ثراءُ الدلالة واتساعُ العمل بين النحاة واللغويين
تتميّز العربية بخصيصة فريدة تجعل الكلمة الواحدة قادرة على حمل معانٍ متعددة تتحدد بحسب السياق، فلا تنفصل الدلالة عن التركيب، ولا يكتمل المعنى إلا بعلاقتهما معاً. ومن أكثر الأفعال العربية ثراءً واتساعاً في الاستعمال فعل «جَعَلَ»، حتى عده النحاة والبلاغيون واللغويون من الأفعال المحورية في بنية العربية، لاجتماع الدلالات الحسية والمجازية فيه، وانتقاله بين معاني الخلق، والتصيير، والشروع، والوضع، والتسمية، والتقدير.
وليس هذا الاتساع الدلالي مجرد ظاهرة لغوية، بل هو شاهد على مرونة العربية وقدرتها على استيعاب المعاني المختلفة بألفاظ قليلة، وهو ما أشار إليه ابن جني حين قال: «إن أكثر اللغة مجاز واتساع.» فالكلمة في العربية لا تُفهم منعزلة، وإنما تُفهم في ضوء السياق الذي يحدد وظيفتها ويكشف مقصد المتكلم.
لقد ورد فعل «جعل» في القرآن الكريم أكثر من ثلاثمائة مرة بصيغ متعددة، مما يدل على مكانته المركزية في البيان العربي. ومن هنا أفاض المفسرون والنحاة في بيان معانيه، حتى قال الراغب الأصفهاني في مفردات ألفاظ القرآن: «الجعل أعم من الخلق؛ لأن كل جعل يقتضي نقل الشيء من حال إلى حال، أو إثبات وصف له، وقد يكون خلقاً، وقد يكون تصييراُ، وقد يكون حكماً.»
- جعل بمعنى خلق وأوجد:
ذهب جمهور النحاة والمفسرين إلى أن «جعل» تأتي بمعنى خلق وأوجد، فتتعدى إلى مفعول واحد.
ومن ذلك قوله تعالى:
«﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام: ١].»
فالمراد هنا: خلق الظلمات والنور.
وكذلك قوله تعالى:
«﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا﴾ [النبأ: ١٠].»
وقد رأى الفراء، إمام الكوفيين، أن هذا الاستعمال من أشهر معاني «جعل» في القرآن، وأن معناها هنا لا يختلف عن «خلق»، وإن كان لفظ «جعل» أدق؛ لأنه يدل على الإيجاد مقروناً بالحكمة والتقدير.
- جعل بمعنى صيّر:
وهو أشهر استعمالاتها عند النحاة، وفيه تنصب مفعولين، أصلهما المبتدأ والخبر.
مثل:
- جعلتُ الطينَ خزفًا.
- جعل اللهُ الماءَ سببًا للحياة.
وقد نص سيبويه في الكتاب على أن «جعل» إذا كانت بمعنى صيّر عملت عمل ظن من حيث نصبها مفعولين، إلا أنها ليست من أفعال القلوب، بل من أفعال التحويل.
وقال ابن هشام الأنصاري في مغني اللبيب: «كل فعل دلّ على نقل الشيء من حال إلى حال، نحو جعل وصيّر واتخذ، نصب مفعولين.»
أما المبرد فقد رأى أن التصيير لا يكون إلا مع وجود انتقال حقيقي أو معنوي بين حالتين، ولذلك لا يصح حمل جميع مواضع «جعل» على معنى التصيير.
- جعل من أفعال الشروع:
إذا جاءت «جعل» بمعنى أخذ أو شرع، فإنها تدخل في باب أفعال الشروع.
مثل:
- جعل الطفلُ يضحك.
- جعل المطرُ يهطل.
وهنا ترفع الاسم، ويكون خبرها جملة فعلية فعلها مضارع.
وقد عدها البصريون مع: أخذ، وطفق، وأنشأ، وهبّ، وعلق.
أما الكوفيون فكانوا أكثر توسعاً، فأجازوا دخول بعض الأفعال في هذا الباب إذا دل السياق على الابتداء بالفعل.
- جعل بمعنى وضع:
وقد تأتي بمعنى وضع.
مثل:
- جعلتُ القلمَ على المكتب.
- جعل المسافرُ حقيبتَه في السيارة.
وهنا تنصب مفعولًا واحداً.
ويرى ابن فارس في مقاييس اللغة أن هذا المعنى متفرع من الأصل الدلالي للجعل، وهو إحداث هيئة جديدة للشيء.
- جعل بمعنى سمّى أو عدّ:
ومن معانيها أيضاً:
- جعلوه قائداً.
- جعل الناسُ الصدقَ فضيلةً.
أي: عدّوه أو سموه.
وهذا المعنى قريب من التصيير.
- البصريون والكوفيون:
اختلفت المدرستان في تفسير بعض استعمالات «جعل».
- البصريون:
كان البصريون، وعلى رأسهم سيبويه والمبرد، أكثر ميلًا إلى ضبط المعاني وفق العمل النحوي، فجعلوا اختلاف الإعراب تابعاً لاختلاف المعنى.
فإن كانت «جعل» بمعنى خلق نصبت مفعولاً واحداً.
وإن كانت بمعنى صيّر نصبت مفعولين.
وإن كانت للشروع عملت عمل كان.
وقد كانوا يحرصون على عدم التوسع في القياس إلا بوجود شاهد معتبر.
- الكوفيون:
أما الكوفيون، وعلى رأسهم الفراء والكسائي، فقد كانوا أوسع في حمل اللفظ على أكثر من معنى بحسب السياق، ويرون أن الاستعمال العربي هو الحاكم الأول، وأن الدلالة قد تتسع بحيث يصعب الفصل الحاد بين معاني «جعل».
ولهذا نجد الفراء يفسر بعض الآيات بمعنى الخلق، بينما يراها غيره من باب التصيير.
- رأي ابن جني:
أما ابن جني فقد نظر إلى «جعل» من زاوية فلسفة اللغة، ورأى أن انتقالها بين المعاني دليل على حيوية العربية، وأن الأصل في الألفاظ هو المرونة لا الجمود.
وكان يقول إن اختلاف الدلالة لا يعني اختلاف الكلمة، بل اختلاف العلاقة التي تنشأ بينها وبين السياق.
- رأي عبد القاهر الجرجاني:
أما عبد القاهر الجرجاني فقد جعل فهم «جعل» تطبيقاً عملياً لنظرية النظم؛ لأن قيمة الكلمة لا تظهر منفردة، بل داخل السياق الذي تنتظم فيه.
فقد تكون «جعل» في موضع للخلق، وفي آخر للتصيير، وفي ثالث للشروع، مع أن اللفظ واحد.
وهذا يؤكد أن المعنى وليد التركيب، لا وليد المفردة وحدها.
- الراغب الأصفهاني:
يعد الراغب من أدق من تناول هذا الفعل، إذ يرى أن «الجعل» أوسع من الخلق؛ لأن الخلق إيجاد، أما الجعل فقد يكون:
- خلقاً.
- أو تغييراً.
- أو تقديراً.
- أو حكماً.
- أو تسمية.
ولهذا كثرت معانيه في القرآن الكريم.
- البعد البلاغي:
إن سر جمال «جعل» يكمن في مرونتها البيانية.
فالقرآن لا يقول دائماً خلق، بل يقول أحياناً جعل؛ لأن الجعل يوحي بالتقدير، والتنظيم، والوظيفة، والغائية.
فالخلق إيجاد، أما الجعل فهو إيجاد مع حكمة.
ومن هنا قال بعض البلاغيين إن العدول من «خلق» إلى «جعل» ليس ترادفاً، وإنما انتقال من الدلالة العامة إلى الدلالة المقصودة.
إن فعل «جعل» شاهدٌ بليغ على عبقرية العربية واتساعها الدلالي؛ فهو لفظ واحد، لكنه يتحول في ضوء السياق إلى معانٍ متعددة، فيكون مرةً خلقاً، وأخرى تصييراً، وثالثة شروعاً، ورابعة حكماً أو وضعاً. وهذا التنوع لم يكن موضع خلاف بين النحاة فحسب، بل كان ميداناً خصباُ لفقهاء اللغة والبلاغيين والمفسرين، الذين رأوا فيه مثالاً حياً على أن العربية لغة العلاقات لا المفردات، ولغة السياقات لا الألفاظ الجامدة.
ولعل أجمل ما نستخلصه من دراسة هذا الفعل أن الكلمة العربية لا تُقاس بمعجمها وحده، وإنما بما تكتسبه من حياة داخل السياق؛ فهناك تتجلى دقة العربية، ويتجسد إعجازها البياني، ويظهر أن ثراء اللغة ليس في كثرة ألفاظها فحسب، بل في قدرتها على أن تمنح اللفظ الواحد آفاقاً لا تنفد من المعاني.
***
بقلم: عماد خالد رحمة - برلين








