لاريب أن الجمال ليس مجرد صورة متوهجة تسر العين، أو مشهد رائع يأسر الانظار، وإنما الجمال ومضة وجدانية، يتفاعل معها الوجدان قبل الحواس، وتترجمها النفس وفق ما تختزنه من رهافة حس، وعمق تأمل.
فكم هناك من منظرٍ جميل، يوقظ في وجدان البعض الدهشة والإعجاب، بينما يمرّ عليه آخرون مروراً عابراً لا يترك في نفوسهم أثراً، وذلك لأن الجمال لا يكمن في جمال المشهد، وانما في قابلية الانسان لاستقبال ذلك الجمال بايجابية، والتفاعل معه بوهج.
ولا ريب إن الحس المرهف موهبة فطرية رفيعة، تمكن صاحبها من التقاط تفاصيل مفردات الحياة الدقيقة، حيث يرى في الأشياء العادية عالماً من الدلالات والمعاني. فهو عندما يتأمل زهرة متفتحة يستشعر عظمة الخالق، وعندما يصغي إلى تغريد الطيور يستحضر معاني الطمأنينة، وعندما يتوقف أمام غروب الشمس، يقرأ في ألوان السماء لوحة إبداعية لا تتكرر. أما البليد صاحب الحس الجامد، فإن تلك المشاهد ذاتها لا تثير فيه سوى نظرة عابرة، لأنه فقد القدرة على الإنصات لنبض الجمال الكامن في تفاصيل مشاهد الحياة.
ولعل اعتياد الإنسان رؤية المشاهد، يفقده دهشته الأولى. فالانشغال المفرط بإيقاع الحياة السريع، والانغماس في العالم الرقمي، وتراكم الضغوط اليومية، كلها عوامل قد تفضي إلى بلادة الحس، فيغدو الإنسان محاطاً بمظاهر الجمال دون أن يلتفت إليها، وكأنه يعيش في عالم بلا ألوان، ولا موسيقى.
على أن البلادة لا تعني نقصاً في الذكاء، أو المعرفة، وإنما البلادة خفوت في التفاعل الوجداني، يجعل الإنسان أقل قدرة على التأثر بالمشاهد الجمالية. ومع استمرار هذا الخفوت، تضيق مساحة التأمل، وتتراجع مشاعر الحس المرهف، ويصبح الإنسان أكثر ميلاً إلى الجفاف الوجداني واللامبالاة.
وهكذا فإن رهافة الحس ليست مجرد صفة فطرية، فحسب، بل هي قيمة وجدانية يمكن تنميتها بالمطالعة، والتأمل، ومجالسة أصحاب الذوق الرفيع، والاقتراب من الطبيعة، والانفتاح على الفنون الراقية، والآداب الأصيلة، حيث أن كل هذه الروافد تصقل الوجدان، وترسخ قدرته على اكتشاف الجمال في كل ما يحيط به من مشاهد.
وهكذا يبقى الجمال تجليات لا تنضب، لكنه لا يكشف أسراره إلا لمن يمتلك وجدانا شفافا، وحساً مرهفاً، يقرأ في تفاصيل الكون آيات الإبداع الإلهي. أما البلادة، فإنها تحجب عن صاحبها وهج هذا العالم البديع، فيعيش بين مظاهر الجمال، دون أن يتذوق منها شيئاً.
ومن هنا، فإن التسامي الحسي، والارتقاء الوجداني، هو ارتقاء بالإنسان ذاته، لأنه يعيد إليه قدرته على رؤية مفرادت الحياة بعين المحبة، وقلب الامتنان، وروح الجمال.
***
نايف عبوش








