كل عطش يبحث عن بئر.. وليس كل بئر ماء.
هناك عطشٌ لا ترويه الأنهار، ولا تستطيع أن تبلله قطرة، لأنه يسكن في مكان أعمق من الجسد؛ في تلك المنطقة الخفية من الروح، حيث يقف الإنسان وحيداً أمام نفسه، ويسأل السؤال الذي لا يجرؤ على قوله بصوت مرتفع:
ماذا ينقصني؟
قد يكون حولك ألف وجه، ومع ذلك تشعر أنك وحيد.
وقد تنام في بيت دافئ، وقلبك يرتجف من بردٍ لا تعرف له نافذة.
وقد تعيش في مدينة ممتلئة بالناس، ثم تكتشف أن أكثر ما يؤلمك هو غياب وجه واحد.
نحن لا نعطش دائماً إلى الماء.
أحياناً نعطش إلى يدٍ تربت على أكتافنا دون أن تسألنا لماذا تعبنا.
نعطش إلى صوتٍ يقول: «أنا هنا»، في زمنٍ أصبح فيه الغياب أكثر وفاءً من الحضور.
نعطش إلى وطنٍ لا نضطر إلى شرحه لأحد.
إلى امرأةٍ لا تجعلنا نشعر أننا في امتحان دائم للحب.
إلى أمٍّ نعود إليها مهما كبرنا، لأن الإنسان مهما طال به العمر يبقى في داخله طفلٌ يبحث عن حضنٍ أول.
ولعل أقسى أنواع العطش أن تكون ممتلئاً بالكلام، ولا تجد من يفهم صمتك.
***
صابر الحميدي







