ، لكنني أرى أن الاعتراف بالتقصير والسعي للتطوير المستمر يبعث رسالة واقعية للآخرين بأن التغيير ممكن ومتاح للجميع. كما أن الإخلاص في النية، والابتعاد عن حب الظهور، يمنح العمل بعدًا أعمق وأثرًا أطول، لأن الهدف يصبح خدمة الناس لا كسب الثناء

وفي الختام، فإن جعل النفس قدوة تحمل الخير وتدفع الشر رحلة طويلة تتطلب وعيًا ذاتيًا، وممارسة عملية للقيم، وصبرًا على التعلم والتطور، وحين يلتزم الإنسان بهذه المبادئ، يتحول حضوره إلى مصدر إلهام، ويصبح جزءًا من بناء مجتمع أكثر تماسكًا وعدلًا، حيث يتكامل الجهد الفردي مع الجماعي ليصنع واقعًا أفضل للأجيال القادمة

***

نهاد الحديثي

بيان الانقلابيه التحولية العظمى:

موضوعتان اساسيتان ماعاد ممكنا عدم التعامل معهما حتى يصبح الكائن البشري اقرب لوعي اشتراطات وجوده، علما بانهما خارجتان عما مدرك، مطموستان لصالح اشكال تصور تخرجهما من اي احساس، لابل وقد تدخلان في باب المحرم التفكير به اومقاربته: الاولى هي العلاقة الافنائية للكيانيه الامريكيه المفقسة خارج الرحم التاريخي بالكينونه المجتمعية التاريخيه السابقة عليها، بما يجعل الكائن البشري في القارات الاربعه الاولى امتدادا للهندي الاحمر المباد، بما يخرج العالم من مفاهيم واحكام "الامبرياليه" وراس المال والربحيه كما كانت ابان الطور الاوربي من الانقلابيه الالية، ناقلا اياها نحو منطق اخر مختلف عن ذلك الاول الاوربي الموصول بالالة المصنعية.

المسالة الثانيه هي التاريخيه البدئية المجتمعية على مستوى المعمورة كما حصلت في ارض الرافدين وارض سومر جنوبا، وكونها ظاهرة تحولية انقلابية غير خاضعه للمفاهيم المتداولة عن التاريخ البشري المتعارف عليها، ومنها "المراحل التاريخيه" الازدواجية الطبقية، فارض الرافدين محكومه لقانون "الدروات والانقطاعات" كازدواج مجتمعي( ارضوي / لاارضوي) ذاهبه الى مرحلة مجتمعية اخرى غير الراهنه المعاشة والتي هي مرحلة المجتمعية الجسدية الارضوية الحاجاتيه، وانها موضع الدينامية والاليه المحرك للتاريخ المجتمعي الذاهب الى العقلية، اي الى "الانسان" مابعد الجسدي، ظلت على مر فترات ودورات تاريخها غير قادرة على الانتقال الى ماهي مهياة ومصممة مع عموم المجتمعات لبلوغه، بسبب النقص في الوسائل المتاحة خصوصا المادية منها، بظل الطور اليدوي بالدرجة الاولى، كما بسبب القصورية العقلية في حينه والى اليوم، متمثلة في تدني الطاقة الادراكية البشرية دون الارتقاء لمستوى ومنطويات الظاهرة المجتمعية، ومآلاتها المقررة.

المسالتان وصلتا مؤخرا نقطة التبلور التصادمي الفاصل والنهائي، ومع انتقال امريكا التكنولوجي الانتاجوي الى "الذكاء الاصطناعي"، فانها تكون قد اهتدت اخير الى الوسيلة التي تحتاجها لكي تبرر لنفسها وجودها، فصار واردا الاعتقاد بتوفر اسباب الخروج من ازمة الوجود المتحكمه بذاتية المجتمعية بلا تاريخ، وبعدان كانت اوربا قد وجدت في الاله المصنعية ماتحتاجه لكي تعمم غلبتها ونموذجيتها على العمورة، تكتمل اليوم اسباب الخروج الايهامي من المازق البنيوي الذاتي المرهون للرساليه الامريكيه المتوهمه، وفي الجوهر للافنائية، وهو مايحدث بعد تاريخ من الفشل، تجلى بمحاولات الهيمنه الالغائية على العالم، وماترتب عليها من فشل متكرر، من فيتنام الى افغانستان، الى العراق الذي تم سحقه ككيانيه لكي يتيقظ ماهو لازم وضروري لتوفير اسباب النطقية المنتظرة عراقيا منذ مايزيد على السبعة الاف عام، وبمقابل التكنولوجيا الافنائية الامريكيه، تلوح في الافق من هنا فصاعدا احتمالية وضع الانقلابيه الاليه في موضعها الذي هي موجودة لكي تحتله، على اعتبارها وسيلة "ذكاء بشري يوقظ الجزء المضمر من العقل الذي لاعقل من دونه في الكيانيه البشرية".

تبدا تباشير الثورة اللاارضوية ببدايات يقظة العراق بعدما انتهت مرحلة وطور الاتباعية الايديلوجية ووصولها بعد قرابه القرن الى ماهي عليه، والت له وهي منساقة تحت ايقاعيته لنصبح على مشارف الوثبة العقلية المؤجله الكبرى، وصولا الى " المؤتمر الوطن كوني العراقي الاعظم" مؤتمر اعادة العراق والعالم الى ذاته، بعد اعلان موت ولا ضرورة مايعرف ب"الوطنية الزائفة"، فاذا قال العراق كلمته اليوم كما فعل عند ابتداء البشرية، فان مهمه التكنولوجيا تتعدى ساعتها "الذكاء الاصطناعي" الى الذكاء البشري المبيت والنائم، اي الى التكنولوجيا التي تسهم في ايقاظ العقل البشري ذهابا لتحوله الى عنصر اساس وفاعل كلي على حساب الجسدية الارضوية، ليغدو المطلوب انقلابا ليس عراقيا وحسب، بل وثبة عالمية تعطي الاله اسمها الحقيقي، وهدفها الذي وجدت لكي تذهب اليه، بعد المرور بالمحطتين الاولى والثانيه الحالية الاعظم خطرا وتدميرا للوجود البشري.

وهنا يصح النداء للعراقيين الغارقين في مالايليق بهم وبارضهم، بل يصير ضرورة دونها استمرار الوجود ضمن المسار التحولي الجسدي العقلي او الفناء، ليتذكروا بان اجدادهم كانوا يضعون العصا واقفه في العراق ليحتسبوا الظل يوما بعد يوم حتى يخرجوا بالاصرار الرهيب باحتسابات الايام والشهور والسنين والاسابيع، وان صنفهم اللاارضوي المقرر وجوده كونيا وبحكم الديناميات العليا، هم " كل" ،وطنهم الكرة الارضية، لا " الوطن / محلية" ولا " القومية" التي لم يعرفوها من قبل، فكانوا اذا نطقوا ينطقون ابراهيما كونيا، نبويا عند الابتداء والى الساعة، وعلّيا اليوم ومن هنافصاعدا.

ولن نبتكر شيئا بهذه المناسبه اذا قلنا بان اهل هذه الارض هم الاجدر بمواجهة مامنتظر، وماصارت البشرية مقبله عليه من احتدامية اكراهية تدميرية مختلفة، ومن نوع ايهامي غير مالوف، بمقابل انغلاق وانسداد ارضوي عقلي لايجد بمقابل التدميرية الامريكيه مخرجا او بديلا من اي نوع، وبالاخص ذلك العائد الى اللاارضوية العقلية المتعدية للجسدية الحاجاتيه الارضوية المواكبه والملازمه عضويا لليدوية، وها هو الطور الابتداء من التدميرية يحل على اهل مابين النهرين منذ قرابة الربع قرن، بلا ذاتيه ولا كيانيه، وتحت وطاة الحثالة المجتمعية الريعيه الذاهبة بارض البدء الى الفناء ذاتيا، الامر الذي لن يتحقق وهو يواجه نوع بشر عرفوا على مر تاريخهم الاطول بين التواريخ ب" العيش على حافة الفناء"وظلوا على مدى الايام " اهل شقاق ونفاق" كما تراهم ترهات الارضويين، ماداموا كينونة ترفض  الحكومات والدول.

سوف ينقلب تباعا المشهد البشري، ليدخل العالم ماصارت مقدماته الراهنه، وبداياته، حاضره وغالبه على وضع الكوكب الارضي، بانتظارما سوف ينبثق من الظواهر واشكال المجابهات تباعا، ليرى الكائن البشري اخيرا "مالا عين رات ولا اذن سمعت"، والمحور الاصطراعي هو ثورة انتقال الى العقل بالذكاء البشري، او ابادة للكائن البشري باسم متبقيات وممكنات وعي المجتمعية الارضوية وانقلابها الاخير اللامجتمعي، "مجتمع الفكرة" الامريكي العازم على الذهاب بالمجتمعية التاريخية الى الفناء.

***

عبد الامير الركابي

........................

(1) تابعنا هذه الناحية في الوعي الذاتي الامريكي بالتفصيل الممكن في كتابنا/ (كتاب العراق): الكتاب اللاارضوي المنتظر منذ سبعة الاف عام/ دار الانتشار العربي ـ بيروت.

 

"نحن الشباب لنا الغد..."

"وهدى التجارب في الشيوخ وإنما...أمل البلاد يكون في شبّانها"

"يتوقف مصير كل أمة على شبابها"

من الفوارق الواضحة بين الدول المتأخرة والمتقدمة، أن الأخيرة تضع طموحاتها في شبابها والأولى تقاتل شبابها، فالجيل القابض على الحكم يسعى لمحق أي جيل بعده، ويتوهم بأن الأرض واقفة، ولا تعرف الدوران، وهي حكمتها التبدل والتغيير المتواصل اللازم لتجدد وجه الحياة وقيمتها.

في تأريخ الأمة ما أن تطول مدة بقاء الحاكم في الحكم حتى يعم الفساد ويتنامى الطغيان والإستبداد.

فمن يطول بقاءه في الكرسي يتعفن، وتتكاثر حوله الآفات القادرة على تدميره والبلاد والعباد معه، لأن حاشية أي حاكم متعفن تكون أنانية منافقة قصيرة نظر وتهمها مصالحها الآنية وحسب، وتعيش في وهم الإستحواذ على كل شيئ بإسم القابع في الكرسي الذي تحاوطه كالذئاب الشرسة.

الأمم المتقدمة تهتم بشبابها وتعمل على تأهيلهم للقيادة والتفاعل الوطني الخلاق مع مستجدات عصرهم، فلو قارنا قيادات الدول المتقدمة مع قيادات الدول المتأخرة، لوجدنا في الآولى نسبة كبيرة من الشباب المتطلع نحو مستقبل أفضل، أما في الدول المتأخرة فنسبة الشباب ضئيلة أو معدومة، والمتوطنون في الكراسي لا يفارقونها حتى الموت، فالكرسي فيها ملك صرف للجالس عليه، ولا وجود لشعور وطني وبعض نكران ذات، لأن في ذلك تأكيد على الضعف، والقوة أن تتشبث بالكرسي حتى الموت.

كما أن الدول المتأخرة تدور في دوامة مفرغة من إعادة ذات الوجوه الكالحة المعفرة بالذل والظلم والهوان.

شبابٌ في تفاعلهِ انْتصارُ

إذا حاقَ الشعوبَ بها انْكسارُ

شبابٌ واعدٌ يَحمي بلاداً

فيبعثها التمكنُ والقرارُ

بخبرتهمْ شيوخ العزِّ فينا

كأعلامٍ يُباركها المَسارُ

فإنْ غابَ الشبابُ ذوَتْ حَياةٌ...تُعاتبنا ويَحْدوها انْدثارُ

***

د. صادق السامرائي

إشكالية شيوع المحتوى الهابط وتراجع المحتوى الرصين

لاريب ان الثقافة الرقمية باتت اليوم، جزءا لا يتجزأ، من حياتنا اليومية، حيث أصبح الإنترنت، ووسائل التواصل الاجتماعي، منابر متاحة، مفتوحة للجميع، بلا قيود، لنشر ما يريدون نشره من المقالات والمعلومات والبيانات والأفكار.

وتعج ساحة الثقافة الرقمية بكتابات رصينة، واخرى هابطة، في نفس الوقت. ولان المعرفة هي القوة، والثقافة الهادفة هي وسيلة حماية الوعي الجمعي، فإن الأمر يتطلب ان يكون المحتوى رصين المضمون، وقويًا، تعزيزا لمكانة الثقافة الرقمية الإيجابية، وتعميق تأثيرها الهادف في وسط المتلقين.

 ولا شك أن المحتوى الرصين يساهم في نشر المعرفة الصحيحة ويدعم التعليم، ويعمق الثقافة الرشيدة على قاعدة (المعرفة هي قوة).

ولعل المحتوى الرصين، يتطلب حس تفكير نقدي، وتحليلي عند المتلقي، الأمر الذي يساهم في تلقي مضمون المحتوى الهادف بالقبول الحسن، والتفاعل الإيجابي معه، ورفض المحتوى السلبي، وإسقاطه. فالتفكير العميق هو مفتاح الحكمة، وسبيل تعميق الثقافة الرشيدة.

وتجدر الإشارة الى أن المحتوى الرصين يعزز القيم الفاضلة، ويرسخ الأخلاق الإيجابية باعتبار ان الأخلاق هي أساس المجتمع الفاضل.

ولاريب ان المحتوى المحتوى الهابط يؤثر سلبًا على المجتمع، لاسيما وانه ينتشر بسرعة كبيرة بين المتلقين عبر الإنترنت، ومواقع التواصل الاجتماعي، مما يثير تفاعلات عبثية في اوساطهم، وما تتركه من تداعيات سلبية في مسخ ثقافتهم العامة.

وتجدر الإشارة الى ان المحتوى الهابط غالبًا ما يكون استهلاكيًا، ومبتذلا، وبالتالي فإنه لا يضيف قيمة ايجابية لثقافة المتلقين.

ولذلك يتطلب الأمر الحرص على تعزيز المحتوى الرصين، من خلال التثقيف الرقمي، وحث المتلقين على تقييم المحتوى الرقمي ونقده، لقبول ما هو رصين منه، والتخلي عن ماهو هابط.

على ان تشجيع، ودعم منشئي المحتوى الرصين، بالتفاعل البناء مع نتاجاتهم، والاشادة بابداعاتهم، سيحفزهم على المضي، في ابداع المزيد من المحتويات الرصينة، التي تعزز ثقافة المتلقين الرقمية، وتعمق عندهم حس تذوق المحتويات الرصينة، والتفاعل البناء معها.

***

نايف عبوش

كنتُ، كعادتي، أقرأ سورة الكهف صباح الجمعة. قراءةُ المألوف لا تُفاجئك غالبًا؛ تمضي فيها كما تمضي في طريق تعرف كل منعطفاته غير أنّ الطريق هذه المرة توقّف بي فجأة، لا بعثرةً في اللسان، بل ارتجافًا في القلب.

آياتٌ بعينها بدت كأنها خرجت من المصحف وجلست قبالتي. قرأتها، ثم عدت إليها، ثم أعدتُها مرة ثالثة.. لا لأن لفظها استعصى، بل لأن معناها كان ينظر إليّ مباشرة

﴿واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي﴾

تساءلت

لماذا الصبر؟

وهل مجالسة الذاكرين تحتاج صبرًا؟

أغلقت المصحف قليلًا، وفتحت كتب التفسير، لا طلبًا للعلم وحده، بل بحثًا عن نفسي بين السطور. هناك، أدركت أن الخطاب لم يكن للرسول ﷺ وحده، بل لكل من ظنّ يومًا أن القيمة في اللمعان، وأن النخبة تُعرف من المقاعد الأمامية، لا من سجود الفجر

فكتبت

إليّ أولًا: رسالة حين تخدعك العيون

اكتشفتُ أن العين خائنة لطيفة؛ لا تخونك فجأة، بل تُزيِّن لك الخيانة

ترى الوجوه المصقولة، والكلمات اللامعة، والضحكات الواثقة، فتظن أنك في حضرة الصفوة. لكن الآية تقول بهدوء صارم

﴿ولا تعدُ عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا﴾

كأن الله يقول لي احذر.. فالعين إن قادتك، أضاعتك.

ليس كل من علا صوته صاحب قيمة، ولا كل من كثر أتباعه دليل هداية

الغفلة قد تلبس بدلة أنيقة، وتتحدث بلغة المثقفين، وتجلس في الصف الأول.. لكنها تظل غفلة.

رسالة إلى الأصدقاء: من تصحبون؟ ومن يُنقذكم؟

عدت أفكر في صداقاتي

من أجلس معهم؟

هل يذكرني أحدهم بالصلاة حين أنسى؟

هل يوقظني أحدهم إذا نعست روحي؟

أم نضحك معًا.. ونغفل معًا.. ونتسابق في اللهو وكأننا نملك الغد؟

قال أحدهم قديمًا: الصديق مرآة

والقرآن قال أبعد

الصحبة إمّا نجاة.. أو غرق جماعي أنيق

﴿ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه﴾

ليس كل صديق شريرًا، لكن الخطر في الصديق الغافل الذي لا يشعر بغفلته، ويجرّك بلطف نحو الفراغ

رسالة لعامة المسلمين: النخبة ليست كما تتوهمون

نحن نعيش زمنًا غريبًا؛

يُقاس فيه الوعي بعدد المتابعين، ويُقاس الفكر بجرأة التصريحات،

ويُقاس التقدم بالتحرر من القيم لا بالسموّ بها

لكن القرآن يقلب المعادلة بهدوء رهيب

النخبة الحقّة لا تغفل عن الله، لا تستهين بالصلاة، لا تتصالح مع الفواحش باسم الواقعية، ولا تجعل القرآن زينة رفٍّ لا نبض حياة

النخبة الحقيقية قد تكون صامتة، لكنها ثابتة. قد لا تُرى، لكنها لا تضيع

رسالة إلى الإنسانية جمعاء: الغفلة أخطر من الكفر

الخطر ليس في أن تقول: لا أؤمن

الخطر في أن تنسى لماذا وُجدت أصلًا

الغفلة ليست لهوًا بريئًا، هي انسحاب بطيء من المعنى، وتعوّد على العيش بلا سؤال، وبلا خشية، وبلا بوصلة. ﴿وكان أمره فُرُطًا﴾

كلمة صغيرة، لكنها مرعبة

الفُرُط هو التفلت.. أن تعيش بلا حدود، ثم تتفاجأ أنك تجاوزت نفسك

عودة إلى سورة الكهف.. بعيون أخرى

أغلقت كتب التفسير، وعدت إلى المصحف. لكنني لم أعد القارئ نفسه

صرت أفهم أن سورة الكهف ليست حكايات نجاة فقط، بل إنذارًا ناعمًا من الغفلة المقنّعة، ومن نخبة زائفة، ومن حياة تُعاش بكاملها.. خارج المعنى

كلما قرأت: ﴿وقل الحق من ربكم﴾

أدركت أن الحق لا يطلب تصفيقًا، بل شجاعة أن تبقى يقظًا

في زمنٍ يحتفل فيه الجميع بالنوم.

***

بقلم: بلحمدي رابح – البليدة / الجزائر

البشرية تتقاتل على مصادر الطاقة، فمنذ الأزل والصراع يتأجج من أجل الإستحواذ على عناصر القوة وتأمين طاقات البقاء، فكان البشر يغزو بعضه ويستولي على النساء والأولاد والبنات والمواشي وباقي ممتلكات الناس المَغلوبة، والمنتصر يزداد قوة.

وبعد أن تأسست الدول وظهرت معالم الكينونات المتوطنة في بقاع معينة، إشتد الصراع على موارد الطاقة والقوة، إبتداءً من الطعام إلى الماء، والثروة البشرية.

وفي كل فترة تظهر مصادر معينة تستوجب النزاع عليها، كالتوابل والملح والقهوة والموز ومن ثم البترول، واليوم تجدنا في نزاعات على العناصر النادرة والغلاف الصخري، الذي بموجبه ستجتاح الدول القوية كل بقعة أرض تدلها الأقمار الإصطناعية على وجود العناصر النادرة فيها.

الحروب المعاصرة تظهر إعلاميا بوجه مخادع يخفي حقيقة تطلعاتها وأهدافها، فبعض منصات الإعلام كحصان طروادة المعاصر الذي يغشنا ويضللنا، ويريد تدويخنا، لكي تمضي قافلة الإستحواذات بهدوء وخفية.

الصراع الحقيقي تكنولوجي رقمي نانوي، لا تستوعبه المجتمعات التي يُراد لها أن تتدثر بالغابرات وتتمنطق بمعتقدات بالية، وتطارد أوهاما، وتحتسي سرابا.

إذا الطاقاتُ في بلدٍ تنامتْ

تُداهِمهُ الوحوشُ بما اسْتطاعتْ

هيَ الدنيا صِراعاتُ اقْتدارٍ

وصَولاتٌ على أمَمٍ تراخَتْ

فصُنْ بلدا كنوزُ الأرضِ فيهِ

ولا ترْهنْ مَصيراً إنْ تداعَتْ

***

د. صادق السامرائي

 

فلسفة البساطة في ملعب الرشيدة الدولي

في قرية نائية من قرى محافظة القادسية لم يكن ملعب الرشيدة الدولي مجرد ساحة لكرة القدم ولا مجرد اسم عابر في ذاكرة الرياضة بل كان معنى كاملًا قائمًا بذاته معنى يقول إن البساطة ليست نقصًا بل اختيارًا وليست فقرًا في الإمكانات بل غنى في الروح وفي ذلك الملعب البسيط كانت كرة القدم أقرب ما تكون إلى أصلها الأول حين لم تكن صناعة ولا استعراضًا ولا سوقًا مفتوحة بل فعلًا إنسانيًا خالصًا يولد من الحاجة إلى اللعب وإلى الفرح وإلى الاجتماع حول حلم صغير اسمه الهدف.

كان اللاعبون القادمون من القرية يدخلون الملعب كما يدخلون حياتهم اليومية بلا أقنعة ولا أزياء مستعارة وحفاة الأقدام يلامسون التراب مباشرة كأنهم يريدون أن يتأكدوا أن الأرض ما زالت تحتهم وأن اللعبة ما زالت متصلة بالمكان والقدم الحافية لم تكن علامة ضعف بل دليل ألفة مع الأرض ومع قسوتها وحرارتها وبرودتها وكانوا يعرفون كيف يركضون دون حماية زائدة وكيف يسقطون ثم ينهضون لأنهم تعلّموا ذلك قبل الكرة في الحقول والدروب الطويلة.

أما ملابسهم الدشداشة الريفية فلم تكن خروجًا عن اللعبة بل دخولًا صريحًا للحياة إلى داخلها ولم يكن هناك فاصل بين الفلاح واللاعب ولا بين العامل والهداف والشخص نفسه، بالجسد نفسه بالحلم نفسه ينتقل من تعب النهار إلى متعة العصر ةكانت الدشداشة وهي تتحرك مع الجري تحمل رائحة القرى وعرق التعب الشريف وتقول بصمت إن الرياضة ليست عالمًا منفصلًا عن المجتمع، بل مرآته الصادقة.

وفي وسط هذا المشهد يقف الحكم يحمل عصًا غليظة من توثية ولم تكن العصا تهديدًا ولا قسوة بل رمزًا لزمن كانت فيه السلطة أخلاقية قبل أن تكون تقنية ولم يكن الحكم محاطًا بعشرات القوانين المكتوبة ولا بالتقنيات التي تراقب كل حركة بل كان حاضرًا بهيبته، بشخصيته، باتفاق غير معلن مع اللاعبين والجمهور على احترام اللعبة والعصا كانت اختصارًا لفكرة النظام البسيط ذلك النظام الذي يقوم على الثقة لا على التعقيد.

الجمهور في ملعب الرشيدة لم يكن جمهورًا متفرجًا فقط بل شريكًا في الحدث ويعرف اللاعبين بأسمائهم وبقراهم وبحكاياتهم ويهتف لأنه يشعر أن الفوز يمسّ كرامته اليومية ويصمت حين يخسر لأنه يعرف أن الخسارة جزء من المحاولة ولم تكن هناك مدرجات والجمهور يفترش الارض لكن القرب كان شديدًا قرب يجعل اللعبة حقيقية ويجعل الصوت يصل إلى القلب بلا وسيط.

ويأتي صوت المعلّق أبو ريسان ليكمل الصورة ولم يكن صوته متكلّفًا ولا محمّلًا بمصطلحات مصقولة بل كان ابن اللحظة ويعلّق كما يشعر ويصف كما يرى ويترك للكلمة أن تخرج دافئة كما خرجت من صدره وكان صوته ذاكرة تمشي على الهواء لا تفصل بين الحدث ومعناه ولذلك بقي صوته عالقًا في الوجدان لأن الذاكرة لا تحفظ إلا ما كان صادقًا.

في ملعب الرشيدة الدولي كانت كرة القدم فلسفة تُعاش لا نظرية تُشرح وكانت تقول إن الجمال لا يحتاج إلى بهرجة وإن المهارة لا تحتاج إلى أحذية باهظة وإن العدل لا يحتاج دائمًا إلى شاشات وكانت البساطة هنا موقفًا أخلاقيًا تضع الإنسان قبل النظام والروح قبل الشكل والمعنى قبل الصورة ولم تكن ضد التطور لكنها كانت تحذيرًا مبكرًا من أن يتحول التطور إلى قطيعة مع الجوهر.

هكذا، في ذلك الملعب لم تكن المباراة تنتهي مع صافرة الحكم بل تستمر في الحكايات في الذاكرة في المقارنات الصامتة مع حاضرٍ صار أثقل مما ينبغي وحين ننظر اليوم إلى كرة القدم الحديثة بكل أضوائها وصفقاتها نفهم أن ما نفتقده ليس الإمكانات بل تلك العلاقة البسيطة بين الإنسان واللعبة ونفتقد اللاعب الذي يلعب لأنه يحب والحكم الذي يحكم لأنه عادل والمعلّق الذي يتكلم لأنه يشعر.

في ملعب الرشيدة الدولي كانت البساطة تبلغ ذروتها : لاعب حافٍ حكم بعصا جمهور قريب وصوت صادق ومع ذلك أو ربما بسبب ذلك كانت اللعبة أكثر نقاءً وكانت كرة القدم هناك تشبه الناس وتشبه الحياة وتشبه نفسها قبل أن تُثقَل بالزينة ولذلك لم يكن ملعب الرشيدة صغيرًا بل كان واسعًا بما يكفي ليحتوي معنى كاملًا عن العالم معنى يقول إن الأشياء حين تكون بسيطة تكون أصدق وحين تكون صادقة تصبح خالدة.

وما دام هناك من يتذكر لاعبًا حافيًا يركض فوق التراب وحكمًا بعصاه يقيم العدل الشعبي وصوت أبو ريسان يعلّق من القلب فإن تلك الكرة لم تتوقف عن الدوران وما زالت تدور في الذاكرة وفي الحنين وفي فلسفة البساطة التي لا تشيخ، لأنها كلما ابتعد عنها العالم ازداد احتياجه إليها.

***

د. رافد حميد فرج القاضي

 

عجز الموازنة هو عجز معلوم مسبقاً ومخطط ويفترض ان تكون وسائل تمويل ذلك العجز معلومة ومتفق عليها قبل صدور قانون الموازنة اي ان العجز في الموازنة مخططاً وليس مفاجئاً.

ex ante

اما عجز ميزان المدفوعات فهو عجز يتحقق لحظوياً ويجب ان يغطى لحظوياً .اي يغطى في نفس لحظة حصوله.. وذلك بطرق تمويل ذلك العجز المعروفة..

فلا يوجد عجز ميزان مدفوعات معلق ويحتاج الى تمويل لأن ميزان المدفوعات يتعلق بالمعاملات الخارجية تصديراً واستيراداً (للسلع والخدمات) ولا يمكن اتمام اي صفقة بدون تسوية استحقاقاتها والاتفاق على طرق تسديد قيمتها..

فقد يتم الاستيراد عن طريق قرض وبذلك يذهب القرض لانجاز عملية الدفع ويترتب مبلغ القرض على البلد.. او ان يتم الاستيراد عن طريق التسديد بالدفع الآجل وهذا ايضاً التزام يشبه القرض لانه دين خارجي. وهكذا فأن اسلوب الدفع وطريقة التسوية تترافق مع عملية الاستيراد ولاتتبعها.

في النظام الاقتصادي الحر (اقتصاد السوق) لاتتدخل الحكومة بتحديد كميات الاستيراد والتصدير مسبقاً ولذلك لايوجد تصور دقيق عن حجم التعاملات الخارجية بدقة وبشكل مسبق..

لذلك فأنه عجز ميزان المدفوعات يُعرف ويحدد لاحقاً  Ex post

تعريفات توضيحية:

(مصطلح "Ex ante" هو عبارة لاتينية تعني "قبل وقوع الحدث"، وتشير إلى التوقعات والقرارات المالية والاقتصادية والقانونية التي تُتخذ بناءً على التنبؤات وليس على النتائج الفعلية).

(مصطلح "Ex post" هو عبارة لاتينية تعني "بعد وقوع الحدث" أو "بعد وقوعه"، وتشير إلى التحليلات أو الحسابات أو التقييمات التي تُجرى بناءً على النتائج الفعلية المحققة بدلاً من التوقعات).

***

د. صلاح حزام

ـ التكنولوجيا العليا العقلية او الفناء/ عودة الى مابين النهرين

هل يمكن تصور ممكنات محالة الى اشتراطات "العودة على بدء"؟ وهل يمكن الافتراض بان البدء الاول غير المتحقق والمنتكس في حينه، قد ظل ينتظر اللحظة الفاصلة العظمى حتى الساعة كي يعيد الكرة ويذهب الى اكتمال البدء المنتكس، بعدما تهيأت اسباب تحققه؟ من هنا تنفتح في ساعتها الباب امام قلب السردية المجتمعية برمتها على اعتبارها، او السائد المتعارف عليه منها، هو مفهوم الارضوية للتاريخ المجتمعي، والذي اساسه القول بان الظاهرة المجتمعية بدات بالتبلور مع (التجمع + انتاج الغذاء) وهو منظور تبسيطي وصفي قصوري، العقل فيه واقع تحت اشتراطات محدودية القدرات على الاحاطة المجتمعية، وبالذات كونها ظاهرة "ازدواج" من جهه، وانها تفاعليه تاريخيه اصطراعية لها بدء ومنتهى، به تتحقق وتكتمل كما مفترض بها، اتفاقا مع شروط كينونتها وماقد جعل وجودها حقيقة وامكان من جهة.

في المنظور الغائب عن العقل، تبدا المجتمعية غير مكتمله، وان هي انتجت الغذاء واجتمعت فانها بالاحرى تظل في حال قصور وعدم اكتمال تشكل، اذا علمنا بانها ظاهرة ـ خلاف الشائع ـ عقلية مفروض عليها المرور بطور جسدي انتقالي مؤقت، يظل راضخا للمنظور الابتدائي الارضوي الذي من نوعه، مادامت المجتمعية الاعلى العقلية لم تتحقق بعد، الا كتعبيرية متناسبه مع اشتراطات الغلبه المجتمعية الارضوية وشروطها، متخذة صيغة الحدس النبوي الالهامي وصيغته الاعلى الابراهيمه، لتبقى حاضرة من يومها بانتظار لحظة اكتمال اسباب تحققها الضرورية ماديا واعقاليا، مايتطلب العبور من الطور اليدوي من التاريخ الانتاجي الى الالي/ التكنولوجي.

وحتى حين تنبثق الاله اخيرا، فان وطاة الارضوية الجسدية تظل ثقيله الحظور ومضلله بالارتكاز الى كون العقل البشري محكوم كما ظل لزمن طويل، لوطاة اليدوية الارضوية ونوع مقارباتها العقلية، ومجمل مفاهيمها، مع قوة مفعول العادة الملازم لعلاقة الكائن البشري بالاشياء، لنصبح وقتها تحت طائلة حالة من الانتقالية الاليه بمنظور يدوي يشتمل حاكما عملية الانتقال ابان محطتين كبريين، الاولى اوربيه هي المفتتح والبداية، تكون مصنعية اقرب لليدوية، والثانيه امريكيه يضطلع بها الكيان المتشكل خارج التاريخ المجتمعي، ومن دون تفاعليته التاريخيه بما هوكيانيه " فكرة" متصادمه مع الكينونه الاصل السابقه عليها، وطامحه الى ازالتها من الوجود، وهي محطة مابعد مصنعية تكنولوجية، معولمه، نافية للكيانيه المحلوية الوطنيه القومية، مع العجز البنيوي عن ارساء نموذجية صالحة وراسخه قابله للاستمرار والتعميم النموذجي.

هنا ووقتها تاتي المحطة النهائية الاخيرة، ليخضع تاريخ الاله وتحوليتها لسردية المحطات الثلاث، الاولى والثانيه المنوه عنهما، ثم الثالثة الاصل والغاية المتطابقة مع الحقيقة الالية التكنولوجية العليا، الموصوله والمتفقه مع ضرورات اصل وابتداء مجتمعي ظلت الظاهرة المجتمعية بانتظاره منذ اول تبلوراتها، عندما عجزت وقتها بفعل نقص الاسباب الضرورية، عن ان تنتقل لاارضويا عقليا، وقتها يحضر الموضع البدئي المجتمعي حيث ارض سومر ومابين النهرين، ليصبح الانتقال الالي حينها انتقالا عقليا، بعد ان حضرت اخيرا الوسيله المادية التحولية التكنولوجيه الضرورة، لتبدا المجتمعات مغادرة طور الجسدية الارضوية المنتهي، الى حيث هي واجبه الذهاب اصلا، وموجوده لكي تصبح بعد مسار من التحولية الاصطراعية المجتمعية اليدوية الطويلة عقلية، لاارضوية.

هنا يقع الصدام التازمي المهول الشامل والرهيب، غير المسبوق، ولا القابل للتخيل بحكم الانسداد التحولي اللانطقي، مقابل توفر الاسباب الايهاميه بصيغتها العملية المرتكزه الى الرؤية والمفهوم التضليلي الاكثر مقبوليه، فمن يكون العراق الراهن، وماهي الاسباب الممكن الاستناد اليها حتى يعتمد على انه نقطه وثوب من هذا الصنف الاستثنائي الذي مايزال يتعدي قدرات العقل على الاحاطة، مقابل وهج المتحقق "وعلمويته" و" ملموسيته" التجريبيه الراسخه، وقدراته المادية الهائلة، هذا والعراق في احط ماقد عرفه على مر تاريحه الاطول بين التواريخ، خاضع لنوع من السحق الكياني والحثالية الريعيه، نوع الريعيه المخالف لكل انواع الريعيات، بما فيها الريعية التي ظلت تحكم هذا المكان مابين 1968/2003 مانحة النواة القرابيه والحزبيه المحورة الى اداة سلطوية، ممكنات من خارج "الدولة"، لاقامه دولة بلا ارتكاز للنصاب المجتمعي، محكومه لمفهوم خارج عن كينونة المكان وطبيعته التاريخيه البنيوية اللاارضوية الازدواجيه الكونية.

في حين يتحول الريع اليوم الى مضاد للكيانيه والدولة، وعامل تفتيت للسلطة، وتوزيع لها على ممثلي الفرعيات الطائفية والقومية، "نظريتها" الحاكمه لوجودها نفي الوحده الكيانيه لصالح وجود مشترك شكلي غرضة الغاء الذاتية" الوطنية" على المستويات الاساسيه، وكل هذا ياتي بعد قرابه نصف قرن من التاريخ الاحترابي، ابتداء من الحرب الاولى عام 1980 والسحق الامريكي الكوني، والاحتراب الداخلي، نمطية "العيش على حافة الفناء" مابعد البيئية التي ظلت تميز تاريخ هذا الموضع من العالم، وهي التي انتجت وظلت تنتج اللاارضوية على مر الدورات، الاولى السومرية البابلية الابراهيمية، والثانيه العباسية القرمطية الانتظارية، في بلاد التعرف فيها على الذاتيه تتعدى قدرات اهلها على الادراك، وهو مايظل حاكما تاريخ هذا المكان على مدى تاريخ المجتمعية منذ تبلورها الابتداء، والسبب كون طبيعة ونوع البنية والكينونة الناظمه للوجود هنا تتعدى المتوفر للعقل من قدرة حتى اليوم على الادراك، وهي قصورية ليست عراقية حصرا، بل شامله لاجمالي البشرية في علاقتها مع المسالة المجتمعية، الامر الذي نوهت اوربا الالية به مع القرن التاسع عشر اخيرا، من دون ان تفلح في فك الرموز الباقية مطوية في الظاهرة مدار البحث، والتي تتحول اليوم الى معضله ومصدر تحد هائل للعقل البشري.

واخيرا حلت الساعه ليصبح العراق وهو تحت طائلة مايقارب الفناء، صوت العالم والتاريخ المدخر، وموضع الانقلابيه التحولية اللاارضوية العظمى، تحت طائلة الاحتراب الناشيء بين التكنولوجيا الانتاجية الارضوية، وتدميريتها الشامله للكائن البشري، والتكنولوجيا العقلية المنطوية على الحقيقة الكبرى الوجودية، الغائبة عن العقل البشري ماتزال، والتي مع الوعي بها يصير العقل سيد الحياة، ومحورها المتحرر من وطاة ومتبقيات الحيوانيه، وكل ماقد ظل الى اليوم عالقا به منها.

وهذا ماسنحاول مقاربته في الملحق القادم.

يتبع : ملحق رقم 2 : بيان الانقلابيه التحولية العظمى.

***

عبد الأمير الركابي

الغرور ليس مجرد صفة سلوكية عابرة، بل حالة نفسية وقلبية عميقة، تبدأ بانخداع الإنسان بنفسه، وتتغذى على الإعجاب المفرط بها، والاعتزاز المبالغ فيه بما يملكه من جاه أو مال أو علم. ومع مرور الوقت، يتحول هذا الإعجاب إلى تعالٍ خفي على الآخرين، ويقود النفس البشرية نحو هوى لا يعرف حدودًا، فتقع في أفعال تضرها أكثر مما تنفعها.

الغرور في جوهره عزلة صامتة. عزلة لا يراها صاحبها، ولا يشعر بثقلها في بدايتها. لا ألم فيها ولا إنذار، وإنما تغيّر تدريجي في المسافة بينه وبين أقرب الناس إليه. يصبح العالم أضيق، محصورًا في ذاته، وأبعد عن الحقيقة. تلك هي الخطوة الأولى في طريق الغرور.

لا يرفع الغرور الإنسان كما يتوهم، بل يفصله عمّن حوله. يجعله يسير بين الناس وكأنه وحده، يسمع صوته أعلى من كل الأصوات، ويعتقد أن ما وصل إليه كان ثمرة جهده الخالص، ناسياً تلك اليد الخفية التي يسّرته، وسترت عيوبه، وفتحت له الأبواب حين كانت مغلقة.

وفي القرآن الكريم، لا يُذكر الغرور كعيبٍ سطحي، بل كحالة قلبية خطيرة تُفقد الإنسان قدرته على الرؤية السليمة. فالقلب حين يتعاظم يضيق، فلا يعود يتسع للدهشة، ولا للامتنان، ولا حتى للاعتراف بأن ما يملكه كان يمكن أن لا يكون. ولهذا، كانت عبارة «أنا وصلت» لدى كثيرين بداية الانحدار النفسي، لا بلوغ القمة.

التحذير القرآني من الاختيال والمرح في الأرض لا يستهدف الفرح، بل يقطع الوهم؛ وهم الاكتفاء الذاتي، ووهم القوة المطلقة، ووهم الاستغناء عن الله. فالقرآن لا يهدم الذات الإنسانية، بل ينقذها من الانتفاخ الذي يسبق الانفجار.

في المقابل، يأتي ذكر الله كمساحة أمان تعيد للقلب توازنه. فحين يقول الإنسان سبحان الله، لا ينفي النقص عن نفسه فقط، بل يعترف به بهدوء. وحين يقول الحمد لله، يعيد ترتيب النعمة إلى أصلها، فلا تضل طريقها إلى صاحبها الحقيقي. وحين يهمس الله أكبر، يتراجع كل ما تعاظم في داخله خطوة بعد خطوة.

الغرور يجعل الإنسان وحيدًا، حتى وهو محاط بأعزّ الناس. أما ذكر الله، فيعيده إلى صحبته الأولى: مع الله بقلبٍ سليم، ومع الناس بتواضع، ومع نفسه كما هي لا كما يتخيلها.

وفي النهاية، الغرور تعب طويل بلا استراحة، بينما التواضع راحة ورفعة لا تحتاج إلى إثبات.

فالانكسار بين يدي الله ليس سقوطًا، بل عودة إلى الأصل، إلى اليقظة، إلى الطين الأول الذي شُكّل بنفخة روح، لا بكِبر نفس.

يبقى الله كبيرًا كما هو، وتبقى النفس مطمئنة حين تدرك أنها لم تعد مضطرة لإثبات شيء.

فطوبى لقلبٍ عرف أن أعظم السموّ

أن يقول: يا رب

دون أن يسبقها شيء.

***

ذِكرى البياتي

 

أيها الكاتب، أنت كلماتك وأفكارك ضيوف في عقل القارىء، والضيف لا شك يحرص أن يكون مؤنسا لطيفا، يخلّف بعد رحيله ذكرى جميلة، وأثرا طيبا لدى المضيف.

كذلك شأنك مع القراء، فكلماتك تقع في عقولهم وقلوبهم، فإما أن تكون بذورا طيبة تنبت وتزهر فيها، فتنتعش بشذى عطورها، وإما أن تكون ألغاما وقنابل موقوتة، قد تنفجر في أي لحظة وتودي بهم للهلاك!

قد تقول لي بامتعاض: أنا حرّ أكتب ما يحلو لي، والقارئ إن شاء قرأ لي، وإن أبى فهو حر أيضا.

فأجيبك: كاد ينتهي عصر الكتاب الورقي والمطالعة التقليدية، فقلة قليلة من القراء، لازالت تحرص على اقتناء الكتب من المكتبات، وانتقاء ما تقرأه بعناية، في زمن هيمنة مواقع التواصل على شتى مناحي حياتنا، ومنها مجال الثقافة والقراءة، لا شك سيقرأ لك الكثير من القراء ولو مصادفة! باختلاف مستوياتهم التعليمية والثقافية وفئاتهم العمرية، لكن ليس كل قارئ يملك رؤية نقدية، وقدرا من الحصانة النفسية والفكرية تؤهله لغربلة ما يقرأ!

فبعضهم يغدو كالريشة في مهب الريح، يترنّح يمْنةً ويَسْرة، تتقاذفه أفكار وتوجهات من يقرأ لهم دونما وعي، فيدخل في غيبوبة فكرية، لا يصحو منها إلا وقد أُعيد تشكيله من جديد، بما تشرّبه من أفكار، أهواء وأيديولوجيات الكُتّاب الذين يقرأ لهم

كم من قارئ تخلى عن مرجعيته الدينية! بسبب قراءاته التي أودت به للتهلكة، وألقته في غيابات الحيرة والشك في أصل الوجود، وفي كل شيء بل وفي خالق الوجود جل جلاله! فتلقّفه دعاة الإلحاد والعلمانية وغيرهم، وكم من مراهق أهمل دراسته، وأضاع وقته في قراءة روايات خيالية، غيّبته تماما عن واقعه، أو روايات عاطفية في غاية الإسفاف والابتذال ولا طائل منها، بل تفتك بمنظومة الأخلاق لديه.

لذلك أيّها الكاتب! كلما هممت بالكتابة تذكر:

 "عقول وقلوب القرّاء مزارع، فَلتنظر ما أنت فيها زارع".

الكتابة فعل واع ومسؤول، يحمي منظومة القيم، ويعمل على الارتقاء بالوعي والفكر، لا لتدمير وهدم ماسبق.

***

بقلمي زينة لعجيمي - الجزائر

 

الفِراسة: قدرة ذهنية وحسية على إستنتاج الصفات الباطنة للإنسان من ملامحه، حركاته، نبرة صوته، إختياراته للكلمات وحتى صمته، كأن العقل يلتقط إشارات صغيرة ويحولها إلى صورة كبيرة، إنها حسن نظر مع نور من العقل والخبرة، وهي إستنتاج عقلي وإحتمالي.

"إتقوا فراسة المؤمن فأنه ينظر بنور الله"

فرس الشيئ: توسمه وتبينه بذكاء.

القائد التأريخي الصالح لبناء وطنه وأمته، هو الذي يتمتع بفراسة مؤثرة في صناعة الحياة.

في العصر الحديث ربما بوريس يلتسين عبّر عن فراسة حاذقة بإختيار بوتين، وفي تأريخ الأمة كان المأمون يمتلك قدرات فِراسة متميزة، وكان إختياره للعديد من الأشخاص يشير إلى ذلك، كتقريبه لأبي تمام وهو شاب يافع، وإختياره لشاكر وهو من قطاع الطرق وتوسم النبوغ في أولاده فرعاهم وقدموا إبداعات أصيلة في ميادين إهتماماتهم.

المجتمعات الخائبة لا تمتلك رموزا قيادية ذات فراسة عالية، لقلة الإيمان وضعف الإرتباط بالوطن، وغياب الخبرة، وعدم رؤية ما حولهم وغرقهم في مستنقعات ذاتهم ومعتقداتهم وكينوناتهم المتخندقة في الكراسي المتمايلة.

فِراسَتنا أضاعَتْ مُحْتواها

فأصْبحنا بلا رمزٍ عَلاها

قلوبٌ أعْتمَتْ حتى تَخابَتْ

فلا نورٌ أتى فرَعَتْ دُجاها

إذا نظروا إلى شخصٍ غَريبٍ

مَخاوفهمْ أزاحَتْ مُبتغاها

***

د. صادق السامرائي

 

وها هو الحلم الكبير الذي كان يراودنا دائما، ونطمح ان يكون بين ايدينا، وفي متناول الجميع من المهتمين من الدارسين والباحثين، قد اصبح حقيقة واقعية بنشر كتاب:

Renewable and sustainable energy technologies and resources

في احد دور النشر الهندية الآن، بعد أن كان الدكتور وكاع قد عكف على تأليف هذا الكتاب في مجال الطاقة الشمسية، باعتبارها الطاقة المتجددة البديلة للطاقة النفطية. حيث تجدر الإشارة إلى أن الطاقة المتجددة، هي الطاقة المستمدة من مصادر طبيعية لا تنفد، وتتجدد باستمرار، مثل (الشمس، والرياح، وحركة المياه، والحرارة الجوفية للأرض)، إذ توفر هذه المصادر بدائل نظيفة للوقود الأحفوري، وتتميز بتكلفة تشغيل منخفضة، وتخلق وظائف أكثر، وتساهم بفعالية في خفض انبعاثات الكربون، وبالتالي فهي صديقة للبيئة.

وتجدر الإشارة إلى أن الدكتور وكاع الجبوري، كان قد أنجز منه ستة فصول، يوم كنا نتطلع معه يوم ذاك، الى الإنتهاء من تأليف هذا الكتاب خلال صيف العام ٢٠٢٢، ليكون مرجعا علميا للباحثين والدارسين في مجال الطاقة المتجددة، ويسد فراغا في الساحة العلمية والاكاديمية لمثل هذا النوع من الإختصاصات المهمة .

ومعروف أن الدكتور وكاع الجبوري قد مارس التدريس الجامعي داخل وخارج العراق، بعد حصوله على الدكتـوراه من جامعة مانشستر / بريطانيا، في ثمانينات القرن الماضي، وألَّـفَ عددا من الكتب العلمية المنهجية في مجال اختصاصه، ونشر أكثر من مائة بحث علمي في مجلَّات علميّـة عالميـة وإقليمية، وأشرف على العشرات من طلاب الماجستيـر والدكتوراه، ويعتبر مرجِـعاً علميَّـاً عالميـاً في مجال تخصُّصِـه، ويرأس تحرير عدد من المجـلَّات العلمية، والمؤتمرات العلمية الدورية.

كل التوفيق والتبريكات والنجاح الدائم للدكتور وكاع على هذا الانجاز العلمي الرفيع، ليظل بانجازاته العلمية والاكاديمية الزاخرة، كفاءة علمية عالية، وطاقة أكاديمية متوقدة من كفاءات الديرة والبلد، تبعث على الفخر والاعتزاز.

***

نايف عبوش

لم يُلقَ الإنسان في هذا الوجود ليكون شاهدًا محايدًا، ولا رقمًا عابرًا في سجلّ الطبيعة، بل كائنًا مُسائِلًا. والسؤال ليس عيبًا في الإنسان، بل علامته الفارقة. غير أن السؤال، إن لم يُهتَدَ به إلى غاية، انقلب عبئًا، وإن لم يُحاط بالفكرة الهادفة، صار قلقًا لا ينتهي. من هنا يبدأ الخلاف القديم المتجدّد:

هل تكفي التجربة؟

هل يكتفي العقل بذاته؟

هل الإيمان تعطيل أم اكتمال؟

وهل نفي الغيب تحرير للإنسان.. أم عزله في كونٍ بلا وجهة؟

التجربة تفتح باب المعرفة، لكنها لا تُقيم فيها. نختبر النار فنعرف أنها تحرق، لكننا لا نعرف لماذا الإحراق قانون.. نرصد حركة الكواكب، لكننا لا نفسّر لماذا لا تختلّ. الكون، في أدقّ تفاصيله، يعمل بنظام سابق على الملاحظة، وكأن التجربة تصل متأخرة دائمًا عن الحقيقة ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾.

ليست وصفًا شعريًا، بل تقريرًا كونيًا: الحساب سابق على الرصد. التجربة تقول ماذا يحدث، لكنها تعجز عن قول لماذا ينبغي أن يحدث. العقل أعظم أدوات الإنسان، لكنه ليس إلهًا. وحين ظنّ بعض الفلاسفة أن العقل مكتفٍ بذاته، انتهى إلى أحد طريقين:

إما عبثٍ كونيّ لا معنى له، أو أخلاقٍ بلا أساس، تُبرَّر بالمنفعة أو القوّة. العقل يستطيع أن يبني آلة، لكنه لا يستطيع أن يفسّر لماذا يجب ألا تُستخدم للقتل ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾. ليست تقليلًا من شأن العقل، بل وضعه في موضعه الصحيح العقل بلا غاية كالسفينة بلا بوصلة؛ تمخر البحر، لكنها لا تعرف أين ترسو.

 حين يُقال: الإلحاد ليس عيبًا، فهذا صحيح لغويًا، وخادع فلسفيًا. العيب ليس في التسمية، بل في النتيجة الوجودية.. الإلحاد لا يكتفي بنفي الإله، بل ينفي العلّة الأولى، والمعنى المتجاوز، والغاية النهائية. ثم يطلب من الإنسان أن يصنع معنىً مؤقتًا، وهو يعلم أنه سينهار أمام الموت، والظلم، والفقد ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾.. سؤالٌ ينسف العبث من أساسه...

أما الماركسية، فقد أرادت عدالة بلا غيب فحولت الإنسان إلى وظيفة في صراع والأخلاق إلى نتيجة اقتصادية والتاريخ إلى آلة لا ترحم وحين تعارض الإنسان مع الفكرة، سُحِق باسم المستقبل. وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾

آية لا يمكن لأي فلسفة مادية أن تُبرّرها أو تُحافظ عليها. الإيمان، في جوهره القرآني، ليس قفزة فوق العقل، بل عبور به إلى أفقه الأقصى.

إبراهيم لم يؤمن قبل أن يسأل: ﴿فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾ هذه فلسفة وجود كاملة: ما يزول لا يستحق المطلق والقرآن لا يخاطب الغريزة، بل العقل ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ﴾﴿أَفَلَا يَعْقِلُونَ﴾﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾.. الإيمان هنا ليس نقيض الفلسفة، بل نقيض الغرور الفلسفي الكون لا يصمت، بل يهمس. كلّ ذرة تسبّح، وكلّ نظام يشير، لكن العين وحدها لا تكفي. ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾

فالآفاق تُقنع الحسّ، والأنفس تُوقظ التجربة، ﴿حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ وهنا يصل العقل إلى حدّ الاعتراف. المؤمن لم ينكر العالم، بل رآه أثرًا لا غاية. والفيلسوف المؤمن لم يقتل السؤال، بل أعاده إلى موضعه الصحيح. المعرفة سفر، تبدأ بالتجربة، تمرّ بالعقل، وتكتمل بالإيمان. من توقّف عند الحسّ، عاش سطحيًا. ومن توقّف عند العقل، عاش متكبّرًا. ومن نفى الغيب، عاش قلقًا. أما من سأل ثم آمن، فقد بلغ الطمأنينة. ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا﴾. ليست دعاءً فحسب، بل إعلانًا فلسفيًا أن المعنى أصل الوجود. وهنا فقط، لا يعود الإيمان هروبًا، ولا العقل خصمًا، بل يصبح الإنسان شاهدًا واعيًا . على كونٍ لم يُخلق عبثًا، ولا يُفهم إلا بنورٍ يجمع العين، والعقل، والقلب.

***

بلحمدي رابح

 

في المثقف اليوم