أقلام حرة
نورا حنفي: "طفاسة" مشروعة!
منذ زمن طويل وأنا أتمرد من أجل ما أريد.. وما أُحب.. لم أهتم بأي عقبات في طريقي لتلك الرغبات، فأي ضريبة هينة أمام الخسارة وقتها، كل ما كان يهمني أن أصل إليها بأي ثمن، ولو كانت رغبات لا قيمة لها.
ولكن.. أدركت اليوم أنه ليس بالضرورة أن يناسبني كل ما أطلبه وأحارب له، وربما "الطفاسة" هي من علمتني الدرس هذه المرة.
أتذكر أنني كنت طفلة تعشق الحلويات بكل أنواعها، وكم نسيت نفسي أمام قالب تورتة أو بولة آيس كريم! حتى كبرت، فأصبحت دستة الجاتوة سر من أسرار سعادتي، ومن يود الاقتراب مني عليه أن يهاديني بأحب أصناف السكريات إلى قلبي، ولا عزاء للورد والذي منه.
سكر.. حلوة الدنيا سكر...
هكذا هو شعاري حتى وقت قريب.. فلم تعد أمعائي تحتمل هذا الكم من السكريات، من بعد ربع قرن قضيته بأكمله بين البونبون والشيكولاتات وطواجن أم علي.. ويحق لها أن تعترض بعدما استهلكت صبرها وثباتها أمام كل ما لذ وطاب.
صرخت معدتي أخيرًا: "كفى.. لقد طفح الكيل!" ولكن الأمر اختلف الآن، وذلك بفضل حقيقة أعادتني إلى صوابي من جديد، قبل أن أضطر لحجز موعد مع دكتور جهاز هضمي يُصلح ما أفسدته بنفسي!
الخميس – 19 فبراير 2026 أول أيام الشهر الكريم.. يوم الحدث الملهم. ورغم تكرار المشهد بكل تفاصيله، إلا أن تمردي كان يغلبني كل رمضان.
"عايزة كنافة بالمانجا.."
كلمات تبدو عادية لكم، ولكنها تُمثل أزمة جديدة في البيت! تبدأ حينها الحيرة الكبرى، بين الرفض خوفًا على نورا من انغماسها في طبق الكنافة حتى أذان الفجر، وبين الشفقة عليها من رفض طلبها البسيط.
في بيتنا مشكلة!
فكرت كثيرًا في حل القضية، فإما أن أحارب، أو أتنازل.. أحارب صوت العقل وأتمسك برغبتي في افتراس طبق كنافة بلمسات رمضانية، أو أتنازل عنه وتمر الليلة بطبق سلطة والسلام. ولكن التنازل هُنا صعب، بل هو مستحيل، فإن الدسامة بطعم المانجا هي انتعاشة أنتظرها من السنة للسنة، والحقيقة أن أجواء رمضان تُزيد من حلاوتها أكثر. فكيف أخضع للعقل وكل عوامل "الطفاسة" متوفرة؟!
ولمَ أتنازل عن تمردي اليوم بالذات؟!
"خلاص، انتِ حرة.."
كلمات سمعتها بعد خناقة معتادة، ولكنها من وجهة نظري خناقة مسكرة، مرارة تحمل معها الشهد كله، فلا مانع أن أتحمل الغضب وكلمات التهديد من مخاطر اندفاعي وراء متعة.. مؤلمة!
وبعد ساعة من الإلحاح والأحداث المتصاعدة، كنت قد أنهيت السهرة أمام حلقة من مسلسل درامي اعتصرت له القلوب من حولي، بينما قلبي أنا يتراقص فرحًا مع طبقي المفضل، لم يشغلني سوى طعم السكر الذي يتسرب إلى روحي برشاقة ونعومة وكوليسترول!
البال رايق والجو هادي ورمضان جانا و... بطني!!
هذه الطعنات أعرفها جيدًا!. نفس السيناريو ونفس السبب والنتيجة. لقد تغافلت عن ساعة الألم من أجل لحظة النشوة، وبصراحة، لم أستطع الشكوى ولم أجرؤ على طلب أي مشروب دافئ يُلطف لهيب الوجع، فأنا من تمسكت بما يضرني وحسبته سعادتي الأبدية!
"اشربي بقى!".. هكذا قال لسان حالي.
مرت الليلة بسحور خفيف جدًا، لكي لا تتفاقم أوجاعي غير المهضومة ومعها الندم، ومع كل وخزة في أمعائي، كان عقلي ينتفض متسائلًا: هل فهمت الدرس الآن؟
كانت الكنافة سبب بسيط، مجرد سبب لفهم معنى كبير ومصيري في حياتي.. يا إنسان، أنت في هذا العالم ستُحب ما يضرك! ستقودك الرغبة في محبة أحدهم إلى ألمك، ستضيع في سبيل إرضاء قلبه، ستتخبط وتضل الطريق وأنت تعلم تمامًا أنه ليس طريقك، لتجد نفسك تدخل معركة أطرافها المنطق والوهم.
المؤسف أنك أول ضحية تسقط منهم، وحينها سينفض الكل من حولك وتواجه أنت اختيارك.. وحدك! لن يحق لك أن تطلب النجاة وأنت تغرق في أعماق المحيط، فأنت من طلبت الغرق منذ لحظة البداية، فكيف تنتظر مركب الإنقاذ وأنت الغريق بالقرار والتنفيذ؟!
ذلك الطبق المثير للحواس قد منحني السعادة للحظات، أبعدني عن مرارة عالمنا بمذاقه اللذيذ، وعلمني درسًا لن أنساه حتى أنفاسي الأخيرة.. ليس كل ما نشتهيه يُسعدنا، وليس كل نريده ينفعنا، أليس كذلك؟
الحقيقة أن أكثر ما نرغب به هو أشواك تغطيها ألوان الربيع، فالأمر يكمن في إدراكنا لأبعاد الرغبة، وأن ننظر إليها نظرة صادقة..
هل ستجدي نفعًا؟
هل ستأخذنا إلى مكان نستحقه؟
وهل سنأمن بها أم أنها ستلقي بنا في بحور الضياع؟
لمثل هذه الحقائق أحببت معنى "الطفاسة" وأثرها الآن على إنسانيتي، حين اندفعت بكامل إرادتي لتلبية رغبة تضغط على روحي، وحين واجهت البشر بالإصرار عليها وما دونها فهو كلام فارغ، وحين تلذذت بها وانتصرت على كل ما عرقل سيري نحوها، وحين دفعت الثمن في النهاية، أنا فحسب!
تغيرت اليوم كثيرًا، ربما لم أكن لأصل إلى هذا التغيير إلا بضريبة الفهم. أعترف بأنني قضيت الليلة أتألم من فرط ما التهمته وأصابني بالتخمة الفكرية قبل سوء الهضم، ولكنها الحكمة التي تظهر من قلب المغامرة، وإن كانت خطرة أو على الأرجح مميتة، نعم مميتة، فإن بعض الطرق اتجاه واحد لا عودة منه.. يا صابت يا خابت!. لقد دفعت الثمن من عمري، فإن عقوبة العمى عن الحقيقة هي الهلاك المحتوم، أن تُغلق عين عقلك عن مشقة الطريق، من أجل أن يذوب السكر في فمك، لتشعر بالنعيم، فهذا لو تعلمون موت بالبطيء!
وعلى الجانب الآخر، حين تعود لترى الواقع، وترى أين أنت بعد المتعة الزائلة، ستصدمك الرؤية بلا شك، فما راهنت عليه هو أول ما يوجه لك طعنة الغدر!
لذلك، انتبهوا، فإن المشهد لا يمر بسلام في كل مرة. نحن في زمن يُعلمنا أن "الطفاسة" هي جرس إنذار.. حتى وإن أذابت الكنافة مرارة واقعنا، فبعض مواسم المانجا ليست لنا.
***
بقلم: نورا حنفي







