أقلام حرة
أكرم عثمان: رمضان.. حين تتحول العبادة إلى مشروع نهضة ذاتية
في خضم تسارع الحياة وتراكم الضغوط، يبقى الإنسان في حاجة ماسة إلى محطة مراجعة، يعيد فيها ترتيب أولوياته، ويصحح مساره، ويسترد بوصلته الداخلية. ومن بين مواسم العام كله، يطل علينا رمضان بوصفه أعظم فرصة للتغيير الحقيقي؛ لا تغيير الشعارات، بل تغيير الجذور.
إن تطوير النفس ليس ترفاً فكرياً ولا خياراً مؤجلاً، بل هو ضرورة وجودية لرفعة الإنسان وزيادة فاعليته وإنتاجيته. والتغيير في جوهره عملية ديناميكية مستمرة، تنتقل بالفرد من حال إلى حال، ومن مستوى إلى مستوى أرقى. غير أن هذا التغيير يحتاج إلى بيئة روحية تغذيه، وإلى مناخ إيماني يحتضنه… وهنا تتجلى عظمة رمضان.
رمضان ليس مجرد امتناع عن الطعام والشراب، بل هو “تجارة رابحة” مع الله عز وجل؛ تجارة تتضاعف أرباحها إلى سبعمائة ضعف، تجارة لا تبور ولا تخسر، ولا يندم عليها من عقدها بإخلاص. أي صفقة دنيوية، مهما عظمت مكاسبها، لا يمكن أن تضاهي صفقة مع الخالق، حيث العطاء مضاعف، والأجر محفوظ، والربح مضمون.
لقد فهم الصالحون رمضان على أنه موسم “انقلاب داخلي شامل”: انقلاب على تقصير النفس، وهفوات العقل، ونزوات الجسد، وكبوات العمل. إنه شهر يعيد تشكيل الإنسان من الداخل؛ يحرره من أسر العادة، ويكسر قيود الشهوة، ويعيد إليه سيادته على رغباته بعد أن كانت هي المتحكمة فيه. وكما قيل: الصائم حر والمفطر عبد؛ لأن الصائم يستيقظ كل يوم وهو يمارس حريته في أسمى صورها: حرية الإرادة وضبط الذات.
وفي الحديث الشريف" إذا كان أولُ ليلةٍ من شهرِ رمضانَ صُفِّدَتِ الشياطينُ ومَرَدةُ الجنِّ، وغُلِّقتْ أبوابُ النارِ فلم يُفتحْ منها بابٌ، وفُتِّحَتْ أبوابُ الجنةِ فلم يُغلقْ منها بابٌ، ويُنادي منادٍ كلَّ ليلةٍ : يا باغيَ الخيرِ أقبلْ، ويا باغيَ الشرِّ أقْصرْ، وللهِ عتقاءُ من النارِ، وذلك كلَّ ليلةٍ. رواه الترمذي وابن ماجة
إنه نداء مفتوح للتغيير، دعوة ربانية للانطلاق، فرصة لا تتكرر إلا مرة في العام، فمن لبى نداء الخير ارتقى، ومن تردد بقي أسير أمنيات بلا أفعال.
رمضان شهر السمو الروحي وتطهير النفس من شوائبها. في أيامه يتعلم الإنسان مهارات حياتية عميقة: الصبر، الإرادة، ضبط الانفعال، التواصل، التراحم، الشعور بالآخرين، العطاء دون انتظار مقابل. هو مدرسة متكاملة في تنمية الذات، حيث يرتقي الخلق، وتصفو العلاقات، وتتوحد القلوب تحت عبادة واحدة وشعور واحد.
إنّ التغيير في رمضان لا يكون بالأماني، بل بالمبادرة الداخلية والعزيمة الصادقة. فلا يكفي أن نتمنى أن نكون أفضل، بل لا بد من قرار واع، وتجريد للنفس من أعذارها، ومحاسبة دقيقة لمزالقها. مصداقاً لقوله تعالى: ﴿إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم﴾.الرعد: 11، فالتغيير يبدأ من الداخل، من الفكرة قبل السلوك، ومن النية قبل الفعل.
رمضان يعلمنا أن الحرية الحقيقية ليست في الانفلات، بل في الانضباط؛ وأن الكرامة ليست في كثرة الامتلاك، بل في قوة الإرادة؛ وأن العزة ليست في السيطرة على الآخرين، بل في السيطرة على النفس. إنه شهر يبني الإنسان القوي، الحر، الكريم، صاحب الهمة العالية.
ولذلك كان الحديث عن “رمضان شهر التغيير الشخصي” ضرورة فكرية وتربوية، لأن الصيام ليس عبادة موسمية فحسب، بل مشروع إصلاحي متكامل يمسّ جوانب الحياة كافة: الاستعداد والتهيئة، البرمجة الذاتية، الصحة النفسية والجسدية، إدارة الوقت، الصبر والإرادة، ضبط الغضب، التربية الأسرية، التكافل الاجتماعي، وحتى الوعي الاقتصادي.
إنها منظومة تغيير شاملة، تعيد صياغة الفرد، ومن ثم تسهم في نهضة الجماعة والمجتمع. فالمجتمعات لا تتغير بقرارات فوقية، بل بقلوب تغيرت، ونفوس تزكت، وإرادات تحررت.
وفي الختام، يبقى السؤال مع كل رمضان: هل سنخرج منه كما دخلنا؟ أم سنخرج بنفوس أقوى، وقلوبٍ أنقى، وهممٍ أعلى؟
رمضان فرصة إلهية متجددة، ومن أحسن استثمارها ربح الدنيا والآخرة، ومن أضاعها خسر موسماً قد لا يتكرر. فلنشمر عن سواعد العزم، ولنقبل على هذا الشهر بوعيٍ جديد، لنجعل من العبادة مشروع نهضة، ومن الصيام طريق حرية، ومن رمضان نقطة تحول حقيقية في مسار حياتنا.
***
د. أكرم عثمان
21-2-2026






