أقلام حرة
فاطمة الدفعي: الحجُّ رسالة الأُمَّة المنسية.. بين جلال المشهد وحقيقة التجرّد
في الحجِّ رسالةٌ للأُمّة الإسلامية، لحلفائها وأنصارها، وحتى لأعدائها؛ ففي أيام الحج يجتمع المسلمون في مكة المكرمة بأعدادٍ عظيمة، وتراهم يصطفون في صفوفٍ موحّدةٍ، وبلباسٍ واحد، وبصوتٍ واحد، يلبُّون اللهَ وحدَه.
الرئيسُ فيهم والمرؤوسُ، الملكُ والمملوكُ، الحاكمُ والمحكومُ، الغنيُّ والفقيرُ، السيّدُ والخادمُ، كلُّهم خاضعون لربّهم، بعد أن زالتْ عنهم تلك المناصبُ الكاذبة، والأسماءُ الخادعة؛ وتساووا جميعًا في تواضعٍ وخشوعٍ لرب العالمين. قويُّهم وضعيفُهم، الصحيحُ منهم والعاجزُ فيهم، لا همَّ لهم سوى التّلبية والتهليلِ: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له).
فبماذا تشعرُ أيُّها القارئُ العزيزُ عندما ترى تلك الجموعَ الهائلةَ تطوفُ بالبيت العتيق، وتلبّي للهَ وحده لا شريك له؟! (لبيك اللهم لبيك، لا شريك لك لبيك، إنّ الحمدَ والنعمةَ لك والملك، لا شريك لك)؛ شعورٌ لا يُوصَفُ بالكلام، وإنّما يُعَبَّرُ عنه بذرفِ الدموع خشيةً وإجلالاً، ويعبر عنه خشوعٌ وشوقٌ لخالق السماوات والأرض يفيض من الروح فيضًا؛ أمام هذا المشهد العظيم تعلم أنّك آتيه فرداً، وأنك سوف تقف بين يديه عارياً عن الدنيا وزينتِها إلا ما ادّخرتَه لآخرتِك فيها.
ولِتَفهمَ أنّ الإسلامَ دين التواضع والخضوع لخالق هذا الكون ومدبره، وهو كذلك دين القوة والعزة لكل من دخل فيه ودخل الإيمان قلبه؛ لِتَفخرْ بدينك، وتلحقْ بالرَّكبِ الذي سبقك، فلا تخضعْ ولا تلَينْ أمام إغراءات الشياطين، أو أمام خصمِك اللّعين. فما دمت في جيشِ ربِّ العالمين، فلا غلبةَ لأحدٍ عليك من دونه، وهو ينصرك ما دمت ثابتًا على الحق متمسكًا بدينك. فاثبت على ثغرك لأنّك جزء من هذه الأُمّة؛ أمة محمدٍ صلى الله عليه وسلم، الأمة التي ما زالت الأرضُ بأكملِها تسمع صداها في أشهر الحجّ وأيامه.
وفي الحج رسالة لذلك الذي تخاذلَ عن نصرة الدّين، وظنّ أنّه قد فاز وانتصر لملذاته الدنيئة، وظنَّ أنه قد أحدث فرقاً بخُذلانه وخنوعه؛ فليَرَ كم هم المسلمون في عرفة؟ وكم منهم ذو شأنٍ عظيمٍ قد خلع ثوب المراتب والمفاخر تواضعاً وخشوعاً لمن هو عبدٌ عنده، واستعداداً لتلبية الله وحده! لِيَرَ الخائن أنه ليس شيئاً أمام تلك الجموع، وأنّ المسلمين في غنىً عنه؛ هو لم يفرّقْ بين تلك الصفوف بخيانته، ولم يحدُثْ فراغٌ بينها أو فجوة أبدًا، لكنه هو الوحيدُ الذي خسر بعد أن دلاّه الشيطان بغرور.
ولِيعلمَ أعداءُ الإسلامِ أنَّ المسلمين أكثرَ ممّا يظنّون، وأنهم يزيدون كل عامٍ ولا ينقصون مهما كادوهم أو مكروا بهم؛ باقون ما بقي الخير في الأرض، والإسلام باقٍ ما بقي الحق والصدق في الناس، وما بقيت الأخلاق المحمدية فيهم. لِيَرَ الحاقدون على الدين في الحج عبادَ اللهِ الذين أتَوه طوعاً وخضوعاً، حين حان وقتُ الحجّ فوفدت الوفودُ وانقادتْ لله في كلِّ أمرٍ ونسكٍ وشعيرةٍ من الشعائر العظيمة.
هناك أُمّةٌ بأكملِها بصوتٍ واحدٍ، وزيٍّ واحد، يحجُّون لله الواحدِ الأحد، وهم على استعدادٍ تام للتضحية بأرواحهم في سبيل دينهم ولحماية شعائرهم، فماذا بعد أن أصبحوا متجرّدين عن الحياةِ الدنيا، ولبسوا ثوبَ الموت، واتّجهوا لله وحدَه؟!
لكنّ السؤالَ الذي يبقى يدوي في الأذهانِ دونَ توقُّفٍ: هلِ الأمّةُ تُدركُ عظمةَ هذه الرسالة؟؟ أم أنها غافلةٌ عن مصدر قوَّتِها وعن عظمتها أمام عدوّها؟!
جوهر النسك والمعنى الروحاني لا الشكلي
إنّ الحكمة من مناسك الحج جلية لمن تفكر وتدبر؛ فهي ليست في العدد ولا اللباس أو الطواف الفجّ، بل هي تتجلى في صدق الإيمان؛ هي في اختبار من سيقولون سمعنا وأطعنا، ومن سيجادل في الدين ويتساءل عما وراء الأحكام.
أنت في الحج تسافر إلى الله عز وجل، وهو سبحانه الذي لا يتركك قط حتى في نومك؛ تسافر من بيتك إلى بيت حافظك ورازقك وخالقك العظيم لتعلم كم أنه قريب منك، وكم أنك بعيد عنه. أنت تحتاج إلى شد الرحال وعقد النية لتذهب إليه، يجب أن تهاجر دنياك تاركاً أهلك ومالك وذاهباً لربك، فلا مال ولا بنون؛ لأن كل ما يريده منك أن تأتيه بقلب سليم لا شك عنده في رب العالمين، ولا فيما فرضه عليك في الدين.. لا تفكير ولا تردد، فقط تسليم وتدبر.
ولأنك ستقابل خالقك العظيم فيجب أن تلبس لباسًا يليق بعبد من عباده، ولا يوجد لباس مناسب لتقابل به من خلقك فسواك غير جسدك العاري عن كل زينة، ولفة بيضاء تواري بها سوأتك تأدبًا وحياءً؛ فإن كنت تذكر، فأنت عندما أتيت إلى الدنيا لفوك بلفافة بيضاء، وحتى حين تخرج منها سوف يلفونك بالأبيض أيضًا، لذلك فأنت بين يديه تكون كما خلقك أول مرة.
تطوف حول بيته بجسدك، وقلبك في سمائه يطوف، وروحك ترتقي وتصعد في السماوات العلى بعد أن تركت الدنيا وما فيها؛ ومع هيبة المكان هيبة المشهد.. الناس بالآلاف من كل بقاع الأرض يهللون بصوت مرتفع شهادة وإقراراً منهم على خالص الإيمان، فيخشع قلبك بعد أن خضعت كل الأصوات للرحمن سبحانه، وترتجف روحك وتتدثر بالإيمان.
وعند لمسك للحجر الأسود فأنت تدرك أن ذلك من باب الاتّباع، ومن حبك للنبي صلى الله عليه وسلم، حتى لو كان تقبيل حجرٍ لا ينفع ولا يضر إلا بإذن الله. وحتى عند رمي الجمرات، عندما ترمي الشيطان فأنت تتبرأ من عدوك وعو الرحمن. فأنت تدرك أن العبادة والمناسك كلها ليست في الشكل أو المظهر، بل تتعمق في المعاني الروحية المتجذرة بالإيمان في القلب والكيان.
فالحج رسالة لك تخبرك أن العمل التعبدي ومناسك الحج كلها أعمال جوارح يقودها تصديق القلب وإيمانه الخالص وطاعته لربه؛ رسالة لأمم بأكملها أن لنا ولهم يوماً يجمعهم فيه ربنا وربهم، ويحشرهم جميعاً ويبعثهم حتى وقد أصبحوا تراباً وعظاماً نخرة؛ المسلمون يوقنون بذلك ويأتونه طوعاً، أما الجاحدون فسيأتونه وهم صاغرون ذليلون.
***
بقلم الحرية: فاطمة محمد الدفعي







