عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام ثقافية

عند قراءتي للروايات، أكاد أخفي موقفي من الراوي أو المؤلف، لأنّ النقد بطبيعته قد يُربك بعض الكتّاب، بينما يدفع آخرين إلى مزيد من النضج والإبداع. لذلك أحاول أن أترك النص يقودني إليه، لا أن أقوده إلى أحكامي المسبقة. غير أنّ رواية "في الهُنا" للروائي الكويتي طالب الرفاعي فرضت عليّ أن أتوقف طويلًا أمامها؛ لا بوصفها حكاية تُقرأ، بل تجربة تُعاش.

منذ الصفحات الأولى، يتجلى وعي روائي متمكن، يعرف كيف يسيطر على إيقاع السرد، وكيف يمنح اللغة مرونتها دون أن يثقلها بالاستعراض. بدت الرواية كفرس عربية أصيلة، ينساب عدْوها بثقة، فلا تتعثر في تفاصيلها، ولا تفقد وجهتها مهما تشعبت المسارات. إنها كتابة تُشعرك بأنّ كلّ جملة وُضعت في مكانها بعد خبرة طويلة بميزان الكلمة وإيقاعها.

وخلال القراءة، وجدت نفسي أتوقف أكثر من مرة، لا لأنّ النص غامض، بل لأنّ كثافة مشاهده وتعدد صوره يدفعان القارئ إلى العودة، وكأنّ الرواية تكافئ القراءة الثانية أكثر مما تمنح القراءة الأولى. كانت بعض المقاطع تستدعي التأمل، وكانت بعض الشخصيات تفتح أبوابًا جديدة للفهم، حتى شعرت أنني أعيد ترتيب قراءتي كلما تقدمت في الأحداث. وهذا، في تقديري، من علامات الرواية التي لا تكتفي بأن تُروى، بل تدعو قارئها إلى المشاركة في بنائها.

ما لفتني هو قدرة طالب الرفاعي على تقمّص شخصياته، ولا سيّما حين يتكئ على ضمير المتكلم. لا تبدو الأصوات متشابهة، بل لكلّ شخصية نبضها الداخلي، ولغتها الخاصة، وقلقها الذي يميزها. هنا لا يصف الكاتب المشاعر من الخارج، وإنما يجعل القارئ يعيشها من الداخل؛ فتبدو الشخصيات كائنات حية تحمل أعباءها النفسية والاجتماعية والثقافية دون افتعال أو مبالغة.

نجح في تقديم رواية واقعية تستند إلى تفاصيل الحياة اليومية، وإلى حقائق المجتمع كما هي، بعيدًا عن الزخرفة اللغوية أو الرمزية التي قد تحجب حرارة التجربة. لقد آثر الصدق على الإدهاش المصطنع، فكان تأثير الرواية أعمق، لأنّ الواقع حين يُكتب بإخلاص يصبح أكثر إدهاشًا من الخيال نفسه.

من أجمل اللمسات التي منحت الرواية خصوصيتها، ذلك الحضور الذكي للتراث الكويتي، حين تتسلل الأغنية الكلاسيكية "قومي وارفعي البوشية" بصوت الفنان محمد الكويتي إلى نسيج السرد. لم تكن الأغنية مجرد استدعاء للماضي، بل أصبحت جزءًا من روح الرواية، تضيف إليها إيقاعًا وجدانيًا يربط الشخصيات بذاكرة المكان، ويؤكد أن طالب الرفاعي لا يستحضر التراث للحنين فحسب، بل ليجعله عنصرًا فاعلًا في تشكيل الحكاية.

في قلب الرواية تتألق علاقة كوثر ومشاري؛ قصة حب لا تواجه اختلاف الطباع بقدر ما تواجه أسوار الطائفية والمذهبية. لم يُقدِّم الكاتب هذا الصراع بشعارات مباشرة، وإنما ترك الشخصيات تكشف هشاشة تلك الحواجز أمام صدق العاطفة. بدا ذلك الجدار أشبه بجدار برلين؛ قائمًا في الظاهر، لكنه يحمل في داخله بذور انهياره.

حتى الأب الذي يبدو ليبراليًا، والأم التي تختصر رفضها بعبارتها المؤلمة "خلّصوا رجال الكويت؟"، لم يكونا مجرد شخصيتين معارضتين، بل تجسيدًا للتناقض الذي يعيشه المجتمع بين ما يعلنه من قيم وما يمارسه من مواقف. ومن خلال هذا التوتر، ظلّ حب كوثر ومشاري نابضًا طوال سنوات الرواية، يقاوم الخوف والعائلة والاصطفافات الاجتماعية، ليؤكد أنّ الحب الحقيقي لا ينتصر بالصخب، بل بالصبر والوفاء.

"في الهُنا" ليست رواية حب فحسب، بل رواية عن الإنسان حين يحاول أن يحمي قلبه من الحدود التي يصنعها الآخرون. شهادة أدبية على قدرة السرد الصادق على ملامسة الوجدان، وأن يترك في القارئ أثرًا يبقى بعد إغلاق الصفحة الأخيرة. رواية تؤكد أنّ طالب الرفاعي يكتب بروح الحكّاء الذي يعرف أن أجمل الحكايات هي تلك التي تشبه الحياة، لأنها لا تنتهي بانتهاء الرواية، بل تستمر في ذاكرة قارئها.

***

فؤاد الجشي

 

لابد من الاشارة إلى أن الموروث الشعبي يُعدُّ أحد أهم عناصر هوية المجتمعات، فهو الوعاء الذي يحفظ الذاكرة الجمعية، ويختزن العادات والتقاليد، والقيم، والأمثال، والحكايات، والأهازيج، التي تناقلتها الأجيال عبر الزمن.

ومن هنا فإن من الضروري الحرص على النهوض بثقافة الموروث الشعبي، والسعي لترسيخها، للحفاظ عليها من الضياع بتداعيات العصرنة الصاخبة في جوانبها السلبية.

وهكذا فقد كان لأدباء الديرة دورهم في المساهمة في حفظ الموروث الشعبي الديرة، من خلال توثيقه في كتاباتهم، وقصائدهم، ومقالاتهم، ومؤلفاتهم، ليكون بين يدي الأجيال المعاصرة، وفي متناول الباحثين، والمهتمين بالترات، لاسيما وأن الموروث الشعبي، ليس مجرد حكايات من الماضي، بل هو سجل ارث حضاري، يعكس حياة الناس، وتفاصيل بيئتهم، وعاداتهم، وتقاليدهم، وتاريخهم الاجتماعي.

ولعل تضمينهم الروايات الشفوية، والأمثال الشعبية، والقصص التراثية، والأغاني، والأشعار المتوارثة، وتدوينها في مؤلفاتهم، ودراساتهم ومقالاتهم، أسهم في توثيقها، وحمايتها من الضياع، والنسيان، بمرور الزمن، إذ كان للأدباء دور بارز في توظيف عناصر التراث الشعبي في نتاجاتهم الأدبية، حيث استلهموا من بيئتهم المحلية، شخصياتهم، وأحداثهم، وصورهم الفنية، مما منح أعمالهم خصوصية ثقافية، وجعلها أكثر قربًا من وجدان المجتمع، عندما انعكس ذلك التوظيف، في الشعر، والتعابة، والزهيىي، والقصة، والمقالة، والسرد الشعبي، حيث تحولت مفردات التراث، إلى عناصر فاعلة في سردياتهم الحديثة.

ولم تقتصر جهودهم على التوثيق، والكتابة، فحسب، بل امتدت إلى المشاركة في الندوات، والملتقيات الثقافية, ومجالس السمر، وإقامة الأمسيات التراثية, التي تُعنى بالتراث الشعبي، اضافة الى تشجيع الباحثين، على الاهتمام بالموروث المحلي، وإجراء الدراسات المتعلقة به.

ولاشك أن وسائل الإعلام الحديثة، ومنصات التواصل الاجتماعي، قد أسهمت في توسيع دائرة تأثيرهم، ونشر ما جمعوه من مواد تراثية إلى جمهور أوسع.

وهكذا ساهمت جهود أدباء الديرة، في تعزيز الانتماء للتراث، وترسيخ الهوية الثقافية، والحفاظ على الخصوصية الحضارية للمجتمع، في مواجهة مظاهر تداعيات التغريب والمسخ المتسارعة، وبذلك كان سعيهم متميزا في الحفاظ على التراث، وترسيخ ثقافة الاعتزاز به، من خلال منح الأجيال المعاصرة، والقادمة، فرصة التعرف إلى جذورها الثقافية، واستلهام قيمها الأصيلة، بما يرسخ حفظ الهوية، ويعزز الوعي باهمية التراث الشعبي، وصيانته من المسخ والتشويه.

***

نايف عبوش

لا يمكن اختزال كرة القدم في كونها نشاطاً ترفيهياً أو ممارسة رياضية محايدة، إذ إنها تشكل بنية دلالية كثيفة تكشف عن الطبقات العميقة للوجدان الإنساني، بما ينسجم مع التصور الفلسفي لباروخ سبينوزا حول الانفعال بوصفه تعبيراً عن طبيعة الكائن في سعيه الدائم إلى حفظ بقائه. ففي أفق هذا التصور، لا تبدو انفعالات المشجع من فرح أو حزن أو حب أو كراهية حالات عرضية أو طارئة، بل تتأسس بوصفها تجليات مركبة لما يسميه سبينوزا “الكوناتوس”، أي الميل الجوهري للكائن إلى الاستمرار في الوجود وتعظيم قدرته على الفعل.

في هذا السياق، يغدو انتصار الفريق الذي ينتمي إليه الفرد بمثابة تعاظم رمزي في إحساسه بالقدرة والامتلاء، وكأن الذات تمتد خارج حدودها لتتقمص نجاح الموضوع الذي تتماهى معه. أما الهزيمة فتُنتج انكماشاً وجودياً وانخفاضاً في منسوب القوة المدركة، بما يعكس انتقالاً من درجة أعلى إلى درجة أدنى من الكمال وفق التصنيف السبينوزي للانفعالات. وهكذا يتجلى الانفعال الرياضي باعتباره اقتصاداً وجودياً للقدرة، تُعاد فيه صياغة علاقة الذات بذاتها عبر وسيط خارجي ظاهرياً وداخلي فعلياً.

ولا تتوقف هذه المشاعر عند حدود النفس، بل تظهر أيضاً في الجسد؛ فنلاحظ تسارع نبض القلب، وتوتر العضلات، وتغير التنفس. وهذا التلازم بين الجسد والعاطفة ينسجم مع رؤية سبينوزا التي تؤكد أن العقل والجسد ليسا منفصلين، بل هما وجهان لحقيقة واحدة، وأن كل شعور نفسي له أثر جسدي واضح.

لكن عالم التشجيع لا يخلو من جانب آخر أكثر تعقيداً، يتمثل في التعصب والكراهية تجاه الفريق المنافس. ففي كثير من الأحيان، لا يكون الحزن أو الغضب بسبب النتيجة نفسها، بل بسبب التعلق الشديد بالفريق، مما يجعل المشجع أسيراً لمشاعره وردود أفعاله. وهنا يحدث ما يسميه سبينوزا نوعاً من “العبودية الانفعالية”، حيث يفقد الإنسان قدرته على التفكير الهادئ ويصبح خاضعاً لتأثيرات لا يسيطر عليها.

ويتجلى هذا الأمر بوضوح في التعصب، حين يرفض المشجع الاعتراف بمهارة الخصم أو جمال أدائه فقط لأنه ينتمي إلى الطرف الآخر. في هذه الحالة، لا يعود الحكم مبنياً على الواقع، بل على مشاعر مسبقة تشوّه الرؤية. بل إننا قد نرى اللاعب نفسه يُرفض أو يُحب فقط تبعاً لانتقاله بين الفرق، مما يكشف أن مشاعر الحب والكراهية لا ترتبط بجوهر الأشخاص، بل بالطريقة التي ننظر بها إليهم.

في المقابل، يقدّم سبينوزا طريقاً مختلفاً يقوم على الفهم لا الانفعال. فالحريّة الحقيقية، في نظره، لا تأتي من إنكار المشاعر، بل من فهم أسبابها. عندما يدرك الإنسان لماذا يغضب أو يفرح، ولماذا يحب أو يكره، يصبح أكثر قدرة على التحكم في مشاعره وتوجيهها بشكل واعٍ. ومن هذا المنظور، فإن الاعتراف بجمال أداء الخصم، حتى في لحظة الخسارة، ليس ضعفاً، بل خطوة نحو وعي أعمق ونضج أكبر.

هذا النوع من الفرح القائم على الفهم يختلف عن الفرح المؤقت المرتبط بالفوز أو الخسارة، لأنه لا يعتمد على النتيجة، بل على إدراك أوسع للحياة وتعقيداتها. وهنا تتجاوز كرة القدم كونها مجرد مباراة، لتصبح وسيلة لفهم أعمق للعالم، حيث لا تُقاس الأشياء فقط بمن نحب أو نكره، بل بطريقة رؤيتنا لها.

ومع هذا الفهم، تبدأ الحدود بين “نحن” و”هم” في التلاشي، ويصبح من الممكن رؤية الجمال والكفاءة حتى عند الخصم. وهذا يقرب الإنسان من فكرة سبينوزا عن “الحب العقلي للطبيعة”، أي الفرح الناتج عن فهم العالم كما هو، بكل انتظامه وتنوعه، دون أحكام مسبقة أو انحياز أعمى.

ومن هنا يتشكل نموذج مختلف للمشجع؛ مشجع لا يفقد حماسه ولا انتماءه، لكنه في الوقت نفسه لا يسمح للكراهية أن تسيطر عليه. يفرح ويغضب، لكنه يظل قادراً على التفكير والتقدير. يرى في المباراة أكثر من نتيجة، يراها مساحة تظهر فيها المهارة والجمال والإنسانية.

وبهذا المعنى، تصبح كرة القدم صورة مصغّرة للحياة نفسها، تكشف لنا كيف يمكن للإنسان أن ينتقل من الانفعال الأعمى إلى الفهم، ومن التعصب إلى التقدير. وكل خطوة في هذا الاتجاه ليست مجرد تغيير في طريقة التشجيع، بل خطوة نحو حرية أعمق وسعادة أكثر استقراراً، تقوم على إدراك الخير والجمال في العالم بدل الانغلاق عليه.

***

محمد إبراهيم الزموري

أقسى أنواع الحنين هي الذكريات التي تطرق أبواب القلب شوقًا دون استئذان، فتعيد إلينا وجوهًا أحببناها، وأيامًا عشناها بكل تفاصيلها الصغيرة. تمر السنوات وتتغير الأمكنة، لكن بعض الذكريات تبقى ساكنة في أعماق الروح، لا يبهت لونها ولا يغيب أثرها.

حتى مررتُ بحينا، إلى المكان الذي اعتدنا أن نكون فيه معًا، فتذكرتك، وارتسمت حينها ابتسامة هادئة على وجهي، وكأنني أستحضر طيفك الطيب بجانبي يشاطرني الحديث. وفي مكاننا تمنيتك أن تكون حاضرًا لنحيي معًا ذكرياتنا العابرة، لنضحك بصوت عالٍ يعم أرجاء المكان الساكن. وددتُ لو أن الزمان يعود أدراجه، وأن نرجع كما كنا نسير معًا على ذات الطريق.

كم أشتاق إلى ضحكة كانت تملأ أيامنا دفئًا، وإلى أحاديث عابرة أصبحت اليوم كنوزًا لا تُقدَّر بثمن. أشتاق إلى أشخاص أخذتهم طرق الحياة بعيدًا، وإلى لحظات ظننا أنها عادية، فإذا بها أجمل ما مرّ بنا.

الذكريات ليست مجرد صور من الماضي، بل نبضٌ يسكن القلب، يزورنا كلما هبّت نسمة شوق أو مرّ طيف مكانٍ كان يومًا وطنًا للمشاعر. وبين ألم الفقد وجمال ما كان، يبقى الحنين رسالة صامتة تخبرنا أن بعض الأشياء وإن غابت عن أعيننا، فإنها لا تغيب أبدًا عن قلوبنا.

ونحن نسير لا نعلم أين سينتهي بنا الطريق، لكنني أدركت أنني أسير في رحلتنا المجهولة، نتحدث عن أحلامنا التي طاردناها بشغف، وعن طموحاتنا التي لا ندري إن كان لها نصيب لتكتمل وتعود من جديد. ننسج حكايات وقصصًا تحمل طابعًا هزليًا يزين جلساتنا ويمنحها بهجة خاصة.

أما اليوم، فأنا هنا بمفردي، بعيدة بيني وبين وحدتي، أتنفس الصمت وأتأمل الفراغ الواسع الذي تركه غيابك. أجلس أفتش عن صور الأماكن التي سرنا بها يومًا ما، وأتأمل منظر الغروب، لكن ليس بذات الشعور الذي تشاركناه معًا.

أعلم يقينًا أن الحياة لا تبقى على حال، لكن المشاعر ما زالت تنبض بالحنين، وأن الطرق قد تختلف مساراتها، لكنني اليوم وددت لو تلتقي طرقنا ولو للحظة من الزمن. تمنيت أن تحضر أرواحنا لنحيي كل ذكرى طيبة من ماضٍ جميل عشنا لحظاته معًا.

ربما أنت تشعر بغربة البعد عني، أما أنا ففي غيابك عشت غربة الصديق وغربة المدينة. حتى الأماكن باتت غريبة لديّ، وكذلك الطرق التي أقطعها بمفردي أصبحت جديدة في نظري، وكأن قدماي تخطوانها لأول مرة.

استغربت الأمر في البداية، ثم أدركت فعلًا أن خللًا قد حلّ برحابي في غيابك. تمنيت حقًا أن تحضر قلبًا وقالبًا لتكمل ذلك النقص الذي أصبح جزءًا من الحياة التي أعيشها بمفردي، بين وحشة الغياب وصراع الذكريات.

سلامٌ على تلك الأيام، وسلامٌ على من كانوا جزءًا من تفاصيلها، فما زالت أرواحهم تعبر ذاكرتنا كلما اشتقنا، وما زالت الذكريات الجميلة تمنحنا القوة لنبتسم رغم المسافات والسنين.

***

ذكرى البياتي

 

(2 مايو 1910 ـ 17 اكتوبر 1978 م)

نشأت والحمد لله في أسرة ميسورة إنها من هذه الأسر التي يقال عنها "أعيان الريف " لم تكن أسرة واسعة الثراء ولم تكن فقيرة وإنما كانت ميسورة.

كان أبي صاحب دين يحرص على عدم الإخلال به، ويحرص على أن تلتزم به الأسرة، درس في الأزهر فترة طويلة من الزمن، حضر فيها على كبار الأساتذة من بينهم الشيخ محمد عبده.

وأقولها بالصوت الجهير وأكتبها بالخط العريض : إنها فكرة ليست في مصلحة مصر " ويمكن أن نقول مع الدكتور على عبد الواحد عميد علم الاجتماع في مصر، إن مشكلة مصر قلة النسل

ولدت في عزبة أبي أحمد " وأبو أحمد " هو جد والدي وقد بني جدي هذه العزبة بيتا بيتا وكانت مسكنا للأسرة وأصلح جدي أرضها فدانا فدانا وتسمى الآن قرية السلام وتتبع مركز بلبيس،وتبعد عن بلبيس أربعة كيلومترات وعن العائلة 45 كيلومتر.

والعزبة على حافة الترعة الإسماعيلية، موقع جميل موفق والحمد لله " وأمام بيتنا حديقة صغيرة من أشجار الليمون والمانجو تتخللها أشجار النخيل يفصلها عن البيت جدول له المياه يسمى في الريف عادة بالخليج، لقد قضيت أياما من اجمل أيام حياتي في هذه الحديقة.

ولست أتذكر من طفولتي الأولى إلا أياما قضيتها مع أطفال القرية ذكورا وإناثا في الكتاب" وانتهت مرحلة الكتاب بالنسبة لي بحفظ القرآن الكريم ولله الحمد.

كانت سني صغيرة على الالتحاق بالأزهر، وكان والدي يفكر في أن يرسلني إلى مكان ناء نسبيا لأتعلم فيه أحكام التجويد، ولكن حنان الأم وحرص الأب على أن أكون تحت رعايته حالا بيني وبين تحقيق ذلك ويا ليتني تعلمت أحكام التجويد ! يا ليتني!

ثم ذهبت إلى المدرسة الأولية بعد أن أدى الكتاب رسالته وأتممت فيه حفظ القرآن ولما أصبحت في سن مناسبة للالتحاق بالأزهر رافقني أبي إلى القاهرة , وهناك ألحقت به.

في أول يوم لبدء الدراسة ارتفع صوت المؤذن لصلاة الظهر ـ عندما حان وقته ـ في خشوع وجلال، تأهبنا للصلاة وتخلف بعض الطلبة عن القيام بها فأخذت خيزرانة المراقب تؤدي واجبها نحو المتقاعدين في جد ونشاط.

في منتصف العام تقريبا زارني والدي رحمه الله في المعهد المسجد ولعله جاء إلى المعهد ليقف على مدى انتظامي في الدراسة، ثم التقى بي وشرع يحدثني عن الزواج وعرض عليً أسماء فتيات واستطلع رأيي كانت سني آنذاك ثلاث عشرة سنة وكان رأيي الذي قلته له : الأمر لك ولوالدتي.

وعاد والدي إلى العزبة ومضت فترة جاءني بعدها خطاب، يقول فيه والدي " احضر " وعدت إلى العزبة في مساء الأربعاء وتم عقد زواجي في يوم الخميس وعدت إلى القاهرة في يوم الجمعة.

ونجحت في الامتحان وعدت لأقضي العطلة الصيفية في العزبة وانتهزوها فرصة لإتمام الزفاف ومرت السنة الثانية بالأزهر طبيعية دراسة واستذكارا، في خلال هذين العامين شهدت موقفين كانا في غاية الروعة.

أما المنظر الأول فهو منظر استقبال سعد باشا وهو عائد من المنفى وأما ثانيهما كان منظر إضراب الأزهر، كان الأزهر هائجا مائجا، وكانت الوزارة القائمة وزارة سعد باشا زغلول حينذاك لم أكن أعلم آنذاك عن الأسباب والبواعث والغايات شيئا ومع ذلك ذهبت إلى الجامع الأزهر مشاركا بجسمي متفرجا مستطلعا.

أما في السنة الثالثة فقد طرأ تغيير إلى حد كبير، فقد انتقلنا من المسجد الذي ألفنا الدراسة فيه وعشقناها إلى غرفة في مبنى ليس له قداسة المسجد ولا روحانيته، انتقلنا إلى معهد الزقازيق الذي أنشئ ليكون فرعا للأزهر بالشرقية.

وفي معهد الزقازيق بدأ اتصالنا بالصحافة، حيث بدأنا نقرأ الصحف، وكنا إذ ذاك نقتصر على صحيفة واحدة تقريبا هي صحيفة الأخبار التي كان يصدرها أمين الرافعي، وكان صدرها مفتوحا لعلماء الدين، يجدون فيه متنفسا لكل ما يجيش بصدورهم من آراء وأفكار، وكنا نحن طلبة نسعد بقراءة المقالات الدينية.

انتهت السنة الثالثة بمعهد الزقازيق، وكذلك انتهت السنة الرابعة به أيضا، وفي هاتين السنتين دفعتني الظروف للجد والاجتهاد بصورة غير عادية وبذلك حصلت على معلومات في مختلف العلوم والفنون تفوق المعلومات العادية لنظائري الطلاب، وكانت نظم الأزهر حينذاك تتيح للطالب بالسنة الأولى الثانوية أن يتقدم مباشرة لامتحان الشهادة الثانوية من الخارج وفكرت في الأمر فكرت أن أفصل نفسي من الأزهر، وأن أتقدم في آخر العام من الخارج لامتحان الشهادة الثانوية، وكان العزم والتصميم، دخلت الامتحان ونجحت وأرضى ذلك آمال والدي وشعوره نحوي، وعدت من جديد إلى القاهرة في المسجد الشريف الأزهر، ومكثت في الدراسة أربع سنوات، كنت في أثنائها متصلا اتصالا كبيرا بالجو الثقافي في الأزهر وخارج الأزهر.

وكان من بين مدرسي القسم العالي بالأزهر عديد من الشخصيات اللامعة في العلم والمنزل: الشيخ محمود شلتوت والشيخ سليمان نوار والدكتور محمد عبد الله دراز والدكتور محمد عبد اللطيف دراز والشيخ الزنكلوني والشيخ محمد مصطفى المراغي والشيخ مصطفى عبد الرازق.

كنت أحضر الدروس في الأزهر وكنت أحرص على حضور المحاضرات التي تلقى هنا وهناك في القاهرة وخارج الأزهر وكان محط أنظارنا جمعية الشبان المسلمين، فقد كان فيها نشاط دائم، وكان للقائمين عليها آنذاك عناية صادقة بهداية الشباب وكان الدكتور أحمد محمد العزاوي عليه رحمة الله من الدائبين على إلقاء المحاضرات فيها، كل أسبوع تقريبا، وكان الموضوع الرئيسي الذي يتحدث فيه دائما هو " الإسلام والعلم ".

وكنت أتردد أيضا على جمعية الهداية الإسلامية، وكان الإمام الأكبر الشيخ محمد الخضر حسين رئيسا لها، والشيخ محمد الخضر حسين مؤمن صادق الإيمان، مجاهد مناضل وهو تونسي المنبت والنشأة وتعرفت أثناء الدراسة بالقسم العالي بالأستاذ محمد فريد وجدي وكان يستقبل زائريه كل يوم بعد صلاة المغرب لمدة ساعة يتحدث إليهم ويجيب عن أسئلتهم، ويدلي برأيه فيما يثار من موضوعات في الصحف اليومية، وقد كتبت في أيامنا تلك روايات تتناول التاريخ الإسلامي كتبها جورجي زيدان وقد قرأت الكثير منها حين ظهورها.

وهذه الروايات لم تكتب من أجل إحقاق الحق، ولم تكتب لتعبر عن التاريخ الصادق، وإنما كتبت بقصد تشويه الصورة الإسلامية الجميلة وتزييف الخلق العربي الأصيل الفاضل.

وكان خاتمة سن الدراسة العالية بالقاهرة امتحان العالمية ونجحت والحمد لله، وكان والدي يحب أن يراني مدرسا بالأزهر لقد كان ذلك يسعده كل السعادة ولكنه فوجئ برغبتي الملحة في السفر إلى فرنسا لإتمام دراستي في جامعاتها.

بدأت الدراسة في فرنسا منذ سنة ألف وتسعمائة واثنين وثلاثين (1932) على نفقتي الخاصة، ودام الأمر كذلك إلى سنة ألف وتسعمائة وثمان وثلاثون (1938) حيث ألحقت بالبعثة الأزهرية وكنت قد فرغت من الليسانس تقريبا وبدأت أفكر في رسالة الدكتوراه.

اتصلت بالأستاذ "ميسنون" وتحدثنا طويلا وانتهى بنا الأمر إلى الاتفاق على أن أكتب عن التصوف الإسلامي من خلال دراسة الحارث بن أسد المحاسبي وكان هذا أول اتصال منظم وجاد بالتصوف الإسلامي بالنسبة لي.

إني لأذكر ذلك اليوم المشمس الجميل من شهر يونيو سنة ألف وتسعمائة وأربعين فقد صحوت من نومي مبكرا أتأهب لخوض غمار معركة علمية هي مناقشة رسالة الدكتوراه ومرت الأيام بخيرها وشرها وحلوها ومرها ووصلت في النهاية إلى القاهرة، وانتهيت من دراسة الدكتوراه وأنا أشعر شعورا قويا بمنهج المسلم في الحياة وهو منهج الاتباع.

إن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول كلمة موجزة عن هذا المنهج هي : إعجاز من الإعجاز إنه صلى الله عليه وسلم يقول : اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم " وهي كلمة حق وصدق، ثرية بالمعاني الطويلة العريضة، يبرهن آخرها على أولها، والنهي في وسطها يبرهن عليه أيضا آخرها أي اتبعوا فقد كفيتم، والكافي هو الله سبحانه وتعالى الذي أوحى المبادئ والأصول والقواعد، وطبق رسول الله (صلى الله عليه وسلم) كل ذلك وبيًنه، فكان تطبيقه مقياسا وبيانا ومرجعا يرجع إليه المختلفون " ولا تبتدعوا فقد كفيتم " إن الذي يبتدع لا كفاية له، ولكن الله سبحانه وتعالى بعد أن أكمل الدين وأتم النعمة، فليس هناك من مجال ولا حاجة إلى الابتداع.

لقد كفانا الله ورسوله (صلى الله عليه وسلم) كل ما أهمنا من أمر الدين، وبعد أن وقر هذا المنهج في شعوري واستيقنته نفسي، أخذت أدعو إليه: كاتبا ومحاضرا ومدرسا ثم أخرجت فيه كتابا هو كتاب " التوحيد الخالص أو الإسلام والعقل، وما فرحت بظهور كتاب من كتبي مثل فرحي يوم ظهر هذا الكتاب، لأنه خلاصة تجربتي في حياتي الفكرية وكل ما كتبته عن التصوف وعن الشخصيات الصوفية فإنما يسير في فلك هذا المنهج، منهج الاتباع.

خاتمة:

هذه سيرة الشيخ عبد الحليم محمود الإمام الأكبر وشيخ الجامع الأزهر ذلك الفلاح البسيط الذي سافر إلى فرنسا وعاد كما هو ولكن بعد أن تسلح بالعلم والقدرة على التفكير المنطقي، آثرت أن يكتب بنفسه هذه السيرة من خلال كتابه " الحمد لله هذه حياتي " فلم أغير حرفا من كلامه، ربما حذفت بعض الاستطرادات، ولكن كل كلمة في هذا المقال للشيخ عبد الحليم محمود، ويكفينا هنا أن نورد للقارئ الكريم شيئا عن الوظائف العلمية والعملية وأبرز مؤلفاته التي تركها لنا.

عين الشيخ عبد الحليم محمود عقب عودته من فرنسا مدرسا بكلية اللغة العربية ثم أستاذا بكلية أصول الدين بعد عشر سنوات (1370 هـ / 1915 م) ثم عميدا لها، وفي عام 1389 ه  اختير أمينا عاما لمجمع البحوث الإسلامية، ووكيلا للأزهر بعد عام واحد فوزيرا للأوقاف عام 1392 هـ، ثم شيخا للأزهر الشريف من 1393 هـ إلى وفاته في عام 1398 هـ (1973- 1978 م)، حيث دفن في قريته "أبو أحمد" التي تدعى منذ حرب أكتوبر ـ بقرية السلام، يحتفل أهل القرية كل عام بذكرى مولد الشيخ عبد الحليم محمود باعتباره وليا من أولياء الله الصالحين، أما أبرز مؤلفات الدكتور عبد الحليم محمود، فيكفي أن نذكر منها :

1 ـ الفيلسوف المسلم.

2 ـ التصوف عند ابن سينا.

3 ـ أوروبا والإسلام.

4 ـ أسرار العبادات في الإسلام.

5 ـ التفكير الفلسفي في الإسلام.

6 ـ القرآن والنبي.

7 ـ الإسلام والشيوعية.

8 ـ دلائل النبوة ومعجزات الرسول .

9 ـ الرعاية لحقوق الله للمحاسبي " تحقيق ".

10 ـ محمد رسول الله لـ إيتين دينيه (سليمان بن إبراهيم) ترجمة عن الفرنسية.

11 ـ سهل بن عبد الله التستري، حياته وآراؤه.

12 ـ منهج الإصلاح الإسلامي في المجتمع.

13 ـ موقف الإسلام من الفن والعلم والفلسفة.

14 ـ الحمد لله هذه حياتي.

رحم الله الشيخ عبد الحليم محمود وجزاه الله على ما قدمه لخدمة الإسلام، فلعل أعظم إنجازاته عمله على توسيع دائرة التعليم الديني في مصر، فانتشرت المعاهد الأزهرية في معظم القرى ووصلت حتى النجوع.

***

د. محمد عبد الحليم غنيم

 

اليوم رجعت بي الذاكرة إلى سنة 2000، يوم أهداني صديقٌ رواية ذاكرة الجسد. لم أكن أدرك آنذاك أنني لا أتلقى كتابًا فحسب، بل مفتاحًا لذاكرة أخرى، وأن صفحات الرواية ستسكنني أكثر مما سأقرؤها.

بعد أكثر من ربع قرن، ما زالت بعض الجمل عالقة في الروح كأنها كُتبت بالأمس، وما زال ذلك اللقاء الأول مع الرواية حيًّا في داخلي، لأن الكتب العظيمة لا نقرأها مرة واحدة؛ إنها تقرؤنا في كل مرحلة من حياتنا بصورة مختلفة.

سأعود اليوم إليها لا بعيون ذلك القارئ الشاب الذي كنته سنة 2000، بل بعيون رجلٍ عبرته السنوات، وأثقلته الذاكرة، وعرف أن بعض الروايات ليست حكايات تُروى، بل مرايا نرى فيها ما كنا عليه وما أصبحنا إليه.

لهذا سأحاول أن ألخص ذاكرة الجسد، لا كما كتبتها الكاتبة، بل كما حفظتها الذاكرة، وما أبقت منه الأيام في القلب.

ذاكرة الجسد ليست رواية تُقرأ، بل جرحٌ يتذكّر نفسه. فيها يمشي خالد بذراعٍ ناقصة ووطنٍ ناقص، حاملاً على كتفه ما تبقّى من الحلم الجزائري. أحبَّ حياة كما يحبّ المنفيُّ نافذته الأخيرة، لا لأنها امرأة فحسب، بل لأنها كانت امتداداً لزمنٍ ظنّ أن الشهداء تركوه أمانةً في أعناق الأحياء.

الرواية تقول إن الأوطان تشبه الأحبّة؛ لا تؤلمنا حين نفقدها، بل حين نكتشف أنها لم تعد كما عرفناها. فخالد الذي خسر ذراعه في الثورة، خسر قلبه في السلام، وكأن الحياة أرادت أن تعلّمه أن بعض الهزائم تأتي بعد انتهاء المعارك.

أما حياة فليست امرأة من لحم ودم فقط، بل استعارةٌ لوطنٍ جميلٍ استعصى على العشاق والمناضلين معاً. كلما اقترب منها ظنّ أنه يقترب من الجزائر التي حلم بها، وكلما ابتعدت أدرك أن الأحلام الكبيرة لا تُهزم دفعةً واحدة، بل تتآكل ببطء تحت أقدام الواقع.

وفي العمق، تهمس الرواية بحقيقة فلسفية موجعة: الجسد ينسى أقلّ مما نظن، والذاكرة تسكن الندوب أكثر مما تسكن العقول. فكل جرحٍ في خالد كان صفحةً من التاريخ، وكل خيبةٍ كانت سطراً جديداً في سيرة وطنٍ خرج من الاستعمار ولم يخرج تماماً من أوجاعه.

لهذا بدت ذاكرة الجسد كأنها نشيدٌ للحب وخطبةٌ في الخيبة ومرثيةٌ للحلم العربي في آنٍ واحد؛ روايةٌ تقول لنا إن الإنسان قد يفقد يده أو حبيبته أو وطنه، لكنه لا يفقد أبداً ذلك الأثر الخفي الذي تتركه الأشياء الجميلة حين ترحل. فبعض الغياب لا يسكن الذاكرة، بل تتحول الذاكرة نفسها إلى شكلٍ من أشكاله.

***

د. صابر الحميدي

 

لا شك ان السرد الأدبي يعد من أبرز أجناس التعبير، التي تمنح الإنسان القدرة على إعادة تشكيل تجربته الحياتية، في قالب فني ابداعي، يجمع بين الواقع، والخيال، وبين الذاكرة والحلم. فالسرد ليس مجرد حكاية للأحداث، أو تسجيل للوقائع، وانما هو فعل وجداني ابداعي، يعيد ترتيب الزمن، ليمنح التفاصيل العابرة، معنى أعمق، ويجعلها أكثر قدرة على ملامسة وجدان الإنسان.

وغالباً ما يجد الكاتب نفسه أسير الذكريات، وهو ينسج خيوط سرده، فالذاكرة تمثل سجل تجارب الإنسان، بكل ما تحمله في طياتها من أفراح، وآلام، وانتصارات، وانكسارات، وصور لأشخاص، وأماكن، وأحداث مضت، وتركت أثرها في النفس. وهكذا نجد ان الكثير من الأعمال السردية تنطلق من استحضار الماضي، واستعادة لحظاته المؤثرة، ليس بقصد اجترارها الآلي، وإنما لاستكشاف دلالاتها الإنسانية العميقة.

غير أن السرد الأدبي مهما كان تأثيره قوياً لا يتوقف عند حدود الذاكرة، ولا يبقى حبيس الماضي، لاسيما وأن استعادة الذكريات، ليست غاية بحد ذاتها، بل هي وسيلة التواصل مع الماضي، لفهم الحاضر، واستشراف المستقبل.

ومن هنا تنشأ العلاقة الجدلية بين الذكريات الٱسرة، والتطلع المتفائل، إذ تتحول التجارب الماضية، عندئذ، إلى خلفية زاخرة بالخبرة، ينطلق منها الوعي نحو آفاق أكثر رحابة.

فالذكريات المؤلمة، على سبيل المثال، قد تبدو في ظاهرها عبئاً نفسياً، يثقل الروح، لكنها في العمل السردي، تتحول إلى طاقة دافعة للكشف، والتأمل، والتجاوز.في حين أن الذكريات الجميلة، تمنح النص دفئه الإنساني، وتغذي فيه مشاعر الأمل، والحنين والانتماء. وفي كلتا الحالتين، يصبح الماضي مادة فنية يعاد تشكيلها، بما يتناغم ورؤية الكاتب للحياة، والإنسان.

ومن جهة أخرى، فإن التطلع المتفائل، في السرد الادبي، يمنح النص، حيويته، وقدرته على تجاوز الإحباط، والانغلاق، فالأدب، في جوهره، ليس مرآة للواقع، فحسب، وانما هو نافذة مفتوحة الٱفاق على الممكن، والمأمول، ولذلك فإن السرد حتى عندما يصور المآسي، والخيبات، فإنه يترك للقارئ مساحة من الضوء، تمنحه القدرة على التطلع، والنهوض من عثراته، ومغادرة اوجاعه.

ولعل أجمل ما في السرد الأدبي أنه يجسد الوفاء للذاكرة، والانفتاح على الأمل، فهو لا يتنكر للماضي، ولايستسلم له، وانما يجعله جسراً نحو المستقبل. وهكذا تتحول الكتابة السردية، إلى رحلة إنسانية ماتعة، تجمع بين التأمل في ما كان، والتطلع إلى ما يمكن أن يكون، لتظل الكلمة المبدعة، عندئذ، قادرة على تحرير وجدان الإنسان من أسر الذكريات، دون أن تقطع صلته بها، ومن ثم دفعه نحو آفاق أكثر إشراقاً، وتفاؤلاً.

وهكذا نجد ان السرد الأدبي هو ذلك الفضاء الرحب، الذي تتعانق فيه الذاكرة، مع الحلم، ويتفاعل فيه الحنين، مع التطلع، طالما أن الإنسان بطبيعته، لايعيش بالماضي وحده، ولا بالمستقبل وحده، وإنما بالتفاعل الخلاق بينهما.

***

نايف عبوش

راسم عبد القادر الحديثي وهو كاتب وروائي عراقي ولد في مدينة حديثة في محافظة الانبار عام 1947 له عدة روايات ومؤلفات ، حاصل على شهادة البكالوريوس / كلية التربية – جامعة بغداد/ عمل مدرسا منذ عام 1976 – 1970 واحيل للتقاعد2010--- تفرغ للكتابة والنشر، وفرضت الرواية اهتما متزايدا في نفسه ، وسجل حضورا كبيرا ومتميزا في الساحة الادبية وخاصة الروايات المستنبطة من احداث عاشها وعاني من جمرات نارها وكانت روايته الاخيرة الخامسة التي عرضت في معرض الكتاب الدولي لعام 2019 في بغداد وتم نفاذ النسخ المعروضة جميعا في الايام الاولي للمعرض وهي رواية العزيزة بفتح حرفي العين والزاء ويتبادر الي الي ذهن القارئ انها الكلمة المتدوالة بين الناس في الرسائل والمخاطبات بين الاحبة وبعد البحث عن عنوان الرواية العزيزة تبين لي انها من المورثات الشعبية البغدادية ووردت في كتاب بغداديات للبغدادي عزيز مكية الذي ارخ للموروث البغدادي الاصيل والعزيزه عظم في مفصل رجل الخروف الفخذ يقارب حجمها حجم الدرهم المعدني ويقوم بعض الناس بدفنها بالقرب من باب البيت نكاية باهله وتحفيز للخصام لاهل الدار وكانوا يتشاءمون منها ويرمونها بعيدا عن البيت لان اعتقادهم يثير خبثان الخاطر بين افراد العائلة والقصاب عندما يخرجها يضربها بالسكين حتي يبطل مفعولها الخبيث

 قبل ايام وعلى مسرح سامي عبد الحميد في المركز الثقافي البغدادي اعلنت نتائج الدورة السادسة عشرة لـ(جائزة ناجي جواد الساعاتي لأدب الرحلات) بحضور نخبة من الأكاديميين والباحثين والإعلاميين والمهتمين بالشأن الثقافي والأدبي. حيث وقع اختيارها على عملين فائزين هما كتاب الدكتور معتز محي عبد الحميد الموسوم (شوشا: جوهرة أذربيجان) وكتاب الأديب راسم الحديثي المعنون (تكرم عينك: أدب رحلات) لما تضمناه من قيمة معرفية وأسلوب توثيقي متميز في أدب الرحلات. وتم توزيع الدروع التقديرية عليهما وسط إشادة الحضور بأهمية الجائزة ودورها في تشجيع الباحثين والكتاب على خوض تجربة الكتابة في أدب الرحلات.

سألته/ كيف تطورت فكرة كتاباتك؟

- تطورت فكرة كتاباتي حين بدأت بنشر مواضيع سياسية في جريدة (الجريدة العراقية) التي تماثلني فكريا. فجمعت ما نشرت في كتاب صدر لي باسم (مسارات الحداثة في الفكر الوطني والقومي). هذا دفعني إلى الكتابة ثانية، فبدأت بكتابة سيرتي الذاتية أو أدب السجون في رواية (دائرة الخوف)، التي تطورت لاحقا إلى رواية (خريف الشرق، ثم ثم كتبت رواية (أولاد حمدان) وبعدها رواية (أصناموفوبيا). وكلمة (أصناموفوبيا) تعني الخوف من الصنم. فوبيا كلمة يونانية معناها الخوف وصنم هو الرجل الديني المتطرف، الذي لا يقبل غيره لا بل يكفره وبالتالي يقتله. رواية (أصناموفوبيا) تحدثت عن العنف طائفي الذي حصل في العراق بعد 2003 وحتى 2007 ثموبعدها صدرت لي قصة طويلة بعنوان (عشق عابر للحدود) وهي قصة تتحدث عن علاقة عاطفية بين فتاة مغربية وشاب عراقي، علاقة بدأت على الانترنت وانتهت بالفشل. واستمر عطائي لأنتج رواية (تحت شجرة التوت) التي تسرد الكثير من موروث مدينتي بأسماء رمزية وبأسلوب سردي متخيل

* فوزك بأدب الرحلات – ماذا تعني؟

 -أدب الرحلات هو فن نثري يصور فيه الكاتب مشاهداته، انطباعاته، والأحداث التي عاشها خلال رحلته إلى بلد معين. يُعد جسراً للتواصل الثقافي ومصدراً مهماً للتاريخ والجغرافيا، حيث ينقل بدقة عادات الشعوب، معالمهم، وتفاصيل حياتهم اليومية بأسلوب يجمع بين المعرفة والإمتاع، هي تجربة جديدة وفقني الله بها)

* هل تشعر بالرضا هما قدمته؟

- نعم هناك رضا وهناك طموح… الرضا كوني أنتجت. وطموح كوني لم أقدم نفسي كما ينبغي… أتمنى بقاء عقلي وعينيا لتساعداني بالعمل لأكمل مشواري.

***

كتب/ نهاد الحديثي

قراءة في كتاب الأديب ثامر الحاج أمين

في زمن تتسارع فيه التحولات السياسية والاجتماعية والثقافية، وتتشابك فيه الوقائع حتى تبدو أحياناً أقرب إلى المشاهد السريالية منها إلى الواقع المألوف، يطل الأديب ثامر الحاج أمين بكتابه الموسوم (البقاء على قيد المهزلة.. تأملات في واقع سريالي) ليقدم للقارئ رحلة فكرية وإنسانية تجمع بين المقالة الأدبية والتأمل الفلسفي والنقد الاجتماعي واستعادة الذاكرة الثقافية.

ومن خلال العنوان يضعنا المؤلف أمام مفارقة لافتة؛ فالبقاء على قيد الحياة لم يعد التحدي الأكبر، بل أصبح البقاء على قيد العقل والكرامة وسط ما يشبه (المهزلة) اليومية هو الامتحان الحقيقي للإنسان المعاصر. ومن هنا يكتسب الكتاب قيمته بوصفه شهادة على عصر مضطرب أكثر من كونه مجرد مجموعة مقالات متفرقة.

يضم الكتاب (215) من الحجم المتوسط، وطيفاً واسعاً من الموضوعات التي تمتد من الشأن الاجتماعي والسياسي إلى الثقافة والفن والتاريخ والفلسفة. ففي مقالات مثل (غربتنا في البلاد) و(بلاد بلوحة سريالية) و(ما يحدث في دوائرنا الحكومية) و(ما يحدث في أسواقنا) يسلط المؤلف الضوء على اختلالات الواقع العراقي، مستعيناً بلغة تجمع بين السخرية المرة والتأمل العميق، ليكشف حجم التناقضات التي يعيشها المواطن بين ما يحلم به وما يواجهه يومياً.

ولا يقف الكتاب عند حدود النقد الاجتماعي، بل يتجاوز ذلك إلى مساءلة الأفكار والمفاهيم الكبرى. ففي مقالات مثل (عن العدمية وأنصارها) و(حديث عن المواطنة) و(العبودية الطوعية لتاج الرأس) و(نقد المسؤول ليس جريمة) يطرح المؤلف أسئلة جوهرية تتعلق بالعلاقة بين الفرد والسلطة، وبين الحرية والمسؤولية، وبين الوعي والاستلاب، في محاولة لإعادة الاعتبار إلى التفكير النقدي بوصفه شرطاً ضرورياً لأي نهضة مجتمعية.

ويكشف الكتاب عن اهتمام واضح بالشخصيات الثقافية والأدبية والفنية، إذ يفرد مقالات مميزة لعدد من الأسماء البارزة مثل بدر شاكر السياب، وكريم العراقي، وعبد الرحمن الربيعي، ويعقوب جواد، وإقبال نعيم، فضلاً عن تناوله تجارب إنسانية وفكرية عالمية مثل جلال الدين الرومي وكونفوشيوس وحافظ الشيرازي. وهذه المقالات لا تكتفي بالتعريف بأصحابها، بل تحاول قراءة أثرهم الفكري والإنساني في سياقاتهم التاريخية والثقافية.

ومن الجوانب اللافتة في الكتاب اهتمامه بالسينما بوصفها مرآة للمجتمع والإنسان. فالمؤلف يتوقف عند أفلام مهمة مثل (يوميات دراجة نارية) و(فندق رواندا) و(الصوت الهامد) وغيرها، مستخرجاً منها دلالات إنسانية وفكرية تتجاوز حدود الشاشة لتلامس قضايا الحرية والعدالة والصمود والإرهاب والهوية.

كما يحضر التاريخ بقوة في صفحات الكتاب، سواء عبر استعادة أحداث الحرب، أو قراءة سير الرؤساء، أو استحضار شخصيات شعبية مثل (حنتوش سلام)، أو العودة إلى العادات والتقاليد التي بدأت تندثر تحت ضغط التحولات الاجتماعية الحديثة. وهنا تتجلى نزعة المؤلف التوثيقية التي تسعى إلى حماية الذاكرة من النسيان، وإبقاء الصلة قائمة بين الماضي والحاضر.

ويمتاز أسلوب ثامر الحاج أمين بالبساطة الممتنعة؛ فهو يكتب بلغة واضحة بعيدة عن التعقيد، لكنه لا يتخلى عن العمق الفكري والبعد التأملي. كما تتسم مقالاته بقدرتها على الانتقال بين الخاص والعام، وبين الواقعة اليومية والفكرة الفلسفية، وهو ما يمنح النصوص حيوية تجعلها قريبة من القارئ على اختلاف اهتماماته.

إن كتاب (البقاء على قيد المهزلة) ليس مجرد مجموعة من المقالات المتناثرة، بل هو محاولة لرسم صورة بانورامية لعالم يزداد التباساً يوماً بعد آخر. وفي هذا العالم المضطرب يظل الكاتب متمسكاً بدور المثقف الذي لا يكتفي بوصف الواقع، بل يسعى إلى فهمه ونقده وكشف مفارقاته، مستنداً إلى ثقافة واسعة وخبرة إنسانية غنية وإيمان عميق بقيمة العقل.

لقد نجح ثامر الحاج أمين في أن يجعل من هذا الكتاب سجلاً فكرياً وإنسانياً لمرحلة كاملة، وأن يقدم للقارئ مادة متنوعة تجمع بين المتعة والمعرفة والتأمل. وهو بذلك يواصل تقليداً ثقافياً عراقياً عريقاً يجعل من المقالة الأدبية فضاءً للحوار مع الذات والمجتمع والتاريخ، ويؤكد أن الكتابة الحقيقية تظل قادرة على مقاومة العبث والاحتفاظ بمعناها حتى في أكثر الأزمنة سريالية.

***

نبيل عبد الأمير الربيعي

في الرواية العراقية المعاصرة

يشغل الروائي العراقي كريم عباس حسن موقعاً متقدماً ضمن جيل الروائيين العراقيين الذين تشكل وعيهم الإبداعي في ظل التحولات العاصفة التي شهدها العراق خلال العقود الأخيرة من القرن العشرين وبدايات القرن الحادي والعشرين. وتكتسب تجربته السردية أهميتها من كونها تتأسس على تفاعل مستمر بين الذاكرة الشخصية والتاريخ الجمعي، وبين تجربة المنفى وأسئلة الهوية والانتماء، الأمر الذي جعل من أعماله الروائية سجلاً فنياً لتحولات الذات العراقية وهي تواجه القمع السياسي والاقتلاع المكاني والانكسارات التاريخية.

ومن خلال رواياته: (مصير بلقيس)، و(البطريق الحالم)، و(قاموس الخلاص)، و(غابة همرباكر)، و(حنين لسوريا)، يبلور الكاتب مشروعاً سردياً يقوم على استعادة الذاكرة بوصفها فعلاً للمقاومة الثقافية، وعلى تحويل التجربة الفردية إلى مادة روائية تتجاوز حدود السيرة الذاتية نحو أفق إنساني أشمل.

تحتل الذاكرة موقعاً مركزياً في البناء الروائي لدى كريم عباس حسن، إذ لا تظهر بوصفها استرجاعاً زمنياً للأحداث فحسب، بل تتحول إلى آلية فنية لإعادة إنتاج الماضي وتأويله. فالشخصيات في رواياته لا تعيش الحاضر بمعزل عن ماضيها، بل تتحرك داخل شبكة من الذكريات المتداخلة التي تفرض حضورها على السرد باستمرار.

وفي رواية (قاموس الخلاص) على وجه الخصوص، تتخذ الذاكرة وظيفة توثيقية وجمالية في آن واحد؛ إذ تستعيد الرواية حقبة سياسية شديدة التعقيد من تاريخ العراق الحديث، من خلال شخصيات تحمل جراح السجن والمطاردة والمنفى. غير أن الكاتب لا يكتفي بتسجيل الوقائع، بل يعيد تشكيلها فنياً عبر لغة سردية تستثمر الاسترجاع والتداعي الحر وتعدد مستويات الزمن الروائي.

وهكذا تصبح الذاكرة لدى كريم عباس حسن شكلاً من أشكال مقاومة النسيان، ومحاولة لإعادة الاعتبار للأفراد الذين همشتهم السرديات الرسمية للتاريخ.

تنتمي تجربة كريم عباس حسن إلى ما يمكن تسميته بـ(أدب المنفى العراقي)، وهو الأدب الذي نشأ نتيجة موجات الهجرة والتهجير السياسي التي شهدها العراق منذ سبعينيات القرن الماضي. غير أن المنفى في أعماله لا يُقدَّم باعتباره انتقالاً جغرافياً فحسب، بل بوصفه حالة وجودية مركبة.

فشخصياته غالباً ما تعيش ازدواجية الانتماء بين وطن غائب ومكان جديد لا يتحول بسهولة إلى وطن بديل. ولهذا تظهر المدن الأوروبية في رواياته بوصفها فضاءات للتأمل والمراجعة وإعادة اكتشاف الذات، بينما يظل العراق حاضراً كذاكرة جمعية لا تغادر الوعي.

وفي رواية (غابة همرباكر) تتجلى هذه الرؤية بوضوح، حيث يتداخل المكان الاسكندنافي مع الأمكنة العراقية المستعادة من الذاكرة، فينشأ فضاء روائي مزدوج يعكس انقسام الذات بين عالمين مختلفين ثقافياً وتاريخياً.

تقنيات السرد وبناء النص الروائي

يعتمد كريم عباس حسن على مجموعة من التقنيات السردية التي تمنح نصوصه طابعاً تأملياً وإنسانياً واضحاً.

أول هذه التقنيات هو تكسير التسلسل الزمني التقليدي، إذ تتقدم الأحداث وتتراجع وفق حركة الذاكرة أكثر مما تخضع لمنطق الزمن الخطي. وهذا ما يمنح الرواية بعداً نفسياً عميقاً ويجعل القارئ مشاركاً في إعادة تركيب الأحداث.

أما التقنية الثانية فتتمثل في توظيف السيرة الذاتية بوصفها مادة روائية. فالكثير من الشخصيات والأحداث تستند إلى تجارب واقعية أو شبه واقعية، لكنها تخضع لإعادة تشكيل فني يجعلها جزءاً من عالم الرواية لا مجرد وثيقة تاريخية.

وتبرز كذلك تقنية الحوار الداخلي والمونولوج النفسي، حيث تتحول الشخصية إلى راوٍ لذاتها، كاشفةً عن مخاوفها وهواجسها وأسئلتها الوجودية. ويقترن ذلك بلغة تميل إلى الوضوح والاقتصاد التعبيري، بعيداً عن الزخرفة البلاغية، بما يتلاءم مع طبيعة الموضوعات التي يتناولها الكاتب.

***

نبيل عبد الأمير الربيعي

 لم أخرج من الشقة الضيقة يومًا، حتى حين غادرتها. كانت تسافر معي في حقائب لا أفتحها، لكنها تظل مفتوحة في داخلي، جدرانها قريبة من وجهي، نافذتها معلقة في السماء مثل عين نصف نائمة، رائحة الرطوبة على المعطف، وهدير الشارع المنهك يتسلل من شقوق الزجاج كما يتسلل الخوف إلى الحلم. منذ غرف القسم الداخلي التي عرفت أول أصواتي، حتى شقق اللجوء التي أغلقت أبوابها على وحدتي، ظل المكان يكتبني قبل أن أكتبه.

لكن أقسى المساحات الضيقة كانت هناك، حيث لا اسم للمكان إلا في همس السجناء، وحيث لا نافذة سوى فتحة ضيقة في باب حديدي. غرف كصفائح الزيت النباتي الساخنة، التي يُساق إليها الجسد في عزّ القيظ، جدرانها عارية إلا من العرق المتبخر، وأرضها تمتص كل نفس ثقيل. كنت أكتب، أكتب كي لا أنسى اللغة، أكتب كي لا يبتلعني الصمت. في تلك الزنازين، كانت الكلمة شربة ماء مؤجلة، وكان الحرف ظل شجرة بعيدة لا يراها أحد سواي.

في القسم الداخلي لطلاب الفنون، الغرفة كانت جماعية لكنها أضيق من حلم شخص واحد. الأسرّة الحديدية تصدر أنينًا في كل حركة، الممرات تحمل أصوات أقدام لا تنتهي، والليل أطول من الحكايات. كنت أتعلم أن أختبئ في كلمة، أن أترك العالم يضج خلف الباب وأفتح لنفسي نافذة في السطر. هناك عرفت أن الورقة يمكن أن تكون غرفة أكبر من الغرفة، وأن السطر هو الممر الذي لا يؤدي إلى باب مغلق.

ثم جاءت المدن التي لا تتذكرني إلا حين أكتب عنها. في واحدة كان الزقاق يضيق حتى يبتلع سماءه، وفي أخرى كان الشارع واسعًا لكنه يجرّ نفسه مثل عجوز تعب من الانتظار. تغيّرت النوافذ لكن التعب كان واحدًا: وجوه تحمل رزقها في أكياس بلاستيكية، محلات تغلق أبوابها قبل أن يسقط الليل، أطفال يركضون خلف كرة نحو المجهول، وباعة ينادون بأصوات مخنوقة. كنت أكتب على طاولة صغيرة قرب النافذة، أراقب المارة كما يراقب البحّار البحر، أعدّ خطوات الغرباء وأستمع إلى أصوات لا أعرف أصحابها، لكنها تعرفني من كثرة ما ترددت في أيامي.

وفي شقق اللجوء، صار الضيق أكثر ترتيبًا. الجدران بيضاء بلا ذاكرة، الأثاث مستعمل يعرف أسماء كثيرة غير اسمي، الممرات صامتة إلا من وقع أقدام عابرة لا تعود. الريح تتسلل عند الزوايا وتترك صفيرها ينام معي، والشارع هنا مختلف: بلا صخب الباعة ولا ضحكات الأطفال، لكنه يحمل في صمته صدى شوارع المدن السابقة، بأصواتها وروائحها وخطواتها. كنت أكتب وفي داخلي ضجيج تلك المدن، كأن كل شارع منهك عرفته يقف الآن خلف نافذتي.

لم تكن الكتابة رفاهية، كانت تنفسًا، نوعًا من التمرد، محاولة لترجمة الألم المكبوت إلى شيء يمكن احتماله. كنت أقاوم ضيق المكان بضيق أكبر على الورقة، وأقاوم صمت الجدران بضجيج الكلمات، وأقاوم تعب الشارع بأحلام لا تتسع لها الأرصفة. اللغة التي خرجت من هذه التجربة كانت مكثفة، حادة أحيانًا، لكنها تحمل جماليات خفية تولد من عمق الألم. كل صورة صغيرة، كل تفصيل هامشي — ظل شجرة على الحائط، صوت مصعد قديم، قطعة خبز على الطاولة — كان يحمل معاني أكبر من حجمه، ويربط بين المدن التي عشتها كخيط غير مرئي.

هكذا، بين غرف الصفائح الساخنة في السجن، والقسم الداخلي، وشقق المدن المؤقتة، وممرات اللجوء، فهمت أن الشقة ليست مجرد مكان للإقامة، إنها سجن يفتح أبواب الإبداع، وأن الشارع المنهك ليس خلفية صامتة، إنه رواية حيّة تمشي على أقدام الناس. في هذه المساحات الصغيرة، تنطق النصوص بأصوات المقهورين، وتحمل بين كلماتها وجعًا وأملًا، وتثبت أن الحصار، مهما ضاق، يمكن أن يكون نافذة نطل منها على العالم بعيون مختلفة.

***

  بولص آدم

دم على الورق

هل تعرفون سر الشعور الذي ينتابكم حين تقرأون كتابًا فتصابون بالغيرة؟ الغيرة من الكاتب طبعًا، لا من شخص آخر. هذا إحساس نادر لا يحدث إلا حين يكون الكتاب استثنائيًا إلى درجة تجعلك تتمنى لو كنت أنت من كتبه، أو على الأقل لو كنت تملك الموهبة الكافية لتكتب مثله. هذا ما شعرت به بالضبط وأنا أقلب صفحات كتاب (صورة الدم في شعر أمل دنقل) للدكتور منير فوزي، الصادر عن دار المعارف عام 1995 في 342 صفحة. شعرت بالغيرة، وشعرت بالخجل، وشعرت قبل كل شيء بأنني مدين باعتذار متأخر لهذا الناقد العملاق الذي أمضى سنوات من عمره يتتبع صورة الدم في شعر أمل دنقل، بينما كنت أنا، مثل كثيرين غيري، أمر على القصائد مرور الكرام، أتأمل جمالها وأنفعل بها، دون أن أكلف نفسي عناء السؤال كيف صنعت هذه القصيدة؟ ولماذا توجعني بهذا الشكل؟

المشكلة أن هذا الكتاب، على روعته، يكاد يكون مجهولًا. لا أعني أنه غير معروف في الأوساط الأكاديمية المتخصصة، لأنني أظن أن الدارسين يعرفونه ويقدرونه، لكنه غير معروف بالنسبة لي ولكم، للقارئ العادي الذي يحب الشعر ولا يتعامل معه باعتباره مادة للتشريح. وهذا ظلم فادح، ليس للكتاب وحده، بل لنا نحن القراء الذين حُرمنا متعة اكتشاف طبقات خفية موجودة في شعر أحد أعظم شعراء العربية في القرن العشرين.

سيمياء الشيء الواحد

أكثر ما أدهشني في هذا الكتاب هو قدرة الدكتور منير فوزي على تحويل شيء مادي بحت – الدم – إلى كون كامل من الدلالات. الدم في شعر دنقل، كما يثبت المؤلف باقتدار، ليس مجرد سائل أحمر يسيل من الجروح. إنه لغة و نظام متكامل من الإشارات والرموز التي تتداخل فيها الأسطورة بالتاريخ بالدين بالسياسة.

تخيلوا معي أن دم (الحسين بن علي) في قصائد دنقل يتغير ويتبدل، تحت مجهر فوزي التحليلي، من علامة دينية مقدسة إلى استعارة سياسية لمقاومة الاستبداد. وتخيلوا أن أسطورة أوزوريس الفرعونية تصبح مرآة نرى فيها جسد الأمة العربية المقطع الأوصال. كما أن دم كليب في حرب البسوس، كما يقرأه دنقل وينقله إلينا، يتحول من دم ضحية إلى شرارة ثورة. هذا ليس نقدًا أدبيًا بالمعنى التقليدي، هذه كيمياء. هذه خيمياء، إن أردتم الدقة، لأنها تغير المادة إلى روح، والدم إلى معنى.

ثمة لحظة في هذا الكتاب لا أظنني سأنساها بسهولة، وهي تلك التي يحلل فيها الدكتور منير فوزي ديوان "أوراق الغرفة 8". هذا الديوان كتبه أمل دنقل عام 1983 وهو على أبواب الموت، في غرفة المستشفى التي حملت رقم 8. وهنا، يتحول الشاعر إلى طبيب شرعي يشرح جسد الأمة. والغريب أن منير فوزي يمسك بهذه الصورة ويعكسها؛ أي يصبح الناقد نفسه طبيبًا شرعيًا يشرح القصيدة، التي تشرح الجسد، الذي يرمز للأمة. إنها متاهة من المرايا، لكنها متاهة لها خريطة، والخريطة بين أيدينا في هذا الكتاب.

ما يثير الإعجاب حقًا في هذه الدراسة هو كيف تمكن المؤلف من الجمع بين قسوة التشريح وجمالية التعبير. إنه يقلب الصور، ويفكك الاستعارات، ويتتبع الجذور التاريخية والأسطورية لكل رمز، دون أن يفقد الإحساس بجمال الشعر نفسه. وهذا توازن نادر، لأن النقد الأدبي كثيرًا ما يقع في أحد فخين: إما الانبهار بالجمال على حساب التحليل، وإما الإغراق في التحليل على حساب الجمال. أما الدكتور منير فوزي فقد جمع الحسنيين.

لماذا نحتفى بالرخيص؟

وهنا أصل إلى السؤال الذي يؤرقني، والذي أظنه يؤرق كل من يهتم بالثقافة في وطننا العربي لماذا يمر كتاب بهذه الأهمية بهذا الهدوء المخيف؟ لماذا لا نسمع عنه في البرامج الثقافية؟ لماذا لا يعاد طبعه؟ لماذا لا يترجم؟

أعرف أن الإجابة جاهزة نحن في زمن الصورة والصوت، في زمن التغريدة والخبر العاجل، والكتاب العميق يحتاج إلى قارئ عميق، والقارئ العميق يحتاج إلى وقت، والوقت هو الشيء الوحيد الذي لم يعد متوفرًا. لكني لا أقتنع بهذه الإجابة. لا أقتنع بأن شعبًا أنتج المتنبي والمعري وطه حسين والعقاد وأحمد أمين قد تحول فجأة إلى شعب لا يقرأ ولا يفهم ولا يريد أن يفهم. المشكلة ليست في القراء، المشكلة في الآلة الإعلامية التي تكرس التفاهة وتهمش الجد. المشكلة في صناعة النشر التي تلهث وراء الكتاب سريع البيع، سريع النسيان.

إن قراءة كتاب "صورة الدم في شعر أمل دنقل" في هذه اللحظة التاريخية تحديدًا، حيث الدم العربي يسيل أنهارًا على شاشاتنا، وحيث تحولت غزة إلى قصيدة مأساوية لا تنتهي، تجربة تلامس حد الصدمة. تكتشفون أن أمل دنقل، الذي رحل قبل أكثر من أربعين عامًا، كان يكتب عن هذا اليوم بالضبط. كان يرى ما نراه الآن، ويسمع ما نسمعه، ويحوله إلى لغة تليق بالألم دون أن تستسلم له. ودراسة منير فوزي تأتي الآن، وكأنها دليل قراءة لهذا الألم، خريطة للدم الذي لا يتوقف عن الجريان.

 اقرأوا هذا الكتاب

في ذكرى ميلاد أمل دنقل السادسة والثمانين، أريد أن أقول شيئًا بسيطًا هذا الكتاب يستحق أن يقرأ. لا أعني أن يقرأه المتخصصون وحدهم، بل أعني أن يقرأه كل من يحب الشعر، كل من يتألم للدم العربي، كل من يريد أن يفهم كيف يمكن للكلمات أن تفعل ما تفعله بنا. صحيح أن الكتاب صدر عام 1995، وصحيح أنه قد لا يكون متوفرًا بسهولة، لكن البحث عنه يستحق العناء. صدقوني، يستحق العناء.

أمل دنقل كان شاعرًا ينزف. ومنير فوزي ناقدًا يفهم لماذا ينزف، وكيف يتحول النزيف إلى لغة، وكيف تتحول اللغة إلى خلود. وكلانا، أنا وأنتم، مدعوون لأن نكون قراء يفهمون، ويشهدون، ولا ينسون.

***

د. عبد السلام فاروق

 

رسالة محبة في زمن أدب الضغينة والصفحات الصفراء

منذ أن وُلد الأدب من رحم التجربة الإنسانية، لم يكن مجرد ترفٍ لغوي أو زخرفةٍ جمالية تُضاف إلى الحياة، بل كان فعلَ مقاومةٍ ضد القبح، واحتجاجاً أخلاقياً على الظلم، وسعياً دائماً نحو ترسيخ قيم الحقيقة والخير والجمال. ولهذا ظل الأدب الحقيقي، في مختلف عصوره، مرآةً لكرامة الإنسان، وصوتاً للضمير الجمعي، وجسراً يصل بين القلوب والعقول مهما تباعدت الأجناس والثقافات واللغات.

غير أن المشهد الثقافي المعاصر لم يخلُ من ظواهر طارئة أخذت تتسلل إلى فضاء الكتابة، حيث برز ما يمكن تسميته بـ"الصفحات الصفراء" وأدب الضغينة؛ ذلك اللون من الكتابة الذي لا يتغذى من المعرفة، بل من الأحقاد، ولا يستمد مادته من الرؤية الفكرية، بل من الرغبة في التشهير والتجريح وتصفية الحسابات الشخصية. وهو أدب لا ينشغل بالإنسان بوصفه قيمةً عليا، بل يتعامل معه بوصفه هدفاً للانتقاص والإساءة والإلغاء.

لقد أدرك كبار الأدباء والفلاسفة أن الأدب الحقيقي لا يُبنى على الكراهية. فالأديب الروسي فيودور دوستويفسكي رأى أن سرّ الخلاص الإنساني يكمن في المحبة والرحمة وفهم أعماق النفس البشرية، بينما اعتبر ليو تولستوي أن الفن العظيم هو الذي ينقل المشاعر الإنسانية النبيلة من إنسان إلى آخر، ويُعمّق الإحساس بالمصير المشترك بين البشر. أما ألبير كامو فكان يؤمن بأن مهمة الكاتب ليست الانحياز إلى الجلاد أو الضحية بدافع العصبية، بل الدفاع عن الإنسان أينما كان.

وفي تراثنا العربي، لم يكن الأدب الرفيع منفصلًا عن القيم الإنسانية. فقد دعا الجاحظ إلى العقل والحجة والبيان، بينما رأى أبو حيان التوحيدي أن الكلمة الحقة هي التي ترتقي بالروح وتُهذّب الوجدان. أما محمود درويش فقد جعل من الشعر فضاءً للدفاع عن الإنسان والذاكرة والحلم، لا منبرًا للانتقام أو الكراهية، حين قال في أكثر من مناسبة إن الشعر أوسع من الأيديولوجيا وأبقى من الخصومات العابرة.

إن أدب الضغينة، مهما ارتدى من أثواب ثقافية، يبقى عاجزاً عن إنتاج قيمة جمالية أو فكرية حقيقية، لأنه ينطلق من رغبة في الهدم لا البناء. فالكاتب الذي يسكنه الحقد يكتب ليقتصّ، أما الكاتب الذي تسكنه الإنسانية فيكتب ليضيء. الأول يبحث عن العيوب، والثاني يبحث عن المعنى. الأول يُشعل الحرائق، والثاني يُشعل المصابيح.

وقد تنبّه النقاد الكبار إلى هذه المسألة منذ زمن بعيد. فـماثيو أرنولد رأى أن الأدب هو "نقد للحياة"، لكنه نقد يهدف إلى الارتقاء بالإنسان لا إلى تحطيمه. كما أكد طه حسين أن الثقافة الحقيقية لا تزدهر إلا في مناخ من الحرية والاحترام المتبادل، حيث تكون الكلمة أداةً للمعرفة لا سلاحاً للاغتيال المعنوي.

ومن الناحية الاجتماعية، فإن انتشار الصفحات الصفراء يُعدّ مؤشراً على أزمة في الوعي الثقافي؛ إذ تتحول الكتابة من رسالة تنويرية إلى وسيلة لإثارة الغرائز واستثمار الفضائح وصناعة العداوات. وفي مثل هذه البيئات تتراجع قيمة الإبداع أمام ضجيج الإثارة، ويغدو عدد المتابعين أهم من قيمة الفكرة، وتصبح الشهرة السريعة بديلاً عن الإنجاز الحقيقي.

أما الأدب الإنساني فإنه يقف في الجهة المقابلة تمامًا. إنه أدب يؤمن بأن الإنسان أكبر من أخطائه، وأن الحوار أسمى من الشتيمة، وأن الاختلاف لا يبرر العداء. وهو أدب ينحاز إلى القيم الجامعة: المحبة، والعدل، والحرية، والكرامة، والتسامح، والتعايش. ولذلك يبقى أثره ممتداً في الذاكرة الإنسانية، بينما تتساقط نصوص الكراهية كما تتساقط أوراق الخريف اليابسة.

لقد علّمنا يوهان فولفغانغ فون غوته أن الأدب العظيم هو الذي يجعل الإنسان أكثر إنسانية، وعلّمنا فيكتور هوغو أن الكلمة يمكن أن تكون مأوى للمظلومين وجسراً نحو العدالة. ومن هنا فإن مسؤولية الأديب اليوم لا تقتصر على إتقان اللغة أو براعة الأسلوب، بل تمتد إلى حماية المعنى الإنساني من التآكل، والدفاع عن أخلاقية الكلمة في زمن الاستقطاب والتشهير.

إن الأدب الذي يعيش طويلًا ليس أدب الأحقاد العابرة، بل أدب القيم الباقية. فالكراهية تستهلك صاحبها قبل خصمه، أما المحبة فتمتلك القدرة على تجديد ذاتها في كل عصر. ولهذا سيظل الأدب الإنساني، مهما اشتدت العواصف، حصنًا للروح، ومنارةً للوعي، وملاذاً لكل من يؤمن بأن الكلمة خُلقت لتبني الإنسان لا لتهدمه، ولتجمع القلوب لا لتبعثرها، ولتزرع المعنى في الأرض لا الأشواك في الطرقات.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

- من أخطائنا أننا نبحث بعيداً عما هو قريب منا، ونبحث قريباً عما هو بعيد عنا!

- كثرة الكتب جهل كبير! كثرة الكتب دليل واضح من عدة أدلة، على شيوع الجهل لدى البشر، وعلى فوضى المعايير وضياع معيار الحق والخير!

- القمع بالترغيب أسوأ من القمع بالترهيب. القمع المنهجي المنظم يعتمد على الجمع بين الترغيب الذكي والترهيب الذكي!

- الكتب تصنع الأوهام وتسوقها، أكثر مما تكشف الحقائق!

- في النتيجة الشعارات، خاصة السيئة التي يرفعها الناس، تضرهم أكثر من غيرهم!

- يكون الإنسان رخيصاً في سوق السياسة، غالياً في سوق الدعاية السياسية!

- الجهل العلمي والجهل العملي والجهل الأخلاقي، أحدها يصنع الآخر في واقع معقد مختلط متفاعل العناصر!

- إذا كانت الحالة العادية للإنسان وواقعه هي ارتكاب الخطأ والتناقض والمغالطة، فإنه يتوجب أن تكون غاية الناس العقلاء هي الحق الممكن النافع والخير الممكن النافع ولو بالحد الأدنى الضروري! بدل الغرق في وهم المثالية والبحث والسؤال وتفصيل التفاصيل والتضحيات القاسية الظالمة أو العابثة غالباً.

- عندما يقول الشعار الضال: "الفن للفن أو الأدب للأدب"، فإنه يتناقض مع نفسه تناقضا واضحاً! فهو من جهة يؤكد أن هذا "الموقف أو الإعتقاد" هو "الحق والخير" المطلوبان من الفن والأدب؛ وهو من جهة أخرى يتنكر للحق والخير كمعيار أعلى وغاية عليا!

- رغم أن قاعدة من قواعد الفكر الصحيح الأساسية هي " التصور قبل التصديق"، فإن البشر غالبا ما يطلقون الأحكام ويتكلمون عن موضوعات لا يتصورون حقيقتها! ولا يعرفون أصلا أن هذا التصور يتحقق بالتعريف الجيد المطابق للموضوع أو الشيء المقصود!

- الإستحقاق: هو انبغاء حصول الكائن على حق ما، ثواب أو عقاب، بسبب حاله أو فعله، استنادا إلى معيار حقيقي وأصلي وعال بالفرض.

- الثقافة في أعلى وأحسن معنى لها هي طلب الحق والخير والجمال وتمثُّلها في مظاهر واقعية مناسبة. وكل تعريف للثقافة لايخرج عن هذا المعنى، حقيقةً أو توهما. حيث لايوجد عاقل يتعمد الإنسلاخ من الحق والخير.

- الحضارة: هي طلب الحق والخير والجمال وتمثلها في مظاهر واقعية مادية ومعنوية مناسبة.

- الخير: هو منفعة حسنة أو ضرر حسن، باعتبار الحال أو المآل .

والشر: هو الضرر القبيح سواء كان ضررا حقيقيا أو منفعة ظاهرية غير حقيقية، باعتبار الحال أو المآل.

- السلطة: هي القدرة على التأثير والتحكم والإمتلاك، أو هي نتيجة هذه القدرة.

- العدل: هو نفع أو حرمان من نفع، أو إضرارٌ ، عن استحقاق.

والظلم: هو إضرار، أو حرمان من نفع، عن غير استحقاق .

- القمع: هو تأثير أو محاولة تأثير على الوجود أو الحضور الطبيعي أو الاجتماعي أو الفكري أو الثقافي لكيان فردي أو جماعي.

- النقد: هو عملية نفسية عقلية وشعورية، تقوم على مطابقة الأفكار والأقوال والأفعال والمواقف والإنجازات للحقيقة الموجودة أو المقصودة، لكشف وتشخيص ما هو حق أو خير أو جميل أو ما هو ضد ذلك، من أجل تثبيت هذه القيم وزيادتها في الفكر والعمل ونتاجاتها.

- العنف هو نفسه نتيجة للاّعنف، العنفيون هم نتائج أو ضحايا للاّعنف ولعناصر لا عنفية:

الإعتقادات والقناعات والتعريفات والتوصيفات وغيرها!

- في الحرب، أية حرب، ربما يخسر الطرفان المتحاربان، وتنتصر أطراف أخرى غير الطرفين المتحاربين! حيث كل حرب هي جزء من حرب كبيرة نسميها الواقع الذي هو عبارة عن عناصر متغالبة أو متآزرة!

- من أشكال خيانة الحق والحقيقة، تزوير الأسماء وعدم تسمية الأشياء بأسماءها الحقيقية!

- من الجهل والسفالة أن من يبحث عن حل لمشكلة الواقع الكبيرة ويتباكى على الحل، هو مشارك في صناعة المشكلة حتى بمذلة كبيرة أو تضحية خبيثة، أو أنه يريد حلاً جاهزا مريحا، ولا يريد أن يشارك في جهود الحل وتضحياته!

ونماذج هذا الصنف كثيرون جدا، وهم أوساخ الواقع الذي يريدونه نظيفاً!

***

جميل شيخو

السبت - 13/ 6/ 2026

تظل الكتابة انثيالاً وجدانياً صادقاً، يعبر عن هواجس الذات، ويجسد هموم الكاتب، وتطلعاته، ورؤاه، تجاه الحياة، والإنسان، والمجتمع، ومن ثم فان الكتابة ليست مجرد تجليات تسطر بكلمات على الورق، أو أفكار تُصاغ في تعابير لغوية، وحسب، بل هي فعل وجداني عميق، يتداخل فيه الشعور بالفكر، والوجدان بالعقل، ليمنح النص عندئذ حيويته، وتأثيره، وقدرته على التواصل، والتفاعل مع الآخرين.

والكتابة، وإن كانت موهبة، وملكة فطرية، يمتلكها ابتداء بعض الناس، دون غيرهم، إلا أنها لا تتوهج بفاعليتها الإبداعية، إلا عندما تقترن بالمعرفة، والخبرة، والتجربة الزاخرة. وبذلك فإن الموهبة قد تمنح الكاتب القدرة على التعبير، ولكنها لا تكفي وحدها، لبلورة نص ناضج، يمتلك القدرة على النفاذ إلى وجدان القارئ، وعقله معاً.

ومن هنا، فإن الكتابة الإبداعية تمثل تفاعلاً متناغما، بين الموهبة، والخبرة، إذ أن كل تجربة يعيشها الكاتب، وكل معرفة يكتسبها، تتحول مع الزمن، إلى تراكم فكري وإنساني، يثري تجربته الكتابية، ويمنح نصوصه، مزيداً من الصدق، والواقعية، والقدرة على التأثير.

ولعل السر في حضور الكثير من الأعمال الأدبية، والفكرية الكبرى، يكمن في حقيقة أنها لم تكن نتاج موهبة مجردة، فحسب، وإنما كانت حصيلة تجارب إنسانية زاخرة، استطاع أصحابها أن يحولوها إلى نصوص نابضة بالحياة، تعبر عن تجليات واهتمامات الكاتب في مختلف أحواله، وظروفه، وتتجاوز حدود زمان، ومكان التشكيل، لتمون بالإضافة إلى كل ذلك، هموما معرفية، وأخلاقية، وجمالية، وليست ترفاً فكرياً، او ممارسة لغوية عابرة، حيث تتطلب من الكاتب، أن يكون شاهداً على تفاصيل عصره، وقادراً على قراءة واقعه، والتعبير عن قضايا مجتمعه بلغة تمتلك صدقية التعبير، والجمال معاً.

وتبقى الكتابة فضاء واسعا لانبثاق تجليات الوجدان، ومرآة تعكس وعي الإنسان بذاته، وبالعالم من حوله، وجسراً يصل بين الموهبة الفطرية، والخبرة المكتسبة، ليولد من تفاعلهما إبداع متوهج، قادر على البقاء، والتأثير في الذاكرة الإنسانية.

***

نايف عبوش

ليس السؤال الذي أطلقه غسان كنفاني في نهاية الرواية سؤالاً عن ثلاثة رجال ماتوا في صهريج تحت شمس الصحراء، بل هو سؤال يطارد البشرية منذ أن تعلّمت الصمت أكثر مما تعلّمت الكلام. فكم من إنسان حمل خزانه على ظهره ومضى؟ وكم من روح اختنقت داخل أسوار الخوف وهي قادرة على أن تصرخ؟

أغلقت الكتاب، لكن الكتاب لم يغلقني. ظلّ أبو قيس يجلس إلى جواري كفلاح اقتُلعت جذوره من ترابها، وظلّ أسعد يركض في ممرات العمر باحثاً عن نافذة تطل على غد أقل قسوة، وظلّ مروان يحمل على كتفيه من الهموم ما لا يطيقه إلا الرجال الذين سرقت الطفولة من أعمارهم قبل أوانها.

أدركت يومها أن الشمس ليست دائماً مصدر الضوء، فقد تكون أحياناً شاهدة على المآسي. وأن الخزانات ليست كلها من حديد، فبعضها يُصنع من الخوف، وبعضها من اليأس، وبعضها من الاعتياد على الألم حتى يصبح الألم وطناً مؤقتاً.

نحن أيضاً نعبر صحارينا الخاصة. لكل واحد منا حدود يحاول اجتيازها، ولكل واحد صهريج يختبئ فيه من مواجهة الحقيقة. قد لا يكون الصهريج خزان ماء، بل وظيفة لا يحبها، أو علاقة تستنزف روحه، أو حلماً أجّله حتى ذبل بين يديه. ومع ذلك يظل السؤال معلقاً فوق الرؤوس كجرس إنذار: لماذا لا ندق جدران الخزان؟

لقد علّمتني الرواية أن الموت لا يبدأ حين يتوقف القلب عن النبض، بل حين يتوقف الإنسان عن المقاومة. وأن الهزائم الكبرى لا تأتي من قوة العدو بقدر ما تأتي من استسلام الروح. فالجدران مهما كانت سميكة تخاف من الطرق المستمر، والظلام مهما طال عمره يرتبك أمام شرارة صغيرة من الضوء.

ما أشبه الحياة بصحراء طويلة، وما أشبه أحلامنا بقوافل تبحث عن واحة. غير أن الفرق بين من يصل ومن يتيه ليس قوة الخطى وحدها، بل الشجاعة في أن يصرخ حين يضيق عليه المكان، وأن يرفض الاختناق بصمت.

لهذا بقيت رواية رجال في الشمس أكثر من حكاية، وبقي سؤالها أكثر من جملة. إنه مرآة نرى فيها أنفسنا كلما خنقنا الخوف، وكلما آثرنا السكوت على المواجهة. وكأن غسان كنفاني لم يكن يخاطب أبطاله الثلاثة، بل كان يخاطبنا جميعاً قائلاً:

إذا ضاقت بكم خزانات الحياة، فلا تموتوا صامتين... دقّوا الجدران، فربما كان خلفها باب ينتظر شجاعتكم فقط.

***

صابر الحميدي

 

بين ذاكرة المكان ومخاطر التسليع

تُعد القشلة، أو "سراي الحكومة القديم"، واحدة من أبرز الشواهد العمرانية التي تختزن في جدرانها فصولاً مهمة من تاريخ بغداد الحديث. فهي ليست مجرد مبنى أثري قائم على ضفاف نهر دجلة، بل سجلٌ مفتوح لذاكرة مدينة عريقة تعاقبت عليها الحضارات والدول، وظلت رغم ما تعرضت له من حروب وتحولات محافظةً على روحها الثقافية وهويتها التاريخية.

يقف هذا الصرح العتيق في قلب بغداد التاريخية شامخاً منذ أكثر من قرن ونصف القرن، شاهداً على حقب سياسية واجتماعية وثقافية متعاقبة. غير أن هذا المعلم التراثي يعيش اليوم حالة من الإغلاق المستمر منذ ما يزيد على عام ونصف العام، وسط مخاوف متزايدة من مشاريع استثمارية قد تفضي إلى تحويله من فضاء ثقافي وتراثي مفتوح إلى مشروع تجاري يفقده روحه ووظيفته التاريخية التي ارتبط بها في وجدان البغداديين.

تعود جذور القشلة إلى النصف الثاني من القرن التاسع عشر، عندما كانت بغداد إحدى الولايات المهمة في الدولة العثمانية. ففي عام 1861 شرع الوالي نامق باشا الكبير ببناء هذا المجمع ليكون مقراً للإدارة العثمانية وثكنة عسكرية، قبل أن يتولى الوالي الشهير مدحت باشا استكمال المشروع وتطويره. وقد اختير موقعه بعناية فائقة على الضفة الشرقية لنهر دجلة، في منطقة تزخر بآثار وتاريخ يمتدان إلى العصر العباسي، حيث كانت بغداد عاصمة الخلافة الإسلامية ومركزاً للعلم والثقافة والحضارة.

وهكذا أصبحت القشلة شاهداً على طبقات متراكمة من التاريخ؛ فهي تحمل الطابع العمراني العثماني، لكنها تستند في الوقت نفسه إلى أرض تختزن إرث بغداد العباسية، لتشكل حلقة وصل بين مراحل متعددة من تاريخ المدينة. ومن هذه الخصوصية التاريخية تستمد القشلة أهميتها الاستثنائية بوصفها جزءاً من هوية بغداد وليس مجرد مبنى أثري يمكن تغيير وظيفته أو طمس معالمه.

وكلمة "القشلة" ذات أصل تركي وتعني المكان الذي يقيم فيه الجنود أو الثكنة العسكرية. إلا أن هذا المعنى العسكري الضيق تبدل مع مرور الزمن، لتتحول القشلة إلى أحد أبرز الفضاءات الثقافية والاجتماعية في العاصمة العراقية. فخلال العقود الأخيرة أصبحت ملتقى للمثقفين والفنانين والباحثين وزوار شارع المتنبي، ذلك الشارع الذي يمثل القلب النابض للحياة الثقافية في بغداد.

لقد احتضنت القشلة عشرات المعارض الفنية والفعاليات الأدبية والندوات الفكرية والأنشطة التراثية، وتحولت ساحاتها وأروقتها إلى مساحة للحوار والإبداع والتواصل بين الأجيال. ولم تعد مجرد مبنى أثري يُزار لالتقاط الصور، بل غدت مؤسسة ثقافية مفتوحة تؤدي دوراً حيوياً في تعزيز الوعي بالتراث وحفظ الذاكرة الجمعية للعراقيين.

من هنا تكتسب المخاوف الحالية مشروعيتها. فالأحاديث المتداولة عن استثمار القشلة وتحويلها إلى فضاء تجاري لا تعني مجرد تغيير في استخدام المبنى، بل تثير تساؤلات عميقة حول مستقبل الهوية الثقافية لهذا المعلم التاريخي. فماذا سيكون مصير المعارض الفنية التي كانت تُقام في ساحاته؟ وأين ستنتقل الأنشطة الثقافية التي احتضنتها جدرانه لعقود؟ وما مصير العلاقة الوجدانية التي ربطت أجيالاً من البغداديين بهذا المكان؟

إن تحويل القشلة إلى مطاعم أو محال تجارية أو مشاريع استهلاكية سيكون بمثابة اختزال لتاريخ طويل في وظيفة اقتصادية عابرة. فالمباني التراثية ليست عقارات قابلة للبيع والشراء فحسب، بل هي أوعية للذاكرة الجماعية ومرايا تعكس هوية المدن والشعوب. وحين تفقد هذه المباني رسالتها الثقافية، فإنها تتحول إلى هياكل جامدة خالية من المعنى، مهما بلغت الأرباح التي قد تحققها.

إن الحفاظ على القشلة لا يعني رفض الاستثمار من حيث المبدأ، بل يعني رفض الاستثمار الذي يلغي الهوية ويستبدل الثقافة بالاستهلاك. فثمة نماذج عالمية عديدة أثبتت أن الاستثمار الثقافي المستدام قادر على تحقيق موارد اقتصادية مهمة من خلال السياحة الثقافية والأنشطة التراثية والمعارض والمتاحف، مع المحافظة في الوقت نفسه على القيمة التاريخية للمكان وروحه الأصيلة.

لقد حرم الإغلاق الطويل للقشلة العراقيين، ولا سيما النخب الثقافية والشباب والمهتمين بالتراث، من أحد أهم الفضاءات العامة في قلب العاصمة. وهذا الحرمان لا يمثل خسارة لمعلم أثري فحسب، بل يمثل تراجعاً في مساحة الثقافة العامة التي تحتاجها بغداد أكثر من أي وقت مضى. فالقشلة كانت مكاناً يلتقي فيه الناس على اختلاف توجهاتهم وخلفياتهم، وتغيب فيه الحواجز الاجتماعية لصالح الحوار والمعرفة والفن.

ومن هنا تبرز مسؤولية الجهات المعنية، وفي مقدمتها أمانة بغداد ووزارة الثقافة والسياحة والآثار، في حماية هذا الإرث الوطني وصيانته وإعادة فتحه أمام الجمهور. فالمطلوب ليس مجرد ترميم الجدران والأروقة، بل إعادة إحياء الدور الثقافي للقشلة بوصفها مركزاً حضارياً مفتوحاً يحتضن الفعاليات الفنية والأدبية والتراثية، ويشكل جسراً يربط الماضي بالحاضر.

إن القشلة ليست ملكاً لمؤسسة أو جهة بعينها، بل هي جزء من الذاكرة الوطنية العراقية وملك لكل من يرى في بغداد مدينةً للعلم والثقافة والجمال. ولذلك فإن الحفاظ عليها هو حفاظ على جزء من شخصية العاصمة نفسها، وعلى واحدة من العلامات التي تمنح بغداد خصوصيتها بين مدن العالم.

إن ما تواجهه القشلة اليوم يجسد صراعاً حقيقياً بين منطق الربح السريع ومنطق الحفاظ على التراث والهوية. وبين هذين الخيارين ينبغي أن يكون الموقف واضحاً: فالأمم التي تفرط بذاكرتها تفقد جزءاً من مستقبلها، والمدن التي تبيع معالمها التاريخية تفقد شيئاً من روحها.

وفي الحديث عن القشلة، لا يمكن إغفال معلمها الأشهر والأكثر حضوراً في ذاكرة البغداديين: ساعة القشلة، تلك الساعة التاريخية التي ارتفعت فوق برجها الشاهق منذ أواخر القرن التاسع عشر، لتصبح واحداً من أبرز رموز بغداد العمرانية. لم تكن الساعة مجرد أداة لقياس الزمن، بل تحولت عبر العقود إلى شاهد صامت على تحولات المدينة وأفراحها وأحزانها، تراقب من علٍ حركة الحياة على ضفاف دجلة وتتابع تعاقب الأجيال في أزقة بغداد وأسواقها.

لقد ظلت عقارب الساعة تدور فيما كانت بغداد تواجه الحروب والأزمات والتغيرات السياسية الكبرى، وكأنها تذكّر أبناء المدينة بأن الزمن يمضي، وأن المدن العظيمة تبقى ما بقيت ذاكرتها حية. ولهذا أصبحت ساعة القشلة جزءاً من الوجدان الشعبي البغدادي، ورمزاً للاستمرارية والصمود في مدينة عرفت من المحن بقدر ما عرفت من المجد.

واليوم، بينما تغلق أبواب القشلة وتتعاظم المخاوف بشأن مستقبلها، يبدو المشهد وكأن الزمن نفسه قد توقف خلف تلك الجدران العتيقة. فالقضية لم تعد قضية مبنى أثري مغلق فحسب، بل قضية رمز تاريخي وثقافي يمثل جزءاً من هوية بغداد الحديثة. وإذا كانت ساعة القشلة قد واصلت دقاتها لأكثر من قرن وهي تروي للأجيال قصة مدينة لا تنكسر، فإن أقل ما تستحقه اليوم هو أن تبقى شاهدة على الحياة الثقافية والإبداعية التي احتضنتها القشلة، لا أن تتحول إلى شاهد على اندثارها.

إن الحفاظ على القشلة هو في جوهره حفاظ على الساعة التي تقف فوقها، وعلى الذاكرة التي تختزنها، وعلى العلاقة العميقة بين المكان وأهله. فحين تُصان القشلة، لا نحافظ على جدران من الآجر والحجر فحسب، بل نحافظ على نبض بغداد ذاته، وعلى ذلك الصوت الرمزي الذي ظل يعلن عبر الزمن أن لهذه المدينة تاريخاً يستحق الاحترام ومستقبلاً يستحق الحماية.

القشلة اليوم لا تتحدث بلسان البشر، لكنها تنطق بجدرانها العتيقة وساعتها الشهيرة وأروقتها التي شهدت مرور أجيال متعاقبة من أبناء بغداد. إنها تطلق نداءً صامتاً من أجل الحماية والإنصاف، فهل تجد من يصغي إليها؟ وهل يليق بهذا الصرح التاريخي العريق أن يبقى أسير الإهمال أو أن يتحول إلى سلعة في سوق الاستثمار؟ أم أن الواجب الوطني والثقافي يقتضي أن يبقى منارةً للذاكرة والإبداع، ورمزاً لبغداد التي قاومت النسيان وظلت حيةً في وجدان أبنائها؟

***

جورج منصور

الشعر في أمتنا صنعة أو حرفة كغيرها يتكسب بواسطتها أصحابها، وهي السلوك الطاغي في مسيرة الشعراء عبر العصور، فأغراضهم الأساسية المديح والهجاء والرثاء، وهي تجلب المال والجاه، أما الغزل فغرض لا يدر مالا أو عطايا.

ومعظم الشعراء المعروفين والبارزين في واقعنا المعرفي هم المتكسبون المداحون المقربون من كراسي السلطة وبلاط السلطان.

منذ زهير بن أبي سلمى إلى البحتري وأبي تمام والمتنبي وأبي نؤاس وما بعدهم، والعديد من شعراء القرن العشرين.

وليس عيبا أو مثلبة ما قاموا به لأنهم يريدون العيش ولا مهنة عندهم سوى قول الشعر، وبه يتكسبون ويغنمون، وتلك وسيلة العيش المتاح والمأمول منهم.

في زمن قل فيه الإبداع المادي فتنامى الإبداع اللفظي، وصارت الكلمة قوة وطاقة للفعل المتميز المعبر عن الإرادة والطاقة النفسية المعتلجة في الأعماق.

لا يوجد شاعر في تأريخ المسيرة المعرفية للأمة لم يتكسب بشعره أو ما يخطه يراعه، حتى في زمننا المعاصر هناك العديد من الذين يتكسبون بشعرهم ونتاج أقلامهم.

الشعر عندما يصبح ترفا وتعبيرا عن الرفاهية والعيش الرغيد لا يرقي إلى مرتبة الشعر، بل عليه أن يكون نابعا من صلب المعاناة والحاجة واللوعة بأنواعها، وأن يكون للحرمان دوره في إطلاق الدفق الشعري.

الشعر موهبة، بحاجة إلى ظروف بيئية لتصنيعها والتعبير عن مكنوناتها، وأكثر الشعراء الموهوبين، كان بلاط الحكم لهم منطلقا للوصول إلى أرقى ما تجود به قرائحهم من المديح والتبجيل، فكلماتهم كانت تعني المال والجاه والتقدير والتكريم الباذخ.

وليس كل مَن كتب الشعر بشاعر، فالشعر عالم يرقى إليه القليلون من القائلين شعرا!!

"وبعض الحروف كضغط الزناد

تصيب القلوب وتدمي المقل

وبعض الحروف كشرب الدواء

تداوي الجروح وتشفي العلل"

***

د. صادق السامرائي

دراسة مقارِنة مختصرة بين اللغات..

هناك مزايا تخص اللغة العربية لا يمكن وصفها الّا بأنها عظيمة منها وجود ضمير المثنى، وحيث الوجود كله يقوم على الثنائية سواء في التضاد مثل الكرم والبخل، والشجاعة والجُبن، أو في التكامل والتتميم مثل الليل والنهار، والرجل والمرأة!!

المثنى لا يوجد في بقية لغات العالم على حد علمي.. هناك كلمة (Both) في الانجليزية، وكلمة (Beide) في الألمانية، ومن الممكن ترجمة هاتين الكلمتين بالرديف اللغوي العربي (كلاهما).. لكن الأمر لا يتعدى هاتين الكلمتين، امّا في اللغة العربية فيذهب المثنى في الأفعال والضمائر.. وهو بوابة لغوية ونحوية خاصة تختلف عن بوابة المفرد وبوابة الجمع..

كما ان في العربية مئة اسم للحُب منها: عشق، وجد، هيام، غرام، تبريح، صبابة، استكانة، شوق، ميل، ود، لاعج، جوى، جنون، خبل، الداء المخامر.

وفي بعض الأحيان قد نجد كلمة واحدة في اللغة العربية من الصعب ترجمتها بكلمة واحدة لتكون رديفها الأجنبي مثل كلمة (سمير) أو (نديم).

فكلمات مثل سمير ونديم لا تعني (صديق) فقط، بل ان كل كلمة حالة خاصة من الصداقة لها طقوس وأجواء ومشاعر ومتطلبات..

سأحاول مثلاً ترجمة كلمة (سمير) الى اللغة الألمانية لنرى انها من الممكن أن تكوِّن في ترجمتها أكثر من جملة اذ يمكن ترجمة كلمة (سمير) تقريباً ب:

Der Freund mit dem man schöne nächtliche Unterhaltungen in netten Atmosphären führt.

ولو نقلنا نفس هذه العبارة الألمانية أعلاه التي تترجم كلمة سمير الى العربية لوجدنا انها:

(الصديق الذي يشترك معه الانسان في محادثات ليلية جميلة في أجواء اليفة).

هذا ما تقوله العربية في كلمة واحدة باختصار وتركيز عجيب غريب هي كلمة سمير، بل ان كلمة (سمير) في العربية تقول أكثر من هذا..

بقي ان أقول ان هذه الدراسة المختصرة هي جزء من عمل اكاديمي فصلي قدمته في جامعة برلين بطلب من استاذتي في الأدب المقارن بعد حديث ومناقشة بين الاستاذة والطالبات والطلّاب حول خواص اللغات وعلاقتها بالأدب، حيث تحدثتُ فيه عن خواص اللغة العربية فكانت فكرة الاستاذة ان انجز العمل الجامعي الفصلي الواجب لنيل درجة النجاح في الفصل الدراسي حول هذا الموضوع بكتابة تحقيق أقرأه وأحاور فيه في محاضرة قادمة، وهكذا كان.

***

كريم الأسدي - العراق

ليست الكتب التي تستقرّ على الرفوف أوراقًا مجلّدة فحسب، بل هي أعمار أخرى نعيشها، ومدن نؤثثها في الداخل قبل أن نؤثث بها زوايا المكتبة. وحين أتأمّل هذه الروايات الثلاث مصطفّةً في هدوء، أشعر أنّها لا تتجاور فوق الخشب بقدر ما تتحاور في أعماق الروح.

«مدينة تسكنني» ليست رواية عن مدينة، بل عن ذلك المكان الخفيّ الذي يظلّ يقيم فينا مهما ابتعدنا عنه. فبعض المدن لا تُرسم على الخرائط، بل تُنقش في الذاكرة، وتتحوّل إلى نبضٍ سرّيّ يرافقنا كلّما ظننّا أنّنا غادرناها.

أما «أقحوان منتصف الليل» فهي شهادة على قدرة الجمال على أن يزهر في أكثر اللحظات عتمة. فليس الليل نقيض الضوء دائمًا، بل قد يكون رحمًا للحلم، ومساحةً تكتشف فيها الأرواح هشاشتها وقوّتها في آنٍ واحد. وكما تتفتّح الأقحوانة في صمت، تتفتّح المعاني العميقة بعيدًا عن ضجيج النهار.

ثم تأتي «أجنحة الشوك» لتذكّرنا بأن التحليق الحقيقي لا يولد من الراحة، بل من الألم. فالشوك ليس دائمًا عائقًا، بل قد يكون الدرس الذي يمنح الأجنحة صلابتها. وما من إنسان بلغ سماءه الخاصة إلا وحمل في قلبه بعضًا من جراح الطريق.

هذه الروايات الثلاث ليست مجرد عناوين في مكتبتي؛ إنها محطات من رحلة البحث عن الذات. واحدة تسكن الذاكرة، وأخرى تنير العتمة، وثالثة تعلّم القلب كيف يحلّق رغم الجراح. لذلك أراها كلّ يوم كأنها مرايا صغيرة تعكس وجوهًا مختلفة من الحكاية ذاتها: حكاية الإنسان وهو يعبر الحياة بين الحلم والحنين والأمل.

وحين يزورني الصمت، أجدها هناك، متراصّةً في وقارٍ جميل، لا تزيّن مكتبتي فحسب، بل تزيّن شيئًا أعمق من ذلك بكثير: تزيّن روحي.

***

د. صابر الحميدي

 

وبعدُ سيدي،

فإني لا أستطيع كتم ما فاض من قارورة روحي بعد الآن، فكان لزامًا عليّ أن أجعل كلماتي تتدفق من قلمي كجداول، لعلها تصل إلى بابك البعيد الموصَد، فيصيبك شيءٌ من قلقي.

ولكن يا سيدي، حين تضيق الدروب بما رحبت، وتثقل الأيام كاهل العابرين، لا يحتاج المرء دائمًا إلى معجزات كبرى، بل قد تكفيه التفاتةٌ رقيقة تُرمّم ما تصدّع في أعماقه...

في زحام الحياة العابث، حيث يركض الجميع دون التفات، ثمة أرواح تذبل صمتًا خلف واجهات متبسمة...

لا تطلب هذه الأرواح الكثير، بل تترقب غيمة حنانٍ ممطرة عابرة، وكلمة طيبة تُقال بصدق، فتسقط على القلب كأول قطرة مطر في أرضٍ قاحلة.

ما الحال يا سيدي؟ فأنا ادّعيت كثيرًا نسيانك، وكتبت في ذلك كلماتٍ عديدة، لكني أعلم أن روحي تحنّ إليك، تفتش عنك في داخلها كل يوم، حتى إن أحرفي باتت تسألني عنك، وفي كل مرة أجدك تتربع على عرشها.

اطمأننتُ لذلك، وإن كان طمأنينةً حزينةً مؤقتة، لأن شوقي إليك يعلم أنه سيُقتل على يدك مرارًا وتكرارًا.

ومن جهة أخرى، تستعذب روحي تلك الهواية المفضلة: الشوق إليك.

أتدري؟ سأخبرك سرًا: أنا عاجزة عن تعليم قلبي أي لغة أخرى سوى الاشتياق لك، عاجزة عن رسم نقشٍ لا يحمل وجهك.

لقد أصبح قلبي كبحرٍ لا يقبل أسماكًا جديدة؛ فملوحة مياهه من الشوق تطرد كل ما سواك.

إني والله أصبحت كفنجان قهوةٍ مسكونٍ بأشباح صورتك وكلماتي التي كتبتها لك، ومسكون بالماضي والوهم المعتّق بلا عودة، لكن للأسف لا أحد يتجرّع مرارة هذا الفنجان غيري.

آهٍ لو تعلم كم حاولتُ حذف اسمك الجميل من لغتي، وكم جربتُ من الملهيات والمشتتات لأتغير، ولكني أعترف أني لم أبرع في إكمال هذه المسرحية الهزلية طويلًا، فكانت المحصلة أني ما زلت أحبك وأشتاق إليك.

إن وقع ذلك مؤلم على روحي، وطعمه مَرّ على شفتي.

ولكن يا سيدي،

لا مهرب من الاعتراف أني ما زلت أمرّ في أزقة الذكريات وحيدة، وأعبر حكاياتي كأميرة تتخلى عن عرشها، وتتوج نفسها بالسقوط، تاركة كل المحاولات التي لم تعد على مقاس روحي.

وما زالت السنوات تمر، ولا أجد لها طعمًا إلا طعم الحنين، ولا رائحة إلا رائحة دموعي. تمر السنين ولا أجد نديمًا يشاطرني حزنها، غير تلك المساءات الحزينة التي كنا نمضيها معًا، والمشاعر الجميلة.

تمر السنوات ولا أعرف أن أعنون لها بكلمات أخرى، سوى: أنا وأغنية فيروز «بعدك على بالي»، تلك الأغنية التي كلما سمعتها في مذياعي، ارتديت كفنًا من الحنين والشوق، وابتسمت للموت الناعم ببعدك.

وتمر السنوات ولا أجد تجربة تعيد روحي إلى سيرتها الأولى، وإلى سنين الطفولة المرحة.

وتمر السنوات وأنا ومحمود درويش لا عرش لنا إلا هوامش الذكرى، أتمرّ عليها ولا أمرّ معها، بل أظل واقفة هناك في شارع الذكريات، وعلى ظهري حقيبة أحلامي الطفولية البيضاء التي تحولت إلى قرمزية، وفي روحي دفتر قصائد وسيناريو حياة لم يرَ النور بعد، وعلى لساني هدير كلمات لا أعرف لمن تُقال.

فماذا حدث؟

***

ذكرى البياتي

 

(فإنكم لو عاينتم ما عاين من مات منكم... لشغلكم عن دنياكم).. الإمام علي بن أبي طالب

في هذا القول ما يتجاوز الحكمة إلى هاوية. فهو لا يوبخ الإنسان لأنه يجهل بل لأنه يمر على الهاوية كأنها منظر عابر. لا يقول لو سمعتم ولا لو تخيلتم بل لو عاينتم. كأن الحقيقة لا تبدأ إلا حين تسقط المسافة بين العين والحق. وهذا بالضبط ما يفعله فاسيلي فيريشاغين في لوحته بعد الفشل سنة ١٨٦٨. اللوحة جزء من مجموعة لوحات تروي ما عاينه حين شهد حروب الأمبراطورية الروسية في آسيا الصغرى. هنا في هذا المشهد لا نرى سمرقند و هو هنا لا يروي الحرب بل يوقفنا بعد انقضائها مباشرة في اللحظة التي يفترض أن تكون أكثر اللحظات قدرة على الكشف... واللحظة ربما هي كذلك...فإذا بها أكثر اللحظات عريا وصمتا.

ليست عبقرية اللوحة في موضوعها وحده بل في أنها تختار ما بعد الفعل لا الفعل نفسه. الرسام لا يذهب إلى ذروة الاشتباك بل إلى ما يراه الناس أقل أهمية.2878 ahmad

 اللحظة التي تصير فيها الكارثة معتادة على نفسها. الأجساد مبعثرة بثيابها الحمراء وعمائمها البيضاء كأنها بقايا معنى لم يحتمل الواقع اكتماله. السور الطيني لا يحاصر المكان فقط بل يحاصر النظر أيضا والسماء الشحيحة لا تفتح أفقا بل تزيد الاختناق كثافة. هنا لا يعود الموت حادثة بل مناخا يخيم على اللوحة كلها. والخطر في هذا كله أن الخراب حين يطول لا يعود استثناء بل يصبح صورة للعالم كما ينبغي أن يكون.

وما يجعل اللوحة أكثر قسوة أن مركزها ليس القتلى بالضرورة بل الأحياء او من نظنهم أحياء. الجندي الواقف لا يصرخ ولا يطعن ولا يهرب...هو يدخن. وهذه الحركة الصغيرة الهادئة هي نقطة المفارقة الفنية. لم يرسم فيريشاغين وحشا بل رسم إنسانا عاديا فقد حساسية النظر. هذا اجده أشد إزعاجا من أي وحش لأن الوحش يعلن نفسه أما الإنسان الذي تعود فهو يختفي داخل العادة حتى يظن نفسه بريئا. كأن الرسام يقول إن الكارثة لا تكمن في القتل وحده بل في اللحظة التي يصير فيها الدم و الجثث جزءا روتينيا من المشهد. الدخان في المقابل جزء من الطمأنينة والوقوف فوق الموت أمر لا يستفز أحدا.

يقول المتنبي في احد قصائده الشهيرة...

ذو العقل يشقى في النعيم بعقله

وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم

هذا البيت لا يفسر اللوحة من خارجها بل يكشف قانونها الخفي. الجندي هو مثال ذلك الذي ينعم في قلب الشقاوة لا لأنه انتصر بل لأنه كف عن الشقاء بالفهم. والنقطة الأشد على الفهم هنا ليست الجهل بل الطمأنينة التي يصنعها الجهل لنفسه. فالمأساة لا تبدأ عندما يجهل الإنسان بل عندما يتصالح مع جهله حتى يصبح الخراب خلفية صامتة لحياته. واللوحة لا تسأل من الذي مات بل من الذي لم يعد يشعر وهو السؤال الأشد وطأة لأنه لا يوجه إلى الجندي وحده بل إلى كل عين تستطيع أن ترى ولا تتغير.

وحين نعود في النهاية إلى قول الأمام علي... ربما السؤال هنا... ماذا فعلت بك المعاينة؟ هل شغلتك عن دنياك أم رفعت عينيك وأغلقت الصفحة ومضيت؟ علي ابن ابي طالب  لم يقل إن المعاينة تغير قال إنها تشغل وذلك الثقل الضروري يعني أن ما رأيته دخل فيك ولم يعد خارجك. الجندي في اللوحة لا يحمل ثقلا. دخانه يتصاعد خفيفا بشكل لا يطاق وكأن العالم كله يمكن أن يختزل في هذه الخفة المريعة.

***

د. احمد عابر

 

إضاءة: إلى صديقي العَدَمي... رجاءً! لا تقْرأْنِي...

هيَ كتابةٌ لا تستلهمُ مصداقيتها من الردّ على كتاباتٍ تشتغلُ على مادّةِ القلق الوجودي، أو على كتاباتٍ تُمجّدُ العدمية وتغنّي لها، بقدر ما هي حالةٌ معرِفيّةٌ مخاضيةٌ تأتي استجابةً لنسقٍ عقديٍّ يمتحُ فكرتَهُ من التصوّر الإسلاميِّ القائمِ على كتاب الله وسنّه رسوله الكريم. ويرومُ القولَ في أصالةٍ مجتهدةٍ قريبةٍ من الخطأ وحالمةٍ بالصواب، في غيرِ تبعيةٍ أو اندهاشٍ مُستلَبٍ بكتابة (الآخر) معزولاً عن الشروطِ التاريخية التي أفرزَتْهُ وأفرَزَتْ كذلك إنتاجاته في ارتباطٍ بتحولاتِ إنسانِهِ وأنساقِه، داخل تطوراتٍ أملتْها طبيعةُ ذلك الإنسان الغربيّ وتلكم الأنساقُ الغربية وذلكم التّاريخ الغربيّ، مع عدمِ إلغائهِ الإلغاءَ الكاملَ وإقصائهِ من الاعتبار الإقصاءَ الشامل... فهذا ضربٌ من التقوقعِ الّذي لا يُشْبِهُنا والّذي لا يعترف بأثر المثاقفة وانعكاساتها على الذات وعلى تحولاتها.

و ستكون الكتابةُ هنا معترفةً بهذا (الآخر) انطلاقاً من حضورِه القويّ شئنا أم أبينا، مع احترازٍ منهجي هو أننا لا نكتبُ عن الذات العربية والإسلامية داخل مركّبِ النقص المنبطِحِ لإشعاع الغربِ بقدر ما نروم الكتابة داخل اسْتِواءِ النِّدية المطلوبة في موضوعيتها وأصالتها وعلمِيَتِها على قدْرِ الإمكان والممكن.

و منطلقُنا في هذه الكتابة النوعيّة أثرٌ نبويٌّ حاملٌ لكثير من الأبعاد والدلالات، ومنها بعدُ العَمارِ ودلالةُ البناءِ لهذا الإنسان من أول صرختِهِ البيولوجية إلى آخر غرغرتِه على صفيح الاحتضار، في أفقٍ ربّانيٍّ يمتدّ بالحياة البشرية إلى ماوراء الطبيعة.

 عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ (إِنْ قَامَتِ السَّاعَةُ وَفِي يَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ، فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَلَّا تَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَغْرِسْهَا).1

و هنا، نهيب بالقارئ ألّا يفهم من كلامنا هذا رغبةً في تحليل الحديث النبوي الشريف أو تشريحه داخل منهج من المناهج، أو جعله أرضية للتداول في هذا السياق المتواضع، بقدر ما غرضنا منه لا يعدو أن يكون استئناساً بعمقِه الكريم داخل رؤيا نبويّة ترى وتستشرف وتقدّم البدائل الحضارية القويّة والسارية في الزمن مسرى النسغ في الشجر.

إننا خارِج ردّ الفعل اللاثقافي، وداخل منظور المثاقفة نروم اجتهاداً يقاربُ مفهوم الكتابة النابعة من العقل العربيّ الإسلامي في أزمنته الكائنة والممكنة. وأقصد التاريخيةَ والراهنةَ، وأقصد أيضاً احتمالَ كينونتها في أفق الاستشراف، انطلاقاً من نجاحِ النّموذج النبويّ الأول في تاريخ الإنسانية الّذي استطاع أن ينتشل الإنسانَ من قبضة الخراب وكمّاشَةِ الوهم.

و نكتب هنا عن الثقافةِ في عَمارِها وفي استِوائِها وفي فرحِها وفي تناسُلِها وتوليداتِها للحقّ والخيرِ والجمال، داخلَ منظورٍ يروم معانقة الأصالة في الإبداع. إذ ليس بالضرورة أن أكتبَ قلقِي لأن "سارتر" قلقَ على وجوده. ولا أن أعبّر عن عبثِي لأن "كامو" عبثَ في مقاماتِ روحِه قبل إبداعه. ولا أن أترجمَ عدمِيتِي لأن "كيرغارد" فعل ذلك. ولا أن أعدمَ الإلهَ لأن "نيتشه" قتله، ولا أنْ أقلّد فلاناً من هناكَ، صرخَ فأصرخُ مثلما صرخَ في غير توطين للذّات ولا استقلالية في الهوية.

نحنُ في عرينِ البلاد العربية والإسلامية نمتلك شروطَ إنتاجِنا المتفرّدة في خصوصيتها الحضارية، وفي قسوتها الطبيعية، وفي استراتيجيتها الفضائية في شبه الجزيرة العربية، وفي امتداداتها الجغرافية عبر العالم العربيّ والعالمِ في شموليته، وفي تطوّراتِ هذه الامتدادات الزمانية، وفي انتكاساتِها وصعودها في الآن نفسه... ما يجعلُنا عقلاً مستقلّاً في القدرة على الإبداعِ والابتكار، وفي التعامل مع المثاقفة سواءٌ في عصور الدهشة الإسلامية التي قابلها ظلامٌ قروسطي في أوربا... أو في التعامل حاضراً مع كلّ أشكالِ الهيمنة الغربية بدءاً بظاهرة الاستعمار الكولونيالي وانتهاء بالاحتلال التكنولوجي والذكائي الذي يسم زماننا الآن، ويطبعه بكل القسوة الممكنة والمتخيَّلَة في عباءات النّعومة...

من هنا قدرتنا على تمثّل كلّ الكتابات الأخرى النازحة من العقل الغربي في شتّى خلفياتها وتوجّهاتِها أيضاً. مما يجعلُنا في شرطِ الإيمان بتاريخنا وتراثنا وبقدرةِ هذا الأخير على التطور والتجديد، أن نكون نحنُ لا غيرَنا، وأن نكونَ الذاتَ النديّةَ لا التابعة َولا المطبّلةَ بما أملوهُ على طبولنا التي لا تشبه طبولهم... ومن هنا أيضًا اختلافُنا ونحن نكتب. إننا لا نكتُبُ وأفُقُنا مسدودٌ بمدىً مغلق لا يرى في الاستشرافِ إلا العدمَ والخواء واللاشيء. نحنُ نكتبُ وفي يدِ كلّ كاتِبٍ منّا فسيلةٌ والزمنُ قِيامةٌ والمطلبُ في منطقِ العدمية هو الفرارُ والبحث عن الخلاص الفردي، ولكنّهُ في منطِقِ النبوّة القويّة مطلبٌ غريبٌ يطرحُ السؤال حولَ إمكان غرسِ الفسيلة في سياقٍ يقول فيه العالمُ كلّهُ: نفسِي ومن بعدي الطوفان... فشتّان بين من يكتبُ وهو يتجاوزُ حدود الموت إلى حياةٍ أبدية غيبية وسرمدية... ومن يكتبُ وهو محاصرٌ بجدارات الموتِ الدونية والدنيوية الفانية...

***

أبو شامة نور الدين حنيف

..................

1- المصدر: السلسلة الصحيحة، الألباني، الصفحة 9، إسناده صحيح على شرط مسلم

جدلية النفي والانتماء في اللغة والفكر والولاء: جدلية النفي والانتماء في اللغة والفكر

إنّ من أخصب الثنائيات التي تثير التأمل اللغوي والفلسفي في العربية ثنائية «لا» و«الولاء»؛ فالأولى حرفٌ صغير المبنى عظيم الأثر، والثاني اسمٌ واسع الدلالة عميق الامتداد في الوجدان الإنساني. وبين الحرف والاسم، وبين النفي والانتماء، تنشأ منطقة فكرية رحبة تتجاوز حدود النحو إلى أسئلة الوجود والهوية والحرية. فـ«لا» ليست مجرد أداة لغوية تُستعمل في الكلام، وإنما هي في كثير من الأحوال موقفٌ عقلي وأخلاقي، كما أنّ «الولاء» ليس مجرد علاقة اجتماعية أو سياسية، بل هو رابطة وجودية تشدّ الإنسان إلى ما يؤمن به ويمنحه معنى الانتماء.

«لا» في اللسان العربي: من النفي إلى التأسيس

تُعدّ «لا» من أكثر الحروف العربية ثراءً في الوظيفة والدلالة. فهي تنفي الفعل، وتنهى عنه، وتنفي الجنس، وتُبطل الحكم، وتُنشئ في بعض السياقات معنى الاستدراك أو الامتناع. وقد أدرك النحاة الأوائل أنّ هذه الأداة الصغيرة ليست مجرد علامة تركيبية، بل قوة معنوية تتحكم في بناء الجملة وتوجيه الدلالة.

فقد ذهب نحاة البصرة إلى التدقيق في وظائف «لا» وتقسيمها بحسب أثرها الإعرابي والدلالي. فميزوا بين «لا» النافية، و«لا» الناهية، و«لا» النافية للجنس التي تعمل عمل «إنّ» فتنصب الاسم وترفع الخبر. وكان همّهم الأساس ضبط العلاقة بين العامل والمعمول، وربط الوظيفة النحوية بالبنية المنطقية للجملة.

أما نحاة الكوفة فكانوا أكثر ميلاً إلى التوسع في السماع وإلى النظر في الاستعمالات الحية للغة، فقبلوا من الشواهد ما لم يقبله البصريون، وأجازوا بعض الوجوه التي ضيّق فيها أهل البصرة. ولذلك نجدهم أكثر مرونة في تفسير بعض تراكيب «لا» واستعمالاتها، اعتماداً على ما ورد في كلام العرب شعراً ونثراً.

غير أنّ المدرستين، على اختلافهما، تلتقيان عند حقيقة جوهرية مفادها أنّ «لا» ليست فراغاً لغوياً، بل حضورٌ دلالي يوازي حضور الإثبات نفسه؛ لأنّ النفي في اللغة ليس عدماً، بل هو إنشاء لمعنى جديد عبر رفع معنى سابق أو إبطاله.

الولاء: من القرب اللغوي إلى الانتماء الوجودي

أما «الولاء» فمشتق من الجذر (و ل ي)، وهو من الجذور العربية الغنية التي تدور معانيها حول القرب والاتصال والتتابع والنصرة والمحبة.

وقد أشار فقهاء اللغة إلى أنّ الأصل في الوليّ هو القريب الذي لا يفصل بينه وبين غيره حاجز. ومن هذا المعنى المادي نشأت المعاني المعنوية؛ فالوليّ صديق، والوليّ ناصر، والوليّ محب، والولاية سلطة أو رعاية، والولاء إخلاص وانتماء.

ويذكر أئمة اللغة، مثل ابن فارس، أنّ مادة «ولي» ترجع إلى أصل يدل على القرب والدنو. أما الراغب الأصفهاني فيرى أنّ الولاية والولاء يتنوعان بحسب السياق، فتارة يكونان في المحبة، وتارة في النصرة، وتارة في التدبير والسلطان.

وهكذا يتضح أن الولاء في أصله اللغوي ليس خضوعاً، بل قربٌ روحي وفكري يجعل الإنسان مرتبطاً بما يرى فيه قيمته ومعناه.

«لا» والولاء: جدلية النفي والانتماء

حين تجتمع «لا» و«الولاء» في عبارة واحدة، فإننا لا نكون أمام تركيب نحوي فحسب، بل أمام قضية فلسفية تتعلق بطبيعة الإنسان نفسه.

فالإنسان لا يكتشف ولاءه الحقيقي إلا بعد أن يتقن قول «لا» لما يناقضه. فكل ولاء أصيل يسبقه نفيٌ ما. ولا يمكن للمرء أن يكون مخلصاً للحق إلا إذا قال: لا للباطل. ولا يمكن أن يكون وفياً للحرية إلا إذا قال: لا للاستعباد. ولا يمكن أن يكون منتمياً للإنسانية إلا إذا قال: لا للظلم والإقصاء والكراهية.

من هنا تتحول «لا» من أداة نفي لغوي إلى أداة تأسيس أخلاقي. فالنفي ليس دائماً هدماً؛ بل قد يكون شرطاً للبناء. وكما أنّ الفلاح يقتلع الأعشاب الضارة ليحفظ الزرع، فإن العقل ينفي الزيف ليصون الحقيقة.

ولذلك فإن أخطر أشكال الولاء هو ذلك الذي يعجز عن قول «لا». فالولاء الذي يلغي النقد يتحول إلى تبعية، والانتماء الذي يقتل حرية التفكير ينقلب إلى عبودية فكرية. أما الولاء الناضج فهو الذي يجمع بين الإخلاص والبصيرة، وبين المحبة والقدرة على المراجعة.

البعد الفلسفي لـ«لا»

لقد كانت كلمة «لا» عبر التاريخ الإنساني بداية كثير من التحولات الكبرى. فالفكر يبدأ بالاعتراض قبل الاقتناع، والنقد يسبق البناء، والوعي يولد حين يرفض الإنسان ما لا ينسجم مع عقله وضميره.

وفي هذا المعنى تصبح «لا» إعلاناً لحرية الذات في مواجهة الإكراه، كما يصبح الولاء اختياراً واعياً لا خضوعاً أعمى. فالإنسان الحر لا يوزع ولاءه على الأوهام، بل يمنحه لما يراه جديراً بالانتماء.

ومن هنا يمكن القول إن الحضارات لا تتقدم بكثرة من يقولون «نعم» لكل شيء، وإنما بوجود من يعرفون متى يقولون «لا»، ولماذا يقولونها، ولأي قيمةٍ عليا يقولونها.

خاتمة:

إنّ حرف «لا» في العربية ليس مجرد أداة نفي، بل فلسفة لغوية كاملة تختزن معنى الرفض والتمييز والاختيار. كما أنّ «الولاء» ليس مجرد انتماء شكلي، بل رابطة وجدانية وأخلاقية وفكرية تقوم على القرب من القيم التي يؤمن بها الإنسان.

وبين «لا» و«الولاء» تتجلى معادلة الوعي الإنساني: فكل ولاء حقيقي يحتاج إلى «لا» تحرسه من الانحراف، وكل «لا» نبيلة تحتاج إلى ولاءٍ للحقيقة يمنحها معناها. وهكذا يلتقي النحو بالفلسفة، ويلتقي الحرف بالفكرة، ليكشفا أن أصغر وحدات اللغة قد تحمل أعمق أسئلة الوجود.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

في رواية الرحيل للكاتبة رضوى عاشور، تبلغ المأساة الأندلسية ذروتها. فإذا كانت غرناطة رواية السقوط، وكانت مريمة رواية الصمود في وجه المحو، فإن الرحيل هي رواية الاقتلاع الأخير؛ اللحظة التي يُدرك فيها الإنسان أن الأرض التي أحبها لم تعد قادرة على احتضانه.

تتابع الرواية مصير أحفاد الأسرة الغرناطية بعد عقود طويلة من القهر والتضييق والتنصير القسري. وقد أصبحت الحياة أشبه بإقامة مؤقتة في وطن لم يعد يعترف بأبنائه. تتوالى المراسيم والقيود حتى يصل الأمر إلى قرار طرد الموريسكيين من الأندلس، فيجد الناس أنفسهم أمام اختيار مستحيل: الرحيل عن الأرض أو الرحيل عن الذات.

في هذا الجزء، لا يكون المنفى مجرد انتقال جغرافي من مكان إلى آخر، بل تجربة وجودية عميقة. فالإنسان لا يحمل معه عند الرحيل سوى ما اختزنته روحه من ذكريات. البيوت تُترك خلفه، والأشجار تبقى في أماكنها، والطرقات تواصل صمتها، لكن الذاكرة تسافر معه كجرح لا يندمل.

فلسفيًا، تطرح الرواية سؤالًا موجعًا: هل الوطن هو المكان الذي نعيش فيه أم المكان الذي يعيش فينا؟ وتبدو الإجابة كامنة في مصائر الشخصيات التي تغادر الأندلس بأجسادها، لكنها تعجز عن مغادرتها بقلوبها. فالمسافة لا تُقاس بالأميال، بل بقدرة الروح على احتمال الفقد.

وتكشف الرواية أن أقسى أنواع الرحيل ليس مغادرة الأرض، بل مشاهدة عالم كامل يختفي أمام العينين. فالناس لا يفقدون بيوتهم فقط، بل يفقدون لغتهم وعاداتهم وملامح الزمن الذي عرفوه. ومع ذلك، يبقى شيء عصيّ على المصادرة: الحكاية. لذلك تصبح الذاكرة الملاذ الأخير، ويغدو السرد فعل مقاومة ضد النسيان.

وفي خاتمة الثلاثية، تبدو الرحيل أشبه بمرثية كبرى للإنسان المقتلع من جذوره، لكنها في الوقت نفسه احتفاءٌ بقوة الذاكرة. فالأوطان قد تُغلق أبوابها في وجه أبنائها، غير أن القلب يظل قادرًا على حملها أينما ذهب. وهكذا تنتهي الحكاية ظاهريًا بالرحيل، لكنها تنتهي معنويًا بانتصار الذاكرة على الفناء، وبقاء الإنسان وفيًّا لما كان، حتى وهو يسير نحو المجهول.

***

د. صابر الحميدي

الأب، المعلّم الشاب، الفنان، يقضي سنوات من عمره خلف قضبان سجن الكوت، لأنّه آمنَ بفكرة. يا لسخرية البلاد: النظام الذي هتف له ذات صباح من تموز في زمن الزعيم، هو نفسه الذي ساقه إلى الزنزانة بعد ذلك، بتهم ملفّقة وزائفة. كأنّ الأنظمة العسكرية تضحك على أبنائها حين يصدقونها أكثر من اللازم.

كان الأب واحداً من أولئك الذين يعتقدون أنّ الإنسان بلا قضية يشبهُ شجرةً بلا جذور. غير أنّ المبادئ العظيمة كانت دائماً قاسية على العائلات. في لحظة وعي متقدم، كنت أتساءل: لماذا يختار الإنسان السجن من أجل فكرة، مهما كانت نبيلة؟ هنا يتمثل جوهر المأساة الوجودية.

كيف يمكن لفكرةٍ أن تُخيف دولة؟ وهل تستحقُّ القضيّة أن يكبر الأطفال وهم ينتظرون مواجهة الأب المسجون بدل الأعياد؟

ما ذنب الأولاد حين يتحوّل الأب إلى صورة بعيدة لا يرونها إلا مرّةً واحدة كلَّ شهر؟ لكنّني، كلّما كبرتُ، فهمتُ شيئاً آخر. بعض الرجال لا يستطيعون خيانة أصواتهم الداخلية، حتى لو دفعوا أعمارهم ثمناً لذلك.

في الليلة التي تسبق يوم مواجهة السجناء، يتوافق عادة مع أول يوم من الشهر.

كنتُ أراقب أمّي، هي التي لم تقرأ كتابًا، ولم تتعلم القراءة، لكنها تحفظ دروساً عن ظهر قلب، أعظمَ من السياسة كلّها. أولها درس التضحية. امرأةٌ لو أدركت الفرح الذي شغل العيون عن البكاء، لما اقتفت أثر السراب. من أنت أيتها المقيمة في داخلي؟ لا خبر يسر، ولا صدى يحكي. ما الذي استوقفك هذه الليلة؟ وأنت تعدّين سلّة الطعام لـ (أبو الأولاد) بقلب لا ينكسر. كانت تعرف أنّ الصباح لن يمنحها زوجاً يعود معها، بل دقائق قصيرة خلف القضبان.

في آخر الليل تعجنين بيدين متشقّقتين، وتخبزين أرغفةً صغيرةً كأنّها مُعدّة لأول أيام العيد.

في صباح الرحلة، كانت الأم تحمل أصغرنا فلاح على كتفها، وهي حبلى بوليد مقبل، تشدّ بيدها اليسرى صفاء، وفي اليمين تسحل بأديب، بينما تتدلّى السلّةُ الثقيلةُ على ظهر ابنها البكر، ممتلئةً بالطعام والحنين والدموع. هي غير قادرة مادياً أن تأخذ الأولاد والبنات معها للمواجهة، فتمنح البقية فرصة أخرى على شكل دفعات بين شهر وآخر.

السفر من بغداد إلى الكوت، رحلة شاقة في سيارة خشبية، بدأت رحلتها من ساحة الأمين (خلف تمثال الرصافي) تئنُّ كأنّها عجوز تعاني من آلام الظهر، تهتزّ عند كل حفرة، أصوات ألواحها المتآكلة تختلط بأزيز المحرك. جلسنا متلاصقين فوق المقاعد الخشنة: عمال، موظفون صغار عابرون أنهكتهم الحياة، فلاحون اسودّت أسنانهم من كثرة التدخين، وأصابعهم مصبوغة بلون التبغ، فيما تتصاعد من أفواههم زفرات ثقيلة ممزوجة برائحة السكائر الرخيصة.

الغبار يدخل أفواهنا، يحيل الركاب إلى أشباح متشابهة بلون الأرض. والريح تعبث بوجوه الأطفال، تنقل التراب إلى كل فجوة في أجسامهم.

أمّي لا تتكلّم. تكاد تجفّ على شفتيها غمغمات السؤال. كانت تنظر بصمت عبر النافذة إلى البساتين البعيدة، كأنّها تبحث هناك عن هذا القدر الأعمى الذي قادنا إلى هاوية السنين.

الليل يسبقنا حال وصولنا المدينة. الكوت، مدينة متعبة، واقفة عند حافة الطريق الواصل بين العاصمة ومدن الجنوب. لكنّها تعرف الأسرار القديمة، وتحتفظ في ليلها بصمت عميق يشبه صمت السجناء. لكنّ السدّة المقامة على نهر دجلة كانت تمنحها شيئاً من الهيبة.

نبيتُ في فندقٍ بائس، رخيص، جدرانه رطبة، ممراته ضيقة، رائحته مزيج من العفن وروائح أسمال مفروشاته الرخيصة، أسرّته تصدرُ صريراً عالياً، أكلها الصدأ.

في الغرفة مصباح واحد أصفر يتدلّى من السقف، بخيط رفيع يكاد ينقطع.

ومع ذلك بقي شيء واحد أكثر رسوخاً في الذاكرة. كانت رائحة السمك البني المقلي، تتسلل إلينا من مطعم (هنيدس*) جوار بناية الفندق. الرائحة تقتحم الغرف، تستولي على المكان والحواس، تدخل خياشيمنا، وتنفذ إلى مساماتنا، تلتصق بثيابنا ووسائدنا. الرائحة تختلط بقلق الانتظار وحرارة الشوق.

عشرات السنين مرّت، أسماء تلاشت، وجوه غابت، لكن (رائحة هنيدس) بقيت عالقة في مناخرنا، محفورة في الذاكرة، ترافق خطانا.

أمّي لا تنام. تفتح السلّة مراراً، تتفقد الخبز، تعيد ترتيب حبات التمر والمعجّنات من صنع يدها، تمسح قنينة المربّى بطرف عباءتها، ثم تجلس قرب النافذة صامتة.

الكوت في تلك السنوات، مدينة يغلب عليها الغبار أكثر من الضوء، يهبط عليها الليل مبكراً، كأنّه يعرف أن لا شيء يستحق السهر. تنام بعد العشاء بقليل، تخفت الأصوات، وتغلق الدكاكين أبوابها الخشبية، ويفرغ السوق إلا من وقعِ خطواتٍ بعيدة

أو نباحِ كلاب شاردة في الأزقة المعتمة. حتى المقاهي كانت تبدو حزينة، رجال صامتون يشربون الشاي كأنّهم ينتظرون شيئًا لن يأتي.

كنا نسمع خرير الماء عند السدّة، وصفير الحراس البعيد، فنشعر أن المدينة كلّها

ليست سوى ممرّ طويل إلى السجن.

في ساعات الصبح الأولى، حين نهضنا متجهين إلى السجن، كانت الأم تمشي بصعوبة، تخطّ بقدميها، تئن في الطريق مثل امرأة فقدت وليدها للتوّ.

الجميع كان منشغلاً بلحظة المواجهة، يتساءلون مع بعض: كيف سيبدو وجه الأب، هل ضعف؟ هل مرض؟ هل ما زال يحتفظ بابتسامته القديمة؟ هل يحقُّ للأم أن تبكي أمامه، أم يجب أن تتظاهر بالقوة؟

في لحظة المواجهة، ابتسم الأب بتلك الطمأنينة الغريبة التي يمتلكها السجناء أحياناً،

كأنّه هو الحرُّ الطليق الوحيد، بينما البلاد كلّها كانت داخل قفص أكبر.

***

جمال العتّابي 

........................................ 

*هنيدس: في مناسبة ما ونحن نتذكر وقائع تلك السنوات مع الصديق د. جليل العطية، وأحداث مدينته (الكوت)، أفادني: أن هنيدس انضم إلى (الحرس القومي) بعد انقلاب شباط 63، و(لعب ما لعب).

أغاريد.. فتاة في الخامسة عشرة من عمرها، هل تملك القدرة على النظر إلى السماء لتنتظر فجر الغد، وسط أصوات القذائف الآتية من كل حدب وصوب؟ صغيرتي التي تبددت حياتها في غُضون أسابيع قليلة بسبب الحروب التي لا تتقن سوى سرقة الأمان، وتتغذى على الآلام والخراب مستهدفةً طمس هوية البلدان.

​أصبحت حياة أغاريد كحياة كل فتاة قُتل والديها وتفتت أجسادهما أمام عينيها إثر الصواريخ الغاشمة القاتلة للإنسانية، لتجد نفسها مرتدية ثوب الوحدة مع أخويها التوأمين البالغين من العمر ثماني سنوات. ماذا ستفعل بعد هدم منزلهم وإقامتهم في بيت خالها؟

​عند سماع صوت صفارات الإنذار—ذلك الصوت الباكي الصارخ الذي يحذر الجميع من الخطر—كانت أغاريد وأخَواها وزوجة خالها على أطراف المدينة، فأرادوا الاختباء مع عدد من المارة، فلجؤوا إلى بيت مهجور يبعد عن صفارات الإنذار. دخلت أغاريد في المقدمة، ورغم صغر سنها، إلا أن رؤيتها لمقتل أبويها وتحملها مسؤولية الصغيرين جعلاها أكبر من عمرها بكثير.

​دخلت المنزل، وأخذت تضيء بكشاف هاتفها عتمة المكان المظلم. وفي وسط تلك الظلمة الحاضنة، أخذت أصوات صفارات الإنذار تتعالى، فاتجهت نحو دهليزٍ لتجد نفسها مع أخويها الصغيرين وعدد من النساء في ذلك المكان الضيق. أمامهن اتجاهات عديدة ومجموعة من الأبواب؛ فأي طريق تسلكه أغاريد هربًا من رائحة القتل؟2863 amal

​فجأة، اتجهت نحو أقدم الأبواب ودفعته مسرعة، لتجد نفسها في لحظة مرعبة أمام فجوة زمنية مجهولة! وأخذ الجميع يتساءل بذهول: أين نحن؟ وفي أي مكان؟ هل هذا واقع أم بحر من الخيال؟

هبت في وجوههن رائحة دخان ممزوجة بتراب المعارك، وصهيل الأحصنة.. ومع تعالي الصرخات كأنها براكين تنفجر في كل اتجاه . وما أن اتضحت الرؤية حتى ظهرت سيدة في منتصف الأربعين من العمر وجهها يفيض بالحنان والأمومة عيناها بلونٍ بنيٍّ دافئ كتربة الأرض الخصبة، وكانت ترتدي ثوبًا يونانيًا فضفاض أبيض اللون لقد كان الحزن يكسو ملامحها، قائلةً بنبرة حزينة: "ما الذي جاء بكن إلى هنا ؟

​ردّت عليها أغاريد: نبحث عن طوق نجاة ومهرب من رائحة الموت.

​قالت السيدة وتدعى غايا - والتي تحمل نفس اسم الإلهة الأم العظيمة لكل الخليقة: "هل ظننتم أن هناك مهربًا وسط معركةِ طاحنةِ يقودها إله الحرب الدموي آريس في العصر الإغريقي القديم ؟. وعلى مقربة منهن كان يقف كبركان هائج . وخوذته ملطخة بدماء الأبرياء، وكان صوته يزلزل الأرض ويغرس الذعر في قلوب الرجال قبل النساء. ألا ترين كيف يعامل آريس النساء بوحشية كأنهن أضاحٍ تساق إلى الذبح؟

​وهنا وقعت أعين أغاريد على نسوةٍ مُكبَّلاتٍ بالقيود، يسوقهنَّ الجنودُ في نشوةِ الظافرين، كأنما يقتادون غنيمةً لا أرواحًا أثقلها الحزن. وقد كُتِب على أولئك النسوة أن يصبحن خادماتٍ ومحظيّاتٍ في بيوت الأعداء، بعد أن كنَّ حرائرَ عزيزاتِ النفس، يمشين مرفوعاتِ الهامة بين أهلهن. أخذت تكرر بصوت مندهش هذا ما يحدث معنا بالفعل فالكونُ كلُّه انطفأ نوره، وتلاشت ألوانه في أعينٍ أثقلتها الدموع. يخفق القلب في صدور النسوة ألمًا وانكسارًا، حيث يرافقهن شعورٌ قاسٍ بأن لا مهرب من هذا المصير .

لقد كانت السيدة غايا تمشي بين النسوة كأنها أمٌّ تجمع أبنائها بعد عاصفة، تمد يديها لكل مرتجفة، وتغرس في القلوب شيئًا من الطمأنينة وسط الدمار.

 وفي تلك اللحظة التقت عينا أغاريد التي تحمل الاستنكار لهذه المشاهد بعيني آريس. للحظة، بدا وكأنه رأى فيها شيئًا يشبه نظرة شقيقته أثينا تلك النظرة التي طالما واجهته بالرفض والتحقير وكشفت اندفاعه الأعمى نحو الحرب.

فهمت أغاريد من نظراته أنهن مستهدفات، فتسمرت في مكانها لا تعلم ماذا تفعل وإذا بصوت السيدة غايا قائلة هيا يا أبنتي هيا أيتها النسوة عليكن بالرحيل . وبسبب كثرة الجنود والقتلى تعثر تقدم آريس، مما ساعدهن على الفرار والعودة من حيث أتين، ولكن رافقتهن السيدة غايا إلى ذلك الرهليز فمن طبيعتها مرافقة أبنائها ومساندتهم .

​وفي ذلك الدهليز المظلم تساءلت إحداهن بقلب مرتجف: "إلى أي باب نلجأ الآن؟

​أجابت السيدة غايا: لعل هذا الباب يحمل لكنَّ النجاة.

تقدمت كافة النسوة وما أن عبرن العتبة ووجدن أنفسهن في فجوةٍ زمنيةٍ آخرى، وسمعن صرخات مدينة تحتضر ... بغداد فبراير 1258 حيث امتزج القتل بالنهب والخراب بعد دخول الجيش المغولي المدينة ..وقعت عينا السيدة غايا وأغاريد على مشاهد الألم : طفلة صغيرة تبكي فوق جثة أمها، و امرأة تجلس قرب جدار متصدع تضم طفلين إلى صدرها بمفردها، وعجوز تسأل المارة عن ابنتها منذ ساعات دون أن تجد جوابًا.

إلى جانب الدخان المتصاعد من المكتبات التي كانت خزائن للعلم والحكمة، بعدما التهمت النيران رفوف الكتب والمخطوطات الثمينة فقد كانت صفحات الكتب المحروقة كطيور مذبوحة تضرب بآخر أنفاسها بجناحيها على الأرض، أدركت أغاريد أن الحرب لا تقتل البشر وحدهم، بل تقتل ذكرياتهم أيضًا. ونظرت نظرة حائرة إلى السيدة غايا يبدو أنه لا يوجد مفر؟

 وهنا قالت السيدة غايا بصوت ينزف

يبدو أن كل الأبواب ما هي إلا فجوات زمنية تؤدي إلى المأساة نفسها في زمن الطغاة. هنا أدرك الجميع أن آريس لا ينتمي إلى حقبة زمنية محددة، بل يتجدد ظهوره كلما تمكنت نزعة الحرب من قلوب الغزاة وأتباعهم، واستبدت بعقولهم وأشعلت فيهم دموية الصراع.

 ومع حديث السيدة غايا سرحت أغاريد في مشهد طفلة بغداد الباكية على جثة أمها، والنسوة الإغريقيات اللواتي طاردهن آريس، ونظرت إلى أخويها اللذين احتميا بثوبها كما يحتمي العصفور الصغير بجناح أمه. وعلمت أن الوجع الذي حملته في قلبها لم يكن يخصها وحدها، بل كان جزءًا من وجعٍ إنسانيٍّ قديم يمتد عبر القرون.

وهنا سمعت صوت السيدة غايا عليكن استكمال المسير

وإذا بأغاريد تنظر إلى السماء، وما زالت تنتظر الفجر رغم كل شيء.

***

د. آمال طرزان

 

دراسة لغوية في ثراء الدلالة واتساع الاستعمال

تُعَدُّ اللغة العربية من أكثر اللغات الإنسانية قدرةً على احتضان المعاني المتعددة في اللفظ الواحد، حتى ليغدو اللفظ حقلاً دلالياً واسعاً تتجاور فيه المعاني وتتفرع منه الدلالات بحسب السياق والمقام. ومن الأفعال التي تجلَّت فيها هذه الخصيصة اللغوية الفريدة الفعلُ «وَجَدَ»، إذ انتقل من الدلالة الحسية المباشرة إلى آفاق معرفية ونفسية ووجدانية وفلسفية رحبة، حتى صار من أكثر الأفعال العربية ثراءً في الاستعمال.

الأصل الدلالي للفعل «وجد»

تجمع كتب اللغة على أن أصل مادة (و ج د) يدور حول معنى الظفر بالشيء وإدراكه بعد طلب أو بحث. قال اللغويون: «وجدتُ الشيءَ» إذا أصبته بعد فقد أو بحث. ومن هذا المعنى الحسي الأول تفرعت سائر الدلالات الأخرى، وفق سنة التطور الدلالي التي تجعل المعنى المجرد امتداداً للمعنى المحسوس.

فالعثور على الشيء في العالم الخارجي انتقل إلى العثور على الحقيقة في عالم الفكر، ثم إلى العثور على الشعور في أعماق النفس، ومن هنا اتسعت دائرة الاستعمال حتى أصبحت كلمة واحدة قادرة على التعبير عن الإدراك والعلم والإحساس والمحبة والغنى والقدرة.

«وجد» بمعنى العُثور والإصابة

وهذا هو المعنى الأصلي والأكثر شيوعاً.

يقال:

وجد المسافرُ الطريقَ.

وجدت المرأةُ كتابَها.

وجد الباحثُ الوثيقةَ المفقودة.

وفي هذا الاستعمال يكون الفعل متعدياً إلى مفعول به يدل على الشيء المعثور عليه.

وقد رأى فقهاء اللغة أن هذا المعنى هو الأصل الذي تتفرع منه سائر المعاني الأخرى، لأن الوجدان في جوهره إصابةٌ وإدراك.

«وجد» بمعنى العلم والإدراك

من أوسع استعمالات الفعل في القرآن الكريم واللغة العربية مجيئه بمعنى العلم واليقين.

قال تعالى:

﴿وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ﴾.

أي علمه وأدرك حقيقة وجوده وسلطانه.

ويقال:

وجدتُ الأمرَ حقاً.

وجدتُ كلامَك صواباً.

وهنا لا يكون المقصود العثور المادي، بل الوصول إلى حكم عقلي أو نتيجة معرفية.

وقد عدَّ كثير من النحاة هذا الاستعمال قريباً من أفعال القلوب كـ: «علم» و«رأى» و«حسب».

«وجد» بمعنى الشعور والإحساس

ومن أرقى الدلالات العربية أن ينتقل الفعل من عالم الأشياء إلى عالم المشاعر.

فيقال:

وجدتُ ألماً.

وجدتُ راحةً.

وجدتُ في نفسي ضيقاً.

ومن هنا نشأ المصدر «الوِجدان» الذي أصبح يدل على الحياة الشعورية بأسرها.

فالإنسان لا يجد الأشياء فحسب، بل يجد ذاته أيضاً؛ أي يدرك أحوالها وأحاسيسها ومكنوناتها.

«الوَجْد» والمحبة والشوق

ومن أبدع ما أنتجته العربية اشتقاق الوَجْد للدلالة على الحب العميق والشوق الملتهب.

فالعرب تقول:

وجدَ المحبُّ بمحبوبه.

هو شديد الوجد بها.

وقد توسع المتصوفة في هذا الاستعمال حتى جعلوا «الوجد» حالةً روحيةً يتجاوز فيها القلب حدود الحس والعقل إلى شهود المعنى الإلهي.

وهكذا انتقلت الكلمة من العثور على الأشياء إلى العثور على المعاني، ومن إدراك الموجودات إلى معانقة اللامرئي في فضاء الروح.

«وجد» بمعنى الغنى واليسار

ومن استعمالات العرب قولهم:

وجد الرجلُ بعد فقر.

فلان ذو جدةٍ ووجود.

أي صار ذا مال ويسار.

ويرى اللغويون أن العلاقة بين هذا المعنى والأصل الدلالي تكمن في أن الغني كأنه وجد ما كان يفتقده من أسباب العيش.

موقف النحاة البصريين

نظر النحاة البصريون إلى الفعل «وجد» بحسب معناه وسياقه.

فإذا دلَّ على العلم والاعتقاد ألحقوه بأفعال القلوب الناصبة لمفعولين.

فيقال:

وجدتُ الصدقَ منجاةً.

وجدتُ العلمَ نوراً.

فـ«الصدق» مفعول أول، و«منجاةً» مفعول ثان.

واحتج البصريون بأن الفعل هنا يؤدي وظيفة «علم» و«رأى» القلبية، ولذلك يعمل عملها.

أما إذا دل على العثور الحسي فإنهم يجعلونه متعدياً إلى مفعول واحد فقط.

فيقال:

وجدتُ الكتابَ.

فالكتاب مفعول به واحد لا غير.

وهذا التفريق بين المعنيين يُعَدُّ من أدق ما قرره علماء البصرة في باب الأفعال المتعدية.

موقف النحاة الكوفيين

أما الكوفيون فكانوا أكثر ميلاً إلى التوسع في تفسير الظواهر اللغوية اعتماداً على السماع وكثرة الاستعمال.

وقد وافقوا البصريين في الجملة على أن «وجد» إذا جاءت بمعنى العلم نصبت مفعولين، لكنها عندهم أكثر مرونة من جهة التأويل؛ لأنهم كانوا يمنحون السياق سلطاناً أكبر في توجيه المعنى والإعراب.

ويرى بعض الكوفيين أن تعدد معاني الفعل الواحد ظاهرة أصيلة في العربية، وأن اختلاف العمل النحوي تابع لاختلاف الدلالة لا لاختلاف اللفظ نفسه.

«وجد» في نظر فقهاء اللغة

تناول فقهاء اللغة مادة «وجد» بوصفها مثالاً بارزاً على ظاهرة الاشتراك الدلالي واتساع المعنى.

فقد رأى علماء العربية أن هذه المادة تجمع حقولاً دلالية متباعدة ظاهرياً لكنها متصلة باطنياً:

الوجود ضد العدم.

الوجدان بمعنى الإدراك.

الوجد بمعنى الحب.

الوجود بمعنى الغنى.

الوجادة بمعنى الظفر بالشيء.

وهذا الترابط يكشف عبقرية العربية في بناء المعاني من جذر واحد تتشعب منه الدلالات كما تتشعب الأغصان من أصل الشجرة.

الفلسفة اللغوية للفعل «وجد»

لو تأملنا هذا الفعل لوجدناه يلخص رحلة الإنسان كلها.

فالإنسان يبدأ بالبحث عن الأشياء فيجدها، ثم يبحث عن المعرفة فيجدها، ثم يبحث عن ذاته فيجدها، ثم يبحث عن الحب فيجد الوجد، ثم يبحث عن الحقيقة الكبرى فيجد الوجود.

ولذلك لم يكن «وجد» فعلاً عادياً في العربية، بل كان مرآةً لعلاقة الإنسان بالعالم وبنفسه وبالمعنى الكامن خلف الظواهر.

خاتمة

إن الفعل «وجد» شاهد بليغ على سعة العربية وعمقها الدلالي؛ إذ اجتمعت فيه معاني الظفر والعلم والشعور والمحبة والغنى والقدرة، وتنوعت أحكامه النحوية تبعاً لتنوع دلالاته. وقد أدرك البصريون والكوفيون هذه الثروة اللغوية فبنوا عليها أحكامهم، بينما كشف فقهاء اللغة عن الروابط الخفية التي تشد هذه المعاني بعضها إلى بعض.

وهكذا يظل «وجد» أكثر من فعل لغوي؛ إنه قصة الإنسان في سعيه الدائم إلى الاكتشاف، فما الحياة إلا رحلة طويلة من البحث، وما المعرفة إلا صورة من صور الوجدان، وما الحكمة إلا أن يجد المرء نفسه قبل أن ينقضي العمر وهو ما يزال يبحث عنها.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

في رواية "مريمة" للكاتبة رضوى عاشور، لا تروي الحكاية سقوط مدينة فحسب، بل تروي سقوط عالم كامل داخل روح الإنسان. هنا لا تُقاس الهزيمة بعدد القلاع التي انهارت، بل بعدد الكلمات التي مُنعت من أن تُقال، وعدد الأسماء التي أُجبرت على أن ترتدي أقنعة غيرها.

مريمة ليست شخصية روائية فحسب؛ إنها صورة الإنسان حين يُحاصر من الخارج فلا يجد ملجأ إلا في داخله. امرأة تحمل ذاكرة شعب بأكمله، وتدرك أن أخطر أنواع الموت ليس موت الجسد، بل موت المعنى. لذلك تتمسك بما تبقى من اللغة والعادات والصلوات والذكريات، كما يتمسك الغريق بخشبة صغيرة وسط بحر هائج.

في هذا الجزء من الثلاثية تتحول الحياة إلى مقاومة صامتة. لم يعد السيف مجديًا، ولم تعد الجدران تحمي أحدًا، فصار الحفاظ على الذاكرة فعلًا من أفعال البطولة. كانت السلطة تريد أن تغيّر الوجوه، أما مريمة فكانت تحرس الأرواح. وكانت تدرك أن الإنسان إذا فقد ذاكرته فقد نفسه، وإن بقي حيًا بين الناس.

فلسفيًا، تطرح الرواية سؤالًا عميقًا: ما الذي يبقى من الإنسان عندما تُنتزع منه لغته ودينه وتاريخه؟ وهل يمكن للهوية أن تعيش في السر كما تعيش الجذور تحت التراب؟ وتأتي الإجابة عبر تفاصيل الحياة اليومية؛ فالأوطان لا تسكن الخرائط فقط، بل تسكن العادات الصغيرة، والأغاني القديمة، والحكايات التي تتناقلها الأجيال همسًا.

لقد جعلت رضوى عاشور من مريمة رمزًا للذاكرة المقاومة؛ ذاكرة تعرف أن النسيان هزيمة ثانية، وأن التشبث بالماضي ليس رجوعًا إلى الوراء، بل دفاعًا عن الحق في البقاء. ولهذا تبدو الرواية كأنها تأمل طويل في العلاقة بين الزمن والهوية، بين القهر والصمود، وبين الفناء الذي يهدد الجسد والبقاء الذي تصنعه الروح.

وفي النهاية، لا تغادر مريمة القارئ كشخصية من زمن الأندلس، بل كفكرة خالدة: أن الإنسان قد يخسر أرضه، وقد يخسر بيته، وقد يخسر أسماء الأشياء من حوله، لكنه يظل قادرًا على الانتصار ما دام يحتفظ في أعماقه بشعلة الذاكرة. فبعض الأوطان لا تُحمل على الأكتاف، بل تُحمل في القلب، وبعض الهجرات لا تكون من المكان، بل من الذات حين تنسى من تكون.

***

د. صابر الحميدي

 

يؤكد صديقنا ميلاد محمود ميلاد حضوره الشعري بإصداره الثاني - دارة الروح - الذي ظهر في أوج ربيع هذه السنة سنة 2026 بتقديم الشاعر معمر الماجري ومراجعته وبتصدير شاعري جدير بالتمعن والدرس مثلما كتب وحلل صديقنا عبد العزيز بن عبد الله نصوص الإهداءات لدى الروائيين التونسيين ونحن إذا تركنا العنوان وصورة وجه الديوان وقرأنا ما ورد في ظهر الغلاف تحت صورة الشاعر:

لست بشاعر بلاط

وإن علا شأنه

ولست شاعر جمع

أو صدى حانة

حر بفسيح ملكوت الشعر

أزهو به

صادح الصوت

لا تَسَعُني خانة

يمكن أن نجعله بمثابة الدستور الشعري الخاص بميلاد محمود ميلاد معبرا فيه عن رؤيته للشعر التي نجد فيها صدى أبي القاسم الشابي الذي قال من قبل:

شعري نفاثة صدري

إن جاش فيه شعوري

لا أنظم الشعر أرجو

به رضاء الأمير

بمدحة أو رثاء

تُهدى لرب السرير

حسبي إذا قلت شعرا

أن يرتضيه ضميري

- 2 -

إن ما أريد تأكيده في هذ السياق أن الشاعر ميلاد محمود ميلاد ينطلق من منجزات الشعر التونسي ليواصل المسيرة الشعرية التونسية المتميزة جيلا فجيلا والتي شهدت في بعض فتراتها موجات من شعر المدح والهجاء وذلك باستسهال طرق المواضيع المكررة الخالية من الابتكار فصارت القصائد نسخا متطابقة تقريبا وأضحى الشاعر فيها يتقمص دور المهرج حينا وجُبة الواعظ أحيانا أو متقلدا سيفا من خشب خطيبا في المنابر والمناسبات التي أمست كرنفالات ...!

- 3 -

عاد بنا الشاعر ميلاد محمود ميلاد في خضم اختلاط الحابل بالنابل إلى نبع صاف من عيون الشعر التونسي ألا وهو الشاعر - علي الحصري القيرواني - وذلك من خلال معارضته لقصيدة - يا ليل الصب متى غده - فحاول مجاراتها بما تيسر له مثلما حاول النسج على منوالها عشرات الشعراء في كل عصر ومصر فقاربها البعض واستعصت على البعض وبهذه المعارضة الجديدة يؤكد الشاعر أنها قصيدة أيقونة في ديوان الشعر العربي من ناحية ومن ناحية أخرى كأنه أراد قول إنه متجذر في تراثنا الشعري لكنه من ناحية أخرى نجده متحررا من البحور والتفعيلات والقوافي كما أشار الأستاذ معمر الماجري في تقديمه قائلا :

(أما أغلب القصائد فإنها خارج التصنيف ولا تخضع إلا لميزان صاحبها واختلاحات صدره وخصائص ذوقه)

ونحن نضيف أن الشعر أوسع من البحور والقوافي ومن الأساليب وأكبر من التصنيفات ولا تحده قوالب ونظريات كي يظل فضاء الابتكار والتجديد مفتوحا أمام الإبداع الجديد.. فالعبرة من مكابدة الكتابة ليست من أجل الجوائز والامتيازات والتكريمات والدعوات وغيرها... وإنما من أجل الإضافة والتميز ... لا غير !

- 4 -

أعتقد أن الشاعر الذي اِستوعب منجزات القصيدة العربية قديمها وحديثها واِطلع على إبداعات الأمم الأخرى واستفاد من الفنون يمكنه أن يضيف إلى مسيرته الشعرية وأرى أن قصائد عديدة للشاعر ميلاد محمود ميلاد تحمل بذرة شعرية واعدة يمكنها أن تصبح دوحة فيحاء... ومن سار على الدرب وصل.

***

بقلم: سُوف عبيد - تونس

 

في المثقف اليوم