أقلام حرة

عبد السلام فاروق: البحث عن الأصل!

منذ خمس سنوات وأنا أفتش في دروب الكتب المظلمة عن شبح. عن شيء أعرف أنه موجود، رأيت له صوراً مشوشة، وسمعت عنه من صديق، لكن يدي لم تمتد إليه قط. خمس سنوات كاملة وأنا أطارد (المعارك الأدبية) للكاتب أنور الجندي، أقتني نسخاً مصوّرة تتلاشى حروفها تحت بصمات الأصابع، أقرأ صفحات تئن تحت وطأة رداءة التصوير، وكلما أوشكت على يأس، كان صوت ياسر خطاب يعود ليتردد في أذني: هذا كتاب مختلف، إنه مفتاح.

ثم حدث ذلك. اللحظة التي لا يصفها إلا من عاشها. أن تقع على كتاب بحثت عنه خمس سنين، ليس كأن تجد شيئاً ضائعاً، بل كأن جزءاً منك كان ناقصاً فاكتمل. وقفت أنظر إلى الغلاف وكأنني التقي قريباً بعيداً. نسخة أصلية، تعبق برائحة الزمن، تجلدتها السنون لكنها حافظت على كبريائها.

المفارقة العجيبة أن (المعارك الأدبية) واحد من أكثر الكتب التي هوجمت في القرن العشرين، وأقلها قراءة. أنور الجندي لم يكن مجرد مؤرخ للأدب، بل كان عالماً تشريحياً يفتق الأنسجة الفكرية ليكشف عن العصب العاري. قرأت الكتاب في نسخته المصورة مرتين، لكن قراءته في نسخته الأصلية كانت مختلفة. ربما لأنني كنت أقرؤها وأنا أعرف أن يدي تلمس شيئاً حقيقياً، ورقاً طبع في زمن كانت فيه الكلمات لا تزال تعني شيئاً.

الجندي في هذا الكتاب لا يروي تاريخ المعارك الأدبية، يشخص مرضاً ثقافياً مزمناً الصراع بين الأصالة والتبعية. كان يرصد كيف تحول الأدباء إلى فرق متناحرة، ليس حول جودة الكتابة، لكن حول الانتماء الفكري. كان يراهم كما نراهم الآن أصحاب مشاريع لا أصحاب مواهب!.

الصديق الذي يقودك للقدر

ياسر خطاب لم يكن يعرف أنه كان شرارة. حين حدثني عن الكتاب قبل سنوات، كان يتحدث بشغف المؤمن بأن هناك كتباً يجب أن توجد في مكتبتك ليس لأنك ستقرأها فقط، لأن وجودها يغير منك شيئاً. هذا ما تفعله الكتب المؤسسة، إنها تخلق هالة، تشع تأثيراً حتى وهي صامتة على الرف.

لطالما تذكرت كلماته "أنور الجندي كتب تاريخنا الثقافي بدم بارد، لكنه في الحقيقة كان يكتب تاريخ هزائمنا". وها أنا أقرأ الكتاب الآن، في نسخته الأصلية، لأجد أن ياسر كان محقاً. ليس الكتاب مجرد سرد للمعارك بين الرومانسيين والكلاسيكيين، أو بين العقاد والمازني، أو بين مدرسة الديوان ومدرسة أبولو. إنه سرد لمعركة أعمق: معركة الهوية.

دفتر أحوال الثقافة العربية

كلما تقدمت في قراءة الكتاب، شعرت أن الجندي كان يكتب عنا نحن، اليوم، في هذه اللحظة. كان يرصد كيف تتحول القضايا الفكرية إلى معارك شخصية، كيف يختفي الموضوع وتظهر الذات، كيف يصبح النقد وسيلة للتصفية لا للحوار. تجد نفسك تقرأ عن معارك جرت في الأربعينات والخمسينات، فتتوقف وتسأل ألم ننته بعد؟ أليست هذه هي المعارك نفسها التي تحتدم اليوم على صفحات الفيسبوك وإكس ؟

أنور الجندي كان مؤرخاً موضوعياً في الظاهر، لكنه في الباطن كان فيلسوفاً يبحث عن خلاص. كان يجمع الوثائق، يرتب الأحداث، يؤرخ للصراعات، لكن تحت كل ذلك كان سؤال يدق: لماذا نحن هكذا؟ لماذا كل هذا العنف الرمزي بين مثقفينا؟

الكتاب يثير في النفس حنيناً غريباً إلى زمن كانت الكلمات فيه تقتل. نعم، كانت المعارك الأدبية شرسة، كانت الاتهامات تطير، كانت القطيعة تحدث، لكن كل ذلك كان يعني شيئاً واحداً أن الأدب كان مهماً. أن الكلمة كانت تملك سلطة. أن الناس كانت تقرأ فتغضب، فتكتب، فترد. أما اليوم، فالمشكلة ليست في شراسة المعارك، بل في تفاهتها. وفي أن أحداً لا يقرأ. نعم نتصيد الأخطاء، نفتش في السير الذاتية، نبحث عن زلات اللسان، لكننا لا نقرأ. المعركة اليوم ليست بين فكر وآخر، بين كاتب وقارئ لم يعد موجوداً.

النسخة الأصلية التي بين يدي الآن تحمل في هوامشها تعليقات بقلم رصاص باهت. قارئ قديم كان يختلف مع الجندي، كان يضع علامات استفهام، كان يشتبك. هذا هو الفرق. كانت هناك قراءة حقيقية، تفاعل حقيقي، حتى لو كان الخلاف عنيفاً.

الكتابة بدم بارد

أسلوب أنور الجندي في هذا الكتاب هو ما أذهلني أكثر. هو مؤرخ لا يرفع صوته. يقدم الوثائق، يسرد الحقائق، يضع النصوص المتعارضة أمام بعضها، ثم يتركك. لا يصرخ في وجهك، لا يحاول إقناعك، فقط يقول: هذا ما كان. اقرأ واحكم. هذه الموضوعية المتوحشة هي ما جعل البعض يتهمونه بالانحياز. ففي زمن الاستقطاب، من يحاول أن يكون موضوعياً يصبح عدواً للجميع. اليمين يراه يسارياً، واليسار يراه يمينياً، والمستقلون يرونه منتمياً، لأن الموضوعية الحقيقية مؤلمة. إنها تجردك من أوهامك.

فلسفة المعارك

ما فعله أنور الجندي في هذا الكتاب أنه رفع المعارك الأدبية من حيز السجالات العابرة إلى حيز الفلسفة. كان يبحث عن القوانين التي تحكم الصراع الفكري. كان يسأل: لماذا تنشأ المعارك؟ كيف تتصاعد؟ لماذا تنتهي بعضها بلا نتيجة؟ وكيف تخلق بعضها الآخر تيارات فكرية كاملة؟

قراءة الكتاب اليوم، في زمن نحتفي فيه بالسرديات الصغيرة ونخاف من الأسئلة الكبيرة، تجعلك تشعر بالوحدة. تشعر أنك من عصر آخر. لأن الكتاب يتحدث عن قضايا كبرى: الهوية، الأصالة، المعاصرة، التبعية، الاستقلال الفكري. يتحدث وكأن هذه القضايا لا تزال حية، بينما نحن نعيش في زمن تصفية الإرث الفكري.

ماذا يبقى من المعارك؟

معظم الأسماء التي ملأت الدنيا وصخبت في تلك المعارك، رحلت . العقاد، المازني، طه حسين، الرافعي، العقاد مرة أخرى. الجميع رحل. وبقيت كتبهم. وبقيت معاركهم المسجلة على ورق يتحول إلى اللون الأصفر. وبقيت أسئلتهم بلا إجابات. هذا هو الدرس الأعمق في الكتاب؛ مهما علا صوتك في المعركة، سيأتي يوم يسكت فيه الجميع، ولن يبقى إلا ما كتبت. لهذا كان أنور الجندي حريصاً على التوثيق، على تسجيل الشهود، على حفظ الوثيقة. كان يعرف أن الغبار سيستقر، وأن أحداً لن يتذكر من قال "أنت كافر" ومن قال "بل أنت"، لكن الجميع سيتذكر ما قيل في جوهر الفكرة.

الآن، وأنا أقلب الصفحات الأصلية، أتأمل حبر الطباعة القديم، أتساءل: هل كانت خمس سنوات من البحث مبالغاً فيها؟ بالتأكيد لا. هناك كتب تقرؤها فتستفيد منها، وهناك كتب تقرؤها فتفهم نفسك من خلالها. وهناك كتب، مثل هذا الكتاب، تقرؤها فتفهم عالمك كله.

أنور الجندي لم يكتب ليقرأ في زمنه فقط. كتب ليقول لكل من يأتي، انظر، هكذا كنا. هذه معاركنا. هذه أحلامنا. هذه هزائمنا. هل أنتم أفضل منا؟ هل تعلمتم من أخطائنا؟ هل تجاوزتم صغائرنا إلى كبائر الفكر؟ في الليلة التي أكملت فيها قراءة النسخة الأصلية، بقيت طويلاً أحدق في الغلاف. شعرت أن الكتاب ينظر إلي. شعرت أن خمس سنوات من البحث لم تكن بحثي أنا فقط، ربما كان الكتاب هو من يبحث عني. كان يريد أن يأتي إلى هذا الزمن ليقول شيئاً لم يقله في زمنه.

الكتب مثل البشر، تختار زمانها. بعض الكتب تولد قبل أوانها، فتموت في صمت. وبعضها يتأخر، فيأتي وقد انتهى العصر الذي كانت ستفيد فيه. لكن هذا الكتاب جاء في وقته. يحتاجه هذا الجيل أكثر من أي جيل مضى. يحتاج أن يعرف أن المعارك الحقيقية ليست على الكراسي والمناصب، بل على الرؤية والفكرة.

حوار مع رفيق الدرب

ياسر خطاب، صديقي الذي دلني على الطريق، لا أعرف إن كنت تقرأ هذه السطور الآن، لكني أدين لك بهذا الاكتشاف. أنت من قلت لي إن هناك كتباً تغير حياتك، وإن البحث عن الكتاب الأصلي ليس ترفاً بل ضرورة. كنت محقاً. النسخة الأصلية من (المعارك الأدبية) موجودة الآن على مكتبي. أحياناً أفتحها فقط لأشم رائحة الورق القديم، لأتأكد أن الحلم حقيقي. لم أعد أقرؤها فقط، أصبحت أسكن فيها. وكلما زادت ضوضاء العالم من حولي، ألتجئ إليها لأتذكر أن هناك ما هو أهم.. الفكرة التي تستحق أن تقاتل من أجلها.

أنور الجندي رحل، وياسر خطاب هناك في الكويت، وأنا هنا مع الكتاب. لكن المعارك لا تزال مستمرة، بنفس الشراسة، وبنفس التفاهة أحياناً. الفرق الوحيد أن أحداً لم يعد يوثقها بهذا الصبر، وبهذا الحب، وبهذا الألم.

ربما هذا هو الدرس الأخير، مهما تكن معركتك، دَونها. سجلها. وثقها. فغداً سيأتي من يبحث عنها في المخطوطات والنسخ المصورة، وسيدعو لك حين يجدها، كما أدعو الآن لمن كتب هذا السفر العظيم.

***

عبد السلام فاروق

في المثقف اليوم