فيصل لعيبي فنان قدير وموهوب، لا يحتاج المتلقي إلى كثير من العناء لكي يكتشف سعة تجربته وثراء عالمه التشكيلي. يكفي أن نتأمل جانباً من منجزه, حيث فعلت أنا، المتنوع في الرسم والتخطيط والملصق والأعمال الغرافيكية، لندرك مقدار خبرته في اختيار الكتل اللونية، وتنظيم الفضاء، وبناء اللوحة، ومنح التفاصيل الصغيرة وظيفة لا تقل أهمية عن وظيفة المشهد بأكمله.
في عدد من أعماله ذات الطابع الشعبي، لاحظت بأن الفنان قد اختار، عن قصد ووعي، الرؤية عبر استعادة براءة الطفل الأولى حين يفتح عينيه لكي يتأمل ازدحام الشارع.. كأي طفل، يرى: وجوهاً، ونوافذ، وعربات، ولافتات، وباعة، وشرفات، وأيدٍ تلوّح من بعيد.
أحسست بأن هذه البراءة وهذا التبسيط هما مجرد تقنية وجدانية وقناع جمالي لإخفاء ثقافة تشكيلية عميقة. رأيت بأن الفنان اختزل التفاصيل الواقعية، ثم أعاد ترتيبها وفق منطق الذاكرة والدهشة والخيال، لا وفق ما تفرضه قوانين المنظور الأكاديمي وصرامة العين الواقعية.
تأتي لوحة «بغداد» ضمن مجموعة من الأعمال الشعبية المعروضة على صفحته.. وأي عمل من تلك الأعمال بإمكانه أن يتحول إلى جدارية.. أو توضع قرب بعضها بعضاً، لتكوّن تراثاً بصرياً شعبياً وذاكرة للمدن.. لذا أهيب بإدارة عاصمة بغداد أن تتبنّى اقتراحي هذا، وتضع تلك الجدارية في ساحة التحرير أو شارع المتنبي..
أعود إلى تلك المجموعة من اللوحات التي استلهم فيها الفنان فيصل لعيبي تراث المدن بصرياً بطريقة شعبية اختزالية، وبالأحبار الملونة، لما تمنحه تلك الأحبار من خفة وصفاء يقتربان من عالم الرؤيا والحكاية الشعبية والطفولية. وهكذا استطاع أن ينجز مشروعه من دون أن يثقل اللوحة بالصنعة، أو يستعرض مهارته على حساب روح المكان.
رأيت بغداد التي في اللوحة مسرحاً شعبياً مفتوحاً، تتجاور فيه واجهات المحال مع الأقواس والشرفات والنوافذ واللافتات، فيما يتزاحم الناس في الشوارع وداخل الحافلة الحمراء ذات الطابقين.
أحسست بأن تلك الحافلة ليست مجرد وسيلة نقل عابرة، بل عالم وتفصيل مكاني يتحرك داخل المدينة الكبيرة.. رأيت وجوهاً لأناس أعرفهم، من أعمار وطبقات مختلفة، اجتمعوا عن قصد في عربة واحدة، لغاية أن نتأملهم، وننصت إلى ما لا يقولونه.
هنا أحسست بالإيقاع والضجيج الداخلي والسردي للوحة. فكل نافذة توحي بحكاية، وكل شرفة تخفي انتظاراً، وكل وجه يحمل ماضياً قد نعرفه أو نتخيله. حتى المجموعات البشرية المتقاربة تبدو كأنها على وشك الكلام أو الجدال، فتتحول اللوحة إلى حكايات صغيرة تتحرك داخل الحكاية الكبرى للمدينة.
إن تسطيح المنظور وتبسيطه وإلغاء العمق الأكاديمي التقليدي، حيث تتقدم العناصر كلها نحو سطح اللوحة، وتتخلى الأجساد والأبنية عن الحجم والمسافة كما نعرفهما في المدينة الواقعية.. يحيل اللوحة إلى طقس وجداني بريء يُحَسّ بالقلب والذاكرة.
ما هو أكثر رسوخاً في الذاكرة كَبُر حجمه، وما هو أشد التصاقاً بالوجدان برز أكثر وضوحاً ولمعاناً. فالذاكرة، لا العين، هي التي تحدد مواقع الأشياء وأحجامها.
أعرف بخبرتي البسيطة بأن الفنان استخدم الخطوط السوداء التي تحدد الأشكال، كي تؤدي دوراً بنائياً وتعبيرياً في آن واحد. فهي تفصل المساحات اللونية، وتحفظ وضوح الشخصيات وسط الزحام، وتمنح العمل أيضاً طابعاً قريباً من الجداريات الشعبية، ورسوم المقاهي، والحكايات المصورة التي كانت تُروى في الأزقة والبيوت.
وسط إيقاع وموسيقى وحركة الأشكال والشخوص المنظورة، يأتي إيقاع الألوان الصريحة والمضيئة، المنفتحة بكل حنجرتها: الأحمر والأخضر والأزرق والوردي والأصفر، لتؤكد حيوية الحياة وضجيجها وحضورها في المدينة...
من وجهة نظري.. أرى بغداد التي يرسمها فيصل لعيبي سجلّاً بصرياً لتعدد المجتمع العراقي وتنوعه بكل فروقه الصغيرة التي تكمل بعضها بعضاً، وتكمل هوية المدينة، التي لا تزال تحتفظ بذاكرة جماعية، تختلط فيها الاحتفالات بالاحتجاجات، والحياة اليومية بالأحداث الكبرى، والخاص بالسياسي، وصوت الفرد بأصوات الجموع.
وأخيراً، أرى بأن تميّز العمل يكمن في هذه المنطقة الملتبسة تحديداً.. في قدرته على الجمع بين البساطة الظاهرة والتعقيد الداخلي، وبين الحس الشعبي والثقافة التشكيلية، وبين ذاكرة الفنان الفردية وذاكرة الناس الذين عرفوا بغداد، أو تخيلوها، في حكايات ألف ليلة وليلة: مدينة نابضة، مزدحمة، ملوّنة، حميمية، مشاكسة، ومفتوحة على عدد لا ينتهي من الحكايات..
***
فؤاد ميرزا بغدادي








