عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

تجديد وتنوير

هناك حقيقة واحدة لا يستطيع الإنسان أن يفر منها مهما امتلك من معرفة أو سلطة أو مال أو أحلام: أنه كائن ماض نحو النهاية.

ومن المفارقات العميقة أن الإنسان هو الكائن الذي لا يكتفي بأن يعيش، بل يعيش وهو يعرف أنه سيموت. وربما كان هذا الوعي بالموت أحد أثقل أعباء الوجود الإنساني، لكنه في الوقت نفسه قد يكون أحد أعظم مصادر المعنى فيه.

نحن الكائن الوحيد الذي لا يعيش حياته فحسب، وإنما يعيش وهو يعرف أنه يعيش نحو النهاية. وهذه المعرفة، على قسوتها، هي واحدة من أعظم امتيازات الوعي الإنساني وأكثرها إيلاما في الوقت نفسه.

فالإنسان لا يخاف الموت لأنه مجهول فحسب، بل لأنه يكشف له فجأة هشاشة كل ما ظنه ثابتا: الجسد الذي وثق به، والأحلام التي أجلها، والمواعيد التي افترض أنها ستأتي، والأشياء التي قال لنفسه إنه سيعيش من أجلها ذات يوم.

الموت لا يهدد وجودنا فقط، وإنما يهدد أوهامنا أيضا؛ وهم الاستمرار، ووهم التأجيل، ووهم أن أمامنا دائما وقتا آخر يمكن أن نبدأ فيه الحياة التي نريدها.

ولهذا لم يكن غريبا أن يصبح الموت واحدا من أقدم الأسئلة الفلسفية وأكثرها إلحاحا. فالفلسفة، في أحد وجوهها العميقة، ليست سوى محاولة الإنسان أن يفهم ماذا يعني أن يكون موجودا، وهو يعلم أن وجوده مؤقت.

لقد أدرك مارتن هايدجر أن الإنسان لا يستطيع أن يبلغ ذاته الأصيلة ما لم يواجه حقيقة موته. فالموت عنده ليس مجرد حادث يقع في نهاية الحياة، وليس واقعة بيولوجية تخص الجسد وحده، وإنما هو إمكانية وجودية ملازمة للإنسان منذ لحظة وجوده. نحن لا نمضي ببساطة نحو الموت؛ نحن كائنات وجودها نفسه يحمل إمكانية الفناء.

ومن هنا يصبح الوعي بالموت تجربة كاشفة. إنه ينتزع الإنسان من ضجيج الحياة اليومية، من تلك الحالة التي يذوب فيها الفرد في الجماعة، ويعيش كما "يعيش الناس"، ويفكر كما "يفكر الناس"، ويرغب فيما يرغبه الآخرون، ويقيس نجاحه بمقاييس لم يخترها بنفسه.

الموت يقول للإنسان، في صمت قاس: هذه حياتك أنت، ولن يعيشها أحد نيابة عنك، ولن يموت أحد موتك بدلا منك.

وهنا تحديدا تكمن فردانية الموت.

إن إدراك حتمية الموت لا يجعل الإنسان أكثر خوفا بالضرورة، بل قد يجعله أكثر تحررا. حين يدرك أن الزمن محدود، يصبح السؤال الحقيقي ليس: كم سنة سأعيش؟ وإنما: ماذا سأفعل بالسنوات التي أملكها؟

وهذا التحول من سؤال الكم إلى سؤال المعنى هو أحد أهم التحولات التي يمكن أن يحدثها الوعي بالموت في النفس الإنسانية.

فالإنسان الذي يظن أن أمامه زمنا لا نهائيا يستطيع أن يؤجل كل شيء: الحب، والاعتذار، والمشروع، والقراءة، والسفر، والكتابة، وحتى أن يصبح نفسه. أما الإنسان الذي يستيقظ على محدودية الزمن، فإنه يبدأ في إعادة ترتيب الأشياء. فجأة تصبح بعض المعارك صغيرة، وبعض الخصومات سخيفة، وبعض المخاوف بلا قيمة، وبعض الأشخاص أقل أهمية مما كان يتصور، بينما تصبح لحظة صادقة مع من نحب أكثر قيمة من سنوات كاملة قضيناها في مطاردة ما لا يستحق.

لهذا يقول ستيف جوبز:

«فكرة أنني سأموت قريبا هي أهم أداة واجهتها على الإطلاق لمساعدتي على اتخاذ الخيارات الكبيرة في الحياة.»

إنها عبارة تختصر فلسفة كاملة.

فالموت هنا ليس نقيضا للحياة، بل معيارا لها. إنه الميزان الذي نضع عليه اختياراتنا فنكتشف فجأة ما يستحق وما لا يستحق.

حين تعرف أنك لن تعيش إلى الأبد، تسأل نفسك : هل أريد حقا أن أقضي سنواتي المحدودة في إرضاء الآخرين؟ هل أريد أن أعيش حياة صممها المجتمع لي؟

هل أريد أن أظل أسيرا للخوف؟

 هل أريد أن أستهلك وجودي في صراعات لا معنى لها؟ هل أريد أن أؤجل أحلامي إلى مستقبل قد لا يأتي؟

إن الموت لا يمنحنا إجابات جاهزة، لكنه يجبرنا على طرح هذه  الأسئلة

واعتقد ان الإنسان، في جانب كبير من حياته، يحاول أن يهرب من وعيه بفنائه. يبني المشروعات، ويبحث عن الاعتراف، ويطلب الخلود الرمزي، ويتشبث بالسلطة والمال والشهرة والإنجاز، وكأنه يحاول بطريقة أو بأخرى أن يقنع نفسه بأنه قادر على تجاوز حدود وجوده الفردي.

نحن لا نريد فقط أن نعيش؛ نريد أن نترك أثرا يقول إننا كنا هنا.

ومن هذه الزاوية يصبح كثيرا من النشاط الإنساني محاولة رمزية لمقاومة العدم. الكاتب يكتب كي لا يصمت تماما، والفنان يرسم كي يترك شيئا منه بعد غيابه، والعالم يكتشف كي يضيف معرفة تتجاوز عمره، والأم تنظر إلى أبنائها وكأن جزءا منها سيواصل الحياة من خلالهم، والإنسان يبني بيتا ومؤسسة وكتابا وذكرى، وكأنه يكتب رسالة صغيرة في وجه الزمن: لقد مررت من هنا.

لكن المفارقة أن محاولة الهروب من الموت قد تجعلنا ننسى الحياة.

وهنا تكمن المأساة.

قد نقضي أعمارنا كلها في جمع الأشياء التي لن نستطيع أخذها معنا، وفي بناء صورة اجتماعية لا تشبه حقيقتنا، وفي السعي إلى إعجاب أشخاص قد لا يتذكرون أسماءنا بعد سنوات، وفي تأجيل الفرح إلى موعد مجهول، ثم نكتشف متأخرين أننا كنا منشغلين جدا بإعداد الحياة لكي نعيشها.

إن أخطر أشكال إنكار الموت ليس أن نقول: "لن أموت"، فهذا وهم ساذج، وإنما أن نتصرف طوال الوقت كما لو أننا لن نموت.

نحن نعرف الحقيقة عقليا، لكننا نعيش ضدها وجوديا.

نعرف أن الوقت ينقص، ومع ذلك نتصرف كأنه فائض. نعرف أن الذين نحبهم راحلون، ومع ذلك نؤجل الكلمات الجميلة. نعرف أن أعمارنا محدودة، ومع ذلك نهدرها في أشياء لا تستحق. نعرف أن النهاية مؤكدة، ومع ذلك نعيش وكأن التأجيل حق مكتسب.

وهنا يأتي شوبنهاور ليضع يده على الجرح الفلسفي القديم حين يرى أن معرفة الموت والتفكير في الألم وبؤس الحياة من أقوى الدوافع إلى التفلسف والتفكير في الوجود.

فالفلسفة تبدأ، في كثير من الأحيان، عندما تتوقف الأشياء عن كونها بديهية.

حين نكون منشغلين بالحياة اليومية، نعيش ببساطة. نذهب، ونعود، ونأكل، ونعمل، ونحب، ونكره، ونخطط للغد. لكن لحظة واحدة من التأمل في الموت تستطيع أن تشق هذا الاعتياد كله، وأن تجعل السؤال يخرج من قلب الصمت:

لماذا أنا هنا؟

ومن هذا السؤال تبدأ الفلسفة.

ليس لأن الفيلسوف أكثر خوفا من الموت، وإنما لأنه يرفض أن يمر أمام حقيقة الموت دون أن يسأل عن معنى الحياة.

إن الموت هو السؤال الذي لا يستطيع الإنسان إسكاتَه إلى الأبد.

وقد يكون القلق الذي يولده إدراك الموت مؤلما، لكنه ليس بالضرورة مرضا ينبغي التخلص منه. ثمة قلق يكشف، وثمة قلق يوقظ، وثمة قلق ينتشل الإنسان من نومه الوجودي.

قد يولد الإنسان في أسرة لم يخترها، وفي مجتمع لم يختر قوانينه، وفي زمن لم يختر شروطه، وقد يرث كثيرا من الأفكار والقيم والتصورات قبل أن يمتلك القدرة على نقدها. لكنه يظل قادرا على أن يسأل: هل أريد أن أكون هذا الشخص؟

وهنا يصبح الموت حليفا للحرية.

فحين أعرف أن الزمن الذي أملكه محدود، يصبح من العبث أن أعيش عمرا كاملا في سجن الخوف من أحكام الآخرين.

كم من إنسان عاش حياته وهو يخشى أن يقول ما يؤمن به، أو أن يحب من يحب، أو أن يختار طريقا مختلفا، أو أن يبدأ مشروعا يحلم به، أو أن يخرج من علاقة تستنزفه، أو أن يرفض حياة لا تشبهه، لأنه كان يخشى كلام الناس!

ثم يأتي الموت في النهاية ليكشف المفارقة المريرة:

لقد خسر حياته خوفا من رأي أشخاص سيموتون هم أيضا.

وهذه ربما واحدة من أكثر المفارقات قسوة في الوجود.

إن الموت يسقط الأقنعة.

أمام الموت لا يعود للرتب الاجتماعية ذلك البريق الذي كنا نتصوره، ولا للثروة معناها المطلق، ولا للخصومات وزنها، ولا للمظاهر سلطتها. يصبح الإنسان عاريا أمام السؤال الأساسي: ماذا فعلت بوجودك؟

ولهذا فإن التفكير في الموت لا ينبغي أن يقود بالضرورة إلى التشاؤم، بل يمكن أن يقود إلى نوع أكثر نضجا من محبة الحياة.

فمن يعرف أن الوردة ستذبل لا يحتقر جمالها؛ بل ربما يراها أكثر جمالا لأنها مؤقتة.

ومن يعرف أن الغروب لن يتكرر بالطريقة نفسها، ينظر إليه بعين مختلفة.

ومن يعرف أن الأشخاص الذين يحبهم لن يكونوا معه إلى الأبد، يصبح حضوره معهم أكثر امتلاء.

إن محدودية الأشياء ليست دائما سببا لاحتقارها؛ أحيانا هي التي تمنحها قيمتها.

لو كانت الحياة أبدية، ربما فقدت اللحظة معناها. ولو كان الوقت لا ينفد، لما كان للاختيار ذلك الثقل الأخلاقي. إن قيمة اللحظة تنبع جزئيا من أنها لا تعود.

الحياة ثمينة لأنها قابلة للفقد.

والحب عظيم لأنه معرض للغياب.

واللقاء جميل لأنه قد يكون الأخير.

والوقت ثمين لأنه لا يمكن تخزينه.

ومن هنا فإن الوعي بالموت يمكن أن يعيد للإنسان حاسة الدهشة التي تقتلها العادة.

أن تستيقظ صباحا وأنت تعرف أنك ما زلت هنا.

أن ترى وجه أم أو أب أو صديق أو حبيب وتدرك أن هذه الوجوه ليست أبدية.

أن تجلس مع إنسان تحبه دون أن تكون مشغولا بهاتفك، لأنك تعرف أن لحظة كهذه لن تتكرر بالضرورة.

أن تقرأ كتابا لأنك تريد أن تفهم، لا لأنك تريد أن تبدو مثقفا.

أن تكتب لأن لديك شيئا حقيقيا تريد قوله، لا لأنك تريد تصفيقا.

أن تحب دون أن تحول الحب إلى امتلاك.

أن تسامح حين يكون التسامح ممكنا.

أن تعتذر قبل فوات الأوان.

أن تقول أحبك. قبل أن يصبح الصمت هو اللغة الوحيدة المتاحة.

كل ذلك يمكن أن يكون ثمرة للوعي بالموت.

لكن ثمة فارقا جوهريا بين أن نعيش تحت سلطة الموت وأن نعيش بوعي الموت.

الأول يحول الحياة إلى خوف دائم، والثاني يحولها إلى مسؤولية.

الأول يجعل الإنسان يراقب النهاية فيفقد الحاضر، والثاني يجعله أكثر حضورا في اللحظة.

الأول قد يقود إلى العدمية، والثاني يمكن أن يقود إلى المعنى.

ولذلك ليست الحكمة أن نفكر في الموت طوال الوقت، وإنما أن نسمح لحقيقة الموت أن تغير الطريقة التي نعيش بها.

ليس المطلوب أن نمشي في الحياة حاملين جنازتنا على أكتافنا، ولا أن نحول كل لحظة إلى مأتم فلسفي. المطلوب فقط أن نتذكر، وسط هذا الضجيج كله، أن الوقت ليس ملكا لنا بالكامل.

نحن عابرون.

وهذه ليست إهانة للإنسان، بل دعوة إلى أن يجعل عبوره جديرا بأن يعاش.

ربما لا يستطيع الإنسان أن يهزم الموت، لكنه يستطيع أن يهزم الحياة التي لا معنى لها.

وهذا هو الانتصار الأكثر واقعية.

فالخلود الجسدي ليس في متناول الإنسان، لكن ثمة أشكالا أخرى من الخلود: كلمة طيبة، أثر معرفي، موقف إنساني، كتاب، فكرة، حب، إنسان ساعدناه ذات يوم، أو ذاكرة جميلة تركناها في قلب شخص.

ربما لا نستطيع أن نمنع الزمن من محونا، لكن يمكننا أن نترك في الزمن شيئا من أثرنا.

لن اقول

متى سأموت؟

بل:

كيف سأعيش ما تبقى لي قبل أن أموت؟

فالموت لا يمنح الحياة معناها لأنه نهايتها فقط، وإنما لأنه يضع لها حدودا. والحدود ليست دائما سجنا؛ أحيانا هي التي تمنح الشكل للوجود.

مثل لوحة لا يمكن أن تمتد ألوانها إلى ما لا نهاية، ومثل قصيدة لا تستطيع أن تستمر بلا نهاية، ومثل موسيقى لا تصبح موسيقى إلا لأنها تبدأ وتنتهي، كذلك الحياة.

إن نهايتها ليست بالضرورة نقيض معناها؛ ربما كانت، على نحو ما، شرطا من شروط هذا المعنى.

ولعل أعمق ما يمكن أن نتعلمه من الموت هو ألا ننتظر الموت كي نكتشف أننا كنا نعيش.

أن ننتبه قبل فوات الآوان

أن نحب قبل أن يصبح الحب ذكرى.

أن نختار قبل أن تتحول اختياراتنا إلى ندم.

أن نكون أنفسنا قبل أن ينتهي الوقت.

لن نسأل : كيف نهزم الموت؟

بل كيف نعيش بحيث لا يكون الموت هو الدليل الوحيد على أننا كنا أحياء.

وحين يدرك الإنسان أن النهاية مؤكدة، يصبح كل يوم لا تعاش فيه حياته الحقيقية يوما لا يمكن استعادته. عندها فقط يتحول الموت من عدو يقف في آخر الطريق إلى مرآة تقف أمامنا طوال الطريق، وتقول لنا في هدوء: الوقت يمضي... فكن أنت، وعش حياتك قبل أن تصبح حياتك مجرد ماضي

ربما لا نستطيع أن نهزم الموت، لكننا نستطيع أن نهزم الحياة التي لم نعشها كما ينبغي. فالموت، في نهاية الأمر، ليس أكثر من تذكير صامت بأن الوقت يمضي، وأن أجمل ما يمكن أن نفعله قبل أن نغادر، أن نكون قد عشنا حقا.

***

ابتهال عبد الوهاب

 

  يبدو السؤال عن علاقة الدين بالسياسة بسيطًا في ظاهره، لكنه في جوهره من أكثر الأسئلة تعقيدًا في المجتمعات التي يحتل فيها الدين مكانة عميقة في الوعي الفردي والجماعي. فالدين جزء من حياة الإنسان، والسياسة جزء من تنظيم حياته المشتركة، ومن الطبيعي أن تتقاطع القيم الدينية مع القضايا العامة. غير أن هذا التقاطع يطرح سؤالًا جوهريًا: متى يكون حضور رجل الدين في المجال العام تعبيرًا عن مسؤولية أخلاقية، ومتى يتحول إلى ممارسة سياسية تستمد قوتها من المكانة الدينية؟

لا يمكن مطالبة رجل الدين بالصمت حين يتعلق الأمر بالظلم أو الفساد أو الحرب أو انتهاك كرامة الإنسان. الصمت في بعض الظروف موقف له تبعات أخلاقية، والكلمة الدينية تستطيع أن تمنح قضايا العدالة والسلام قوة معنوية يحتاجها المجتمع. ومن الطبيعي أيضًا أن يتحدث رجل الدين إلى السلطة، وأن يطالبها بحماية المواطنين، وأن يدافع عن الفئات التي يمثلها أو يشعر بمسؤولية تجاهها.

المسألة تبدأ عندما تتغير طبيعة التدخل. فهناك فرق بين أن يدعو رجل الدين إلى العدالة، وبين أن يحدد الجهة التي يرى أنها تمثل العدالة سياسيًا. وهناك فرق بين أن يطالب بحماية حقوق جماعته، وبين أن يتدخل في اختيار ممثليها. وهناك فرق بين أن يطرح رؤية أخلاقية حول مستقبل المجتمع، وبين أن يستخدم مكانته الدينية لتوجيه الناس نحو حزب أو قائمة أو شخصية سياسية.

في الحالة الأولى يكون مصدر السلطة هو الفكرة والمبدأ. وفي الحالة الثانية يصبح مصدر التأثير هو المكانة الدينية نفسها. وهذا الفارق مهم لأن السياسة تقوم على الاختلاف. المواطن في المجال السياسي لا يتعامل مع الحقيقة بوصفها عقيدة نهائية، وإنما مع خيارات وبرامج ومصالح ورؤى قابلة للنقاش والمراجعة. أما الدين، في نظر المؤمن، فيرتبط بمساحات من اليقين والإيمان والمقدس. وحين تختلط هاتان المساحتان، يصبح الخلاف السياسي معرضًا لأن يأخذ طابعًا أخلاقيًا أو دينيًا يتجاوز طبيعته السياسية.

قد يصبح الاعتراض على موقف رجل الدين وكأنه اعتراض على الجماعة التي يمثلها، وقد يتحول الاختلاف معه إلى اتهام بعدم الوفاء للهوية أو للقيم. عند هذه النقطة يفقد المجتمع شيئًا أساسيًا من حريته السياسية، لأن المواطن يحتاج إلى أن يستطيع القول: أؤمن بهذه القيم، وأحترم هذا المقام الديني، ومع ذلك أختلف سياسيًا. هذه القدرة على الاختلاف هي واحدة من أهم علامات النضج الثقافي والسياسي.

وتظهر الإشكالية بصورة أوضح عندما تدخل الهوية في المعادلة. فالهوية الدينية أو القومية تمنح الإنسان شعورًا بالانتماء والاستمرارية، لكنها تصبح مصدرًا للتوتر حين تتحول إلى أداة لتحديد من هو الأصيل ومن هو المختلف، ومن يحق له الكلام باسم الجماعة ومن ينبغي أن يصمت.

حين يصبح رجل الدين طرفًا في تعريف الهوية، يصبح تأثيره أعمق من مجرد التعبير عن رأي. فهو يمتلك سلطة رمزية تستطيع أن تجعل تعريفًا معينًا للهوية أكثر شرعية من تعريف آخر. وإذا ارتبط هذا التعريف بالمنافسة السياسية، تتحول مسألة الهوية من سؤال ثقافي وتاريخي إلى وسيلة من وسائل الصراع على النفوذ والتمثيل.

هنا تظهر الحاجة إلى الفصل بين ثلاثة أمور: الإيمان، والهوية، والسياسة.

الإيمان يتعلق بعلاقة الإنسان بعقيدته وضميره. والهوية تتعلق بالطريقة التي يفهم بها الإنسان ذاته وانتماءه وتاريخه. أما السياسة فتتعلق بإدارة الشأن العام وتوزيع السلطة واتخاذ القرارات.

قد تتقاطع هذه المجالات، لكنها لا تتطابق. وحين نخلط بينها، يصبح من السهل تحويل الاختلاف السياسي إلى خلاف في الهوية، وتحويل الخلاف في الهوية إلى خلاف ديني، ثم تحويل الخلاف الديني إلى خصومة اجتماعية.

الدور الديني في المجال العام يصبح أكثر قوة حين يحتفظ بقدر من الاستقلال عن هذه الدائرة.

فحين يطالب رجل الدين بالعدالة، يستطيع أن يخاطب الجميع. وحين يدافع عن كرامة الإنسان، يستطيع أن يتجاوز الانتماءات. وحين يرفض الفساد، تصبح كلمته ذات قيمة لأنها لا تتغير بتغير الحلفاء. أما حين ترتبط مواقفه السياسية بأشخاص محددين أو أحزاب محددة أو مواقع نفوذ محددة، يصبح من حق المجتمع أن يسأل عن الحدود بين المبدأ والمصلحة.

وهذا السؤال لا يحمل اتهامًا في ذاته. إنه جزء من حق المجتمع في مساءلة كل سلطة مؤثرة، سواء كانت دينية أو سياسية أو اقتصادية أو ثقافية.

فالسلطة، أيًا كان مصدرها، تحتاج إلى حدود. والسلطة الدينية تحتاج إلى حدود ربما أكثر من غيرها، لأن تأثيرها لا يقوم على القوة المادية وحدها، وإنما على الثقة والرمزية والإيمان. ولهذا فإن استخدامها في المنافسة السياسية يمكن أن يمنح طرفًا سياسيًا قدرة لا يمتلكها خصومه، خصوصًا عندما يكون المواطنون مرتبطين عاطفيًا ورمزيًا بالمؤسسة الدينية.

من هنا يمكن النظر إلى العلاقة بين الدين والسياسة من زاوية مختلفة. القضية ليست في إبعاد الدين عن الحياة العامة، وإنما في حماية المجال العام من احتكار أي سلطة له. الدين يستطيع أن يقدم رؤية أخلاقية للمجتمع، والسياسة تستطيع أن تستفيد من القيم الأخلاقية، لكن القرار السياسي ينبغي أن يبقى مفتوحًا للنقاش العام وللاختيار الحر.

ولذلك فإن رجل الدين الذي يتحدث في السياسة يحتاج إلى سؤال نفسه باستمرار: هل أنا أتكلم من موقع الضمير، أم من موقع النفوذ؟ هل أدافع عن مبدأ، أم عن طرف؟ هل أطالب بحق عام، أم بحق جماعتي وحدها؟ هل أقبل أن يختلف معي أبناء الجماعة التي أتحدث باسمها؟ وهل أستطيع أن أقول الشيء نفسه عندما يتغير الشخص أو الحزب أو التحالف الذي أقف أمامه؟

هذه الأسئلة أهم من أي تعريف نظري لدور رجل الدين.

فالحياد لا يعني غياب الموقف، كما أن الموقف لا يعني الاصطفاف. يستطيع رجل الدين أن يكون منحازًا إلى العدالة من دون أن يكون منحازًا إلى حزب، وأن يكون مدافعًا عن الفقراء من دون أن يصبح تابعًا لتيار سياسي، وأن يدافع عن جماعته من دون أن يحول حقوقها إلى امتياز سياسي.

الخط الفاصل يبدأ بالظهور عندما يصبح الانتماء السياسي امتدادًا للانتماء الديني، أو عندما تصبح طاعة رجل الدين معيارًا للانتماء إلى الجماعة، أو عندما تتحول المؤسسة الدينية إلى قناة لتوزيع النفوذ السياسي.

عندها لا تعود القضية مجرد حضور للدين في السياسة، وإنما تصبح سياسة تستخدم الشرعية الدينية.

وهذا التحول له أثر يتجاوز السياسة نفسها. فهو يؤثر في الثقافة العامة، وفي قدرة المجتمع على الاختلاف، وفي مفهوم المواطنة، وفي العلاقة بين الفرد والجماعة. فإذا اعتاد الناس أن يستمدوا خياراتهم السياسية من مرجعيات لا تقبل المراجعة، تضعف تدريجيًا قدرتهم على اتخاذ القرار السياسي بوصفهم مواطنين مستقلين. وإذا اعتادوا في المقابل على رؤية الدين بوصفه مصدرًا للقيم والضمير، مع ترك الاختيار السياسي لكل فرد، يصبح الدين عاملًا في ترقية الحياة العامة بدل أن يكون طرفًا في صراعاتها.

المجتمع الناضج لا يحتاج إلى رجل دين منزوع الصلة بقضايا الناس، كما لا يحتاج إلى رجل دين يتحول إلى سياسي بلباس ديني. يحتاج إلى رجل دين قادر على الحضور في المجال العام مع احتفاظه بالمسافة التي تسمح له بأن يكون صوتًا أخلاقيًا مستقلًا.

فكلما اقترب رجل الدين من السلطة، احتاج إلى مسافة أكبر منها. وكلما اتسع نفوذه، احتاج إلى شفافية أكبر. وكلما تحدث باسم الجماعة، احتاج إلى الاعتراف بحق أفرادها في الاختلاف.

وهنا يمكن أن نصل إلى معيار بسيط، وإن كان تطبيقه صعبًا: الدور الديني يتسع بقدر ما يخدم الإنسان والمبدأ، ويضيق عندما يتحول إلى وسيلة للتأثير في موازين السلطة.

حين يكون الهدف حماية الإنسان، يصبح الاختلاف معه ممكنًا. وحين يصبح الهدف حماية مصلحة سياسية، يصبح الاختلاف تهديدًا. وبين هذين الحدين تقع المنطقة الرمادية التي تحتاج دائمًا إلى وعي ونقد ومراجعة.

لذلك فإن السؤال الأهم ليس ما إذا كان لرجل الدين حق في الحديث عن السياسة. من حقه أن يتحدث، كما من حق غيره أن يختلف معه. السؤال الحقيقي هو: هل يستخدم سلطته الدينية لإضاءة الطريق أمام المجتمع، أم لاختيار الطريق نيابة عنه؟

في الحالة الأولى يكون الدين جزءًا من الضمير العام.

وفي الثانية يبدأ الاصطفاف السياسي.

***

بولص آدم

 

ليس أخطر على العقل من يقين لم يصنعه بنفسه، ولم يختبره. عقول لا تعيش لأنها تفكر، بل لأنها ورثت ما ينبغي أن تفكر فيه. تتلقى الحقيقة جاهزة، مغلفة بأسماء أصحابها، ومختومة بأختام السلطة

تعلمنا أن أخطر السجون ليست تلك التي لها أبواب وقضبان، بل تلك التي لا يشعر السجين بوجودها. وقد يكون اليقين أحد أكثر هذه السجون خفاء؛ لأنه يمنح الإنسان شعورا بالأمان بينما يسلبه شيئا أعظم: حريته في أن يرى.

كفوا عن الركوع لمدارس الوهم؛ مدارس "حدثني ثقة" و"جاء في الأثر" و"أثبتت الدراسات" و"أجمع العلماء"…و"قال السلف"وأفتى الإمام

 تلك المعابد التي تصنع يقينا زائفا وتسور به العقول لتمنع عنها ضوء الحقيقة

لقد صارت العنعنة هذا التسلسل اللامتناهي من عن فلان عن فلان. سلاسل خفية حول العقل تقمع بها الأسئلة وتستعبد بها العقول كأن الحقيقة لم تخلق لترى، بل لتحكى عبر وسطاء لا يسمح بتخطيهم

إنها مصانع كبرى لإنتاج أجيال من المؤدلجين والمغيبين عقول تقدس الخرافة وتضعها على عرش الحقيقة، بينما الحقيقة نفسها تساق إلى المحرقة في صمت. هناك، في هذا الفضاء المسور باليقين الجاهز لا مكان للشك، ولا فسحة للتساؤل، ولا مجرد فرصة لأن نرى العالم بعيوننا قبل أن نراه بعيون غيرنا

لكن رحلة العقل، في جوهرها، ليست رحلة طمأنينة بل رحلة هدم. والهدم هنا ليس عبثا، بل هو فعل تطهير

 أن تهدم ما شيدوه فيك من أوهام حتى ترتفع على أنقاضها نافذة جديدة تطل على اتساع الكون. الشك هو النفس الأول للوعي، والوعي نفسه ليس أن تكثِر مصادر المعرفة، بل أن تملك حريه الدخول في صراع معها، أن تجرؤ على زلزلة اليقين حين يصبح اليقين جدارا عازلا بينك وبين الحقيقة

الوعي لا يولد في حضن الطمأنينة، بل في رحم الشك

ر هو تمرد العقل على وصاية الموروث، وهو المطرقة الأولى التي تهدم جدران الخرافة. الوعي ليس كثافة المعرفة، بل حريتها

أن تجرؤ على النظر خلف النصوص، أن تضع المقدسات تحت المجهر، وأن تؤمن بأن الحقيقة لا يؤسسها سوى الصراع معها

غياب الوعي لا يعني غياب الفكر، بل يعني هيمنة فكر واحد أريد له أن يكون سورا يحجب عنك احتمالات العالم. وما وراء السور حياة أخرى؛ هناك تتكشف الطبقات المخفية من المعنى، هناك يبدأ الإنسان في أن يكون إنسانل

احذروا اليقين الجاهز فكل يقين جامد قبر صغير للفكرة.

واختاروا درب الشك. ذلك الدرب الوعر الذي لا يسلكه إلا القلة التي ترفض النوم في حضن القطيع

فالذين يملكون شجاعة التفكير هم وحدهم الذين يغيرون مسار التاريخ

و حرية المعرفة هي المعنى العميق للإنسان الحر. أن تتجرد من الأحكام المسبقة، أن تقف أمام الفكرة بلا خوف، أن تدرك أن الحقيقة لا يملكها أحد ولا يورثها نص ولا يحرسها حارس.

وما الوعي إلا شجاعة مواجهة الذات قبل مواجهة الآخرين أن تضع مقدساتك على الطاولة، وتعيد النظر في مرجعياتك، وتدرك أن الأفكار التي تبدو أبدية قد تكون مجرد غبار متراكم على نافذة الروح

إن الإنسان لا يصبح حرا حين يعرف كل شيء، بل حين يتحرر من الخوف من ألا يعرف.

وحين يجرؤ على الاقتراب من أفكاره القديمة لا بوصفها أوثانا، بل بوصفها احتمالات قابلة للفحص؛ وحين يستطيع أن يضع ما يؤمن به على طاولة العقل، ثم ينظر إليه بلا رهبة، بلا تعصب، وبلا رغبة في إنقاذه لمجرد أنه جزء من تاريخه

ففكم من إنسان يمشي في الشوارع حرا، بينما يحمل في داخله سجنا من الأفكار الموروثة، وكم من إنسان يرفع شعار الحرية، لكنه يرتعد أمام سؤال واحد يمكن أن يهز ما اعتاد أن يسميه يقينا. لأن الإنسان الذي لا يستطيع أن يقول «كنت مخطئا» محكوم بأن يعيش داخل الخطأ إلى الأبد.

استمعوا إلى الجميع، لكن لا تمنحوا أحدا حق امتلاك عقولكم.

ضعوا الأفكار في مواجهة العقل، لا العقل في مواجهة الأفكار.

وحين نعبر أخيرا خارج أسوار اليقين، قد لا نجد الحقيقة جالسة في انتظارنا...

لكننا سنجد شيئا ربما كان أكثر أهمية:

سنجد أنفسنا للمرة الأولى قادرين على البحث عنها.

وهناك، خارج الأسوار، يبدأ العقل في أن يكون حرا، ويبدأ الإنسان في أن يكون إنسانا.

يا رفاق الطريق… الوعي ليس ترفا فلسفيا، بل هو فعل تحرر. إنه إعلان تمرد على اليقين المعلب، وخطوة أولى نحو عالم يتنفس فيه العقل بلا قيود. والقله التي تختار هذا الدرب والتي تتقن فن الشك، هي وحدها التي تغير مسار التاريخ لأنها وحدها تمتلك الشجاعة لتقول: لا في وجه من قالوا نعم.

***

ابتهال عبدالوهاب

 

- هل تبقى للمثقف العضوي مكانة حقيقية في مجتمع لا يهيئ الشروط الضرورية لإنتاج الفكر، ولا يفتح فضاء رحبا للتفكير الحر، والتعبير عن الرأي، والحوار، والاختلاف، والمناقشة، والحريات الفردية، وحرية الإعلام؟

فالمثقف كما تعلمون لا يعيش خارج شروط مجتمعه، ولا يستطيع أن يؤدي دوره بوصفه وعيا نقديا، إلا في بيئة تعترف بالعقل، وتحمي حرية السؤال، وتتيح للاختلاف أن يكون سبيلا إلى المعرفة، لا ذريعة للإقصاء. إذ كيف يمكن لفكر ناضج أن يتكون في فضاء تحاصر فيه الأسئلة قبل أن تناقش، وتخشى فيه الأفكار قبل أن تختبر، وينظر فيه إلى الاختلاف بوصفه خروجا على المألوف، لا ضرورة من ضرورات التطور؟

إن إنتاج الفكر هو أحد الشروط العميقة لإنتاج التحول الاجتماعي. فالمجتمعات لا تتغير فقط بما تمتلكه من موارد ومؤسسات، وإنما بما تنتجه من أسئلة وأفكار، وبما تملكه من قدرة على مراجعة مسلماتها، ونقد واقعها، واستشراف مستقبلها.

ومن هنا تبدو مأساة المثقف في المجتمع المغلق أكثر تعقيدا، أن يطلب منه أن يكون صوت الوعي، بينما تضيق المساحة التي يمكن أن يسمع فيها صوته، وأن ينتظر منه أن يؤسس لأسئلة المستقبل، بينما يدفع باستمرار إلى الدفاع عن حقه في طرح السؤال نفسه.

فهل يستطيع المثقف أن يكون فاعلا في صناعة التحولات المصيرية، إذا كان المجتمع قد حرم أصلا من شروط التفكير الحر؟

 أم أن أول أدوار المثقف، في مثل هذا السياق، أن يقاوم هذا الحرمان ذاته، وأن يحافظ على جذوة السؤال حية، حتى لا يتحول الصمت إلى ثقافة، والجمود إلى قدر، والخوف إلى نظام دائم للوعي؟

- هل أزمة المثقف اليوم هي عجزه عن تغيير المجتمع، أم عجز المجتمع عن احتمال مثقف يحاول تغييره؟

وإذا كان المثقف لا يستطيع أن يقول ما يعتقده، فهل يظل مثقفا، أم يتحول إلى مجرد منتج للكلام؟

- هل يمكن أن يكون المثقف عضويا إذا كان انتماؤه الحقيقي إلى السلطة أو الجماعة أو الجمهور، لا إلى الحقيقة؟

ماذا يبقى من المثقف حين تصبح الحقيقة أقل جاذبية من الوهم، ويصبح التبسيط والتفاهه أكثر انتشارا من التفكير؟

هل وظيفة المثقف أن يعبر عن وعي المجتمع، أم أن يزعج هذا الوعي ويفكك أوهامه؟

إذا كان المثقف يخشى خسارة جمهوره، فهل يستطيع أن يمارس دوره النقدي، أم يصبح أسيرا للرضا الجماهيري

- هل المثقف الذي يكرر ما يريد الناس سماعه أكثر تأثيرا، أم أكثر خطرا على المجتمع؟

عندما يصبح الصمت وسيلة للبقاء، هل يكون صمت المثقف حكمة، أم خيانة لدوره؟

هل يمكن للمثقف أن يكون حرا في مجتمع لا يتسامح مع الاختلاف، أم أن الحرية تبدأ تحديدا من مقاومة شروط القمع؟

- ماذا يعني أن يكون المثقف "عضويا" في عصر أصبحت فيه الجماهير تصنع وعيها عبر وسائل التواصل، لا عبر المؤسسات الثقافية والفكرية؟

- هل فقد المثقف سلطته لصالح المؤثر أم أن المجتمع استبدل سلطة الفكرة بسلطة الحضور والصورة؟

- إو ذا أصبح عدد المتابعين معيارا للتأثير، فهل ما زال المثقف مطالبا بإنتاج المعرفة، أم أصبح مطالبا بإنتاج ما يضمن له المتابعين؟

- هل المثقف الحقيقي هو من يملك الإجابات، أم من يمتلك الشجاعة على إعادة صياغة الأسئلة التي اعتاد المجتمع أن يعتبرها محسومة؟

- ماذا يفعل المثقف حين يصبح الجهل أكثر ثقة من المعرفة، والتعصب أكثر حضورا من العقل؟

- هل يمكن للمثقف أن ينحاز إلى الناس دون أن ينحاز إلى أوهامهم؟

- إذا كان المثقف لا يملك سلطة سياسية أو اقتصادية، فمن أين يستمد قدرته على المقاومة: من المعرفة، أم من الضمير، أم من استقلاله؟

- هل المثقف الذي يتكيف مع شروط عصره يحافظ على وجوده، أم يفقد بالضبط الشيء الذي يمنحه معنى وجوده؟

- أين تنتهي مسؤولية المثقف عن المجتمع، وأين تبدأ مسؤولية المجتمع عن حماية مثقفيه؟

- هل يحتاج المجتمع إلى المثقف لأنه يحتاج إلى الحقيقة، أم لأنه يحتاج أحيانا إلى من يمنحه شرعية فكرية لما يؤمن به مسبقا؟

هذه التساؤلات ما زالت مفتوحة، وربما لا تكمن قيمتها في أن نجد لها اجابات، بل في أن نمتلك شجاعة طرحها والرد عليها بكل موضوعية لأن قيمة المثقف في قدرته على أن يرى ما يعجز الآخرون عن رؤيته، وأن يقول ما يخشى الآخرون قوله، وأن يظل وفيا للحقيقة حين يصبح الانحياز إليها مكلفا.

***

ابتهال عبد الوهاب

 

من الحاجة إلى الآخر إلى اكتشاف الذات

هناك أشياء في حياة الإنسان تبدو عصية على أن تحسم بالعقل وحده، ويأتي الحب في مقدمتها؛ ذلك الشعور الغامض الذي يدخل حياتنا بلا استئذان، فيعيد ترتيب الأشياء من حولنا، ويجعل ما كان هامشيا في وجودنا مركزا، وما كان مستحيلا ممكنا، وما كان بعيدا أقرب من نبض القلب

ولهذا ظل الحب، منذ أن بدأ الإنسان يسأل عن معنى وجوده، واقفا على الحدود الفاصلة بين العقل والغريزة، بين الحرية والحتمية، بين الفرد والجماعة، وبين حاجة الإنسان إلى الآخر ورغبته في أن يظل ذاته.

ولكن.

هل الحب اختيار فردي، كما يمكن أن نفهم من فلسفة هيجل،

أم أنه حيلة عمياء لإرادة الحياة كما يرى شوبنهاور؟

وهل المحب إنسان فقد شيئا من عقله، حتى وصفه نيتشه في سخريته الفلسفية بأنه أبله سعيد،

أم أن الحب، كما يرى إريك فروم، هو أعمق محاولة إنسانية للخروج من سجن العزلة ومغادرة حدود الفرد المنغلق على ذاته؟

إذا تأملنا الحب من منظور هيجل، فإننا لا نجد أمامنا مجرد انفعال عاطفي عابر، وإنما علاقة تكشف عن إحدى أعمق مشكلات الوجود الإنساني: حاجة الذات إلى الاعتراف.

فالإنسان، في المنظور الهيجلي لا يكتمل وعيه بذاته في عزلة مطلقة؛ إنه يحتاج إلى آخر يعترف به بوصفه ذاتا حرة ومستقلة. ومن هنا يمكن النظر إلى الحب باعتباره علاقة تتجاوز فيها الذات انغلاقها، دون أن تلغي ذاتيتها

أنا لا أحب الآخر لأنه نسخة مني، بل لأنني ألتقي فيه بما ليس أنا.

وهنا تكمن مفارقة الحب الكبرى: أبحث عن نفسي في الآخر، وأكتشف الآخر في نفسي.

لكن هل يعني ذلك أن الحب اختيار حر تماما؟

ليس بهذه البساطة

فنحن لا نختار نقطة البداية التي يأتي منها الحب. لا نختار دائما الشخص الذي يوقظ فينا ذلك الارتباك الأول، ولا نستطيع أن نصدر قرارا عقليا بأن نحب شخصا ما

لهذا فإن الحب يبدأ في الغالب، كحدث يقع لنا، ثم يتحول  إن نضج  إلى موقف نختاره

أما شوبنهاور فيذهب إلى منطقة أكثر قتامة.

الحب، في فلسفته، ليس بالضرورة ذلك الانتصار الرومانسي الذي تصوره القصائد، وإنما قد يكون قناعا ترتديه إرادة الحياة لكي تضمن استمرار النوع.

نحن نظن أننا نبحث عن السعادة الشخصية، بينما تكون الطبيعة ـ في تصور شوبنهاور ـ مشغولة بمهمة أخرى: استمرار الحياة.

ولهذا يبدو الحب، أحيانا، وكأنه مؤامرة بيولوجية شديدة الذكاء؛ تجعل الإنسان يعتقد أنه يختار شخصا بعينه لأنه يحبه، بينما تكون وراء هذا الاختيار قوى أعمق من وعيه، مرتبطة باستمرار النوع وتكوينه.

إنها الفكرة القاسية التي تسلب الحب بعضا من قدسيته الرومانسية

ربما لا نحب لأننا وجدنا الإنسان الأكثر ملاءمة لعقولنا، وإنما لأن شيئا أعمق منا دفعنا إليه.

ومع ذلك، فإن اختزال الحب في الغريزة وحدها يظل عاجزا عن تفسير جانب بالغ الأهمية من التجربة الإنسانية

فلو كان الحب مجرد آلية بيولوجية لاستمرار النوع، فكيف نفسر حب الإنسان الذي لا ينتظر من الآخر نسلا؟

 وكيف نفسر حب الصداقة، وحب الأم، والحب الذي يستمر بعد انطفاء الرغبة؟

 وكيف نفسر أن الإنسان قد يحب شخصا يعرف تماما أنه لن يكون له منه اولاد، بل قد يختار التضحية بنفسه من أجله؟

وعندما يضع نيتشه الحب تحت مطرقة نقده، فإنه لا يسمح لنا بأن نعيش الوهم الرومانسي بسهولة.

الحب، عنده، يمكن أن يكون حالة من فقدان المسافة النقدية. المحب يرى العالم من خلال الشخص الذي أحبه، ولذلك قد يصبح غير قادر على رؤية ما يراه الآخرون بوضوح

إن العاشق لا يرى المحبوب كما هو، وإنما كما يريده أن يكون.

وهنا تصبح عبارة «أبله سعيد» شديدة الدلالة؛ فثمة سعادة في الحب، لكنها سعادة قد تكون وليدة الوهم. إن الإنسان حين يحب قد يصنع من الآخر صورة لا وجود لها إلا في خياله، ثم يقع في حب الصورة، لا في حب الإنسان الحقيقي.

ولعل أكثر ما يؤلم في الحب ليس أن نكتشف أن الآخر تغير، وإنما أن نكتشف أنه لم يكن أبدا كما تخيلناه.

لكن نيتشه لا يمنحنا سببا كافيا لاحتقار الحب.

فحتى لو كان الحب يضعف مؤقتا قدرتنا على النقد، فإنه يكشف في الوقت نفسه عن شيء شديد العمق في الإنسان: حاجته إلى أن يمنح العالم معنى يتجاوز الحساب والمنفعة

أما مع مع إريك فروم يصبح السؤال أكثر إنسانية.

فالإنسان، في نظره، يعيش مفارقة مؤلمة: هو فرد مستقل، لكنه في الوقت نفسه يشعر بعمق انفصاله عن الآخرين.

نحن نولد منفصلين عن العالم، ونكبر ونحن نكتشف فرديتنا، لكن هذه الفردية نفسها قد تتحول إلى عزلة.

ومن هنا يصبح الحب محاولة لتجاوز العزلة دون تدمير الذات

وهذه نقطة شديدة الأهمية.

فالحب الصحي، عند فروم، لا يعني أن أذوب فيك حتى أفقد نفسي، ولا أن أمتلكك حتى أفقدك حريتك. الحب الناضج هو أن أظل أنا وأن تظل أنت، ومع ذلك نستطيع أن نصنع مساحة مشتركة بيننا.

ولهذا فإن الحب ليس مجرد شعور.

إنه قدرة.

قدرة على العطاء، وعلى الرعاية، وعلى المسؤولية، وعلى احترام الآخر، وعلى معرفته كما هو لا كما أريده أن يكون.

رؤيتي في الحب

أما أنا، فلا أرى الحب اختيارا خالصا ولا غريزة عمياء، وإنما أراه تلك المنطقة الغامضة التي تتقاطع فيها حرية الإنسان مع ما لا يملك السيطرة عليه. نحن لا نختار دائما من يوقظ فينا الحب، ولا نملك أن نأمر القلب بأن يميل أو أن يمتنع؛ فثمة شيء يحدث قبل الإرادة، شيء يشبه النداء الخفي الذي يأتي من منطقة لا يصل إليها العقل بسهولة. لكنني لا أؤمن أن الحب يعفينا من مسؤولية الوعي. فاللحظة التي يقع فيها الحب قد لا تكون اختيارنا، أما الطريقة التي نحب بها فهي اختيارنا ومسؤوليتنا.

أنا لا أرى الحب امتلاكا للآخر، ولا ذوبانا فيه، ولا بحثا عن نصف مفقود كما توحي بعض الأساطير الرومانسية؛ فالإنسان، في رأيي، ليس نصفا ينتظر من يكمله، وإنما كائن مكتمل الإنسانية، يدخل الحب لا ليعثر على ذاته في الآخر، بل ليكتشف في حضوره أبعادا جديدة من ذاته. أحبك لا لأنني أريد أن أمتلكك، وإنما لأن وجودك يفتح في داخلي نافذة لم أكن أعرف أنها موجودة. ولا أريدك أن تصبح مثلي، كما لا أريد أن أفقد نفسي لأصبح مثلك؛ أريد أن نلتقي من موقع الاختلاف، وأن تكون المسافة بيننا مجالا للمعرفة لا سببا للخوف.

ولهذا أرى أن الحب الحقيقي ليس في شدة التعلق، وإنما في مقدار الحرية التي يستطيع أن يمنحها. كلما أحببت إنسانا دون أن أشعر بحاجتي إلى امتلاكه، اقتربت من معنى الحب؛ وكلما احتجت إلى السيطرة عليه كي أطمئن، كنت في الحقيقة أحب خوفي لا الإنسان. الحب الذي يخاف الحرية يتحول إلى سجن، والحب الذي يحترمها يصبح أعمق أشكال القرب

وأؤمن كذلك أن الحب ليس وعدا بالسعادة الدائمة، بل شجاعة الدخول في تجربة إنسانية بكل ما فيها من احتمال الفقد والألم والانكشاف. أن تحب يعني أن تسمح لإنسان آخر بأن يرى مناطق ضعفك التي اعتدت أن تخفيها، وأن تمنحه قدرة على أن يؤلمك، ومع ذلك لا تختار القسوة دفاعا عن نفسك. ولذلك فالحب، في أعمق معانيه، ليس ضعفا كما يظن البعض، بل شجاعة نادرة: أن تظل قادرا على العطاء في عالم تعلم أنه لا يمنح شيئا ضمانا للاستمرار.

وربما لهذا لا أرى الحب نقيضا للعقل. أنا أرفض أن أضع القلب والعقل في معسكرين متخاصمين؛ فالعقل يمنع الحب من أن يتحول إلى وهم، والقلب يمنح العقل شيئا من الدفء الذي يجعله إنسانيا. لا أريد حبا أعمى، كما لا أريد عقلا باردا. أريد ذلك الحب الذي يرى، ثم يختار؛ يشعر، ثم يتأمل؛ يقترب، لكنه لا يلغي المسافة؛ يمنح، لكنه لا يهدر الذات.

الحب عندي، في النهاية، ليس أن أجد شخصا أعيش من أجله، وإنما أن أجد في علاقتي به سببا لأن أعيش بصورة أكثر صدقا مع نفسي. هو ليس مغادرة للذات بقدر ما هو عودة إليها من طريق الآخر. وربما لهذا فإن أعمق ما يمكن أن يفعله الحب ليس أن يجعلنا نمتلك إنسانا، وإنما أن يجعلنا نعرف أنفسنا على نحو لم نكن قادرين عليه قبل أن نحب

فأنا لا أؤمن أن الحب هو أن تجد من يكملك

انا أؤمن أنه أن تجد من يجعلك أكثر اكتمالا دون أن ينتقص شيئا من حريتك، وأن تستطيع أن تقول للآخر: أريدك في حياتي، لا لأنني لا أستطيع الحياة دونك، وإنما لأن حياتي معك تصبح أوسع، وأعمق، وأكثر معنى.

لهذا لا أرى الحب سقوطا للعقل، وإنما لحظة يختبر فيها العقل حدود سلطته. ولا أراه انتصارا للغريزة، وإنما فرصة للإنسان لأن يرتقي بما هو غريزي إلى ما هو إنساني.

لذلك، إن كان شوبنهاور قد رأى في الحب حيلة الطبيعة لاستمرار النوع، وكان نيتشه قد رأى في العاشق شيئا من الأبله السعيد، وكان هيجل قد رآه في أفق الاعتراف المتبادل، وكان فروم قد فهمه بوصفه محاولة للخروج من عزلة الفرد؛ فإنني أرى الحب رحلة الإنسان من الغريزة إلى الوعي، ومن الحاجة إلى الاختيار، ومن الخوف من الوحدة إلى القدرة على المشاركة دون فقدان الذات

***

ابتهال عبد الوهاب

 

مقاربة نقدية في فلسفة الشعار وحدود فاعليته الحضارية

لا توجد جماعة بشرية بلا رموز، ويندر أن يكون أي مشروع حضاري بلا لغة مكثفة تختزل أهدافه، وكانت ممارسة إطلاق (الشعار) أحد أقدم الأدوات التي استعانت بها الأمم في الحروب والثورات والدعوات الدينية والمشروعات السياسية، لأنه غالبا ما يختصر مجموعة أفكار في عبارة قصيرة، ويؤثر في الجمهور إلى درجة تحويل القناعات إلى حالات من الانفعال، ويعزز الشعور بالتماسك.

لكن على صعيد نقدي، لابد من اقتحام مظاهر ترديد الشعارات، وملاحظة السطحية على مستوى صياغة الشعار فضلا عن ترديده، وغالبا ما يحل الشعار بديلا عن التفكير، وربما يعمل ترديد الشعارات بنحو غير مباشر على تبديد المشروع الحضاري، لأن الشحنات التي تمنحها عبارات الشعار – من ناحية نفسية- تحل بديلاً عن المعرفة، والعمل على التخطيط لما ينبغي أن يكون عليه الفعل الحضاري.

وترديد الشعارات بنحو متكرر، وبصبغة احتفالية، يظهر في بادئ الأمر أن الشعار وسيلة للتعبئة، لكن سرعان ما يفقد تأثيره فيتحول إلى وسيلة للهروب من الواقع، فكل انتكاسة يمر بها المجتمع، يستعين بالشعارات للتهدئة والتعويض، من دون أي فاعلية ملموسة.

 وكثير من النكبات السياسية والثقافية والدينية كانت نتيجة كثرة الشعارات، حتى أصبحت المجتمعات تعيش داخل عالم لغوي رمزي منفصل عن العالم الحقيقي.

اللغة هنا تلعب دورا مركزيا، في الصياغة والتعبئة، لأنها من أنجع وسائل الحركات الدينية والسياسية، وقيادة وعي الجماهير، وتعد الشعارات ميدانا خصبا للغة في أن تصوغ الخطاب الذي يشكل أنماطا من الوعي الجاهز..

من الناحية الدينية الخالصة، لا توجد أصول شرعية محددة تدفع باتجاه ترديد الشعارات، بقدر ما تدفع النصوص الدينية إلى التفكر، والتأني في تشكيل القناعات والولاءات، وربما تضمن تاريخ الأديان مجموعة من ممارسات ترديد الشعارات، من منطلق التدين الاجتماعي، الذي يتحرك بدوافع عقل جمعي موجه ضمن مراحل ظرفية محددة، وبالأخص ضمن حركات دينية سياسية، تعمل على استقطاب وعي الجماهير من خلال الشعارات، والخطابات اللغوية التي تختزل أيديولوجية تلك الحركات، كما فعل العباسيون عندما رفعوا شعار الرضا من آل محمد لجلب قلوب محبي أهل البيت (ع).

والمهم أن تتم ملاحظة ترديد الشعار من ناحية اجتماعية بغض النظر عن توظيفه دينيا أو سياسيا، وكيف ينطوي على إقصاء غير مباشر لوعي المجتمع، من خلال استجلاب الوجدان الجمعي الاجتماعي، الذي يعد الوقود الأوفر لتحقيق المطامح بمختلف اشكالها. 

الشعار بين الوظيفة والبديل

للشعار وظيفة طبيعية لا يمكن إنكارها، فهو: يختزل الرؤية، ويصنع الهوية، ويرفع المعنويات، ويوحد الاتجاه، لكن هذه الوظيفة قد تتحول إلى مرض فكري، وذلك حين يكون ترديد الشعار هو المشروع نفسه، ومن المفارقات على ذلك، أن المشاريع الواقعية كلما ضعفت، ارتفع صوت الشعارات، ولهذا نجد أن أكثر البيئات الاجتماعية إنتاجا للشعارات ليست بالضرورة أكثرها إنجازا، بل قد تكون أكثرها عجزا عن الإنجاز، فاللغة والرمز غالبا ما يعوضان غياب الفعل.

والشعار يمثل ما يمكن تسميته بـ اقتصاد التفكير، لأن العقل بطبيعته يميل إلى الاختصار والاختزال، والجماهير تميل –وجدانا- إلى الجمل القصيرة، ولذا يمارس الشعار بعض الإغراء لأنه يعفي المجتمع من تحليل الواقع، وبدلاً من سعي المجتمع الى السؤال عن المشكلات المركبة، يكتفي بترديد عبارة واحدة، تختزل القضية كلها في كلمتين أو ثلاث، والشعار هنا يحقق نوعا من الراحة الذهنية، والاكتفاء النفسي من الحاجة الى السؤال، وتشخيص المشاكل الكبرى التي يعاني منها المجتمع، وربما نلاحظ انتشار الشعارات كلما انخفض مستوى التفكير النقدي.

طوباوية الشعار

كل شعار يحمل في داخله وعدا، ودلالة مستقبلية، ومن الطبيعي أن الوعود ليست كلها قابلة للتحقق، لذا تظهر سمة الطوباوية على أغلب الشعارات، لأنها في الغالب تتضمن موقفاً يتجاهل قوانين الواقع، وملابساته وتعقيداته، فكأن الشعار غالبا ما يَعد بنتائج لا تمر عبر السنن الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وإنما تتجاوز السنن لتتشكل في العقل الجمعي الاجتماعي فقط، بحيث يؤسس الشعار لوهم جماعي، ويساهم في صناعة لأمل كاذب، والأمل الكاذب أخطر من اليأس، لأنه يؤجل مواجهة الحقيقة أو يدفنها تحت ركام الفشل، وثمة مفارقة بين التفكير الواقعي وبين تكريس الشعار، والتفكير الواقعي يضعف بسبب:

1. اختزال الواقع في عبارة.

2. اختزال الإنسان في هوية واحدة.

3. اختزال الحلول في وسيلة واحدة.

4. اختزال المستقبل في وعد واحد.

وفرق بين أن يكون الواقع هو الذي ينتج أو يصيغ الشعارات، وبين أن تكون الشعارات هي من تعيد تفسير الواقع أو تحاول نزييفه، واختزال الانسان في هوية واحدة مرتبط باختزال الهوية في شعار محدد، كذلك الحلول، تختزل في التشفي اللفظي الخطابي، الذي لا يحل عقدة، ولا يوصل الى مخرج، وفي هذه الحالة، يختزل المستقبل في وعد واحد يستبطنه الشعار، وكلما استمر المجتمع بترديد الشعار، تضخمت صورة واهمة للوعد الذي يحمله الشعار.

للشعار قدرة هائلة على صياغة ملامح الهوية، لكن ذلك لن يكون إيجابيا دائما لأنه في الوقت نفسه يصنع حدود مغلقة للتفكير، لأن الشعار يصادر كثير من القضايا التي تحتاج إلى مرونة في التفكير، فكل شعار يحدد، (من نحن، ومن هم، وما الحق، وما الباطل..)، بمعنى أن الشعار يعمل كأدوات لاستقطاب الوعي، والجماعات في غالب سلوكها الجمعي لا تفكر بالمنطق، بل تتحرك بالعواطف، والشعار هو من يمنح شحنة العاطفة، لتحل بديلا عن التفكير والتخطيط، وملاحظة الواقع، بكل ما يتضمنه من نسيج معقد.

والتاريخ مليء بالأمثلة التي تغلب فيها الشعارات، بينما تضمحل الانجازات، فكم من ثورة رفعت شعارات الحرية وانتهت إلى الاستبداد، وكم من حركة رفعت شعارات العدالة وأنتجت أنظمة أكثر ظلما، وكم من مشاريع دينية رفعت شعارات الإصلاح ثم انتهت إلى الانغلاق، كما حدث في الحركة الاصلاحية التي بدأت إصلاحية وانتهت بولادة السلفيات المتشددة.

الفرق بين الرؤية والشعار

على صعيد التنظير المؤسسي أة الاستراتيجي، الرؤية ليست شعارا، بل هي تصور معرفي متكامل، بينما الشعار مجرد ترجمة لغوية مختصرة، والرؤية تجيب عن اسئلة مركزية، لماذا؟، وكيف؟، ومتى؟، وبأي أدوات؟، وما حدود الإمكان؟، أما الشعار فلا يجيب إلا عن: ماذا نريد؟، ولهذا لا يجوز أن يعمل الشعار على صياغة الرؤية، بل ينبغي أن تولد الشعارات من الرؤية، وحسب المجال الاستراتيجي توجد ثلاثة مستويات، (الرؤية، والرسالة، والقيم أو الأهداف)، وهذه جميعا تختلف عن الشعار، فالشعار مجرد أداة تسويقية أو تحفيزية، أما الرسالة فهي وظيفة المؤسسة، والرؤية هي المستقبل الذي تريد الوصول إليه.

ولسنا بحاجة إلى إلغاء الشعارات تماما، بل إلى إعادة ترتيب موقعها، فينبغي البدء من ملاحظة الواقع والإمكانات، والمشكلة هي أن المجتمعات تبدأ بالشعار وتنتهي بالشعار، في حين أن المجتمع لا ينهض بقوة الشعار فقط، وإنما بقوة الأفكار التي يستطيع الاستغناء بها عن الشعار.

إن أخطر ما يفعله الشعار هو تضليل المجتمع الذي أنتجه، فمع تكرار الشعار يتشكل يقين نفسي بحتمية الشعار، حتى يكون من الصعب نقده، بل يصبح نقد الشعار ضربا من الخيانة، بينما الواقع أمر مختلف، وقدسية بعض الشعارات تمنع اختبار الواقع، وعندئذٍ يفقد المجتمع قدرته على المراجعة، لأن الشعار يكتسب قداسة لا تسمح بقياس نتائجه أو مساءلة جدواه.

ويمكن القول أن المجتمع الذي يكثر فيه ترديد الشعارات، هو مجتمع يعوض عجزه عن الإنجاز بوفرة الخطابات، والمجتمعات الناضجة تقل فيها الشعارات بقدر ما تزداد فيها الخطط والمؤسسات والمؤشرات القابلة للقياس،والتمييز المنهجي بين الرؤية والرسالة والشعار ليس ترفا تنظيريا، بل هو شرط لحماية العقل من الانزلاق إلى الطوباوية، فالرؤية تعين على فهم الواقع، والرسالة تحدد الوظيفة، والخطة تترجم الإمكانات، أما الشعار فليس إلا التعبير اللغوي الأخير عن مشروع سبق أن اكتمل في الفكر والتنظيم، وكل شعار يسبق الرؤية أو يغني عنها، إنما يؤسس لواقعٍ تتم إدراته بالألفاظ أكثر مما تتم إدارته بالأفكار.

***

د. اسعد عبد الرزاق الأسدي

لا تبدأ هزيمة المجتمعات عندما تخسر حربا أو تتعرض لأزمة اقتصادية، بل عندما تفقد قدرتها على إنتاج عقول حرة.  فالجيوش يمكن إعادة بنائها، والاقتصادات قد تتعافى، أما العقل إذا استسلم للخوف أو المصلحة أو الوهم، فإن الطريق إلى التراجع يصبح أطول وأكثر كلفة.  ولهذا لم يكن دور المثقف في أي مرحلة تاريخية مجرد إنتاج الكتب أو إلقاء المحاضرات، بل كان يتمثل في مساءلة المسلمات، وكشف ما تحاول السلطة والمجتمع إخفاءه، والدفاع عن حق الإنسان في التفكير خارج الحدود المفروضة عليه. لهذا السبب كانت الأنظمة الاستبدادية تخشى المفكر أكثر مما تخشى السياسي.  فالمفكر يغير الطريقة التي يرى بها الناس العالم، بينما يكتفي السياسي غالبا بإدارة هذا العالم.  وما دام الوعي قادرًا على طرح الأسئلة، فإن أي سلطة ستظل مضطرة إلى تبرير وجودها.  لكن ما إن يفقد المثقف استقلاله حتى يصبح السؤال نفسه خاضعًا للرقابة، لا لأن أحدًا منعه، بل لأنه قرر أن يراقب نفسه بنفسه.

في العقود الأخيرة برز نموذج جديد من المثقفين لا يشبه أولئك الذين ارتبطت أسماؤهم بالمواقف الكبرى.  إنه مثقف يتحدث كثيرا عن الحرية، لكنه يتعامل معها بوصفها موضوعًا للبحث لا قيمة تستحق التضحية.  يكتب عن العدالة، لكنه يتجنب كل قضية قد تضعه في مواجهة مع أصحاب النفوذ.  يناقش العلاقة بين المعرفة والسلطة، لكنه ينسى أن يسأل عن علاقته هو بالسلطة، وعن الثمن الذي دفعه مقابل بقائه قريبا منها. هذا التحول لم يحدث فجأة، ولم يكن نتيجة مؤامرة، بل جاء نتيجة تراكم طويل غيّر معنى الثقافة نفسها.  أصبحت الشهادة تحل محل الفكرة، واللقب يحل محل المنجز، وعدد المؤتمرات يحل محل أثر الكتابة.  صار كثير من المثقفين يقيسون نجاحهم بعدد الدعوات التي تصلهم، لا بعدد الأسئلة التي أثاروها في المجتمع.  وهكذا انتقل مركز الثقل من المعرفة إلى المكانة الاجتماعية، ومن الرسالة إلى الامتياز. يمكن ملاحظة ذلك في اللغة التي يستخدمها بعضهم.  فبدل أن تكون الكتابة وسيلة لتقريب الفكرة، تحولت إلى أداة لإقامة الحواجز بينها وبين القارئ.  امتلأت النصوص بالمصطلحات، وتراجعت الأفكار.  صار الكاتب يخشى البساطة، لأن البساطة قد تحرمه من صورة "المثقف العميق".  مع أن أعظم الفلاسفة لم يكونوا يتعمدون الغموض، بل كانوا يبحثون عن اللغة الأكثر قدرة على حمل الفكرة.

ليس عيبا أن يقرأ المثقف نيتشه أو فوكو أو هيدغر أو غرامشي، بل العيب أن تتحول هذه الأسماء إلى ستار يحجب الواقع.  فما قيمة الحديث عن السلطة عند فوكو إذا كان الكاتب يتجنب الحديث عن السلطة التي يعيش في ظلها؟ وما جدوى تكرار أفكار غرامشي عن الهيمنة الثقافية إذا كان المثقف نفسه يؤدي دورا في ترسيخ تلك الهيمنة؟ وما فائدة الإعجاب بنيتشه إذا كان صاحبه يخاف من مجرد مخالفة رأي المجموعة التي ينتمي إليها؟ تظهر المعضلة بوضوح عندما يصبح المثقف أكثر اهتماما بحماية صورته من حماية الحقيقة.  يتجنب الأسئلة المزعجة، ويختار القضايا الآمنة، ويتحدث بلغة تسمح لكل طرف بأن يجد فيها ما يرضيه.  ومع مرور الوقت، يفقد النص قدرته على الإزعاج، ويفقد الكاتب قدرته على المغامرة، ويصبح حضوره الثقافي قائمًا على المحافظة على العلاقات أكثر من المحافظة على المبادئ.

هذا النموذج لا يعيش في مواجهة السلطة، بل في منطقة رمادية بين القبول والاعتراض.  ينتقد بقدر لا يزعج، ويعارض بقدر لا يكلف، ويحتج بقدر لا يهدد مستقبله المهني.  ومن هنا يفقد النقد معناه، لأن النقد الذي لا يقترب من جوهر المشكلة يتحول إلى تمرين لغوي، لا إلى فعل فكري.  ولم يعد هذا السلوك استثناءً، بل أصبح جزءا من ثقافة عامة داخل عدد من المؤسسات الأكاديمية والثقافية.  فقد نشأت بيئة تكافئ التكيف أكثر مما تكافئ الاستقلال، وتشجع الانسجام أكثر مما تشجع الاختلاف، حتى صار الطريق إلى الصعود يمر عبر إتقان قواعد المؤسسة، لا عبر مساءلتها.  عند هذه النقطة يتغير تعريف النجاح؛ فلا يعود مرتبطا بما يضيفه المثقف إلى المعرفة، وإنما بقدرته على البقاء داخل الشبكات التي توزع النفوذ والفرص.  ولذلك، فإن مأساة المثقف المعقم لا تكمن في قلة اطلاعه، وإنما في انفصاله عن وظيفته التاريخية.  لقد تحول من شاهد على عصره إلى موظف فيه، ومن ناقد للبنية القائمة إلى أحد المستفيدين منها.  وما دام هذا التحول مستمرا، فإن الحديث عن نهضة ثقافية سيظل ناقصًا، لأن النهضة لا تبدأ بزيادة عدد الكتب، بل بعودة المثقف إلى دوره الأول قول ما يراه صحيحًا، حتى عندما يكون ذلك مكلفًا.

***

زكريا - نمر

 

التطور مصير الوجود كله، مصير الإنسان والعالم

يولد الإنسان في بنيةٍ معرفية وثقافية واجتماعية هشّة، ويبدأ رحلته في صراعٍ دائم مع الحياة، رغم ضعفه وهشاشته الوجودية. إلا أنه يحمل في داخله رغبةً وطموحًا متجددًا لإثبات وجوده، والارتقاء بذاته إلى صورة أكثر تعقيدًا وتركيبًا ونضجًا. فينتقل من العتمة إلى النور، ومن الضعف إلى القوة، ومن البساطة إلى التعقيد، عبر تفاعله المستمر مع الحياة، وما تنتجه من علومٍ ومعارف وخبرات ونشاطات إنسانية متجددة.

والإنسان كينونةٌ مقدسة تستمد قيمتها مما تمتلكه من قدرةٍ على التفكير والإبداع والابتكار. فمن رحم أفكاره ومعارفه،  انبثقت حضارات العالم، وتكوّن تراثه الإنساني الأصيل، وتشكلت منجزاته العلمية والفكرية عبر التاريخ.

وعندما نتحدث عن الإنسان، فإننا نتحدث عن كائنٍ، مفكر، مدرك، واعٍ، بذاته وبوجوده، ومدركٍ لعظمة إمكاناته العقلية والثقافية والاجتماعية والسياسية. وهو الكائن الوحيد الذي يمتلك القدرة على إنتاج المعنى، وإعادة تشكيل واقعه، وصناعة مستقبله من خلال وعيه وإرادته.

يدرك الإنسان اللغة والدين والحضارة، ويستوعبهما بوصفهما مفاهيم حيّة قابلة للإبداع والتطوير والتجديد، وليست كيانات جامدة خارج نطاق التاريخ. فالتأمل في تاريخ الإنسانية يكشف عن علاقةٍ جدلية تقوم على التأثير والتأثر المتبادل بين الإنسان وهذه المفاهيم.

فاللغة، واللغة الدينية، والحضارات، وسائر العلوم والمعارف، ليست معطيات ثابتة منفصلة عن الإنسان، بل هي منجزات إنسانية نشأت بفعل عقله وخبرته وتجاربه التاريخية، وتأثرت بتطور وعيه واحتياجاته وابتكاراته.

كما ان هذه المنظومات الفكرية والثقافية المتمثلة باللغة والدين والحضارة تعود لتؤثر في الإنسان نفسه،  فتسهم في تشكيل وعيه، وصياغة شخصيته، وتوجيه مسار تطوره الحضاري والثقافي والانساني.

فالدين من أهم المفاهيم التي تترك أثرًا عميقًا في عقل الإنسان وروحه، مثلما يتغذى هو الآخر بما يرفده العقل الإنساني من أفكارٍ ورؤى وتطلعاتٍ ومفاهيم جديدة، تضمن له البقاء حيًا ومتجددًا، وقادرًا على مواكبة تطور الإنسان واتساع آفاقه المعرفية والثقافية والاجتماعية.

الدين بنيةٌ إنسانية متعددة الأبعاد، تتنوع تجلياتها بتنوع الأفكار والمعارف والخلفيات الاجتماعية والثقافية. فهو لا يُختزل في صورةٍ واحدة، وإنما يتشكل تبعًا لتعدد التجارب الإنسانية واختلاف طرائق فهم الإنسان لذاته وللعالم.

ويتجلى الدين بوصفه تجربةً روحية عندما يشعر الإنسان بعطشٍ وجودي يدفعه إلى البحث عن معنى لحياته، معنى يغذي وجوده، ويمنحه السكينة والمحبة والسلام. كما يتجلى بوصفه ظاهرةً اجتماعية عندما يتشارك الإنسان معتقداته وآراءه وممارساته الطقوسية والشعائرية مع الآخرين، بما يعزز هويته الإنسانية، ويمنحها الاستمرار والحضور داخل المجتمع.

وفي كلتا الصورتين، يمنح الدين الإنسان أفقًا وجوديًا يبدد قلقه أمام الفناء، ويؤسس لما يسميه عبد الجبار الرفاعي «التكامل الوجودي الذي ينعش الإنسان بفكرة الخلود عندما يواجه سؤال الموت».

إلا أن مفهوم التدين السائد في كثير من البيئات اليوم يغلب عليه الطابع الفقهي والعقدي والأيديولوجي، على حساب التدين الأخلاقي الذي يربي الإنسان على احترام الآخر المختلف، وتقبّل آرائه ومعتقداته، وتقدير جهوده الروحية والفكرية والاجتماعية.

وعندما يتحول الدين إلى أيديولوجيا، فإنه يفقد كثيرًا من أبعاده الإنسانية، ويغدو وسيلةً لاحتكار المعنى والحقيقة من قبل فئةٍ دينية بعينها، توظفه لخدمة مصالح سياسية أو اقتصادية أو عقدية، بدل أن يكون مصدرًا للهداية وبناء الإنسان.

ومن هنا، فإن تجديد الفكر الديني لم يعد ترفًا فكريًا، بل أصبح ضرورةً لكل إنسان يسعى إلى حياةٍ روحية وأخلاقية وجمالية. فالتجديد المنشود هو الذي يعيد للدين رسالته الإنسانية، ويؤسس لمعنى أخلاقي يجعل من الأخلاق ممارسةً يومية تقوم على تقبّل الآخر واحترام اختلافه، لا وسيلةً لإدانته أو إقصائه. فالأخلاق، في جوهرها، هي القدرة على رؤية الإنسان في الآخر، واحترام طريقته الخاصة في فهم الله والإنسان والعالم.

***

بهاء سوادي

هذه رؤية نقدية عقلانية تنتمي منهجيا إلى مدرسة "القراءة التاريخية الواقعية" لحركة الإمام الحسين (ع) نضعها في مقابل "القراءة الكلامية الميتافيزيقية" السائدة في الفضاء العقدي التقليدي.

قراءتنا تتعامل مع الواقعة (واقعة الطف) بوصفها حدثا تاريخيا خاضعا لظروف بيئته ومحكوما بآليات السياسة وصراع الممكن والمتاح بعيدا عن حتميات السيناريو الغيبي المرسوم سلفا.

سنفكك حيثيات الواقعة ونقوم بقراءتها عبر الأبعاد البنيوية والمنهجية التاريخية الواقعية عبر النقاط التالية:

أولا: إعادة الاعتبار لـ "تاريخية الحدث" وبشريته:

تقوم رؤيتنا في جوهرها على استبعاد الطابع الغيبي لنهضة الإمام الحسين (ع) وفهمها من خلال "الفعل البشري" المحكوم بالمعطيات المعرفية والسياسية المتاحة لحظة اتخاذ القرار بدليل التغيير والتعديل الذي حصل في خيارات الإمام (ع) - طلب الرجوع أو التوجه إلى الثغور - كدليل على أن السلوك كان استجابة لواقع متغير وليس تنفيذا لمخطط ميتافيزيقي جامد. هذا المنظور يرى أن القول بعلم الغيب المطلق والمسبق بالتفاصيل يُفرغ المواقف التاريخية والمفاوضات من قيمتها العقلانية ويحولها إلى مجرد "أداء مسرحي" معد مسبقا بينما التعامل مع الإمام كقائد سياسي يتحرك وفق حسابات الربح والخسارة وظنون النصر يُضفي على حركته بُعدا إنسانيا بطوليا حقيقيا وقابلا للدرس التاريخي حيث حطمت هذه الثورة جبروت بني أمية وفضحتهم أمام أنظار كل المسلمين ولولا ثورة الحسين (ع) لرأيت اليوم ثقافة بني أمية هي التي تسود إسلام المسلمين.

ثانيا: جينالوجيا تحول الخطاب من الواقعي إلى الغيبي:

هنا نرصد آلية "تحول خطاب المؤسسة الدينية عبر الزمن فبينما كانت الحركة في أصلها واقعة سياسية اصطدمت بحسابات موازين القوى المعقدة جرى إعادة إنتاجها وتأطيرها لاحقا من قِبل المؤسسة الكلامية الشيعية لحماية البنية الاجتماعية والمؤسسة الدينية الشيعية من الفناء عبر تحويل الحدث من نموذج يُحتذى به إلى "واقعة استثنائية ذات تكليف خاص" محاطة بالملائكة والدموع والفجيعة حيث جرى أسطرة الحدث بتجريد ميتافيزيقي فرض حظرا عمليا وانسدادا نظريا على تقليد الثورة واستبدلها بطقوس الذاكرة البكائية من لطم وعويل كآلية دفاعية للحفاظ على الجماعة.

ثالثا: وعد النصر الإلهي الذي لم يتحقق:

ربط ثورة الإمام الحسين بالوعي القرآني والنبوي المستقر حول نصر الفئة القليلة صاحبة الحق وفق شرط "إن تنصروا الله ينصركم" هذا الربط يتكئ على إرث معركة "بدر" و"الأحزاب" التي لها ظروفها التاريخية الخاصة حيث التدخل الإلهي مشروط بالثبات والمواجهة.

ومعركة كربلاء وفق هذا المنظور الإيماني الغيبي هي أيضا نصرة لدين الله فلماذا لم يتحقق وعد النصر الإلهي؟

مع إنها مثلت منعطفا تاريخيا مصيريا لاتجاه بوصلة الدين الإسلامي بين مسار الحق والباطل إلى قيام الساعة.

هنا اصطدام هذا الوعي الإيماني اللاهوتي ببراغماتية السياسة الأموية وصدمة الواقع المادي التاريخي الصرف.

فالواقعية التاريخية تقف جوابا صريحا هنا يعري أي بعد لاهوتي عن الصحة ويفتح الباب للبعد الناسوتي في فهم الأحداث كما هي في الواقع أن النصر ليس وعدا إلهيا مطلقا بل حقا طبيعيا إذا توفرت شروطه الواقعية.

اعتماد هذا التحليل العقلي يكسر الهيمنة الكلامية على التاريخ لأننا نقدم تفسيرا متماسكا ومتسقا مع منطق الحوادث التاريخية وسلوك البشر. ونحن نعرف أن هذا الفهم والتحليل يصطدم مباشرة بالبنية العقائدية المستقرة في الفكر الشيعي حول "طبيعة الإمامة" وعلم الغيب مما يجعله مرفوضا في سياق اللاهوت التقليدي الذي يرى في الغيب ركيزة أساسية لا يمكن عزلها عن حركة الإمام المعصوم.

وإذا أردنا تعميق النظر نسأل كيف أثر هذا الانتقال من "أطروحة الثورة السياسية" إلى "أطروحة الاستثناء الغيبي" على تطور الفكر السياسي الشيعي ونظرية الحكم لدى المؤسسة الدينية في القرون اللاحقة؟

ونقول جوابا: إن الانتقال البنيوي في قراءة حركة الإمام الحسين (ع) من "أطروحة الثورة السياسية" (باعتبارها حراكا بشريا يطلب التغيير وإقامة السلطة العادلة) إلى "أطروحة الاستثناء الغيبي" - باعتبارها تكليفا خاصا وميتافيزيقيا غير قابل للتكرار - يمثل أحد أهم المنعطفات المعرفية التي شكلت العقل السياسي الشيعي وصاغت مسار نظرية الحكم لدى المؤسسة الدينية (الحوزة العلمية) عبر القرون.

هذا التحول لم يكن مجرد إعادة تفسير لحدث تاريخي بل كان "آلية دفاعية واستراتيجية بقاء" أنتجت جملة من التحولات العميقة في الفكر السياسي ويمكن تتبع آثارها على النحو التالي:

1. صياغة "عقيدة نظرية الانتظار" وتأجيل تأسيس الدولة:

الأثر الأكثر مباشرة لهذا الانتقال كان "تعطيل الفكرة الثورية" وتأجيل الطموح السياسي لإقامة سلطة شرعية.

 فعندما حُولت كربلاء إلى "حادثة استثنائية" جرى سحب الشرعية من أي حراك مسلح يُحاكيها أو يكررها وتطور هذا لاحقا في (عصر الغيبة) إلى صياغة نظرية "تجميد الصلاحيات السياسية الكبرى" مثل الجهاد الابتدائي وإقامة الحدود كاملة وتشكيل الحكومة الشرعية وحصرها في المعصوم الغائب.

هنا انتقلت المؤسسة الدينية من دور "المحرض أو القائد للثورة" إلى دور "الحافظ للهوية والجماعة" وأصبح الأصل في التعامل مع السلطات القائمة هو عقيدة "التقية" والمهادنة الواقعية وانتظار المخلص الغيبي (الإمام المهدي) مما أدى إلى غياب نظرية حكم شيعية عملية لقرون طويلة.

2. نشوء الفقه التفرغي وتأصيل "ولاية الفقيه المحدودة":

انعكس هذا التحول الجذري على طبيعة الإنتاج الفقهي ومفهوم الولاية وسلطة العالم الديني بالانكفاء على الفقه العبادي والمعاملاتي بدلا من تطوير "فقه الدولة" أو "الفقه السياسي" حيث تركز الجهد المعرفي للمؤسسة الدينية منذ عهد الشيخ الطوسي وصولا إلى العصور المتأخرة على تنظيم شؤون الفرد والجماعة المؤمنة داخليا (العبادات، المعاملات، الأخماس، الأحوال الشخصية). كبديل للحكم نظرا لأن السلطة السياسية الكبرى معطلة بغياب المعصوم فقد طور الفقهاء مفهوم "الولاية المحدودة" أو "الأمور الحسبية" (إدارة أموال القُصر، الأوقاف، الفتيا، القضاء المحدود) وهي ولاية تدير المجتمع سوسيولوجيا وثقافيا دون الاصطدام بالسلطة السياسية القائمة أو منافستها على كرسي الحكم.

3. وظيفة "الطقوس العاشورائية" كبديل عن المؤسسة السياسية:

حين جُردت حركة الإمام الحسين(ع) من أبعادها السياسية الإجرائية أنكفأت الثورة وتحولت طاقتها الكبيرة إلى محض طقوسية ساذجة هدفها التنفيس السيكولوجي وسد الفراغ حيث أصبح البكاء والعزاء والمآتم هي "المؤسسة البديلة" التي تجمع الطائفة وتحافظ على تماسكها وصيرورتها التاريخية في مواجهة السلطات المخالفة.

هنا تحول الاحتجاج من "فعل سياسي مادي" (تغيير الحاكم) إلى "موقف عاطفي وعقدي" (اللعن والبراءة والبكاء والندب).

صحيح أن هذا البعد الغيبي سمح للجماعة بالاحتفاظ بروح الرفض الداخلي لكنه ولد خنوعا خشية دفع الكلفة السياسية الباهظة للثورة المسلحة.

4. شرعنة واقعية للأنظمة القائمة (البراغماتية السياسية):

أدى تعطيل النموذج الحسيني الثوري إلى فتح الباب أمام نوع من البراغماتية في التعامل مع الدول القائمة - حتى وإن اعتبرها الفقه الشيعي "دولا غير شرعية" أو ما يسمى (حكومات الجور) - لقبول كبار الفقهاء (مثل الشريف المرتضى، والخواجة نصير الدين الطوسي، والمحقق الكركي) بمناصب رسمية أو تقديم الشرعية السياسية الواقعية لدول كبرى كالدولة الصفوية أو القاجارية حيث استقرت القناعة لدى المؤسسة الدينية بأن "حاكم الظلم الذي يستتب معه الأمن" أولى من "الفوضى"، لأن حركة التغيير الجذري (النموذج الحسيني) مغلقة غيبيا وبالتالي فإن حفظ دماء الشيعة ومؤسساتهم العلمية مقدم على المغامرة السياسية غير مضمونة النتائج.

العودة إلى "أطروحة الثورة":

من المفارقات التاريخية أن الفكر السياسي الشيعي المعاصر شهد في القرن العشرين وتحديدا مع مدرسة الإمام الخميني والحركة الإسلامية الحديثة انقلابا بنيويا مضاداً حيث جرت إعادة "تسييس" حركة الإمام الحسين ونزع الغيبية عنها جزئيا لإعادة استخدامها كوقود ثوري.

فانتقلت المؤسسة الدينية الشيعية من "الاستثناء الغيبي المانع للاقتداء" إلى "النموذج البشري الواجب الاتباع" ورفعوا شعار "كل يوم عاشوراء وكل أرض كربلاء" وهو ما مهد الطريق لولادة نظرية "ولاية الفقيه المطلقة" التي كسرت عقيدة الانتظار السلبي وقررت إقامة الدولة وتولي الحكم نيابة عن المعصوم لتغلق بذلك دائرة التحول البنيوي وتعود بالمؤسسة الدينية الشيعية إلى مربع السياسة الأول.

أخيرا نقول: إن الإمام الحسين (ع) قدوة لكل ثائر حر وشعار لكل ذي كرامة ومن الظلم قتل ثورته بالطقوس التي أصبحت تجارة مربحة لكل متربح.

***

سليم جواد الفهد

لم تكن الثقافة في معناها الأعمق، مجرد تكديس للمعارف أو أرشيفا للذاكرة الجمعية، بل كانت دائما ذلك القلق الخلاق الذي يدفع الإنسان إلى مساءلة نفسه والعالم من حوله. إنها كما أرادها سقراط، حياة لا تستحق أن تعاش إن لم تخضع للفحص والنقد، وكما فهمها كانط، شجاعة استعمال العقل دون وصاية. ولذلك، لم تكن الثقافة الحية حافظة للمسلمات، بقدر ما كانت قوة دائمة لتحرير الإنسان من أصنامه الفكرية، وإخضاع كل يقين للمراجعة، وكل سلطة للمساءلة، وكل حقيقة للاختبار.

أما الثقافة التي لا تجرؤ على مساءلة السائد، ولا تمتلك القدرة على تفكيك ما تفرضه القوة أو تكرسه الوصاية، فهي ليست سوى جهاز آخر من أجهزة إعادة إنتاج الخضوع. إنها ثقافة تتحول، بتعبير أنطونيو غرامشي، إلى أداة للهيمنة الناعمة، حيث تنجح السلطة في جعل الناس يقبلون ما يفرض عليهم بوصفه أمرا طبيعيا لا يقبل الجدل. وحين تصبح الثقافة مجرد ترديد لما هو قائم، وتتحول إلى صدى للسياسة أو الدين أو العرف، فإنها لا تصنع وعيا، بل تصنع عقولا مستأنسة، وتؤسس لمجتمعات عاجزة عن التجدد، وشعوب تخاف من السؤال أكثر مما تخاف من الجهل.

لقد أدرك نيتشه أن كل نهضة تبدأ بتحطيم الأصنام، وأن أخطر الأصنام ليست تلك المصنوعة من الحجر، بل تلك التي تتخفى في هيئة حقائق مقدسة لا يجوز الاقتراب منها. فالأمم لم تنهض لأنها أحسنت تكرار ما ورثته، بل لأنها امتلكت الجرأة على مساءلة يقيناتها والتمرد على المألوف. وما من حضارة عظيمة ولدت من رحم الطاعة العمياء، بل خرجت دائما من رحم الشك، ومن قدرة العقل على تجاوز ما هو كائن نحو ما ينبغي أن يكون. ولهذا كانت الفلسفة، منذ سقراط وحتى هابرماس، فعلا نقديا مستمرا وثورة دائمة على البداهات، لا خادما لها.

وحين تفقد الثقافة هذه الروح النقدية تتحول إلى احتفال فارغ بالماضي، وإلى مجموعة من الشعارات التي تمجد الأمس بينما تعجز عن فهم الحاضر أو صناعة المستقبل. وهنا يصبح المجتمع أسيرا لسلطات متعددة؛ سلطة الماضي، وسلطة الجماعة، وسلطة المقدس، وسلطة القوة التي تقدم نفسها باعتبارها الحقيقة النهائية. ومن هنا تبدأ صناعة الفشل الجماعي، لأن الإنسان الذي لا يتعلم كيف يشك، لن يتعلم كيف يبدع، والمجتمع الذي يخاف من النقد، سيخاف من الحرية، والأمة التي تعادي الأسئلة، لن تنتج سوى أجوبة ميتة.

 ولذلك، حين يصبح الخضوع فضيلة، والطاعة حكمة، والتقليد هوية، يتحول الانحطاط إلى قدر، ويغدو العجز جزءا من تعريف الذات. فالهويات الفاشلة لا تولد من فراغ، وإنما تصنعها ثقافات فقدت قدرتها على تجاوز نفسها، وثقافات تخشى الحقيقة لأنها تدرك، في أعماقها، أن الحقيقة تبدأ دائما بالسؤال.

ومن هنا تتجلى مأساة المثقف. فأزمة المثقف لا تبدأ حين يضطهده السلطان أو الحاكم، بل حين يتخلى هو نفسه عن رسالته ويتحول من ضمير يقظ إلى موظف لدى السلطة، أو حارس للموروث، أو أسير لمصالحه ومكانته الاجتماعية. عندئذ يفقد دوره بوصفه شاهدا على عصره وصانعا للأسئلة الكبرى، ويصبح، كما وصفه إدوارد سعيد، مثقفا مروضا يتنازل عن الحقيقة في سبيل القبول والامتياز. والمثقف الحقيقي لا يقاس بما يملكه من معرفة، بل بما يمتلكه من شجاعة أخلاقية تجعله ينحاز إلى الحقيقة حتى حين تكون مكلفة.

إن الثقافة ليست مخزنا للذكريات، بل أفق مفتوح على الممكن. إنها ليست حارسا للمألوف، بل قوة لإعادة خلق العالم. ولذلك، فإن وظيفة المثقف ليست تبرير الواقع كما هو، بل المساهمة في تغييره. وما لم تتحول الثقافة إلى فعل نقدي حر، فإنها ستتحول، مهما ازدانت بلغة الحكمة أو ارتدت أثواب القداسة، إلى جدار آخر في سجن الإنسان.

لقد كان هيغل يرى أن التاريخ هو تقدم الوعي بالحرية، ولم يكن هذا التقدم ثمرة الطاعة، بل ثمرة الصراع مع كل ما يعوق العقل. ولذلك، علينا أن ندرك أن الثقافة معركة مستمرة من أجل تحرير الإنسان من الخوف والوصاية والاستسلام. فحيثما يصمت العقل تحت وطأة القوة، يولد الخراب، وحيثما يخاف الإنسان من السؤال، تبدأ رحلة الانحدار. أما حين تتحول الثقافة إلى إرادة دائمة لتجاوز السائد وصناعة الممكن، فإنها تصبح الشرط الأول لبناء مجتمعات قادرة على الحياة، وشعوب جديرة بمستقبل يليق بكرامة الإنسان، وبالعقل الذي جعله الله أسمى ما في الإنسان.

***

ابتهال عبد الوهاب

 

من الاغتراب الكلاسيكي إلى الخوارزميات الذكية

مدخل: لم تعد السيطرة في العالم المعاصر تُمارس حصراً عبر القوة العسكرية أو القهر السياسي المباشر، كما كان الحال في العصور السابقة، بل أخذت تتخذ أشكالاً أكثر تعقيداً وعمقاً، تستهدف الوعي الإنساني ذاته. فبينما كان الاستعمار التقليدي يحتل الأرض ويخضع الأجساد، باتت أنماط الهيمنة الجديدة تتجه نحو احتلال العقول وإعادة تشكيل التصورات والقيم وأنماط التفكير. وهكذا أصبح الإنسان المعاصر يعيش داخل شبكة كثيفة من الخطابات والصور والرموز والمؤسسات التي تؤثر في وعيه وتوجه اختياراته، أحياناً من دون أن يدرك ذلك.

في هذا السياق يبرز مفهوم الاستلاب الفكري بوصفه أحد أكثر المفاهيم قدرة على تفسير العلاقة المعقدة بين الفرد ومنظومات الهيمنة الحديثة. فالاستلاب لا يعني مجرد التأثر بأفكار الآخرين، لأن التأثر والتفاعل الثقافي ظاهرة إنسانية طبيعية، بل يعني فقدان القدرة على التفكير المستقل، بحيث تصبح الذات أسيرة تصورات ومفاهيم وقيم لم تعد تملك القدرة على مساءلتها أو نقدها.

وقد اكتسب هذا المفهوم أهمية استثنائية في عصر العولمة الرقمية، حيث لم تعد الهيمنة تمارس عبر الإكراه المباشر، بل عبر وسائل أكثر نعومة وفعالية، تقوم على الإقناع والإغراء وإعادة تشكيل الرغبات والاحتياجات. ومن هنا تبرز الحاجة إلى دراسة العلاقة بين الاستلاب الفكري وآليات الهيمنة الناعمة، واستكشاف الكيفية التي تنتج بها السلطة الحديثة أفراداً يساهمون بأنفسهم في إعادة إنتاج شروط خضوعهم.

الاستلاب الفكري: الجذور الفلسفية للمفهوم

يُعد مفهوم الاستلاب من المفاهيم المركزية في الفكر الفلسفي الحديث، وقد ارتبط منذ بداياته بالسؤال المتعلق بعلاقة الإنسان بذاته وبالعالم الذي ينتجه. ويمكن تتبع الإرهاصات الأولى لهذا المفهوم لدى الفيلسوف الألماني غيورغ فيلهلم فريدريش هيغل الذي رأى أن الوعي الإنساني لا يدرك ذاته إلا من خلال عملية جدلية يخرج فيها من نفسه ليعود إليها في مستوى أعلى من المعرفة. وقد استخدم هيغل مفهوم الاغتراب ليصف لحظة انفصال الروح عن ذاتها في مسار تشكلها التاريخي.

غير أن الاستلاب عند هيغل كان يمثل مرحلة ضرورية في تطور الوعي، بينما اكتسب المفهوم دلالة أكثر نقدية مع كارل ماركس الذي نقله من المجال الفلسفي المجرد إلى المجال الاجتماعي والتاريخي. فقد رأى ماركس أن العامل في النظام الرأسمالي يصبح غريباً عن عمله وعن نتاج عمله، بل وعن إنسانيته نفسها، لأن ما ينتجه يتحول إلى قوة مستقلة تهيمن عليه. وهكذا يصبح الإنسان خاضعاً لعالم من العلاقات الاقتصادية التي صنعها بنفسه لكنه فقد السيطرة عليها.

ومع تطور المجتمعات الصناعية لم يعد الاستلاب مقتصراً على المجال الاقتصادي. فقد أدرك مفكرو مدرسة فرانكفورت، وعلى رأسهم تيودور أدورنو وماكس هوركهايمر، أن الرأسمالية الحديثة نجحت في بناء أشكال جديدة من السيطرة تتجاوز المصنع والسوق إلى الثقافة والإعلام. ومن هنا ظهر مفهوم "صناعة الثقافة" الذي يصف تحول الإنتاج الثقافي إلى صناعة ضخمة تعمل على إنتاج أنماط موحدة من الوعي والذوق والسلوك.

أما هربرت ماركوز فقد رأى أن الإنسان الحديث أصبح أسير حاجات مصطنعة تنتجها المنظومة الاستهلاكية، الأمر الذي أدى إلى ظهور ما سماه "الإنسان ذو البعد الواحد"، أي الإنسان الذي فقد قدرته على التفكير النقدي وتجاوز الواقع القائم.

وهكذا انتقل مفهوم الاستلاب من كونه مفهوماً اقتصادياً إلى كونه إطاراً شاملاً لفهم مختلف أشكال الخضوع الثقافي والمعرفي التي تنتجها المجتمعات الحديثة.

الهيمنة الناعمة وتحولات السلطة الحديثة

شهد الفكر السياسي خلال القرن العشرين تحولاً جوهرياً في فهم طبيعة السلطة. فقد تراجع التركيز على القوة القسرية المباشرة لصالح الاهتمام بالأشكال الرمزية والثقافية للهيمنة.

ويُعد المفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي من أبرز من أسهموا في هذا التحول من خلال مفهومه الشهير الهيمنة الثقافية. فقد لاحظ أن الطبقات الحاكمة لا تحافظ على سلطتها بالقوة وحدها، وإنما عبر نشر منظومة من القيم والأفكار تجعل النظام القائم يبدو طبيعياً ومشروعاً في نظر الخاضعين له. وبهذه الطريقة تتحول الثقافة إلى أداة للضبط الاجتماعي أكثر فعالية من العنف المباشر.

وفي نهاية القرن العشرين صاغ الباحث الأمريكي جوزيف ناي مفهوم القوة الناعمة الذي يشير إلى قدرة الدول والمؤسسات على التأثير في الآخرين من خلال الجاذبية الثقافية والرمزية بدلاً من الإكراه العسكري أو الاقتصادي.

وتكمن خطورة الهيمنة الناعمة في أنها تعمل داخل الوعي نفسه. فالإنسان قد يقاوم القمع حين يدرك وجوده، لكنه نادراً ما يقاوم الأفكار التي يعتقد أنها نابعة من اختياره الحر. ولهذا تصبح الهيمنة أكثر رسوخاً عندما تنجح في تحويل مصالح القوى المسيطرة إلى قناعات راسخة لدى الأفراد والجماعات.

الإعلام وصناعة الوعي

لعبت وسائل الإعلام الحديثة دوراً محورياً في إنتاج أشكال جديدة من الاستلاب الفكري. فالإعلام لا يكتفي بنقل الأخبار أو عرض الوقائع، بل يشارك في بناء المعاني وتحديد ما يستحق الاهتمام وما ينبغي تجاهله.

وقد أوضح بيير بورديو أن الهيمنة الحديثة تعتمد على ما سماه العنف الرمزي، وهو شكل من أشكال السيطرة غير المرئية التي تمارس عبر اللغة والتعليم والإعلام والمؤسسات الثقافية. وتكمن فعالية هذا العنف في أن ضحاياه لا يدركون غالباً أنهم يتعرضون له.

أما نعوم تشومسكي فقد كشف في تحليلاته للإعلام المعاصر أن المؤسسات الإعلامية الكبرى لا تعمل دائماً على نقل الحقيقة بقدر ما تعمل على تنظيم المجال العام وتوجيه الرأي العام وفق مصالح سياسية واقتصادية محددة.

إن تكرار الرسائل الإعلامية وتوحيد الصور والرموز والقيم يؤدي إلى إنتاج وعي جماعي يتعامل مع تصورات معينة باعتبارها حقائق بديهية لا تحتاج إلى نقاش. وهكذا يتحول الإعلام من وسيلة للتواصل إلى أداة لإعادة إنتاج الهيمنة.

الاستهلاك بوصفه شكلاً من أشكال الاستلاب

إذا كانت المجتمعات التقليدية قد عرفت أشكالاً من السيطرة السياسية والدينية، فإن المجتمعات المعاصرة أضافت إليها شكلاً جديداً يتمثل في السيطرة عبر الاستهلاك.

يرى الفيلسوف الفرنسي جان بودريار أن الإنسان الحديث لم يعد يستهلك الأشياء بسبب قيمتها الاستعمالية، بل بسبب ما تحمله من دلالات رمزية. فالسلعة أصبحت لغة اجتماعية تعبر عن المكانة والهوية والانتماء.

وبذلك يتحول الاستهلاك إلى أيديولوجيا متكاملة تعيد تعريف الإنسان من خلال ما يملك لا من خلال ما يفكر فيه أو يبدعه. وتصبح الرغبات نفسها خاضعة لمنطق السوق والإعلان والصورة الإعلامية.

ومن هنا ينشأ شكل جديد من الاستلاب يتمثل في اغتراب الإنسان عن حاجاته الحقيقية، حيث يطارد باستمرار حاجات مصطنعة تنتجها آليات السوق الرأسمالية.

الاستلاب الفكري في الفكر العربي المعاصر

لم يكن المفكرون العرب بعيدين عن تشخيص ظاهرة الاستلاب، بل قدموا إسهامات مهمة في فهم أسبابها وتجلياتها داخل المجتمعات العربية.

فقد رأى مالك بن نبي أن الاستعمار الخارجي لا يستطيع السيطرة على أمة ما إلا إذا وجدت لديها حالة داخلية من القابلية للاستعمار. وهذا المفهوم لا يهدف إلى تبرئة الاستعمار، بل إلى الكشف عن الشروط الثقافية والنفسية التي تسمح له بالنجاح.

أما محمد عابد الجابري فقد ركز على نقد البنية المعرفية للعقل العربي، محاولاً الكشف عن الآليات التاريخية التي أعاقت تطور العقل النقدي.

في حين دعا عبد الله العروي إلى اكتساب وعي تاريخي حديث يمكن المجتمعات العربية من تجاوز حالة التأخر والتبعية الفكرية.

أما محمد أركون فقد شدد على ضرورة إخضاع التراث نفسه للمراجعة العلمية والنقد التاريخي، معتبراً أن أي نهضة حقيقية لا يمكن أن تقوم على التسليم بالموروث دون مساءلة.

وتكشف هذه المقاربات مجتمعة أن الاستلاب في السياق العربي لا يرتبط فقط بالتبعية الخارجية، بل يرتبط أيضاً ببنى داخلية تعيق إنتاج المعرفة النقدية.

الذكاء الاصطناعي والخوارزميات: الوجه الجديد للاستلاب الفكري

دخل العالم في العقود الأخيرة مرحلة جديدة من تطور الهيمنة مع صعود المنصات الرقمية وتقنيات الذكاء الاصطناعي. وإذا كانت وسائل الإعلام التقليدية تؤثر في الوعي عبر الرسائل الجماعية، فإن الخوارزميات الرقمية أصبحت قادرة على التأثير في كل فرد بصورة خاصة ومصممة وفق بياناته الشخصية.

لقد أوجدت هذه التقنيات شكلاً جديداً من السلطة لا يعتمد على المنع أو الإكراه، بل على إدارة الانتباه وتوجيه السلوك. فالخوارزمية تحدد ما نراه، وما نقرأه، وما يصل إلينا من معلومات، وبالتالي تشارك في تشكيل رؤيتنا للعالم.

وقد قدم الفيلسوف الكوري الألماني بيونغ تشول هان تحليلاً عميقاً لهذه الظاهرة من خلال مفهوم السيكوسياسة، حيث يرى أن السلطة الرقمية الحديثة لم تعد تفرض الطاعة من الخارج، بل تدفع الأفراد إلى مراقبة أنفسهم وإنتاج خضوعهم الذاتي.

كما حذرت الباحثة الأمريكية شوشانا زوبوف من ظهور ما أسمته رأسمالية المراقبة، حيث أصبحت البيانات الشخصية مورداً اقتصادياً ضخماً تستخدمه الشركات العملاقة للتنبؤ بالسلوك البشري والتأثير فيه.

ومن جهة أخرى، أشار الباحث الأمريكي إيلي باريسر إلى ظاهرة فقاعات الترشيح التي تجعل الأفراد محاصرين داخل فضاءات معرفية مغلقة تعرض عليهم باستمرار المحتويات المتوافقة مع آرائهم السابقة، مما يقلل من فرص الحوار والتفكير النقدي.

إن أخطر ما في هذه المرحلة أن الاستلاب لم يعد مفروضاً عبر خطاب أيديولوجي واضح، بل عبر أنظمة تقنية تعمل في الخفاء. فالإنسان قد يعتقد أنه يمارس حريته الكاملة في الاختيار، بينما تكون اختياراته نفسها قد خضعت مسبقاً لسلسلة معقدة من عمليات التوجيه الرقمي.

وهكذا أصبح الذكاء الاصطناعي، على الرغم من إمكاناته الهائلة في خدمة المعرفة، يحمل في الوقت نفسه إمكانية التحول إلى أداة جديدة للهيمنة الرمزية إذا لم يقترن بتربية نقدية ووعي معرفي مستقل.

آفاق التحرر من الاستلاب

إن مواجهة الاستلاب الفكري لا تتحقق بالانغلاق الثقافي ولا برفض الحداثة والتكنولوجيا، بل ببناء عقل نقدي قادر على مساءلة الخطابات السائدة مهما كان مصدرها.

وقد أكد المفكر البرازيلي باولو فريري أن التربية الحقيقية ليست عملية تلقين، بل عملية تحرير للوعي وتمكين للإنسان من التفكير المستقل. كما أظهر ميشيل فوكو أن مقاومة السلطة تبدأ بفهم الآليات التي تنتجها وتعيد إنتاجها.

إن التحرر من الاستلاب يقتضي تعزيز الثقافة النقدية، وإعادة الاعتبار للبحث العلمي، وتشجيع الحوار الفكري، وتطوير نظم تعليمية تجعل من السؤال قيمة مركزية في عملية التعلم.

فالإنسان لا يصبح حراً لمجرد امتلاكه المعلومات، بل يصبح حراً عندما يمتلك القدرة على فحصها ونقدها واختيار موقفه منها بصورة واعية.

خاتمة

تكشف ظاهرة الاستلاب الفكري أن الصراع الأساسي في العصر الحديث لم يعد يدور حول السيطرة على الموارد المادية فقط، بل حول السيطرة على إنتاج المعنى وتوجيه الوعي. فمنذ هيغل وماركس إلى غرامشي وأدورنو وبورديو وفوكو، ظل السؤال الجوهري يتمحور حول الكيفية التي تفقد بها الذات استقلالها وهي تعتقد أنها تمارس حريتها.

لقد انتقلت الهيمنة عبر التاريخ من العنف المباشر إلى الهيمنة الثقافية، ومن السيطرة على المجال العام إلى السيطرة على المجال الرمزي، ومن توجيه الجماهير عبر الإعلام التقليدي إلى توجيه الأفراد عبر الخوارزميات الذكية. وفي كل مرحلة كانت السلطة تصبح أكثر قدرة على التخفي وأكثر مهارة في تحويل الخضوع إلى اختيار يبدو طوعياً.

إن الذكاء الاصطناعي يمثل اليوم أحد أبرز تجليات هذا التحول التاريخي. فهو يحمل إمكانات غير مسبوقة لتحرير الإنسان من كثير من القيود المعرفية، لكنه يحمل أيضاً إمكانية إنتاج أشكال جديدة من التبعية الفكرية إذا تُركت الخوارزميات تعمل بمعزل عن الرقابة الأخلاقية والنقدية.

ومن ثم فإن الرهان الحقيقي للمستقبل لا يكمن في امتلاك التكنولوجيا وحدها، بل في امتلاك القدرة على التفكير فيها ونقدها وتوجيهها. فالمجتمعات التي تحافظ على يقظة عقلها النقدي تستطيع تحويل أدوات العصر إلى وسائل للنهضة، أما المجتمعات التي تتخلى عن استقلالها الفكري فإنها قد تجد نفسها واقعة تحت أشكال من الهيمنة أكثر تعقيداً وأشد نفاذاً من كل ما عرفه التاريخ سابقاً.

***

 أ. مجيدة محمدي - شاعرة وكاتبة تونسية

.....................

المصادر والمراجع

هيغل، فينومينولوجيا الروح.

كارل ماركس، المخطوطات الاقتصادية والفلسفية لعام 1844.

كارل ماركس، رأس المال.

أنطونيو غرامشي، دفاتر السجن.

تيودور أدورنو وماكس هوركهايمر، جدل التنوير.

هربرت ماركوز، الإنسان ذو البعد الواحد.

بيير بورديو، الهيمنة الذكورية، والتمييز.

نعوم تشومسكي وإدوارد هيرمان، صناعة القبول.

جان بودريار، مجتمع الاستهلاك.

ميشيل فوكو، المراقبة والعقاب.

باولو فريري، تعليم المقهورين.

مالك بن نبي، شروط النهضة.

محمد عابد الجابري، نقد العقل العربي.

عبد الله العروي، الأيديولوجيا العربية المعاصرة.

محمد أركون، الفكر الإسلامي: نقد واجتهاد.

 

منذ فجر التاريخ، والإنسان ممزق بين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون، بين نداء الغريزة ونداء المعنى، بين شهوة الامتلاك وتوق التحرر. وما التاريخ كله إلا سجل طويل لهذا الصراع الوجودي. غير أن نضج الإنسانية يبدأ عندما تكف عن البحث عن أعدائها في الخارج، وتبدأ بمواجهة الظلال الكامنة في أعماقها؛ لأن الشر ليس دائما في الآخر، والتعصب ليس دائما في الجماعات الأخرى، والقسوة ليست دائما في الأنظمة وحدها، بل هي احتمالات تسكن النفس البشرية ذاتها. وعندما يمتلك الإنسان شجاعة معرفة نفسه، تتهاوى أوهام التفوق، ويتبدد غرور اليقين، ويولد ذلك التواضع المعرفي النادر الذي يجعل من الحقيقة رحلة لا امتلاكا، ومن الحكمة بحثا لا ادعاء، ومن الإنسانية أفقا مفتوحا لا هوية

تستعيد الإنسانية وجهها المفقود، وتخرج من ركام هذا التشظي الهائل أكثر وعيا بذاتها، وأكثر جدارة باسمها العظيم: الإنسان، عندما تدرك أن التقدم ليس في ارتفاع الأبراج، بل في سمو الضمائر، وأن الحضارة ليست ما نبنيه من حجر وحديد، بل ما نزرعه من رحمة وعدالة وجمال في القلوب.

تستعيده حين تتوقف عن عبادة الأشياء، وتعود إلى اكتشاف قيمة الكائن، حين يكف الإنسان عن قياس نفسه بما يملك، ويبدأ في قياسها بما يمنح، وبما يتركه من أثر طيب في حياة الآخرين

وتستعيده حين تنحسر ضوضاء المصالح لتسمع من جديد همسات الضمير، وحين تتراجع الأنانية التي جعلت العالم ساحة صراع مفتوح، ليحل محلها ذلك الإدراك العميق بأن مصير البشر واحد، وأن جراح أي إنسان هي ندبة في جسد الإنسانية كلها.

تستعيد الإنسانية وجهها المفقود عندما تتصالح مع حقيقتها الأولى، تلك الحقيقة البسيطة التي ضاعت وسط ضجيج المصالح والصراعات، وهي أن الإنسان لم يخلق ليكون ذئبا لأخيه الإنسان، بل شريكا له في رحلة الوجود، وعابرا معه فوق هذا الكوكب الهش الذي يتسع للجميع.

تستعيد الإنسانية وجهها المفقود عندما تتحرر من عبودية المادة التي حولت الإنسان من غاية إلى وسيلة، ومن روح إلى رقم، ومن كائن يحلم إلى آلة تنتج وتستهلك. عندها فقط تستعيد الأشياء أحجامها الحقيقية، ويستعيد الإنسان مكانته التي سلبتها منه أسواق لا تعرف سوى الربح، وعصور لا تعترف إلا بالقوة.

تستعيد الإنسانية وجهها المفقود عندما يصبح العقل فضيلة لا تهمة، والسؤال طريقا إلى المعرفة لا سببا للإدانة، وعندما يتوقف الخوف عن مصادرة الفكر، فتولد الأفكار الحرة القادرة على توسيع أفق الإنسان بدلا من تضييقه داخل أسوار اليقين المغلق.

تستعيد الإنسانية وجهها المفقود عندما تدرك أن الاختلاف ليس لعنة حلت بالبشر، بل حكمة أودعتها الحياة في نسيجها العميق. فالتنوع ليس شرا ينبغي القضاء عليه، بل ثروة وجودية تمنح العالم ألوانه المتعددة. وعندما يتعلم البشر الإصغاء بعضهم إلى بعض، يكتشفون أن ما يجمعهم أوسع بكثير مما يفرقهم.

تستعيد الإنسانية وجهها المفقود عندما يصبح التسامح تعبيرا عن القوة الأخلاقية لا عن الضعف، وعندما ينظر الإنسان إلى الآخر بوصفه مرآة أخرى لذاته، لا خصما يجب هزيمته. فكل كراهية هي اعتراف ضمني بالعجز عن الفهم، وكل تعصب هو خوف مقنع من اتساع الحقيقة.

تستعيد الإنسانية وجهها المفقود عندما تتحرر الأديان من صخب الصراعات التي أحاطت بها، وتعود إلى فضائها الروحي الرحب. عندما يصبح الإيمان شأنا يخص الضمير، لا ساحة للمنافسة والفرز والإقصاء. وعندما يتوقف البشر عن تعريف بعضهم بعضا من خلال الطوائف والمذاهب والعقائد، ويبدؤون في التعارف بوصفهم بشرا يحملون الآمال نفسها والآلام نفسها والأسئلة نفسها. عندها يتراجع الانقسام، ويولد شعور أعمق بالانتماء إلى الأسرة الإنسانية الكبرى.

تستعيد الإنسانية وجهها المفقود عندما تصبح الحرية حقا أصيلا لا امتيازا يمنح أو يسحب، وعندما يمتلك كل إنسان حقه في أن يفكر ويعتقد ويعبر ويختار مساره في الحياة دون خوف أو وصاية. فالكرامة الإنسانية لا تكتمل إلا في فضاء الحرية، ولا يزدهر العقل إلا حيث تتنفس الإرادة بلا قيود

تستعيد الإنسانية وجهها المفقود عندما تدرك أن العدالة ليست بندا في الدساتير، بل روحا تسري في العلاقات بين البشر. فعالم بلا عدالة هو عالم فاقد لتوازنه الأخلاقي، مهما بلغ من التقدم العلمي أو الازدهار الاقتصادي.

تستعيد الإنسانية وجهها المفقود عندما تتعلم أن الأرض ليست إرثا نملكه، بل أمانة نحملها، وأن الأجيال القادمة ليست ظلا بعيدا في المستقبل، بل شركاء غير مرئيين في كل قرار نتخذه اليوم

تستعيد الإنسانية وجهها المفقود عندما تنتصر على أوهام التفوق، وتتخلى عن غرورها التاريخي، وتفهم أن عظمة الإنسان لا تكمن في سيطرته على الآخرين، بل في قدرته على الارتقاء فوق نوازعه البدائية، وعلى تحويل القوة إلى رحمة، والمعرفة إلى حكمة، والحرية إلى مسؤولية

تستعيد الإنسانية وجهها المفقود عندما تعي أن وجودها نفسه ليس حقيقة مكتملة، بل مشروع دائم التشكل. فالإنسان ليس ما هو عليه الآن، بل ما يستطيع أن يصير إليه. إنه الكائن الوحيد الذي يتجاوز نفسه باستمرار، ويقف على تخوم الممكن باحثا عن معنى أرحب لحياته. وحين يفهم البشر أن الرحلة أهم من الأجوبة النهائية، وأن الأسئلة الكبرى أكثر خلودا من العقائد الجامدة، وأن الحقيقة بحر لا شاطئ له، عندها يتحررون من أوهام الكمال ومن غواية امتلاك الحقيقة المطلقة، ويصبح التواضع أمام اتساع الوجود بداية الحكمة

وعندئذ فقط، لن يكون الأمل مجرد مقاومة يائسة للعتمة، بل سيصبح أفقا جديدا للوجود. وعندئذ فقط، ستنظر الإنسانية إلى مرآتها من جديد، فلا ترى وجها أنهكته الحروب والأحقاد والانقسامات، بل ترى وجها أكثر صفاء ونبلا واتساعا، وجها يليق بالإنسان الذي حلمت به الفلسفة، وبشرت به الأخلاق، وانتظرته الإنسانية طويلا.

 وستنهض من تحت أنقاض قرون طويلة من الخوف والكراهية والاغتراب، وقد تعلمنا أن الإنسان أثمن من كل العقائد حين تتحول إلى سجون، وأبقى من كل الأيديولوجيات حين تتحول إلى أصنام، وأعمق من كل الحدود التي رسمتها السياسة أو التاريخ أو المصالح.

وعندئذ فقط، سوف يسقط كل ما هو زائف، وتبقى الحقيقة البسيطة التي حاولت الإنسانية نسيانها طويلا: أننا لم نولد لنتقاتل على طرق الوصول إلى النور، بل لنسير معا نحوه.

***

ابتهال عبد الوهاب

 

(الحرية والتكليف والذات الأخلاقية للمرأة في الفقه الإسلامي)

ليكون الإنسان فاضلا، يجب أن يكون حرا، واعيا صاحب مسؤولية، أما الشخص الذي يجبر على الطاعة وتنفيذ ما يطلب منه، فهو ليس حرا، ولذلك لا يمكن أن نعده إنسانا فاضلا أو خيرا، أو حتى مكلفا، فهو محبوس ضمن نطاق يرسم له حدود حركته، ويكون تحت المراقبة والمتابعة القسرية المباشرة، وتحتاج أية حركة منه الى إذن. لينتج - بعد ذلك - الإنسان المطيع.

التكليف الديني يفترض أن المرء يكون حرا ليصح، أما أن ترسم له حدود معينة يجب أن لا يتجاوزها، فإذا تجاوزها يُجوّع ويعرّى فهذا يشبه الاستعباد المقنن.

المرأة والخضوع القسري

إن الخضوع لنظام اجتماعي هرمي يكون به المرء مجرد أداة للآخر حتى يعيش، والبديل هو القتل المادي أو المعنوي، فهو نظام ليس الهيا أو بشريا، لكن البعض رسمه هكذا بناء على فهمه الاجتماعي الذي كان يعيش فيه، حيث التراتبية الصارمة التي كانت نظاما يحكم المجتمعات القديمة عامة .

إنّ نظام الولاية والقوامة و(الطاعة مقابل النفقة) بالمعنى الذي فهمه المسلمون، يجعل تكليف المرأة ملغيا، فكل وصاية تحرم الانسان من حرية الاختيار، تجعله خارج نطاق التكليف الحر، وهذا يحدث تضاربا بين قانون التكليف الالهي الذي يخاطب الجنسين به، وبين مفردات فقهية جزئية رسموها كما لو كانت حقيقة فقهية مطلقة، حتى أن أدت الى خروج النساء من حيز التكليف.

إنّ بعض البنى الفقهية والاجتماعية لم تكتف بتنظيم حياة المرأة لتكون خاضعة، بل أعادت تشكيل وعيها وجسدها وحركتها عبر منظومة مستمرة من الرقابة والمعاقبة، بحيث تتحول المرأة من ذاتٍ أخلاقية حرة إلى كائن يخضع للسلطة خوفًا من العقاب المادي والمعنوي. إن الخطاب المهيمن يعيد تشكيل المرأة لتتبنى أفكار المنظومة التشريعية والاجتماعية كما لو كانت طبيعية لا تحتاج الى مقاومة. وهذا أخطر شيء تقوم به السلطة الاجتماعية غير المرئية، فالإنسان سيتبنى أفكاراً قامعة لأجل القبول المجتمعي، ونظرة الناس اليه، فلا يشعر بالقيود والضغط الاجتماعي المسلط عليه، بل تبدو كما لو كانت اختياراته الخاصة في شكلها الطبيعي لها.

ربط منفعة الجسد بالنفقة:

لا ينبغي أن يكون الدين والأخلاق أداة سيطرة وقمع لجنس كامل بحجة أن الاله في عليائه يأمر بذلك. حين تربط معيشة المرأة بطاعتها، في قضية لا يمكن للإنسان أن يطيع بها على طول الخط، لأنها خاضعة للمزاج، وعادة تكون غير اختيارية، فالطاعة المطلوبة هي طاعة تسليم الجسد في " الفراش " وهذا أمر غير اختياري بالكامل .

كيف يطلب الفقهاء هذا الأمر كما لو كان ممكنا فعل ذاك؟ أليس هذا تكليفا بما لايطاق! يبدو كاغتصاب وفيه تدمير للنفس الإنسانية، وهدر لمشاعر المرأة الحساسة- كما يفترض- فهي ريحانة وليست بقهرمانة .

فالانسان ليس جسدا فقط، فقد تطيق المراة جسديا فعل ذلك، لكن الروح والنفس ستتأذيان إذا تم ذلك بالإكراه. فهل يؤمن الفقهاء بالجسد فقط ؟

الإنسان يستطيع أن يقرر الذهاب الى العمل أو أداء الصلاة أو دفع المال، أو السفر لكن لايستطيع أن يقرر ببساطة أن يشعر بالرغبة أو الارتياح النفسي. أن الشعور بالأمان أو الخوف أو طبيعة العلاقة العاطفية بين الزوجين، إضافة الى التعب والإرهاق والحالة النفسية تلعب أدورا فاعلة في التقارب الجسدي، لذا فأن مطالبة الانسان بإنتاج شعور أو استعداد نفسي بشكل دائم تبدو مختلفة عن مطالبة الإنسان بفعل إرادي عادي كالإنفاق مثلا .

هل تتواجد الحرية في ربط الإطعام بمدى الاستحابة الجنسية ؟

هل ستبقى الموافقة الجنسية حرة فعلا، في هذا الربط، أم أنه تقنين للإغتصاب الجسدي والنفسي ؟

إن الموافقة الحقيقية تتطلب القدرة على الرفض دون خسارة الحقوق الأساسية، أما اذا كان رفض العلاقة يؤدي الى فقدان النفقة أو المسكن والأمان الاقتصادي، فأية حرية بقت لها ؟

إن الفقه التقليدي غالبا ينظر الى الإمكان الجسدي، فإذا كانت قادرة جسديا على المعاشرة، وليس عندها مانع شرعي، فلايعد ذلك تكليفا بما لايطاق، أما النظرة المعاصرة للانسان، فترى أن الانسان ليس جسدا فقط، وأن الإكراه النفسي قد يجعل الفعل مرهقا أو مؤذياً رغم القدرة الجسدية .

لماذا أصبحت هذه القضية مركزية اليوم؟

إن التصورات الحديثة للزواج تغيرت اليوم تغيرا جذريا، ففي السابق كان الزواج يفهم غالبا بوصفه عقدا ينظم الحقوق والواجبات بين طرفين غير متساويين في الأدوار، ويعقدان على أمور مختلفة، أما إنسان اليوم- فيرى علماء الاجتماع والفلاسفة- انه ينظر الى الزواج باعتباره علاقة تقوم على: الرضا المتبادل والشراكة والاستقلال للشريكين والكرامة الشخصية لكل منهما، والحق في السلامة الجسدية والنفسية، ومن هنا يظهر التوتر والصراع والجدل بين النموذج الفقهي القديم والنموذج الحقوقي الحديث.

أن المرأة تملك ذاتا أخلاقية، فلا يصح النظر اليها باعتبارها موضوعا للوصاية، أو كائنا ناقص الأهلية الأخلاقية، بل هي ذات حرة عاقلة ومسؤولة، لها القدرة على الاختيار واتخاذ القرار وتحمل نتائج أفعال، لذا أي نظام قانوني أو اجتماعي يقلل أو يقلص استقلالها، ويجعلها تابعة لإرادة شخص آخر يثير إشكالا أخلاقيا يتعلق بمدى الاعتراف بإنسانية المرأة ومكانتها بوصفها فاعلا أخلاقيا مستقلا .

***

بتول فاروق - العراق / النجف

٣٠/ ٥/ ٢٠٢٦

 

لا ينهض مجتمع وهو غارق في إنكار ذاته، متصالح مع ترديه، مأسور في دائرة مغلقة من الاجترار العقيم للماضي، والتوجس المزمن من المستقبل. إذ لا تبنى الأمم على التقديس الأعمى، ولا على المواعظ المتكلسة، بل على جرأة النقد، وعمق الوعي

و لا يمكن لمجتمع أن يخطو نحو المستقبل بثبات ما دام أسير رؤى ماضوية، تسبغ القداسة على كل فكره، وتلبس الجمود ثوب الأصالة.

 فالأزمات التي تتخبط فيها مجتمعاتنا العربية ليست طارئة ولا عابرة بل هي نتاج طبيعي لبنى فكرية وسياسية واقتصادية لم تواكب تحولات العالم، ولم تنتج أدواتها الخاصة للفهم والتجاوز

إن أخطر ما يصيب الأمم ليس الاحتلال العسكري، بل الاحتلال الذهني؛ ذلك الذي يجعل الإنسان خائفا من السؤال، مرتابا من العقل، مذعورا من الحرية.

وحين يتحول التفكير إلى تهمة، والنقد إلى خيانة، والاجتهاد إلى خروج عن القطيع، تدخل المجتمعات طورا طويلًا من العطب الحضاري، حيث يتكرر التاريخ بوصفه مأساة لا درسا، ويصبح الماضي جدارا يحجب الضوء بدل أن يكون نافذة للفهم.

لقد ورثنا تاريخا طويلا، لكن المأساة أننا لم نتعامل معه بوصفه تجربة إنسانية قابلة للفهم والنقد والتجاوز، بل بوصفه نصًا مغلقا مكتملا لا يجوز الاقتراب منه

إننا نعيش في زمن تتراجع فيه أسس الأنسنة تراجعا مخيفا حيث يختزل الانسان إلى رقم، أو تابع، أو حامل لهوية مغلقة. وحين تغيب الأنسنة تغيب الحرية بوصفها فعلا وجوديا

حين تقصى الحداثة بدعوى الأصالة، وتجهض الأنسنة تحت شعارات الخصوصية أو الهوية، يصبح العقل مشتبها به، والمستقبل مؤجلا إلى أجل غير مسمى. ويتحول التاريخ من مدرسة للتعلم إلى سجن ذهني، يملينا دروسا منتهية الصلاحية، ويرهبنا من الخروج عن نصوصه

لقد صار الإنسان العربي معلقا بين ماض يطالبه بالطاعة، وحاضر يطالبه بالاستهلاك، ومستقبل لا يملك أدوات الوصول إليه. ولهذا تتآكل روحه شيئا فشيئا

ما نحياه اليوم من تراجع ليس إلا نتيجة منطقية لتكلس العقل، وعجز الخيال، وخوف الجموع وحتى النخب من التحرر من السائد والمألوف

فمن دون وعي تاريخي نقدي، يغدو الماضي عبئً لا ميراثا ومن دون خيال مستقبلي يصبح الغد نسخة باهتة من الأمس. هكذا فقط، تستعيد الأمة قدرتها على النهوض: حين تفكر، لا حين تتعصب. حين تبني لا حين تتحسر. حين تؤنسن وجودها، لا حين تقدسه

والأنسنة ليست دعوه ضد الدين.. ولا تمردا على الهوية، كما يتوهم الكثيرين، بل هي إعادة الاعتبار للإنسان بوصفه القيمة العليا في العمران والتاريخ. أن يكون الإنسان غاية لا وسيلة، صوتا لا صدى، ذاتا حرة لا مجرد تابع في قطيع الأيديولوجيا أو الطائفة أو السلطة، بل هي جوهر كل نهضة حقيقية. أن نعيد الإنسان إلى مركز الوجود، لا كظل للمقدس ولا كترس في آلة السلطة، بل ككائن حر يحيا ليبدع، لا ليطيع؛ يتألم ليفهم لا ليقمع. يقرأ ليرتقي، لا ليتحجر. تلك هي المفارقة التي لا تزال مجتمعاتنا تتعر فيها: نقدس الأطر ونهمل الإنسان. نرفع الشعارات ونكسر الكائن، نتمسك بالقيم لفظا وننسى من خلقت لأجله

فالمجتمعات لا تقوم بالبنى التحتية فقط بل بالبنى الإنسانية: كيف ننظر إلى أنفسنا؟.. كيف ننظر الي الآخر المختلف؟

كيف نربي أبناءنا؟ كيف نعرف معنى الحريه والكرامة الإنسانية؟

من هنا تبدأ المعركة الحقيقية: معركة الأنسنة في وجه التشييء، الحداثة في وجه التحجر، الحب في وجه الخوف. فلا خلاص من التردي إلا حين نصوغ مشروعا إنسانيا يحرر الإنسان لا من ماضيه فقط بل من اثار القراءة المغلقة لهذا الماضي، حينها فقط يمكن أن يخرج من كهف الظلال إلى ساحة الضوء والحريه

مشروعا حضاريا يعيد بناء الإنسان من الداخل فكرا، ووجدانا وكرامة. مشروع يربط الحداثة بالعدالة، والعقل بالمعنى، والحرية بالمسؤولية... فهل نستطيع؟.

***

ابتهال عبد الوهاب

هناك شعوب تعلمت كيف تؤجل أسئلتها الكبرى إلى ما بعد الموت، حتى نسيت كيف تعيش قبل الموت.. شعوب تحفظ تفاصيل الفردوس بدقة مدهشة، لكنها تعجز عن بناء شارع نظيف، أو مدرسة حقيقية، أو وطن لا يبتلع أبناءه بالخوف والفقر والقمع.

و ثمة مفارقة موجعة تسكن وعينا منذ قرون؛ أننا نحفظ خرائط السماء أكثر مما نفهم تضاريس الأرض، ونجادل بحرارة حول عدد أبواب الجنة، بينما نعجز عن فتح نافذة صغيرة للحرية في أوطاننا المختنقة.

نتقن وصف الحور والأنهار والثمار والحرير، لكننا نفشل في وصف طريق واضح نحو العدالة، أو بناء دولة لا يهان فيها الإنسان، ولا يسرق فيها الفقير باسم العقيدة أو الوطن أو الطائفة.

لقد تحول الدين، في كثير من مجتمعاتنا، من سؤال أخلاقي يوقظ الضمير إلى مخدر جماعي يؤجل مواجهة الواقع. صرنا نربى على انتظار الجنه أكثر مما نربى على صناعة الحياة. نحفظ تفاصيل ما بعد الموت، لكننا نجهل أبسط قواعد العيش الكريم قبل الموت. وكأن الإنسان العربي ولد ليكون خبيرا في الغيب، وأميا في إدارة الحاضر.

فمنذ الطفولة، يجري تلقين الإنسان في مجتمعاتنا أن العالم الحقيقي ليس هنا، بل هناك، في مكان مؤجل خلف الغيب. فيكبر وهو يشعر أن الأرض مجرد محطة انتظار طويلة، وأن العدالة ليست مسؤولية بشرية بل وعد سماوي مؤجل، وأن المقهور لا يحتاج إلى ثورة بقدر ما يحتاج إلى الصبر. وهكذا يتحول الألم إلى فضيلة، والخضوع إلى حكمة، والعجز إلى قدر مقدس

إن المأساة لا تكمن في الإيمان بالجنة، فالإيمان حاجة روحية وإنسانية عميقة، بل في تحويل هذا الإيمان إلى بديل عن العقل والعمل والمعرفة.

حين يصبح الحديث عن الآخرة وسيلة للهروب من خراب الدنيا، تتحول العقائد إلى جدار يحجب الشمس عن العقول. ولهذا عاشت مجتمعات كاملة وهي تعرف بالتفصيل ماذا يأكل المؤمن في الجنة، لكنها لا تعرف كيف تمنع طفلا من الموت جوعا أو قهرا أو جهلا على الأرض.

لقد أنهكت عقولنا بأسئلة لا تغير الواقع:

كم عدد الحور العين؟

كيف تبدو القصور؟

ما شكل الثياب؟

لكن أحدا لم يعلم الأجيال كيف تبنى جامعة حقيقية، أو كيف تصان كرامة الإنسان، أو كيف يهزم الفساد، أو لماذا يتحول الحاكم إلى صنم مقدس، ورجل الدين إلى وصي على العقول.

حفظنا أوصاف الأنهار السماوية، بينما تركنا أوطاننا عطشى للحرية والمعرفة والعدالة. وهكذا نشأت أجيال تحفظ لغة الماورائيات، لكنها ترتبك أمام أبسط أسئلة الحضارة.

أجيال تتحدث عن الملائكة أكثر مما تتحدث عن حقوق الإنسان، وتخاف من الشك أكثر مما تخاف من الاستبداد، وتعتبر السؤال جريمة، بينما تعتبر الطاعة فضيلة مطلقة.

إن الأمم لا تتقدم بكثرة ما تحفظه عن السماء، بل بقدرتها على إعمار الأرض. فالإنسان لم يخلق ليكون سائحا مؤجلا إلى الجنة، بل كائنا مسؤولا عن تحويل هذا العالم إلى مكان أقل قسوة وأكثر عدلا.

الحضارة لا تولد من كثرة الحديث عن العالم الآخر، بل من احترام هذا العالم أولا. من الإيمان بأن الإنسان ليس مجرد عابر مؤقت، بل مسؤول أخلاقي عن مقاومة الظلم وصناعة المعنى والدفاع عن الحرية.

وكل عقيدة لا تدفع الإنسان إلى مقاومة الظلم، ومواجهة الجهل، والدفاع عن الحرية، تتحول، مهما بدت مقدسة، إلى أداة لإنتاج العجز التاريخي.

ربما كانت أزمتنا الكبرى أننا لم نفهم بعد أن الطريق إلى الله لا يمر عبر الهروب من الإنسان، وأن السماء نفسها لا يمكن أن تكون راضية عن أرض يملؤها القمع والكراهية والفقر والتكفير.

فلا معنى لكل أحلام الفردوس، إذا كنا عاجزين عن بناء وطن لا يخاف فيه الإنسان من كلمة، ولا يقتل فيه العقل باسم الحقيقة المطلقة.

إن الحضارة تبدأ حين يكف الإنسان عن سؤال:

"ماذا سنأكل في الجنة؟"

ويبدأ أخيرا بسؤال أكثر خطورة وصدقا:

كيف نجعل الحياة على الأرض أكثر إنسانية؟

وربما كان السؤال الحقيقي الذي تخشاه مجتمعاتنا ليس: كيف ندخل الجنة؟

بل: كيف أصبحنا عاجزين إلى هذا الحد عن بناء حياة تليق بالإنسان؟

***

ابتهال عبد الوهاب

بينما يحتفل العالم بمرور تسعمائة عام على ميلاد ابن رشد، ويعيد اكتشافه بوصفه أحد أعظم المدافعين عن العقل والحرية والتسامح، نقف نحن على الضفة الأخرى من التاريخ، نغلق أبواب الفلسفة بأيدينا، ونطارد السؤال كما لو كان جريمة، ونعامل التفكير النقدي باعتباره خطرا يهدد سلامة القطيع.

بينما تدرس كتب ابن رشد في جامعات العالم باعتباره الشارح الأكبر لـ أرسطو، وصاحب المشروع الذي أنقذ العقل الأوروبي من ظلمات العصور الوسطى، ما زالت مجتمعاتنا تخشى الفلسفة

فالسلطة التي تخاف من الإنسان الحر، تخاف بالضرورة من كل علم يعلمه كيف يفكر، وكيف يشك، وكيف يقول: لماذا؟

إن المفارقة ليست مؤلمة فحسب، بل تكاد تكون مهينة حضاريا. فالرجل الذي أحرقت كتبه ونفي وعوقب لأنه دافع عن العقل، عاد اليوم ليحتفى به عالميا باعتباره رمزا للحداثة الفكرية، بينما ما زلنا نحن نعيد إنتاج المناخ ذاته الذي حاكمه قبل قرون، ولكن بأسماء وشعارات جديدة.

نحتفل بالماضي ونتغنى بابن رشد في الخطب، ثم نغلق أقسام الفلسفة في الجامعات. نتحدث عن التنوير، ثم نهمش العلوم الإنسانية، ونحول المؤسسات الثقافية إلى منصات لإعادة تدوير الماضي.   

حتى المنابر التي كان يفترض أن تكون حصونا للفكر الحر، أصبحت أحيانا أكثر خوفا من الفلسفة نفسها؛ المؤسسات التي كان يجب أن تدافع عن العقل النقدي، بات بعضها يستضيف خطابا تقليديا يعيد إنتاج الوعي المغلق ذاته الذي حارب ابن رشد قديما.

اعتقد إن الاحتفاء الحقيقي بابن رشد لا يكون بإقامة المؤتمرات ورفع الصور، بل بإعادة الاعتبار للعقل النقدي، وفتح أبواب الفلسفة أمام الأجيال الجديدة، والدفاع عن حق الإنسان في التفكير الحر دون خوف من التكفير أو الإقصاء أو السخرية.

فالذين أحرقوا كتب ابن رشد قديما، كانوا يظنون أنهم يطفئون الفكرة، لكن التاريخ أثبت أن الأفكار لا تموت بالحرق، بل تموت فقط حين يتصالح المجتمع مع جهله.

وهكذا، بعد تسعمائة عام، لا يبدو أن معركة ابن رشد انتهت. لقد تغيرت الملابس، وتبدلت الوجوه، لكن الحرب على العقل ما زالت مستمرة… فقط أصبحت أكثر أناقة، وأكثر قدرة على التنكر باسم الفضيلة والدين.

بعد تسعمائة عام على ميلاد ابن رشد، يبقى السؤال الأكثر إيلاما: هل ما زلنا نخاف من العقل إلى هذا الحد؟.. أم أن المأساة الأعمق هي أننا لم نعد ندرك أصلا معنى أن يكون الإنسان كائنا يفكر؟

ربما في وجهه نظري ان المأساة الأكبر أننا لم نعد نحرق كتب الفلاسفة كما فعل القدماء، لأن الأمر لم يعد ضروريا أصلا؟.

لقد أصبح بالإمكان قتل الفكرة بطريقة أكثر حداثة ووحشية: بتهميشها، والسخرية منها، وتجفيف منابعها داخل الجامعات، والمؤسسات وتحويل المجتمع إلى آلة ضخمة لإنتاج النسخ المتشابهة.

يا ساده لا يمكن لأي أمة أن تدخل المستقبل بعقل يخاف من السؤال ويرتعد من الشك ويرتبك من كلمه تأويل أو تفكيك.  ولتعلموا ان ابن رشد قد انتصر بعد موته أكثر مما انتصر في حياته؛ لأن الأفكار العظيمة لا يهزمها النفي ولا الحرق ولا التكفير.. الذي يهزم حقا هو المجتمع الذي يعلن الحرب على عقله، ويطفئ مصابيح النقد بيديه، ثم يتساءل بعد ذلك لماذا يعيش في العتمة. لهذا، فإن السؤال الحقيقي بعد تسعمائة عام على ميلاد ابن رشد ليس: هل انتصر العقل؟

بل: كم بقي لدينا من الشجاعة كي نعترف أن خلاصنا لن يأتي من المزيد من الطاعة.. بل من إنسان يجرؤ على التفكير؟

سلاما على ابن رشد وسلاما على كل عقل يدفع ثمن تفكيره وجعا وألما واقصاءً.. وسلاما على الذين يمشون ضد القطيع حاملين مصابيحهم الصغيرة وسط هذا الليل الطويل، وعلى كل فيلسوفٍ اختار أن يرى… رغم أن الرؤية كانت موجعة.

سلاما على الذين لم يبيعوا عقولهم مقابل الطمأنينة، ولم يستبدلوا الحقيقة بالراحة، ولا السؤال بالطاعة.

وسلاما على الفيلسوف.. ذلك الكائن النبيل الذي يطارد في كل عصر، لأنه يذكر الإنسان دوما بأنه خلِق ليفكر.. لا لينحني.

***

ابتهال عبد الوهاب

تتحدد الهوية السياسية للإنسان بين تصورين متباينين: الإنسان بوصفه مواطنًا، والإنسان بوصفه رعية، ففي التصور الأول يتجلى الإنسان ذاتًا قانونية وأخلاقية فاعلة، يتأسس وجود الدولة على اعترافها به مواطنًا كامل الحقوق والمسؤوليات، ويغدو شريكًا في صناعة الشأن العام، لا تابعًا لإرادة فوقية، أما في التصور الثاني فينكمش الإنسان إلى موقع التابع، وتُبنى العلاقة السياسية على منطق الوصاية، حيث يُقدَّم الحاكم بوصفه راعيًا، ويُنظر إلى الناس بوصفهم رعية، كما شاع في مجتمع دولة الخلافة، في هذا الأفق تنحسر فاعلية الإنسان، ويتراجع حضوره في المجال العام، ويبهت معنى المواطنة بوصفها تعبيرًا عن الكرامة والحرية والمسؤولية المشتركة.

في دولة المواطنة الحديثة، لا تتشكل هوية الدولة إلا من خلال هوية الإنسان بوصفه مواطنًا، إذ يمنح توصيف الإنسان مواطنًا الدولة معناها، ويحدد طبيعة نظامها، ويرسم أفق شرعيتها، لأن الدولة هنا لا تقوم على روابط ما قبل وطنية، بل على رابطة قانونية وأخلاقية تؤسس لعلاقة متوازنة بين الإنسان والوطن. عندئذ يغدو كل تشريع، وكل قرار، وكل موقف سياسي، محكومًا بمعيار واحد هو الانتماء إلى الوطن، بوصفه إطارًا جامعًا للحقوق والواجبات، لا إلى الدين، ولا إلى المذهب، ولا إلى القومية، ولا إلى أي انتماء ضيق يختزل الإنسان ويقيده خارج أفق المواطنة التي تصون كرامته وتكفل حريته وتؤسس لعيش مشترك يقوم على العدالة والاعتراف المتبادل.

الوطن في سياق هذا المفهوم، لا يُختزل إلى مساحة جغرافية، بل يتجلى إطارًا جامعًا يحتضن جميع أبنائه على اختلاف معتقداتهم وانتماءاتهم، ويمنحهم معنى الانتماء المشترك الذي يتجاوز كل رابطة ضيقة، وكل ما لا يستمد مشروعيته من هذا المعنى للوطن، ولا يتصل بكرامة الإنسان بوصفه مواطنًا، يظل خارج أفق دولة المواطنة الحديثة. تتأسس هذه الدولة على المواطنة الدستورية وسيادة القانون، وعلى منظومة قيم تنسجم مع روح العدالة وتترجمها في الواقع، بحيث يخضع الجميع للقانون من دون امتياز ومن دون استثناء. في ضوء هذا الفهم تتأسس الدولة التي ترى في الإنسان غايتها، فتصون كرامته، وتحمي حرياته، وتبني العيش المشترك بوصفه تعاقدًا قانونيًا وأخلاقيًا بين مواطنين أحرار، يتقاسمون المسؤولية كما يتقاسمون الحقوق، ويصوغون معًا معنى الوطن في حياتهم اليومية. لا تتحقق دولةُ المواطنة الحديثة بالفضائل الأخلاقية الفردية وحدها، لأن الأخلاق، مهما سمت، لا تؤسس نظامًا عامًا قادرًا على إدارة المجتمع، ولا تحلّ محلّ القانون، ولا تعوّض عن المعارف العلمية والخبرات المؤسسية التي تقوم عليها الدولة الحديثة. الأخلاق قيمة روحية وإنسانية عليا، غير أنها تعمل في مجال الضمير الشخصي، بينما تتشكل الدولة في مجال التنظيم، والتشريع، وتوزيع السلطة، وإدارة المصالح العامة.

كما أن الرهان على الإيمان والتقوى لا تكفي لحماية الدولة من الفساد، ولا تضمن العدالة، ولا تصون كرامة الإنسان، ما لم يتحقق ذلك في إطار قوانين عادلة، ومؤسسات تخضع للمساءلة، ونظام لبناء الدولة الحديثة يستمد أسسه من العلوم الإنسانية والاقتصادية والسياسية والحقوقية الحديثة. الدولة لا تقوم على طهارة الضمائر وحدها، وإنما تتأسس على تنظيم عادل للسلطة، وفصل حقيقي للسلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، وإدارة عادلة للمصالح العامة، ومعايير واضحة للمحاسبة والرقابة. إن مشكلات الحكم وإدارة الدولة لا تجد طريقها إلى الحل عبر المواعظ أو حسن النيات، وإنما تحتاج إلى عقل مؤسسي قادر على قراءة الواقع كما هو، وإلى تدبير عقلاني يعي تعقيد المجتمع وتعدد مصالحه، وإلى امتلاك أدوات الدولة الحديثة التي تتيح تحقيق التنمية الشاملة، وضمان الحقوق، وصيانة المواطنة بوصفها رابطة قانونية وأخلاقية جامعة، تتجسد في الواقع المعيش، ولا تبقى وعدًا أخلاقيًا مؤجَّلًا في أفق الأمنيات.

لا تُقاس الكفاءة السياسية والإدارية بدرجة التقوى والورع الديني، ولا تُستمد أهلية الحكم من طهارة الروح، ولا من الانتماء الاعتقادي، ولا من الوفاء للمدونة الفقهية الموروثة. تتحدد أهلية الحكم بالكفاءة المهنية، والخبرة العملية، والقدرة على إدارة مؤسسات الدولة، وخدمة المصلحة العامة، والإخلاص للوطن والمواطن، وتحمل المسؤولية الأخلاقية والقانونية تجاه جميع المواطنين على قدم المساواة. أخفقت الدول الدينية في عصرنا إخفاقًا واسعًا في بناء مؤسسات حديثة قادرة على الإدارة الرشيدة، كما عجزت عن ترسيخ الانتماء الوطني الجامع، وحماية المصالح والمصائر المشتركة لمجتمعاتها. أنهك الفساد هذه الدول، وتغلغل في بنيتها الإدارية والاقتصادية، حتى صارت تتقدم على غيرها في مؤشرات الفساد العالمية، في مشهد يكشف عجز تدين رجال السلطة عن إنتاج دولة عادلة، ويؤكد أن إدارة الدولة شأن معرفي ومؤسسي ينتجه العقل وتراكم الخبرة البشرية، لا اختبارًا دينيًا لتدين المسؤول.

يتطلب بناء الدولة الحديثة وعيًا سياسيًا ناضجًا، وإدراكًا عميقًا لبنيتها المركبة، ومعرفة دقيقة بمنطق إدارتها، واعتمادًا على العلوم والمعارف والخبرات المتخصصة في تنظيم السلطة وتسيير المؤسسات العامة. الدولة شأن عام تحكمه القواعد، وتضبطه القوانين، وتديره مؤسسات تخضع للمساءلة. إن التقوى وطهارة القلب يمكن أن تثري الضمير الأخلاقي للفرد، وتدعم التزامه بالقانون واحترامه للآخرين، غير أن هذه القيم تظل في مجالها الروحي والأخلاقي، ولا تتحول بذاتها إلى أسس صالحة لبناء دولة المواطنة أو لترسيخ نظام سياسي حديث. الدولة الحديثة تتأسس على العقل المؤسسي، وعلى سيادة القانون، وعلى إدارة عادلة للمصالح العامة، تضمن الحقوق، وتحمي كرامة الإنسان، وتساوي بين المواطنين بوصفهم شركاء في الوطن، لا رعايا يُختبرون بمعايير التدين أو سلامة القلوب وصفاء النيات.

تنشأ دولة المواطنة الحديثة حين يتأسس المجال العام على القانون العادل، وعلى منظومة حقوق وحريات تصون كرامة الإنسان، وتكفل المساواة بين المواطنين جميعًا، وتضمن العدالة في تنظيم السلطة وتوزيع المسؤولية. لا تتوقف شرعية هذه الدولة على درجة التدين الفردي، ولا على صفاء الضمائر، ولا على الانتماءات الاعتقادية. الدولة شأن عام يقوم على الدستور وينظمه القانون، وتديره مؤسسات، وتحكمه قواعد واضحة خاضعة للمساءلة. لا يحول غياب التقوى والورع دون قيام دولة تحمي الحقوق والحريات، ما دام القانون حاضرًا، وما دامت القيم العامة منسجمة معه، وما دام تطبيقه يسري على الجميع من غير تمييز. القانون العادل حين يحكم المجال العام يحد من تغول السلطة، ويكبح الفساد، ويؤسس للثقة بين الفرد والدولة، ويمنح المواطنين شعورًا بالأمان والاستقرار. أما الأخلاق، على سموّها، فتعمل في مجال الضمير الشخصي، وتغني الحياة الإنسانية، وتدعم الالتزام بالقانون، غير أنها لا تتحول بذاتها إلى نظام لإدارة الدولة أو أداة لتنظيم الشأن العام. تقوم دولة المواطنة على مبادئ العدالة، والمساواة، وسيادة القانون، ولهذا تتقدم دول كثيرة غير مسلمة في كفاءة مؤسساتها، وفي جودة إدارتها، وفي ترسيخ الثقة العامة، حيث يتحلى موظفوها بدرجة عالية من المهنية، ويؤدون أعمالهم بإخلاص، ويحترمون القانون، من غير أن يستند أداؤهم إلى انتماء ديني أو مرجعية اعتقادية. في هذه التجارب، لا يُختبر المواطن في ضميره، ولا يُسأل عن إيمانه، لأن الدولة تقيس أداء الأفراد بالكفاءة، وتحدد المسؤوليات بالقانون، وتضبط السلطة بالمحاسبة.

تجدر الإشارة إلى الفرق بين أخلاق الفضيلة الفردية، والفلسفة الأخلاقية بوصفها أساسًا لمشروعية القانون. لا أنكر أن الفلسفة الأخلاقية تمثّل مرجعية أساسية لكل قانون عادل، غير أني أجيب هنا على ما يدّعيه بعض أتباع الإسلام السياسي، ممن تصدّروا مواقع السلطة في وطننا، حين يبالغون في التأكيد على أن الأخلاق والتقوى كافيتان لحماية الدولة من الفساد. فقد سمعتُ وزيرًا سابقًا يردّد بثقة: "الأيادي المتوضئة لا تسرق"، غير أن الوقائع الموثّقة كشفت أن بعض هذه الأيادي المتوضئة تورّط في سرقة مليارات الدولارات من أموال الشعب العراقي، وهذا يفضح وهم الاكتفاء بشعارات أخلاق الفضيلة، ويؤكد أن حماية الدولة لا تتحقق إلا بمؤسسات راسخة، وقوانين صارمة، ورقابة فعّالة يتساوى فيها الكل ولا تستثني أحدًا.

***

د. عبد الجبار الرفاعي

إن التراث الديني، في جوهره، نتاج تفاعل معقد بين النص المقدس وتأويلات البشر عبر العصور. وبينما يبقى النص الأصلي ثابتا في قدسيته، فإن ما تراكم حوله من شروح وتفاسير وفتاوى، إنما هو تعبير عن عقول تاريخية، محكومة بظروفها الاجتماعية والسياسية والمعرفية. وهنا تكمن الإشكالية، إذ كثيرا ما يتم الخلط بين المطلق والبشري، بين الإلهي والتأويلي، فيرفع ما هو نسبي إلى مقام اليقين، ويفرض ما هو تاريخي بوصفه أبديا.

إن الدعوة إلى مراجعة هذا التراث ليست دعوة إلى الهدم، بل إلى التمييز، تمييز بين ما يخدم إنسانية الإنسان، وما يقوضها. فما كان في الماضي استجابة لضرورات اجتماعية أو سياسية، قد يتحول اليوم إلى أداة قمع أو تبرير للعنف. وما كان ينظر إليه يوما بوصفه عدلا، قد يبدو في ضوء الوعي المعاصر ظلما فجا، لا يليق بكرامة الإنسان

لم يعد التراث حبيس المخطوطات أو رهين حلقات الدروس الدينية في المساجد، بل صار يعيش معنا في كل لحظة، تعيد إنتاجه خوارزميات المنصات الرقمية بوتيرة أسرع من قدرة العقل على التمحيص. في فضاء الفيس بوك التيك توك، لم تعد الأحاديث والمرويات تقرأ في سياقها الكامل، بل تقتطع، وتجزأ، وتعاد صياغتها بما يخدم خطابا أيديولوجيا معينا. وهكذا تتحول بعض المقولات التراثية من اجتهادات تاريخية إلى حقائق صلبة يعاد تدويرها بلا وعي، فتفقد معناها الأصلي، وتكتسب دلالات قد تكون أشد قسوة من سياقها الأول

ولم يعد الخطر محصورا في الكتب القديمة أو ما يعرف بـالكتب الصفراء التي تحمل بين طياتها قراءات مشحونة بسياقات تاريخية بالية، بل امتد الخطر إلى فضاءات إعلامية حديثة، تقدم فيها تلك المضامين نفسها في قوالب مبسطة، عبر برامج دينية شعبية تعتمد على التلقين أكثر من التحليل، وعلى الاستدعاء الآلي لمرويات عمرها قرون، دون أدنى محاولة لإعادة قراءتها أو مساءلتها. هذه البرامج، رغم انتشارها الواسع، تساهم في تكريس وعي جمعي هش، قائم على الاستهلاك السريع للمعلومة، بدلا من بناء فهم نقدي متماسك.

لقد علمنا التاريخ أن الجمود على المعنى هو بداية انحرافه، وأن النص حين ينتزع من سياقه، يتحول من هداية إلى أداة تسلط. ومن هنا فإن إعادة قراءة النصوص التراثية في ضوء القيم الإنسانية الكبرى، كالحرية والعدالة والرحمة، ليست ترفا فكريا، بل ضرورة أخلاقية. إنها محاولة لاستعادة جوهر الدين، لا صورته المتحجرة.

غير أن هذا المسعى يواجه مقاومة شديدة، إذ يخشى البعض أن تؤدي غربلة النصوص إلى زعزعة الإيمان أو تفكيك الهوية. لكن الحقيقة أن الإيمان الذي يخشى السؤال إيمان هش، وأن الهوية التي لا تتجدد تتحول إلى عبء على أصحابها. فالغربلة في جوهرها ليست نفيا للماضي، بل تحرير له من سوء الفهم، وإنقاذ له من الاستخدام الأيديولوجي.

لقد تنبه عدد من الفلاسفة والمفكرين إلى خطورة التعامل مع التراث بوصفه كتلة صماء خارج التاريخ،  منهم نصر حامد أبو زيد فقد ميز بين النص والخطاب، معتبرا أن كثيرا مما يقدم بوصفه دينا ليس إلا قراءة بشرية تاريخية، وأن النص لا يكتمل إلا بتأويله.

وفي الامتداد المعاصر للفكر النقدي، يبرز صوت الفيلسوف حسن حماد بوصفه من أبرز الداعين إلى تحرير الوعي من أسر النقل الجامد، حيث يرى أن التراث لا يفهم إلا بإخضاعه لمساءلة عقلية تكشف طبقاته الخفية، وتفصل بين ما هو إنساني قابل للتطور، وما هو سلطوي استخدم لتكريس الهيمنة. وهو يؤكد أن أخطر ما يواجه العقل العربي ليس نقص المعرفة، بل غياب الجرأة على إعادة النظر فيما نعده يقينا. وفي السياق ذاته قدم الفيلسوف الراحل مراد وهبة طرحا حادا وجادا في الدفاع عن العقلانية النقدية، معتبرا أن تجديد الفكر الديني لا يمكن أن يتم دون تبني موقف علماني يحرر المجال العام من التوظيف الأيديولوجي للنصوص، ويعيد الدين إلى فضائه الروحي والأخلاقي. ويرى أن غياب هذا الفصل هو ما يسمح للنصوص التراثية بأن تتحول إلى أدوات صراع بدلا من أن تكون منابع قيم.

في هذا السياق أيضا تبرز رؤية الفيلسوف الدكتور محمد عثمان الخشت بوصفها محاولة لإعادة بناء الخطاب الديني من الداخل، لا عبر القطيعة معه بل من خلال تجديد مناهجه وآلياته. ينطلق الخشت من فكرة أن الأزمة ليست في الدين ذاته، بل في طرق التفكير التي أنتجت فهما تاريخيا جامدا، ومن ثم يدعو إلى الانتقال من “العقل النقلي إلى العقل النقدي، ومن تكرار التراث إلى إعادة قراءته وفق معطيات العصر.

ومن زاوية سوسيولوجية، قدم عالم الاجتماع الدكتور Ahmed A. Zayed  قراءة عميقة لطبيعة العلاقة بين التراث والمجتمع، حيث يرى أن النصوص لا تعيش في فراغ، بل تتحرك داخل بنى اجتماعية تعيد إنتاجها وفق مصالحها وسياقاتها. ومن ثم فإن بقاء بعض التأويلات التراثية لا يرجع إلى قوتها المعرفية بقدر ما يرتبط بوظيفتها الاجتماعية في تثبيت أنماط معينة من السلطة أو الهوية. ويؤكد أن أي محاولة حقيقية لتجديد الخطاب الديني لا يمكن أن تنجح دون فهم هذا التشابك بين النص والواقع، ودون تفكيك الآليات التي تضفي على بعض القراءات طابع القداسة.

وهكذا تتكامل هذه الرؤى لتؤكد أن غربلة التراث ليست خيارا ثقافيا فحسب، بل ضرورة وجودية لحماية الإنسان من أن يسلب إنسانيته باسم ما لم يعد ينتمي إلى زمنه. إنها ليست مجرد فعل فكري، بل عملية تحرير مزدوجة، تحرير للنص من إسقاطات المجتمع، وتحرير للمجتمع من هيمنة قراءات لم تعد تعبر عن تحولاته ولا عن تطلعاته. وتعدد القراءات ليس ضعفا، بل ثراء يكشف حيوية المعنى.

إن أعظم خيانة للنص ليست في نقده، بل في تجميده، وأخطر ما يمكن أن نفعله بالماضي هو أن نحوله إلى سجن للحاضر.

إننا اليوم أمام مفترق طرق، إما أن نستمر في استنساخ قراءات قديمة دون وعي بتحول السياق، فنعيد إنتاج الأزمات ذاتها، أو أن نمتلك شجاعة المراجعة، فنفصل بين ما هو إنساني وما هو تاريخي. وفي هذا الفصل يكمن الأمل في بناء وعي ديني أكثر اتساعا وأكثر انسجاما مع كرامة الإنسان.

وأكرر مرة أخرى، الغربلة ليست فعل رفض، بل فعل اختيار، اختيار لما يستحق أن يستمر، وما يجب أن يترك لزمنه الذي ولد فيه. وحين نمتلك شجاعة هذا الاختيار، نكتشف أن الدين في جوهره لم يكن يوما نصوصا تتلى، بل معنى يعاش، وقيمة تتجدد كلما تحرر الإنسان من خوفه، وأعاد اكتشاف إنسانيته.

وفي النهاية أقول إن إنقاذ الحاضر لن يحدث الا عبر قراءة شجاعة للماضي، وإن مستقبل الإنسان لا يبنى على تراكمات غير مفحوصة، بل على وعي نقدي ينتقي، ويعيد التشكيل، ويمنح المعنى فرصة جديدة للحياة. وما كان يعد عدلا في بنية قبلية قائمة على العصبية والانتماء الضيق، قد يغدو في إطار الدولة الحديثة ظلما صريحا يتعارض مع مفاهيم المواطنة والمساواة.

ويظل الخوف من نقد التراث حاضرا بقوة، لا لأنه مقدس فحسب، بل لأنه يمثل مرآة الهوية التي يخشى الإنسان تحطيمها. فالنقد هنا لا يستقبل كفعل معرفة، بل كتهديد للانتماء، وكأن مراجعة الأفكار تعني فقدان الجذور. وفي العمق يكشف هذا الخوف عن قلق نفسي عميق، الخوف من الفراغ، من فقدان اليقين، من مواجهة عالم بلا مسلمات جاهزة. لذلك فإن تحرير التراث لا يمر فقط عبر نقد النصوص، بل عبر شجاعة داخلية تعيد تعريف العلاقة بين الإنسان وماضيه.

***

ابتهال عبد الوهاب

 

منذ فجر الحكاية حين همس النص المقدس بأول صراع في الوجود، وضع الشيطان على منصة الاتهام الأبدي. ذاك المنفي الأزلي في الوعي البشري، الكائن الذي لم نره يوما ولم نسمع صوته، ومع ذلك جعلناه عدوا مطلقا، رمزا لكل خطايانا، وظلا لكل انكساراتنا.

نرجم صورته بالحجارة كل عام، كأننا نغسل أيدينا من الدماء التي لوثتها اختياراتنا، كأننا نعلن براءتنا أمام السماء. لكن لنسأل بصدق: هل كان الشيطان حقا مسبب الشرور أم أنه صار كبش الفداء الأزلي الذي علقنا عليه كل أوزارنا لننجو من مواجهة حقيقتنا؟ أيكون الشيطان قاتلنا أم يكون شاهدا على جريمتنا؟

ربما لم يكن يوما ذلك الكائن المتمرد الذي نتصوره، ربما كان ضحية أول قرار حر في الكون، دفع ثمن كلمة "لا" أمام سطوة الأمر، فصار منفيا خارج النور، مطرودا من رحمة الوعي البشري قبل رحمة الإله.

لم يكتب دفاعا عن نفسه، ولم يطلب استئنافا في محكمة الوجود، ولم يصدر بيانا ليقول: لست أنا من أشعل الحروب ولا أنا من سلح الكراهية ولا أنا من سرق الخبز من أفواه الفقراء

هو يعرف سرنا الذي نخاف الاعتراف به.. أن الشر فينا أعمق من وساوسه وأن الخراب الذي نراه في العالم ليس إلا مرآة لخراب نفوسنا. نحن الذين صنعنا الأصنام ثم سجدنا لها، نحن الذين اخترعنا الكراهية ووزعناها كالأعياد، نحن الذين خلقنا الشيطان في وعينا لننجو من مواجهة أنفسنا

ربما يكون الشيطان أكثر براءة منا جميعا، فهو لم يقتل باسم الله، ولم يبرر الطغيان بالنصوص، ولم يزرع الحدود في الجغرافيا ولا الأسلاك في العقول. إنه في صمته الطويل ضحية وعينا الجمعي، ضحية خيباتنا التي ألقيناها فوقه حتى تفرغنا من ذنوبنا، وها نحن نرجم وهما صنعناه، وما زال الخراب فينا لا فيه.

كانط في فلسفته الأخلاقية يقرر أن الشر الأصلي ليس في الشيطان بل في إرادة الإنسان، فالإنسان بقدرته على الاختيار يملك الحرية الكاملة في أن يفعل الخير أو يزرع الخراب. الشر إذن قرار داخلي وليس همسا خارجيا، لكننا نتمرد على هذه الحقيقة لأن مواجهة أنفسنا أصعب من لعن الشيطان. فنخلق وهما مريحا، نؤمن أن هناك كائنا خفيا غامضا يدفعنا إلى الخطيئة، وبذلك نبقي أيدينا نظيفة أمام الله والتاريخ.

أما نيتشه فيرى أن فكرة الشيطان ليست إلا اختراعا ثقافيا صنعه الضعفاء ليبرروا عجزهم، فعندما يعجز الإنسان عن السيطرة على غرائزه أو يقمع شهواته باسم الدين أو الأخلاق، يحمّل الشيطان مسؤولية كل ما لا يستطيع الاعتراف برغبته فيه، وهكذا يصبح الشيطان مرآة لرغباتنا المكبوتة لا مصدرا لها.

نحن نلعنه ليلا ونهارا، نرجمه في طقوسنا.  نحمله خطايانا.  نعلن براءتنا على حسابه.  بينما يظل صامتا لا يرد. إنه الضحية الصامتة لخيباتنا، ضحية خوفنا من مواجهة أنفسنا، ضحية عجزنا عن الاعتراف بأن الشر فينا أعمق من أي وسوسة غيبية.

ربما لو توقفنا عن البحث عن الشيطان في الخارج، وبدأنا مواجهة الشيطان الذي يسكننا، لاكتشفنا أن أول خطوة نحو الخلاص ليست في رجم الآخر، بل في تحرير وعينا من وهم البراءة

في الاعتراف بأننا لسنا أبرياء كما نحب أن نصدق. فحين نكف عن البحث عن الشر في الخارج، ونبدأ تفكيكه في أعماقنا، عندها فقط يسقط القناع، ويتحرر الوعي من وهم البراءة، ويصبح الإنسان – لأول مرة – مسؤولا عن إنسانيته

***

ابتهال عبد الوهاب

 

كفوا عن الركوع لمدارس الوهم؛ مدارس "حدثني ثقة" و"جاء في الأثر" و"أثبتت الدراسات" و"أجمع العلماء".. و"قال السلف" وأفتى الإمام.  تلك المعابد التي تصنع يقينا زائفا وتسور به العقول لتمنع عنها ضوء الحقيقة.

لقد صارت العنعنة هذا التسلسل اللامتناهي من عن فلان عن فلان. سلاسل خفية حول العقل تقمع بها الأسئلة وتستعبد بها العقول كأن الحقيقة لم تخلق لترى، بل لتحكى عبر وسطاء لا يسمح بتخطيهم.

إنها مصانع كبرى لإنتاج أجيال من المؤدلجين والمغيبين عقول تقدس الخرافة وتضعها على عرش الحقيقة، بينما الحقيقة نفسها تساق إلى المحرقة في صمت. هناك، في هذا الفضاء المسور باليقين الجاهز لا مكان للشك، ولا فسحة للتساؤل، ولا مجرد فرصة لأن نرى العالم بعيوننا قبل أن نراه بعيون غيرنا.

لكن رحلة العقل، في جوهرها، ليست رحلة طمأنينة بل رحلة هدم. والهدم هنا ليس عبثا، بل هو فعل تطهير.

 أن تهدم ما شيدوه فيك من أوهام حتى ترتفع على أنقاضها نافذة جديدة تطل على اتساع الكون. الشك هو النفس الأول للوعي، والوعي نفسه ليس أن تكثِر مصادر المعرفة، بل أن تملك حريه الدخول في صراع معها، أن تجرؤ على زلزلة اليقين حين يصبح اليقين جدارا عازلا بينك وبين الحقيقة.

الوعي لا يولد في حضن الطمأنينة، بل في رحم الشك. هو تمرد العقل على وصاية الموروث، وهو المطرقة الأولى التي تهدم جدران الخرافة. الوعي ليس كثافة المعرفة، بل حريتها.. أن تجرؤ على النظر خلف النصوص، أن تضع المقدسات تحت المجهر، وأن تؤمن بأن الحقيقة لا يؤسسها سوى الصراع معها.

غياب الوعي لا يعني غياب الفكر، بل يعني هيمنة فكر واحد أريد له أن يكون سورا يحجب عنك احتمالات العالم. وما وراء السور حياة أخرى؛ هناك تتكشف الطبقات المخفية من المعنى، هناك يبدأ الإنسان في أن يكون إنسانا.

احذروا اليقين الجاهز فكل يقين جامد قبر صغير للفكرة. واختاروا درب الشك. ذلك الدرب الوعر الذي لا يسلكه إلا القلة التي ترفض النوم في حضن القطيع. فالذين يملكون شجاعة التفكير هم وحدهم الذين يغيرون مسار التاريخ.

وحرية المعرفة هي المعنى العميق للإنسان الحر. أن تتجرد من الأحكام المسبقة، أن تقف أمام الفكرة بلا خوف، أن تدرك أن الحقيقة لا يملكها أحد ولا يورثها نص ولا يحرسها حارس.

وما الوعي إلا شجاعة مواجهة الذات قبل مواجهة الآخرين أن تضع مقدساتك على الطاولة، وتعيد النظر في مرجعياتك، وتدرك أن الأفكار التي تبدو أبدية قد تكون مجرد غبار متراكم على نافذة الروح.

يا رفاق الطريق.. الوعي ليس ترفا فلسفيا، بل هو فعل تحرر. إنه إعلان تمرد على اليقين المعلب، وخطوة أولى نحو عالم يتنفس فيه العقل بلا قيود. والقله التي تختار هذا الدرب والتي تتقن فن الشك، هي وحدها التي تغير مسار التاريخ لأنها وحدها تمتلك الشجاعة لتقول: لا في وجه من قالوا نعم.

***

ابتهال عبد الوهاب

 

العقل ليس خزانة نكدس فيها الكتب ولا مخزنا نرص فيه أفكار الفلاسفة وأحلام الشعراء، ومقولات الأدباء. بل هو نهر لا يعرف الثبات، يجري ويغير مجراه كلما اصطدم بحجر الحقيقة أو صخرة الشك. إن كثرة القراءة لا تصنع وعيا بالضرورة، فالذي يقرأ ولا يفكر كمن يشرب البحر عطشا، لا يزداد إلا ملحا في حلقه، أما المعرفة الحقيقية فليست في عدد ما نحمل من المقولات والاقتباسات، بل في قدرة العقل على أن يواجه ذاته والكون بلا وصاية ولا قيد. فالقراءة، مهما بلغت كثرتها، لا تمنحنا وعيا حقيقيا إذا لم تصحبها إرادة للفهم الحر

إن امتلاكنا الحق في التفكير المستقل هو أعلى أشكال الحرية الإنسانية، لأن العقل إذا لم يتحرر من ثقل الموروثات وسلطان الرأي السائد صار أسيرا لماض لم يختره، وسجينا لآراء لم يولدها بنفسه. عندها تتحول المعرفة إلى قيود أنيقة، ونصير مجرد صدى لأصوات بعيدة لا نعرف جذورها ولا نلمس حقيقتها.

لكن الطريق إلى هذا الاستقلال ليس مفروشا باليقين، بل بالأسئلة والشكوك والمغامرة. إن الرأي المستقل لا يولد إلا في رحم الجدل، حيث تصطدم الفكرة بنقيضها، وحيث تختبر البراهين وتحاصر المعتقدات حتى تكشف عن حقيقتها أو تنهار. هنا فقط ينفتح الباب أمام التوالد الفكري، أمام لحظة الخلق العقلي التي تضع الإنسان في مواجهة ذاته والعالم معا.

فالحرية العقلية لا تتحقق بلا ثمن فهي مغامرة محفوفة بالمخاطر. فالعقل الحر لا يسير على دروب ممهدة، بل يقتحم مناطق الشك المظلمة حيث تتصارع الفكرة ونقيضها، وحيث تختبر البراهين وتتهاوى المسلمات. هناك فقط، في أتون الجدلية، يولد الرأي المستقلّ: لا بوصفه يقينا نهائيا، بل باعتباره مرحلة في رحلة لا تنتهي من البحث والاكتشاف.

أما حين يعجز العقل عن الفهم، ويتراجع عن مواجهة المجهول، تتقدم العاطفة لتملأ الفراغ، وتظهر الأحكام المسبقة لتقيم ممالكها فينا. نرفض ما لا نفهمه رفضا أعمى أو نقدسه تقديسا أعمى، وفي كلا الحالتين نصير عبيدا لجهلنا. هناك، حيث يسود الجمود، تموت الفلسفة، ويتحول الفكر إلى طقس جاف يردده الناس كما يرددون تعاويذهم القديمة

الفلسفة، في جوهرها، ليست سوى جرأة الوعي: أن نختبر كل شيء، أن نحتفظ بحقنا في الشك، أن نحيا في حضرة السؤال لا في عبودية الجواب. فالعقل الذي يجرؤ على الحيرة أقرب إلى الحكمة من عقلٍ يحتمي وراء قلاع اليقين الجاهز.

الفلسفة لا تطلب منك أن تعرف كل شيء، بل أن تجرؤ على السؤال، أن تجرد العقل من وصاياه، أن تقف على تخوم المجهول بلا خوف، وتحتفظ لنفسك بحقك المقدس في أن تقول: "لا أعلم"، وبحقك الأعظم في أن تفكر وحدك، حتى وإن خالفت العالم بأسره.

***

ابتهال عبد الوهاب

 

تبدو حدود النقد في المجال الدينيَّ وكأنَّها تتحرك وفق منطق خفيّ لا يخضع دائمًا لقواعد المعرفة بقدر ما ينصاع لحاجات الهوية وآليات حفظ الذات. وإِلَّا فالنقد- بمنطق المعرفة- وهو ضرورة عقلية ودينية وأخلاقية، فالعقل، حين يتقدم نحو تفكيك تراثه الداخلي، يُستقبل في الغالب من قبل الآخر (الدينيَّ، السياسيَّ، الاجتماعيَّ، الاقتصاديَّ) بوصفه صوتًا إصلاحيًا يسعى إلى ترميم الحقيقة من داخلها؛ لكن هذا العقل النقدي نفسه، ما إن يمدّ بصره إلى آفاق الأديان أو الجماعات الأخرى، حتى تتحول مبادراته إلى فعلٍ "متجاوز" أو " منفلت" أو " متخطي" يهدد ما تراكم من قداسة ورمزية وحدود غير مرئية لأصحاب هذه الأديان والثقافات. من دون بصيرة بأنّ النقد حين ينكفئ على الذات (الدينيّة أو المجتمعية أو السياسية) فقط يتحول إلى جلد للنفس وحين يتجه إلى الآخر وحده يغدو تعصبًا. أمّا حين يتسع لكليهما فإنّه يثمر وعيًا يحرر ولا يقصي ويمنحنا قدرة أعمق على فهم منطق التعدد وتاريخ الخطأ والصواب في تراثنا المشترك.

في قلب هذه المفارقة يحدثنا محمد أركون عن التجربة التي حصلت معه، يقول:" إن مثال نقد العقل الإسلاميَّ الذي أقوم به يوضح بكل جلاء أنَّ المسيحيين واليهود يصفقون بكل حرارة لهذه المحاولة ما دامت محصورة بتفكيك أصول هذا العقل. ولكنهم سرعان ما يصبحون عدائين إذا ما أراد " مسلم" ما أنّ يوسع من حدود هذا النقد: أقصد إذا ما تجرأ على التدخل في شؤون الدينين اليهودي والمسيحي للذين لا يمكنه إِلَّا وأن يجهلهما بالضرورة (بحسب رأيهم) هكذا أضرب هنا مثالا محسوسا ودقيقا تماما: إذ حتى رفيق دربي الطويل الأب كلود جيفري يبدي هنا تحفظات أفهمها ولكنني أرفضها علميًا1"

إنَّ المفارقة التي يلمح إليها محمد أركون في هذا النص ليست انطباعًا عابرا، وإنما هي بنية نفسية– اجتماعية عميقة تتكرر كلما حاول عقلٌ ما أنّ يخرق الحدود التي رُسمت له بعناية عبر الأزمنة. فالتجربة التي عاشها أركون، ودوّنها بهذه الصراحة، ليست سوى نموذج مكثّف لما تعيشه العقول التي تعتزم مساءلة الأطر التي صارت بمرور الزمن بمثابة "مساحات مقدّسة" "وتابوات" يُحرَّم الاقتراب من تخومها أو مساءلة شرعيتها.

فالمرء المسلم، إذا انخرط في نقد تراثه الدينيّ الداخلي- سواء كان مسلمًا شيعيًا أو سنيًا- سيجد تصفيقًا حارًا من الضفة المقابلة. سيُحتفى به بوصفه "مستنيرًا"، جريئًا، متقدما على أبناء ملّته. فالسني سيجد في الشيعي الناقد لتراثه علامة على التعقل والحداثة، والشيعي سيقرأ السني الناقد لتراثه بوصفه نموذجًا على الشجاعة الفكرية ومقاومة الجمود. إِلَّا أنّ هذا الاحتفاء سرعان ما يتبدد لحظة يتحوّل النقد من الداخل إلى الخارج، من نقد الذات إلى نقد الآخر. عند تلك اللحظة، يتخذ المشهد منحى مختلفًا: تُستدعى الخطوط الحمر برموزها، وتُستعاد لغة القداسة بهالتها، ويعلو الصوت بأنّ "هذه المساحة لا يجوز الاقتراب منها".

إنها إذن مفارقة تكشف أنّ الأطر الدينية- كما غير الدينية- لا تُنتج فقط منظومات للمعرفة، بقدر ما تُشيّد أيضًا أنظمة حساسة للهوية والهيمنة والتمثيل. فليس الممنوع هو النقد في ذاته، وإنما النقد الذي يمسّ حدود "المساحة الخاصة" للجماعة؛ تلك المساحة التي تُصاغ رمزيًا على أنَّها الامتداد الطبيعي للإرادة الإلهية، أو الامتداد التاريخي للحقيقة الموروثة التي لا يحق لغير أبنائها مساءلتها والتأمل فيها.

وهكذا تتجلّى المفارقة التي تنحتها التجربة البشرية في كل سياق معرفي: الكلّ يشجّعك على نقد الآخر، لكن لا أحد منهم يريد أنّ يرى مرآته مرفوعة أمامه لينظر حجم المفارقات والتجاعيد والهالات والتصدعات فيه. الكلّ يرحّب بأن تُعرّي التصدّعات في جدار غيره، أما الاقتراب من جدار الجماعة والملة فمحرم، لأنّ كل جماعة- دينية أو مذهبية أو فكرية- تخشى أنّ ترى تهافتها أو هشاشتها بوضوح، وهذا ما كنت أقوله دائمًا مع طلابي بأنَّ النقد مروع للذات- الشخصية أو ذات الجماعة.

ويمكن تناوش وتمظهر هذه الظاهرة تاريخيًا في ملفات مختلفة: ففي الإسلام، استُقبل نقد المعتزلة- من قبل بعض اتجاهات الاستشراق- للتيارات النقلية بوصفه محاولة إصلاح داخلي للعقل الإسلاميَّ، بينما انقلبت الاستجابة إلى رفض واتهام ما إن حاولوا مساءلة أصل الظاهرة الدينية في الأديان من كثرها بدائية إلى أكثرها تطورًا وتعقلًا. وكذلك موقف ابن خلدون؛ إذ قبل الآخر نقده للطبقات التاريخية للمسلمين لأنّه ظل ضمن إطار معرفي حضاري داخلي، بينما كان نقده للأمم الأخرى أقل قبولاً.

وفي التاريخ المسيحي، يحتفى-من قبل بعض المسلمين- بسبينوزا عندما يضع "الكتاب المقدس"، وتاريخ المعتقد اليهودي والمسيحي على محك النقد، ويحاول موضعته وتفكيكه، بينما يقل هذا القبول عندما يتناوش التجربة الإسلاميَّة من خلال العصر التركي2.

وفي اليهودية، فقد استُقبل نقد موسى بن ميمون للتراث العقلي باعتباره فلسفةً دينية مشروعة، لكنَّه تعرض للرفض والاتهام بالزندقة حين توسع نقده إلى تصورات أساسية للذات الجماعية اليهودية، مما اضطر كتبه إلى الاختفاء لفترة طويلة.

وفي العالم المعاصر، نرى نفس النمط: الغرب يرحّب بنقد الفكر الإسلامي لأنه يعزز تفوقه الرمزي، لكنّه يرفض النقد حين يمتد إلى المساحات المؤسسة في المسيحية أو العقل الليبرالي الحديث. وهكذا، يجد محمد أركون تصفيقًا حارًا عند نقده للعقل الإسلاميّ، ويواجه عداءً عند نقده للعقل اليهودي أو المسيحي.

وهذه المفارقة، بما تنطوي عليه من تداخل والتباس بين الهوية والمعرفة والحقيقة، هي في واقعها بنية راسخة ينبغي تحليلها كلما أردنا فهم حدود النقد ومحدداته، وما يُسمح للعقل أنّ يراه، وما يُجبر على غضّ النظر عنه.

تكشف المفارقة التي يشير إليها محمد أركون يمكن النظر فيها على أكثر من جانب، فهي من الناحية الفلسفية، تتأسس جذورها على صراع قديم بين تصورين للحقيقة: الحقيقة بوصفها قيمة إنسانية كونية قابلة للفحص والنظر وإعادة النظر، والحقيقة بوصفها ملكية جماعية تحتكرها كل طائفة وتغلفها بالقداسة. وعندما ينخرط المرء في نقد تراثه الداخلي، فإن الآخر يرى في ذلك سعيًا لترميم الحقيقة وإعادة إنتاجها، لا تهديدًا لها. أما حين يصدر النقد من خارج الحدود إلى الداخل، فإنه يتحول إلى طعن في امتياز الجماعة واحتكارها للمعنى، لأنه يكشف ما تراكم حوله الصمت ويقوّض ما تم ترسيخه بوصفه "يقينًا". هنا يصبح نقد الخارج اعتداءً على الهوية لا مجرد اعتراض معرفي.

وأيضا يمكن التأمل في ذلك من زاوية نفسية، إذ تتصرف الجماعة كـ "أنا جمعية" تمتلك حدودًا حساسة حيال أي اختراق خارجي. فالنقد الداخلي يُستقبل بوصفه فعلًا إصلاحيًا يشبه عتاب الذات أو مراجعتها، بينما النقد الخارجي يُستقبل باعتباره تهديدًا يكشف العيوب أمام الآخرين. إن الجماعة تعمل وفق آليات دفاع تشبه ما لدى الفرد: إسقاط، إنكار، تحصين. فهي تحتمل أنَّ يرى أبناؤها خللها، لكنّها لا تحتمل أنّ يُعرّيها غريب. ولذلك يصبح ما يُقال من الداخل "جرأة محمودة"، وما يُقال من الخارج "عدوانًا" حتى لو كان المحتوى واحدًا في الحالتين.

أما في أفق الاجتماع، فإن الجماعة تمتلك رأسمالًا رمزيًا متراكمًا عبر التاريخ: منظومات من الرموز، الروايات، الطقوس، السرديات، والشرعيات. والنقد الداخلي يُعدّ محاولة لإعادة صقل هذا الرأسمال وترميمه، بينما النقد الخارجي يهدد مكانة الجماعة أمام غيرها لأنه يعرض هذا الرصيد للتشكيك والاهتزاز. يلمح بيبر بورديو- عالم الاجتماع الفرنسي- في المقابلة التي أجريت معه ونشرتها مجلة الفكر العربي المعاصر في العدد (3) إلى أهمية الرأسمال الرمزي في المجتمعات ما قبل الصناعية أو ما قبل الرأسمالية. وقال بأن ارتباط هذه المجتمعات بكل فئاتها برأسمالها الرمزي هو ارتباط عضوي جسدي، وإنه مسألة حياة أو موت. وسوف تبقى كذلك ما دام رأسمالها المادي لم يتطور بشكل صحيح، وما دام الفقر والجوع والحروب تهددها باستمرار.

لذلك نرى الجماعات تحتفي بمن ينتقد الآخر، لأنّه يكرّس تفوقها الرمزي، لكنّها وفي اللحظة نفسها تستنفر كل آلياتها الدفاعية حين يمتد النقد إلى مساحتها الخاصة.

ومن منظور سوسيولوجي، فإن المفارقة متجذّرة وساكنة في بنية "سياسة المعرفة" التي تتحكم في اشتغال الجماعات. فكل جماعة تنتج معرفتها الخاصة عن نفسها ومحيطها وتُسورها بجدار من المؤسسات الخطابية والعلمية التي تمنح هذه المعرفة شرعية الاستمرار. وعندما يأتي النقد من أحد أبناء الجماعة، فإن النظام يسمح له بالاقتراب من "مركز الحقيقة" لأنه ما يزال يتحرك ضمن قواعد الحقل نفسه. لكن حين يأتي النقد من الخارج، فإن الحقل المعرفي يغلق أبوابه لأنّه يرى في هذا النقد محاولة لاختراق حدوده وتغيير قواعد اللعبة. وهنا يصير رفض النقد جزءًا من آلية إعادة إنتاج السلطة المعرفية.

وهكذا تتضح المفارقة: الجماعات تفتح أبوابها للنقد حين يكون وسيلة لترميم الذات لا لتهشيمها وتمزيقها وتعريتها، لكنّها تغلقها بإحكام حين يكون وسيلة لكشف ضعفها أمام الآخرين. إنها بنية ليست حكرًا على دين دون آخر أو مذهب دون آخر، بقدر ما هي سمة إنسانية تتكرر في علاقة السنة بالشيعة، وفي علاقة الأديان الثلاثة بعضها ببعض، وفي علاقة المدارس الفكرية الكبرى، بل وفي داخل الأكاديميا والحقول العلمية نفسها. فحيثما وُجدت جماعة ولهوية وذاكرة وسردية "مقدسة"، وُجد معها حدّ غير مرئي لا يُسمح بتجاوزه إلَّا من الداخل، لا من الخارج. مع ملاحظة أن هذا الداخل إن كان عنيفا، فان نقده ربما يخلعه ويخرجه من الأسوار ويدفع به إلى الخارج. فتعريةُ الذات نقديًا أخطرُ وأكبرُ جريمة يمكن أنّ تُرتكب بحق الذات والجماعات.

***

د. حيدر شوكان السلطانيَّ

جامعة بابل/ كلية العلوم الإسلاميَّة- قسم الفقه وأصوله.

.....................

1- محمد أركون، من فيصل التفرقة إلى فصل المقال أين هو الفكر الإسلامي المعاصر؟ ترجمة وتعليق: هاشم صالح، دار الساقي- بيروت، الطبعة الرابعة- 2010م، 56- 57.

2- صورة التراث الإسلاميَّ عند اسبينوزا مأخوذة من العصر التركي، حتى ليتحدث عن الأتراك ويقصد بهم المسلمين، وهي صورة الطغيان الفكري، والتعصب الجاهل، واضطهاد المؤمنين، وسيادة الأحكام السابقة، والوقوع في الخرافة. ينظر: مقدمة حسن حنفي، سبنوزا، رسالة في اللاهوت والسياسة، الناشر: دار التنوير- بيروت، الطبعة الأولى- 2005م، 7.

كيف يمكن لمجتمع يرتجف من ظل الفكرة أن يصنع فجرا جديدا؟.. كيف لمناخ يضيق بلوحة بريئة، ويرتجف من قصيدة تتنفس، ويشك في كتاب يبحث عن قارئ، ويرى في السؤال جريمة كاملة الأركان؟

يخاف لوحة لأنها تبصر أكثر مما يرى، ويشك في قصيدة لأنها تنطق بما يخشاه، ويرتاب في كتاب لأنه يفتح نافذة على عالم أوسع من سجنه، ويرتعب من مقال لأنه يهز ثباته الهش، ويجرم السؤال لأنه يهدد أمانه.

كيف لمثل هذا المجتمع أن يصنع نهضة، أو حتى يحلم بها دون أن يرتعد؟

إن النهضة لا تنبت في أرض خائفة، ولا تزهر في تربة يراقبها الحراس أكثر مما يرعاها الحالمون. النهضة ابنة الحرية، والحرية أم كل جمال؛ ومن يخشى السؤال، يخشى في الحقيقة أن يرى وجهه في مرآة الحقيقة. النهضة ليست مبنى نرفعه، ولا شعارا نردده، ولا تاريخا نقلب صفحاته. النهضة حالة وجودية، تبدأ من قرار شجاع بأن نترك العقل يتنفس، وأن نحرر الروح من قيود الخوف. فكل فكرة عظيمة خرجت إلى العالم كانت أولا شكوكا يتم نفيها، وأحلاما يتم قمعها، وأصواتا يتم إسكاتها.

ما من ابتكار يولد داخل قفص، ولا من خيال يحلق بأجنحة مقصوصة. الفكر لا يتجدد إلا حين نفتح له الأبواب كلها؛ حين نسمح له بأن يخطئ، وأن يجرب، وأن يهدم كي يبني، وأن يشك كي يعرف. أما مجتمع يغلق نوافذه خوفا من هواء مختلف، فمصيره أن يختنق داخل غرفته، مهما زين جدرانها بالشعارات.

ما الذي يمكن أن يبتكره مجتمع يخاف أن يختلف؟.. ماذا يمكن أن يبني مجتمع يظن أن النجاة في التكرار لا في المغامرة، وأن الطاعة فضيلة حتى لو قادت إلى الهاوية، وأن الحقيقة جثة لا يجوز لمسها؟.. مجتمع كهذا لا يخشى الفكرة في حقيقتها، بل يخشى ما ستفضحه فيه من خواء. يخاف أن تذكره اللوحة بأنه أصبح بلا أفق، والقصيدة بأنه بلا روح، والكتاب بأنه بلا خيال، والمقال بأنه بلا شجاعة، والسؤال بأنه بلا يقين.

إن الحرية ليست بابا نطرقه، بل هي الهواء الذي لا ننتبه إليه إلا عندما ينقطع. والوعي لا يولد إلا في بيت مفتوح، وجدار مسموح له أن يتشقق، وعقل قادر على أن يخطئ قبل أن يصيب. أما حين نزرع في الطفل رعب السؤال، وفي الشاب خوف الحلم، وفي الشيخ ضيق المعرفة، فإننا نربي أجيالا كاملة على الانحناء، ثم نتساءل ببراءة: لماذا نحن متخلفون ومتأخرون؟

إن الحضارة تبدأ من تلك اللحظة التي يدرك فيها الإنسان أن السؤال ليس خيانة، وأن المعرفة ليست خطرا، وأن الإبداع ليس رجسا، بل ضرورة وجودية تشبه الحاجة إلى الضوء. وحين نجرؤ على حماية الفنان لا ملاحقته، وعلى سماع الحكيم لا إسكات صوته، وعلى احتضان المختلف لا تجريمه، عندها فقط تبدأ معجزة النهضة.

النهضة لا تعيش في الظلام، ولا في بيئة تفتش ضمائر الناس أكثر مما تفتش مناهجها.

 النهضة تحتاج إلى فنان يخطئ، وفيلسوف يجادل، ومثقف يقلق، وشاعر يربك، وصحفي يزعج، وقارئ يرفض أن يكون مجرد صدى.

 تحتاج إلى مجتمع يدرك أن الأفكار ليست قنابل، وأن الكلمات لا تقتل، وأن السؤال ضروره وليس خيانة

نحن لا نفتقر إلى العباقرة؛ نحن نفتقر إلى المساحة التي يتنفس فيها العباقرة دون أن يحرقوا، وإلى الشجاعة التي تسمح للجديد أن يولد دون أن يجهض. فالخوف يقتل أول ما يقتل الخيال، والرقابة تقتل أول ما تلمس الوعي، والتعصب يقتل أول ما يصادف الحقيقة.

فالخوف يصنع الظلام، والحرية تصنع الإنسان. ومن لا يحتمل ارتجافة القصيدة، لن يحتمل رعشة التاريخ حين يمر بجانبه ولا يتوقف.

وحين نتوقف عن الخوف من الفن، سنعرف أن اللوحة ليست خصما بل مرآة، وأن القصيدة ليست خطرا بل خلاصا، وأن الكتاب ليس مؤامرة بل نجاة، وأن السؤال ليس ثورة بل بداية الطريق. عندها فقط يمكن أن تشرق النهضة، لا كمعجزة، بل كاستحقاق

***

ابتهال عبد الوهاب

كلما اتسعت فيك مساحة الوعي، ضاقت من حولك الدائرة. فالفكر المستقل ليس زينة تعلق على الجدران، بل عبء يثقل الكتفين، وجمر يضطرم في الأعماق. أن يكون لك رأي خاص، يعني أن تخرج من الصف، أن تسير عكس الموكب، أن تواجه ضجيج الإجماع بصمتك العالي، وأن تدفع ثمن وضوحك من دفء الآخرين. الاستقلال في الفكر ليس بطولة، بل عزلة.

هو أن تدرك أن الحقيقة لا تسكن الحشود، وأن القبول الاجتماعي ليس برهانا على الصواب. وأن الإنسان، كلما استقل بعقله، فقد شيئا من طمأنينته القديمة، تلك التي كان يمنحها له الانتماء إلى السرب.

وحين تتجاوز العرف وتعيد النظر في الموروث، وتفكك المسلمات، فإنك تخلخل النظام الذي ألفوه، وتغدو في نظرهم خطرا لا يحتمل. ستجد نفسك وحيدا على حافة الفهم، تكلم نفسك احيانا كأنك خصمها، وتحاور ظلك كأنه آخر من تبقى.

هناك، في الفراغ الذي يخلفه انسحاب الحشود، يسمع الإنسان صوته الأول — ذاك الصوت الذي خنقته الصيحات الجماعية طويلا. لكن في هذه الوحدة العاقلة، يكتمل الإنسان. فهناك، بعيدا عن صخب القطيع، تنضج الرؤية، ويولد المعنى.

العقل الحر لا يجد دفئا في القطيع، بل يجد نفسه في مواجهةِ عراء ميتافيزيقي لا يستره إلا صدقه مع ذاته. وحين تنكسر أوهام الانسجام الاجتماعي، يبدأ الإنسان رحلته الحقيقية: رحلة الكائن المفكر في صحراءِ المعنى.

إنها مغامرة التفرد: أن تختار العقل رغم ألمه، وأن تظل صادقا مع ذاتك وإن خذلك الجميع.

فالحشود تتضخم لتخفي خواءها، أما العقول المفردة، فهي وحدها التي تنير العتمة ولو احترقت وهي تضيء.

وحدهم الذين اختاروا أن يكونوا "واحدا" أمام "الكل"، هم الذين لمسوا جوهرَ الحرية. فهم يدفعون ثمنا فادحا ولكنهم وحدهم يعرفون لذة أن تكون ذاتك، لا نسخة مكررة من الضجيج.

واخيرا التفرد العقلي إذن، ليس طريقا ممهدا ولا مفروشا بالورود، بل ممر ضيق بين نار الشك ونور الفهم. غير أن من يسلكه، وإن احترق في نهايته، يترك للآخرين قبسا من ضوء، ودليلا على أن العقل مهما خذل — يظل أسمى مغامرات الإنسان.

ولنعلم ان الوعي ليس مجرد معرفة، بل انقلاب في بنية الإحساس بالعالم. إنه انتقال من سكون الغفلة إلى توتر الفهم، من راحة المسلم إلى عذاب السؤال. ولذلك كان كل وعي صادق بداية قلق عميق؛ لأن العقول الكبيرة لا تنام في دفء الأجوبة، بل تسهر على حواف الشك

وذلك القلق الذي يرافق الوعي ليس لعنة بل علامة حياة. فالعقل الذي لا يقلق، لا يفكر، والروح التي لا تضطرب، لا تنضج. ولنعلم انه من رحم القلق يولد المعنى، ومن نزيف الأسئلة تنبثق الحكمة.

ولهذا فإن الذين وعوا كثيرا، لم يعيشوا مطمئنين، بل عاشوا يقظين. وهي يقظة مؤلمة، لكنها يقظة الإنسان الكامل الذي لم يخدع نفسه.

والوعي يجعلك ترى هشاشة كل ما اعتدت اعتباره صلبا: المعتقد، العادة، النظام، وحتى الذات. وحين تنهار هذه الأعمدة من حولك، تشعر بالفراغ، لكن هذا الفراغ هو بداية الخلق.

فالقلق النبيل ليس انكسارا، بل لحظة ولادة جديدة، تخرج منها الذات أكثر صدقا وأقرب إلى جوهرها الحر. فلتكن يقظتنا إذن عبورا لا لعنة، وليكن قلقنا طريقا نحو صفاء أعمق، فمن لم يقلق لم يسأل، ومن لم يسأل لم يعِ، ومن لم يعِ لم يعش حقًّا.

وهكذا يصبح القلق النبيل تاج الوعي، وثمن الحرية، وعلامة الذين لم يرضوا أن يكونوا نسخا مطمئنة في عالمٍ بارد. إنه القلق الذي لا يهدمك، بل يصهرك لتولد من جديد — أكثر صدقا وأكثر إنسانية.

***

ابتهال عبد الوهاب

صباح هذا اليوم، وبينما كنت أجلس في سيارتي متجهًا في مشوار اعتيادي، كان الراديو يصاحب الطريق بصوته الخافت، حتى استوقفتني إحدى الإذاعات المحلية التي استضافت خطيبًا دينيًا عرفته منذ طفولتي، وكنت أراه يتنقّل بين المنابر والمناسبات التي لا تنقطع في فضائنا الشيعي. كان صوته كما عهدته، يحمل نبرة الوعظ ذاتها، غير أني هذه المرة لم أستمع إليه بذاكرة السامع، وانما بعين المتأمل. إذ تسربت إلى ذهني فكرة ظلت تتشكل ببطء: أي تجربة وجدانية يعيشها المجتمع الشيعي وهو ينتقل، على مدار العام، بين مآتم تتداخل مع أفراح، وبين طقوس تتعاقب حتى تكاد تلغي المسافة بين الحزن والبهجة؟

هناك، في ساعة صامتة بين الجملة والخطبة، أدركت أنّ هذا التعاقب هو بنية وجدانية وثقافية تستحق أنّ تُقرأ بوصفها مرآةً لعمق النفس الجماعية، ولمفارقتها الغريبة بين الألم والأمل، بين الذاكرة والاحتفال، بين ما يُبكي وما يُبهج في آن واحد.

من يتأمل في المشهد الشعائري للتشيّع الاجتماعي، يلحظ ظاهرة لافتة تثير تساؤلًا أنثروبولوجيًا ونفسيًا في آن واحد: كيف لجماعة دينية أنّ تعيش في إيقاع زمني تتعاقب فيه المناسبات بين الحزن والفرح بصورة متقاربة إلى حد التداخل؟ فالأسبوع الواحد لا يكاد يمرّ إلَّا وفيه مأتم لإمام أو مولد لآخر؛ يوم للدموع واللطم والجزع، ويوم تالٍ للبهجة والإنشاد والفرح. هذه الظاهرة، التي تبدو لأول وهلة تناقضًا وجدانيًا، تستبطن في عمقها رؤية مغايرة للزمن وللمعنى، إذ لا يخضع الشعور الديني لقوانين الانفعال المادي، بل يتغذى من تجربة رمزية تعيد إنتاج التاريخ في الوجدان المعاصر.

فالحزن في التشيّع هو بنية رمزية متجذرة في سردية الظلم والتضحية. إنه استحضار مستمر لجرح تأسيسي تمثله كربلاء بوصفها لحظة انكسار للعدالة وولادة للوعي. لذلك، لا يُفهم الحزن الشيعي كحالة اكتئاب جماعي، بقدر ما هو آلية لإبقاء الذاكرة مفتوحة على سؤال الحق والباطل. في المقابل، يأتي الفرح الطقسي ليعيد إلى هذا التاريخ صبغته المشرقة، وكأن كل مولد هو وعد متجدد بأن النور لا ينطفئ، وأنّ الأمل ما زال ممكنًا رغم استبداد المأساة. بهذا المعنى يصبح الفرح امتدادًا للحزن، لا نقيضًا له، فكلاهما جزء من دورة رمزية واحدة تحفظ توازن الوعي بين الألم والرجاء.

الطقس الديني/ الاجتماعي، في بنيته العميقة، هو نظام لغوي يعبّر به الإنسان عن علاقته بالمقدس وليس مجرد مظهر خارجي للانفعال. في الحالة الشيعية، تتخذ هذه اللغة بعدًا دراميًا: البكاء واللطم والزيارة والإنشاد مفردات في خطاب رمزي واحد، وليست ممارسات متفرقة. إلا أن الإفراط في هذا الخطاب- حين يتحول إلى عادة يومية خالية من التأمل- يولّد نوعًا من الازدواج الوجداني، إذ يجد الفرد نفسه متنقلًا بين حزن عميق وفرح مفاجئ دون أن تتاح له فرصة إعادة توازن المشاعر. هنا يظهر ما يمكن تسميته بـ "التوتر الطقسي"، أي الحالة التي يتحول فيها التعاقب الطقسي إلى ضغط نفسي وجماعي في آن واحد، فالمجتمع الذي يودع مأتمًا في المساء ويستقبل مولدًا في الصباح التالي يعيش تجربة انفعالية مضغوطة لا تتيح للوجدان أن يستقر على حالة شعورية واحدة.

ومع ذلك، لا ينبغي قراءة هذا التوتر بوصفه خللًا، وانما يمكن فهمه بوصفه آلية دفاع ثقافية ضد النسيان وضد الموت الرمزي للمعنى ومنابعه. فالحزن المكثف يمنع الذاكرة من التكلّس، بينما يضمن الفرح استمرارية الحياة في وجه هذا الثقل التاريخي ووطأته. الشيعي لا يفرح لينسى، بل ليواصل الحياة رغم الألم، ولا يحزن ليستسلم، بل ليحتجّ على التاريخ. إن التوتر بين النقيضين يصبح، في هذا السياق، توازنًا من نوع آخر: توازنًا ديناميكيًا يحافظ على حرارة الوعي ويمنع الجماعة من السقوط في اللامبالاة.

الزمن في الوعي الشيعي دائريًا، وليس خطيا؛ فالماضي يعود في كل موسم وشعيرة ليُعاد تمثيله من جديد. هذا الزمن المقدس يتخطى التقويم التاريخي ليخلق نوعًا من "الذاكرة الحية" التي لا تفصل بين الموت والبعث، بين الكارثة والوعد. ومن ثَّم، تنبع المفارقة: فحين يفرح الشيعي بولادة الإمام، فهو لا يحتفل بلحظة زمنية بقدر ما يحتفل بمعنى مستمر، وحين يحزن على استشهاده، فهو لا ينعى غيابًا بقدر ما يستحضر حضورًا يتجدد في كل آن. إنه يعيش في زمن تتجاور فيه النهايات والبدايات، فلا يكون الحزن سوى وجه آخر للفرح، ولا تكون المأساة سوى بوابة للرجاء.

ومع أن هذه البنية الرمزية العميقة تمنح التشيّع طاقته الروحية، إلا أن خطر الانفصال بين الطقس ومعناه يظل قائمًا. فحين تُمارس الشعائر بلا وعي تأملي، يتحول الدين إلى عادة، والرمز إلى قيد. هنا يصبح التوازن مهددًا، ويظهر الاضطراب النفسي بوصفه نتيجة لتراكم الأفعال الخالية من المعنى. لذلك، تبرز الحاجة إلى التفكير الطقسي، أي تحويل الممارسة الدينية إلى فعل تأملي متعقل يعيد وصل الانفعال بالعقل، والرمز بالمعنى.

إن ما يبدو اضطرابًا وجدانيًا في التشيّع الاجتماعي هو في جوهره توتر خلاق بين الحزن والفرح، بين التاريخ والرمز، بين الذاكرة والحلم. فالجماعة التي تبكي كي لا تنسى وتفرح كي لا تموت، تمارس شكلًا فريدًا من مقاومة الزمن وصون المعنى في عالم يميل إلى التفاهة والنسيان.

الا أن استمرارية هذا المعنى مرهونة بقدرة الفرد والمجتمع على الوعي بالطقس، كتمرين روحي وفكري على إدراك التناقض وتجاوزه. فالحزن حين يُعقلن يصبح وعيًا، والفرح حين يُؤوَّل يصير حكمة، وبينهما يولد توازن جديد، ليس في الانفعال، وانما في الرؤية.

***

د. حيدر شوكان سعيد

قسم الفقه وأصوله- جامعة بابل.

في البدء كانت الفكرة، ثم جاء الإنسان، فحولها إلى نار تنير لا تحرق. ومن رماد الخوف نهضت الحضارة تمشي على قدمين من وعي وشجاعة. فالحضارة ليست نتاج صلاة أو طقس أو شعيرة، بل ثمرة عقل يفكر، ويد تعمل، وروح تتجاوز الخوف لتبدع.

كم من أمة رفعت راية الدين، ثم سكنت تحت ركام الجهل والجمود، لأنها جعلت من النص قيدا على الفكر، لا منطلقا للبحث. وكم من أمة لم يكن لها كتاب مقدس، لكنها قدست الإنسان والعقل، فصنعت حضارة خالدة.

الحضارة مشروع إنساني خالص، يولد حين يتجاوز الإنسان الاتكاء على الغيب، ويخوض مغامرته في الوجود بعقله وإرادته. أما الحضارة فتعلمه أن يقف، أن يواجه، أن يقول: أنا هنا.

فالحضارة ليست صلاة جماعية ولا تسبيحا جماهيريا، بل هي صراع الإنسان مع المجهول، ومخاطرته بالاقتراب من النار ليصنع منها ضوءا. الدين يهب الطمأنينة، أما الحضارة فتولد من القلق؛ والدين يعد بالخلاص، أما الحضارة فتبحث عن الخلود.

منذ فجر التاريخ، كانت الأديان تنزل الإنسان من علياء السؤال إلى وادي الامتثال، بينما كانت الحضارة ترفعه من وادي الخضوع إلى قمة التجريب والاكتشاف. الدين يطلب الإيمان، والحضارة تطلب البرهان. الدين يطمح إلى الجنة، والحضارة تصنع الجمال. وحين تتضخم سلطة الدين، يختنق العقل، وتقدس الطاعة، ويقتل السؤال.

وحين يتحرر الإنسان من الخوف يبدأ التاريخ الحقيقي. فالحضارة لا تبنى على الركوع، بل على الوقوف، ولا على انتظار المعجزة بل على صناعة المعجزة. وكل حضارة كبرى ولدت حين تراجع صوت الكهنة وارتفع صوت المفكرين؛ حين استبدل الإنسان المعبد بالمختبر، والفتوى بالفكرة، والقدر بالفعل. ولذلك فإن الدين قد يهب الإنسان الطمأنينة، لكنه لا يهب له مجدا ولا خلودا. فالله لا يسكن المعابد وحدها، بل يسكن في لحظة الإبداع، في نظرة العالِم إلى المجهول، في انحناءة الفنان أمام عمل مبدع.. في شجاعة الإنسان وهو يواجه قدره بعقلٍ مفتوح لا بخوفٍ مغلق.

الأديان تشعل في القلب شمعة. لكن الحضارات تشعل في الوعي شمسا. الدين يعلم الإنسان أن يركع بخشوع فكم من أمة صلت طويلا لكنها لم تصنع فكرة واحدة تخلدها. وكم من عقل تمرد، فترك وراءه أثرا يسطع أكثر من كل المعابد.

الحضارة لا تولد في المآذن، بل في المختبر، في الورشة، في المصنع.. في البناء والتشييد.. في السؤال الذي يخيف الكهنة. إنها لحظة تجرّؤ على المجهول، فالدين يعد الإنسان بالجنة، أما الحضارة فتزرع له فردوسه على الأرض. وشهوة اكتشاف لا يروضها الخوف ولا تخدرها الطقوس.

الدين يعلمنا كيف نؤمن، لكن الحضارة تعلمنا كيف نحيا. والإيمان بلا فعل يورث الجمود، كما أن الفعل بلا قيميُنبت التوحش.

الحضارة ليست ضد الدين، لكنها تبدأ حين يتوقف الإنسان عن انتظار المعجزة، ويبدأ هو في صناعتها. وما الحضارة إلا لحظة تمردٍ على التكرار، وانبثاق للعقل من رحم الأسطورة، وانتفاضة الإنسان على السائد والمألوف.

الحضارة لا تصنع بالدعاء، بل بالفعل. ولا تشيّد بالخوف، بل بالمعرفة. فالإيمان الذي لا يتحول إلى إبداع، يظل حلما مؤجلا

وانا أؤمن دائما أن الله لا يسكن في المعبد وحده، بل في لحظة الوعي، في الفكرة التي تولد من رحم السؤال، وفي اليد التي تخلق من الطين معنى جديدا للوجود. وأرى أن الإيمان الذي لا يثمر فكرا. كالشمس التي لا تشرق أبدا. وفي النهاية، لست ضد الأديان بل ضد أن تطفئ الأديان نور العقل باسم الله.

***

ابتهال عبد الوهاب

 

ثمة لحظة قاتمة في تاريخ الأمم، تغيب فيها البصيرة، ويتحول فيها الانتماء من جذر يمد الهوية بالحياة إلى قيد يخنقها. لحظة تتغلب فيها الطائفة على الوطن، والمذهب على الإنسان، والعادة على الفكر. هناك، في ذلك الظلام الكثيف، تموت الحضارة لا برصاصة في القلب، بل بصمت في العقول.

الطائفية ليست خديعة خارجية، ولا مؤامرة كونية كما يزعم الضعفاء لتبرير سقوطهم. إنها صناعة محلية خالصة، أنتجها جهل مقدس يتغذى على الخوف من الحرية. فالذي يخاف من السؤال، يقدس الإجابة الجاهزة، والذي يهاب الحرية، يستنجد بالوصاية. وهكذا تحول الدين في مجتمعاتنا إلى حصن للجهل، لا جسر للمعرفة؛ وإلى شعار للانقسام، لا نداءٍ للمحبة.

الطائفية ليست سحابة عابرة، ولا مؤامرة نسجها الغرب في ليله الطويل، بل هي ثمرة فاسدة لشجرةٍ زرعناها بأيدينا، وسقيناها بخوفنا من الحرية، وجهلنا بالاختلاف، وتقديسنا لكل ما يقتل السؤال. إنها المرض الذي بدأ في الذهن قبل أن ينتشر في الجسد، والعطب الذي أصاب الروح قبل أن يُصيب السياسة.

لقد علمونا التدين، ولم يعلمونا الإنسانية. زرعوا فينا الولاء للمذهب، ولم يزرعوا الولاء للحقيقة. ربونا على الطاعة، لا على التفكير. فأصبحنا شعوبا تتناحر في الاسم، وتتوحد في العجز. شعوبا تحفظ النصوص، وتقتل المعنى.

لقد أنجب هذا الشرق المقدس قرونا من الكراهية باسم الطهر، ومن الدم باسم العقيدة. أغلق باب السؤال، واصطفت الصفوف خلف اللافتات: هذا مؤمن، وهذا ضال، وهذا كافر، وهذا نجس، وهذا يستحق الحياة، وذاك لا. وهكذا، تهاوت المعاني الكبرى، وسقط الإنسان من حسابات المقدس، فصار الدين طائفة، والطائفة وطنا، والوطن ساحة للقتال

أما الحرية، فقد حوصرت بين المآذن والمنابر، وبين القبيلة والزعيم. صارت الحرية رجسًا من عمل الغرب، والعقل خيانةً لتراث الآباء، والعلمانية مؤامرة على السماء. وهكذا، استبدلنا التنوير بالتحريم، والبحث بالتلقين، والإنسان بالإمام، فكان أن بقينا حيث كنا: في نقطة الصفر من التاريخ

أما حين ننظر إلى العالم الخارجي، نرى الأمم التي كانت مثلنا يوما، قد تجاوزت خطوط الطائفة والعرق والدين، لتبني أوطانا على أساس العقل والعقد، لا على أساس النسب والعقيدة. هناك، حيث تسود العلمانية لا الكهانة، تزدهر الحرية، لأن الإنسان صار هو المقدس الأول، والفكر هو المعراج الأعلى. هناك يفكرون بالمستقبل، بينما نحن ما زلنا نجلد بماض لم يعد يرانا

العالم من حولنا يمضي إلى الأمام بخطى العلم والعقل والتجربة، بينما نحن ما زلنا نحفر في مقابر الماضي، نستنطق العظام، ونطلب منها أن تكتب لنا الغد. هناك، في فضاء الغرب تبنى الدولة على العقد لا على العِرق، وعلى القانون لا على الفتوى. وهناك، تقدس الحرية لأنهم أدركوا أنها المقدس الوحيد القادر على احتضان الجميع.

التجميل والتبرير والترقيع ليست حلولا، بل هي مساحيق تغطي وجه القبح دون أن تمسّ جوهره. الاعتراف هو البداية، والمواجهة هي الشجاعة الحقيقية. إن كل أمةٍ تتهرّب من مواجهة أمراضها، محكوم عليها بالاندثار، مثل أمم سبقتنا إلى العدم وهي ترفع ذات الشعارات عن المجد والهوية والإيمان.

ما الذي قدمته الديمقراطية؟ حرية القول والاختلاف.

وما الذي أهدته العلمانية؟ الفصل بين المقدس والمدنس، بين الروح والسلطة.

أما الليبرالية فقد أعادت للإنسان حقه في أن يكون ذاته، بلا قيد ولا قناع.

وفي المقابل، ماذا أنتجت مدارس الفقه المغلقة سوى جيوشٍ من المهووسين بالكفر والإيمان، وجثث متراكمة على مذبح الحقيقة؟

أيها الساده الديمقراطية ليست كفرا، بل شجاعة الاعتراف بالاختلاف.

والعلمانية ليست إلحادا، بل رحمة بالعقل من استبداد الكهنوت

والليبرالية ليست انحلالا، بل خلاص من عبودية الجماعة إلى كرامة الفرد.

واعلموا انه حين تغيب العقلانية، تغيب العدالة. وحين تغتال العلمانية يغتال الإنسان. وحين يكمم الفكر، يتكاثر الدمار

لقد أصبحت مجتمعاتنا العربية كمن يرقص في دوامة النار، كلما اشتدّ فيها اللهيب، ازداد الراقصون حماسة. نُقاتل باسم الدين، ونهدم باسم الوطنية، ونكره باسم المحبة. نرفع الشعارات الجوفاء ونظنها هوية، ونحتمي بالقبيلة كأنها سفينة نوح، بينما هي في الحقيقة سجنٌ بلا نوافذ.

حين تغيب العقلانية والعلمانية وحقوق الإنسان، يتحول الشرق إلى غابة من الأصوات المبحوحة، كلها تصرخ ولا تسمع. يعلو صخب الكراهية فوق همس العقل، وتصبح الفتنة زادا يوميا على موائد الشعوب. هناك لا تحترم الكلمة إلا إن كانت سيفا، ولا يقدر المفكر إلا إن صار خطيبا للمحراب أو جنديا في جماعة.

لكن التغيير، كما قلتَ، يبدأ من الفرد. من تلك الشرارة الخفية التي تشتعل في ضمير إنسانٍ قرر أن يقرأ، أن يشك، أن يفكك، أن يواجه. من امرأةٍ قررت أن تكون ثورة لا تابعا. من كلمةٍ تتحول إلى وعي، ومن وعي يتحول إلى سلوك.

لقد آن لنا أن نعيد ترتيب المقدسات. أن نرفع العقل إلى مقام النور، والحرية إلى مرتبة العبادة، والإنسان إلى مركز الكون. آن أن ندرك أن الله لا يحتاج إلى وسطاء، وأن الوطن لا يبنى بالمواعظ، وأن الكرامة لا تمنحها الفتاوى بل القوانين.

ما لم تصبح الكلمة وعيا، والمرأة ثورة، والحرية منهجا، والعقل مسارا، والدولة علمانية عادلة، سنبقى قطيعا يتبع الجزار، ونبقى شعوبا تكتب تاريخها بدمها ثم تمزقه بخنجرها. سيظل الوطن مأوى للقبائل لا للأفكار، وسنظل نحمل الموت في لغتنا، والتعصب في دعائنا.

إن الحضارة لا تبنى على الإيمان وحده، بل على القدرة على الشك فيه. والتاريخ لا يصنعه الذين يعبدون الماضي، بل الذين يجرؤون على تجاوزه. فليكن لنا شرف المواجهة بدل عار الهروب، ولتكن العلمانية والعقلانية ليست شعاار للغرباء، بل خلاصا لنا نحن الغارقين في الوحل، باسم الله والهوية والمذهب.

فليكن لنا شرف أن نكون أوائل العابرين من كهف الطائفة إلى فضاء الإنسان، ومن وهم الهوية إلى رحابة العقل. فهناك فقط، تبدأ النهضة الحقيقية.

***

ابتهال عبد الوهاب

 

لا يمكن الحديث عن نهضة شاملة في أي مجتمع دون التطرق الى عنصر الوعي الثقافي، الذي يشكل العمود الفقري في بناء الإنسان الواعي والمجتمع المتماسك. وإذا ما نظرنا الى المجتمعات العربية، نجد ان موضوع الوعي الثقافي يُحظى بأهتمام متفاوت، يتأرجح بين محاولات جادة لتعزيزه، وبين تحديات تقف في طريقه وتعيق تطوره. في هذا المقال، سنسعى لتسليط الضوء على مفهوم الوعي الثقافي، أهميته، وضعه الراهن في العالم العربي، ثم أبرز التحديات التي تواجهه، وأخيراً، كيف يمكننا النهوض به لبناء مستقبل أكثر إشراقاً.

ما هو الوعي الثقافي؟

الوعي الثقافي لا يقتصر على المعرفة بالآداب والفنون أو الاطلاع على التراث والموروث الشعبي فحسب، بل هو إدراك الإنسان لهويته الحضارية، وتفهمه لمجتمعه وللآخر المختلف عنه، وآستيعابه لأهمية القيم، والسلوكيات والمعارف التي تشكل نسيج ثقافته الخاصة. إنه باختصار الإطار العقلي الذي من خلاله يفهم الفرد العالم من حوله ويتفاهم معه.

إن الوعي الثقافي يمنح الإنسان القدرة على التحليل والنقد والتمييز بين ما هو مفيد وما هو ضار، وما هو أصيل ووما هو دخيل. كما يسهم في تعزيز الإنتماء، وترسيخ القيم الإيجابية، ومقاومة الغزو الثقافي، والإنفتاح الواعي على ثقافات العالم.

أهمية الوعي الثقافي في المجتمعات العربية

تمثل الثقافة في العالم العربي جزءاً أساسياً من الهوية الحضارية، وهي مزيج غني من التأريخ، والدين واللغة والفنون والهادات والتقاليد. غير أن هذا الغنى لا يكفي وحده لضمان الاستمرارية والتطور، ما لم يُرافقه وعي ثقافي متجدد قادر على حماية هذه الهوية من التآكل والإنصهار في ثقافات أخرى.

إذ تكمن أهمية الوعي الثقافي في أنه يحمي المجتمعات من الوقوع في فخ الإستلاب أو الإنغلاق. فهو يتيح لها أن تكون جزءاً من الحضارات العالمية، دون ان تفقد هويتها أو تذوب في ثقافات الآخرين. وفي ظل عولمة جارفة، وسيل معلومات لا يتوقف، بات من الضروري تعزيز هذا الوعي لدى الأفراد والمؤسسات على حد سواء.

الوعي الثقافي والواقع الراهن

رغم وجود مبادرات ثقافية مهمة في بعض الدول العربية، من مهرجانات أدبية وفنية، ومراكز أبحاث، ومكتبات وطنية، ومنصات تعليمية، إلا أن الواقع العام للوعي الثقافي في المجتمعات العربية لا يزال يعاني من عدة مظاهر للقصور.

إن أول هذه المظاهر هو تراجع القراءة خاصة بين فئة الشباب، في مقابل الإقبال الكبير على المحتوى السطحي عبر وسائل التواصل الاجتماعي. وثانيها، ضعف المناهج التعليمية في بناء عقل نقدي وذوق ثقافي لدى الطلاب. أما ثالثها، فهو نقص الدعم المادي والمعنوي للفاعلين والقائمين على المجال الثقافي، من كتّاب وفنانين ومؤسسات أدبية وإعلامية وتعليمية، فضلا عن غياب مسؤولية الدولة في البحث والإشراف والمتابعة على مؤسساتها التي تعمل تحت غطائها.

إضافة الى ما تقدم، تعاني بعض المجتمعات العربية من سيطرة خطاب ديني أو سياسي متشدد يحصر الثقافة في قوالب ضيقة، ويمنع الإنفتاح على الآخر. هذا كله يؤدي الى آنتشار مظاهر من الإنغلاق والتعصب والرفض لكل ما هو جديد أو مختلف.

تحديات الوعي الثقافي في العالم العربي

إن من أبرز التحديات التي تواجه تنمية الوعي الثقافي في المجتمعات العربية ما يلي:

1- التعليم التقليدي: الذي يعتمد على التلقين والحفظ أكثر من التفكير والنقد، ويغفل مواد الثقافة والفنون لصالح المواد التقنية فقط.

2- ضعف الإعلام الثقافي: حيث تهيمن على الإعلام العربي القضايا السياسية والترفيهية، بينما تغيب البرامج الثقافية الجادة عن الشاشات والموجات.

3- هيمنة الثقافة الاستهلاكية: التي تُروج لمنتجات فكرية وسلوكية مستوردة دون مراعاة للقيم المحلية، ما يؤدي الى نوع من التشوسش الثقافي.

4- الفجوة بين الأجيال: حيث يشعر الكثير من الشباب بأن الثقافة التقليدية لا تعبر عنهم، بينما ينظر كبار السن الى الثقافة الحديثة بشيء من الريبة، ما يخلق آنقساماً ثقافياً داخلياً.

5- غياب السياسات الثقافية المستدامة: فمعظم الدول العربية لا تملك استراتيجيات طويلة الأمد لبناء مجتمع مثقف، بل تكتفي بمبادرات فردية أو في المناسبات.

نحو مستقبل أكثر وعياً وثقافة

إن تنمية الوعي الثقافي في المجتمعات العربية ليس ترفاً، بل ضرورة وطنية. وهذا يتطلب جهوداً مشتركة من الحكومات، والمؤسسات التربوية والإعلام والمجتمع المدني. وفيما يلي بعض الخطوات المقترحة:

1- إصلاح التعليم: بجعل الثقافة والفنون جزءاً أصيلاً من المنهج الدراسي، مع التركيز على تنمية مهارات النقد والتفكير الحر.

2- دعم المشاريع الثقافية: من خلال تمويل الفنون والكتب والمكتبات وتحفيز الإنتاج الإبداعي المحلي.

 3- الإرتقاء بالإعلام الثقافي: عبر إطلاق منصات متخصصة في الثقافة، تُقدم محتوى جذاباً وهادفاً، يخاطب مختلف فئات المجتمع.

4: تشجيع الحوار الثقافي: منه الحوار الداخلي بين مكونات المجتمع الواحد، ومنه الحوار الخارجي مع الثقافات الأخرى لبناء ثقافة التسامح والانفتاح.

5- الإستفادة من التكنولوجيا: وذلك من خلال توظيف الادوات الرقمية لنشر الثقافة بشكل واسع وسهل الوصول الوصول، خاصة بين فئة الشباب.

من هنا ندرك، إن الوعي الثقافي هو خط الدفاع الاول عن الهوية، وهو الضمانة الحقيقية لأي مشروع تنموي أو حضاري. وإذا كانت المجتمعات العربية تطمح الى لعب دور فاعل في هذا العالم المتغير، فأن عليها أن تبدأ من بناء الإنسان الواعي، المدرك لتأريخه والمتصل بحاضره والمتطلع الى مستقبل أفضل.

فالرهان اليوم ليس فقط على ما نملكه من تراث وثقافة، بل على قدرتنا على تحويل هذا التراث الى قوة فكرية قادرة على المنافسة والإبداع. وإذا ما أردنا لمجتمعاتنا أن تواكب العصر دون أن تفقد ذاتها، فإن الوعي الثقافي هو المفتاح.

***

د. عصام البرّام - القاهرة

قبل أن يدخل رجال الدين إلى حقل تفسير النصوص الدينية، لا بدّ من إعادة النظر في مفهوم الإنسان نفسه، لأن أيّ قراءة للنصوص تُبنى على تصوّر ناقص للإنسان ستُنتج بالضرورة فقهًا ناقصًا وعدالة مبتورة.

لقد شكّل الفهم التراثي للإنسان رؤيةً جوهرانية، قسمت البشر إلى ذكرٍ فاعلٍ عاقلٍ مؤتمن على الدين والسلطة والتفسير فاهم وقادر على تفسير النص وتأويله وتمرير فهمه للآخرين ليقلدوه، وأنثى منقوصةٍ في العقل والدين، موضعٍ للضبط والرعاية والطاعة. هذا التصور لم يكن محض اجتهاد فقهي، بل هو إرث ثقافي أبوي سكن العقل الفقهي قبل أن يلامس النصوص، فقرأها بعينٍ منحازة، لا بعينٍ إنسانية. أن هذه الفكرة القبلية حكمت ذهن الرجل الذي دخل فيما بعد حقل التفسير والتأويل الديني .

إنّ أي مشروع لتجديد الفكر الديني أو تطوير التفسير، يفقد معناه ما لم يبدأ من سؤال بسيط وجوهري:

من هو الإنسان في نظر المفسر؟  المفسّر

فإن كان المفسّر لا يرى المرأة إنسانًا كامل الإنسانية، فمهما اجتهد في تفسير الآيات فلن ينتج سوى قراءة  تبرّر التمييز وتعيد إنتاج التهميش.

لكي تُقرأ النصوص الدينية قراءة إنسانية عادلة، لا بدّ من إعادة تعريف الإنسان بوصفه كائنًا عاقلًا حرًّا متساويًا في الكرامة، لا فرق في ذلك بين الرجل والمرأة.

فالمساواة في الإنسانية ليست مطلبًا حقوقيًا فحسب، بل هي شرط يسبق كل فهم للنص. إذ لا يمكن لعقلٍ لا يعترف بإنسانية المرأة أن ينتج تفسيرًا منصفًا لها، تمامًا كما لا يمكن لعقلٍ يؤمن بالعبودية أن يفهم معنى الحرية.

إنّ هذا المبدأ التأويلي يقتضي إعادة بناء المنظومة الفقهية والمعرفية من الداخل، بحيث يُفهم الخطاب القرآني كخطابٍ موجهٍ إلى الإنسان الكلي، لا إلى الرجل باعتباره النموذج الكامل.

ذلك أن النصوص الدينية – في جوهرها – تتحدث إلى الإنسان الكلي، لا إلى الرجل وحده. لكن سلطة التفسير التاريخية حوّلت الخطاب من إنساني إلى ذكوري.

فما لم نُعِد تعريف " الإنسان" أولًا، سيبقى كل تفسيرٍ لاحقٍ محكومًا بمحدودية رؤيته، ومهما تغيّرت الكلمات ستبقى الفكرة القديمة هي ذاتها:

امرأة ناقصة…

ورجل يملك مفاتيح الأرض والدين والسماء.

***

د. بتول فاروق - النجف

١٦/ ١٠ / ٢٠٢٥

رؤية نقدية

إنّ المتأمِّل في الخطاب الديني السائد عند جل الجماعات الجانحة المتشددة يلحظ نزعةً متكرّرة إلى ترديد شعارٍ لطالما رُفعوه في ساحات الدعوة والمناظرة، ألا وهو قولهم (قرآن وسنة بفهم سلف الأمة). وهو شعارٌ ظاهره الحرص على الأصالة والتمسك بالثوابت والأصول، وباطنه انغلاقٌ إطاحي، يُلبس الفهم البشري ثوب العصمة، ويجعل من اجتهادات الأوّلين وُجهةً نهائية لا يجوز تجاوزها، فيتحوّل بذلك الدين من خطابٍ مفتوحٍ للهداية والتجديد إلى منظومةٍ مغلقةٍ تُحاكم الناس لا بالوحي؛ بل بتأويلاتٍ بشرية أضحت عندهم معياراً للحق والباطل.

وما يثير القلق أنّ هذه المقولة لم تبقَ شعارًا تنظيريًا فحسب، بل غدت أداةً لتكريس الوصاية الفكرية، وشرعا يُكفر به ويُقصى مخالفيه، إذ تتّخذها جل الجماعات المتطرفة المعاصرة كـ (داعش والقاعدة ... وغيرهما)؛ ذريعة لتبرير عنفها ورفضها لكل اجتهادٍ لا يوافق تصوراتها، ومن ثم؛ تجعل من مخالفيها خصومًا للوحي، مع أنّهم في الحقيقة خصومٌ لفهمها الخاص للسلف، لا للسلف أنفسهم.

فالإشكال الجوهري في هذه المقولة لا يكمن في ظاهرها الاصطلاحي، بل في بنيتها المعرفية، إذ تفترض أنّ الحقيقة الدينية قد اكتملت وتجلّت نهائيًا في أذهان السلف، وأنّ الفهم الذي صدر عنهم يُمثّل المطابقة التامة لمقاصد الوحي، فيُلغى بذلك دور العقل الناقد، وتتهم أي قراءة جديدة للنصوص بالجنوح والاجتراء، فتُغلق بذلك كل أبواب الاجتهاد التي أمر بها الشرع. وهذا -من منظور فلسفة المعرفة- يمثل نموذجًا جامدًا يُقصي التفاعل الزمني بين النص والعقل والواقع، ويحوّل الدين إلى تراثٍ منغلقٍ لا يتطور.

ومن خلال التأمل في تلك المقولة التي يتشدّق بها مردّدوها، ويتخذونها شعارًا يخفون خلفه قصورَهم في الفهم وضيقَ أفقهم في النظر، يتبدّى بوضوح أنّ الخلل الجوهري في تصورهم إنما يكمن في خلطٍ فادحٍ بين الفهم الذي هو ـ في جوهره ـ نتاجٌ بشريّ محدود بأطر الزمان والمكان، ومشروط بحدود اللغة والعلم والعرف والسياق السياسي والاجتماعي، وبين المنهج الذي هو أرقى من ذلك، إذ يمثل طريقة النظر والاستنباط، والقدرة على الجمع بين النصوص ومقاصدها، واستحضار عللها وأبعادها المقاصدية. حيث كان السلف، في نهجهم الأصيل، أصحابَ عقلٍ راشدٍ ونظرٍ ثاقب، لم يغلقوا باب الاجتهاد، بل مارسوه بوعيٍ مقاصديٍّ راجح، ووازنوا بين النص والمصلحة، وجعلوا العقل خادمًا للوحي لا سجينًا له. ولم يدّعِ أحدٌ منهم العصمة أو احتكار الصواب؛ إذ قال الإمام مالك: (كلٌّ يُؤخذ من قوله ويُردّ إلا صاحب هذا القبر ـ أي النبي صلى الله ليه وسلم)، وقال الشافعي: (رأيي صوابٌ يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأٌ يحتمل الصواب)، وقال أحمد بن حنبل: (لا تقلدني ولا تقلد مالكًا ولا الشافعي، ولكن خذ من حيث أخذوا)، بل قال في تواضعٍ عالٍ حين خالفه عبدُ الله بن المبارك في مسألةٍ فقهية (ابن المبارك لم ينزل من السماء)، أي أنّه وإن كان عالمًا جليلًا، فليس معصومًا من الخطأ. وهكذا كان أبو حنيفة — إمام مدرسة الرأي والاجتهاد العقلي — يرى أن باب النظر لا يُوصب أبدا ما دام الإنسان يفكر ويدبر. فكيف، بعد ذلك كله يُعقل أن يُرفع فهمهم البشريّ المختلف فيه إلى مرتبة النص، ويُعامل كالوحي الذي لا يأتيه الباطل؟.

وإنّ نظرةً فاحصة إلى تاريخ الفهم الإسلامي تُظهر بجلاء أن السلف لم يتفقوا على رأيٍ واحد في كثيرٍ من المسائل؛ ففي الفقه مثلا، اختلف ابن عباس وابن عمر في ميراث الجد والإخوة، فقد كان ابن عباس يرى أن الجد يُسقط الإخوة من الميراث؛ لأن الجد عنده أبٌ يُعامل معاملة الأب في الميراث، فلا يرث معه الإخوة. بينما كان ابن عمر يرى أن الجد والإخوة يشتركون في الميراث بحسب القسمة الشرعية، وأن الجد ليس كالأب تمامًا، بل هو وارثٌ مستقلّ، له نصيبٌ مخصوص لا يُسقط الإخوة مطلقًا. وفي العبادات، اختلف عمر وابن مسعود في متعة الحج، حيث كان عمر بن الخطاب يميل إلى المنع من متعة الحج، ورأى أن الأفضل إفراد الحج عن العمرة، مستندًا إلى مقاصد الشريعة في التيسير والتنظيم وإلى أن بعض الناس اتخذوا المتعة ذريعة لتكرار النسك بغير حاجة. بينما كان ابن مسعود يرى جواز التمتّع. أما في التفسير، فقد اختلفوا في معنى (القُروء) في قوله تعالى (والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء)، أهو الحيض أم الطهر؟. بل إنّ النبي صلى الله عليه وسلم نفسه أقرّ تعدد الفهم حين أمرهم في غزوة بني قريظة (لا يُصلين أحد العصر إلا في بني قريظة)، ففريقٌ فهم اللفظ على ظاهره، فأجّل الصلاة حتى الوصول، وفريقٌ فهم الغرض، فصلّى في الطريق، ولم يُنكر النبي على أحدٍ منهما، بل أقرّهما، ليؤكد أنّ النص يحتمل تعدد الفهم ما دام منضبطًا بالنية والمقصد.

بل أزيدك ـ أيها المتشبّث بتقديس فهم السلف ـ أن الصحابة ـ وهم الجيل الأقرب إلى التنزيل ـ قد اختلفوا في بعض المسائل العقدية والفكرية الدقيقة، غير أنّ اختلافهم ظلّ في دائرة التأويل والفهم والتفسير، لا في أصول الإيمان الكبرى كالإيمان بالله ورسوله واليوم الآخر. وكان اختلافهم منضبطًا بحدود الاجتهاد المشروع، محكومًا بروح البحث عن الحق لا بروح التنازع والتبديع؛ إذ أدركوا أنّ مقاصد الدين أوسع من أن تُحصر في فهمٍ واحد، وأنّ النصّ يحتمل من المعاني بقدر ما يحتمل العقل من النظر. ومن أبرز أمثلة ذلك اختلافهم في فهم بعض آيات الصفات، كقوله تعالى (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى)، وقوله تعالى: (يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ)؛ إذ مال ابن عمر وأبو هريرة إلى الإثبات الظاهري مع تفويض الكيفيّة، فكانوا يقولون: نؤمن بها كما جاءت بلا كيف، بينما فسّر ابن عباس الآية الثانية تفسيرًا تأويليًا راعى فيه السياق والمقصد، فقال: أي عن شدّة وكربٍ عظيم، ولم يحملها على ظاهر الجارحة، منزهًا الله عن الحدّ والجسد.

فهذا اختلافٌ تأويليٌّ مشروع، يُظهر سعة أفقهم في التعامل مع النصّ، وإدراكهم أنّ التنزيه لا يُناقض الإيمان، وأنّ الإيمان لا يلغي إعمال العقل. ومثل ذلك اختلافهم في مسألة رؤية الله تعالى في الآخرة؛ فقد قال ابن عباس: إنّ المؤمنين يرون ربّهم يوم القيامة كما يرون القمر ليلة البدر، بينما تردّد بعض الصحابة في الخوض في الكيفية أو إمكان الرؤية الدنيوية، واكتفوا بالتسليم لظاهر النصّ القرآني: (لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ)، دون الدخول في تفصيلٍ يجرّ إلى التوهم أو التشبيه.

وهذا تنوع في مدى الخوض والتفصيل، لا في أصل الإيمان. ومما اختلفوا فيه أيضا الموقف السياسي العقدي من الفتنة بين علي ومعاوية، حيث رأى فريق أن عليًّا هو الإمام الحق الواجب طاعته. وفريق آخر رأى وجوب الاعتزال حتى ينجلي الأمر. وفريق اجتهد في التأويل فقاتل مع أحد الطرفين. والخلاف هنا له أبعاد عقدية في مفهوم الطاعة والولاء والبراء، لكنه كان اجتهادًا سياسيًا دينيًا، لا انشقاقًا في التوحيد.

 وهكذا يتجلى من خلال ما أوردناه أن اختلافهم لم يكن اختلاف تضادٍّ أو خصومة، بل اختلاف تنوّعٍ وتكاملٍ في مناهج الفهم، مما يؤكد أنّ السلف لم يُجمّدوا النصّ، بل أحيوه بتعدّد أنظارهم، وأنّ الجمود على فهمٍ واحدٍ إنما هو نقيض نهجهم لا امتداده. وذلك لأن التنوّع في الفهم بين الصحابة يثبت أن العقيدة الإسلامية لم تُفهم فهمًا واحدًا جامدًا. وأن الاجتهاد في بعض المسائل الاعتقاد كان مشروعًا مقبولًا. فلم يجعلوا فهم أحدهم حجة على غيره، بل ظلّ المرجع الأعلى هو النص المعصوم، والفهم البشري نسبيّ، اجتهاديّ، قابل للنقد والمراجعة.

فهذه الوقائع التي سقناها في جملتها تُبرهن أنّ الوحي مفتوح على الفهم المتعدد، وأنّ حصره في تأويلٍ واحدٍ خيانةٌ لمراده. فالنصّ القرآني خطابٌ للإنسان في كل عصر، ومن ذلك قوله تعالى(كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته)، والخطاب بـ(ليدبروا) عامٌّ لكل مؤمنٍ قادرٍ على النظر، ولم يُخصّصه الله بجيلٍ دون جيل، بل جعل التدبّر فريضةً دائمة، والاختلاف في الفهم سنّةً لا مَطعنًا.

ولئن كان السلف قد اجتهدوا في ضوء معارفهم، فواجب الخلف أن يجتهدوا في ضوء ما أُتيح لهم من علومٍ وأدوات، إذ تتبدل النوازل وتتنوع الوقائع، وما لم يتجدد الفهم سقطت الشريعة في الجمود. وقد قال عمر بن الخطاب —رضي الله عنه— في عام الرمادة حين عطّل حدّ السرقة (لا قطع في مجاعة)، مخالفا بذلك ظاهر النص مراعاةً لمقاصده، وإدراكًا أنّ الغاية هي حفظ النفس لا استئصالها، وأنّ الحكم يدور مع علّته وجودًا وعدمًا. أليس هذا نهج السلف في الاجتهاد؟. فكيف يُعقل أن يُتّهم أي مجتهد معاصر بالابتداع حين يسير على طريقتهم في النظر إلى المقاصد لا الحروف؟.

لذا فالمقولة —في صيغتها الحصرية— تُحوِّل النص إلى كيانٍ جامدٍ فاقدٍ للروح وتُفرغه من حيويّته، وتحوّله إلى أداةٍ لشرعنة السلطة المعرفية. فهي لا تقول (اتبعوا منهج السلف)، بل (كرّروا أفهامهم )، فتغفلُ أنّ السلف قد اختلفوا، وأنّهم مارسوا الاجتهاد في ضوء زمانهم. ومن ثمّ، فإنّ الدعوة إلى فهم السلف ليست إلا ادّعاءً باحتكار التأويل، الأمر الذي يُنتج استبدادًا مليا يفرض على العقول قراءةً واحدة، ويُقصي من خلالها كل محاولة للتجديد أو المراجعة.

وقد رأينا آثار هذا الفكر في تلك الجماعات الجانحة الجامحة التي نصّبت نفسها وصية على الدين، تحكم على الناس بالكفر والضلال إن خالفوا فهمهم، مع أنّها في حقيقتها لا تمثل السلف بل فهمًا خاصًا متعسّفًا نُسب إليهم ظلمًا. ومن زاويةٍ أخرى، فإنّ هذا الاتجاه يُعيد إنتاج نموذج فكريٍ منغلق يرى الحقيقة ملكًا لجماعةٍ بعينها، ويُقصي الحوار، حيث يُكرّس نوعين من العنف أولهما/ العنف الرمزي الذي يفرض على أتباعه فهما واحدا باسم الحق، وتبديع وتفسيق كل من خالفه، وتجريمه فكريًا. وثانيهما/ العنف المادي-كالقتال، والتكفير، واستحلال الدماء، والإقصاء الجسدي، والاغتيال. مخالفين بذلك الإسلام الذي جاء ليُحرّر العقل، ويُطلق ملكة الاجتهاد، ويُقوّم النظر بالوحي لا بالوصاية البشرية. وقد قال تعالى(فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر)، فجعل الحرية الفكرية أساسًا للتكليف، وأمر بالتدبّر والتفكر لا بالتقليد الأعمى (أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها).

فمن الوفاء للسلف أن نسير على نهجهم في النظر، وأن نُفعّل أدواتهم في ضوء واقعنا. لأن الاجتهاد المستمر هو روح الشريعة، كما قال الشاطبي (الاجتهاد لا ينقطع حتى ينقطع التكليف). فكل محاولة لحصر الفهم في الماضي إنما هي مفارقةٌ لمنهج السلف أنفسهم، الذين خالف بعضهم بعضًا، وفتحوا باب الاجتهاد للأمة.

إنّ الخطأ كامنٌ في دلالة مصطلح السلف من حيث الإجراء والتطبيق، إذ إنّ من يُطلق عليهم هذا الوصف كانوا مجدّدين ومجتهدين ونقّادًا ومبدّلين لما يقتضيه صلاحُ الزمان والمكان، لا مبدّدين للثوابت أو مغيّبين للعقل. فإلى أيّ فريقٍ منهم يُراد لنا أن نقتفي الأثر؟. لاسيما وأنّ مقاصد الشريعة ـ في جوهرها ـ لا تتحقّق إلا بفهمٍ متجدّدٍ يوازن بين النص والواقع، ويُقيم العدل ويُحقق المصلحة. فالدعوة إلى الاقتصار على فهم السلف تُفضي ـ في حقيقتها ـ إلى تعطيل المقاصد الكلّية للشريعة: حفظ النفس والعقل والدين والعِرض والمال؛ لأنها تُقدّم الشكل على الجوهر، والحرف على الروح، وهو ما لم يكن من منهج السلف في شيء، بل نقيضُه تمامًا. لذا فالمقولة في صيغتها المغلقة تمثّل خلطًا بين الوحي والفهم، وانحرافًا عن منهج السلف الحقيقي، وتُنتج جمودًا فكريًا واستبدادًا دينيًا يُقوّض الاجتهاد ويُقصي التنوع الذي جعله الله رحمة.

وإذا ما انتقلنا إلى أدعياء السلفية المعاصرة ومشكلتهم مع الفهم الأحادي الملتبس، فسوف نجد أن الإشكال في مقولتهم (القرآن والسنة بفهم سلف الأمة) لا يقف عند حدودها اللغوية أو مقصدها الدعوي المعلن، بل يتجاوز ذلك إلى ما تنطوي عليه من دلالاتٍ مضمَرة تمسّ بنية الحقيقة الدينية ذاتها؛ إذ توحي ـ في عمومها ـ بأنّ سلف الأمة هم فصل الخطاب ومناط العصمة، وأنّ على المؤمنين التسليم لفهمهم والانضواء تحت تأويلهم، لا مراجعتهم أو نقدهم أو الاجتراء على مساءلتهم، وهذا في ميزان المعرفة الإسلامية، يمثل خللًا جوهريًا، لأنها تُسوّي بين الوحي المعصوم والفهم البشري النسبي، وتجعل من الاجتهاد التاريخي معيارًا مطلقًا، في حين أنّ النص الإلهي – من حيث طبيعته – يتجاوز الأفهام المحدودة بزمان أو مكان، ويتسع لتجدد المعاني بتجدد القراءات والسياقات.

فالنص القرآني — بوصفه كلام الله — ليس رسالة تاريخية منتهية، بل خطابٌ حيٌّ مستمر، يفيض بالمعاني التي تتكشف عبر تفاعل العقل والواقع.

وكل محاولة لحصر فهمه في عقلٍ واحد أو جيلٍ محدد هي مصادرة لفاعليته، وتعطيل لمقصوده في الهداية والتجديد. وقد نبّه الأصوليون إلى هذه الحقيقة بقولهم (النصوص متناهية، والوقائع غير متناهية، فلا يُستغنى عن الاجتهاد)، وهو ما قرّره الشاطبي في الموافقات حين جعل الاجتهاد فريضةً دائمة لاستمرار الدين في الواقع.

لذا يمكننا القول أنّ هذه المقولة تُعيد ـ في جوهرها ـ إنتاجَ نموذجٍ جديدٍ من الاستبداد الديني، على نحوٍ يُذكّر بما مورس في العصور الوسطى حين تماهت السلطة مع المقدّس، وتحولت النصوص إلى أدواتٍ للهيمنة والقمع، كما حدث في محاكم التفتيش التي جعلت من التأويل وسيلة لإقصاء المخالف واضطهاده. فالمقولة، في صيغتها المعاصرة، تمنح سلطةَ التفسير لطائفةٍ بعينها تدّعي الوصاية على النص، وتُنصّب نفسها ممثّلًا حصريًّا للإسلام، وهو ما تجلّى في الجماعات الجانحة المتشددة التي سمت نفسها أهل الحلّ والعقد أو أرباب الرأي، فاتخذت من شعار (فهم السلف) ستارًا لممارسة الهيمنة الفكرية وإقامة سلطة التكفير العملي.

وهذا النمط من التفكير يعيد إلى الأذهان نهج الخوارج الذين تمسكوا بظواهر النصوص وأعرضوا عن مقاصدها، وكفروا دونه، فوقعوا في الغلوّ الذي حذّر منه النبي ﷺ بقوله) يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم (أي أنهم لا يُدركون معانيه ومقاصده. والتاريخ يعيد نفسه حين يتحوّل النص إلى شعارٍ يُستعمل لتصفية المخالف، لا وسيلة للهداية. فالمقولة في يد هؤلاء تُصبح حجرًا على العقول، وتُنتج عقلًا نقليًا جامدًا، يُفرغ الدين من طابعه الإنساني المقاصدي، ويُحوّله إلى منظومة أوامر جامدة لا تتفاعل مع عللها ومآلاتها. وسيف على رقاب المبدعين.

فالسلف الذين نجلّهم ونحترمهم لم يدّعوا العصمة، ولم يغلقوا باب الاجتهاد، ولم يُقدّموا فهومهم على مقاصد الشريعة، بل سعوا بكل إخلاص إلى استنباط الحقّ من النص، وهم يعلمون أنّ الفهم يتجدّد بقدر ما يتجدّد النظر. وإنّ أصدق وفاءٍ لهم أن نسير على طريقهم، لا أن نُقيم جدارًا بيننا وبينهم منهم يفصلنا عن حركة الحياة. لأنّ الإسلام دينٌ عالميٌّ خالد، لا يمكن أن يُحبس في فهمٍ بشريٍّ، والوحي أكبر من الزمان والمكان. والسلف أنفسهم كانوا يدركون ذلك، فاجتهدوا لعصرهم، وتركوا الباب مفتوحًا لمن يأتي بعدهم. فمن أغلقه باسمهم، فقد أساء إليهم، وألغى أعظم ما ورّثوه لنا) المنهج).

وختاما، فإن النقد الذي وجّهناه إنما هو تحرير للدين من القيد التاريخي، لا طعن في السلف، واستعادة للمنهج المقاصدي الاجتهادي الذي هو جوهر نهجهم. فالإسلام لا يُختزل في فهمٍ، بل يُستوعب بمنهجٍ حيٍّ، والعقل لا يُقصى بل يُكرَّم، والوحي لا يُجمّد بل يُستنطق في كل عصرٍ بما يُحقّق الرحمة والعدل والمصلحة.

***

د. بدر الفيومي

 

الصفحة 1 من 4

في المثقف اليوم